ذكر الفتنة تنبيها أن قصدهم إلى إيقاع الفتنة قبل طلب تأويله.
وهذا القصد باتفاق أهل العقول كلها مذموم.
فإن قيل: هب أن اتباع طلب الفتنة مذموم.
فكيف ذُمّوا بابتغاء تأويله؟
قيل: طلب التأويل من نفس المتشابه مذموم.
إذ لا سبيل إلى تبينه منه، وإنما طلب الحق يجب أن يكون
بردة إلى المحكم إلى الرسولِ وإلى أولي الأمر.
حسب ما نبه عليه تعالى بقوله: ((وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) الآية.
وكل له حالتان:
أحدهما: أن يكون تابعًا على طريق التأكيد، فلا يحذف منه ضمير
ما أُكِّد به، نحو: مررت بالقوم كلهم.
والثاني: أن تجعلَه مُخبرًا عنه، فيصح الحذف منه إيجازًا، نحو: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا)، وفي
стр. 632
قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) على هذا.
والتذكُر هاهنا: هو الاتعاظ، ولم يجعل ذلك إلا لصفو
الخلائق، لما تقدم أن معرفة ما يصح أن يُطلب ويُعلم مما لا يصحُّ
فيه ذْلك أشرف منزلة في العلم.
قوله : (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)
الوهاب: قيل معناه: لا تزغ قلوبنا عن الثواب في الآخرة.
وقيل: لا تنسبها إلى الزيغ، ولا تحكم عليها بذلك.
وقيل: لا تفعل بنا من الإِكرام ما يؤدي إلى الزيغ.
فكأن الإِزاغة إعطاء الخيرات الدنيوية المثبطة عن الخيرات الأخروية
المشار إليه بقوله تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ)
ولهذا قال أمير المؤمنين ﵁: "من وسع
стр. 633
عليه دنياه ولم يعلم أنه مُكر به، فهو مخدوع عن عقله ".
وقيل معناه: لا تكلفنا أمرًا شاقا: كقتل النفس، والخروج من الديار
المذكورين في قوله: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ).
وقيل: معناه لا تمنعنا التوفيق، فجعل منع التوفيق إزاغة للقلوب من حيث
إنه يؤدي إليها، إشارة إلى ما قيل: أقطع ما يكون المجتهد إذا
стр. 634
خذله التوفيق، وإياه قصد الشاعر بقوله:
إذا لم يكن عون من الله للفتى. . . فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
ونحو قوله: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) ما روي أن النبي ﷺ كان يقول: "يا مقلب القلوب ثبَّت قلبي على دينك"
فقالت له عائشة: وهل تُقلّب القلوب؟
فقال: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ".
والهبة: تمليك الشيء غيره من غير ثمن.
стр. 635
ولدُنْ: فيه لغات، قيل: لَدُنْ، ولُدُن بضمتين، ولَدَن بفتحتين، ولَدْن
بالسكون مع فتح اللام وضمه، وقيل: بكسر النون، وقيل: لدُ
بحذف النون، ولدى، ونبه تعالى بقوله: (هَبْ لَنَا) أن من
حق العبد أن لا يلفت له إلى شيء من العمل وطلب العوض به.
بل يرجو رجاء المفاليس الطالبين للتفضل والهبة لا العوض،
стр. 636
وإنما قال: (مِنْ لَدُنْكَ) لأنه لما كانت الهبة ضربين:
هبة عن عوض، وهبة لا عن عوض.
نبَّه بقوله: (لَدُنْكَ) أن هذه الهبة اعترافٌ أن بتفضله
يُدرك ما يُدرك في الدنيا والآخرة، نحو قوله:
(وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ).
قوله : (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)
إن قيل: كيف قال: (لَا رَيْبَ فِيهِ) وقد وقع فيه ريب الملحدة
والمغلطة حتى حكى الله تعالى في إبطالهم إياه ما حكى؟
قيل: قد تقدّم في مبتدأ سورة
стр. 637
البقرة الفرق بين الريب والإِرابة (١)، وأن الذي وقع منهم الإِرابة لا
الريب، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) يصح أن يكون
استئنافًا، من الله، وأن يكون من جملة قولهم، والحكاية
عنهم، والفائدة في العدول عن الخطاب إلى الخبر، وتخصيص
لفظ "الله " بذلك تنبيا أن الذي اختُصِصْنا بعبادته هذا فعله.
