← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

القلب " وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، كقوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ .. إن قيل: هذه الآيات تقتضي أن يكون الإنسان مؤاخذا بما تتحرك به الخواطر، وقول النبي ﵊ ينافيه في الظاهر " إن الله تجاوز عن أمتي عما حدثت به أنفسها " وكذلك قوله: من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه .. قيل: قد تقدم إن أول ما يعرض من حديث النفس السابح ثم الخاطر، ثم الإرادة والهم، ثم العزم وأن السابح والخاطر متجافي عنهما بكل وجه وأنه متى صار نية، فذلك عمل مأخوذ به وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، وألهمه متى كانت من وسوسة الشيطان وتصدي الإنسان لدفعها وقمعها فهو المتجافي عنها بل هو الموعود بالإثابة على دفاعها، حيث قال ﵊: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم "، ومتى كانت نفس وإجماع من النفس، فذلك فعل منه، ولذلك قال بعض الصالحين: " عليكم

стр. 597

بحفظ الهمة، فإنها أول ما تظهر من الإنسان وهي تقدمة الأشياء " وقال ﵊: " لينظر أحدكم ما يتمنى، فإنه لا يدري ما كتب له " ومن تصور هذه الجملة علم أن قول من قال هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وجعل علة النسخ أن حديث النفس وما يهجس فيها غير مقدور على صرفه، فإنما استعمل لفظ النسخ في معنى التخصيص، فأما أنه أمر بما لا يقدر عليه ثم نسخ، فمجال وعلى هذا ما روي أنه قيل لابن عباس إن ابن عمر يبكي لقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فقال ابن عباس: " رحم الله ابن عمر، لقد وجد المسلمون منها ما وجدوا " حتى نزل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فإنه عنى أن هذه الآية مخصصة ومبينة للأولى ونبه بقوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ﴾ على سعة قدرته وعدله وفضله ثم من الذي يغفر له والذي لا يغفر له لا يعقل من ظاهر الآية.

стр. 598

قوله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ الآية (٢٨٥) - سورة البقرة. إن قيل: لم لم يذكر هاهنا اليوم الآخر، وقد ذكره في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية؟ قيل: لأمور: أحدها أنه نبه عليه بذكرها في غيرها، والثاني: أن الإيمان بكتبه ورسله مقتض للإيمان باليوم الآخر أظهر عند المؤمنين من أن يحتاج إلى ذكره مفصلاً، ألاً ترى أنه قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ فاقتصر على ذلك ولم يصفه بما وصف به المؤمنين بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ تنبيها على أن ذلك بحيث يستغنى عن ذكرها وهذا الجواب علي قراءة من وقف على فوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ ... والرابع: إن في قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ دلالة على إيمانهم باليوم الآخر، وقال بعضهم: إنما أفرد إيمان اللنبي ﷺ ، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ ثم قال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، تنبيهاً على شرف إيمانه ﵊، وأنه سابق لإيمانهم، وأن لا واسطة بمنه- ﵊، وبين الإيمان كما بين إيمان المؤمنين وبين الإيمان به واسطة، وقرأً " ابن عباس " وكتابه "، قال: وهو أبلغ، لقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، ولأن الكتاب للجنس، ولأنه ليس مع

стр. 599

كل نبي كتاب مفرد، بل في الأنبياء من استعبد بكتاب الله من يقدمه وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، أي: يقولون ذلك ولم يعن أنهم يتفوهون به فقط، بل يعتقدون ويتحرون مقتضاه بخلاف اليهود والنصارى، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ولأن تابع الحق والحقيقة هو الذي يعرفه، ومن عرفه تبعه حيث وجده، فامحق من حيثما هو حق لا يخالف بعضه بعضاً، وإنما الباطل هو الذي يتناقض ولا يتطابق، ومن هذا الوجه قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وإذا كانت الأنبياء على الحق، فلا يعاند بعضهم بعضاً، إذ لا معاندة في الحق ... إن قيل: لم قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين تستعمل في شيئين فصاعداً، فكيف قال: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾؟ أيتناول الجنس على طريق الجملة والتفصيل ولذلك لا يستعمل إلاً في الاستفهام والنفي فنبه بذكره هاهنا أنه لا يفرق بينهم لأعلى طريق الجملة وعلى طريق التفصيل. وقال في الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ وقاله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا قولك، وأطعنا أمرك بخلاف من قال: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾، أي " أنزل غفرانك "، أو نسألك غفرانك، واغفر لنا غفرانك، وكل ذلك متقارب، " واليك المصير " اعتراف بما وعدهم بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

