Полный текст (2 001 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
نفعاً لو احترزوا بمعرفته عمن يغوى، فلم ينتفعوا به من هذا الوجه واستضروا به لاستعمالهم إياه في غير الحق ولقد علموا أن من استبدل ما جاءت به الشياطين من السحر بالحق أن لاحظ له في الآخرة.
قوله :
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (١٠٢) سورة البقرة.
ويصح أن يكون معطوفاً على المعلوم، وهو قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ويصح أن يكون استئنافا حكماًَ به، وجواب قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ محذوف.
إن قيل: كيف أثبت لهم العلم في أول الكلام ونفى عنهم في أخره؟ فالجواب في ذلك من أوجه ..
الأول: أن العلم المثبت لهم هو العقل الغريزي، وما جعله لهم بصيغته، والمنفي عنهم هو المكتسب الذي هو من جملة التكليف، والثاني: أن المثبت لهم هو العلم بالجملة، والمنفي عنهم هو العلم بالتفصيل، فقد يعلم الإنسان مثلاً قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح، فكأنهم علموا أن شرى النفس بالسحر مذموم، لكن لم يتفكروا في أن ما يفعلونه هو من حملة ذلك القبيح، والثالث: أنهم علموا عقاب الله، لكن لم يعلموا حقيقة عقابه وشدته، والرابع: أن معنى قول ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعملون به، لأن من لا
يعمل بما يعلم فهو في حكم من لا يعلم.
стр. 282
قوله :
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (١٠٣) - سورة البقرة.
الثؤوب: رجوع الشيء إلى حالة شبيهة بالحالة الأولى، يقال: ثاب الحوض إذا امتلاء بعد فراغه عقيب امتلائه، والثوب لتصوره بصورة القطن لاجتماع أجزائه بعد تفرقها بالغزل، والثيب من النساء لعودها إلى الأيمة، والتثويب في الصوت ترديده، والثواب والمثوبة في الخير تحصيل نفع يثوب إليه بإحسانه، ومعنى الآية: لو أمن الذين يتعلمون السحر واتقوا لأثيبوا وكان ذلك خيرا لهم، ولو علموا لظهر لهم ذلك، وجواب لو [الأولى] ما دل عليه لمثوبة وتقديره: لأثيبوا، تقول: لو أتاني زيد لإكرامي خير له، ولا تقول له أتاني زيد لعمرو منطلق، إذ لم يدل لفظ عمرو على فعل، وجواب لولا يكون إلا فعلاً، أو ما دل عليه، ومن النحويين من أجاز ذلك إذا دل الخبر على فعل ...
قوله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
الآية (١٠٤): سورة البقرة:
الراعي: حفظ الغير في أمر يعود بمصلحته، ومنه: رعي الغنم، ورعي الوالي الرعية، وعنه نقل: أرعيته سمعي، وتشبيهاً برعي الغنم قيل: رعيت النجوم إذا راقبتها، وكان يقال للنبي- ﵇[راعنا] أي استمع إلينا واحفظنا، فقالت اليهود: راعنا تعريضاً به من الرعونة، فلما عوتبوا قالوا: إنما نقول مثل ما يقول المسلمون، فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: قولوا بدل ذلك انظرنا، وذلك معناه معنى راعنا، وقد نبه على ذلك بقوله- عز وعلا-: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: يجوز أن يكون من جملة ما أمروا لن يقولوا مع قولهم " انظرنا " ويجوز أن يكون ذلك استئناف أمر من الله تعالى بامتثال ما أمرهم به، وقيل: إنما نهوا عن قولهم: " راعنا " لكونه
стр. 283
مفاعلة متضمنة لمعنى المساواة بين المخاطب والمخاطب، فأمروا بتوقيره، كما قال ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وكقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، وذلك عن ابن عباس- ﵁، وروي عن مجاهد أن معناه: لا تقولوا خلافاً ويكون من الرعن، وأسترذل هذا الوجه، لأنه لو كان كما قال لكان في القراءة رعناً بالتنوين.
قوله :
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الآية (١٠٥) - سورة البقرة.
الود: محبة الشر مع تمنيه، ولما كان لهما استعمل في كل واحد منهما، فقيل: وددت فلانا إذا أحببته، وددت الشيء إذا تمنيته، وأصل الاختصاص الخصاص وهو فرجة بين الشيئين، ومنه الخُص لبيب من قصب لما فيه من الفرج، وسمي انثلام الحال خصاصاً وخصاصة على التشبيه، كما سمي انثلاماً واختلالا وشعباً، وخصصت فلاناً وخصني أوليته خصاصي نحو خللته، وقولهم: وقفتهم على عجزي ونحري، وخُصان الرجل خلانه، ثم جعل الخاص مقابلاً للعام في التعارف، وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يظهرون مودة المسلمين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، ونفي ما أدعوه وكان المسلمون يوالونهم ويركنون إليهم، فأكذبهم الله تعالي في ذلك [ونفى ما ادعوه] ونهاهم تعريضاً عن موادتهم، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾
إن قيل: فلم قال: " ولا المشركين " وذلك يقتضي أن المشركين ضربان، كافر، وغير كافر كما أن أهل الكتاب ضربان؟ قيل: إن " من " في قوله (ومن أهل الكتاب) للتبيين ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، فإذا كان كذلك، فالذين كفروا هم أهل الكتاب، فجاز أن يقال: (ولا المشركين) عطفاً على لفظ أهل الكتاب، وجاز أن يقال (ولا
стр. 284
المشركين) عطفاً على الذين، ولو قرئ به لجاز، كما جاز، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والكفار النصب والجر جميعها ومن في قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ لاستغراق الجنس، وبين بأخر الآية أنه وإن اختص برحمته بعض الناس، فليس ذلك لضيق فضله، بل فضله عظيم، ورحمته [تسع كل شيء وإنما يسع رحمته] ضربان، أحدهما يصل إليه كل من شاء الوصول إليه من العباد
بتمكين الله إياه وضرب يخص تعالى به بعض عباده لا يعرفه في ذلك ..
قوله :
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآية (١٠٦) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في مناهية النسخ والفرق بينه وبين التخصيص في صدر الكتاب، والنسخ في اللغة إزالة الصورة عن الشر وإثباتها في غيره كنسخ الظل للشمس، ثم يقال في إزالة الصورة من غير إثباتها في غيره نحو قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾، ويقال أيضاً في إثبات مثل تلك الصورة في الغير من غير إزالتها سكن الأول كنسخ الكتاب وأصحاب التناسخ زعموا.
أن النفوس تنتقل من هيكل إلى هيكل، فإن كانت محسنة انتقلت إلى هيكل متنعمة فيه، وإن كانت مسيئة فإلى هيكل معذبة فيه، وليس الإنسان الأمر بالترك المؤدي إلى النسيان، وليس كل متروك يقال له منسئ، وقرئ ننسأها من النسئ، وهو تأخير الشيء عن وقته أو عن هيئته، فمما هو بالوقت قولهم:
نسأت في ظمي الإبل، ونسأ الله في أجلك، و " نسأت المرأة " تأخر وقت حيضها، وأنسأت فلاناً البيع، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ومما هو بالهيئة نسأت الإبل عن الحوض،
стр. 285
ونسأتها في السير، ومنها المنسأة للعصا التي يطرد بها، وحمل المفسرون النسخ والإنساء على وجهين: أحدهما أن النسخ هو إزالة الحكم من غير اللفظ، أو الحكم مع اللفظ، والإنسان مقابله، وهو أن لا ينسخ بل يُقر، والثاني: أن النسخ إزالة الحكم فقط ثبات اللفظ أو لم يثبت، ولهذا قال الفقهاء:
إن النسخ لا يكون إلا في معنى الأمر والنهي معني الخبر والإنشاء يكون في الإخبار وفي الأمر والنهي، لكن في الخبر معناه لا يزول وإن زال اللفظ، وقد يستعمل أحد اللفظين مكان الأخر، فمن هذا ما روت عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه نزل في قصة أهل بئر معونة قرآن منه: (بلغوا قومنا) أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا)، ثم نسخت، ففيه دلالتان:
إحداهما أن قوله: (لقينا ربنا) إخبار، وقت سمته نسخاً، والثانية: أنها استعملت النسخ في رفع التلاوة دون المعنى، وعلى ذلك ما روي أنه كان فيما أنزل الله: (لو أن لابن أدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملا جوف ابن أدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)، ثم نسخ وذلك خبر، وقيل: الكلام في تأويل الآية أن يذكر ما يكشف خطأ اليهود وشرذمة من المسلمين أنكروا النسخ زاعمين أن ذلك هو المبدأ، ولا يفعلن إلا من يجهل العواقب ويتجدد له رأي بعد رأي، فيقال وبالله التوفيق ...
