← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

شبيهاً، والوصيلة: الأنثى من الغنم إذا ولدت مع ذكر يقال: وصلت أخاها، فيذبحونه لآلهتهم. والحامي: الفحل الذي ينتج من صلبه عشرة أبطن، وكان يقال حمى ظهره، فيسيب ولا يركب. قوله : - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) قال أهل اللغة: أصل تعالي دعا إلى العلو، ثم استعمل في كل مكان علوا كان أو سفلاً، وقيل: إن ذلك يقال اعتباراً بالعلو الذي هو المرتبة الرفيعة، فإذا قيل تعالي كأنه قيل اطلب بفعلك هذا علواً وشرفاً كقولك لمن دعوته تفضل أي اطلب بذلك الفضل وانعم ونحو ذلك، ثم كثُر وصار كأنه موضوع المجرد. والمعنى إذا دعوا إلى الكتاب والسنة أعرضوا وزعموا أنهم مكتفون بما شاهدوا عليه آبائهم كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).

стр. 1962

وقوله: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ) الألف دخل للتعجب من جهلهم أي أو يكفهم ذلك، وإن كان آباوُهم لا يعلمون، فيفعلون ما يقتضيه علمهم ولا يهتدون بمن له علم، وأشير بأنهم من جملة الفرقة الثالثة الذين وصفوا فيما رُوي: (الناس عالم، وتعلم، وحائر نافر لا يطيع مرشداً). وقال على ﵁: (الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نحاه ونهج رعاع وأتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجاؤا إلى ركن وثيق فيمتنعوا).

стр. 1963

وقوله: (لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) إشارة إلى أنهم هم الرعاع أتباع. قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) قيل لا يضّركم ولا يَضِيركم من ضَارَه يُضِيَره يَضُورُه وجُعِل جواباً. ولا يضُّركم الأجود أن يكون رفعاً لا جواباً وإن جاز أن يكون في موضع الجزم على الجواب على معنى أنكم إن أصلحتم أنفسكم، ولم يتحروا ما فيه فسادكم وإفساد غيركم، لم يضركم فلا يكونا كمن قبلهم

стр. 1964

ليحملوا أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم، وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) وليس في الآية حثٌّ على ترك النهي عن المنكر كما نقله قوم، فقد تقدم حث الله على ذلك في آيات كثيرة نحو قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ). وقال حاكياً عن لقمان: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧). ومدح القائلين بذلك فقال: (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ). وقال ﵊: ((من رأى منكم منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه)، ويدلك على

стр. 1965

ذلك أنه قال: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ). ومن الاهتداء إنكار المنكر. وقال أبو بكر ﵁: (إني أراكم تتناولون هذه الآية: (عَلَيكُم أَنفُسَكُم) وقد عهدنا رسول الله ﷺ علمنا هذا على هذه الأمور وهو يقول: إن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمهم الله بعقابه)، وما بينكم وبين أن يعمهم بعقابه إلا أن تناولوا هذه الآية على غير تأويلها، وإنما المعنى لا تعتدوا بآبائكم واحفظوا أنفسكم أن تزِّل كما زلَّ غيركم، وإذا اهتديتم فليس عليكم من ضلال من خالفكم شيء. كقوله: (لَّيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم)،

стр. 1966

وقوله: (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ). قيل: وفيها حثٌّ على أن نظر الإنسان لنفسه أن يهذب نفسه قبل أن يهذب غيره، وأن يعتبر حال نفسه قبل اعتبار حال غيره. وعلى هذا: (قُوَاْ أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا). فأمر أن يبدأ بنفسه. وقيل: إن ذاك إشارة إلى ترك النهي باليد واللسان، حيث يعلم أنه لا يغني ولا يجدي كما ورد في الخبر (إذا رأيتم هوى متبعا وإعجاب المرء بنفسه فعليكم أنفسكم).

стр. 1967

وقيل: عنى من يضل من أهل الكتاب إذا التزموا الجزية، فيقول دعوهم وشأنهم ولا يضركم منهم شيء، وقيل: إن ذلك إشارة إلى وقت مخصوص. فقد روي عن رسول الله ﷺ : (ترك النهي إذا قدم كنيسة دمشق فجعل مسجداً، وإذا رأت الكاسيات العارية). قيل: هذا كان في زمن الوليد بن عبد الملك، فهو الذي هدم الكنيسة وضمها إلى المسجد.