стр. 600

قوله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الآية: (٢٨٦) - سورة البقرة. القدرة والجهد والاستطاعة قد تقدم الكلام فيها، وكسبت واكتسبت قل يجريان مجرى واحداً، ويقال لما أخذته لنفسك ولغيرك كسبت، ولهذا قد يُعدى إلى مفعولين، فيقال: " كسبت فلاناً كذا "، واستقبح " اكتسبته كذا "، والاكتساب لا يقال وإلا لما استفدته لنفسك، فكل إكتساب كسب، وليس كل كسب اكتساباً، ولهذا انظائر فيه اللغة نحو: " خبر، وطبخ، وشوي " إذا فكل ذلك لنفسه أو فعله لغيره، ويقال: " اختبز، واطبخ، واشتوى " إدا فعل ذلك لنفسه .. والإصر: الثقل وأصله من أصره إذا وعطفه، وقيل للعهد والرحم وكل ما يوجب عليك حماية ما إصر وكل آصر عاطف لمن مر به "، والإصار كساء يجعل فيه حشيش، فيثنى على السنام بين الله تعالى أنه كلف عبده دون ما تنوء به قدرته، فإن الوسع هو القدرة على أكثر قدر المكلف، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ قيل: عنى بالكسب ما عمله من الخير، وبالاكتساب ما عمله من الشر، وقيل: عنى بالكسب ما يفعله الإنسان من فعل خير وجلب نفر من حيثما يجوز إلى غيره، والاكتساب ما يحصله، لنفسه من نفع يجوز تناوله، فنبه أن ما يفعله الإنسان من نفع غيره فله الثواب، وليس عليه فيه الحساب، وأن ما يحصله لنفسه وإن كان متناولً من حيثما يجوز على الوجه الذي بجوز. فعليه فيه الحساب يؤيده ما ذكرنا من الفرق بين كسب واكتسب، وقوله: ﴿الَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فإنه عنى النسيان الذي هو الترك أو ذهاب الذكر الذي الإنسان سببه لقلة مراعاته، وكذا الخطأ إنما أدار به ما يكون سبب حصوله، وقد تقدم الكلام في حقيقيهما. وقوله: ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ يعني: ما يثقل

стр. 601

حمله من الأمور الشاقة التي كلف كثيراً منها بني إسرائيل، كقتل الأنفس، وقال بعضهم: يجوز أن يستعبدنا الله تعالى سؤاله أن لا يفعل ما يعلم أنه لا يفعله .. إن قيل: ما الفرق بين العفو والغفران والرحمة؟ وما وجه هذه الترتيب؟ قيل: العفو: إزالة الذنب بترك عقوبته، والغفران ستر الذنوب، وكشف الإحسان الذي غطى به، والرحمة إفاضة الإحسان عليه، وقد علم أن الثاني أبلغ من الأول، والثالث أبلغ من الثاني ... وقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ كقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فنصرة الله للمؤمنين على وجهين أحدهما: من حث الحجة، وقد فعل. والثاني: من المداولة التي قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو المسؤول أن يجعل لنا عليهم دولة، ولا يجعل لهم علينا دولة، ووجه ثالث وهو أن الله قد نصر المؤمنين كافة حجة وملجأ، ومعونة وظهوراً على الدين كله لكن قد يلحق المسلم غلبة من جهة كافر، وهو المشار إليه بقول أمير المؤمنين ﵁: " إن للباطل جولة ثم يضمحل "، فكأن الاستعاذة بالله أن يقينا من هذه الجولة من الكفار .. " تم بحمد الله تفسير سورة البقرة "

