Полный текст (2 001 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قوله :
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الآية (١٢٨) - سورة البقرة.
النسك: غاية العبادة، والناسك الأخذ نفسه ببلوغ قاصيتها حسب طاقته، وسمي أعمال الحج المناسك ثم خص الذبيحة بالنسك وتعورف فيه حتى قيل نسك فلان أي ذبح وقيل للذبيحة نسيكة ولم يعن بالمسلم ههنا من حقن دمه بالشهادتين، كما ظن بعضهم وقال هذا دعاء بما علم كونه لهما لا محالة، وإنما عنى من ليس في فلبه تعظيم الله معه، وهو المعنى بالمضروب له المثل في قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ وبقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ وهذه قاصية الإيمان، ونبه تعالى بالآية أن من حق الإنسان أن يكون مع تحري الحق لا ينفك من التضرع إلى الله بإرشاده وتوفيقه، ومن طلب أن يتوب عليه من ذنب عسى إن كان منه وهو غافل عنه
فإن قيل: ولم قيد؟ فقال: (ومن ذريتنا، أمة مسلمة لك) ولم يعمم؟ قيل إن هذه منزلة شريفة لا يكاد يتخصص بها إلا الواحد فالواحد في برهة بعد برهة، وعلم أن الحكمة الإلاهية لا تقتضي ذلك، فإنه لو جعل الناس كلهم كذلك لما تمشى أمر العالم إذ كان العالم يفتقر إلى كون أفاضل فيها وأوساط وأراذل لتولي عمارته والقيام بتمشية أموره فقد قيل: عمارة الدنيا بثلاثة أشياء، أحدها الزراعة والغرس، والثاني: في الحماية والحرب، والثالث جلب الأشياء من مصر إلى مصر، وأنبياء الله لا يصلحون لذلك إذ كانوا بغرض أخر أشرف من ذلك ولهذا قيل: " لولا الحمقى لخربت الدنيا " وإنما عني بالحمقى المعنيون بأمر الدنيا بإضافته إلى المعنيين بأمر الآخرة، ولذلك قال ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
стр. 317
قوله :
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الآية (١٢٩) - سورة البقرة.
العزيز: الذي يقهر ولا ويُقهر، وتعزر فلأن بفلان، والعزاز من الأرض ما فيه صلابة بازاء الذلول، وعز الشيء إذا قل اعتباراً بأن كل موجود مملوك، وكل مفقود مطلوب، والحكمة حدت بحدود على اعتبارات مختلفة، إما اعتبارا بمبدأها، فقد قيل: هي معرفة حقائق الأشياء، وقيل: معرفة الأشياء الإنسية والأشياء الإلهية، وهذا هو كالأول، إلا إنه أبين، وإما اعتبارا بمنتهاها، فقد قيل: هي إماتة الشهود وقلا الاكتراث بالموت المحمود، وقيل: الترشح بالعلم والعمل لإدراك ثواب الله- ، فأما الرسول- الذي طلبه إبراهيم- ﵇، فقد روي عن نبينا ﷺ أنه قال: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بن مريم " يعني بالأول: قوله: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، وبالآخر: قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
إن قيل: كيف قال: يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة وليس الكتاب إلا الآيات، وما وجه هذا الترتيب؟
قيل: أما الآيات فهي الآيات الدالة على معجزة النبي ﷺ وذكر التلاوة لما كان أعظم دلالة نبوته متعلقاً بالقرآن، وأما الترتيب فلأن أول منزلة النبي ﷺ بعد ادعاء النبوة الإتيان بالآيات الدالة على نبوته، ثم بعده تعليمهم الكتاب، أي تعريفهم حقائقه لا ألفاظه فقط، ثم بتعليمهم الكتاب يوصلهم إلي
стр. 318
إفادة المحكمة وهي أشرف منزلة العلم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ثم بالتدرج في الحكمة يصير الإنسان مزكى.
، أي مطهراً مستصلحاً لمجاورة الله- .
قوله :
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
الآية (١٣٠) سورة البقرة.
الرغبة: سعة الإرادة، ومنه بطل رغيب أي نهم، والرغيب الشيء المرغوب فيه، ومش عدى بعن اقتضى صرف الإرادة عن ذلك الشيء، وذلك بالزهد فيه، والاصطفاء تناول صفوة الشيء، كما أن الاختيار تناول خيره، والاجتباء تناول جانبه أي وسطه، وهو المختار، و (سفه نفسه) قيل: تقديره سفه، نفسه، وقيل: أصله سفه نفسه، فصرف الفعل عنه، نحو: بطر معيشته، وسفه نفسه أبلغ من جهلها، وذاك أن الجهل ضربان جهل بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء وجهل مركب، وهو أن
يعتقد في الحق أنه باطل، وفي الباطل أنه حق، والسفه أن يعتمد ذلك، ويتحرى بالفعل مقتضاها ما اعتقده، فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لسفهه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ لكل نقيصة، وذاك أن من جهل نفسه جهل أنه مصنوع، وإذا جهل كونه مصنوعاً جهل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعاً، فكيف يعرف أمره ونهيه، وما حسنه وقبحه، ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق- جد ثناؤه- قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾
فإن قيل: كيف وصفه بالاصطفاء في الدنيا وبالصلاح في الآخرة، والنظر يتقضي عكس ذلك، فإن الصلاح وصف يرجع إلى الفعل، وذلك يكون في الدنيا، والاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه صالحاً، فحقه أن يكون في الآخرة؟ قيل الاصطفاء ضربان، أحدهما كما قلت والأخر في الدنيا، وهو اختصاص الله بعض العبيد بولايته ونبوته لخصوصيته فيه وهو المعنى بقوله
стр. 319
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾، والصلاح وإن اعتبر بأحوال الدنيا، فمجارى به في الآخرة، فبين تعالى أنه مجتبى في الدنيا لما عرف الله من حكمته فيه، ومحكوم له في الآخرة بصلاحه في الدنيا تنبيهاً أن الثواب في الآخرة يستحقه باصطفائه في الدنيا، وإنما استحق لصلاحه فيها، وجوز أن يكون قوله " في الآخرة " أي في أفعال الآخرة لمن الصالحين، ويجوز إن عنى بقوله " في الدنيا " حال بقائه، و " في الآخرة " حال وفاته، ويكون الإشارة بصلاحه إلى الثناء الحسن عليه الذي رغب إلى الله تعالى فيه بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، ويجوز أنه لما كان الناس ثلاثة أضرب: مظالم، ومقتصد، وسابق غبر عن السابق بالصالح، فكل سابق إلى طاعة الله ورحمته صالح، وفي الجملة، فإن الصالح هو الخارج عن حد الرذيلة، وليس في الدنيا على الإطلاق بكل نظر صالح، بل عامة ما فيه يمكن أن يوصف بفاسد بها إما حالة ما أو بنظر ما، فإذن الصلاة المطلق في الآخرة، فلهذا خص بها ..
قوله :
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية (١٣١) سورة البقرة.
لما سأل الله تعالى بقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، أجابه بقوله تعالى: " أسلم " أي أخلص سرك فإنه موضع الاطلاع، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: " أخلص يكفك القليل من العمل "، وبقوله: " الأعمال بالنيات " وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقيل معنى " أسلم " استأسر لهم كقولك للأسير: استسلم، وقيل: معناه: اجعل نفسك مسلمة عن أسر الشيطان، حيث قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وهذان القولان واحد في
стр. 320
الحقيقة فإن من أسره الرحمن فاستأسر له فهو الحر المطلق عن عبادة غيره، وقد قيل: " لن تكون عبدا لله حقاً حتى لا تكون لما دونه مسترقا "، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وروي أن [إبراهيم ﵇] لما طلب الخلة من الله أوحى إليه فقال: (من طلبني أبليته)، فقال: إذا نلتُ الخلة لم أبال بالبلية، فلما أتى عليه حول قال: (من أحبني قتلته)، فقال: " إذا انتهيت في الخلة لم أبال بقتل الدنيا "، وقوله " أسلمت " مبني في المعنى على الأول وكأنه موعد منه أنه متأهب لما يراد منه، وقد حثنا الله تعالى علي الاقتداء به في الاستسلام له والاستفادة منه الشرف الكبير جزاء بذلك ...
قوله- :
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
الآية (١٣٢) - سورة البقرة.
الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ واشتقاقه من وصاه أي وصله، ومضاده قصاه أي فصله، وقوله: [بها] أي بالملة، وقيل بالكلمة التي دل عليها قوله: " أسلمت "، وكلاهما غير منفك من الآخر، إذ كانت هذه الكلمة من جملة الملة، والملة مقتضية لهذه الكلمة، فبين تعالى أن إبراهيم وصى بنيه، ووضع يعقوب بنيه أيضا بها كما أوصى إبراهيم، وقال: (إن الله اصطفى لكم الدين) أي دين إبراهيم، فحذف القول لتضمن الوصية لذلك، وحث على الإسلام، أي أسلموا قبل أن تموتوا، وليس ذلك نهيا عن الموت، وإنما هو حث على الإسلام المتقدم ذكره فهو الذي يفيد الحياة الأبدية المذكورة في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
стр. 321
قوله :
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ الآية (١٣٣) - سورة البقرة.
الشهود: حضور بالذات أو بالعناية أو بالمقال، وأحضر الفرس [أصله] صار ذا حضور.
والفرق بين الإحضار والعدو أن الإحضار يقال اعتبارا بالمنتهى والعدو اعتبارا بالمبدأ المتجاوز لأنه من عداه إذا تجاوزه، وجعل الحضارة بإزاء البداوة في التعارف، والمحتضر لمن حضره الأجل، ولما ذكر إبراهيم وأن دينه الإسلام، وأن يعقوب اقتدى به، ودعا نبيه إليه، وقادهم على ذلك وأخذ اعترافهم بين أن مع وصيته لأولاده كان على جملة اعترافه معهم لم يعن بقوله: (ما تعبدون من بعدي) العبادة المشروعة فقط، وإنما عنى جميع الأعمال، وكأنه دعاهم أن لايتحروا في أعمالهم غير وجه الله ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغلهم دنياهم، ولهذا قيل: " ما قطعك عن الله فهو طاغوت "، ولهذا قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، أي نخدم ما دون الله، وهدا المعنى تحراه الشاعر بالعبادة:
فتى مَلكَ اللذاتِ أنْ تعتبدنّهُ ....
ومَاَ كُلَّ ذي ملُك لهُنِ بمالِكِِ
فإن قيل: لما قال: (نعبد إلاهك وإله آبائك)، وتكرير اللفظ يقتضي دارين، فالجواب عن ذلك من وجهين، أحدهما من حيث اللفظ، وهو أن المضاف إلى المضمر متى عطف على المضاف إليه لابد من إعادة المضمر إذ كان المضمر المحرور لا يصح العطف عليه، والثاني من حيث المعنى، وهو أن المعبود
لما لم يمكن سبيل إلى الوصول إليه إلا بالنظر، فكان لدى واحد نظر، بينوا أن معبودنا هو الواحد الذي أثبته، وأثبته أباؤك، ثم بين بقوله، (ونحن له) أنه واحد، وقد استدل بالآية من منع من مقاسمة الجد
стр. 322
بالأخوة، وأسقط الأخوة مع الجد كما يسقطون مع الأب، واستدل بها أيضاً في أن العم يجري مجرى الأب في الولاية على مال الصغيرة وتزويجها، وفهم الجملة أن تسميتها بالأب ليس بمنكر، بل قد يسمى [كل] كبير من الأجانب أباً على أن الأعمام والأجداد إذا كانوا مع الأب فتسميتهم بالآباء أقرب، كتسمية الشمس مع القمر قمرين، وتسمية آل المهلب معه مهالبة ...
قوله :
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
الآية (١٣٤) سورة البقرة.
الأمة في الأصل المقصود كالعمدة والعدة في كونهما معمودأ ومعذب، وسمي الجماعة أمة من حيث تأمها الفرق، وقيل للجبن أمة لكونه متضمنا لأمة ما وسمى الدين أمة لكون الجماعة عليه، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي جمع في نفسه في الفضيلة ما لا يجتمع إلا في أمة، وبهذا المعنى ألم الشاعرفي قوله:
وليس على الله بُمستُنكرٍ ....
أنُ يُجمعَ العالمُ في وَاحدٍ
والكسب: اجتلاب النفع بالعمل، وإذا قيل في المضرة، فعلى طريق التشبيه، ولما بين الحجة عليهم وإنهم لم يخالفوا في الاقتداء بإبراهيم بين من بعد أن أعمالهم وأعمالكم متباينة لاُيثاب ولا يعاقب أحد بما كان من الآخر كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وليس معنى بقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ السؤال المجرد، فقل أخبر أنه يقول لعيسى بن مريم ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إنما يعني المؤاخذة بها.
стр. 323
قوله :
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
الآية (١٣٥) - سورة البقرة.
يعني أن اليهود قالوا: كونوا يهوداً تهتدوا، وقال النصارى مثل ذلك، فأنزل الله تعالى على نبيه:
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي تتبع ملته المجمع على كونها هدى، وبين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أن كلتى الطائفتين قد أشركت، وأن إبراهيم كان حنيفاً، وكان يقال في الجاهلية ولمن كان على دين إبراهيم حنيفاً عليهم عن طريقتهم إلى طريقة غيرها، ثم سمى من اختتن أو حج البيت [حنيفآ] لمن كان ذلك من سنته.
قوله :
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
الآية (١٣٦) - سورة البقرة.
السبط ولد الولد، وأصله من سبط أي امتد، كأنه امتداد للفروع، ومنه سبط الكفين، والساباط البناء الممتد بين الدارين، والسباطة ما مد من الكناسة، وما امتدمن الشعر، وسباط الحمى اعتبارا بتمدد المحموم وتمطيه،
إن قيل: كيف ابتدأ بما أنزل إلينا مع كونه متأخراً عن كل ما أنزل الله، وقال: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ولم ينزل إلى إسماعيل وإسحق كتاب، ولم قال: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ فخصهما بالإيتاء دون الإنزال، وزكر النبيين، وقد تقدم ذكر بعضهم.
قيل: أما الابتداء بما أنزل إلينا، فلأنه أول بالإضافة إلينا، فالناس بعد مجيء محمد ﷺ ، مدعوون إلى الإيمان بما أنزل عليه أولاً جملة وتفصيلاً، ولا يجب الإيمان بما أنزل من قبل إلا على سبيل الجملة دون التفصيل، وأما المنزل إلى إسماعيل ومن ذكر معه، فهو المنزل على إبراهيم، إذ هم داخلون تحت
стр. 324
شريعته، وذلك كقولك: ما أنزل على محمد ﷺ والمسلمين، وأما قوله ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ فهو على الاستئناف، وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ معطوف عليها وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ خبره، فكأنه لما اختلف فيما أنزل عليهما، وادعى بعض أتباعهما عليهما ما لم ينزل إليهما بين تعالى أن ما أوتيا أي ما خصابه لا ما ادعى عليهما، وما أوتي النبيون جملة المذكورين وغير المذكورين من ربهم، أي منزل من ربهم، ثم قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ﴾، أي لا يكون بمنزلة اليهود الدين آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
إن قيل: لم قال: بين أحد منهم، ولفظ أحد وإن كان قد يعمم به في النفي فهو متناول للواحد، ولو قال بينهم لكان أوجز؟ قيل: لما كان القصد إلى أن نبين أن لا نفرق بين واحد واحد ذكر لفظ أحد فكأنه قال: لا نفرق بين أحد وجماعتهما أي لا يخرج واحد من حكمهم، فكان لفظا أحد أدل على المعنى المقصود، ثم بين بقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ إنا مسلمون له إسلام إبراهيم ﵇ ..
قوله :
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
الآية (١٣٧) - سورة البقرة.
الشقاق المنازعة، يقال: شق العصا، أي فارق الجمع، وشاق القوم صار كل نفر في شق، وشاقوا الله أي صاروا في شق غير شق أوليائه، وعلى ذلك: ﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾ أي صاروا في حد غير حده ..
إن قيل: ة كيف قال: (فإن أمنوا بمثل ما أمنتم به) ولم يقل أبما أمنتم أو (مثل ما آمنتم)، وذلك يقتضي إثبات مثل الله- ، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا تقولوا: (فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به) [ويكن قولوا فإن أمنوا بالذي أمنتم به] وإن لم يكن هذا السؤال لازماً فما كان [وجه] الإنكار منه؟ قيل إن الباء ههنا ليس للتعدية كما هو في قولك (مررت بزيد)، و (آمنت بالله) وإنما هو للإله، ومعناه أن تحروا الإيمان بالسبيل الذي تحريتم به، والإشارة بقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ إلى السبيل المذكور في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ وسبيل الله المتوصل به إليه ثلاث منازل
стр. 325
على القول المجمل مرتب بعضها على بعض الأول: معرفة الأحكام الظاهرة والعمل بها، والثاني: معرفة علم الزهاد من عيوب النفس وقمع الشهوات وأخذ النفس به، والثالث: علم المعاملات، وهي معرفة الخواطر ومراعاتها، وذلك السبيل إليه، ولا سبيل إلى تحصيل الإيمان الحقيقي الذي وصف به المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلاً بها، وهذه المنازل الثلاث هي المعنية بقوله- ﵇ " سائل العلماء، وخالط الحكماء، وجالس الكبراء "، فبين تعالى أن من أمن سالكا هذا السبيل، فقد اهتدى، ومن جمع فقد شاق، ثم قال ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ تسكيناً للمؤمنين وأمناً من معرفتهم ...