" إن لله تعالى خلفاء في الأرض مستخلفين فيها ومستعمرين فيها لنتوصل بذلك إلى مجاورته والقرب منه بحياة لا موت بعدها، وغنى لا حاجة معه، وقدرة لا يعتورها عجز، ولا سبيل إلى ذلك إلا باكتساب الصحة في النفس، وصحتها أمران: العلم والعمل، أما العلم: فمعرفة الصدق من الكذب، والجميل من القبيح، والخير من الشر، وأما العمل: فتحري الصدق في المقال والجميل في الفعال وتجنب ضديهما، وكما لا سبيل إلى استفادة صحة البدن إلا بطبيبين، أحدهما من داخل وهي القوة
стр. 286
التي سخرها الله تعالى لاستدعاء الطعام وهضمه ودفعه، والثاني من خارج، وهو الذي يتلف من هذه القوة إذا اختلت، كذلك لا سبيل إلى استفادة صحة النفس إلا بطبيبين أحدهما من داخل وهو العقل، والثاني من خارج وهو النبي وكما أن أدوية البدن وأغذيته العقاقير والأطعمة، فأدوية النفس الأعمال الشرعية والآداب الخلقية، وكما أن طبيب البدن قد يغير الأغذية والأدوية التي يتوصل بها إلي استفادة الصحة واستبقائها لاختلاف الأزمنة، كذلك الأنبياء من قبل الله قد يغير الأعمال الشرعية التي هي مصلحة للأنفس حسب ما يعرف الله من مصالحها، فكما يكون الشيء دواءً للبدن في وقت، ثم يكون داءً في وقت غيره، ذلك الأعمال قد تكون مصلحة في وقت، مفسدة في وقت، ولكون الشريعة طلباً للنفوس قال المسيح: " إنما أنا طبيب المرضى "، وروى: أن العالم طبيب الدين، والدنيا داؤه فإذا جر الطبيب الداء إلى نفسه، فكيف يداوي غيره، ومما يبين جوار النقل من حكم إلى حكم نقل الله تعالى الأشياء حال إلى حال حتى ينتهي إلى أقصى الكمال كمال الإنسان من مبدأ إلى منتهى عمره وذلك من حين النطفة، ثم العلق، ثم المضغة، ثم كونه جنيناً، ثمة طفلاً، ثم ناشئاً وكهلا وشيخاً وهرماً، ثم ما نبه النبي ﵇ بقوله: " إن لكم معالم، فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلي نهايتكم "، ولو كان نقل الشرع من حال إلى حال قبيحاً لكان بعثة موسى ونقله اليهود عن بعض ما كانوا عليه قبيحاً، وأماما حكوه عن موسى ﵇ أنه قال لبني إسرائيل هذه الشريعة لازمة لكم أبدآ مادامت السموات والأرض، فلفظ محتمل وفي إتيانه على وجه محتمل حكمة عظيمة قد ذكرها الحكماء، وهي أن من عادة العامة وغريزتها أن لا ينقاد كل الانقياد لراع أو رئيس إذا علموا كونه مصروفاً من بعد، بل يستوهنون أمره ويضعفون حاله، فإذا واجب أنما لا يعلموا بأن أمره غير ممتد، وأن لا يبين ذلك إلا للأعيان الذين لا يكون منهم مفسدة، فلهذا كانوا الألفاظ الواردة من الأنبياء ﵈ محتملة أن شريعتهم على التأييد، فإن قيلت إن ذلك يؤدي إلى أن يقال في
стр. 287
نبينا- ﵇ إنا لم نعلم كونه دينه- ﵇ على التأييد من قوله فقط، بل علمنا ذلك قول من قوله ببرهان، وهو أن دينه بالاعتبار العقلي وسحل كما وصفه تعالى بقوله: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وأنه مصون عن الإفراط والتفريط والوسط الذي هذا صفته هو الحق الذي قال تعالى فيه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، ولشرح دلك موضع غير هذا وبالله التوفيق، وأما معنى الآية، فعلى قول من يجعل الإنشاء مقابلاً للنسخ قال: لما أنكرت اليهود تحليل الله الشيء في وقت [وتحريمه في وقت] بين الله تعالى أن جميع ما في التوراة، والكتب المتقدمة ضربان إما حكم قد نسخ فأتى بما هو خير أي أنفع لكم، أو يترك فلم ينسخ وأتى في القرآن بمثله، أي جمعناه في لفظ آخر، فيكون بقوله: (بخير منها) راجعاً إلى النسخ وبمثلها إلى الإنسان،
فإن قيل: إن الذي ترك ولم ينسخ ليس هو مثله بل هو هو، فكيف قال بمثلها؟ قيل: الحكم الذي أنزل في القرآن وكان ثابتا في الشرع الذي
قلنا يصح أن يقال هو هو إذا اعتبر بنفسه ولم يعتبر بكسوته التي هي اللفظ، ويصح أن يقال: هو مثله إذا لم يعتبر بنفسه فقط، بل اعتبر باللفظ، ونحو ذلك أن يقال ماء البئر هو ماء النهر إذا اعتبر جنس الماء، وتارة يقال: مثل ماء النهر إذا اعتبر قرار الماء، وعلى قول من جعل الإنسان ترك اللفظ حتى تنسى قال: معناه: إدا أزيل حكم آية أو أنسى لفظها نأت بما هو أوفق لكم وأقرب إلى أن يبلغوا به إلى ما أريد منكم، ثم قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي لا تحسبن أن تغييري الحكم حالاً فحالاً وإن لم آت بالثاني في الابتداء هو العجز، فإن من علم قدرته على كل شي لا يظن ذلك، وإنما يعتبر ذلك لا يرجع إلى مصلحة العباد، وبدأ الأليق بهم في الوقت المتقدم الحكم المتقدم وفى الوقت المتأخر الحكم المتأخر، وقال بعض المحققة أن الآية مع هذا الظاهر تنبئ عن معنى لطيف، وهو أن الله تعالى خلق الإنسان خلقة تدرجه من حال إلى حال إلى أنما يصير كاملاً موصوفاً بعام
стр. 288
صفاته ومتخصصاً بالبقاء الأبدي والغنى السرمدي ومنفكاً من الحاجات والنقصانات كلها، فنبه الله تعالى أن هذه الأحوال آيات له ينسخها إلى مثل ما هو كالأول من وجه وخير منه من وجه، ثم بين أنه تعالى قادر على ذلك إذ هو قادر على كل شيء، وقد تعلق الشافعي وأصحابه في قولهم: إن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن بهذه الآية، ووجه ذلك أن قولنا هدا خير من كذا، وأفضل منه يرجع إلى شرفه من ثلاثة أوجه إما إلى فضل موجده، أو إلى جنسه، أو إلى تأثيره، مثال الأول: قولك: أفعال الله أفضل من أفعالنا، ومثال الثاني الملائكة أفضل من الحيوان ومثال الثالث: السيف أفضل من العصا ومثل يقال على ثلاثة معاني لها ثلاثة ألفاظ مماثلة في الجنس، ويقال لها الند مماثلة في الكيفية، ويقال لها الشبه ومماثلة في الكمية، ويقال لها المساواة، وثلاثتها يقال لها مثل، وقد ضمن الله تعالى أنه لا ينسخ آية إلا بخير منها أو مثلها، فالسنة ليست بخير من الآية ولا مثلها في الجنس، إذ جنس القرآن تتعلق به المعجزة وإن أمكن أن يقال: هي مثلها في الوصفين الآخرين، وأما وجه قول مخالفيه، فهو أن الله تعالى وإن ذكر الآية، فإنما أراد حكمها، لأن النسخ لا يكون إلا في الأحكام، فإذا قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ليس إلا في الأحكام، فكأنه قيل: " ما ننسخ من حكم الآية إلاً نأت بخير منه أو مثله، فعلى هذا مدار الكلام وتعلق أهل الظاهر بالآية، حيث ذكروا أن الناسخ لابد أنما يكون أخف من المنسوخ، وذهبوا في الخفة إلى ما يستخفه النفس بالطبع، وذلك بعيدا فإن الشريعة مبنية على مخالفة النفس وعلى مجانبة مقتضى الطبع، ولهذا قيل هذا إذا عن أمران، فاشتبه وجه الصواب فتخير أثقلهما على النفس، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
إن قيل: إذا لم يحمل خبر علي التخفيف فليست الثانية خيراً من الأولي في شي من الأحوال، لأن الأولى في الوقت أصلح وأفضل، والثانية في الوقت أصلح وأفضل، فقد تساويا في عظم المصلحة، وبطل أن يكون الثانية خبرا بأن يكون أثقل وأكثر أعمالاً ليكون أجزل في الأجر وأكثر ثواباً، ومع هذا
стр. 289
فإن الثانية خير من الأولى في الوقت الثاني، لأن الأولى قد بطل العلم بها، وقوله بخير منها يعني في الوقت وتعلقهم بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ فبعيد، فإن التخفيف واليسر في الأمور الإلهية في الدنيا والآخرة هما مما تستثقله النفس، أما في الآخرة، فأنه لا وصول إلى ذلك إلا بتحمل المشاق في الدنيا والعمل بالطاعات ومخالفة الهوى، وأما في الدنيا فإن التخفيف واليسر مع حصول العلم والصبر والعفة الواضحة عن الإنسان ثقل الجهل والجزع والخوف والفقر.
