← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ذلك، بل في الأمور كلها ما يكون مصدره من الله تعالى. وقوله: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) وإن كان خطابا للنبي ﷺ فالمقصد به عام. قوله : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) أصل البهل: ترك الشيء غير مراعى، من قولهم بهلْتُ الناقة: تركتها بلا صرار. واللعن: الطرد، وقد يستعمل البهل بمعنى

стр. 807

اللعن، وقد تقدّم أن لعن الله قد يكون بمنع التوفيق عن الكافر وتركه وشؤمه، وهذا نهاية الخذلان. وتَعَالَ: قال أهل اللغة أصله أن يدعو إلى - مكان رفيع. ثم جُعِلَ عامًّا في الدعاء إلى كل مكان. والأولى أنه دعاء الإِنسان إلا ما فيه علو منزلة: إما على الحقيقة، وإما على سبيل الفضول، كقولهم: هلّم إلى السعادة. وقوله: (حاجّك فيه) أي في كون عيسى عند الله كآدم. وقيل في قوله: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).

стр. 808

وكلا القولين واحد في التحقيق، لأن كليهما في أمر عيسى، والآية نزلت في نصارى نجران، إذ عارضوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﵊. ويقال: لما نزلت أخذ النبي ﷺ بيد الحسن والحسين

стр. 809

وعلي وفاطمة. ثم دعا النصارى إلى المباهلة فأحجموا. وقال بعضهم لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارًا. فلم يبق نصراني ولا نصرانية. وقال بعضهم: وفي هذا إشارة إلى

стр. 810

ظهور بطلان الدعاوى الكاذبة عند أهل الحقائق. قوله : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) أي أن ما قصّ الله عليكم من أمر عيسى هو الحق، وأن المستحق لعبادته هو الله، لا إله غيره، وأن لا عزّة ولا عزّ ولا حُكم ولا حِكمة إلا له تعالى في الحقيقة، فهو الذي لا تلحقه ذِلّة ولا تعتريه جهالة، وكل من حصل له شيء من العزّ والحكم فمنه مستفاد. والقصص: كل خبر مقتطع

стр. 811

على وجهته من قولهم: قصصت أثره، وقصصتُ الظفر. وهو اسم للمقصوص: كالقبض والنقص، للمقبوض والمنقوص. وظاهر قوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) أبلغ من قولنا: وما إله، لاستغراقه، ولا يصح جرّ لفظ الله على البدل من إله، لأن من هذه لا تدخل إلا على كل نكرة غير موجبة، فإذن لا يكون إلا رفعاَ رداً على موضع (مِنْ إِلَهٍ)، وأعاد ذكر الله ظاهراً على

стр. 812

طريق التعظيم، وخص (الْعَزِيزُ) تنبيهاً أنه تعالى مستغن عن التكثر بالولد على ما تقدم، وفيه تنبيه أنه أظهر عزته عما ينسب إليه من الولد بما قدمه من الحجة، وأنه حكيم لا يفعل ما ينافي حكمته، واتخاذ الولد مما ينافي حكمته. قوله : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) أي إن أعرضوا عن الإِصغاء إلى الحق والتزامه، وعن الإِجابة إلى المباهلة، فإن حالهم في كونهم مفسدين ظاهرة، وعقوبتهم واجبة، فهو تعالى معاقبهم. قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) قال محمد بن جعفر والحسن والسدّي: عنى بأهل الكتاب هاهنا

стр. 813

نصارى نجران، وقال قتادة والربيع: عنىِ يهود المدينة. وقيل: عنى الفريقين، لقوله في ذمهما: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)

стр. 814

و (سَوَاءٍ) وسوى: وسط، ويعني به العدل. وقول الربيع وأبي العالية (كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) هي لا إله إلا الله، فصحيح، لأن أبلغ العدالة التوحيد، وهي

стр. 815

الكلمة التي يجب أن يتساوى الناس فيها، وفي أن يكونوا عابدين غير معبودين، بخلاف ما ادعته النصارى، ونبه بقوله: لا نشرك أن قولهم يقتضى الشرك، وإن كانوا منكرين أنهم مشركون، وموضع (أَلَّا نَعْبُدَ) خفض بدل من كلمةِ، أو رفع على أنه خبر ابتداء مضمر، كأنه قيل: وهي ألا نعبد، ولو رُفع سواء، نحو قوله (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) جاز