قوله :
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾
الآية (١٣٨) - سورة البقرة.
الصبغة إشارة من الله- إلى ما أوجده فينا من بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم، رشحنا به لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآية ...
والمعنى بقوله- ﵇ " كل مولود يولد على الفطرة " الخير، وتسمية ذلك بالصبغة من حيث أن قوى الإنسان التي ركب عليها إذا اعتبرت بداية يجري مجرى الصبغة التي هي زينة للمصبوغ، ولما كانت اليهود والنصارى إذا لقنوا أولادهم اليهودية والنصرانية يقولون قد صبغناه بين تعالى أن الإيمان بمثل ما أمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق، ولا أحد أحسن
стр. 326
صبغة منه، وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ تعريض بهم أي لا نشرك [به] كشرككم، وقول الحسن وقتادة ومجاهد أن الصبغة هي الدين، وقول غيرهم إنها الشريعة، وقول من قال هو الختان إشارة إلى مغزى واحد، وقد قيل: صبغة الله على مراتب أولها ما ركب فينا من الهداية وهي الفطرة والثانية: الهداية بالتوفيق، والثالثة: الهداية ببعثة الرسل، والرابعة: الهداية في الترقي توليه إلى الدرجة العليا والسعادة القصوى ...
قوله :
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾
الآية (١٣٩) - سورة البقرة.
المحاجة: المقاومة في إظهار الحجة البينة للحجة أي المقصد وقد ألزمهم بهذه الآية الحجة المذكورة في قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، ولما كانت الشرائع مبنية بالقول المجمل على ثلاثة أشياء ...
الإقرار بالباري- ، والعمل له والإخلاص في ذلك قال ..
قل لهم إنا قد تشاركنا في الإقرار بالله- وفى العمل له ونحن قد حصل لنا الإخلاص [في ذلك] من دونكم،
فإن قيل: ومن أين؟
إن الإخلاص حصل للمسلمين دونهم، وهل هذا إلا مجرد ل الدعوى قيل قد أحالهم على التأمل، وذلك ظاهر بالاستقراء والتدبر، فإن الأصول الاعتقادية هي ما ذكر الله- ، [في قوله] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإذا تأمل حالة الإقرار بالله تعالي فقد أخلص المسلمون فيها يدعيه اليهود من التشبيه والنصارى من التثليث، وما ادعوه على جبريل أنه عدو لهم وما ادعاه اليهود على إبراهيم، حيث زعموا أنه لم يكن نبياً، وإنما كان رجلاً صالحاً، ونسبوا إليه لوطآ من الفجور ببنيه في حال سكره وادعى النصارى في نبوة عيس- ﵇ وإنكارهم بعض ما في التورط والإنجيل، وما ذكروه من البعث حيث قالوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ وادعت النصارى أنه لا بعث، وإنما ينال الثواب والعقاب الأرواح، فإذن قول المسلمين (ونحن له مخلصون) ظاهر ...
стр. 327
قوله :
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الآية (١٤٠) سورة البقرة.
قوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ معطوف على قوله (أتحاجوننا) - أم تدعون أن الأنبياء كانوا على دينكم تنبيها أنه من المحال أن يكون المتقدم مقتدياً بالمتآخر ومستند بسنته، ومن قرأ بالياء فوجه العدول فيه من الخطاب إلى الإخبار استجهالاً لهم بما كان منهم من هذه الدعوة كما يفعل العالم من الإعراض عمن يخاطبه بعد ارتكابه جهالة شنيعة إلى غيره، واحتج عليهم بمقدمتين فقال: أنتم أعلم أم الله أي قد بينت أن الله أعلم منكم، وبينت أنه ليس بغافل عما تعملون وقد كتمتم الشهادة عنها، ومن كتم من الله شهادة عنده مع كون الله بهذا الوصف فهو أظلم الخلائق، فهدا تبكيت لهم في كتمانهم أحوال النبي- ﵇ وسائر الأنبياء واحتج عليهم بما لا انفصال لهم عنه، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ على هذا متعلق بقوله:، ﴿كَتَمَ﴾ وقيل؟ إنه متعلق بقوله شهادة، أي من كتم عن الناس شهادة مصدرها من الله ، وقيل: في الآية قول أخر، وهو أن قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق بقوله " أظلم " وقوله ﴿مِمَّنْ كَتَمَ﴾ من جمله الذين كتموا وتقدير هذا التأويل قد ثبت أن الله أعلم منكم، وقد حكم أن الشهادة كتمانها عصيان بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فكأنه قيل: من أظلم من الله من الذين كتموا الشهادة إن كان الأمر على ما ذكرتم ولم يخبركم،.
وهذا كقولك: من أظلم ممن يجور على الفقير من السلطان أي لا أحد أظلم منه إدا ظلمه، وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ على سبيل التهديد لهم.
стр. 328
قوله :
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
الآية (١٤١) - سورة البقرة.
أعادت هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمه في الناس صالحهم وطالحهم أن يفتخروا بآبائهم ويقتدوا بهم في متحرياتهم سيما في أمور دينهم، ولهذا حكى عن الكفار قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، فأكد الله تعالى القول في إنزالهم عن هذه الطريقة، وذكر في أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب ببنيه بذلك تنبيها أن الأمر سواء على ما قلت أو لم يكن، فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه، وفي الثاني لا ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد أيضا تأكيدا عليهم تنبيهاً على نحو ما قال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ولما جرت به عادتهم، تقررت به معرفتهم كل شاة تناط برجليها.
قوله :
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
الآية (١٤٢) سورة البقرة.
السفيه كل معتقد باطلاً يسرع إلى إظهار معتقده، ولا يكون له ثبات، والقبلة وإن كانت في الأصل اسماً للحال التي عليها الإنسان من الاستقبال كالجلسة والقعدة، فقد صار في التعارف للمكان المتوجه نحوه للصلاة، وهؤلاء السفهاء المنكرون لتغيير القبلة اليهود على ما رد عن ابن
стр. 329
عباس، ومشركو العرب عن الحسن، والمنافقون عن السدي، ولا تنافي بين أقوالهم، فكل قد عابوا وكل سفهاء، وقد روي أن بعضهم قال: لا يثبت محمد على دين، وبعضه قال: " رجع إلى قبلة قومه، وسيراجع إلى دينهم، وروي أن قوماً من اليهود أتوه وقالوا: ما ولاك عن قبلتنا؟ ارجع إليها نتبعك فأنزل الله تعالى ذلك تبيينا أن الأمكنة متساوية عند الله، فله المشرق والمغرب، وهو الهادي إلي الطريق المستقيم فأي وجه يتوجه إليه، فهو تعالى موجود كما قال ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وكقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ في اعتبار به والارتسام لأوامره لا بالأمكنة والجهات المختلفة ...
قوله- :
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
الآية (١٤٣) - سورة البقرة.
الوسط في الأصل اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدورة، ومن الطرفين في المطول كالنقطة من الدائرة ولسان الميزان من العمود، ويجعل عبارة عن العدل، وكذلك السواء والنصف.
، وشبه به كل ما وقع بين طرفين إفراط وتفريط كالجود بين السرف والبخل والشجاعة
стр. 330
بين التهور والجبن، ثم جعل عبارة عن المختار من كل شيء حتى قيل: فلان من أوسطهم نسبياً، وكما جعلهم وسطاً جعلهم خيرا في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ والعقب مؤخر القدم، فتصور مكانه من الحيوان تارة، فاعتبرت في قولهم: يعقبه واعتقبه نحو: استدبره، وقفاه، وعاقب الليل النهار، وقيل المعقبات للملائكة التي تتعاقب في الليل والنهار والعقوبة منه، والعقبة الجبل اعتبارا بالصاعد الذي يميل [نحو عقبة] في ممره، ولما كان يؤخذ العقب من بعض الحيوانات فيشد به، قالوا: عقبته: أي شددته بالعقب نحو دسته وانقلب على عقبيه إذا رجع عائداً نحو: ارتدا على آثارهما، ورجع عوده على بدئه.
إن قيل: كيف جعلهم وسطا؟ الخُلق أم لخلْقِ خصهم به؟ أم لعلم ركزه فيهم؟ أم لشرع شرعه لهم؟.
