Полный текст (2 001 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
إن كانت للجاحدين فغير مقبولة، وإن كانت للمؤمنين به ففضلة؟
وهل يكفي النبي ﷺ إذا طولب بالدلالة أن يقول: الله شاهد لي بذلك؟
قيل: الشاهد العالم بالشيء، المبين لغيره، وأصدق شاهد
من يعلم المشهود عند الدلالة المنبئة عن صدقه، وعن كون الأمر
على ما شهد به، والبارئ لما جعل في كل شيء تنبُّؤاً عن
وحدانيته صار له في كل شيء لسان يشهد أنه واحد، وهذا ظاهر،
стр. 667
وبين بقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) أنهم قد عرفوا ذلك
وينبئون عنه، فإن الأدلة التي يذكرها العلماء، وتأتي بها الملائكة
والأنبياء شهادة منهم، فحثهم الله تعالى بهذا القول على التأمل.
ليعرفوا صحة ما شهدوه، وكذا الآية كأنه أقال، لنبيِّه:
لا تستوحش من تكذيب الكافرين لك، فقد أْبدى الله
من الآيات ما ينبئ أنه تعالى شاهد لك بصدق دعواك.
وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) أي هو تعالى مراعٍ للعدالة بكل حال، وذلك
حال مؤكدة.
стр. 668
فإن قيل: ما وجه تكرير (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) في الآية؟
قيل: لما كان منتهى إدراك الإِنسان للبارئ تعالى أن يعرف الموجودات.
فيعلم أنه ليس إياها ولا مشبَّهًا بشيء منها، صار صفات التنزيه
له أشرف من صفات التمجيد له، إذ كان عامة صفات التمجيد
في ألفاظها مشاركة، يصح وصف العباد بها، ولأجل ذلك
عظم ما ورد من صفاته على لفظ النفي، نحو: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)
стр. 669
قيل في سورة الإِخلاص: "إنها تعدل ثلث القرآن "، لكونها تنزيهًا محضًا، فإن لفظي: الأحد والصمد وإن كانا على صورة الإِثبات - فنفي للتثنية والتشبيه)، ثم أبلغ ما يوصف به من التنزيه: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فتكريره هاهنا
لأمرين: أحدهما: لكون الثاني قطعًا للحكم، كقولك: أشهد
أن زيدا خارج وهو خارج.
والثاني: لئلا يسبق بذكر العزيز الحكيم إلى قلب السامع تشبيه، إذ قد يوصف بهما المخلوق.
стр. 670
قوله : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)
قد تقدَّم وجوه الدين، وأن للإِسلام ثلاث منازل:
الأول: الاعتراف الذي يحقنُ الدمَ.
والثاني: أن يكون مع الاعتراف اعتقادٌ صحيح ووفاء بالفعل.
والثالث: أن يكون مع ذلك استسلام فيما يجري عليه من
стр. 671
قضاءِ ألله، وهو المسؤول بقوله : (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)
وغاية الإِنسان في ذلك أن يكون كإبراهيم حين قيل له: أسلم.
(قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) بيَّن تعالى أن حقيقة طاعة الإِنسان
بحسب ما يكون منه من الاستسلام في المنازل الثلاث، وقد
قُرِئ (أَنَّ الدِّينَ) بالفتح، فيصح أن يكون بدلاً من الأول.
واستغني عن الضمير الراجع إلى الله لإِعادة ذكره، ويجوز أن
يتعلَّق بفعل مضمر دلّ عليه الأول، ومن قرأ (شَهِدَ اللَّهُ إِنَّهُ)
стр. 672
فشهد يعمل في قوله (إِنَّ الدِّينَ) وإنه كالعلة.
وقوله: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) والكلام فيه قد تقدم.
قوله : (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) .
стр. 673
الوجه: العضو المعروف، وعبّر به عن الجملة.
وقيل: هو القصد، نحو وجهي إلى فلان.
والذين أوتوا الكتاب: قيل هو عام فيمن نزل إليهم الكتاب.
والأمِّيُّون مَنْ سواهم من اليهود ومن النصارى ومن العرب.
إن قيل: كيف يصحُّ
стр. 674
الاقتصار في المحاجّة على أن يقول: تقبل ما أقوله أم تردّه، فإن
رددتَه أعرضت عنك؟
قيل: المحاجّة ضربان: ضرب للاستهداء
وضربٌ للعناد.