стр. 1968

وقال: مكحول وعبد الله بن مسعود: (عَلَيكُتم أَنفُسَكُم) إنما هو إذا غاب الواعظ وأنكر الموعوظ، وقيل: عنى بقوله: (عَلَيكُم أَنفُسَكُم) أي لا تعتد بهؤلاء فيما يفعلونه من الشر وتركن إليهم وتستمرئ لنفسك ما تستمرئ لغيرك. كما يفعله كثير من الناس في أنهم يأخذون برخصهم فيؤدي ذلك بهم إلى الهلاك، وهذا كقولهم: كل شاة تناط برجليها. وقيل: إن ذلك توكيد لقوله: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي عليكم في أسئلتكم بما يعود منافعه عليكم لا يضاركم ولا يضركم كقولهم: - الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كفيت. وقيل: معناه عليك نفسك فاشغلها قبل أن تشغلك فإن لم تصلحها أفسدتك. قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)

стр. 1969

هذه الآية يتعلق بها حكم التقدير والإعراب والفقه، فأما تقديرها: فهو إذا حضر أحدكم الموت فشهادة بينكم اثنان ذوا عدل، أو إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فآخران من غيركم إن لم يكن ذوا عدل منكم، فإن ارتبتم تحسبونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله لا نشتري به ثمناً، واستغنى عن جواب إذا حضر بقوله: (شَهَادَةُ بَينكُم)، وعن جواب إن ضربتم، بقوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)، وعن جواب الفاء بقوله: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ)، وقوله: (بِاللَّهِ) يصح أن يكون استئنافاً فيكون هو الذي يتفوه به المقسم على تقدير فيقسمان، ويقولان: - تالله لا نشتري. ويجوز أن يكون متعلق بيقسمان، فيكون قوله: (لَا نَشترِي) على تقدير: والله لا نشتري فهذا تقدير الآية. فأما إعرابها: فقوله: (شَهَادَةُ بَينكُم) يجوز أن يكون مبتدأ وخبره قوله: (اثنانِ) كأنه قيل: شهادة بينكم شهادة اثنين.

стр. 1970

ويجوز أن يكون تقديره: عليكم أن تُشْهِدَ اثنان، فيكون قوله: (شَهَادَةُ) ابتداء محذوف الخبر و (اثنَانِ) مرتفع بقوله (شَهَادَةُ). وقيل: يكون (شهادة بينكم) مبتدأ وقوله: (اثنانِ) فاعل، ويرتفع به، ويستغني عن خبر الابتداء كقولهم: - قائم الزيدان. وقوله: (إِذَا حَضَرَ) خبر، لقوله: (شَهَادَةُ) وقوله: (حِينَ الْوَصِيَّةِ) بدل من قوله: (إِذَا حَضَرَ) وقيل هو ظرف لقوله: (إِذَا حَضَرَ)، وحضور الموت:

стр. 1971

حضور أسبابه من المرض ونحوه. وقوله: (أَوْ آخَرَانِ) ليس على التخيير، بل معناه: إنما يقبل الآخران في السفر خاصة، إذا عدم العدلان وأمَّا فيهما فقد اختلف في قوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) فقال بعض الفقهاء: إذا كان من غير قبيلتكم، ولم يعن من غير المسلمين، لأن شهادتهم لا تقبل علينا بوجه، ويقوي ذلك بقوله: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) وقال إنما يفعل بمن في قلبه استعظام الصلاة فينزجر عن اليمين مخافة العقوبة، وإلى هذا ذهب الحسن. قوله: إنه أريد من غير قبيلتكم. وقال بعضهم عنى من غير المسلمين، قال والقصة التي نزلت الآية في سببها

стр. 1972

يدل على ذلك، فهو أن تميماً الداري وعدياً، وكانا حينئذٍ نصرانيين بنجران فخرج معهما مولى لعمرو بن العاص يقال له بديل، ومعه متاع. فلما قدموا الشام مرض المولى وكان مسلماً فكتب وصيته ولم يعلم بذلك تميم وعدي، وقدما المدينة، ودفعا المتاع إلى عمرو بن العاص، وأخبراه بموت بديل، فقال عمرو: ولقد توجه من عندنا بأكثر من هذا المتاعِ، فهل باع شيئا، فقالا: لا، فمضى بهما إلى النبي ﷺ فأحلفهما أن بديلاً ما ترك غير هذا، ثم إن عمرو بن العاص ظهر على آنية فضة عند تميم، فقال هذه الآنية لي وهى مما كان مع بديل، فقالا: كنا اشتريناها منه، فقال عمرو: لقد سألتكما