قيل: قد خصهم بكل ذلك، والظاهر من ذلك هي الشريعة التي إدا اعتبرت بسائر الشرائع وجد لها حد الاعتدال، وهو أن بني إسرائيل لما عتوا كما حكى الله عنهم في غير موضع شدد عليهم أشياء صارت عليهم إصرا وأغلالاً، نحو: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، ولذلك أمرنا تعالى فيما يدعونه أن نقول ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، ثم خفف عنهم على لسان عيسى بعض التخفيف، ولهذا حكى عنهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وتمم ذلك بمحمد ﷺ فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال ﵇ " بعثت بالحنيفية السهلة "، فصارت شريعته متوسطة بين الإفراط الذي هو الإصر والأغلال وبين التفريط الذي هو
стр. 331
الإضاعة والإهمال، وعلى ذلك قال ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ولكون هذه الشريعة وسطاً
سمى مقتضاهما كلمة (سواء) أي عدلاً باتفاق العقول فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية ..
إن قيل: هل ذلك للأمة كلهم أم للبعض دون البعض؟ قيل: الخطاب لأصحاب النبي ﷺ خاصة على وجه، وهو خطاب للكافة عامة على وجه، وذلك أن أصحابه في الحقيقة صاروا موجودين خير الناس، وسائر أمته ممكنون أن يصيروا أخيارا وذلك بقبولهم الفيض الذي أباحه الله لهم بعقولهم ولسان نبيهم وتدرجهم إلى بلوغ أقاصيه ..
،
إن قيل: على أي وجه شهادة النبي ﷺ علي الأمة وشهادة الأمة على الناس؟ قيل: الشاهد هو العالم بالشيء المخبر عنه مبينا، حكمه، وأعظم شاهد من ثبتت شهادته بحجة، ولما خص الله تعالى الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر وكمله ببعثة الأنبياء، وخص هذه الأمة بأتم كتاب، كما وصفه بقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فأفادناه- ﵇ وبينه لنا صار حجة وشاهداً أن نقول ما جاءنا من بشير ولا نذير، وجعل أمته المتخصصة بمعرفته شهودا على سائر الناس ...
إن قيل: هل أمته شهود كلهم؟ أم بعضهم؟
قيل: كلهم ممكنون من أن يكونوا شهداء وذلك بشريطة أن يزكوا أنفسهم بالعلم والعمل الصالح، فمن لم يزك نفسه لم ليكن شاهداً مقبولاً، ولذلك قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، وعلى هذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، فالقيام بالقسط
стр. 332
مراعاة العدالة، وهي بالقول المجمل ثلاث:
عدالة بين الإنسان ونفسه، وعدالة بينه وبين الناس، وعدالة بينه وبين الله- ، فمن رعى
ذلك فقد صار عدلاً شاهداً لله- .
إن قيل: فهل هم شهود على بعض الأمم أم على الناس كافة؟ قيل بل كل شاهد على نفسه وعلى أمته وعلى الناس كافة فإن من عرف حكمة الله تعالي وجوده وعدله ورأفته، علم أن لم يغفل تعالى عنه ولا عن أحد من الناس، ولا يبخل عليهم ولا يظلمهم، ومن علم ذلك فهو شاهد لله على أن من زمانه وعلى من قبله ومن بعده، وعلى هذا الوجه ما روي في الخبر " أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على الأمم "،
إن قيل: ما المشبهْ وما المشبه به في قوله كذلك قيل: ولما قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بين أن نعمته بهذا التشريف كنعمته بالهداية إلى صراط مستقيم.
قوله :
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾
الآية (١٤٣) - سورة البقرة.
يعني ما أمرناك بالتوجه إلى بيت المقدس إلا لنعلم، أي لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، وقيل معناه: إلا لنعلم حينئذ من ينقاد لك من العرب في اتباعك إلى الصلاة إلى بيت المقدس، وقيل معناه: ما غيرنا حكم القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم، والقبلة على هذا كله بيت القدس، وقيل معناه: ما جعلنا هذه القبلة التي أنت عليها أي أمرناك بها يعني الكعبة، وإنما استعمل فيه " كان " إشارة إلى أن حكم الله تعالى بدلك قد تقدم في سابق علمه، وقيل: عنى الكعبة حتى توجه إليها قبل
стр. 333
وروده المدينة، وهذا أظهر، فالآية التي بعدها هي الناسخة لا استفتح بقوله: (قد نرى) ..
إن قيل: ما وجه قوله: (إلا لنعلم)، وذلك يقتضي استفادة علم وقد علم أن الله تعالى لم يزل عالماً بما كان، وبما يكون؟ قيل إن ذلك من الألفاظ التي لولا السمع لما تجاسرنا على إطلاقها عليه تعالى، ومجاز ذلك على أوجه ..
الأول: أن اللام في مثل ذلك تقتضي شيئين: حدوث الفعل في نفسه، وحدوث العلم به، ولما كان
علم الله لم يزل ولا يزال صار اللام فيه مقتضياً حدوث الفعل لا حدوث العلم.
والثاني: أن العلم يتعلق بالشيء على هو به، والله تعالى علمهم قبل أن يتبعوه غير تابعين،
وبعد أن تبعوه علمهم تابعين، وهذا الجواب كالأول في الحقيقة، لأن التغيير داخل في المعلوم لا في
العلم.
والثالث ة معناه لنعلم حزبنا، فنسب ذلك إلى نفسه على علاته في نسبه، أفعال أوليائه إلى نفسه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وقال في موضع أخر: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ وإنما علمه بملائكته.
والرابع: معناه لنجازي، وذلك متعارف نحو: قولك: سأعلم.
حسن بلائك، أي سأجازيك على حسب مقتضى علمي- قيل: فعبر عن الجزاء بالعلم لما كان هو سببه.
والخامس: أن عادة الحكيم إذا أفاد غيره علما أن يقول وتعالى " حتى يعلم كذا "، وإنما يريد إعلام المخاطب لكن يحل نفسه محل المشارك للمتعلم على سبيل اللطف ...
إن قيل: كيف يتصور حقيقة انقلاب الإنسان على عقبيه؟
стр. 334
قيل: يتصور ذلك على وجهين: أحدهما: اعتبار لحال الإنسان ومعارفه، وهو أن الإنسان شرع في الفضيلة واكتساب المعرفة درجة درجة إلى حين الكمال، فإن حكمه في بطن أمه حكم النبات، ثم يصير في حكم الحيوان، ثم يصير بعد الولادة في حيز الإنسان باكتساب المعارف أولاً فأول، ثم لا يزال يترقى بالعلم والعمل حتى ربما يصير قريباً من الملائكة علما وفضلاً وعملاً، ومتى أخل بمرتبته، وصل إليها، فرجع عنها فقد انقلب على عقبيه، والوجه الثاني: أن يعتبر الأديان وفضائلها، وذلك أن الله تعالى أنشأ الأديان، فمازال يتممها شيئاً فشيئا إلى أن كملها بالنبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وكما قال النبي ﵇ في الخبر الذي قال فيه: ( ..
فكنت في موضع اللبنة)، فمن أنعم عليه بأن أوجده بعد بعثته ﵇ فرغب عن شريعته مائلاً إلى غيرها من الشرائع المنسوخة قد انقلب على عقبيه، وبين بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أن الانتقال عن المألوف من القبلة مستصعب على الطبع، والإنسان ألوف لما يتعوده سيما الشريعة، فإن ذلك إنما لا ينقل عليه من أنعم الله عليه وهداه وعرف حكمته، وعلم أنه تعالى يأمر عباده بما هو أصلح لهم كأهل " منا " الذين لما أتاهم الخبر بنسب القبلة، وكانوا في الصلاة حولوا وجوههم نحو الكعبة من غير أن يستبينوا، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هو تسكين لمن صلى إلي بيت المقدس، من المسلمين ومن أهل الكتاب قبل النسخ، وبين أنهم يثابون على ذلك، فقد
روي أن قوماً قالوا: كيف بمن مات من إخواننا وقد وصلوا إلى بيت القدس؟ فأنزل الله تعالى، ذلك،
فإن قيل ولم قال؟ ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ولم يقل صلواتكم؟
стр. 335
قيل: عدل إلى لفظ الإيمان ألذي هو عام في الصلاة وغيرها ليفيدهم أنه لم يضع لهم شي مما عملوا به ثم نسخ عنهم،
فإن قيل: ولم لم يقل إيمانهم؟ قيل: ذكر بلفظ الخطاب ليتناول الماضين والباقين تغليباً لحكم المخاطب على الغائب في اللفظ، ثم بين بقوله تعالى: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم) أنه لا يضيع إحسانهم وهو رؤوف بهم، فإن رأفته بالناس وإضاعة إحسانهم متنافيان لا يجتمعان.
