Полный текст (2 001 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
تقدير أن، ومعنى (تَعْلَمُون الكتابَ) أي تعرفونه كقوله:
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ).
وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ).
وإذا قرئ (تُعَلِّمُونَ) فمعناه تعلمون الناس الكتاب، وقوله: (وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) مما يصح أن يوصف به العلم والمعلم، ومعنى (بِمَا كُنْتُمْ) أي كونوا معلمي
стр. 877
الخير بما علمتم، أوكونوا حكماء علماء عاملين بما علمتم.
فإن الحكيم في الحقيقة من عمل بما علم، وكان محكماً لعمله
إحكامه لعلمه.
وإذا قرئ (بِمَا كُنْتُمْ تَعَلَمُونَ) فمعناه كونوا
عاملين بما تعلِّمون غيركم إشارة إلى فحوى قوله:
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ).
قوله : (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
(وَلَا يَأْمُرَكُمْ) قرئ مرفوعاً على الاستئناف، ومنصوبا على رده إلى قوله: (أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ).
وفي قراءة عبد الله: "ولن يأمركم".
وقوله: (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
стр. 878
أي بعد أن كنتم على دين إبراهيم، أو بعد أن تبعتم النبي فيما
دعاكم إليه، وهذا كلام يقتضي قياسا بيانه: النبي لا يأمر المسلمين
بالكفر، وهذه مقدمة دل عليها قوله: (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ).
لأن هذا الإنكار يقتضي أبلغ نفي والأمر باتخاذ النبيين والملائكة
أربابا أمرٌ با لكفر، فإذن لا يكون ذلك من الأنبياء.
стр. 879
قوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)
قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ) إذا قرئ بالفتح فلفظة ما تحتمل وجهين.
أحدهما: أن تكون موصولاً وتقديره: ما أتيتكموه، كقوله: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) أي بعثه الله، والراجع إليه من قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) أحد شيئين: إما محذوف، أي جاءكم
رسول به، وإما لأن قوله: (لِمَا مَعَكُمْ) هو في المعنى: الكتاب
стр. 880
فاستغنى به عن الضمير، كقولك: الذي أتاني لا أضرب عمرا.
إذا كان عمرو هو الذي أتاه، وهذا أجازه الأخفش، وعليه
حمل قوله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
أي لا يضيع أجرهم، وجاز ذلك لما كان من يتقي ويصبر هم المحسنون. والوجه الثاني: أن تكون ما للجزاء وتكون مفعولا من (آتَيْتُكُمْ)، و (جَاءَكُمْ) في موضع الجزم معطوف عليه، واللام الداخلة على (ما) هي الموطئة للقسم،
стр. 881
والتي في (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) للقسم كاللامين في قوله تعالى:
(وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي)، وعلى هذا حمل سيبويه
الآية، وقال: وسألته - يعني الخليل - عن قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ)
فقال ما هاهنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على
إنْ حين قلت: لئن فعلت لأفعلن. وعنى بقوله: إن ما بمنزلة
الذي، أنه اسم لا حرف، كما هو حرف في قوله: (لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ولم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما لم يجعله
كالذي لعدم الضمير الراجع إليه في قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ)
стр. 882
فإن قيل: فمن جعل ما موصولاً في قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) وجب أن يكون ابتداء، فما خبره؟
قيل: خبره (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ)، والضمير في (بِهِ) هو راجع
إلى ما، وفي قو له. (وَلَتَنْصُرُنَّهُ) إلى الر سول، ولا يجوز أن يرجع
في قوله (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) إلى الرسول أيضاً، لأنه يبقى المبتدأ بلا
عائد إليه، فأما من جعل (ما) جرًّا فلا يحتاج إلا ضمير، لأنه حينئذٍ
مفعول، والمفعول لا يحتاج إلى ضمير يرجع إليه، وأما من قرأ
"لمِا أتيتكم" بالكسر فمعناه: أخذ الله الميثاق منهم لأجل الذي
آتيتكم، وما لا تكون هاهنا إلا موصولة، والكلام في رجوع
الضمير إليه قد تقدم وقُرى "لمّا آتيتكم" أي أخذ الله ميثاق
стр. 883
النبيين حين آتيتكم الكتاب، ثم جاءكم رسول، ولما ذُكر حكى
لفظ الميثاق المأخوذ عليهم أي، قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) إلى قوله: (مِنَ الشَّاهِدِينَ).
واختلف فيمن أخذ عليه الميثاق، فقال بعضهم: أخذ من الذين منهم الأنبياء، وتقدير الكلام أخذ الله ميثاق أمم النبيين.