стр. 1973

هل باع شيئاً، قلتما: لا، فقالا: نسينا، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ فقالا: إنا كنا ابتعنا الآنية ولم يكن لنا عليه بيِّنة فكرهنا أن نقر، فنزلت الآية على النبي ﷺ ، فعلى هذا شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر يجوز إذا لم يوجد العدلان وقد حكم أبو موسى في مثله بذلك، وقال هذا حكم ثابت غير منسوخ. وقال بعضهم: - ذاك في الكافر في أول الإسلام ثم نسخ بآية الشهادة، ولا يجوز الآن شهادة الذميّ على المسلم بوجه، وقد بيَّنت أن لا يمين على الشاهد بوجه، ولا يجوز الارتياب على الشاهد لمكان اليمين، ولا يجوز

стр. 1974

أيضاً أن يجعل يمين الورثة معارضة ليمين الشاهد، فيجب أن يكون ذلك منسوخاً بقوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) ومن قال بالأول فقال بقوله: (فَيُقسِمَانِ) ليس بإيجاب، وإنما هي أن يبتدئ الشاهد فيحلف من غير أن يُحلًف، فذكر أنه لا يعرج على يمينه ولا يعتد به، وإنما كان منسوخاً أن لو كان ذلك واجباً. إن قيل: لما قال: (لَا نَشتَرِى بِهِ ثَمَنًا) والثمن هو الذي يُشْتَري به لا يشتري هو؟ قيل: قد قال بعض أهل اللغة: - أراد ذا ثمن فحذف المضاف، وقيل: إن كل شراء بيع وليس كل بيع شراء، وذلك يختلف بالاعتقاد في الثمن والمثمن، ولهذا قيل: بعتُ واشتريت من الأضداد، فعلى هذا كأنه جعل الثمن مصوراً بصورة البيع، فلهذا قيل ذلك وقد دل في موضع آخر: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا). وقوله: (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أي للميت، ولو كان المشهود قريباً وذلك لما في طبع الإنسان من ميله إلى أقاربه، ومن هذا الوجه رد شهادة الأب للابن، والابن للأب، وأضاف

стр. 1975

الشهادة إلى الله تعظيماً لها كقوله: (وَأَقِيمُواْ الشاهَدَةَ لِلَّهِ). وقرأ الشعبي: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ) بالتنوين، وجعل الله مجروراً ومنصوبًا على تقدير القسم. قوله : (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) قوله: (الأولينِ) يحتمل إعرابه أوجهاً: الأول: أن يكون مبتدأ وقوله: (فَآخَرَانِ) خبر. وتقديره: إن عثر أنهما استحقا إثماً أي أن اطلع وقف على أن الشاهدين هما الآخران من غير أن يحيفا في شهادتهما فاستحقا إثماً، فالأوليان آخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم أي من أهل الميت، ويجوز أن يكون قوله: (فَآخَرَانِ) مبتدأ، و (الأَولَينِ) خبره، ويجوز أن يكون قوله:

стр. 1976

(فَآخَرَانِ) مبتدأ و (يَقُومَانِ) خبره، و (الأَولَيَنِ) بدل إمَّا من قوله: (فَآخَرَانِ) أو من الضمير في قوله: (يَقُومَانِ) أو يكون خبر ابتداء مضمر، فهذه ستة أوجه في إعرابه، وقد أجاز أبو الحسن وجهاً سابعاً: وهو أن يكون: (الأَولَينِ) صفة لقوله: (فَآخَرَانِ) قال: ويجوز ذلك، وإن كان قوله: (فَآخَرَانِ) و (الأَولَينِ) معرفة، لأن ذلك تعريفه للجنس، وقوله: (فَآخَرَانِ) قد وصف، والنكرة الموصوفة قريبة من المعرفة بالألف واللام الدالة على الجنس، ولهذا صح أن يوصف ما فيه الألف واللام بغيره مثل في نحو: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وحُكي: مرَرْتُ بالرجل مثلك، وذلك أنهما (الأَولَينِ) أي هما أولى من غيرهما، لأنهما أعرف بأحوال الميت، ولأنهما من المسلمين، فإن الخطاب من أول الآية مصروف إليهم،

