Полный текст (2 001 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الليل في النهار والنهار في الليل، يتناول تعاقبَ أحدهما الآخر.
والزيادةَ من كل واحد منهما في الآخر، وقد فُسِّر بهما.
وقوله: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)
يتناول خروج الإنسان من النطفة، نحو: (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ)، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا)، وهذا هو
стр. 702
الذي قال الضَحاك والسدي وابن زيد: الدّجاجة من
стр. 703
البيض، والبيض من الدجاج ..
وقال الحسن: عنى إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وقال بعضهم: يتناول ذلك كل شيء من الأركان.
إذا استحال إلى غيره.
ولهذا قال السدي: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة.
والأظهر في قوله: الحي منَ الميت. تصور اثنين.
وقد قيل: عنى بذلك شيئاً واحداً تتغير به الحال.
فيكون ميتا ثم يحيا، وحيّاً فيموتْ، كقولك: جاء من فلان أسد.
وليس الأسد إلا هو، وقد تقدم الكلام في قوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ).
стр. 704
قوله : (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) .
قد عظم الله موالاة الكافرين وموادتهم والركون إليهم في آيات
كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ)
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)
وقال: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقال: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ).
وقال: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)
وأمرنا بالإِعراض عنهم.
فقال: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)
وقال ﵊:
стр. 705
"لاتراءى ناراهما " وقال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك "
إن قيل: ما وجه جواز مواصلتهم والاستعانة بهم واتخاذهم
عبيداً، وذلك ضرب من الموالاة، فالجواب منْ أوجهٍ:
الأول: أن هذه الآيات تقتضي المنع أمن، موالاتهم، إلا ما
خُصّ، وفُسِحَ لنا فيه.
стр. 706
والثاني: أن الموالاة المطلقة هي أن تواليهم في جميع الأمور.
فأما في شيء دون شيء فليس ذلك بموالاة.
الثالث: أن يكون ذلك مخصوصا في الموالاة الدينية.
الرابع: أن الموالاة على ضربين: موالاة الأرفع للأوضع، وذلك
стр. 707
باستخدامه إياه ورعايته والحماية عليه، وموالاة الأوضع للأرفع
وذلك بالخدمة. والذي نهُي عنه المسلم جزماً هو أن يوالي الكافر
موالاة الأوضع للأرفع بالخدمة له والاستعانة به استعانة الذليل
بالعزيز، لا أن يستعين به استعانة العزيز بالذليل والمخدوم
بالخادم، فذلك مرخَص فيه، وذاك لما قال النبي ﷺ : "الإِسلام يعلو ولا يُعلى" ومن هذا رُخص أن ننكح منهم دون أن ينكحوا
стр. 708
فينا، وأن نملك أرقاءهم ولا يملكوا أرقاءنا، وأن نرثهم
في قول من يرى ذلك، ولا يرثونا بوجه، ثم قد يكره لمن لم
стр. 709
يَقِرّ في الإِسلام المصاهرة إليهم، والاستعانة في المهن بهم
تفادياً أن يُغروه، وذلك ما قال عليه الصلاة "والسلام لحذيفة
لما تزوج بمشركة: "دعها فإنها لا تحصنك"، بل
стр. 710
لذلك قال: "مثل الجليس الصالح كمثل الداريِّ إن لا يحذك
من عطره تَعَلَّقَك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القَيْن إن
لا يحرقك بشرره يؤذك بدخانه "، وقال بعض الحكماء:
стр. 711
"إياك ومجالسة الشرير، فإن طبعك يسرق من طبعه، وأنت لا تدري ".
وقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)
إياس من الموالاة التي أثبتها بقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
ونحوه، وقوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) فرخصه في إظهار
الموالاة باللسان دون القلب، حيث يحصل تقية، كقوله: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)
ولاحرج في مداراة الكافر حيث يُخاف شّره، أو يُرجى صلاحه، فقد روي عن النبي ﷺ -
стр. 712
أنه استأذن عليه بعض الناس، فقال: "بئس أخو العشيرة
هو"، فلما دخل أكرمه، وسألته عائشة بعد خروجه، فقال: "إن شر
الناس من يُكرم اتقاء لسانه".