ولما كان الله قد بيَّن لهم الأدلة، وبين أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
قال حينئذٍ: إن عاندوك فعرفهم مخالفتك لهم.
وهذا كما يقال لمن أوضحت له الحجة:
إن قبلتَ وإلا أعرضنا عنك.
وقال بعضعهم: إنما نبَّه بهذه الآية على الحجةِ اللازمة لهم.
ووجه ذلك أنه قال: قل لهم: إني توجهت إلى الله بعبادة.
فهل تُنكرون كونه معبودًا، فإنه لا يمكنهم إنكار
ذلك إذ كان وجوب عبادته والتوحّد له محمودًا عند الكلِّ، وإنما
اختلاَفهم في غيره، فبَيِّنْ أنهم إن أسلموا للحجة فقد اهتدوا، فإن
стр. 675
حجتَك لازمة - وليس لهم ما يدعونه حجة، وفي ذلك اهتداؤهم.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي إن أبوا أن ينقادوا للحجة فليس عليك إلا البلاغ.
كقولك: ليس عليك هداهم ونحوه، وقدَّم الذين أوتوا
الكتاب، لأن الحجة تلزمهم من وجهين:
من الوجه الذي يلزم الأميين، ومن وجه أنهم يدَّعون الإِيمانَ بإبراهيم وغيره.
وعلى هذا قال إبراهيم: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا)
стр. 676
وقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ): أي عارف بمقاصدهم.
وقوله: (وَمنِ اَتبَعَنِ) معطوف على التاء أي، (أَسْلَمْتُ).
ولم يحتج إلى تأكيد الضمير، كما أُكد في قولهم: خرجت أنا وزيد.
للفصل القائم مقام التأكيد، وحذف الياء من قوله.
(اَتبَعَنِ) لدلالة الكسْرِ عليه.
стр. 677
قوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)
هذا تعريض ببني إسرائيل، وذاك لأن أبا عبيدة بن الجراح قال:
قلت: يا رسول الله، من أشد الناس عذابًا يوم القيامة؟
قال: "من قتل نبيٍّا أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عن منكر"، ثم قرأ الآية، وقال: "يا أبا عبيدة قتل بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا في ساعة من صدر النهار، فقام مائة واثنا عشر رجلًا من عُبَّادهم، فأمروهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقُتِلُوا جميعهم آخر النهار".
стр. 678
إن قيل: لِمَ أعيد يقتلون ولم يقل: ويقتلون النبيين ويقتلون الذين
يأمرون؟ فقل: لأمرين:
أحدهما تفظيعًا لشانهم.
والثاني: أنه يجوز أن يكون أحد القتلين تفويت الروح والآخر الإِهانة وإماتة
الذكرِ، وذلك كثير في كلامهم.
إن قيل: لِمَ قال: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقتلهم لا يكون بحق على وجه حتى يحتاج إلى تقييده بذلك؟
قيل: قوله (بِغَيْرِ حَقٍّ) ليس يتعلق بقوله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ)، بل هو من صفة الذين يكفرون، كأنه قال: هم يقتلون، وهم غير محقين، ووصفهم بذلك من أنهم
стр. 679
غير محقين في جميع أحوالهم، وتخصيص أنها للاستقبال في
قوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) كتخصيصه في قوله: (تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ)، قد تقدَّم الكلام فيه.
وكذلك قد تقدم تخصيصُ لفظ البشارة في العذاب.
مع كونه موضوعَا لما يسر.
стр. 680
فإن قيل: ما فائدة قوله (مِنَ النَّاسِ)؟
قيل: عنى بذلك وجود الفضيلة المختصة بالإنسان في النبيين، والآمرين
بالقسط، وذلك نحو قولهم: فلان هو إنسان، وعلى ذلك
قول الشاعر:
إذ الناسُ ناس والزمان يَعِزُّ به.
стр. 681
قوله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)
الحبوط: فساد العمل، وأصله من الحَبطِ، أي فساد بطون الماشية من مأكل الربيع، ولذلك قال ﵊: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل
حَبَطاً أو يُلمُّ".
يعني بقوله (أُولَئِكَ): هم الذين يكفرون ويقتلون.
стр. 682
بطلت في الدنيا والآخرة أعمالهم، أما في الدنيا فلأنهم لم يحصِّلوا
منها محمدةَ، وأما في الآخرة فلم يحصِّلوا منها مثوبة، وذلك، نحو
قوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).