قوله
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
الآية (١٠٧) - سورة البقرة.
الولي يقال تارة لمن له موالاة نسبية أو خلف، وتارة لمن له ولاية سلطانية، وإنما ذكر الولي والنصير، وهما متقاربان بالعنف، لأنه قد ينفك الولي من النصرة بأن يكون ضعيفاً، والنصير من الولاية بأن يكون عن المنصور أجنبياً، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِإذا تصور خطاباً للكفار اقتضى وعيدا أي لأولي وناصر يحميكم عنه نحو قوله تعالي.
﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ إدا تصور خطابة للمؤمنين اقتضى تسكيناً لهم أي لا تعتدوا بمن يواليكم وينصركم سواه، كقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وإذا اعتبر بهما فالمعنيان فيهما موجودان أي لا تعتقدوا أن لكم ولياً وناصراً إذا لم يكن الله وليكم تنبيها أنه تعالي هو الذي لا يمكن تصور ولي وناصر مع تصور
стр. 290
ارتفاعه ، وإنما خص النبي ﷺ بقوله: (ألم تعلم) وإن كان الخطاب له ولغيره، لذكره العلم ولا أحد من البشر أعلم بذلك منه- ﵇، أو قد وقف من أسرار ملكوت السموات والأرض على ما لم يوقف عليه غيره والقصد بالآية، أنهم لما أنكروا النسخ معرفتهم أنه تعالى ينقل عباده من حكم إلى حكم على ما يرى من مصالحهم، وبين أن ذلك ليس لعجزه، إذ هو قادر على كل شيء ومالك له، إنما قيل: لم كرر: " ألم تعلم "، ولم يعطف الثاني على الأول، قيل إنه لا جعل حكم الثاني كالعلة للأول أخرجه مخرج الأول، فكأنه قيل: " هو على كل شي قدير "، لأن له ملك السماوات والأرض، وإخراج
الكلام على لفظ التقرير لكونه أبلغ في حكم الخطابة، وموضع قوله: (ومالكم) معطوف على موضع ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ...
قوله
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
الآية (١٠٨) - سورة البقرة.
السبيل والطريق يتقاربان لكن السبيل يقال على اعتبار السبل، كقولهم: طريق مسنون، ومنه أسبلت الإزار، والستر والسبلة المسترسل من الشعر على الشفة العليا والسبيل المطر مادام بين السماء والأرض، والطريق يقال على اعتبار طرقه بالأرجل، االسواء أصله يستعمل في المكان الذي يستوي فيه إليه مسافة الطرفين وفي ذلك معنى القصد والعدل، فصح أن يفسر بالوسط وبالقصد وبالعدل وليست هذه الألفاظ في تفسيره أقوالاً مختلفة كما ظنه بعض المفسرين، وأما " أم "، فقيل هو معطوف على قوله: (ألم تعلم)، وتقديره: ألم تعلموا ذلك أم لم تعلموا فتسئلوا رسولكم، وقيل هو لاستئناف الاستفهام المفسر بها، كقول الشاعر:
كذبتْكَ عيْنُكَ أمْ رأيْتَ بِواسطٍ؟
стр. 291
وسبب نزول هذه الآية فيما روي أن أهل الكتاب سألوه أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذلك هما ذكره في قوله- ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية-، وقيل: هو ما سأله مشركو العرب وهو قولهم له ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ وقيل: سألوه أن يجعل الصفا ذهباً، فقال: هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل، فأبوا، وقيل، سألوه أن يجعل لهم ذات أنواط وهي شجرة تعلق فيها الأسلحة ليقتدوا بالمشركين في اتخاذها فقال ﵇: (الله أكبر، سألتم كما سال بنو إسرائيل موسى، فقالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)،
إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ومعلوم أنه بدون الكفر بالإيمان يعلم أنه قد ضل؟ قيل سواء السبيل وفي ذلك تنبيه أن ضلالة سواء السبيل قائدة إلى الكفر بعد الإيمان، ومعناه: " لا تسألوا رسولكم كما سئل موسى فتفضلوا سواء السبيل فيؤدي بكم إلى تبديل الكفر بالإيمان "، فمبدأ ذلك الضلال عن
سواء السبيل، ووجه آخر وهو أنه سمي معاندة الأنبياء ﵈ بعد حصول ما تسكن النفس إليه كفراً، إذ هي مؤدية إليه، كتسمية العصير خمراً، فقال: " ومن يتبدل " أي يطلب تبديل الكفر والإيمان أي بما حصل له من الدلالة المتقضية لسكون النفس فقد ضل سواء السبيل، ووجه ثالث، وهو أن ذلك نهاية التبكيت لن ظهر له الحق فعدل عنه إلى الباطل، وأنه كمن كان على وضح الطريق فتاه فيه، ووجه رابع: وهو أن سواء السبيل إشارة إلى الفطرة التي فطر الناس ما عليها، والإيمان إشارة إلى المكتسب من جهة الشرائع، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي بالإيمان الكتاب فقد أبطله وضيع الفطرة التي فطر الناس عليها، فلا يرجى له نزوع عما هو عليه بعد ذلك ...
стр. 292
قوله :
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآية (١٠٩) - سورة البقرة.
الحسد: كراهية نعمة على مستحق لها، وعدت من عظائم الذنوب، إذ هو معاندة الله في إرادته، وهو شر من البخل، فإن الحسد بخل على الغير بنعمة من لا تنفد العطايا نعمه، والعفو ترك العقوبة على المذنب، والصفح ترك ترئته، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، وصفحت عنه: أي أوليته مني صفحة جميلة معرضاً عن ذنبه، أو لقيت صفحته متجافياً عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه إلى غيرها من قولك: تصفحت الكتاب، وفي الآية تنبيه أن كثيراً من أهل الكتاب يتمنون ارتدادكم بعد إيمانكم حسداً، وقوله: (من عند أنفسهم) أي من عند هواهم كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، وعبر عن الهوى بالنفس وهي الأمارة بالسوء، وبين أنهم فعلوا ذلك بعد وضوح الحق لهم، ولكنهم بحسدهم وهوائهم لا يتحرونه، ولا يحبون أن يتحراه غيرهم، ثم أمر بالتجافى عنهم إلى أن يأتي الله بأمره تسكيناً لهم ووعداً بتغييره لقدرته على كل شك، وروي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقال غيره: هي غير منسوخه، وهذا الخلاف يرجع إلى اختلاف نظيرين، وذاك أن كل أمر ورد مقيداً بانتهاء ما معين أو غير معين فورود الأمر بخلافه يصح أن يقال: هو نسخ له من حيث إنه يرفع الأول، ويصح أن يقال: إنه ليس بنسخ، فإن النسخ في الأمر المطلق.
стр. 293
قوله :
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
الآية (١١٠) - سورة البقرة.
هذا معطوف على قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾، ومعناه: اشتغلوا بالعبادات التي يعود عليكم فعلها نحو: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، وجعل ثواب الفعل نفس الفعل لكونه إياه في التقدير، وبهذا النظر سمي ثوابه وهو الثائب إليه، فلذلك قال: تجدوه، وبين أن كل خيري حصله الإنسان فمدخر له بخلاف عمل الكفار الذي قال فيه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وبخلاف عمل الدنيا الذي قال فيه: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، وعلى ذلك قال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وأمنهم من ضياع ما يقدمونه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تنبيها على نحو قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.
إن قيل: كيف قال تجدوه، ومن أحبط عمله لا يجده! قيل الخبر المقدم في الحقيقة هو الذي لم يحبط، فأما ما أحبط فقد أخرج من كونه خيرا [وإن كان] قد يسمى في بعض الأحوال خبراً بنظر من يضعف نظره ...
стр. 294
قوله :
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
الآية (١١١) - سورة البقرة.
البرهان: كل حجة لا يعتريها شبهة بوجه.
وهود، قال الفراء: أصله يهود، فحذف ياؤه لكونها زائدة، وقال غيره: هو جمع هايد أي تائب نحو: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، وكأنه كان في الأصل اسم مدح لمن تاب منه، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازماً لجماعتهم كالعلم لهم وجعل مقالهم ذلك، أماني من حيث أن الأمنية مقال منيعة عن تقدير، فيستعمل تارة في التقدير حقاً كان أو باطلا على ذلك، حتى بين ما تمنى لك الماني، وتارة في المقال، وقوله: (لن يدخل) كلام " ملفوف " وتقديره: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخلها إلا النصارى فأجمل اكتفاء بعلم السامع أن يرد كلأ إلي ما يقتضيه ونحوه في الإجمال قوله- ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
ثم [كذبهم] بعجزهم عن إقامة البرهان على ما ادعوه.