ورُوي أن الربيع قرأ "وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب.
وقال: هكذا أنزل وأخطأ الكاتب، ألا ترى أنه قال: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ)،
стр. 884
وحُكي أنه هكذا في قراءة ابن مسعود، وقال بعضهم: أخذ
ميثاق النبيين أن يُبشر المتقدم بالمتأخر، ويُصدق المتأخرُ
стр. 885
المتقدم، وأن يخبروا كلهم بكون محمد خاتم النبيين.
قال السدي: ما بُعث نبي من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه لتؤمنن بمحمد
إن خرج وهو حي، وفي هذا تنبيه أن كل زمان بالشريعة التي
خصه الله بها أولى، ولهذا قال النبي ﷺ :
"لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي ".
والصحيح أن العهد مأخوذ من الفريقين من الرسل والمرسل إليهم، لكن خص الأنبياء بالذكر لكونهم الرؤوس وكون الأمة تبعًا لهم، وكذلك خص النبي في كثير من المخاطبة التي تشاركه فيها أمته نحو (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ)،
стр. 886
ولأنه إذا أخذ الميثاق على الأنبياء فقد أخذ على أممهم لمشاركتهم
أنبياءهم في عامة ما شرع لهم، وأما كيفية أخذ هذا العهد، فقد
قيل: كان ذلك بقول وأمرٍ من الله للأنبياء بأن يخبروا قومهم
بذلك، وقد قيل: إن ذلك بما ضمنه عقولهم أن الحق حيث ما وجد
يجب أن يتبع، ولما أخبر الله تعالى في الآية المتقدمة أن ليس لأحد
ما ادعاه من قوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ)
ذكر هاهنا أنه تعالى لم يخلِ الأنبياء مع كونهم مأمونين
على الغيب من أخذ ميثاقهم بمظاهرة البعض البعض.
وقوله: (فَاشْهَدُوا) قيل معناه اعلموا، فإن الشهادة وقت التحمل هو
العلم، ووقت الإِقامة هو الإِخبار، وقوله: (وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)
على حد ما تقدم في قوله: (شَهِدَ اللَّهُ).
стр. 887
قوله : (فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)
لما كان الفسق هو الخروج عن أمر الله وطاعته، وكان بين أدنى
منزلة وبين أقصاها بون بعيد صار له منازل كثيرة، فيطلق تارة
على الذنب الصغير، نحو قوله: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)، وتارة على الكفر والشرك، نحو
(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا)، وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ)، وعلى هذا استعمال الفاسقين هاهنا).
ودخول الفاء في قوله فاولئك لتضمن (مَن) معنى الشرط.
قوله : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
حمل (أَسْلَمَ) على الاستسلام وعلى الاعتقاد والإِقرار باللسان،
стр. 888
والتزام الأحكام، وقيل في ذلك أقوال:
الأول: له أسلم من في السموات طوعاً، وهو أن علمهم بوحدانية الله وصفاته ضرورة لا استدلال، وعامّة أهل الأرض كرهاً بمعنى أن الحجة
أكرهتهم وألجأتهم كقولك: الدلالة أكرهتني على القول بهذه
المسائل، وليس هذا من الكره المذموم.
الثاني: أسلم المؤمنون له طوعاً، والكافرون كرها، إذ لم يقدروا على أن يمتنعوا عليه مما يريده بهم، ويقضيه عليهم.
الثالث: عن قتادة: أسلم المؤمنون له طوعاً في حال الصحة والأمن، والكافرون كرهاً عند الموت،
стр. 889
حيث قال: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا).
الرابع: عنى بالكره من قوتل، وأُلجى إلى أن يؤمن.
الخامس: عن أبي العالية ومجاهد أن كلَّا أقرَّ بخلقه إياهم، وإن أشركوا
معه، لقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
السادس: عن ابن عباس: أسلموا باحوالهم الناطقة جميهم.
وذلك في الذرْء الأول)، حين قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)
стр. 890
وقيل: معنى ذلك دلائلهم التي فطروا عليها، التي هي العقل
والتمييز المقتضيان لإِسلامهم طوعا أو كرها، وإلى هذا أشار
بقوله: (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
السابع: عن بعض الصوفية أن من أسلم طوعا هو من طالع المثيب والمعاقب دون الثواب والعقاب، فأسلم رغبة ورهبة، ونحو هذه الآية
قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)
وفي هذه الآية حجة بينة أن طاعة الله هي التي يجب أن تكون المبتغى والمطلوب،
стр. 891
لأن كل ما سواه مما يتقرب إليه، فقد أسلم لله طوعاً أو كرهاً.