стр. 602

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: تفسير الراغب الأصفهاني (من أول سورة آل عمران - وحتى الآية ١١٣ من سورة النساء) تحقيق ودراسة: د. عادل بن علي الشِّدِي دار النشر: دار الوطن - الرياض الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 603

سورة آل عمران قوله : (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ). ْالأصل في حروف التهجي السكون، وكان حكم الميم حكم غيره لكن حُرِّك لالتقاء الساكنين، وفُتح استثقالاً للكسرة فيه من أجل الياء قبله، ومن قال: إنما فُتِحَ لأنه أُلقِيَ عليه حركة الهمزة فخطأ؟ لأن هذه الهمزة تسقط في الدَّرْج إلا في قولهم: يا ألله، والهمزة التي تُلقى حركتها على ما قبلها هي

стр. 604

الثابتة في الوصل والوقف، نحو: مَنَ ابوك؟ إذا قلت: منْ أَبوك؟. وَرُوِيَ عن عاصم وغيره سكونُ الميم وقطعُ الألف. وليس ذلك بصحيح عند النحويين، لكون الألف فيه للوصل. وأما موضع إعراب (الم) فمبتدأ وخبره مضمر، أو خبر مبتدؤه

стр. 605

مضمر، ودلَّ على المحذوف منه قوله: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) فصار كقوله: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ) وقال بعضهم: (الم) مبتدأ وخبره (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)، ونسب تعالى التنزيل إلى الحروف، تنبيهاً أنه منها، وأن عجزَكُمْ عن الإِتيان بمثله دلالة لكم أنه كلام الله دون كلام الخلق. وقد تقدَّم أن أهل اللغة قالوا: الكتاب سُمِّيَ لكتب الحروف بعضها إلى بعض، أي ضمُّها. وقيل: سُمِّيَ المعنى الثابت كتابً تشبيهاً بالمكتوب، وعلى هذا قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ).

стр. 606

ويقال: لكل مُوجَب كتاب. ورُوي أنه نزل ذلك في وفد نجران الذين أتوا النبي ﷺ ، فخاصموا في عيسى ﵊، فقال النبي ﷺ : "ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت، وأن عيسى يموت، وأن الله لا يخفى عليه شيء، وقد كان عيسى يخفى عليه أشياء، وأن عيسى صُوِّر في الرحم كيف شاء الله؟ " - نبههم بذلك أنه لا يصحّ أن يكون عيسى مع كونه بهذه الصفات إلهاً - فأنزل الله تعالى الآية.

стр. 607

فقوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ليس بدعوى يحتاج فيها إلى دلالة من خارج، بل هو في نفسه دلالة لازمة وحجة واضحة. فإن معنى قوله: (اللَّهُ) أي هو الذي يحق له العبادة، أي الذي تَأْلَهُ الأشياء إليه، وكان الكفار يقولون: الأشياء ثلاثة: عابد غير معبود، ومعبود عابد، ومعبود غير عابد؟ وهو الله تعالى. فبيّن تعالى بهذا أن المستحق للعبادة على الإِطلاق هو الذي لا إله إلا هو، وأكَّد ذلك بقوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، والحي في صفات الله معناه الذي لا يجوز عليه الموتُ، وبه حياة كل حي، وإذا استُعْمِل في غيره فعلى معنى قبول الحياة منه تعالى. والقيوم: هو القائم بحفظ كل شيء، والمعطي له ما به قوامه، وهو المعنى المذكور

стр. 608

في قوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). وقوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ). والحقُ أبلغُ من الصدق،. لأن كل صدق حق، وليس كل حق صدقًا، ويتناول الأحكام والواجبات من حقوق الله وحقوق الناس. والصدق من أخبار الأمم السالفة والآنفة، والحق الذي هو الجدُّ. والتوراة عند الكوفيين تَفْعَلَة وليس في كلام العرب تَفْعَلَة بوجه، وإنما هو تَفْعُلَة نحو تَتْفُلَة وتفعِلة نحو تكرِمة.