قوله :
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ الآية: (١٤٤) سورة البقرة،
قطر وشطر وشطن ألفاظ متقاربة المعاني تقارب ألفاظها، فقطر معناه انفصل عن قطره أي بجانبه ومنه القطرة القليل المنفصل من المانع، وشطر: انفصل وتباعد، ودار شطور منفصلة عن الدور، وشطون بعيدة، وقد يستعمل الشطور موضع الشطون لكن الشطون لما هو أبعد، ورجل شاطر أي منفصل عن الجماعة بالخلاعة، وشاطرته: أي أخذت شطرا وتركت له شطرا، وشاة شطور لها ضرع واحد وأحد ضرعيها أكبر كأنه لا يعتد بالآخر، وتوجهت شطره أي نحوه اعتبارا بالشطر المقابل من شطريه، وتقلب الوجه أبلغ من تقلب العين، على أن الوجه يراد به التوجه كقولك: " وجهتي إلى فلان "
إن قيل: هل كان يستخط ﵇ توجهه إلى بيت المقدس حتى قيل ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؟
قيل لم يقصد بذلك أنك كنت ساخطة، وإنما كان ﵇ يحركه السر، ويعلم بما يلقى في روعه أن الله تعالى يريد تغييراً في القبلة، وكان يتشوفه ويحثه، وقيل معنى (ترضاها) أي يرضاها، لكن يبين بهذا القول أن مرادك لم يخالف مرادي.
وقول مجاهد وابن زيد، أحب النبي ﵇ التوجه إلى الكعبة مخالفة لليهود وقول ابن عباس فإنه أحبها اقتداء بإبراهيم ﵇ وقول الزجاج إنه أحبها لاستدعاء العرب بها إلى الإسلام فكلها صحيحة إذ لا منافاة بين هذه الإرادات، وهذه منزلة يشير إليها أولو الحقائق ويذكرون
стр. 336
أنها فوق التوكل، لأن قاضية المتوكل الاستسلام لما يجري عليه من القضاء كأعمى يقوده بصير فهو به، وهذه المنزلة هي أن يحرك الحق سره بما يريده فعله، وربما يكون ذلك بوحي من خارج لقوله، تعالى لإبراهيم أسلم، وربما كان ذلك بإلهام من باطن كما أوحى إلى أم موسى، ومعنى (تقلب وجهك في السماء) أي تطلعك الوحي المنزل، وقيل: إن في ذلك تنبيهاً على حسن أدبه حينما انتظر ولده يسأل، فالولي الذي حصلت له القربة قد ينقص عن المسألة اتكالاً على ما تيسر له، كما روي عنه ﵇ أنه قال أن الله تعالى يقول:
(من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل من ما أعطى السائلين) ....
وعلى ذلك أول أمية بن أبي الصلت:
إذا أثنى عليك المرء يوماً ...
كفاهُ من تعرضك الثناء
وبين تعالى بهذه الآية رغبة النبي ﵇ في التوجه إلى الكعبة وإلحائه، وقرن به علم أهل الكتاب بأن ذلك حق من الله- ونبه بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ على وعيد لهم.
ووعد المؤمنين في إلحائهم وإمتناعهم ...
إن قيل: من أين علم أهل الكتاب أن ذلك حق؟
قيل: لما تضمن كتبهم من ذكر النبي- ﵇، وعلمهم أن عبادة الله أن يخص كل رسول من أولى العزم بقبلة غير قبلة من تقدمه أنفاً ...
إن قيل: كيف خاطبه أولاً بقولها ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ ثم عم بقولها: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، قيل: أما خطابه الخاص أولاً، فتشريفاً له، وإيجاباً لرغبته وإنجازاً لوعده، وأما خطابه العام بعده، فلأنه، كان
стр. 337
يجوز أن يعتقد أن هذا أمر قد خص ﵇ به كما خص بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولأنه لما كان تحويل القبلة أمراً له خطر خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك أبلغ، فمعلوم من السلطان إذا خاطب والياً من قبله بأمر ذي بال يعمه، ورغبته أن يخصه بخطاب مفرد ليكون ذلك أوقع عندهم [وأدعى لهم إلى قبولهم]، وليكون لهم في ذلك تشريف، ولأن في الخطاب العام تعليق حكم أخر به، وهو أنه لا فرق بين القريب والبعيد في وجوب التوجه (إلى الكعبة)، والضمير في قوله ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قيل هو التحويل قيل: هو التوجه، والقولان في التحقيق واحد.
قوله :
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية: (١٤٥) - سورو البقرة.
إن قيل؟ كيف حكم، بأنهم لا يتبعون قبلتك وقد أمن منهم فريق- قيل: قال بعضهم: إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض، وهذا صحيح بدلالة أنك لو قلت: ما أمنوا، ولكن آمن بعضهم لم يكن منافياً، وقيل عنى به وأقوام مخصوصون وقيل: عنى ما تبعوا قبلتك بقلوبهم، وقوله: (يوما أنت بتابع قبلتهم)، أي لا يكون ذلك منك، فمحال أن من عرف الله حق معرفته يرتد، وقد قيل: (ما رجع من يرجع إلا من الطريق)، أي: " ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول " ...
إن قيل: فقد يوجد من يحصل له معرفة ثم يرتد؟ قيل: إن الذي يقدر أنه معرفة، وهو ظن متصور بصورة العلم، فأما أن يتحصل العلم الحقيقي ثم يعقبه الارتداد فمحال ولم يعن بهذه المعرفة
стр. 338
ما جعله الله تعالي للإنسان بالفطرة، فإن ذلك كشررة تخمد إذا لم تتوقد، وبين أن بعضهم لا يتبع قبله البعض، وذلك لارتكابهم الهوى وتأنيهم عن تأمل الهدى، وحذر نبأ عن اتباع أهوائهم، ونبه أن اتباع الهوى بعد التحقق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة، وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى حتى كرر ذلك في عدة تواضع، وقول من قال الخطاب للنبي ﷺ والمعني به الأمة، فلا معني لتخصصه، فإن الله تعالى يحذر نبيه من اتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره المنزلة الرفيعة إلى تحديد الإنذار عليه أحوج حفظاً لمتركته وصيانة لمكانته، وقد قيل: حق المرأة المجلوة أن يكون بعدها أكثر إذا كان القليل من الصدأ عليها أظهر ..
إن قيل: كيف أجاب فقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، ولايقال إن جئتني ما فعلت، وإنما يقال: لم أفعل؟ قيل: قد قال سيبويه: إن ذلك لما تضمن معنى القسم، فأدخل على أن اللام صار جوابه كجواب القسم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ وقال الأخفش: لما كان إن،) وهو متضمنان الشرط حمل " إن "، عدى " لو " فعلى هذا يصح أن يقال " إن أتيتني ما أكرمتك "، وعلى قول " سيبوية " لا يصح ما لم يكن مع " إن " اللام نحو للئن.
قوله :
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
الآية (١٤٦) - سورة البقرة.
أتيناهم أبلغ من قوله: (أوتوا)، فإن (أوتوا) قد يستعمل فيمن لم يكن له قبول، وأتيناهم أكثر ما جاء فيمن له قبول نحو: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾، وعلى ذلك كل مما جاء من نحو هذا فيما يختص بإكرام نحو: ﴿هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾، وقوله (يعرفونه) أي العلم الذي هو النبوة
стр. 339
المتقدم ذكرها في قوله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وقيل، عنى النبي ﵇ بقوله: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ وقيل: يعرفون أن التوجه إلى الكعبة حق واختلاف أقاويلهم باختلاف نظراتهم إلى الألفاظ من حيث المعنى بأن معرفة الرسول ﵇ ومعرفة صدق قوله وصحة ما يأمر به من أمر القبلة متلازمة، وإنما قال: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ولم يقل أنفسهم، لأن الإنسان لا
يعرف نفسه إلا بعد انقضاء برهة من دهره، ويعرف ولده من حين وجوده، ثم في ذكر الابن، ما ليس في ذكر النفس، فإن الإنسان عصارة ذاته ونسخة صورته، وإنما قال: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ ولم يقل يكتمونه، لأن في كتمان أمره كتمانه الحق جملة، وزاد في ذمهم بقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
فقد قيل: ليس المرتكب ذنباً عن جهل كمن يرتكبه عن علم ...
قوله :
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الآية (١٤٧) - سورة البقرة.