إن قيل: لم قال: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ولو قال: ما لهم
من ناصر كان ذلك عامًّا لكونه نكرة منفية؟
قيل: لما كان القصد بهذه الآيات تثبيت الوحدانية ونفي الكثرات، نبّه بلفظ الجمع على أن ناصر الناس واحد، فكأنه قال: ما للناس ناصرون، بل لهم
ناصر واحدٌ، فيجب أن يُطلب مرضاته ويُتحرى مرسوماته.
وذلك نحو قوله: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ) و (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ)، وما أشبه ذلك من الآيات.
стр. 683
قوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
الحكم: القضية التي تردع المبطل، ومنه حَكَمَةُ اللجام.
والآية تتناول أليهود والنصارى وإن كانت واردةً في اليهود.
قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ رأى جماعةً من اليهود فدعاهم، فقالوا: على أي ملةِ أنت يا محمد؟
قال: "على ملّة إبراهيم" فقالوا: إن إبراهيم كان يهوديا.
فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: كان ذلك
في سبب اليهوديين اللذين رجمهما النبي ﷺ ، وقالت اليهود: إن ذلك ليس في التوراة، فأكذبهم النبي ﷺ ، ودعا بالتوراة، فقرأ منها آيةَ الرجم، وقيل: كان في سبب نبوته وتكذيبهم
стр. 684
إياه، وقوله: (الَّذِينَ أُوتُوا) وإن كان لفظه عافًا فمعناه
خاص، لأنه ليس كلهم فعلوا ذلك، ألا ترى إلى قوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).
إن قيل: لِمَ قال: (مِنَ الْكِتَابِ)، ثم قال: (كِتَابِ اللَّهِ).
وهل الأول هو الثاني أم غيره؟
قيل: قد قال بعضهم: الأول والثاني
стр. 685
واحد، وهما التوراة، لقوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا)
الآية، وذكرها باللفظين تعظيمًا لها، وقيل: عنى بالأول
التوراة، وبالثاني القرآن وغيره من كتبه، تنبيهًا أن كل كتاب
يقضي بصحة ما هو فيه.
وقيل: عنى بالذين أوتوا الكتاب: الذين أعطوا حظا من المعرفة
بكتاب الله، أي كتاب كان من كتبه.
إن قيل: هل بين التولي
стр. 686
والإِعراض فرق؟
وهل المعرضون هم المتولون أم غيرهم؟
قيل: تولّي الشيء أن تليه، فإذا عُدي بعن صار لترك ذلك.
والإِعراض في الأصل أن تجعل عِرضك إليه، أي جانبك.
ومنه قيل: أعرض لك الصيد فارمه فيجوز أن يعني بالتوليّ
تولّي فريق من الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، وبالإِعراض
جماعتهم، ويجوز أن يكون التولّي والإِعراض جميعًا
للفريق، فيكون معنى التولي عنه ترك موالاته.
والإِعراض يكون بالبدن، وذلك لئلا يحتج عليهم إذا حضروا
فيلزمهم حجة.
وعلى ذلك قوله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ).
стр. 687
قوله : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)
قد تقدَّم الكلام فيما حُكِيَ عن أهل الكتاب بقولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
والذي غزهم ما حُكى عنهم من قوله : (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) والغرُّ: الأثر الظاهر من
стр. 688
الشيء، ومنه الغُرَّة، والغرار حد السيف اعتبارًا بالأثر، ولهذا
سُمى أثره السيف، وغرُّ الثوبِ أثرُ كسره، يقال: اطوِ على
غَرة، واستعير للخديعة، فقيل: غزه واغتره كقولهم: طواه إذا
خدعه، وسُمِّيَ الدنيا والشيطان غرورًا، لكونهما غارين للإنسان.
والغِرُّ المغرور، والغُرَر الخطر المتقدم، كأنه الذي به يُغتر، وأِما غرَّ
الطائرُ الفرخَ فاستعارة من الصوت الذي يكون منه عند زقِّه.
والغرغرة: ترديد الصوت من الحلق، فجعل لفظه مرددًا على
стр. 689
سبيل الحكاية، كحكاية كثير من الأصوات.
والفُري: قطع الأديم، واستعير للكذب، استعارة الخلق
والاختلاق له.
إن قيل: هل علموا أنهم كاذبون فيما يقولون؟
قيل: إما أنهم علموا واغتروا برئاستهم وأعراضهم الدنيوية، أو تمكنوا من
علمه فلم يتحروه اغترارَا بما هم بصدده، وعلى كلا الوجهين
يستحقون الذم.