ولم يُرد بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) في جمعنا فقط، بل في
كل وعْدٍ، فإن ذلك كالعلة لما قدمه، كأنه قيل: الله لا يُخلفُ
стр. 638
الميعاد، وقد وعدنا أن يجمعنا ليوم لا ريب فيه، فإذًا هو جامعنا
لا محالة.
إن قيل: لِمَ قال: (لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ)، ولم يقل (في)؟
قيل: لأنه أراد بقوله جامع الناس: حافظُهم ومحصيهم لذلك اليوم.
كما قال: (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا)، وكقوله: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ).
قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)
بيّن أن أعراض الدنيا وإن كانت نافعة بعض الأمور الدنيا.
فليست مغنية عن الكافرين يوم القيامة، كقوله: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ)
فإن قيل: فهل يغني عن المسلم حتى خصَّ الكافرينْ في هذا المكان؟
قيل: بلى، لأنه إذا تحرى في ذلك أحكامه كان أحد معاونه في
وصوله، ولذلك قال: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)
وقوله: (عَنهُم) لاقتضاء
стр. 639
الكلام معنى الدفع، كأنَّه قال: لن يُغني ذلك دافعًا عنهم.
وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) كقوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ).
قوله : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)
الدأب: العادة التي عليها يدوم صاحبها، وهو أخص من العادة، ومنه
أدأب في سيره، ولذلك قال الفراء: الدأب لزوم الحال التي فيها.
стр. 640
وقال ابن عباس: هو الصنع، لأن الدأب يقتضي الصنع.
وقال أبو علي الجبَّائي: الدأب طول الكون في الشيء كافة.
ككون آل فرعون في النار. والذنب والجرم واحد، لكن الجرم
يقال اعتباراً بالاكتساب، تشبيها باجترام الثمرة، والذنب
يقال اعتبارًا بما يستحق به في آخره، مأخوذ من الذنَب، وعلى
هذا قيل له: التبعة، وبنحوه سُميت العقوبة عقوبة.
وقيل: سُمي الذنب اعتبارًا بذَنَوب الإِنسان منه، أي نصيبه.
стр. 641
إن قيل: بِمَ يتعلق قوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ)؟
قيل في ذلك: الوجه الأول: أن يتعلق بقو له: (وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ):
كحال متقدمي آل فرعون.
الثاني: بقولهْ: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ)
الثالث: بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) وتقديره: إن
دأب الذين كفروا كدأب آل فرعون، وتكون (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ)
حالاً للذين.
والرابع: أن يجعل قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) غير داخل
في صلة (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فتتعلق به كأنَّه كذّب آل فرعون
والذين من قبلهم.
الخامس: أن يتصل بمحذوف تقديره: دأبهم
في كفرهم، واستحقاق عذابهم كدأب آل فرعون.
قوله : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)
قال ابن عباس وقتادة وابن إسحاق:
стр. 642
لما قتل من قتل يوم بدر جمع النبي ﷺ اليهود، فدعاهم إلى الإِسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش، فأبوا، وقالوا: لسنا
كقريش الأغمار إن حاربتنا لتعرفن حالنا، فأنزل الله الآية.
فقوله: (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) يصح أن يكون يعني
стр. 643
الفريقين: اليهود والمشركين، كقوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) ففسر الذين كفروا في الآيتين بهما جميعًا.
وقُرئ (ستُغلبون) و (سيغلبون)، أما بالياء فنحو (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا) وقوله (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا)
وأما بالتاء، فنحو (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ)، وقيل: عنى بالذين كفروا
стр. 644
اليهود. وقوله: ستُغلبون، للمشركين، فعلى هذا لا يكون
إلا بالياء.
ْإن قيل: كيف أطلق هذا الحكم وقد كان منهم من آمن؟
قيل: إن الحشر إلى النار متعلّق بوجود الكفر منهم، وإذا ارتفع الكفر
ارتفع به الحكم.
وقوله: (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) يجوز أن يكون من جملة
ما أُمِرَ به أن يقال لهم، ويجوز أن يكون استئنافَ كلام منه تعالى.
قوله : (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)
стр. 645
العبرة: ما يُعبر به من الجهل إلى العلم، ومن الحسِّ إلى العقل.
وأصله من عبور النهر، ومنه: العِبارة؛ لأنها جُعلت كالمعبر.
لتأدية المعنى من نفس القائل إلى نفس السامع، وخُص التعبير
بتفسير الرؤيا، وباعتبار المَرْأونَ بالشبح، وجعل العَبرْة للدمعة
السائلة، وأصله فَعْله مِن عبر.