стр. 816

وكذلك يجوز رفع (أَلَّا نَعْبُدَ) على معنى: أنه لا نعبد. وقال بعض الصوفية: نبهّنا الله تعالى بهذه الآية على طريق التعبد، وأن لا نقصد بسرنا سواه عند عبادته، ولا نفزع في شيء من الحاجات إلى غيره، فنكون كمن وصفه النبي ﷺ "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم ". إن قيل: فأي حجة في قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا) قيل: إنه تعالى أدبنا بأن المعاند متى لزمته الحجة وبانت له المحجة فليس إلا التقضي منه وترك

стр. 817

محجته وملاحاته. إن قيل: كيف قال: (وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) وكلاهما أفاد ما أفاد قوله (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ)؟ قيل: ليس كذلك، فإن الشرك بالله قد يكون في غير العبادة. ألا ترى أن النبي ﷺ قال:

стр. 818

"الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء". من ذلك قول القائل: لولا الديك لأتانا اللص. وقال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ). وقوله: (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). فقد شرط من دون الله

стр. 819

وهنا هو الكفر، فأما المملوك إذا اتخذ صاحبه ربًّا لا أنه معبود فليس بمنهي عنه. قوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) قال ابن عباس والحسن والسدي: اجتمع أحبار اليهود ونصارى نجران عند رسول الله ﷺ فتنازعوا في إبراهيم. فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديَّا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيَّا، - فأبطل الله دعواهما، وبيّن أن ذلك محال، لأن المتقدم لا يكون

стр. 820

منسوباً إلى المتأخّر ومقتدياً به. إن قيل: فإن اليهود والنصارى لم يدّعوا أكثر من أن شريعتنا مساوية لشريعة إبراهيم، وهذا قد ادعاه المسلمون، فإن أمكننا أن نلزمهم. ذلك أمكنهم أن يعارضوا بمثله؟ قيل: إنّا لم ندّع أن إبراهيم منسوب في الشريعة إلى محمد ﷺ كما ادعوه، وإنما قلنا كان حنيفا مسلما، والحنيف المستقيم والمائل إلى الحق، والمسلم المطيع والمستسلم للحق، وهذا من الأسماء التي يتخصص بها كل ذي حق، ولهذا قال:

стр. 821

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، واليهود منسوب إلى يهودا. والنصارى إلى ناصرة، وهما نسبتان حصلتا بعد إبراهيم. فكذبوا في نسبته إليهما، ثم المسلمون موافقون لإِبراهيم في كثير من الأحكام: كحج البيت، والختان، والمضمضة وغير ذلك. وهم يخالفونه في أكثر ذلك، وأيضا فقد ورد في القرآن أن شريعتنا

стр. 822

موافقة لشريعته فيما حكى، وهذا ظاهر، ونبّه بقوله (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أن ما يقولونه ويفعلونه بخلاف مقتضى العقل. وأن العقل يزجر عن اتباع دعوى بلا حجة. قوله : (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) ها للتنبيه عمّا يضلّ عنه الإِنسان أو يغفل، تقول ها أنا ذا. تنبيهاً لمن غفل عنك. فإن قيل: فهب أن الإِنسان يغفل عن غيره، فكيف يغفل عن نفسمه، حتى يقال: ها أنتم؟ قيل: فليس حقيقة (هَا أَنْتُمْ) تنبيه المخاطب على وجود ذاته، وإنما هو تنبيه على أحواله التي غفل عنها، فالإِنسان قد يغفل عن كثير من معايبه لشغفه بنفسه، فيحتاج أن ينبّه عليه، ولهذا لا يقتصر علي قوله:

стр. 823

(هَا أَنْتُمْ) حتى يُضم إليه حالة ما، مما غفلواْ عنه، وفي الآية تنبيه على حالة غفلوا عنها، وهي أنهم حاجوا فيما لا علم لهم به. ولم ترد به التوراة والإنجيل، فيقول: هب أنكم تحتجون فيما ورد به كتب الله المتقدمة فلِمَ تحتجون فيما ليس كذلك؟ ونبَّه أن المحاجة إعلام الحجة، ومن لا يعرفها فكيف يُعَرّفُها؟ وفي قوله (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) استدعاء لأن يسمعوا، كقولك لمن أخبرته بشيء لا يعلمه: اسمع فإني أعلم ما لا تعلم، و (هَؤُلَاءِ) هاهنا جار مجرى الذين و (حَاجَجْتُمْ) صلته. وقيل: بل هو تابع لأنتم جار مجرى عطف البيان، و (حَاجَجْتُمْ) هو الخبر، والمعنى لا يتغير باختلاف التقديرين. قوله : (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) أنكر الله عليهم محاجتهم في

стр. 824

إبراهيم، واستجهلهم فيما ادعوه، وأنه كان على إحدى الملتين اليهودية والنصرانية، وبتّ الحكم على كونه حنيفاً مسلماً على ما تقدم، ثم بيّن أنه لم يكن من المشركين؛ تنبيها أن اليهود والنصارى فيما ابتدعوه وادعوه مشركون .. قوله (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) قد تقدم معنى الولاية والاتباع، وأنه تارة يكون بالسنن وتارة يكون بالاعتقاد. وهذا الثاني هو المراد، ومعنى الآية أن أصدق الناس موالاة لإِبراهيم من تبعه في اعتقاده وأفعاله، وهذا النبي والذين آمنوا هم المتبعون له، فإذن هم أحق به، فعلى قوله: (وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)

стр. 825

مبتدأ محذوف الخبر، وقيل: عنى بقوله الذين اتبعوه: المتبعون له في زمانه، وقوله: (وَهَذَا النَّبِيُّ) معطوف عليه. إن قيل: لِمَ أفرد ذكر النبي ﷺ عن المؤمنين؟ قيل: لأنه هو المقصود بالولاية، والمؤمنون غير الذين آمنوا وهم تابعوه، ويجوز أن يُجعل المؤمنون عاماً، ويكون إفراد النبي ﷺ تعظيما له كإفراد جبريل وميكائيل عن الملائكة، وقدم ذكره تشريفا له، كقوله:

стр. 826

(وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ) فقدم ذكرهما، وإن كانا من جملة النبيين، وإنما قال: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل: وليهم. تنبيها أن موالاة الله تعالى تُستحق بالإِيمان، وأنها ليست بمقصورة على من تقدم ذكرهم، بل ذلك لكل مؤمن في كل وقت. والولي هاهنا يُحتَمَلُ على وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى الفاعل. ولما ذكر حال إبراهيم ومشاحّة الناس في الانتساب إليه نبّه بقوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أنّ إبراهيم استحق منزلته. والثاني: أن يكون بمعنى الموالىَ، أي المؤمنون هم الذين يوالون الله. فأما الكفار فيوالون الشيطان، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ).

стр. 827

قوله : (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) الطائفة: جمع طائف وهو الذي يطوف، وذلك اعتبارا بطوافهم بالبيت وغيره من متعبدْاتهم، ولطوافهم في أسفارهم، ثم سُمي كل جمع طائفة. طافوا أو لم يطوفوا، كتسميتهم بالرفقة، ترافقوا أو لم يترافقوا. والإِضلال: فعل ما يحصل عنده الضلال، ويقال ذلك له لقَصْدِ الفاعل ذلك أولاً، لأنه يقال مفازة مضلة، كما يقال: أضلني فضللت، ويقال: أضله، سواء فعل ذلك بِدعًا أو بغيره، كما يقال: أضله الشيطان، قال تعالى حكاية عنه:

стр. 828

(وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) لكن الإضلال متى كان معه الضلال لا يصح أن يُنفى، فيقال: ما أضل المؤمن، ويقال تارة الشيطان، وإذا لم يكن معه الضلال صح النفي فيه والإثبات جميعا، ويقال تارة: الشيطان أضلّ المؤمن ولم يضل. والود ضرب من المحبة، ويستعمل في معنى التمني، فمتى قُصدَ به التمني استُعمل معه: أن، وتارة: لو، يقول: وددت

стр. 829

لو خرجت، ولا يجوز إدخال لو فيه إذا أُريد معه المحبة. وإذا كان بمعنى المحبة يتعلق بالأزمنة الثلاثة، وإذا كان للتمني فليس إلا للاستقبال. بيَّن تعالى أن طائفة من اليهود والنصارى يتمنون أن يفعلوا ما يؤدي المسلمين إلى ضلالهم وهلاكهم، وكل ما يفعلونه يؤديهم إلى هلاك أنفسهم، ثم بيَّن أنهم لا يشعرون