стр. 609

وقيل: أَصله تَفْعِلَة، فعدل عن الكسرة إلى الفتحة. وعند البصريين هي فَوْعَلَة نحو: حَوْقَلَة، وصَوْمَعَة. فأبدل من الواو تاء، كما أبدل في تَوْصِيَةٍ وتَيْقُورٍ من الوقار. والإِنجيل: إِفْعِيل من النجل، والنجل مستعمل في الأصل وفي الولد.

стр. 610

إن قيل: لِمَ قال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ)؟ قيل: قد يقال: (نزّل) و (أنزل) بمعنى. لكن خصَّ الكتاب بالتنزيل لأمرين: أحدهما: أن هذا الكتاب لما كان حكمُهُ مؤبدًا، والتنزيل بناء المبالغة خُص به تنبيهًا على هذا المعنى، وليس ذلك حكم الكتابين قبل. والثاني: أن هذا الكتاب أُنزل شيئًا فشيئًا، والكتابين أُنزل كل واحد منهما جملة. وقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يعني الكتب المتقدمة، وخُصَّ التوراة والإِنجيل بالذكر، وإن كانا قد دخلا في عموم ما بين يديه تشريفًا لهما. و (مُصَدِّقًا) حال للمُنَزِّل أو للمنزَّل.

стр. 611

ْوقوله: (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) أي أنزل في كتبه ما يُفرِّق به بين الحق والباطل في الاعتقادات، والخيرِ والشر في الأفعال، نحو قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ): وكل كتاب لئه فرقان. وقيل: الفرقان مخصوص به القرآن خاصة، وتَخصيصه بالذكر بعدما تقدَّم تنبية على إثبات المعنيين له، كقوله تعالى: (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ). إن قيل: كيف يكون القرآنُ مُصدِّقَا لما بين يديه، وهو ناسخ

стр. 612

لعامة أحكامه؟ قيل: تصديقهُ إياه تحقيقهُ أنه من جهة الله، ومطابقته إياه في كونه داعيًا إلى التوحيد وفعل الخير ونحو ذلك، وإلى أنواع العبادات دون قدرها وهيكلها وكيف إيقاعها. قوله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) . لم يعنِ بآيات الله كتابه فقط، بل كل آية دالة عليه: عقلية كانت أم سمعية، ففي كل شيء له عبرة، ونبَّه أنه لا يتهيأ لأحد منعه من عذاب من أراد. قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)

стр. 613

الصورة من صَيرته أي أحلته، وهي هيئة معقولة أو محسوسة. والصبغة نحوها، إلا أن أكثر ما يستعمل في المحسوسة. إن قيل: كيف قال في موضع: (وَصَوَّرَكُمْ) على لفظ الماضي. وقال هاهنا بلفظ الاستقبال؟ قيل: أما أولاً فلا اعتبار بالأزمنة في أفعاله تعالى، وإنما استعمال الألفاظ فيه الدالة على الأزمنة بحسب اللغات، وأيضاً فقوله: صوَّركم إنما هو على سبيل التقدير، وأن فعله تعالى في حكم ما قد فرغ منه، كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، وقوله: يصور على حسب ما يظهر لنا حالاً، فحالا،

стр. 614

إن قيل: لِمَ قال: (لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ولم يقل: ْ هو عالم بكل شيء؟ قيل: لأن الوصف بأنه "لا يخفى عليه شيء" أبلغ من قوله "يعلم " في الأصل، وإن كان استعمال اللفظتين فيه يفيدان معنىً واحدًا. وتخصيص الأرض والسماء لكون ذكرهما أهول بالإِضافة إلينا، وفيه دلالة على كل شيء، وإنما كرر قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) لأنه لما ذكر ما تقدم دليلًا على كون عيسى مخلوقًا، وكونه تعالى خالقًا نبّه بقوله: (لَاَ إلَهَ إلَأ هُوَ) أن لا معبود سواه، وأنه العزيز في نقمته. الحكيم في أمره، لا حاجة به إلى ولد، ولا حكمة تقتضي ذلك. قوله : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) .