الامتراء من) مريت الناقة) إذا مسحت ضرعها، وبه شبه مري الريح السحاب الممطر، ومرى الفارس فرسه للعدو، واستعير الممتري للمتردد، وفي الحكم، ولهذا استعمل فيه المتحير، وهو من حار إذا رجع، وبين أن كل حق هو من الله تعالى، إما بإبداعه وإيجاده وصنعه، وإما بأمره وإما توفيقه، وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ليس بنهي عن الشك، وإذ كان ذلك ليس بقصد من الشاك، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها، وعلى ذلك قوله تعالي: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
стр. 340
قوله :
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآية: (١٤٨) - سورة البقرة.
أي: لكل أمة، وقيل لكل نبي وجهته، وقيل قبلة، وقيل: شريعة، وذلك في المعنى واحد، وهو ضمير
لله- أي الله موليها إياه، وقيل: ضمير للكل: أي كل موالي جهته، وقرئ: (هو مولاها)
فيكون هو ضمير ضمير الكل ولا يحتاج إلى تقدير ضمير أخر، وقيل: معنى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي
للناس كلهم الآن وجهة، وهي الإسلام تنبيهاً أن الأديان به نسخت، نحو: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وفي الآية قول آخر، وهو أن الله تعالى قيض الناس في أمور دنياهم وأخراهم لأحوال متفاوتة، وجعل بعضهم أعوان بعض فيها، فواحد يزرع، وآخر يطحن، وأخر يخبز وكذلك في أمر الدين، واحد يجمع الحديث، وواحد يطلب الفقه، والثالث يطلب الأصول وهم في الظاهر مختارون وفي الباطن مسخرون وإليه أشار النبي بقوله: " كل ميسر لما خلق له " وجعل للكل سبيلاً للوصول إليه تلالي، وإذا راعى ما هو بصلاة وأدى الأمانة فيه، ولهذا سئل بعض الصالحين عن تفاوت الناس في أفعالهم، فقال: في ذلك طريق إلى الله تعالي وصل إليه، أراد أن يعمرها بعباده فبين أن لكل طريقاً إذا تجرى فيه وجه الله تعالي وعلى ذلك قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ وقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يعني أي شغل تحريتم، وحيثما صرفتم، وأي معبود اتخذتم فإنكم مجموعون ومحاسبون عليها ...
стр. 341
قوله :
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
الآية: (١٤٩) - سورة البقرة.
إن قيل: ما وجه تكرير (فول وجهكم) قيل: إعادة ذلك لحكمة لطيفة، وهو أنه ذكر لتغيير القبلة ثلاث علل من قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) - الأولى: إكرامه تعالى نبيه ﵇ إن ولاه قبلة أبيه إبراهيم ابتغاء مرضاته، وهو قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) والثانية: إخباره أن لكل صاحب دعوة قبلة وهو قوله: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ)، والثالثة: قطع حجة معانديه وهو قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، فقرن بذكر في علة معلولها الذي هو الفرض، وذلك قوله: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) لقولك: إن هذا فرض لسبب كذا، وفرض لسبب كذا، فيعتد المعلوم مع العلة، وهذا أبلغ من قول من قال: لما طال القصة، واعترض فيما بينها ما فيه زيادة بيان أعاد الحكم نحو: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، وأنه أعاد " لما جاءهم " وأشار بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلي تحقيق ما قدمه، فبين أنه إذا كانت الحكمة تقتضي أن لكل صاحب شرع قبلة تختص بها وأنت صاحب شرع، فتغيير القبلة لك حق،
إن قيل: لم خص الأول بلفظ الرب، والثاني بلفظ الله؟
قيل: لأن الأول لما نبهنا على الاستدلال على حكمته بالنظر إلى أفعاله ذكر لفظ الرب المقتضى [للنعم المسطر فيها إلى المنعم] ويستدل بها عليه، ولما انتهى إلى ذكر الوعيد ذكر لفظ الله تعالى المقتضي للعبادة التي من أحل بها عليه استحق أليم عقاب.
стр. 342
قوله :
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
الآية (١٥٠) - سورة البقرة.
فإن قيل: لم كرر قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، قيل: حث بأحدهما على التوجه نحو القبلة بالقلب والبدن في أي مكان حصل الإنسان نائياً كان عنها أو دانياً منها، وذلك حال الاختيار والتمكن، وحث بالآخر على التوجه بالقلب نحوه عند اشتباه القبلة، وفي حال المسامعة، وفي صلاة النافلة في حال المسير في السفر وعلى الراحلة ...
إن قيل: كيف استثنى الذين ظلموا وذلك يقتضي أن يكون لهم حجة،؟ قيل: الحجة ههنا موضوعة موضع الاحتجاج نحو: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ ومعناه: لئلا يحتج عليكم أحد إلا وهو وظالم، وقوله: (لئلا) إبانة عن الغرض، والعاقل لا يقصد إلا عارضاً يصح أن يصيبه، فالمؤمن لا يقصد بذكر الحجة أن يكف الناس بها عن الاحتجاج لعلمه أن منهم معانداً لا يبالي بارتكابه الباطل، والله تعالى لا يأمر بدلك لكونه غير مستطاع، فكأنه قال: أقصدوا بالحجة دفع الناس إلا الظالمين، وقيل الظالمون إشارة إلى مشركي العرب حيث قالوا:
" إن محمد عاد إلى فبلتنا "، وقد استدل بعضهم على أن الناس ههنا لمشركي قريش بما روي في الخبر أن كل ما في القرآن من قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فمخاطبة لأهل مكة، وما فيه من (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فمخاطبة لأهل المدينة، وقول من قال تقديره: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.
стр. 343
إلا حجة الذين ظلموا، قال: والظالم لا حجة له في الحقيقة فصار كقول الشاعر:
ولا عيبَ فيهِمْ غيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ....
بِهِنَّ فُلُولُ
البيت راجع إلى الأول وأما قول أبي عبيدة إن تقديره " والذين ظلموا " فإن أراد أن معناه هذا على تقدير ما تقدم فصحيح، وإبل أراد أن معناه بمعنى " الواو " هبعيد، وقول الشاعر الذي احتج به وهو قوله:
ماَ بالمدينة دارٌ وَأحِدةٍ
دارُ الخَليَفة إلا دارُ مَرَوانِِ
فتقديرها: ما بالمدينة دار إلا دار مروان غير واحده، وهي دار الخليفة، فقد أثبت دارين فصار من حيث المعنى، كما قال: ليس معنى إلا معنى الواو، وإن قيل: أي حجة لهم على ألكفار إذا فعلوا ذلك، وأي حجة تسقط عنهم، قيل لما ذكر الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، ومن أن التوجه إلي الجوانب سواء في المعقول أبان أق إنما قصرهم على جانب واحد لئلا يختلف توجيههم فيحتج عليهم الكفار بالاختلاف، ويقولون: ما بالكم تصلون إليها تارة وإلى غيرها أخرى، وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أي لا تراقبوهم ولا تستحيوا منهم، وذلك لما علم أن كلامهم عناد للعقيدة عند ظهور الحجة عن التزامها، فقال لهم ذلك والخشية قد تجري مجرى المراقبة والاستحياء في قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ وإتمام نعمته هو أن نعم الله تعالى ضربان: أحدهما موهوب، والآخر مكتسب،
стр. 344
فالموهوب: كجودة الحفظ والفهم وصحة البدن والجاه، وكل ذلك لا يستحق بحصوله الحمد، ولا بفواته الذم، والمكتسب كالعلم والعمل الصالح المتوصل بهما إلى الثواب وهو الإيمان، وبه يستحق المدح والذم، فبين تعالى أنه إذا ائتمرتم في أمر القبلة، وصلتم إلى الحالة التي يحصل لكم الخشية المشار إليها بقوله:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فقد أتممت نعمتي عليكم) واستتممتموها)
قوله :
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
الآية (١٥١) - سورة البقرة.
ما مع ما بعده مصدر، أي: كإرسالنا، والكاف فيه متعلق بقوله ولأتم نعمتي عليكم، أي إذا أنتم ائتمرتم في أمر القبلة وخشيتم الله دون الناس أتم عليكم كلمته كنعمته بإرسال رسول هكذا تنبيها أن النعمة في بعثته ودعائه العالم إلى دين مخالف لدينهم، ووعدكم أته سيظهر دينه على الأديان كان أعظم من تغيير القبلة، وقد وفى بذلك، وقيل: تتعلق الكاف بقولها " اذكروني " وهو بعيد ...