قوله عؤ وجل: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)
ما سُئل عنه بكيف محذوف، كأنَّه قيل: كيف حالهم أو قولهم وافتراؤهم.
فحُذف لدلالة الكلام عليه، كحذفه في قوله
стр. 690
(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ)
ومعناه: كيف حالهم إذا جوزوا بفعلهم، ولم يُظلموا في بخس
ما استوجبوا من ثواب، أو زيادة ما استحقوا من عقاب.
ودلّ بالآية أن الكفار لا تغفر ذنوبهم، وعلي ذلك (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا) الآية.
وقد تقدم معنى قوله: (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ) في سورة البقرة.
وقوله : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)
اللهم: تقديره عند سيبويه يا الله،
стр. 691
والميمان بدل من ياء، ولا يستعمل ذلك إلا في هذه اللفظة فقط.
وعند الفرَّاء تقديره: يا الله امنا بخير، فجعلا بمنزلة لفظ
واحد، وحذف الهمزة منه، كقولهم: هلّم، وأصله: هل أم،
стр. 692
وقال البصريون: لو كان كما ذكر الفرّاء لاستغنى به عن جواب
الشرط. إذا قيل: يا الله امنا بخير. لكون ذلك مكررًا.
والنزع: جذب الشيء من الشيء، وفصله عنه، ومنه المنازعة.
وسُمى الشوق نَزَّاعَا ونزوعًا لما تُصور في ذلك أن المحبوب ينزع
قلب المحب منه، والنزع ضربان: نزع إلى الشيء وهو الاشتياق.
ونزع عنه، وهو الكفُّ، وقيل للغريب: نزيع، لكونه منزوعًا
عن مسقط رأسه، أو لكونه نازعًا إليه، أي مشتاقًا، وقيل لمن
يشبه أعمامه وأخواله: نزيع لنزع الشبه منهم، أو لكونه منزوعًا
بالشبه عنهم، وسمي السهم مِنْزَعًا.
والنَّزْعَةُ: الموضع من رأس الأقرع، لكون شعره نزيعًا عنه.
وقد تقدَّم الكلام في المُلك،
стр. 693
والمِلك وأن المُلكَ كالنوع للملِكِ، فإن كل مِلْك مُلْك ما.
وليس كل مُلْك مِلْكا، وقد عظَّم الله أمره، وقرن بالكتاب والنبوة
ذكره، ففال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا).
وقال: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا)
وقيل: الدين أسٌّ والمُلك حارس، لكون أحدهما غير مستغن عن الآخر من وجه، وقد يسمى المتسلط ملِكًا وإن كان على ضرب من المجاز، وعلى هذا
قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ)، فسماه ملكًاً مع كونه غاصبًا.
стр. 694
واختُلفَ: هل يؤتى الملك الفاسق والكافر؟
فمنهم من قال: لا يُؤتاهما.
وإليه ذهب البلخي والجبائي، وذلك لنظرهم
إلى الملُك الأول، ولاعتبار قوله (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
ومنهم من قال: يُؤتاهما ذلك، وذلك لنظرهم إلى الثاني الذي هو
التسلُط، وكون ذلك أحد الأغراض الدنيوية، ولهذا قال
стр. 695
ربُّنا: (إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا)، والأظهر
في الآية أنه يعني الملكَ، الحقيقى لقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)
فأضافه إلى نفسه تعظيمًا له
والملك المطلق هو الملك الإِلهي، الذي لا جور فيه بوجه، ولذلك قرنه
بالعزِّ والذُلِّ، وإخراج الحي من الميت، والميت من الحي، وإيلاج
الليل في النهار، والنهار في الليل، وإعطاء الرزق، ونبه بقوله:
(مَالِكَ الْمُلْكِ) أن الملك في الحقيقة له وما لغيره عارية مستردة.
ولم يعن بالملك هاهنا سياسةْ العامة فقط، بل ملك الإِنسان
على قواه وهواه، فقد قيل: لا يصلح لسياسة الناس من لا يصلح
стр. 696
لسياسة نفسه. وقيل لبعضهم: من الملك؟ فقال: من ملك هواه
فقهره، وقوله: (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ) أي تُعزه بإعطائه الملك.
(وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) باسترجاعه منه أو حرمانه إياه.
وقيل: تُعزُ من تشاء بأن تصونه عن تمكينه من الملك في الدنيا.