واختلف هل يجوز الإفصاح بالحق في حال التَقية؟
فأجاز ذلك بعضهم استدلالاً بما روى الحسن: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ -
стр. 713
فقال لأحدهما: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم.
فخلَّاه، ثم دعا الآخر، فقال له ذلك، فأبى أن يقوله فقتله، فقيل
ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "أما المقتول فمضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضيلة، فهنيئاً له.
وأما الآخر فأخذ برخصة الله، فلا تبعة عليه "
وجملة الأمر أن الإِفصاح عند التَقية إيفاءً بالحق، مستحسن حيث كان فيه نفع ديني، فأما إذا لم يكن في ذلك نفع ديني بوجه، فالعدول إلى كلمة الكفر على وجه التعريض أولى،
стр. 714
إن قيل: ما تعلق هذه الآية بما قبلها؟
قيل: لما عرفنا أنه مالك الكل والقادر عليه نهانا عن موالاة من يعاديه.
وقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) فالحذر: الاحتراز من السطوة.
وذلك على ضربين: أحدهما: حذر الإنسان إياه برؤية ذنوبه.
وإليه قصد بقو له: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)، والثاني: حذره برؤية
تقصيره في طاعته، وإياه قصد بهذه الآية، وعلى هذا ذكر التقوى.
فقال في موضع: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ).
وفي موضع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ).
قال الحسن: من رحمته أن
стр. 715
حذرهم نفسه، ولتحذيره إياهم قال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
فإنه حذّرنا، بخلاف ما بفعل الماكر، وإلى مقتضى معناه أشار العرب
بقول: أعذر من أنذر، وفائدة قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ) في
هذا المكان أنه لما ذكر قوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) بيَّن أنكم وإن
اتقيتموهم فاحذروا الله، فإنه يحذركم أن توالوهم بقلوبكم.
قوله : (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)
الأصل في الصّدر: الجارحة، فاستعير لصدر المجلس والكتاب
والكلام، وصدره إذا أصاب صدره، أو قصد نحو ظهره، وكتفه.
وإذا عُدِّي بعن اقتضى الانصراف عنه، والصدر يقال للمصدر
اللفظي ولموضع الصّدر، ولزمانه، والصِّدار الصُّدْرَة يُغطى
стр. 716
بها الصّدر على بناء الدِّثار واللباس، ويقال له الصّدْرَة، ولا
نهى تعالى عن موالاة الكفار - وذلك يكون بالقلب قبل أن يكون
بالجوارح - حذرهم أن يوالوهم بقلوبهم، فيكونوا كمن وصفهم
بقوله: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)، وكمن وصفهم بقوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ) الآية، بين أنه لا يخفى عليه ذلك، بل لا يخفى عليه ما في السموات والأرض، وهو قادر عليهم، وإذا كان قادراً وعالماً بالسرائر فحق أن يُحْذَرَ.
إن قيل: لِمَ قدَّم الإِخفاء على الإِبداء، ومن البادي يُتَوَصَّل
إلى الخافي، وقضيّة المتمدح أن يقول فلان لا يفوتني: مشى أو
عدى ولا يكاد يُقال: عدى أو مشى؟ قيل: لما كان العلم يظهر في
النفس، ثم يبرز بالقول أو بالكتاب صار الخافي سبباً للبادي،
стр. 717
فنبه بذلك أنه يعلم الشيء منا قبل أن نُظهره، وأنه يستوي عنده
السر والجهرُ، وعلى هذا قال: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ)، وقال: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، فقدم الشر في هذا الموضع.
وقال في موضع: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) فقدم الإبداء تنبيها أنهما عنده سواء.
قوله : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) .
تقديره: يحذركم نفسَه يومَ تجد، أو اذكر يومَ تجد،
стр. 718
أو الله على كل شيء قدير يوم تجد.
وقوله: (مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ) مفعول تجد، (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) معطوف عليه، كأنه قيل: وما عملت من سوء محضراً، وتوفىّ: في موضع
الحال، وقيل: و (مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) استئناف، إما جزاء
و (تَوَدُّ) جوابه، وعلى هذا لو قرى (تَوَدُّ) بالفتح أو بالكسر
لجاز، وإما أن يكون بمعنى الذي متضمنا لمعنى الشرط،
стр. 719
وإن لم يكن في تقدير الجزم، نحو: الذي يأتينى له درهم.