إن قيل: كيف أخر فيما حكى عن إبراهيم ﵇ قوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا) ذكر التزكية عن تعليم الكتاب والحكمة وقدمها هاهنا؟ قيل: التزكية من الله ضربان، أحدهما الشهادة بطهارة الإنسان، وذلك يكون بتزكية الإنسان نفسه، وذلك مؤخر عن تحصيل الإنسان الكتاب والحكمة والعمل بهما، وإياهما عنى إبراهيم- ﵇ في دعائه، فلذلك أخر، والثانية من الله تبين أحكامه الشرعية، ومن العبد العمل بها، وذلك متقدم علي معرفة حقائق الكتاب والحكمة وهي المعنية ههنا، فلهذا قدم
стр. 345
أن قيل: وما معنى ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؟
وهل ذلك إلا الكتاب والحكمة؟
قيل: عنى بقوله: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ اللعوم التي لا طريق إلى تحصيلها إلا بالوحي على ألسنة الأنبياء، ولا سبيل إلى إدراك جزئياتها ولا كلياتها إلا به، وعنى بالحكمة والكتاب ما للعقل مدخل في معرفته شيء منه، وأعاد ذكره يعلمكم مع قوله: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تنبيهاً أنه علم مفرد عن المتقدم ذكره. . . قوله :
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
الآية (١٥٢) - سورة البقرة.
الذكر حضور الشر بالقلب والقول، فلهذا قيل: الذكر ذكران ذكر باللسان، وذكر بالقلب، وقد
يكون ذلك لحضور لا عن نسيان، وقل يكون عن نسيان، ولهذا فيل: الذكر ذكران، ذكر لكن نسيان،
وذكر لا عن نسيان.
وإلى الثاني ذهب الشاعر في قوله:
وكيف أذكره إذ لست أنساه؟
وقال بعض العلماء: لما خص الله هذه الأمة بفضل قوة زائدة على ما لبني إسرائيل، قال لبني إسرائيل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فأمرهم بتذكر نعمته المنبهة عن الغفلة لينظروا منها إليه وقال لهذه الأمة:) فاذكروني)، فأمرهم أن في يذكروه بلا واسطة
إن قيل: ما الفرق بين شكرت لزيد، وشكرت زيداً؟ قيل: شكرت له هو أن يعتبر إحسانه الصادر عنه فيثنى عليه بذلك وشكرته: إذا لم تلتف إلى فعله، بل تجاوزت إلى ذكر ذاته دون اعتبار أفعاره، فهو أبلغ من شكرت له، إذ قد يكون
стр. 346
للإنسان فعل في الظاهر محمود، ثم لا يكون ذلك الإنسان على الإطلاق محموداً، وإنما قال:) واشكروا لي)، ولم يقل: (واشكروني) علماً بقصورهم عن إدراكه بل عن إدراك الآية كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فأمرهم أن يعدوا بعض أفعاله في الشكر له، وشكر الله أصعب عبادة أشرفها، ولهذا قيل: غاية شكر الله الاعتراف بالعجز عنه، فكل نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله، فإن شكرها نعمه منه، فذلك بتوفيقه، فإن العبد محتاج أن يشكر نعمته الثانية كشكره للأولى، وهدا يؤدي إلى مالا يتناهى، فلهذا قيل: لا يقدر عليه، ولصعوبة الشكر قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ولم يثن على أنبيائه وأوليائه بالشكر إلا على أثنين، على نوح حيث قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، وعلى إبراهيم حيث قال: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾، فذكر ذلك بلفظ أدى العدد تنبيهاً على شرف هذه المنزلة وصعوبتها ...
إن قيل: علم عطف قول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟
قيل: على قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، وذلك أنه لما أمرنا باستقبال القبلة، وبين العلة وأنه يريد أن يتم نعمته عليكم كما أنعم ببعثته رسوله أعاد النظم الذي هو الأمر، فأمر بالذكر الواجب بعضه في الصلاة، وبعضه في غيرها، وإن قيل: ولم قال بعده: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ ولم يقتصر على أحد اللفظين؟ قيل: لما كان الإنسان قد يكون شاكراً في شي ما، وكافرا في غيره، فيصح أن يوصف بهما على حسب النظر إلى فعليه، فلو اقتصر على قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ لكان يجوز أن يتوهم إن من شكره مرة أو على نعمة ما فقد امتثل، ولو اقتصر على قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ لكان يجوز أن يتوهم أن ذلك نهى عن تعاطي قبيح دون حث على الفعل الجميلة فجمع بينهما لإزالة هده الشبهة، ولأن في قوله:
стр. 347
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ نهيأ عن الكفر المطلق، وذلك معنى [زائد على قوله (واشكروا لي) وقدم قوله] ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وأخر قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ تنبيها على أن ترك الشكر كفران ...
إن قيل: فلم قال: (ولا تكفرون) ولم يقل (ولا تكفروا لي)؟ قيل: لأنه يقتصر من العبد على شكر نعمه، ولا يقتصر منه على أن لا يكفر نعمه، بل نهى عن الكفر به أكثر مما نهى عن كفر نعمه، إذ قد يعفو عن كفر بعض النعم ولا يعفو عن الكافر المطلق. . . قوله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
الآية (١٥٣) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في الصبر والصلاة وأنواعهما، فحث الله تعالى على الصبر، إذ هو ذريعة إلي فعل كل خير ويبدأ كل فضل، فإن أول التوبة الصبر عن العاصي، وأول الزهد الصبر عن مناجاة الدنيا، وأول الإرادة الصبر على طلب ما سوى الله، ولهذا قال ﵇: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد)، وقال: (والصبر خير كله) والصلاة هي المقتضية للخشوع والداعية إلي ترك الفحشاء قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ولا أمر بالذكر والشكر حث على الاستعانة بالصبر والصلاة - تنبيهاً أنه بهما يتوصل إليه، فإن الصبر مبدأ الإيمان، والشكر منتهاه ولهذا قال ﵇: " الصبر نصف الإيمان " ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فضمن صحبته إياهم تنبيهاً على قرب فيضه وتوفيقه، كما قال:
стр. 348
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ تنبيهاً أنه يراعيهم بالعناية،
إن قيل: لم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل: " مع المصلين " وقال في أخرى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ فاعتبر الصلاة دون الصبر؟ قيل:
لما كان فعل الصابرين أشرف وأعلى من الصبر، إذ قد ينفك الصبر من الصلاة ولا تنفك الصلاة من الصبر ذكر ههنا الصابرين، فمعلوم أنه تعالى إذا كان مع الصابر، كان لا محالة مع المصلي أكثر ثم قال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها أنها أشرف منزلة من الصبر فقد ترك توفية حق الصلاة من تصبر في كثير من الأحوال.
قوله :
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
الآية (١٥٤) - سورة البقرة.
قد تقدم أن الحياة تقال على أوجه، وكل واحدة يقابلها موت، الأول: في القوة النامية التي بها الغذاء والشهوة إليها، وذلك موجود في النبات والحيوان والإنسان، ولذلك يقال: نبات حي، والثاني في القوة الحساسة التي بها الحركة المكانية وهي موجودة في الحيوان والإنسان دون النبات، والثالث القوة العاملة العاقلة [وبها يكون العقل والعلم] وهي في الإنسان دون
стр. 349
الحيوانات والنبات وبها يتعلق التكليف، وقد يقال للعلم المستفاد الحقيقي، والعمل الصالح حياة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وقيل: " المحسن حي وإن كان في دار الأموات، والمسيء ميت وإن كان في دار الأحياء "، ونرجع إلى معنى الآية فنقول: إن بعض المعتزلة لم يعتبر في ذلك تفصيلاً، وقال عني: بإثبات الحياة ونفى الموت عن الشهداء يوم الحساب، لا في الحال قالا ولا اختصاص لهم، بل إنما علق الحكم بهم، لأنه في ذكرهم، ولو ذكر معهم غيرهم
لذكرهم بحكمهم واستجهل من قال إذ! م أحياء وقال: قد علم أن رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ والشهداء في
قبورهم، وهم لا يأكلون ولا يشربون، واستجهاله لن خالفه هو لأنه فرغ إلى الحس الذي قد نفى الله ﵎ بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تحسون ولا تدركون ذلك بالمشاعر أي الحواس تنبيهاً أن ذلك مما السبيل إلى معرفته الفرق إلى العقول وإلى الاعتبارات الصحيحة [دون الحواس] وإما علي طريقة غيرهم فمعلوم، وقد أجمعوا على أنه لا يثبت لهم الحياة التي بها النمو والغذاء ولا الحياة التي بها الحس، فإن فقدانهما عن الميت محسوس ومعقول، فبعض المفسرين اعتبر المعنى الآخر الذي هو العلم المستفاد والعمل الصالح، فقال: إن الله تعالى نهى أن يسمى الشهداء أمواتا في حكم الدين، فقال: لا تقولوا لهم ما قال المشركون، ولكن قولوا هم أحياء في الدين، وهذا صحيح ...