стр. 1977

وقوله: (عَلَيهِمُ) يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون (على) باقي على ظاهره كقولهم: استحق على فلان مال، أي لزمه ووجب عليه الخروج منه. الثاني: أن يكون قوله: (عَلَى) بمنزلة (مَنْ) كقوله: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) أي منهم. الثالث: أن يكون بمنزلة في موضع (عَلَى) مقام (في) كما وضع (في) مكان (على) في قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُم فِى جُذُوعِ النَّخلِ). وقرأ إسحاق (عليهما الأوليان)

стр. 1978

فيكون لهذا مرتفع، قوله: (الأَولَينِ) بقوله: (استَحَقَّ) والمفعول الذي هو المستحق محذوف. وقرأ: (مِنَ الَّذِينَ استَحَقَّ عَلَيهِمُ الأَولَينِ) الجمع، أي من الأولين الذين استحق عليهم، هذا المعنى فيكون قوله: (الأَولَينِ) بدلاً من الذين. وقرأ ابن سيرين: (مِنَ الَّذِين استَحَقَّ عَلَيهِمُ الأَولَينِ) تثنية الأول وليس ذلك بالوجه، فقد قال: (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) فكيف يقول بعده الأولين. قوله : (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)

стр. 1979

أن يتحرى هذا الفعل ومرجاته أقرب إلى الإنسان إمَّا لصلاحه في نفسه، وإمَّا لخوفه أن تُردَّ أيمانه على الأوليان بعد أيمانهم فيحلفوا على جنايتهم فيُفضحوا، فيقيمون الشهادة على وجهها تفادياً من ذلك، ثم قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا) إما توحدون به فإنكم إن لم تتقوا ولم تسمعوا لصرتم فاسقين، فإذا فسقتم لم يهديكم الله، فالله لا يهدي القوم الفاسقين. إن قيل لم قال: (يَأتُواْ) فذكر بلفظ الجمع، وما تقدم هو تثنية؟ قيل: لأنه لم يعنهما فقط بل عنى الناس كلهم، أي ذلك أدنى أن يصير الناس هكذا. قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) قيل تقدير الآية: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) الآية، وإنما المعنى لا يهديهم إلى طريق الجنة في ذلكٍ اليوم. وقيل: معناه اذكروا يوم، ويكون اليوم مفعول فعل مضمر لا ظرفاً، لأنه لم يرد اذكروا في ذلك اليوم.

стр. 1980

إن قيل: كيف قالوا لا علم لنا، فنفوا العلم كله عن أنفسهم وذلك كذب؟ قيل: في ذلك أوجه: الأول: قال الحسن: من هَوْلِ ذلك اليوم نَسُوْا كل ما عملوه، فإن قيل: وكيف يصح ذلك، وقد قال: (وَلَا خَوفٌ عَلَيهِم)، وقال: (لَا يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ)؟ قيل: إن معنى لا يحزنهم ولا خوف عليهم أنه لا يصيبهم ما يقتضيه الخوف، إلا أنه يعتريهم، وهذا كقولك لمن يرتعد خوفاً لا خوفاً عليك، أي لا يحق خوفك. الثاني: قال ابن عباس: لا علم لنا بالإضافة إلى علمك، وهذا لمن استخبر من هو أعلم بالخبر منه، فيقول: لا علم لي. التالث: أن السؤال يقع على ما اعتقده، لا ما أظهروه، وذلك لا علم للأنبياء به، إنما يعلمه المطلع.

