Полный текст (2 001 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)
فقوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) تعجب منها لما ذكره لها من أمره
بها، وكيف لا تتعجب وأمرها أبدع من أمر زكريا، فأجابها
بقوله: (كَذَلِكِ)، فمن وقف عليه جعل ما بعده كالتفسير
له، ومن وصل: فمعناه أن الله كذا قضى أو كذا يفعل.
إن قيل: لم قال ها هنا: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) وفي قصة زكريا: (يَفعَلُ مَا يَشَاءُ)؟ قيل: لما كان الخلق أخص من الفعل خصه، بما هو إبداع.
وذكر الفعل فيما هو أقرب إلى المعتاد في إيجاده.
стр. 772
قوله : (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)
الهيئة: الحالة المحسوسة التي تحدث للشيء، والهيء: الحسن
الهيئة، ومنها أخذ المهايأة فيما يتراضى به على وجه التخمين.
والنفخ: جعل الريح في الشيء ومنه النفخة، وعنه استعير نفخة
الصور، والنفخة للورم تشبيهاً بما ينفخ فيه، والنُّفَّاخَة للحجاةِ.
والادخار: افتعال من الذَّخر وهو إعداد الشيء لنائبةٍ قال
стр. 773
الفرّاء: قُرئ (تَدْخرون) خفيفة، وقال بعض العرب:
(تذخرون) فعوقب بين الذال والدال نحو تدَّكر وتذَّكر.
والأكمه: الذي وُلد أعمى.
وقول الحسن: الأكمه الأعمى صحيح، وكل كَمَه عمى، وإن لم يكن كل عمى كمهاً.
وقول مجاهد: الأكمه الذي لا يبصر بالليل دون النهار، فليس بشيء،
стр. 774
وقوله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) يجوز أن يعني بحال طفوليته إن
قيلَ: كيف ذكر الكتاب، ثم عطف عليه التوراة والإِنجيل، وهما
من جملة الكتاب؟
قيل: قالوا: عنى بالكتاب القراءة والكتابة، وعُلِّم تعليماً إلاهيًّا في حال الطفولية، وقيل: عنى بالكتاب كتب الله المنزلة وخصص التوراة والإِنجيل كتخصيص ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة تفضيلًا لهم، وقد تقدّم الفرق
стр. 775
بين الكتاب والحكمة، وقرئ و (يُعَلّمه) عطفا على قوله:
(كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ)، وبالنون عطفا على قوله: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ)، وقوله: (وَرَسُولًا) عطف على قوله: (وَجِيهًا) وقيل تقديره: ويجعله رسولا
стр. 776
إن قيل: كيف تعلق هذه الآية بما قبلها، وما قبلها حكاية حكى
الله عن نفسه، وهو: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ)، وهذه حكاية حكاها
عن عيسى ﵊، وهو (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ)
قيل: تقديره: وبعث رسولاً يقول: إني قد جئتكم، ودل على إضمار
القول ذكر الر سول وترك ذكر مريم، وابتدأ بإرسال عيسى، وما
قال له، وذكر معجزاته.
إن قيل: لِمَ ذكر في الخلق وفي إحياء الموتى (بِإِذْنِ اللَّهِ).
ولم يذكر في غيرهما؟
قيل: لكون هذين الفعلين إلاهيين، لم يجعل للمخلوقين إليهما سبيلًا.
بخلاف النفخ والمداواة والإِخبار ببعض الغيب، فقد جعل للإِنسان كثيرا من
المداواة، وجعل لهم شيئاً من الإِخبار بالغيب كالفِراسة
стр. 777
والإِلهام ولم يجعل لهم الخلق ولا إحياء الموتى، فنبَّه بقوله:
(بِإِذْنِ اللَّهِ) أن ذلك فعل في الحقيقة صادر منه تعالى، وإن
كان يظهر من غيره كالفِراسة والمداواة، وإن كانا قد يحصلان من
سائر البشر، فذلك قد يكون باعتماد على تجربة واعتبار أمر.
ولا يكون في كل وقت وعلى كل حال، ولا في دفعة واحدة.
وما كان يفعله عيسى كان بخلاف فعل البشر، فلهذا كان معجزة،
стр. 778
ْوقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أنّ المؤمن هو الذي يتفكر في
ذلك، فتحصل له الآية.