стр. 615

الزيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، ومنه زاغ البصرُ. وزاغت الشمسُ عن كبد السماء، وزاغ قلبُه، وزاغ وزال ومال. تتقاربُ، لكن زاغ لا تُقال إلا فيما كان عن حقٍّ إلى باطلٍ. والتأويل: آخر الشيء ومآله، وقد تقدم الفرق بينه وبين التفسير. والمحكم قد وُصف به القرآن على وجهين: ْأحدهما: عام في جميعه، نحو (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) ويعني بذلك المتقن. نحو: بناء محكم، وعقد محكم. والثاني: ما وُصِفَ به بعض الكتاب المذكور في قوله: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) وهو ما لا يصعب على العالم معرفته لفظًا أو معنىً،

стр. 616

وقيل: ما لا يحتاج العالم في معرفته إلى تكلُف نظر، وعكسُهُ المتشابه، والكلامُ في أحوال المحكم والمتشابه - مشكلٌ. ولابُد من إيراد جملةٍ ينكشف بها ذلك، فيُقال وبالله التوفيق: الكلام من جهة الإِحكام والتشابه على ضربين: أحدهما: ما يرجع إلى ذات المحكم والمتشابه في نفسه. والثاني: ما يرجع إلى أمر ما يعرض لهما. فالأول على أربعة أضرب: أحدها: محُكم من جهة اللفظ والمعنى، نحو قوله تعالى: (تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)

стр. 617

الثاني: مشابه من جهتيهما، نحو قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ) والثالث: متشابه في اللفظ مُحكم في المعنى، نحو قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ)

стр. 618

والرابع متشابه في المعنى مُحكم في اللفظ، نحو: الساعة، والملائكة. وقد تجعل هذه الأقسام ثلاثة: أحدها: محكم على الإِطلاق. ومتشابه على الإِطلاق، ومحكم من وجه. والمتشابه ضربان: أحدهما: من جهة اللفظ، والآخر: من جهة المعنى. والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما: يرجع إلى مفردات الألفاظ. وذلك إما من جهة غرابة اللفظ، نحو (الأبّ) ونحو (يَزِفُّون)،

стр. 619

وإما من تَشَارُكِ في اللفظ: كاليد والعين والوجه. الثاني: يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: أحدها: اختصار الكلام نحو (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ). والثاني: تطويله نحو (كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). والثالث: إغلاق نظمه، نحو: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا). والمتشابه من جهة المعنى ضربان: أحدها: د قة المعنى، كأوصاف الباري تعالى، وأوصاف

стр. 620

القيامة. والثاني: ترك الترتيب، نحو قوله: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ) إلى قوله: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا).

стр. 621

وما يرجع إلى اللفظ والمعنى معا، فأقسامه بحسب تركيب بعض وجوه اللفظ مع بعض وجوه المعنى، نحو: غرابة اللفظ مع دقة المعنى، وذلك ستة أقسام، وأما المتشابه من جهة ما يعرض للفظ فخمسة أقسام: أحدها: من جهة الكمية: كالعموم والخصوص. والثاني: من طريق الكيفية: كالوجوب والندب، والثالث: من جهة الزمان: كالناسخ والمنسوخ، والرابع: من جهة المكان: كالمواضع، والأمور التي نزلت فيها، نحو قوله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا). وقوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)، فإنه يحتاج في معرفة ذلك

стр. 622

إلى معرفة عادتهم في الجاهلية. والخامس: من جهة الإِضافة. وهي الشروط التي بها يصح الفعلُ أو يفسدُ: كشروط العبادات والأنكحة، وهذه الجملة من المحكم والمتشابه إذ تُصُوِّرَتْ عُلم أن جميع ما يذكره المفسرون لا يخرج منها، نحو قول من قال: المتشابه نحو (الم) وما أشبهه، وقول مجاهد: المحكم ما فيه الحلال والحرام، والمتشابه ما سواه. وقول