стр. 1981

على السرائر والضمائر جل وعزَّ. الرابع: أن قوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) سؤال عن كل ما أجيبوا، لا عن بعضه، وهم عرفوا بعض ذلك، ولم يعرفوا أكثره، فقالوا: لا علم بكل ذلك ووجه هذا السؤال توبيخ الكفار كقوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي)، وعَلَّامُ: لمن كثر علمه، ولم يوالي بعلمه، وهو في هذا الموضع لهما. قوله : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)

стр. 1982

قوله: (إِذ قَالَ اللَّهُ) قيل: مفعول بفعل مضمر كأنه قيل: اذكر وقت ما قال الله يا عيسى اذكر نعمتي عليك، يعني: اذكر يوم القيامة، وقيل تقديره: ماذا أجبتم إذ قال الله. (وإِذ أَيَّدتُّكَ) فعلتُ من الأيدِ أي القوة، وقرأ (أَيَّدتُّكَ) وهو أفعلت منه، وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلت منه نحو عاونت. ومن نعمة الله على والدتك أن اصطفاها على نساء العالمين، وأن جعل لها النخل حيث قال:

стр. 1983

(وَهُزِّى إِلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ) وغير ذلك. وروح القدس: جبريل. قيل: هو تقديسه وروحه هو نفخة فيها من روحه. والكتاب قيل: عنى بالكتاب، وقيل: بل باسم كل كتاب أنزله تعالى، ثم خص التوراة والإنجيل تعظيماً لهما. وقوله: (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) أي تهدي الناس في حالة الصغر والكبر بخلاف ما كان عامة الأنبياء والحكماء، وذكر الإذن في الأمور الإلهية التي خصه الله تعالى بها تنبيهاً أن ذلك لم يكن للآلهة فيه بل كان ذلك بإذنه ومن فضله عليه، وتخصيصه به، ولم يذكر في قوله: (وَإِذ عَلَّمتُكَ) وفي قوله: (وَإِذْ كَفَفْتُ) فإن في هذين قد شارك المسيح غيره. وكف بني إسرائيل عنه قد كان من بعضهم بالعصمة، ومن بعضهم بالحجة، ومن بعضهم

стр. 1984

بتسخيرهم له وائقيادهمْ إلى غير ذلك من الوجوه، وقوله: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي فعلك سحر، وقرأ (إن هذا إلا ساحر) أي عيسى ﵊. قوله : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) الحواريون، روي أنهم كانوا قصارين، وروي أنهم كانوا صيادين. وقد قال بعض المحققين: يعني أنهم سموا حواريين، أي كانوا يغسلون نفوس البشر عن النجاسات النفسية، ويعني أنهم صيادون أنهم يصيدون الناس عن الباطل، ويجعلونهم في شبكة الحق، وقد شرح ذلك في كتاب (مكارم الشريعة)، وسمي حاشية الرجل حوارية تشبيهاً بأصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام. والوحي هنا قيل: هو على سبيل الإلهام، والتوفيق نحو:

стр. 1985

(وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحلِ) وقيل: هو على سبيل الابتلاء لهم من آياته الباهرة. وقيل: على لسان نبيهم، فالوحي قد يقال في كل ذلك نحو: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحيًا) أي على لسان نبي. وقوله: (وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحلِ) يعى بالإلهام. وقوله: (فَأَوحَى إِلَيهِم أَن سَبِّحُواْ بُكرَةً وَعَشيًّا) قال بعض الحكماء: كما أن كل ساكت ناطق من جهة الدلالة، فكل دال على معنى من الله فهو وحي منه وعلى هذا قال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦). وهذا معطوف على ما ذكر تعالى. ومن نعمه عليه فهمه، وأشهد خطاب فهم لعيسى على سبيل الاستشهاد منهم، والإسلام هاهنا أبلغ من الكتاب فإنه يقتضي الاستسلام المذكور في قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١).

стр. 1986

قوله : (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) (إِذ) هاهنا لم يجعله معطوفاً، بل جعله داخلاً في فعله. قوله: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ) إليهم في وقت ما قالوا كذا، واستفهامهم عن استطاعة الله، قيل: فيه أقوال: الأول: أنهم قالوا ذلك قبل أن تستحكم معرفتهم بالله. الثاني: قال الحسن: هل ترى أن يفعل، كقولك القادر المتمكن هل يمكنك أن تفعل كذا، وهذه الاستطاعة على ما يقتضيه الرأي والحكمة، لا على ما يقتضيه القدرة، لأنه قد يقال: فلان لا يستطيع كذا وليس