وقُرىء (إني) على الاستئناف، ويكون تفسيراً للآية.
كما أن قوله: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) تفسير للوعد.
وإذا قرىء (أني) بالفتح، فعلى تقدير الجرّ بدلاً من آية
أو على قَدرِ الرفع خبر ابتداء مضمر، كأنَّه قال: الآية
стр. 779
أني قد جئتكم.
قوله : (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)
فقوله: ومضدقاً معطوف على ما دلّ عليه
قوله: (بآية من ربكم أني قد جئتكم) مستصحباً آية، ومصدقاً.
كقولك: جئتك بما تحُب ومكرماً لك، وليس بمعطوف على
(وجيهاً) ولا (رسولاً)، لقوله: (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ) أني أحقق ما أتيت
به من التوراة، فيكون ذلك معدوداً من جملة معجزاته.
وقال قتادة والربيع
стр. 780
وابن جريج؟ كان المحرَّم عليهم في شريعة موسى لحوم الإِبل
والأشياء من الطير والحيتان، فاحلَّها عيسى لهم.
وقال أبو عبيدة: عنى ببعض الذي حُرِّم الكل، واحتج بقوله:
стр. 781
. أو يرتبط بعض النفوس حمامها
وقال الزجّاج: هذا فاسد، لأن البعض لا يكون، بمعنى الكل.
وعنى لبيد ببعض النفوس نفسه خاصة فعرّض.
ولأن عيسى حلّل بعض المحرمات، وهو الذي كانوا حرّموا على أنفسهم،
стр. 782
وقوله: (وَلِأُحِلَّ) معطوف على موضع (وَمُصَدِّقًا) لأن تقديره:
لأصدِّق وَلِأُحِلَّ، كقولك: جئتك معتذرا ولأطيِّب قلبك.
وعلى ذلك تقدير قوله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ).
وقوله: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ) ف ي قراءة عبد الثه (آيات) في
الموضعين، وإنما لم يقل: من ربي أو ربنا. لأن ذلك أخص من المخاطبين.
وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ) قيل: وحِّدوا الله.
وتقواه أخص من توحيده، إذ هي مبنيّة عليه.
ودعاؤه إلى طاعته دعاء
стр. 783
فيما دعاهم إليه من تقوى الله.
قوله : (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
لما وصف عيسى نفسه بأفعال إلهية، وأتى على ما ذكر.
وكان قد قال: (وَأَطِيعُونِ) خطر له ما فعلته جماعة من
النصارى، وهو اتخاذهم إياه معبودهم، فقال: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)
ولم يقل: ربنا، ليكون أبعد من التأويل فيما ادعوه.
وأمر بأن يُعبَد الله وحده، وقال: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) تنبيها
أن العدول عن ذلك ليس بالمستقيم.
قوله : (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)
الإحساس: الوجود بالحاسة، وحسّه: قتله، كأنَّه أصاب حسه نحو قلبه وبطنه، وقال الفرَّاء: يقال
حسَسْت، وحسِسْت، وحسِيت وأحسْتُ، فأما حَسَسْته
стр. 784
فأصبتُه بحاستي نحو: عِنتهْ ويديتُه أي أصبتُه بهما.
فأما حسِسْت، فنحو علمت وفهمت، وأمّا حسيت فبقلب إحدى
السينين ياء، وأما أَحَسْتُ فبحذف، إحداهما نحو: ظَلْتُ في
ظَلِلْتُ، وكلا اللغتين تحريا للتخفيف، وإنما قال: (فَلَمَّا أَحَسَّ) دون عَلِمَ تنبيهًا أنه ظهر منهم الكفر ظهوراً بادياً لذي الحاسة فضلًا لذي العقل.
وقوله: (إِلَى اللَّهِ) أي
стр. 785
متوجها إلى الله، وقيلِ: مع الله نحو الذود إلى الذود إبل.
وقيل: لئه، نحو (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) والوجه هو الأول.
والأنصار جمع نصير - نحو: أشهاد في جمع شهيد، والحواريون
قيل: سُموا لبياض ثيابهم، عن ابن جبير، وقال بعضهم:
стр. 786
عنى ببياض ثيابهم نقاء نفوسهم، نحو (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ).
وقولهم: فلان طاهر الثوب، وفي ضده: دنس الثوب.