وقوله: (فِئَةٌ) يجوز رفعه على الاستئناف على تقدير: منهم فئة.
والجر على البدلِ، والنصب على الحال، ونحوه مما يجوز فيه الأوجه الثلاثة قول الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة. . . ورجل رمى فيها الزمان فشلت
стр. 646
وإنما يجوز البدل فيما إذا كان بدل بقدر المبدَل منه، فأما إذا
نقص فليس إلا الاستئناف، نحو مررت بثلاثة: صريع وجريحٌ.
والآية معطوفة على ما تقدم تقديره: وقل لهم قد كان لهم آية.
وقُرئ (ترونهم) بالتاء على أن يكون خطابًا لليهود، أي
ترون المشركين مثلي المسلمين في العدد، ويرون بالياء أي يرون
المسلمون الكافرين مثليهم.
إن قيل: ما وجه ذلك وقد كانوا
стр. 647
ثلاثة أمثالهم، فقد رُوي أن المشركين كانوا تسعمائة وخمسين إلى
ألف، والمسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشرة؟
قيل في ذلك أقوال:
أحدها: ما قاله الفرّاء: وهو أن يقول الرجل لغيره:
احتاج إلى مثلك، أي احتاج إليك وإلى آخر، وعلى هذا احتاج
إلى مثليك يكون محتاجاً إلى ثلاثة، فكأنه قيل: يرونهم
ثلاثة أمثالهم، وهذا لا يساعده اللفظ، لأنه لو كان كما يقول
لقال: يرونهم ومثليهم.
والثاني: ما قاله ابن عباس: إن الله أرى المسلمين أن المشركين هم ستمائة وكسر.
стр. 648
وكان قد أخبر أن المائة من المسلمين - تغلب المائتين، فأراهم
المشركين على قدر ما أعلمهم، ليقوي قلوبهم، وأرى المشركين
أن المسلمين أقل من ذلك.
ومع ذلك ألقى في قلوبهم الرعب،
стр. 649
فكانوا يرون عددًا قليلًا ورعبًا كثيرًا، وعلى هذا قال، تعالى:
(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ).
والثالث: أنهم يرونهم مثليهم في الجلادة، أي يرى
كل واحد منهم أنه أجلد من الآخر بمثلين، وذلك كقولك:
رأيت فلانًا مثلي فلان، فتكون المماثلة راجعة إلى الجلادة، لا
إلى العدد، وعلى هذا قد حمل قوله : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) أي في القوة والعُدد، لا في الكثرة والعَدد.
(ويُري) هاهنا مُتَعَدٍّ إلى مفعول واحد بدلالة تعليقه بالعين.
وقوله: (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ) أي يُكثر تأييده، يقال:
إدتُه، أَئِيده، أيْدًا، نحو: بعتهُ. أبيعه، بيعًا، وآيدتُه علىْ
التكثير، لكن أيّدت أكثر استعمالاً.
ونصر الله على وجهين: أحدهما بالحجة. والثاني بالغلبة،
стр. 650
وقوله (لِأُولِي الْأَبْصَارِ) فإنه يعني به البصائر لا الجارحة
المذكورة في قوله : (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ)
ويعني أن في ذلك اعتبارًا للذين هم بخلاف من وصفهم بقوله:
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ). . .
قوله : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) .
القنطرة من المال مقدار تُعبر به الحياةُ تشبيهًا بالقنطرة.
وذلك غير محدود القدر في نفسِه، وإنما هو بحسب الإِضافةِ
كالغِنَى، فربَّ إنسان يستغنى بالقليل وآخر لِا يستغنى بالكثير،
стр. 651
ولما قلنا اختلفوا في حده فقيل: هي أربعون أوقية، وقال
الحسن: ألف ومائتا دينار، وقيل: مِلْءُ مَسْكِ ثورٍ ذهبا،
стр. 652
وعلى ذلك عن ابن عباس، وبعضهم: حدّه يتغير كاختلافهم في حدِّ الغِنَى.