وتذل من تشاء بإعطائه ذلك، وهذا التفسير على النظر إلى ما قال عليه
الصلاة والسلام: "ستحرصون على الإِمارة، ثم تكون حسرة
وندامة إلى يوم القيامة"
وما قال أبو بكر ﵁:
стр. 697
"إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك، إن الرجل إذا ملك
زهَّده الله فيما في يده، ورغَبه فيما في يد غيره، ونقصه شطر أجله
وأُشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخَط
الكثير، فإذا وجبت نفسه حاسبه الله فأشدَّ حسابه وأقلّ غفره "
وقال بعض المفسرين: أمر نبيه في هذه الآية أن يدعوه، بأن يُحول
عِزَّ فارس إلى العرب، وخضص الملك بالنبوة، فقال معناه:
تؤتي النبوة من تشاء وتصرفها عمن تشاء.
وقيل قوله: (تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ)
стр. 698
ليس براجع إلى المُلك، وإنما معناه:
من يشاء بطاعته، ويُذِلّ من يشاء بمعصيته، والأظهر أن يكون
ذلك عامًّا في كل عز وذل دنيويا كان أو أخرويا.
إن قيل: كيف قال: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) والخير والشر بيده؟
فقيل في ذلك أجوبة:
الأول: أراد الخير والشر، لكن الآية لما كانت في الحمد
والشكر لا للحكم ذكر الخير، إذ هو المشكور عليه، وعلى ذلك -
стр. 699
قوله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، وفيه تعليمنا كيف نمدح
أبناء جنسنا بأن نذكرأشرف خصالهم.
والثاني: أنه نصّ على المعظّم ليُفهم منه الضد الآخر.
كقوله: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ)، وكقول الشاعر:
فما أدري إذا يممتُ وجهاً. . . أريدُ الخير أيُّهما يليني
والثالث: أنه أراد بالخير: الخير والشر، وسمَّاهما خيراً، لأنه
ليس في العالم شرٌّ خالص، كما أن فيه خيرا خالصاً، وذاك أن ما
هو شر بكذا هو خير لكذا، فالخير والشر يصدق عليهما الوصف
بالخير من هذه الجهة، ولا يصدق عليهما الوصف بالشر، فلو
قال بيده الشُر، لم يدخل فيه الخير.
ووصْفه بالقدرة على كل
стр. 700
شيء في آخر الآية تنبيه على أنه أراد الأمرين، فإن سعة القدرة
تقتضيهما.
قوله : (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) .
الولوج: الدخول في مضيقِ، فهو أخص من الدخول.
يقال: تَوْلَجُ الظبي، والوَلَجَة: بناء بين يدي فناء القوم، كالمدخل
إليه. واستعير الوليجة لبطانة الرجل كالدَّخيل وإيلاج
стр. 701
الليل في النهار والنهار في الليل، يتناول تعاقبَ أحدهما الآخر.
والزيادةَ من كل واحد منهما في الآخر، وقد فُسِّر بهما.
وقوله: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)
يتناول خروج الإنسان من النطفة، نحو: (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ)، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا)، وهذا هو
стр. 702
الذي قال الضَحاك والسدي وابن زيد: الدّجاجة من
стр. 703
البيض، والبيض من الدجاج ..
وقال الحسن: عنى إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وقال بعضهم: يتناول ذلك كل شيء من الأركان.
إذا استحال إلى غيره.
ولهذا قال السدي: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة.
والأظهر في قوله: الحي منَ الميت. تصور اثنين.
وقد قيل: عنى بذلك شيئاً واحداً تتغير به الحال.
فيكون ميتا ثم يحيا، وحيّاً فيموتْ، كقولك: جاء من فلان أسد.
وليس الأسد إلا هو، وقد تقدم الكلام في قوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ).
стр. 704
قوله : (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) .
قد عظم الله موالاة الكافرين وموادتهم والركون إليهم في آيات
كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ)
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)
وقال: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقال: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ).
وقال: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)
وأمرنا بالإِعراض عنهم.
فقال: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)
وقال ﵊:
стр. 705
"لاتراءى ناراهما " وقال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك "
إن قيل: ما وجه جواز مواصلتهم والاستعانة بهم واتخاذهم
عبيداً، وذلك ضرب من الموالاة، فالجواب منْ أوجهٍ:
الأول: أن هذه الآيات تقتضي المنع أمن، موالاتهم، إلا ما
خُصّ، وفُسِحَ لنا فيه.
следующие страницы →