стр. 623

قتادة: المحكمُ الناسخُ الذي يُعملُ به، والمتشابه: المنسوخُ. وقول الأصم: المحكمِات ما حججهُ ظاهر، والمتشابه ما حججهُ غامضه. وقول غيرهم: المحكم ما أُجْمع على تأويله،

стр. 624

والمتشابه ما اختلف فيه، فكلُّ هذه الأقوال مثالاتٌ لبعض ما انطوت عليه هذه الجملة. ثم جميع ما ذكرنا من المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا مرية فيه أنْ لا سبيل إلى المراد بتأويله. وهو بعض ما تَعْرضُ فيه الشبهة من جهة المعنى كمجيء الساعة. وحقيقة ذاته. وضرب لا خلاف أن للإِنسان سبيلًا إلى معرفته، وذلك ما كان اشتباهه من جهة ما يعرض له من عموم وخصوص ووجوب وندب وغير ذلك مما تقدم ذكره، وكذا ما تعرض فيه الشبهة من جهة غرابة اللفظ، وما هو مترددٌ بين الأمرين، يجوز أن يُختَص بمعرفته بعض الراسخين في العلم نحو علي

стр. 625

وابن عباس وغيرهما مما قال النبي ﷺ : "اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل". وهذه الجملة إذا تُصُوِّرت

стр. 626

عُلِم أن من رأى الوقف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ) واستأنف ما بعده فلنظره إلى الضرب الأول من المتشابه، ومن وصل ذلك وجعل قوله: (الرَّاسِخُونَ) عالين به، فلنظره إلى الضرب الثاني، والأظهر من الآية القول الأول، وما قال بعضهم: إنه لو جاز أن يخاطبنا ثم لا يُعرفنا مراده، لجاز أن يخاطبنا بكلام الزنج والروم، فالجواب عنه: أن كلام الروم والزنج لا يُعْلَمُ

стр. 627

منه المراد مجملَا، ولا مفصلَا، والمتشابه يُعلم منه مراده مجملَا وإن لم نعلمه مفصلًا، لأن كل آية قد فسرها المفسرون على أوجه. فمعلوم أن المراد لا يخرج منه، ثم تعيين مراد الله تعالى منها غير فمعلوم، وهذا ظاهر. على أنه لم يكن يمتنع أن يكلفنا تعالى

стр. 628

تلاوة أحرف لا نعرف معناها، فيثيبنا على تلاوتها، كما يُكلِّفنا أفعالاً لا نعرف وجه الحكمة فيها، ليثيبنا عليها، فالتلاوة فعل يختصُّ باللسان، ومن جعل قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) معطوفًا جعل قوله: (يَقُولُونَ) في موضع الحال للمعطوف دون المعطوف عليه، كما في قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) حال للمعطوف دون المعطوف عليه. إن قيل: لِمَ خص الراسخين بأنهم يقولون آمنا به؟ قيل: لأن معرفة ما للإِنسان سبيل إلى معرفته مما لا سبيل له إلى معرفته هو من علوم الراسخين، لأن الحكماء هم الذين يُميّزون بين ما يمكن علمه وما لا يمكن أن يُعلم، وما الذي يُدرك إن طُلب

стр. 629

والذي لا يُدرك، وعلى أي غاية يجب أن يقف طالب العلم، وأي مكان يتجاوزه، وهذا أشرف منزلة للحكماء، ولذلك قالت عائشة ﵂: "من رسوخ علمهم الإِيمان بمحكمه ومتشابهه وإن لم يعلموا تأويله " إن قيل: ما فائدة الإِتيان بالمتشابه فِى القرآن؟ قيل: فوائد جمة، منها: أن يبين تشريف العلماء بتميُّزهم عن غيرهم، ومنها: رياضة العقول في تعرفها. ومنها: استحقاق الثواب بتعبِ الفكر فيه، ومنها: إظهارُ شرف