والأولى أن يكون معطوفا كما تقدَّم، ووجودُ الأنفس ما
عملت: تصوره لها من حيث لا يخفى عليها، ونحوه مما دل على
ذلك قوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ)
فاستنساخه وإحصاؤه: إذكارهم به حتى يعلموه، فإن من صفة
стр. 720
علم الإِنسان أن تحصل صورة المعلوم في قلبه وثبوت الصورة في
، القلب أوكد كتابة، ويجوز أن يكون معنى (تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ).
أي جزاء ما عملت من خير وشر.
إن قيل: ما فائدة حذف الجزاء في هذا المكان ونحوه من قوله: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ)، وقوله: (ذُوقُوا مَا كنُتُم تَكْسبُونَ).
وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)؟
قيل: لما أراد أن ينبِّه أن الإِنسان لا يُبخس حظه فيما يفعل من خير، ولا يُزاد عليه في جزاء ما يفعل من شر، ذكر نفس الفعل دون الجزاء؛ تنبيهاً له أن فعله مستوفى بالجزاء، حتى كأنه هو، كقولك: زيد هو أبوه بعينه.
إذا أريد المبالغة في التشبيه به، وإعادة قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)، توكيد
واستظهار عليهم.
فإن قيل: وكيف علَّقه بالرأفةِ؟
стр. 721
قيل: تنبيها لأمن المحبوب من حبيبه، ولهذا قال النبي عليه
الصلاة والسلام مخبراً عن الله: "لا يزال العبد يتقرَّب إليَّ
بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به.
وبصره الذي يبصر به " الخبر.
стр. 722
قوله : (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)
هذا إلزام "كالأول، لكنه أعم، لأن طاعته أعمّ من اتباعه، إذ قد يكون الإنسان مطيعا لغيره، ثم لا يكون متبعا له في أفعاله، وذكر ها هنا الرسول تنبيها أن كل من كان رسولاً من جهة فطاعته واجبة، \ثم قال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)، أي من تولى فقد خرج عن التحبب إليه، ومن لم يتحبب إليه بطاعته فهو لا يحبه بإثابته، والكافر غير متحبب إليه بتولِّيه عنه، فمحال أن يحبه، فصار تقديره: إنكم إذا كفرتم بالإعراض عنه وعن
стр. 723
رسوله، فإنه لا يحبكم. وفي ذلك إبطال دعواهم، حيث قالوا:
(نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، وقوله: (لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) تنبيه
أنه ينقطع عنهم توفيقه، وبانقطاع توفيقه عنهم يضلون ويعمهون.
قوله : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) .
قد تقدَّم الكلام في معنى الاصطفاء، وأن ذلك منه تعالى
стр. 724
على وجهين: أحدهما: على سبيل الثواب بحسب الاستحقاق.
والثاني: على سبيل التفضيل والابتداء بالترشيح، الذي يؤدي إلى
العمل المرضي، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك على سبيل الاجتباء، وهو أن تفيض العناية الإِلهية عليه، فيجعله على نهاية الكمال بلا اجتهاد منه، ويجعله سببا لتخريج غيره.
وذلك للأنبياء ومن داناهم من الأولياء.
الثاني: على سبيل الاهتداء، وهو أن يوفّقه برسله ليتبلَّغ درجة. فدرجة على سبيل
стр. 725
الاكتساب، حتى يقرب من هؤلاء لتحمل المشاق، وذلك للحكماء
ومن داناهم من المؤمنين، ويقال فيهما الاصطفاء، ولوجود
هذين الطريقين، قال تعالى: (يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) وقول الفرَّاء: اصطفاؤهم اختيار دينهم.
وقول الزَّجَّاج والجبائي: اختيارهم للنبوة.
وقول البلخي: هو تفضيلهم على غيرهم بما أولاهم من الأمور الجليلة.