стр. 1987

يعني أن القدرة كذلك، وإنما يعني أن رأيه لا يتوجه إليه. الثالث: إن استطاع وأطاع يعني كقولهم استجاب وأجاب، ومعنى: (هَل يستطيعُ) أي هل يستطيع أن يجيب، كقوله: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) أي يجاب، وقرأ الكسائي (هَل تستطيعُ رَبَّكَ) ونصب رَبَّكَ، يعني هل تستطيع سؤالِكَ ربِّكَ. والمائدة قيل: أصله من ماد، المنكّر يميد إذا أمتك ذا نحوك. وقيل: من ماد أعطاه، وامتاده، استعطاه، قال: أبو عبيدة فلفظها فاعله، ومعناه مفعول نحو: (عيشةٍ راضِيَةٍ). وقيل: بل هو معنى الفاعل، فوصف بذلك كما يقال: شجر ومطعمة، أيضاً يقال مائدة

стр. 1988

عطية وعلى ذلك مطعم سألوه، ومائدة من الطعام. فقال عيسَى (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي لعذروا ومن سؤال ذلك إن كان لكم إيمان، فلم تقلعوا عن السؤال بل ذكروا علة سؤالهم. فقالوا نريد الأكل منها وأن يكون سببا لاطمئنان قلوبنا، كما قال: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) فحينئذ سأل الله عيسى ذلك متضمن أن يتخذوا ذلك اليوم يوم عيد. وقوله: (وَارزُقنَا) قيل ارزقناه، وقيل: ارزقنا شكره، فضمن الله ذلك أن ينزلها بشرط أن من يكفر بها عذبه أعظم تعذيب. قيل إنه أراد أن يمسخهم قردة وخنازير. وقيل: بل عني عذاب الآخرة، المعنى بقوله: (وَلَعَذَابُ الأَخِرَةِ أَكبَرُ)، فاختلفوا هل أنزل الله ذلك؟ فقال الحسن: - إن ذلك استفراض من الله تعالى، ووعد بشرط أنهم إن أرادوها بهذه

стр. 1989

الشريطة أنزلها فرغبوا عنها فلم ينزلها الله تعالى. وقال غيره بل ذلك وعد من الله تعالى، ووعيد مقرون به لا يشترط في الوعد وقد أنزلها. فمن قال بذلك، قال كانت تلك المائدة طعاماً من الأرز والسمك، وأن عيسى قال لهم: - صوموا كذا يوماً، ثم سألوه فصاموا، فأنزل الله سبعة أحوات، وسبعة أرغفة. وقال ابن جبير: كان على المائدة كل شيء إلا اللحم، وأنزل الله ذلك يوم الأحد فجعلوه عيداً. وقيل: أكل منها أربعة آلاف رجل، وبقيت على حالتها، ثم كفر بها قوم فمسخهم الله قردة وخنازير. وحمل بعض المتصوفة الآية على المثل والإشارة، وقال: المائدة هاهنا عبارة عن حقائق المعارف، وعلى هذا جعل النبي ﷺ القرآن مأدبه فقال: (القرآن مأدبة الله في أرضه).

стр. 1990

وبهذا النظر جعل الأدب والمأدبة من أصل، فإن الطعام غذاء البدن والعلم غذاء الروح، وعلى هذا ما قيل: إن متعلماً قرب من باب عالم، فقال: أطعمني فأعطاه لقمة، فقال: إني أسأل ما يحي النفس، لا ما يتعب الضرس، قال هذا القائل: وإنما القوم رغبوا في حقائق لم يأت وقت إطلالهم عليه، ولم يكتسبوا الحالة التي تمكنهم الوقوف عليه، فقول عيسى: (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) حثٌّ منه على اكتساب التقوى واستعمالها. فيقول: إن حصلتم الإيمان وهو العلم الحقيقي، فاستعملوا التقوى فبها تنال هذه المنزلة. ولهذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ). فلما ألحُّوا في السؤال سأل عيسى فقال: (أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) الآية، وقال وهذا كما سأل إبراهيم فقال:

стр. 1991

(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)، وقال موسى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ). وإنما سأل حالة لا تجعل إلا للأنبياء والأولياء في الآخرة، فبين الله تعالى أن ذلك غير سهل ما دمت على هذه الحالة، وبين تعالى أن من تخصص هذه الحالة، وكان منه حال ينافي الإيمان عذب أشد العذاب، فقد قيل: صغائر العامة كبائر الأولياء، والقليل من ذنوبهم يعظم عقابه فإذا يعذب ما كان من كفره عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فمن بلغ مبلغهم، ولم يؤتوا بما أوتوا. الله أعلم بالحقائق. قوله : (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إن قيل: (وَإِذ قَالَ) إخبار عما مضى، فمتى كان هذا السؤال؟