قوله- ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
بل: رد لدعواهم وإثبات لضد حكمهم، والإسلام: الدخول في السلم، وقيل للانقياد إسلام، نحو:
كَمَاَ أسْلمَ السَّلْكَ منْ نِظْمه ...
لألئ منُحْدراتٍ صغَاراً
لأن الانقياد للمسالم من مقتضى السلم، وجعل الإسلام في الشرع ضربين، ضرباً قبل الإيمان دونه، وهو الاعتراف باللسان الذي يحقن الدماء حصل معه الاعتقاد الصحيح أو لم يحصل، وإياه
стр. 295
عنى بقوله :
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وضرباً بعد الإيمان وفوقه، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب ووفاء بالفعل، وإياه عنى يوسف بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي الطاعة هي تسليم لأمر الله- ، وهذا الإسلام بين مبدأه ومنتهاه بون بعيد، وكان منتهاه على حسب طاقة البشر حال إبراهيم- ﵇ حيث ابتلى، فقيل له أسلم، فقال أسلمت لرب العالمين، ثم وفي بما كان منه، وهذا هو الإخلاص المراد من الأولياء، وأصل الوجه العضو المقابل من الإنسان فاستعير للمقابل من كل شيء حتى قيل: واجهته ووجهته، وقيل للقصد وجه، وللمقصد وجهة، وعلى ذلك ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾، ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ وعلى ذلك قوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾.
ولما جعل دلك للقصد أضيف تارة إلى القاصد كما تقدم، وتارة إلى المقصور، كقولك: " أردت بكذا وجه الله "، وقد حمل على ذلك ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وقيل: الوجه في هذه المواضع اسم العضو مستعاراً للذات، فقوله: أسلم وجهه أي نفسه والإحسان قيل هو الإتيان بلد فرض العبادة بالنفل، وبعد إقامة العدل بالفضل ولما كذبهم الله فيما ادعوه
стр. 296
من دخول الجنة بيد أن من أسلم نفسه له على حد ما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، وكان قصده إياه فيما يتحراه وهو ملتزم مع فرائضه نوافل حصل له ما ادعوه وزيادة فإن له أجره وهو الجنة، ومع ذلك فلا خوف عليه في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فبأن يجعل له يقيناً وصبراً قناعاً تكفيه الخوف على شيء يفوته والجزع لشيء قد فاته، وأما في الآخرة فبأن يكفيه شدائده " يوم لا يغني مولى عن مولى شيئأ "
إن قيل: كيف قال (لا خوف عليهم) وقد مدح المؤمنين على خوفهم بقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ قيل: إن الذي نفي عنهم هو ما تقدم آنفاً، والذي مدحهم به هو توفية حق العبادة، فإن مخافة الله إقامة عباداته وارتسام مرسوماته، ولذلك قيل: من لم تخف نفسه الدنيا فلا يعذبه [خائفاً] وقيل: معنى ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من آمن وعمل صالحاً، وما تقدم منطوٍ على هذا ...
стр. 297
قوله :
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
الآية (١١٣) - سورة البقرة.
الكتاب يتناول كل كتاب منزل، والفرقان يقال في التوراة وفي القرآن، والقرآن يختص بالمنزل على محمد ﷺ ، وروي أنه لما قدم نصارى نجران علي رسول ﷺ أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عنده، وقال كلا الفريقين للآخر: لستم عدي شيء، فأنزل الله- هذه الآية،
إن قيل: كيف عرض تعالى بتكذيبهم فيما ادعوه وقد صدق الفريقان على قول المسلمين؟ قيل: ليس قول أحد الفريقين بسديد من وجه، إذ قد بتوا الحكم وليس ذلك على البت والقطع، فلكا الفريقين في وقت وعلى وجه على حق، على أن القصد بالآية الدلالة على جهلهم وتخبطهم مع تشاركهم في قراءة التوراة دالة على ما اختلفوا فيه، فبين أن كلا الفريقين حائد عن الطريق، وأنهم في الجهل أو التجاهل
كالمشركين الذين لا كتاب لهم في دعواهم على أهل الكتابي والمسلمين أنهم ليسوا على شي، ثم توعد الفريقين بحكمه بينهم [يوم القيامة] وقد أبهم حكمه فيدخل فيه كل قول قالوه من قول من قال: عني إنصاف المظلوم من الظالم، وقول من قال: عني تعريف المكذب من المكذَّب، وقول من قال: مثل قوله ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
стр. 298
قوله :
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
الآية (١١٤) - سورة البقرة.
المنع، أن يحال بين من المراد ومريده، ولما كان الشيء قد يمنع ضناَ به صار المنع متعارفاً في المتنافس فيه، والسعي مشئ بسرعة، وهو دون العدو، وخص بأنواع من السعي منها: السعاية، أي الوشاية وسعي العبد في اكتساب ما يعتق به والتصرف، للتكسب، ولجباية الصدقة حتى صار الساعي معروفة في جابي الصدقة، وجعل المساعدة كناية عن الفجور بالأمة والخراب ضد
العمارة، وجعل الخربة لسعة خرق الأذن تشبيها بالخراب، وشبه عروة المزادة بها، فقيل خربة، والخارب: السارق لتخريبه، أو لكونه سكاناً في خراب متوحشاً عن الناس، فيكون بنائه كباد وحاضر، وقيل: هو مخصوص بسارق الإبل خاصة، والأولى بالمساجد أن تكون عامة في كل مكان مرشح للصلاة، فقد قال ﵇.
" جعلت لي الأرض مسجداً وطهواًَ "، وعظم تعالى ظلم من سعي في المنع من ذكر الله وتخريب الأمكنة المختصة بأهل الشرائع المحقة مسجدا كان أو غير مسجد، وليس
التخريب الهدم فقط، بل تعطيله عن عباده الله- .
وقول ابن عباس ومجاهد: إنه عني به الروم إذ خربوا بيت المقدس، وقول غيره إنه عني " بخت نصر " لما خربه، وقول من قال: إنما عني به المشركين إذ صدوا النبي ﵇ عن المسجد الحرام،
стр. 299
وكل ذلك أمثلة منهم لحكمه وسبب النزول هذه الآية لا أنه لم يرد بها غير ذلك، يبين دلك أنه قال: مساجد بلفظ الجمع، وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ لفظه خبر، ومعناه منطوٍ عليه وعلى الأمر، فإن بيوت الله- ممنوعة عن الكفار في دار الإسلام إلا بإذن، ويكونون خائفين، والحكم أن لا يمكنوا إلا بشرط حاجة تقتضي ذلك، ثم ثبت لهم الخزي في الدنيا، وذلك تارة بالهوان الذي يجري عليهم، وتارة بأخذ الجزية منهم، وقتلهم، والسبي، منهم، ومنعهم عن كثير مما يباح للمسلم، وإليه نظر قتادة وجماعة وفسروا به، وتارة بالهوان الذي يلحقهم في أنفسهم من جنبهم وجزعهم وخوفهم وسائر الآفات النفسية وتارة من حيائهم من عقلهم لاضطراب نفوسهم وقلوبهم وقلة سكونهم لما اختاروه، وإلى ذلك أشار تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾.
قوله :
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
الآية (١١٥) - سورة البقرة.
المشرق والمغرب تارة يقالان بلفظ الواحد إما إشارة إلى ناحية الأرض، وإما إلى المطلع والمغيب، وتارة بلفظ التثنية إشارة إلى مشرقي ومغربي الشتاء والصيف، وتارة بلفظ الجمع اعتباراً باختلاف المغارب والمطالع كل يوم، وشرقت الشمس طلعت، وأشرقت: أضاءت وذلك إذا كثير شروقها، وشرقت اللحم: ألقيته على الشمس المشرق، والشرف الصلب لأنه يقام فيه صلاة [العيد] عند شروقها، وشرق الثوب بالصبغ تشبيها بلون الشرقة، والغروب للشمس تصور منه بعد ذهابها عن العمارة، فيقال لدى تباعد غروب، ومنه الغروب لكونه مبعدا في الذهاب، وغارب السنام لبعده عن المنال، وغرب السيف أبعد جزء من صحيفته، ثم تصور منه حدته، فقيل لسان غرب وسمي الدلو غرباً
стр. 300
لتصور بعدها في البئر، ثم سمي الماء به كتسميتهم إياها بالذنوب لكونه فيها، والغرب للذهب لكونه غريباً فيما بين الجواهر، والغرب لبعده عن المثمرات من الأشجار، والآية توكيد لا تقدم أنه عني بالمساجد حيث ما صلى فكأنه قيل: لاعتبروا الأمكنة، فلله- ملك الدنيا، وحيث ما توجهتم فهو موجود يمكنكم الوصول إليه، إذ ليس هو جوهراً ولا عرضاً، فيكون بكونه في جانب مفرغاً جانباً ونبه بقوله: " بواسع " على إحاطته بالأشياء، " وبالعليم " أنه لا يخفى عليه خافية، وقد حمل أكثر المفسرين الآية على أنها واردة في القبلة، فمنهم من قال ذلك توطئة لجواز نقلها وتقرير في نفوسهم أن ليس المعبود [سبحانه] في حيز دون حيز، وقيل إن دلك في زمان كان يجوز الصلاة فيه إلى كل جهة حتى أمروا بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهو قول قيادة وابن زيد، وذلك بعيدة لأن القبلة كانت مخصوصة وعلى ذلك قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وقيل إن دلك في النافلة وجوازها حيث ما توجهت بنا الراحلة، وإليه ذهب ابن عمر، وقيل إن قوماً صلوا في ظلمة خفيت عليهم جهة القبلة، فلما أصبحوا كانوا قد صلوا إلى غير القبلة، فأنزل الله ذلك وإليه ذهب ابن عباس وجماعة، وقد تقدم معنى وجه الله.