كل ذلك
стр. 726
داخل في الاصطفاء، وقد تقدم الكلام في الآلِ وأنه أخصُّ من
الأهل، فإن الآل يتناول الأخِصَّاء الذين يَجْرُون من الإنسان
مجرى ذاته، ولهذا يقال لذات الإِنسان ولخصائص عشيرته: الآل.
ولم يتناول آل محمد الكافرين من ذويه، وعنى بالمذكورين
стр. 727
في هذه الآية جُملة مَنْ فضلهم في قوله: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) الآية، فذكر اثني عشر نبيًّا، وسنذكر إذا انتهينا إليه تخصيصهم بالذكر، وكيف رُتبوا هذا الترتيب، ومخالفة ذكرهم في الترتيب لأزمنتهم.
إن قيل: كيف تعلُق هذه الآية بما قبلها؟
قيل: تعلُقها بها من وجهين.
أحدهما: أنه لما أمرهم تعالى باتباع نبينا وهم
يُقرُّون بوجوب اتباع الذين ذكرهم، بيّن أن جماعتهم في كونهم
متساوين في النبوة سواء، وأن الذي دلَّ على وجوب اتباع
أهؤلاء يدلُّ على وجوب اتباع، سائرهم.
والثاني: أنه نبَّه أن اصطفاءه تعالى لهؤلاء لَكونهم مطيعين له، مستحقين لمحبته
بذلك.
قوله : (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)
الذرية: قيل: من ذرأ الله الخلق فترك همزه نحو روية وبرية ونبى
стр. 728
وخابية وملك من روأ وأنبأْ وخبأ ومَلأك، وقيل: بل هو من
ذَرْو الريح، وأصله ذُرُّويَة، وقيل: هي فُعْلِيَّة من الذر نحو قمرية.
ويُقال: ذرية للواحد والجمع، ويقال للأصل والنسل، قال تعالى:
(وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ) أي إياهم، ويُقال للنساء:
الذراري، قال ﵊: "حجوا بالذراري، ولا تأكلوا مالها وتذروا أرباقها في أعناقها " أي بالنساء،
стр. 729
فأما الصبيان فلا أرباق في أعناقها؛ إذ لا حج عليهم.
قوله: (بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) يعني في الموالاة الدينية، لقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) وقوله لنوح: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ردًّا عليه لما قال في الكناية عن هذا العدو.
والضعة: الخساسة، في مقابلة الرفعة، ولذلك استعير
صعود الجبل وبلوغ السماء ونحو ذلك للرفعة، والوقوع في
الثرى ونحوه للضعة.
стр. 730
والرجيم: المرجوم، وأصل الرجم: الرمي بالرجام أي
الحجارة، وقيل ذلك للنجم المنقض، لقوله: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) وقيل للظن والكلام المقرِّع: رجم، ومنه (رَجْمًا بِالْغَيْبِ).
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)
وقوله: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا) أي وضعت حملها، وأنثها على
المعنى، وقولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) لكون الأنثى ناقصة
العقل والدين، ولهذا قالت: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) ولأنه
стр. 731
روي أنه لم يكن يستصلح للتحرير من قبل إلا الذكور.
وبين بقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) أن إخبارها بذلك لم
يكن على سبيل الإِعلام، بل على معنى أن الله أعلم بمآلها، وحقيقة
أحوالها، وذلك يحتمل أن يكون من قولها، وأن يكون من قوله
стр. 732
تعالى، وإذا قرئ (بما وَضَعتُ) فإخبار عن قولها على سبيل
التوجُّع، إذ لم يكن ما في بطنها على ما أحبّت، وفائدة قوله:
(وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) قيل: هو أن هذا الاسم في لغتهم اقتضى
معنى التحرير، وتضرَّعت امرأة عمران إلى الله تعالى أن يحفظها
وذريتها من الشيطان، الذي قال: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) لكون
الأنثى أطوع له، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان ينال منه طَعْنةً، ولها يستهلُّ الصبي إلا ما
كان من مريم وابنها، فإنها لما وضعتها قالت: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
стр. 733
فضُرب دونها حجاب".
ونبه بقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) إنك تسمع نذري، وتعلم
حالي ونيتي، فتقبل مني ما قلت.