стр. 1992

قيل في ذلك جوابان: أحدهما: أدن ذلك إخباراً عما يكون يوم القيامة، فذكر لحظة الماضي تقريباً للفعل، وإخبار بأنه في حكم ما قد كان كما قال: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ). وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا) ونحو ذلك. والثاني: أن ذلك قاله حين رفعه إلى السماء وجهة سؤاله مع علمه تعالى إن لم يكن من عيسى ذلك. وتبكيت للكَفْرةِ وتكذيب لهم. إن قيل ما وجه قوله: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) وهم لم يتخذوهما من دونه، وإنما اتخذوهما معه وأيضاً فإن هذا متعين أنهما لو اتخذوهما إلهين معه لكان يجوز لأنك إذا قلت اتخذت فلاناً دوني صفياً فإنما أنكر إفراده باتخاذه.

стр. 1993

قيل: إن قوله: (مِن دُونِى) يحتمل وجهين: أحدهما: أنكر اتخذتموهما معبودين، ولم يتخذوه معبوداً، وذلك أنهم لما عبدوهما معه كان عبادتهم له غير معتد؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يعبد معه غيره، فلهذا قال: (مِنْ دُونِ اللَّهِ). والثاني: أن: (دُونِ) هاهنا للقاصر عن الشيء وهم عبدوا المسيح وأمه فيما توصلا إلى عبادة الله. كما عبد الكفار الأصنام حيث قالوا: (مَا نَعبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفَى)، فكأنه قيل: أنت قلت اتخذوني إلهين متوصلين بنا إلى الله، قال سبحانك منزهين عن ذلك، وأنكر أن يقول ما لا يحق أن يعلمه تعالى. وبيَّن أنه علام الغيوب فيما خفى علمه عنا فيه. إن قيل ما وجه قوله: (وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فأثبت لله نفساً.؟ قيل: النفس عبارة عن الذات، يقال: جاءني فلان بنفسه، وقيل عنى في معني مقابل النفس بالنفس.

стр. 1994

وقيل: نفس العالم، وإضافته إليه على وجه الملك لا على وجه البعضية، تعالى الله عن البعضية. وهذا كما روى (الريح من نفس الرحمن)، ونحو ذلك، وقيل: القصد إلى نفي النفس عنه، فكأنه قال تعلم ما في نفسي ولا نفس لك، قصد إلى نفى التركيب قال وعلى هذا قال الشاعر: لا ترى الضبُّ بها يتحجر قصداً إلى أن لا ضب ولا حجر هاهنا، فيكون من الضب الأحجار. وقيل: عئ تعلم ما أنا عليه، ولا أعلم ما أنت عليه. وقوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) قيل: إن بدل من الهاء، وقيل: إن بدل من (مَا)، وقيل: خبر ابتداء

стр. 1995

مضمر، وقيل: إن هو بمعنى أي وهو تفسير لما أمر به. والرقيب المطلع على الشيء الحافظ له. إن قيل: كيف قال: (فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِى) وقد قلتم إن عيسى ﵊ لم يقتل؟ معنى التوفي أخذ الشيء وأيضا وليس هو الموت، وإنما الموت بعض الذي يقتضيه لفظ التوفي، ألا ترى إلى قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) فجعل النائم متوفي، فقوله: توفاه ورفعه. بمعنى. وقيل: إن الله تعالى نفى أنه صلب كما زعموا، فإنه تعالى رفعه ثم أماته، وبيّن في الجواب أنه كان يرقبهم ما دام فيهم، فلما توفي لم يخف عليه تعالى حالهم، وذلك مذكور على طريق التعظيم لا على طريق التعريف. قوله : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)