стр. 830

أنهم يضلون أنفسهم، وإنما قال: (لَا يَشْعُرُونَ) مبالغة في ذمهم، وأنهم افتقدوا المنفعة بحواسهم، كقوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) وقول من قال: الآية تدل على أن المعارف مكتسبة بقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ)، فبعيد عن تصور الفرق بين قولهم: يشعر ويعلم، ورُوي في سبب نزول هذه الآية: أن قوما من اليهود دعوا عمار بن ياسر

стр. 831

وحذيفة بن اليمان إلى اليهودية. قوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) الشهادة: الإخبار بالشيء عن مشاهدة: إما ببصر. أو ببصيرة، ثم يُعبر بها عن المعرفة القتضية لصحة ما يدعي، وإن كان المدعى عليه منكرا بلسانه كقولك لخصمك: أنت تشهد أن الأمر بخلاف ما تذكره. فقوله: (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) منهم من خص، فقال: عنى بذلك الآيات المنزلة على محمد ﷺ -

стр. 832

ومنهم من قال: عنى الآيات التي تدل من الكتابين على صحة نبوة محمد ﷺ (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) يعني شهادة بالقلب دون اللسان، أو عنى ما يكون من شهادتهم (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ). وقيل: معناه: وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب: لم تلبسون الحق بالباطل، تنبيها أنهم يفعلون ذلك حماية على رياستهم وعصبية لملّتهم، لا جهلًا بالحق، بل هم يعلمون.

стр. 833

قوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) . لبس الحق بالبطل على ثلاثة أوجه: الأول: أن يُحرِّف الحق، فيُجعل في صورة الباطل. والثاني: أن يُزين الباطل، فيُجعل في صورة الحق. الثالث: أن لا يُميّز أحدهما عن الآخر مع الإمكان. وقد فُسّرت الآية على الأوجه الثلاثة. قال الحسن وابن زيد: هو تحريف التوراة والإنجيل،

стр. 834

وقال بعضهم: هو الكفر بمحمد ﷺ مع المعرفة بصدقه، وقيل: هو ما ذكره تعالى من بعدُ في قول بعضهم لبعض (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ). وأما كتمانهم الحق فما كتموه من صفات النبي ﷺ التي دَلّ عليها إشارات التوراة والإِنجيل، وقد نهى النبي ﷺ عن كتمان العلم بقوله:

стр. 835

"من سُئل عن علم فكتمه. . . " الخبر، وعنى بالآية كتمانه مع وجوب إظهاره: فأما صيانة الحكمة عمن لا يستحقها؛ إما لقصوره عن الوقوف عليها، أو خوفاً أن يجعلها ذريعة إلى فساد، فذلك واجب. وقوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي تعرفون الحق

стр. 836

الذي تكتمونه، والتلبيس الذي تاتونه. إن قيل: لِمَ قال هاهنا: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقال فيما قبله: (وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؟ قيل: الذي نفى عنهم ما ادعوه من كون إبراهيم يهوديّا أو نصرانيا. وليس ذلك في كتابهم. وما أثبت لهم هاهنا وقفوا عليه من كتابهم من أمر النبي ﷺ فجحدوه، وهذا غاية الذم، إذ جحدوا ما علموا، وادعوا ما جهلوا.

стр. 837

قوله : (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) الوجه: أصله الجارحة، ولما كان هو أول ما يستقبلك، وأشرف ما في البدن، تارة يُستعملُ في أشرف الشيء، فيقال: هذا وجه كذا، وتارة في مبدئه، نحو: وجه النهار. وقوله: (آمِنُوا) أي أظهروا الإِيمان، وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) أي آمنوا بمحمد ﷺ . والطائفة التي قالت ذلك قال قتادة والربيع: هم اليهود بعضهم لبعض،