كقولهم: درا هم مدرهمة، ودنانير مُدَنرة، (وَالْخَيْلِ) في
стр. 653
الأصل للأفراس والفرسان، وإن كان يستعمل في كل واحد
مفردا، نحو: "يا خيل الله اركبي "، وذلك للفرسان، وقول
النبي ﷺ : "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق "، فكأنه سُمي بذلك لما فيه من الخيلاء، فقد قيل: لا يركب أحدٌ فرسًا إلا
стр. 654
رأى في نفسه خُيَلاءَ، وأصل ذلك من خلتُ، وهو ظن يَقْرب
من الكذبِ، ومنه الخيال. والأخيل: الشَقِراقُ، لكونه
متلونًا يخال في كل وقت أن له لونًا آخر، ولذلك قيل:
كأبي براقِش كل لَوْ. . . نٍ لونه يتخيلُ
و (الْمُسَوَّمَةِ) المرسلة في الرعي، وقيل: المُعلَّمة في
стр. 655
الحرب، يقال: سمي بالقصر وسيمياء بالمدّ، قال تعالى:
(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)، قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . له سيمياء لا تَشُقُّ على البصرِ
وقال مجاهد: المسومة: المطهمة.
стр. 656
كأنه جعل التضمير لها تسويمًا، كما جُعل (سنّاً) و (صنعًا)
في قولهم: (مسنونة) و (مصنوعة).
والنعم أصل الإِبل.
فإذا قيل: الأنعام. فقد يتناول الأزواج الثمانية.
والشهوة تُقال تارة للقوة المشتهية، نحو فلان خامد الشهوة.
وتارة لانبعاث تلك القوة، وتارة للطعام المشتهى.
فيقال هذا شهوتي، واختُلف في هذا الحب مَنِ الذي زيّنه؟
مع أنه لا خلاف أنّ الله خالقُ القوةِ المشتهية.
وخالقُ المشتهى.
فقال بعضهم: الله زينه.
وذلك لنظره إلى القوة المشتهية أو المشتهى.
ولقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) وإليه ذهب عمر
стр. 657
فإنه روي أنه لما سمع هذه الآية قال: ربنا إنك زينت هذه
وبيّنت أن ما بعدها خير منها، فاجعل لعمر وآل عمر الذي هو
خير منها، وقال بعضهم: زيّنها الشيطان، وإلى هذا ذهب
الحسن، فيقول: كيف زينها الله وهو يذمها؟
ومنهم من قال: زيّن الله منها ما يحسن تناوله، وزين الشيطان ما يقبح، فإن الله خلق الإِنسان وقوته المشتهية ومشتهياته وأُمر أن
стр. 658
يتناول منها على الوجه الذي يجب قدر ما يجب في الوقت الذي
يجب، ويجعل ذلك ذريعة إلى التوصل به إلى الآخرة، وقيّض له
شيطانًا يغرُّه فحذّره منه، فمن راعى أمره وتناول ما أُبيح له فإنه
قد لا يتعدى إلى ما زينه الشيطان، وقد تقدّم الكلام في بعض
ذلك في قوله: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا).
قوله : (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)
منتهى المنبأ قيل هو قوله: (مِنْ ذَلِكُمْ) وقيل هو (عِنْدَ رَبِّهِمْ).
وقيل: هو آخر الآية، وهذه الأقوال على قراءة من رفع (جنّات).
فأما من جرّها، فلاشك أن ذلك داخل في جملة الاستفهام، لأنه
стр. 659
بدل من قوله (بِخَيْرٍ).
وقال بعضهم: يجوز أن تكون جنات
نصبًا بدلاً من موضع بخير، كقولك: مررت برجلٍ زيدًا.
وقوله: (وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) قد تقدم، وقد نبَّه بهذه الآية على
نعمه الثلاثة، الأول: وهي الأدون، وذلك عروض الدنيا.
والثاني: الأوسط: وهو الجنة ونعيمها، والثالث: الأعلى، وهو
رضوان الله المشار إليه بقوله: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى).
وقوله: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ)، وقوله: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)، (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)
стр. 660
أي بهممهم وإرادتهم، فهو يجازيهم بحسب ما يستحقونه.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) .
(الَّذِينَ) جرّ صفة للعباد، أو رفع على تقدير: هم الذين.
أو نصب على المدح، وقوله: (يَقُولُونَ) ليس يعني أن ذلك
منهم بالقول فقط، بل باعتقادهم وفعلهم.
стр. 661
إن قيل: ما فائدة: (اغفر لنا ذنوبنا)؟
قيل: أما على مذهب الوعيديين فسؤال ما هو من حكمه أن يفعل ما هو بالمؤمنين
سئل أو لم يسأل، وقيل: هو فعل ما يقتضي الغفران والوقاية
стр. 662
من النار، وهو الإِقلاع، وإن كان متعلقًا بالقول.
وقيل: هو مسألةُ لطفٍ، لا يفعله الله بالعبد إلا إذا سأله.