стр. 301
قوله :
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
الآية (١١٦) - سورة البقرة.
القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، ولما كان لهما فسر بكل واحد منهما، فقيل في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي خاضعين، وقيل طائعين، ولما كان من تمام القنوت القيام والسكون ما لم يكن أمر بخلافه واستعمل فيهما، فقيل في قول النبي ﷺ لما قيل له: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت " أي القيام، ولما ادعى النصارى في المسيح واليهود في عزير أنهما أبناء الله، ومشركوا العرب في الملائكة أنهم بنات الله تقدس ألفه تعالى عن ذلك، نبه على أقوى حجة على نفي ذلك وبيانها هو أن
لكل موجود في العالم مخلوقاً طبيعياً أو معمولاً صناعياً عرضاَ وكمالاً أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض كاليد للبطش، والرجل للمشي، والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر وإن كان اليد قد يصلح للمشي في حال، والرجل للتناول، لكن ليس على التمام، والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه، وجزء منه لا لم يجعل الله له سبيلاً إلى بقائه بشخصه، فجعل له بذراً لحفظ نوعه، ويقوي دلك أنه لم يجعل الشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذراً، واستخلافاً لما لم يجعل لها فناء النبات والحيوان، ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى، ولهذا قال سبحانه أن يكون له ولد، أي هو منزه عن السبب المقتضي للولد، ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما، ودلك لما تقدم أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه لكونه غير كامل في نفسه، بين تعالى بقوله ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنه لا يتوهم له فقر فيه فيحتاج إلى اتخاذ
стр. 302
ماهو سد لفقره، فصار في قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ دلالة ثانية، ثم زار حجة بقوله: (قانتون) وهو أنه لما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾، بين أن كل ما في السماوات والأرض مع كونه ملكا له فأنت له أيضاً إما طائعاً، وإما كارهاً، وإما مسحراً، كقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، وهذا أبلغ حجة لمن هو على المحجة ...
إن قيل: من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلي الله تعالى؟ قيل: قد ذكر أن في الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم " الأب "، وعلى الكبير منهم اسم الإله- حتى إنهم قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر، وإن الله هو الأب الأكبر "، وكانوا يريدون بدلك أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان، وأن الأب هو السبب الأخير في وجوده، وأن الأب هو معبود الابن من وجه، أي مخدومه، وكانوا يقولون للملائكة آلهة كما قالت العرب للشمس إلهة، وكانوا يقصدون معنى صحيحا
كما يقصد علمائنا بقولهم:.
الله محب ومحبوب، ومريد ومراد، ونحو ذلك من الألفاظ، وكما يقال للسلطان الملك وقول الناس " رب الأرباب.
، إله الألهة "، " ملك الملوك "، ومما يكشف عن تقدم ذلك التعارف ويقوي ذلك ما يروى أن يعقوب كان يقال له " مكر الله "، وأن عيسى كان يقول، " أنا ذاهب إلي أبي، ونحو دلك من الألفاظ، ثم تصور الجهلة منهم باخرة معنى الولادة الطبيعية، فصار ذلك منهياً عن التفوه به في شرعنا تنزهاً عن هذا الاعتقاد، حتى صار إطلاقه وإن قصد به ما قصده هؤلاء قرين
الكفر، وقد استدل بعض الفقهاء بهذه الآية على أن الملك لا يقارن الولادة، وأن من ملك والده أو مولوده عتق عليه، لأنه تعالى نفي عن نفسه الولد بإثبات الملك له وهذا بعيد عما قصد في الآية بالمقال وإن كان فيه مجال للجدال ...
стр. 303
قوله :
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
الآية (١١٧) - سورة البقرة.
البديع: يقال للمُبدع والمبدع جميعاً، والإبداع إيجاد فعل ابتداء لا احتذاء، ولهذا قيل: فلان بدع في كذا، وجدل البدعة اسماً لكل مخترع لم يؤثر عن أرباب الشرع.
والقضاء: إتمام الشر قولاً أو فعلاً، فمن القول قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾، ومن الفعل قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وقضى فلان دينه، وقضى
نحبه، وانقضى الأمر، وتقضى بلغ أخره، ذكره تعالى هذه الآية حجة رابعة شرحها أن الأب هو عنصر للابن، منه تكون، والله مبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصرا للولد، فمن المحال أن يكون المنفعل فاعلاً، وخص لفظ الإبداع لكونه أبلغ لفظاً وأبعده عن الاحتمال، وذلك أن أفعال الله تعالى على ثلاثة أوجه: إبداع وهو " اختراع " الشيء لا عن شيء ولا في زمان، ويستعمل ذلك في إيجاده تعالى المبادئ، و " صنع " وهو تركيب صورة مع العنصر، وتستعمل في إيجاده الأجسام، و " تسخير " وهو سوق الشيء إلى غرضه المقصود منه طوعاً أو قهراً، ويستعمل في القوى التي أوجدها في السحاب والأمطار والأغذية والأدوية، وكل هذه الثلاثة يقال له الخلق، وأقدمها الإبداع، ونبه بقوله: ﴿قَضَى أَمْرًا﴾ على حجة خامسة، وهو أن الولد يكون بنشر وتركيب حالاً بعد حال، وهو إذا أراد شيئاً فقد فعل بلا مهلة ولم يرد " بإذاً " حقيقة الزمان، إذ كان ذلك إشارة إلى ما قبل وجود الزمان، ولم يرد أيضاً " بكن " حقيقة اللفظ ولا بالفاء التعقيب الزماني، بل استعير كل ذلك ولأنه أقرب ما يتراءى لنا به سرعة الفصل وتمامه، وذكر لفظ " القضاء "، إذ هو لإتمام الفعل.
والآخر لكونه منطوياً على اللفظ والفعل
стр. 304
والقول إذ هو أخف موجد منا وأسرعه إيجاداً، ولفظ: " كن " لعموم معناه، واختصار [لفظه]، ثم قال: " فيكون "، تنبيها أنه لا يمتنع عليه شي يريد إيجاده، وكن فيكون، وإن كان مخرجها مخرج شيئين أحدهما مبني على والآخر، فهو في الحقيقة شيء واحد ونحوه قولنا: فلان إذا أراد شيئاً فقد كان ما أراد، واختلق في تفسير هذه الآية من حيث إن " كن " لفظ أمرا والأمر لا يكون إلاً لموجود، فبعض قال: " لفظ الشر مخصوص " ههنا للموجودين الذين قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وبعض قال: (هو خطاب لمن يجيبهم من الوتى)، وبعض قال: هو أمر للشيء في حال تكونه لا قبله ولا بعده، وبعض قال: هو أمر لمعلوم له، وذلك في حكم الموجود وإن كان معدوم الذات وبعض قال: " هو أمر للمعدوم "، قال: ويصح أمرا لمعدوم، كما يصح أمراً لموجود، وبعض قال: " إنه جعل " كن " دلالة للملائكة على ما يتقضيه من الأفعال "، وأكثر هذه الأقوال يتبين وهنه بتصور ما تقدم ...