وقيل: كانوا قصّارين يبيعون الثياب.
وقال بعضهم: عنى أنهم كانوا يُطهرون نفوس الناس.
وقول النبي ﷺ : "الزبير ابن عمتي
وحواري " تشبيها بهم، وقول أبي عبيدة: الحواريون صفوة
стр. 787
الأنبياء فنظر منه إلى حواري عيسى ﵇، وإلى قول
النبي ﷺ ، وقد تقدَّم القول في الإيمان والإسلام، وعنى بالإِسلام ها هنا الاستسلام لله ، كقول إبراهيم:
(أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
قوله تعالى: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) .
стр. 788
الاتّباع: الاقتداء بالمتبَع، وهو أخصُّ من الإِجابة، إذ قد
يكون مجيباً من لا يكون تابعاً، وإنما قال: (ربنا) ولم يقل:
رب العباد؛ لأن الموضع موضع اعتراف وشكر، لا الإِخبار عما
عليه الشيء في نفسه، فلذلك خص (ربنا)، وقد تقدم أن الشاهد
هو المخبر عن الشيء مشاهدة: إما حسًّا أو عقلًا، وأنه استعير
للشهادة في الأحكام، والشاهدون ها هنا هم الذين على طريقة
من قال فيهم: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).
ونبه بقوله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أنهم منهم،
стр. 789
وقوله: (ربنا) متصل بالحكاية عنهم.
وأخبرنا تعالى بذلك لنقتدي بهم في متابعة
النبي ﷺ والتضرُّع إلى الله في طلب الثواب كما طلبوه.
قوله . (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)
المكر في الأصل: حيلة يُجلب بها الإنسان إلى مفسدة.
وحيلة قد تقال فيما يُجلب به إلى مصلحة، وقد يُقال في ذلك المكر
والخديعة اعتباراً بظاهر الفعل دون المقصد، والحكيم قد يفعل
ما صورته صورة المكر، ولكن قصده المصلحة لا المفسدة، وعلى
هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد:
стр. 790
ويقبح من سواك الشيء عندي. . . وتَفْعَلُه فيحسن منك ذاكا
فإذن مكر الله قد يكون تارة فعلًا يُقصد به مصلحة، ويكون تارة
جزاء المكر، ويكون تارة بأن لا يقبِّح مكرهم في عينهم، وذاك
بانقطاع التوفيق عنهم وتزيين ذلك في أعينهم، حتى كأنه زيَّنه في
أعينهم ومكر بهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم.
فإذا أعطاهم واستعملوه على غير ما يحب، فكأنه مكر بهم،
стр. 791
واستدرجهم من حيث لا يعلمون.
ولأجله قال: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)
وهذا من المعنى الذي اقتضى الذي قال تعالى:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)
وقال اِلكلبي: مكرهم كان تدبيرهم في قتل عيسى (وَمَكَرَ اللَّهُ) أنه ألقى شبه عيسى
стр. 792
على رجل كان يقال له يهوذا عهد لقتل عيسى، فدخل بيتا فظن
أن عيسى عليه الصلاة السلام فيه فتبعه القوم فصلبوه.
وقال الأصمّ: مكره بهم أن سلَّط عليهم فارس، فقتلوهم، وسبوا
ذراريهم، لقوله: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا).
قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)
إن قيل: كيف قال: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) وقد قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ)؟ قيل: جملة الأمر أن ليس في
стр. 793
ذلك منافاة، إذ ليس كل متوفى يكون مقتولا.
وقد قال الفرَّاء: معناه: ورافعك إليَّ ومتوفيك، فقدَّم وأخرَّ.
وقال الربيع: توفَّاه، ووفاته النوم.
وقال غيرهما: آخذك وافياً لم ينقص منك شيء.
وقال الحسن: وفاة الرفع، لا وفاة الموت.
стр. 794
وقال ابن عباس ووهب: وفاة موت، فإنه أماته ثم أحياه فرفعه.
وقال بعضهم: معنى متوفيك آخذك عن هواك، ورافعك إليَّ عن
شهوتك، ولم يكن ذلك رفعا مكانيا، وإنما هو رفعة المحل "،
стр. 795
وإن كان قد رُفع إلى السماء، وعلى هذا قوله تعالى: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) وتطهيره من الكافرين إخراجه من بينهم.