قوله : (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)
قد تقدَم وصفُ الصَّبر ومنازله، وأن كل منزل هو أعلى فثوابه أعلى.
وأن أرفعه صَبرُ العارف الذي هو الرضى والتسليم.
والصادقون: هم الذين صدقوا في الاعتقاد والقول والعمل، وذلك غاية الإِيمان، والقانت:
стр. 663
الدائم العبادة في السرِّ والجهر، والمنفقون: عُني به: في الفرائض
والنوافل، ومن المال والبدن، والمستغفرون: طالبو الغفران
بإتيانهم بالطاعات، وتخصيصُ الأسحار لكون العبادة فيها أشق
والقلوب أحضر وأرق.
وروى جعفر بن محمد: أنّ من صلى من الليل، ثم استغفر في آخره سبعين مرة، كُتب من المستغفرين
стр. 664
بالأسحار، وروي أن ابن عمر كان يصئي فإذا أسحر قعد
يستغفر، وقال زيد بن أسلم: المستغفرين بالأسحار هم
الذين يشهدون الصبح في جماعة، وذلك داخل في عموم الآية،
стр. 665
فإن شاهد الصبح في جماعة يستحق الصبح.
قال : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
الشاهد بالشيء يقتضي حضوره بعلمه، والإِنباء عنه، والحكم بما عليه.
ولهذا تُفسَّر الشهادة تارة بالحضور، وتارة بالعلم.
وتارة بالإِعلام، وتارة بالحكم.
إن قيل: ما وجه قوله: (شَهِدَ اللَّهُ) وقوله: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ)، وشهادة المدعي بما يدعيه لا تقتضي زيادة على دعواه.
مع أن هذه الشهادة
стр. 666
إن كانت للجاحدين فغير مقبولة، وإن كانت للمؤمنين به ففضلة؟
وهل يكفي النبي ﷺ إذا طولب بالدلالة أن يقول: الله شاهد لي بذلك؟
قيل: الشاهد العالم بالشيء، المبين لغيره، وأصدق شاهد
من يعلم المشهود عند الدلالة المنبئة عن صدقه، وعن كون الأمر
على ما شهد به، والبارئ لما جعل في كل شيء تنبُّؤاً عن
وحدانيته صار له في كل شيء لسان يشهد أنه واحد، وهذا ظاهر،
стр. 667
وبين بقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) أنهم قد عرفوا ذلك
وينبئون عنه، فإن الأدلة التي يذكرها العلماء، وتأتي بها الملائكة
والأنبياء شهادة منهم، فحثهم الله تعالى بهذا القول على التأمل.
ليعرفوا صحة ما شهدوه، وكذا الآية كأنه أقال، لنبيِّه:
لا تستوحش من تكذيب الكافرين لك، فقد أْبدى الله
من الآيات ما ينبئ أنه تعالى شاهد لك بصدق دعواك.
وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) أي هو تعالى مراعٍ للعدالة بكل حال، وذلك
حال مؤكدة.
стр. 668
فإن قيل: ما وجه تكرير (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) في الآية؟
قيل: لما كان منتهى إدراك الإِنسان للبارئ تعالى أن يعرف الموجودات.
فيعلم أنه ليس إياها ولا مشبَّهًا بشيء منها، صار صفات التنزيه
له أشرف من صفات التمجيد له، إذ كان عامة صفات التمجيد
في ألفاظها مشاركة، يصح وصف العباد بها، ولأجل ذلك
عظم ما ورد من صفاته على لفظ النفي، نحو: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)
стр. 669
قيل في سورة الإِخلاص: "إنها تعدل ثلث القرآن "، لكونها تنزيهًا محضًا، فإن لفظي: الأحد والصمد وإن كانا على صورة الإِثبات - فنفي للتثنية والتشبيه)، ثم أبلغ ما يوصف به من التنزيه: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فتكريره هاهنا
لأمرين: أحدهما: لكون الثاني قطعًا للحكم، كقولك: أشهد
أن زيدا خارج وهو خارج.
والثاني: لئلا يسبق بذكر العزيز الحكيم إلى قلب السامع تشبيه، إذ قد يوصف بهما المخلوق.
стр. 670
قوله : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)
قد تقدَّم وجوه الدين، وأن للإِسلام ثلاث منازل:
الأول: الاعتراف الذي يحقنُ الدمَ.
والثاني: أن يكون مع الاعتراف اعتقادٌ صحيح ووفاء بالفعل.
والثالث: أن يكون مع ذلك استسلام فيما يجري عليه من