قوله :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
الآية (١١٨) - سورة البقرة
اليقين أبلغ علم وأوكده، وهو أن يكون عالم بالشئ، وعالماً بأنك تعلمه غير شاك ولا متهيئ للشك، ولذلك قيل: هو المعلوم الذي زالت عنه المعارضة على مرور الأوقات، وإنما لم يوصف الباري تعالى به من حيث أنه لا يستعمل إلا في العلم المكتسب، ولهذا قال تعالى في صفة إبراهيم- ﵇ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، ويعني بالذين لا يعلمون الكافرين على عهد رسول الله ﷺ وقول ابن عباس: " هم اليهود "، وقول مجاهد: " النصارى "، وقول الحسن وقيادة: " هم مشركو العرب كله محتمل ويصح أن يكونوا جميعاً مرادين، فقد قال الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ ومشركو
стр. 305
العرب قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، وعني بالذين قبلهم من سبق من كافري الأمم، فقد قال أصحاب موسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وأصحاب عيسى قالوا: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ثم بين أنهم متشابهون في العمي والجهالة، لاقتراحهم على رسلهم كقوله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
إن قيل: إنهم وإن أخطأوا في قولهم: (لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ) فإنهم لم
يخطئوا في سؤال الآية، إذ لا يلزم الإنسان أن يؤمن إلا لمن يأتي بآية تدل على صدقه، قيل: إنما أنكر عليهم جحودهم الأيات التي آتاهم، ولذلك قال (قد بينا الآيات) كما قالت: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ كما قال، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فيه معنيان: أحدهما أنهم يطلبون اليقين وليس بهم المعاندة، والثاني: أن من حصل له اليقين بالحق المحض وليس يعتريه شبهة فله في القرآن لا آية بل
آيات، كما قال: (هو للذين أمنوا هدى وشفاء)، وقرأ بعضهم: (تشابهت) بتشديد الشين، كأنه نظر إلى قوله: (تشابه)، فحمل عليه، وذلك خطأ، لأن تشابه أصله تتشابه، فأدعم، وليس في تشابهت ذلك، ومن قال: هلا أجابهم إلى سؤالهم في أثناء الآية؟: فسؤال جاهل بحكمة الله تعالى، فباقتراح جاهل، وتشويه لا يجوز للحكيم أن يفعل ما ينافي مقتضى الحكمة، وقد أزاح العلة بغير سؤالهم وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾
стр. 306
قوله :
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾
الآية (١١٩) - سورة البقرة.
الجحيم المناحج من النار يقال نجحت النار، وشبه حمرة عين الأسد به، فقيل لها جحمة.
وجاحم الحرب تشبيهاً، فبين تعالى أن عليك البشارة والإنذار، ولا يلزمك عقابهم تسلية له، كقوله:
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، وقوله: (لا تُسْئَلُ) قال معطوف على قوله (بشيرا ونذيراً)، وقرأ نافع (ولا تُسئلْ)، بالجزم، فقيل ذلك تفخيما لشأنهم، وقيلت: نهى عن تتبع ما أغناه الله عنه من أخبار من مضى، وقد روي أنه ﵇ كان يستغفر لأبيه، فنهاه الله تعالى عن ذلك، لقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾.
قوله :
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
الآية (١٢٠) - سورة البقرة.
الملة: من أمللتُ الكتاب، وهي اسم لما شرعه الله تعالي لعباده على لسان أنبيائه ليتوصلوا به إلي آجل ثوابه، والدين ملة، لكن الملةَ تُقال باعتبار دعا الله وإنزال كتبه والدين باعتبار طاعة العباد له بإجابة دعائه والانقياد لأمره، والشيء الواحد قد يسمى باسمين على اعتبارين، ثم تقال الملهُ والدين لما
стр. 307
لم يكن من قبل الله على التقييد، كقولك: " ملَةُ مزدْكَ وغيرهِ "، والهوى: رأي عن شهوة داع إلى الضلال وسمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وهي الآخرة إلى الهاوية، ولهذا سميت النارُ هاوية، ولشدة سلطانه وصفة الله بأنة إلهُ الكفار، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، ومعنى الآية أن من خالفوك لا يرضون عنك إلاً بمتابعة ملتهم تنبيهاً أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منك، ثم بين أن إتباعهم ليس بهدى، وأن الهدى هو هدي الله، أي إرشاده، كقوله ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾، ثم حذره فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وذلك تحذير له ولأمته، ولكن خص بالذكر لأن أنبياء الله، بل أولياءه بأدنى ميل إلى ضال يكونون في حكم تابعي هواهم.
وربما بعد ذلك في جرائمهم الكبيرة ويؤاخذون بما لا يؤخذ غيرهم به، وذلك معلوم في التعارف، فإن من حصل له زلفة متناهية من السلطان لا يتجافى عما يقع منه من أدنى مخالفة كالتجافي عن الأجانب، ولهذا قيل: (كبائر الأولياء صغائر العوام)، وقيل: (فاحشة الأولياء التواني في تعهد الأنفاس، وفاحشة العوام فيما فيه المحدود) وإنما قال: أهواءهم بلفظ الجمع تنبيهاً على أن لكل هوى غير هوى الأخر، ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى، ونحو ذلك قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، وقوله للمؤمنين: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وذلك تحذير من الهوى جملة، وقد تعلق بهده الآية من يجعل الكفر كله ملة واحدة، لأنه جمع بين اليهود والنصارى، وسمي طريقتهما ملة واحدة ....
стр. 308
قوله :
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
الآية (١٢١) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في التلاوة، منها تكون بالقراءة تارة، وبتتبع العنف تارة، وباستعمال مقتضاه تارة، وهو المعنى بقوله: (حق تلاوته)، وعليه دل قول ابن عباس وابن مسعود يتبعونه حق اتباعه، وقول مجاهدة " يعملون به حق عمله "، وقول عمر: " حق تلاوته ": إذا ذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا ذكر النار تعود منها "، وذلك عام في كتاب الله تعالى وفي أربابها، فقول قتاده: هم أصحالب النبي ﷺ وقول ابن زيد: إنهم اليهود والنصارى، وقول غيرهما: هم الذين أسلموا من مشركي العرب كلها داخل فيه، وعموم اللفظ يقتضيه وقوله " الذين " مبتدأ، " يتلونه " حال لهم، و " أولئك " خبره، والمعنى: هم الذين يحصل لهم الإيمان به دون الذين ينكرونه، وليس لهم إلاً الخسران البين، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، وهذه الأية كالتحقيق لما تقدم من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.
стр. 309
قوله :
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
الآيتان (١٢٢، ١٢٣) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في مضمون الآيتين، ويسأل عن فائدة تكريرها، وأنه قال في هذه الآية: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌوفي الآية المتقدمة قال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، والجواب: أما التكرير فعلى سبيل الإنذار، فالواعظ إذا وعظ لأمر ما قد يكرر الذي يعظ لأجله تعظيماً لأمره، وأما تغيير النظم، فلما كان قبول العدل وأخذه وقبول الشفاعة ونفعها متلازمة، لم يكن بين اتفاق هذه العبارات واختلافها فرق في المعنى ..
قوله- :
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
الآية (١٢٤) - سورة البقرة.
الابتلاء كالاختبار، لكن الابتلاء طلب إظهار الفعل، والاختبار طلب الخبر، وهما متلازمان، والتام والكامل والوافي والوافر متقاربة، لكن التام يقال للمعدود الممسوح جميعاً، نحو عدد تام، وليل تام، ورجل تام الخلقة، والكمال أكثر ما يقال في الممسوح والمشبه به، وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، فالمراد كمال الحكم لإكمال العدد، كما قدره بعض الملاحدة، فاعترض عليه بالإزراء.
стр. 310
والوافي ما أشرف على الشيء، ومنه وفاء العهد، وأوفى على كدا، أي أشرف عليه، والوافر: ما لم ينقص منه شيء، ومنه الوفر، وسقاء أوفر لم ينقص من أديمه شيء والذرية: الأولاد الصغار والكبار، وقيل هي للصغار، وقيل أصله من الذر، وقالت الفراء: أصله من ذريت وذروت، وقال أبو عبيدة: أصله الهمز من ذرأ الله الخلق، فترك همزة على غير قياس، والإمام في الأصل: الختم به محقاً كان أو مبطلاً، منه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وفي إطلاق الشرع اسم للمقتدي به، المقتدي بالشرع، وهو أعم من النبي والخليفة إذ كل نبي وخليفة: إمام، وليس كل إمام ونبي خليفة، والكلمات قد تقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتلها، فقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: قضيته وحكمه وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ أي؟ للمعاني التي تبرز بالكلمات ولم يرد اللفظ، فإن ما يحصره اللفظ يحصره الخط، والكلمات التي ابتلى بها مبهمة محتملة، وذكر المفسرون لها وجوهاً يصح أن تكون كلها مراده، فقيل: هي عشر سنن، همس في الرأس المضمضة، والاستنشاق، والفرق، وقص الشارب، والسواك، وخمس في الجسد تقليم الأظافر، ونتف الأبط، والختان، وحلق العانة، والاستنجاء، وقيل: هي خصال محمودة ذكر بعضهما في سورة/ التوبة، وبعضها في سورة/ المؤمنون، وبعضهما في سورة/ سأل سائل، وقد تقدم ذكرها في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ وقيل: هي مناسك الحج المذكورة في قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية، وكل ذلك عن ابن عباس، وقيل: في ابتلاؤه بالكوكب وبالقمر والشمس، وقيل: امتحانه بإنفاق ماله، وهجر أوطانه، وذبح ولده، وإلقائه في النار فلما لم يؤثر على اختبار الله في شيء من ذلك قال فيه: (فأتمهن)
стр. 311
وإتمامه: هو الوفاء بها المذكور في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، وسماه حنيفاً مسلماً، وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وجعل إمامته للناس كافة على التأييد، فإنه لم يُبعث بعده نبي إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ حتى قال للنبي (محمد) ﵇: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، وأمر- ﵇ بذكر إبراهيم في الصلاة، فقال: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم "، ولم يرد بالإمامة ههنا النبوة كما ظنه بعض المفسرين، فإنه- ﵇ إمام للناس على العموم في كل زمان على الإطلاق وليس بنبي لهم على [العموم] بالإطلاق، ولا قيل له ذلك قال: (ومن ذريتي)، فأجيب إلى ملتمسه بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لكنه تعالى بين أنه قد يكون من ذريته ظالم، وبين أن الإمام يتحمل للعهد، والظالم لا عهد له، فإذاً لا إمامة له، ولهذا ما روي في الخبر أن الله تعالى يقول يوم القيامة لوالي السوء: (ياداعي السوء، أكلت اللحم، وشربت اللبن، ولبست الصوف، ولم تؤد الكسير ولم ترعها في مرعاها)، واستدل بالآية بعض الناس، فزعم أن الظالم إدا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده، وقال الحسن: " إنما لم يجعل الله لهم عهداً " ....