وقيل: تخليصه من قتلهم، لأن ذلك طهرة منه.
وقوله: (فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي فوقهم بالبرهان والحجة.
وقال ابن زيد: عنى أنه جعل النصارى فوق اليهود في العِزة.
فقد جعل لهم مملكة ولم يجعلها لليهود.
وقيل: عنى بقوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ):
стр. 796
من اتبع نبينا ﵊ منهم، فإن من لم يتبعه بعد
بعثته فهو في الحقيقة غير تابع لعيسى، وقيل: معنى قوله:
стр. 797
فوقهم: أي يوم القيامة في الجنة، إذ هم في الغرفات آمنون.
والذين كفروا في أسفل السافلين!
وحينئذ تتعلق (إلى) بما تقدم، وقد تقدّم الكلام في الرجوع إلى الله.
قوله : (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)
تعذيب الله الكفار
стр. 798
والأشرار في الدنيا ضربان: ضرب عرفوه عذابا كالأمراض
والخسف والمسخ وتسليط المؤمنين عليهم.
وضرب حسبوه نعمة وهو في الحقيقة نقمة.
وذلك كتمكينهم من مال وجاه وسائر أعراض الدنيا، التي حظهم منها الهموم والغموم، وإياه عنى بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا).
قوله : (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)
الإيمان: فعل ما يقتضي الأمن من عذاب الله.
والصَّلاح: فعل ما يقتضي الصلح بينه وبين الله .
والتوفية: إعطاؤه ما لا ينقص عما يقابلبه،
стр. 799
والإِيفاء الزيادة عليه، إن قيل: كان من حق المقابلة أنه لما عاقب
ذكر الكافرين بقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أن يذكر ها هنا ما
ينافيه فيقول: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). ونحو ذلك من الكلام لا قوله:
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
قيل: إن قوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) من صفة الذين كفروا.
ونبّه بالصفتين جميعا، أعنى هذه وقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) على كون المؤمنين منصورين ومحبوبين.
وقد دل على ذلك من فحوى الكلام في هذه الآية وغيرها من
الآيات، وفي قوله: (لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) تنبيه أنه لا يظلم خلقه.
فمن لا يحب شيئاً لا يتعاطاه مع استغنائه عنه.
إن قيل: ما وجه إعادة ذكر عذاب الكافرين وثواب المؤمن العاقل الصالح في هذا المكان؟
قيل: إن ذلك مقترن بمخاطبته عيسى، وهو قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)
وتقديره: الذين كفروا بك، آمنوا بك. لكن حُذِف ذلك اختصار.
стр. 800
قوله : (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
التلاوة والتنزيل والقص متقارب، لكن يقال:
التلاوة اعتباراً بمساوقة بعض الكلام بعضاً بالولاء، والإِنزال
اعتباراً بإخبار الأعلى الأدون، والأرفع للأوضع.
والقَصُّ اعتباراً باقتطاع الخبر على ما هو به، وقصَّ أثره.
والحكيم: المحكم، إشارة إلى قوله: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ).
ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، كأنه ناطق بالحكمة وفاعل لها، لا لاقتضائه إياها.
وقوله: (ذلك): مبتدأ، و (نتلوه): خبره، وقيل: ذلك تقديره:
الذي، و (نتلوه): صلته، والخبر قوله (من الآيات)
стр. 801
وتلاوته: إنزاله، ويجوز أن تُجعل تلاوة جبريل والنبي ﷺ وأوليائه تلاوة لمّا كان بأمره، فأفعال أوليائه قد تنسب إليه، كقوله
: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).
وقوله في موضع آخر: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ).
قوله : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)
لما ذكر تعالى مكان عيسى من الفضيلة، وما آتاه من المنزلة.
كَذَّبَ النصارى فيما ادعوه من بنوته،
стр. 802
وبيّن كيفية خلقه من غير ذكر.
إن قيل: كيف يكون عيسى مثل آدم وآدم لم يضمّه رحِم؟
قيل: إن ذلك تكذيب للنصارى فيما ادعوه.
وذلك أن أهل نجران قالوا: ما رأينا ابناً بلا أب؟
فأنزل الله ذلك تبيينا: أن ليس أمر عيسى بأعجب من أمر آدم.