стр. 630

الفكر، ليعلم أنه لم يجعل الإِنسان عبثًا، ومنها: حث من أخبر الله عنهم أنهم قالوا: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) على أن يتدبره، لأنهم إذا سمعوا ما في ظاهره التنافي تأملوه طلبًا لردّه. فيصير ذلك سببًا أن يعرفوه لمعرفتهم بإعجازهم ولزوم الحجة به. ومنها: أن يصير سببًا لاعتراف الإِنسان بعجزه ومعرفة نقصه. ومنها: أن يصير الناسُ تبعًا للأنبياء وأُولي الأمر الذين حثّ على اتباعهم لقو له: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) فذمٌ لهم بأنهم لزيغهم "يتحرّون طلب الفتنة، وقدّم

стр. 631

ذكر الفتنة تنبيها أن قصدهم إلى إيقاع الفتنة قبل طلب تأويله. وهذا القصد باتفاق أهل العقول كلها مذموم. فإن قيل: هب أن اتباع طلب الفتنة مذموم. فكيف ذُمّوا بابتغاء تأويله؟ قيل: طلب التأويل من نفس المتشابه مذموم. إذ لا سبيل إلى تبينه منه، وإنما طلب الحق يجب أن يكون بردة إلى المحكم إلى الرسولِ وإلى أولي الأمر. حسب ما نبه عليه تعالى بقوله: ((وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) الآية. وكل له حالتان: أحدهما: أن يكون تابعًا على طريق التأكيد، فلا يحذف منه ضمير ما أُكِّد به، نحو: مررت بالقوم كلهم. والثاني: أن تجعلَه مُخبرًا عنه، فيصح الحذف منه إيجازًا، نحو: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا)، وفي

стр. 632

قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) على هذا. والتذكُر هاهنا: هو الاتعاظ، ولم يجعل ذلك إلا لصفو الخلائق، لما تقدم أن معرفة ما يصح أن يُطلب ويُعلم مما لا يصحُّ فيه ذْلك أشرف منزلة في العلم. قوله : (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) الوهاب: قيل معناه: لا تزغ قلوبنا عن الثواب في الآخرة. وقيل: لا تنسبها إلى الزيغ، ولا تحكم عليها بذلك. وقيل: لا تفعل بنا من الإِكرام ما يؤدي إلى الزيغ. فكأن الإِزاغة إعطاء الخيرات الدنيوية المثبطة عن الخيرات الأخروية المشار إليه بقوله تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) ولهذا قال أمير المؤمنين ﵁: "من وسع

стр. 633

عليه دنياه ولم يعلم أنه مُكر به، فهو مخدوع عن عقله ". وقيل معناه: لا تكلفنا أمرًا شاقا: كقتل النفس، والخروج من الديار المذكورين في قوله: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ). وقيل: معناه لا تمنعنا التوفيق، فجعل منع التوفيق إزاغة للقلوب من حيث إنه يؤدي إليها، إشارة إلى ما قيل: أقطع ما يكون المجتهد إذا

стр. 634

خذله التوفيق، وإياه قصد الشاعر بقوله: إذا لم يكن عون من الله للفتى. . . فأكثر ما يجني عليه اجتهاده ونحو قوله: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) ما روي أن النبي ﷺ كان يقول: "يا مقلب القلوب ثبَّت قلبي على دينك" فقالت له عائشة: وهل تُقلّب القلوب؟ فقال: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ". والهبة: تمليك الشيء غيره من غير ثمن.

стр. 635

ولدُنْ: فيه لغات، قيل: لَدُنْ، ولُدُن بضمتين، ولَدَن بفتحتين، ولَدْن بالسكون مع فتح اللام وضمه، وقيل: بكسر النون، وقيل: لدُ بحذف النون، ولدى، ونبه تعالى بقوله: (هَبْ لَنَا) أن من حق العبد أن لا يلفت له إلى شيء من العمل وطلب العوض به. بل يرجو رجاء المفاليس الطالبين للتفضل والهبة لا العوض،
следующие страницы →