стр. 312
قوله :
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
الآية (١٢٥) - سورة البقرة.
البيت: يسمى اعتبارا بالمبيت فيه، ومنه قيل: بيتهم وبات يموت بات ليلته في إنائه، ثم ترك اعتبار المبيت، وللوعي صورته، وبه شبه بين الشعر اعتباراً بأنه مبني من أوتاد وأسباب بناء بيت الشعر والوبر من نحوها، وبيت الله: سمي لوجود صورة البيت فيه، والمثابة إما لثؤوب الناس إليه، وإما لاستحقاقهم الثواب بقصده.
إن قيل: كيف جعل مثاباً عامة قصاده لا يثوبون إليه قبل ذلك باعتبار جنس الناس لا بآحادهم، واعتبر بعض الناس ما سآلته، واستدل بالآية في وجوب العمرة، فقال: لا يكون مثابة لأحاد قصاده إلا على هذا الوجه، ومقام إبراهيم الحرم عن ابن عباس، والمزدلفة عن عطاء، والحجر عن السدى، والأولى أنه الحرم كله، فما من موضع ذكروه إلا وهو مصلى أي مدعى، أو بوضع صلاة، والطوف المشي حول الشيء، ومنه: الطائف يدور حول البيت حافظاً، وطائف من الجن والخيال، وجعل الطوافون عباده عز الحرم، والعكوف: الإقامة مع اللزوم بين تعالى أنه جعل البيت من حيث الحكم مثابة للناس وأمناً ومصلى، ولم يعن أنهم ملجؤون إلى أن لا يخيفوا أحداً، كما لم يعن أنهم ملجؤون إلى أن يجعلوه مصلى ومثابة.
إن قيل: فقد قال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، قيل: هو أيضاً على معنى الأول، ولو عنى ما قلت لقال: (وإن من دخله كان آمنا) قيل: هو أيضاً علي معنى الأول، ولو عنى ما قلت لقال: وإن من دخله حتى كان يتعلق بالأول، وعلى ذلك حكم قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ على أن حكم الله في ذلك مما فيه أية منه لأنه حض الناس على
стр. 313
استعظام البيت حتى لا يجسر عامتهم على تعظيم حرمته، ومن ضيقها كان ممقوتاً غير منفك من عقوبة أما متجلية للمناظر أو ظاهرة لأولي البصائر، وقرئ: " واتخذوا " على الأمر، وروي فيه أن النبي ﷺ قال لعمر لما انتهى إلى المقام: " هذا مقام أبينا إبراهيم، [فقال: ألاً نتخذه مصلى؟] " فأنزل الله- (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، فعلى هذا أمر فصل به بين الجملتين من الخبر المعطوفة، والمعطوف عليها، (وعهدنا إلى) أي، أمرناهما أمراً موثقاً عليهما بأن يطهرا البيت من الأنجاس والشرك وكل ما ينافي موضع الطهارة، للطائفين: أي القصاد، وقيل لأولي الطواف، وكلاهما مراد، والركع السجود: المصلين، وقيل: قد دخل في الأمر بتطهيره أن ببنيانه على تقوى كما قال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾ الآية.
قوله- :
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
الآية (١٢٦) - سورة البقرة.
البلد: الأثر الباقي، وسمي المدينة، وكركرة البعير.
والمفازة: بلداً للآثار الظاهر بها، وقيل للآثار في الجلد أبلاد، والبليد: المقيم على بلده أي مكانه، ثم جعل عبارة عمن لا نفاذ له في الأمر حتى صار أملك له، والمصير: المنتهي إليه في الأمر، ومنه المصير: لمنتهى الطعام، وصير البقرة مأواها، كالزريبة للغنم، وصير الباب: حيث مصيره، وإنما قيل: شق الباب اعتباراً بصورته لا بحقيقة مقتضي اللفظ، والاضطرار: حمل الإنسان على [ما يضره وهو في التعارف] حمل على الأمر بكره وذلك على وجهين: أحدهما بسبب خارج، وهو إما أن يضرب أو يهدد بالضرب حتى يفعله منقاداً، وإما أن يؤخذ بيده فيفعل ذلك به، والثاني بسبب من داخل، وذلك إما بقهر قوة له لا يناله بدفعها الهلاك، كمن غلب
стр. 314
عليه شهوة خمر أو قمار، وأما بقهر قوة يناله بدفعها الهلاك كمن اشتد به الجوع، فاضطر إلى أكل الميتة أو تناول مال الغير، ولما بنى إبراهيم ﵇ البيت في فقر، ومن شرط المدن أن يتحرى في بنائها موضع يمكن أن يجري فيه نهر أو يشق فيه قناة، ويتخذ فيه مزرعة تفي بمطاعم قطانها، وعلم أن لا قوام لهم إلا بأن تجنى إليهم الثمرات، ولا يمكن جني الثمرات إليهم إلا بأمنه، سأل الله أن يجعله بلداً أمناً بسياسة ألاهية وأن يرزق أهله بتسخير الناس لجبي الثمرات إليه ولما سأله لهم الرزق، وكان قد سمع في جواب سؤاله الإمامة لذريته ما سمع تدارك سؤاله فقيده وقال: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ تنبيهاً أن رحمته في الدنيا وسعت كل شيء، وأن نعمه فيها متاحة للكل ليجعلوها ذريعة إلى إدراك ثوابه، ثم من كفر وضيع النعم فمسوق إلى عذابه.
إن قيل: إن قوله (فأمتعه) يقتضي كثرة ثبات الفعل وقوله (قليلا) ينافيه، فكيف جمع بينهما؟ قيل: ذلك على وجهين، فإن نعمته في الدنيا وإن كانت كثيرة بإضافة بعضها إلى بعض، فقليلة بإضافتها إلى نعمة الآخرة، وعلى هذا قال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، كيف لا يقل ما يتناهى بالإضافة إلى مالا يتناهى؟ وانتصاب " قليل " إما لكونه وصفا لمصدر محذوف أو لكونه ظرفاً، وتكون في العبارة به عن الزمان، كقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
стр. 315
قوله :
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
الآية (١٢٧) سورة البقرة.
الرفع والوضع يتقابلان، ويقال في الأجسام وفي الشرف والذلة على التشبيه وكذلك يقال في الإعراب على التشبيه والقعود المقابل للقيام، ثم جعل للثبات، فقيل لأساس البيت قواعد عن طلب الشرف، والقعيدة كناية عن الزوجة اعتبارا بقعودها في المنزل، والقعدة للفرس المقتعد في أكثر الأحوال، والقعود من البعير المدرك اقتعاده، وقيل إن إبراهيم ﵇ كان يبني وإسماعيل يرفع إليه الأحجار ويناوله، وذلك لا يمنع من أن يكون الفعل منسوباً إليهما وقول من قال: يجب إن يكون إبراهيم يتولى بناءه مرة، وإسماعيل مرة حتى يصح نسبة الفعل إليهما فبعيد التصور لسعة مجال الألفاظ وما اختلف فيه أنه هل كان للبيت بناء قبل إبراهيم ﵇، فأعاده أو هو الذي أنشأه وأحدثه، فليس مما يفتقر معنى الآية إليه وقيل ليس يعنى برفعهما قواعد البناء فقط، بل تحريمها تشريفه بدعاء الناس إليه ودعاء الله بحفظه، وصح نسبة ذلك إليهما وإن كان الله تعالى في الحقيقة شرفه من حيث أنهما من الأسباب المتأخرة لتشريفه.
стр. 316
قوله :
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الآية (١٢٨) - سورة البقرة.