قوله في وجل: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)
القبالة: الكفالة، فقوله: (تَقَبَّلَهَا) قيل: تكفَّل تربيتها،
стр. 734
وقيل: رضيها، ولفظ التقبّل يقتضيهما.
قال الحسن: قبوله إياها أنه صانها عن كل أذى وقبول مصدر قبل، نحو:
وضوء وطهور، ولما كان تقبّل وقبل يتقاربان جمع بين التقبّل
والقبول، تنبيها أنه جمع من الأمرين التقبُّل الذي يقتضي الرضا
والإِثابة، وقيل: القبول من قولهم: فلان عليه قبول.
إذا أحبّه من رآه.
وقوله: (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا) أي ربّاها تربية حسنة.
وتقدير الكلام: أنبتها فنبتت نباتاً، وروي أن أمّها لما وضعتها
стр. 735
لفّتها في خرقة وبعثت بها إلى مسجد بيت المقدس فقال:
زكريَّا: أنا أحق بها، لأن خالتها تحتي، وقالت الأحبار: لو
تركت لأحقّ الناس بها لتُرِكت لأمها التي وضعتها، فاختصموا
فيها فتقارعوا، فقرعهم زكريا.
واختلف الرزق، فقيل: إنه كان يوجد عندها طعام الشتاء في الصيف، وطعام الصيف في الشتاء، من غير أن كان يدخل إليها آدمي.
وقال الجبّائي: يجوز أن كان
стр. 736
رزقاً يأتيها به غير زكريا من حيث لا يعلمه، ولو كان الأمر
على ما ذكر لما أعاد الله ذكره تعجباً من أمرها.
وقوله: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يدل على أنه ليس كما ذكر.
وقال بعضهم: كان ذلك فيضاً من الله يأتيها من العلم والحكمة من غير تعليم آدمي، فسماه رزقاً، وهذا أعجب من إتيانها الطعام في غير أنه، لمن عرف
فضيلة العلم، واللفظ محتمل، ثم بين تعالى أن ذلك ليس
стр. 737
بعجيب، فرزق الله للعباد على وجوه تقصر عنها معرفة الناس.
قوله : (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)
هنالك: يقع على الزمان والمكان، وإن كان المكان أملك له، يقال: هنا، وهناك، وهنالك، كقولك: ذا، وذاك، وذلك، ولما رأى زكريا من أحوال مريم تلك العجائب، وكان به حاجة إلى الولد مع كبر سنه ووهن من
عظامه، سأله أن يهب له ذرية طيبة، أي صالحة، واستعمال الطيب
في الصالح: كاستعمال الخبيث في ضده، في نحو قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ)، على أن في الطيب زيادة معنى على الصالح وقوله:
стр. 738
(مِنْ لَدُنْكَ) أي من نعمك وفضلك الإِلهي، وذاك أن إيجاد الأشياء
وإن كانت كلها بقدرته وفضله فعلى ضربين: إبداع، وهو الذي لم
يجعل لغوه إليه سبيلا، لا للملائكة ولا للناس، وفِعْل جَعَلَ
للروحانيّ أو الجسمانيّ إليه سبيلًا، فبين بقوله: (مِنْ لَدُنْكَ) أنه
يسأل ما يتفرَّد بإيجاده.
وقوله: (مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي مجيب
لمن دعاك على الشرائط التي بها تُدعى، وقد تقدَّم الكلام في
شرائط الدعاء في قوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
стр. 739
قوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)
المحراب: قيل: سُمّي بذلك لأنه موقع محاربة
الشيطان والهوى، وقيل: لكون الإِنسان حريباً من أشغال
الدنيا.
وقيل: الأصل فيه أنه موضع حريبة الرجل أي ماله، وذلك أنه
كان اسماً لصدر المجلس، ثم لمَّا اتُّخذت المساجد سمي به
منها ذلك الموضع، وقوله: (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) قيل: هي
كلمةُ الإِيمان، وهو قول قتادة، وقال أبو عبيدة: كتاب الله
стр. 740
وقال غيرهما: عنى به عيسى، وتسمية عيسِى بالكلمة
قيل: لكونه موجدًا بكن، المذكور في قوله: (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
وقيل: سُمّي بذلك لكلامه في صغره، والسيد
следующие страницы →