стр. 1996

إن قيل كيف قال: (عِبَادُكَ) والعبد أكثر ما يقال فيمن عبد لا فيمن ملك، وهم لم يعبدوا الله في الحقيقة، أو قد عبدوا عيسى وأمه؟ قيل: بل العباد يستعمل مع الله فيقال الناس عباد الله، ولا يقال عباد الأمير إلا على التشبيه، والعبيد يقال في الله، وفي غيره، ثم الناس كلهم يعبدون الله تسخيراً وقهراً، وإن لم يعبدوه طوعاً، فإنهم إذا عبدوا غيره على أنه المنعم عليهم فهم يعبدون الله لأنه هو المنعم وعلى هذا: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣). وقال تعالى: (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ). فإن قيل لو كانوا يعبدون الله بفعلهم لما داموا؟ قيل: إنما يدمون بقصدهم فيما يفعلونه، لأنهم يقصدون عبادة غير الله والإنسان مثاب ومعاقب بنيته، ولهذا قال: (إنما الأعمال بالنيات). ولما قال لا يستحق الجمادات ويستحقها ثواباً استحقاق الإنسان والملائكة والجن. إن قيل: كيف قال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) وجواب الشرط إنما يصح فيما يقع بوقوع الشرط، وقد علم أن هؤلاء عباده عذبهم أو لم يعذبهم. قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، وتقديره: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك أي من أمرتهم بعبادتك، تنبيها أنهم لم يعبدوك فاستحقوا عقابك،

стр. 1997

إن قيل كيف جاز أن نقول وإن تغفر لهم فيُعرّض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)؟ قيل: قال أبو العباس المبرد ﵀: " إن تغفر كذبهم عليّ حيث قالوا: عيسى أمرنا بذلك فإنهم عبادك أي شئت لعلمك بهم فالذي سأله العفو عنهم والغفران لهم فيما هو حق له ". وقيل: إن هذا السؤال إنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على كل مايريده وعلى مقتضى حكمه وحكمته. تنبيه أنه تعالى جمع القدرة والحكمة، فهو قادر على أن يفعل أي المقتضين بإرادته لهذا قال: (أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) تنبيهاً أنه لا امتناع لأحد من عزه ولا اعتراض في حكمته، ولهذا قال أنت العزيز ولم يقل الغفور، وإلى هذا أشار الحسن ﵁ حيث قال: إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم فبعزتك ما كان منهم. فإن قيل: فكيف قال (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فالأليق أن يوضع الغفور قبل العزة هاهنا أولى فهي تنبيه أنك تجمع القدرة والحكمة، ولم يقصد إنزال الغفران للكفرة منهم وإلى نحو هذا قصد الشاعر في قوله: أذْنَبْت ذَنْباً عَظيماً وأنت للعَفْوِ ... فإن غَفَرْتَ تَفَضَلاً وإن جَزَيْتَهُ

стр. 1998

قوله : (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) أي من صدق في الدنيا نفعه صدقه اليوم، ولم يرد أنه ينفعهم ما صدقوا فيه ذاك اليوم، ولم يعن صدق المقال فقط بل عناه والصدق في الأفعال وهو ترك الرياء وإخلاص المسار إليه، يقول النبي ﵊: (إن الله يؤتى يوم القيامة بقارئ القرآن فيقال له ما كنت تفعل؟ فيقول: كنت أقرأ القرآن، فيقول له: كنت تقرأ ليقال إنك قارئ، وقد قيل ذلك فيؤمر به إلى النار) وقرأ (يَومُ) بالرفع، وهو الأكثر، فيكون الإشارة إلى اليوم، فإذا نصب فإشارة إلى ما في اليوم، أي هذا الحكم، وهذا القول الذي ذكرت يكون في يوم ينفع الصادقين صدقهم، والخلود يقتضي اللزوم والدوام، يقال: خلوداً في الديوان، وأخلد

стр. 1999

فلان إلى الأرض كقوله: ركن إليها ولزمها على الدوام، والمعنى اللزوم ولم يصح أن يوصف الله تعالى بالخلود كما وصف بالدوام. قوله : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) تنبيه على تكذيب النصارى فيما ادعوه من ربوبية عيسى وأمه ﵉، وقد تقدم وجه تكذيبهم نحو هذا الكلام.

стр. 2000

رأيت فيه بحاراً أمواجها تتلاطم وأفواج فوائدها تتصادم وأذعنت بهم من دقائق معانيه الفائقة ورقائق ألفاظه الرائقة، ما أنساني سماع الأغاني من الطربات الغواني (١) انتهى.
следующие страницы →