النسك: غاية العبادة، والناسك الأخذ نفسه ببلوغ قاصيتها حسب طاقته، وسمي أعمال الحج المناسك ثم خص الذبيحة بالنسك وتعورف فيه حتى قيل نسك فلان أي ذبح وقيل للذبيحة نسيكة ولم يعن بالمسلم ههنا من حقن دمه بالشهادتين، كما ظن بعضهم وقال هذا دعاء بما علم كونه لهما لا محالة، وإنما عنى من ليس في فلبه تعظيم الله معه، وهو المعنى بالمضروب له المثل في قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ وبقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ وهذه قاصية الإيمان، ونبه تعالى بالآية أن من حق الإنسان أن يكون مع تحري الحق لا ينفك من التضرع إلى الله بإرشاده وتوفيقه، ومن طلب أن يتوب عليه من ذنب عسى إن كان منه وهو غافل عنه
فإن قيل: ولم قيد؟ فقال: (ومن ذريتنا، أمة مسلمة لك) ولم يعمم؟ قيل إن هذه منزلة شريفة لا يكاد يتخصص بها إلا الواحد فالواحد في برهة بعد برهة، وعلم أن الحكمة الإلاهية لا تقتضي ذلك، فإنه لو جعل الناس كلهم كذلك لما تمشى أمر العالم إذ كان العالم يفتقر إلى كون أفاضل فيها وأوساط وأراذل لتولي عمارته والقيام بتمشية أموره فقد قيل: عمارة الدنيا بثلاثة أشياء، أحدها الزراعة والغرس، والثاني: في الحماية والحرب، والثالث جلب الأشياء من مصر إلى مصر، وأنبياء الله لا يصلحون لذلك إذ كانوا بغرض أخر أشرف من ذلك ولهذا قيل: " لولا الحمقى لخربت الدنيا " وإنما عني بالحمقى المعنيون بأمر الدنيا بإضافته إلى المعنيين بأمر الآخرة، ولذلك قال ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
стр. 317
قوله :
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الآية (١٢٩) - سورة البقرة.
العزيز: الذي يقهر ولا ويُقهر، وتعزر فلأن بفلان، والعزاز من الأرض ما فيه صلابة بازاء الذلول، وعز الشيء إذا قل اعتباراً بأن كل موجود مملوك، وكل مفقود مطلوب، والحكمة حدت بحدود على اعتبارات مختلفة، إما اعتبارا بمبدأها، فقد قيل: هي معرفة حقائق الأشياء، وقيل: معرفة الأشياء الإنسية والأشياء الإلهية، وهذا هو كالأول، إلا إنه أبين، وإما اعتبارا بمنتهاها، فقد قيل: هي إماتة الشهود وقلا الاكتراث بالموت المحمود، وقيل: الترشح بالعلم والعمل لإدراك ثواب الله- ، فأما الرسول- الذي طلبه إبراهيم- ﵇، فقد روي عن نبينا ﷺ أنه قال: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بن مريم " يعني بالأول: قوله: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، وبالآخر: قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
إن قيل: كيف قال: يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة وليس الكتاب إلا الآيات، وما وجه هذا الترتيب؟
قيل: أما الآيات فهي الآيات الدالة على معجزة النبي ﷺ وذكر التلاوة لما كان أعظم دلالة نبوته متعلقاً بالقرآن، وأما الترتيب فلأن أول منزلة النبي ﷺ بعد ادعاء النبوة الإتيان بالآيات الدالة على نبوته، ثم بعده تعليمهم الكتاب، أي تعريفهم حقائقه لا ألفاظه فقط، ثم بتعليمهم الكتاب يوصلهم إلي
стр. 318
إفادة المحكمة وهي أشرف منزلة العلم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ثم بالتدرج في الحكمة يصير الإنسان مزكى.
، أي مطهراً مستصلحاً لمجاورة الله- .
قوله :
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
الآية (١٣٠) سورة البقرة.
الرغبة: سعة الإرادة، ومنه بطل رغيب أي نهم، والرغيب الشيء المرغوب فيه، ومش عدى بعن اقتضى صرف الإرادة عن ذلك الشيء، وذلك بالزهد فيه، والاصطفاء تناول صفوة الشيء، كما أن الاختيار تناول خيره، والاجتباء تناول جانبه أي وسطه، وهو المختار، و (سفه نفسه) قيل: تقديره سفه، نفسه، وقيل: أصله سفه نفسه، فصرف الفعل عنه، نحو: بطر معيشته، وسفه نفسه أبلغ من جهلها، وذاك أن الجهل ضربان جهل بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء وجهل مركب، وهو أن
يعتقد في الحق أنه باطل، وفي الباطل أنه حق، والسفه أن يعتمد ذلك، ويتحرى بالفعل مقتضاها ما اعتقده، فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لسفهه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ لكل نقيصة، وذاك أن من جهل نفسه جهل أنه مصنوع، وإذا جهل كونه مصنوعاً جهل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعاً، فكيف يعرف أمره ونهيه، وما حسنه وقبحه، ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق- جد ثناؤه- قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾
فإن قيل: كيف وصفه بالاصطفاء في الدنيا وبالصلاح في الآخرة، والنظر يتقضي عكس ذلك، فإن الصلاح وصف يرجع إلى الفعل، وذلك يكون في الدنيا، والاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه صالحاً، فحقه أن يكون في الآخرة؟ قيل الاصطفاء ضربان، أحدهما كما قلت والأخر في الدنيا، وهو اختصاص الله بعض العبيد بولايته ونبوته لخصوصيته فيه وهو المعنى بقوله
стр. 319
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾، والصلاح وإن اعتبر بأحوال الدنيا، فمجارى به في الآخرة، فبين تعالى أنه مجتبى في الدنيا لما عرف الله من حكمته فيه، ومحكوم له في الآخرة بصلاحه في الدنيا تنبيهاً أن الثواب في الآخرة يستحقه باصطفائه في الدنيا، وإنما استحق لصلاحه فيها، وجوز أن يكون قوله " في الآخرة " أي في أفعال الآخرة لمن الصالحين، ويجوز إن عنى بقوله " في الدنيا " حال بقائه، و " في الآخرة " حال وفاته، ويكون الإشارة بصلاحه إلى الثناء الحسن عليه الذي رغب إلى الله تعالى فيه بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، ويجوز أنه لما كان الناس ثلاثة أضرب: مظالم، ومقتصد، وسابق غبر عن السابق بالصالح، فكل سابق إلى طاعة الله ورحمته صالح، وفي الجملة، فإن الصالح هو الخارج عن حد الرذيلة، وليس في الدنيا على الإطلاق بكل نظر صالح، بل عامة ما فيه يمكن أن يوصف بفاسد بها إما حالة ما أو بنظر ما، فإذن الصلاة المطلق في الآخرة، فلهذا خص بها ..
قوله :
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية (١٣١) سورة البقرة.
لما سأل الله تعالى بقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، أجابه بقوله تعالى: " أسلم " أي أخلص سرك فإنه موضع الاطلاع، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: " أخلص يكفك القليل من العمل "، وبقوله: " الأعمال بالنيات " وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقيل معنى " أسلم " استأسر لهم كقولك للأسير: استسلم، وقيل: معناه: اجعل نفسك مسلمة عن أسر الشيطان، حيث قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وهذان القولان واحد في
стр. 320
الحقيقة فإن من أسره الرحمن فاستأسر له فهو الحر المطلق عن عبادة غيره، وقد قيل: " لن تكون عبدا لله حقاً حتى لا تكون لما دونه مسترقا "، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وروي أن [إبراهيم ﵇] لما طلب الخلة من الله أوحى إليه فقال: (من طلبني أبليته)، فقال: إذا نلتُ الخلة لم أبال بالبلية، فلما أتى عليه حول قال: (من أحبني قتلته)، فقال: " إذا انتهيت في الخلة لم أبال بقتل الدنيا "، وقوله " أسلمت " مبني في المعنى على الأول وكأنه موعد منه أنه متأهب لما يراد منه، وقد حثنا الله تعالى علي الاقتداء به في الاستسلام له والاستفادة منه الشرف الكبير جزاء بذلك ...
قوله- :
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
الآية (١٣٢) - سورة البقرة.
الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ واشتقاقه من وصاه أي وصله، ومضاده قصاه أي فصله، وقوله: [بها] أي بالملة، وقيل بالكلمة التي دل عليها قوله: " أسلمت "، وكلاهما غير منفك من الآخر، إذ كانت هذه الكلمة من جملة الملة، والملة مقتضية لهذه الكلمة، فبين تعالى أن إبراهيم وصى بنيه، ووضع يعقوب بنيه أيضا بها كما أوصى إبراهيم، وقال: (إن الله اصطفى لكم الدين) أي دين إبراهيم، فحذف القول لتضمن الوصية لذلك، وحث على الإسلام، أي أسلموا قبل أن تموتوا، وليس ذلك نهيا عن الموت، وإنما هو حث على الإسلام المتقدم ذكره فهو الذي يفيد الحياة الأبدية المذكورة في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
следующие страницы →