стр. 838

وقال الحسن: يهود خيبر، قالوا: ليهود المدينة فخصص. ومعنى الآية قيل: إن النبي ﷺ صلى صلاة الفجر إلى بيت المقدس، ثم نسخ الله ذلك في آخر النهار، فقال: آمنوا بصلاتهم وجه النهار إلى بيت المقدس، واكفروا بصلاتهم في آخر النهار إلى الكعبة، لعلهم يتركون إذا رأوا التواءكم عليهم، وعبَّر عما فعله المسلمون بالإِنزال إليهم. لا أنهم أقروا بأن ذلك منزل، ولكن على حسب ما قاله المسلمون واعتقدوه. وقيل: ليس القصد في الحقيقة إلى صدر النهار وآخره. بل لما عجزوا عن صرف المؤمنين عن موافقة النبي ﷺ مكاشفة، قالوا: إذاً مروهم بأن يساعدوهم مرة ويخالفوهم مرّة؛ ليحتالوا على صرفهم عن اتباعه بذلك، فحذّر الله المؤمنين منهم

стр. 839

ليحترزوا. ومنهم من حمل وجه النهار وآخره على مجاز آخر، فقال: معناه آمنوا في الظاهر، واكفروا به في الحقيقة. وذلك هو المُعبر عنه بقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) الآية. وقيل: فيه وجه رابع، وهو أن علماء اليهود وكانوا قد حدّثوا قبل بعثة النبي ﷺ بأخبار له وُجِدَت على ما أَخبروا به، ثم لما رأوا رياستهم تبطل به ندموا، فقال بعضهم لبعض: قد أخبرنا اليهود بما أخبرنا، فإن كذبّناه دفعة اتهمونا، ولكن نؤمن ببعض، ونكفر

стр. 840

ببعض، أي نوهمهم أولا أنا نظنّه صادقا ثم يكذبونه، فهذا معنى (آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ). ولإِظهارهم الإيمان طورًا والكفر طورًا، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) الآية. قوله تعالى: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) في قوله (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ) قولان: أحدهما: أن يتصل بقو له: (وَلَا تُؤمنُو).

стр. 841

والثاني: أن يتصل بقوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى) فإذا جعلته متصلًا بقوله: (وَلَا تُؤْمِنُوا) فتقديره: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد، لكن حُذف الجار لكثرة حذفه مع أن. إن قيل: كيف يصح أن يكون (تُؤْمِنُوا) مفعوله (أَنْ يُؤْتَى) وقد عُدي إلى قوله: (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) و (ءَامَنَ) لا يصح أن يُعدى إلى مفعولين بغير حرف العطف؟

стр. 842

قيل: إنّ اللّام تتعلق به، لا على حدّ المفعول به، وتقدير الكلام: لا تُقرُّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع. وقول من قال: اللام زائدة نحو (رَدِفَ لَكُم) فبعيد، لأن آمن هنا لا يتعدى إلا بالجار. وفي قوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) على هذا

стр. 843

قولان: أحدهما: لا تُقِرُّوا أن أحداً عرف محمّدًا كما قد عرفتموه. والثاني: أن خُصّ أحدٌ من العلوم والكراما) بمثل ما خُصصتم. وقوله (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) أي أو أن يجعل الله للمسلمين حُجةً يحاجونكم بها عند الله، فأكذبهم الله تعالى في الأمرين جميعاً وردّ عليهم. أما في الأول فبقوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) تنبيهاً أن ذلك يعطيه من يشاء، نحو (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). أمّا في الثاني، وهو قوله: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) فبقوله: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ). فقوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى) اعتراضٌ بين بعض الجملة وبعضها. تسديدا لها وجواباً لهم، وكذلك قوله: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ)

стр. 844

جواب لهم. والاعتراضُ بين المتصلين من الجملة بما فيه تحقيق لمقتضاها، أو رد لها من بلاغاتِ كلامهم، وعلى ذلك قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ) فقوله: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) فصل بين اسم إن وخبره، لتحقيق مقتضى الكلام. والثاني: وهو أن يجعل أن متصلًا بقوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ)، ويكون كلام اليهود قد انقطع عند قوله: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ).

стр. 845

وفيه أوجه، الأول: ما قاله الكسائي والفرّاء وهو: أنَّ أنْ هاهنا تقتضي معنى لا، كما تقتضيه في قوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) ومعناه: البيان بيان الله، وقد بين أن لا يُخَصُّ أحدٌ من الأمم بمثل ماخُصِصْتم به أيها المؤمنون،
следующие страницы →