وبعضهم اعتبر الحياة المختصة بالإنسان، وقال: إن هذه الحياة مختصة بالقوة المروية المسماة تارة الروح، وتارة النفس، وتارة النسمة قال: والموت المشاهد هو مفارقة هذه القوة أي الروح البدن، فمتى كان الإنسان محسناً كان منعماً بروحه، [مسروراً بمكانه] إلى يوم القيامة، وإن كان مسيئا كان به معذباً، وإن الحسن يعلم في بذلك بعد موته، وإلى هذا ذهب الحكماء ودلوا عليه بالبراهين
стр. 350
والأدلة وهو مذهب أصحاب الحديث، ويدل على صحته الأخبار والآيات المروية عن النبي ﷺ ، بل إليه ذهب عادة أصحاب الملل كلها ولم يخالفهم إلا جماعة من المعتزلة، حيث جعلوا الأنواع أعراضاً لا قوام لها إلا بالأجسام، وأنها مهما فارقت الأجسام بطلت، ومما دل على صحة ذلك قوله ﵇: " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " وما روى أمير المؤمنين علي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " فإن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفى عاماً، إن الروح في قناديل معلقة تحت العرش "، وقال في أرواح الشهداء ما عرفت وما روي عنه- ﵇ " إن الميت ليرد على جماعة من الأموات، فلا يزالون يسألونه عن معارفهم وجيرانهم، وهو يخبرهم ويصف لهم حتى يجري ذكر الرجل " فيقول ة قد مات قبلي بمدة، فيقولون: إنا لله، سفُل به، وإن كان من الصالحين قالوا: على به ومعلوم أنه لم يرد عليهم بالأشباح، وإنما ذلك الإلقاء بالأرواح وروي أنه لما قتل [من قتل] من صناديد قريش يوم بدر، فجمعت جثثهم في قليب، ثم أقبل النبي ﷺ ، فخاطبهم بقوله: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً "، قيل: يا رسول الله: أتخاطب جيفاً؟
فقال: [ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب] وما روي أنه قال: " رأيت نسمة
стр. 351
أدم " إلى غير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك قوله ﴿اوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وقال في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وهذا يعني به قبل القيامة بدلالة أخر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وإلى هذا المعنى ذهب جماعة الصحابة والتابعين، قال مجاهد: " يرزقون من ثمر الجنة فيجدون ريحها وليسلوا فيها " ..
وقال ابن عباس والربيع وغيرهما: " أرواح الشهداء في أحواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها "
قوله :
﴿ولنبونكم بشي وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
الآية (١٥٥) - سورة البقرة.
البلاء: المبالغة في الاختبار، كأنك [أبليته] وأخلقته من كثرة ما اختبرته به، ولذلك يقال: بليت فلاناً أي خبرته، والكلام في نسبة الابتلاء إلى- كما تقدم في.
قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ وإنما يراد به ظهور الفعل دون حصول العلم، والخوف توقع مكروه، والجوع استدعاء البدن عوض ما تحلل عنه، ونقص الأموال: ذهاب بعض ما حوته اليد، ونقص الأنفس: افتقاد الإنسان بعض قواه في ذاته، أو بعض جوارحه [أو سمعه أو بصره] أو بعض أقاربه وأخلائه، ونفس الثمرات: فقد المتوقع من الدخل والربح، وهذه الجملة مشتملة على محن الدنيا كلها.
إن قيل: هل ابتلاء الله الناس بهذه النوائب عام لهم أم خاص لبعضهم؟ وهل ذلك في زمان دون زمان؟ أو فبم كل زمان؟
стр. 352
قيل: أما بالنظر الخاصي فعام لهم وفي كل زمان، وذاك أن الناس لا ينفكون في الدنيا في شيء من الحالات عن شي ما من المحن، بل في حال اليسار يساق بهم إلى محنة فإذا ما هم في محنة وإن كانوا في صحة ولهذا روي:: كفى بالسلامة داء " ..
وقال الشاعر:
إذا كان الشبابُ يعوُدُ شيباً ...
وهمَّا فالحياةُ هيَ الحمامُ
فالعاقل بتفكره يعلم أن ماله وبدنه وذويه ونعمه عارية مستردة، فإذا عرضت له نائبة كان له من الصبر مطية لا تكبو، ومن الرضا بقضاء الله سيف لا ينبو، وإما بنظر أعم من ذلك، فإن الله تعالي لا أجرى عادة الدنيا أن لا تنفك من هذه الآفات المذكورة، وأنها قد تنال الأخيار كما تنال الأشرار، جعلها ابتلاء لأوليائه لكي إذا تلقوها بالصبر حط بها وزرهم، وإلا عظم به أجرهم.
وخص بعض المفسرين هذه الأشياء فقال: أراد بالخوف: ما ينال في مجاهدة العدو وبالجوع: صوم شهر رمضان وبنقص من الأموال، ما أوجب من الزكوات، وبنقص الأنفس: الأمراض وبنقص الثمرات: الصدقات وجعل بعضهم هذه الأشياء المحن الظاهرة العامة، لكن خص المخاطبين بأنهم أصحاب النبي- عليه وعليهم السلام خاصة، فقال: " إن الله- أبلاهم بهذه الأشياء الظاهرة للحواس " المتبينة للكل ليعلم من بعدهم أنهم لم يتحروا في أتباع النبي- ﵇ طلب عرض، بل تبعدوه لتحققهم بمعرفة الحق وظهور الحجج، وجعل بعض المعتزلة المخاطبين والمحن
стр. 353
المذكورة جميعا مخصوصين، وقال ذلك كل في أصحاب النبي- ﵇، وعني بالخوف: خوفهم من الأعداء وبالجوع فقرهم بتشاغلهم بالجهاد، ونفس الأموال: للانقطاع عنه إلى الجهاد عن عمارة بساتينهم، والأنفس: للقتل في سبيل الله، قال: وكل دلك من فعل الله- لا من الكفار، وجعل دلك مخصوصاً تفادياً كما أن يكون بعمومه ناسباً إلى الله تعالي فعلاً قبيحاً ولو اتسع نظره، لأمن مما يحذره، وعلى هذا القبيح والسخط للقضاء ليس يعني شيئاً، وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله، والقصد له والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها، وقصد هذا المقصد ووطن نفسه عليه.
وعلى هذا النحو قوله: : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
إن قيل: لم فصل بقوله: (لا تقولوا) الآية بين هذه الآية والتي قبلها من قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وهي بمعزل منهما؟ قيل: بل هي متصلة بهما، لأنه لما حث على الصبر وأكثر الصبر إنما لطلب الحياة ولما يعين علي الحياة، بين تلك الآية أن ذلك الصبر يوصل إلى حياة باقية كما قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ وكما قال- ﵇: " اللهمَّ لا عيشّ إلا عَيشُ الأُخرةِ "
стр. 354
ليرغبنا في الصبر، ثم لما قرر ذلك أنبأ عما يحملنا من هذه المحن كي يخف علينا تحملها، ثم ختمه بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
قوله :
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
الآية (١٥٦) - سورة البقرة.
المصيبة من: أصاب السهم، إذا بلغ على صواب، وهي في الأصل صفة، وليس يريد بالقول اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح والسخط للقضاء ليس يعني شيئاً وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله، والقصد له والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول، فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها، وتصور بها المقصد ووطن نفسه عليه.
فإن قيل: ولم قلت إن الأمر بالصبر يقتضي العلم، وما الصبر من العلم؟
قيل: الصبر على الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبة، ولهذا قال الخضر لموسى لما علم أن ليس يرف مقصده في فعله قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فدل أن حقيقة تحمل الصبر لأبد له من معرفة المقصود به، وقال ﵇ " أعطيت أمتي ما لم يعط أحد، قال يعقوب [عند المصيبة] يا أسفي، وأعطيت أمتي أن يقولوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وقال ﵇: " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل
стр. 355
له خلقاً يرضاه "، وقال عمر في ذلك: " نعم العدلان، ونعم القلادة "، وحقيقة الرجوع إليه تتبين في قوله- ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فهو أدق معنى مما قدره من قال: (إنا راجعون) إلى أن لا يملك أمورنا غيره كما كنا في الابتداء، فجعل ذلك رجوعأ لهم.
قوله :
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
الآية (١٥٧) - سورة البقرة.
الصلاة وإن كانت في الأصل الدعاء، فهي من الله البركة على وجه، والمغفرة على وجه، وهي الرحمة وإن كانتا متلازمتين فهما مفترقتان في الحقيقة، وإنما قال:) صلوات) على الجمع تنبيها على كثرتها منه وإنها حاصلة في الدنيا توفيقاً وإرشادا، وفي الآخرة ثواباً ومغفرة، ثم بين أن من كان كذلك فهو المهتدي تنبيهاً علي ملازمة هذه المعاني الصبر.
следующие страницы →