إذ هو لم يُخْلق من ذكر ولا أنثى وعلى نحوه دلّ قوله:
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ).
إن قيل: لِمَ قال: (عِنْدَ اللَّهِ). أهو يشبهه عند الله دون غيره؟
قيل: عنى بقوله: (عِنْدَ اللَّهِ). في حكمه، وأن ذلك لا يشق عليه كما
لم يشق عليه أن خلق آدم من غير أبوين.
إن قيل: ما معنى قوله:
стр. 803
(كُنْ) بعد أن خلقه من تراب؟
قيل: معناه كن إنسانا حيّا ناطقا، وهو لم يكن كذلك، بل كان دهرًا جسدًا ملقى لا روح فيه.
على ما رُوي في الخبر، ثم جُعل فيه الروح، وجعل كن عبارة
стр. 804
عن إيجاد الصورة التي بها صار الإِنسان إنسانا، وعلى هذا
قال: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
فالمقول له الجسد، وقد تقدم الكلام في كن.
إن قيل: لِمَ قال: (فيكون) ولم يقل فكان؟
قيل: يكون عبارة عن حال كونه، وحكاية الحال هكذا يُخرجُ نحو قولهم: فلان قال أمس كذا فيُفعل به كذا.
إن قيل: لِمَ رُفِعَ يكون ولم يُنصب على جواب الأمر؟
قيل: جواب الأمر يجب أن يكون غيره، نحو: ائتني
стр. 805
فأكرمك، وتقديره: ائتني فإنك إن تأتني أكرمك، ولو جُعل
فيكون جواباً لكان، تقديره كن، فإنك إن تكن تكن، وهذا لا
يصح؛ لأن معنى الجواب معنى الشرط، وإذا رُفِعَ فتقديره: فهو يكون.
قوله : (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
الامتراء: استخراج الرأي للشك العارض، ويُجعل عبارة عن
الشك، وإنما قال: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ولم يقل ممترياً.
ليكون فيه ذم من شك في عيسى.
وقوله (الْحَقُّ) خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره (مِنْ رَبِّكَ).
ونبّه أن الحق في
стр. 806
ذلك، بل في الأمور كلها ما يكون مصدره من الله تعالى.
وقوله: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) وإن كان خطابا للنبي ﷺ فالمقصد به عام.
قوله : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)
أصل البهل: ترك الشيء غير مراعى، من قولهم بهلْتُ الناقة: تركتها
بلا صرار.
واللعن: الطرد، وقد يستعمل البهل بمعنى
стр. 807
اللعن، وقد تقدّم أن لعن الله قد يكون بمنع التوفيق عن
الكافر وتركه وشؤمه، وهذا نهاية الخذلان.
وتَعَالَ: قال أهل اللغة أصله أن يدعو إلى - مكان رفيع.
ثم جُعِلَ عامًّا في الدعاء إلى كل مكان.
والأولى أنه دعاء الإِنسان إلا ما فيه علو منزلة:
إما على الحقيقة، وإما على سبيل الفضول، كقولهم:
هلّم إلى السعادة.
وقوله: (حاجّك فيه) أي في كون عيسى عند الله كآدم.
وقيل في قوله: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).
стр. 808
وكلا القولين واحد في التحقيق، لأن كليهما في
أمر عيسى، والآية نزلت في نصارى نجران، إذ عارضوا النبي
ﷺ في أمر عيسى ﵊.
ويقال: لما نزلت أخذ النبي ﷺ بيد الحسن والحسين
стр. 809
وعلي وفاطمة. ثم دعا النصارى إلى المباهلة فأحجموا.
وقال بعضهم لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارًا.
فلم يبق نصراني ولا نصرانية.
وقال بعضهم: وفي هذا إشارة إلى
стр. 810
ظهور بطلان الدعاوى الكاذبة عند أهل الحقائق.
قوله : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)
أي أن ما قصّ الله عليكم من أمر عيسى هو الحق، وأن المستحق لعبادته هو الله، لا إله غيره، وأن لا عزّة ولا عزّ ولا حُكم ولا حِكمة إلا له تعالى في الحقيقة، فهو الذي لا تلحقه ذِلّة ولا تعتريه جهالة، وكل من حصل له شيء
من العزّ والحكم فمنه مستفاد.
والقصص: كل خبر مقتطع
следующие страницы →