قوله : (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)
قد تقدم القول في ذلك في سورة البقرة إلا أنه
يقال: كيف قال هاهنا: (قُل) وهناك: (قُولُوَا)، وذكر هاهنا
(عَلَيْنَا) وثَمَّ (إِلينَا)، وذكر هناك (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ).
وترك ما أوتى هاهنا؟
والجواب: أن (قل) هاهنا خطاب للنبي ﷺ بأن يعتقد ذلك ويبلّغ قومه، وهناك خطاب للأمة أن يعتقدوا
وليس يأمرهم أن يبلغوا، وإنما قال هاهنا (عَلى) لأن ذلك لما
كان خطاباً للنبي ﷺ وكان واصلًا إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية، كان لفظ على المختص بالعلوّ أولى به، وهناك لما كان
خطاباً للأمة، وقد وصل إليهم بوساطة النبي ﷺ كان لفظ إلى المختص بالإِيصال أولى، ويجوز أن يقال: أُنزل عليه إنما يحُمل
стр. 892
على ما أُمر المنزَّلُ عليه أن يبلّغ غيره، وأُنزل إليه على ما خُصّ به
في نفسه، وإليه نهاية الإِنزال وعلى ذلك قال: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)، وقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فخُصّ بإلى هاهنا لما كان مخصوصاً بالذكر الذي هو بيانُ المنزل، وهذا كلام أي الأولى، لا في الوجوب، وأما إعادة لفظ (ما أوتي) هناك فلأنه لما كان لفظ الخطاب عاماً، ومن حُكْم خطاب العامة البسط دون الإِيجاز
بسط اللفظ، ولما كان الخطاب هاهنا خاضًا للنبي ﷺ على ما قدمنا اكتفى فيه بالإِيجاز.
وإن قيل: إذا كان ذلك أمراً للنبي ﷺ أن
يقوله، فكيف قال: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)؟
قيل: إنما ذكر ذلك تنبيهاً أن أمته غير منفردين عنه في هذا الاعتقاد، وغير مكروه لهم أن يبلّغوا ذلك تبليغ النبي ﷺ
فكيف فسح لهم التبجح بذلك مع كون التبجح مذموماً؟
قيل: التبجح هو إظهار الإِنسان
стр. 893
ما يتطلب به رفعةَ عند الناس، وليس هذا من ذلك، بل هو
إظهار التحمد المندوب إليه بقوله (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
وإظهار مباينة الكفار بالاعترافِ بالإِسلام، وقصد أن الاستسلام
في الإِيمان بهم هو في الحقيقة لله تعالى لا لغيره.
قوله : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)
في الآية قولان: أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله.
وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان
ومن كل أمة وفي كل شريعة، وقدْ
стр. 894
تقدم أن الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي
ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبيّن تعالى أن من تحرى
طاعة وانسياقاً إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به.
ويصرفه فيه فلن يقبل منه دنيء من أعماله، وهو في الآخرة من
الذين خسروا أنفسهم.
والثاني: أن المراد بالإِسلام شريعة محمد عليه الصلاة والمسلام، فبيّن أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه، وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من
صحّت نبوته وظهر صدقه.
قوله : (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)
стр. 895
هذه الآية واللتان بعدها، قيل: نزلت في رجل ارتد.
ثم أرسل إلى قومه: اسالوا النبي ﷺ هل لي من توبة؟ فأنزل
الله تعالى ذلك، فعاد إلى الإِسلام وحسن إسلامه.
وقيل: نزلت في اليهود، الذين اعترفوا بنبوة محمد ﷺ قبل بعثته، ثم أنكروه بعدها، فعلى هذا قوله: (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) أي
стр. 896
جحدوا بعد معرفتهم، لا أنهم ارتدوا بعد دخولهم في الإِسلام.
وقد تقدّم أن الهداية من الله على أضرب: الهداية التي عمَّ
بها كل مكلّف، وهو إعطاؤه العقل المميّز بين الخير والشر وبين
الصدق والكذب، وهي المعني بقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).
والثاني: "زيادة الهدى التي تأتي بقدر استعمال الأول العنيّ بقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)
стр. 897
والثالث: التزكية لأعمالهم أو توفيقه في أحوالهم.
وهو المعني بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)، والرابع: إدخال الجنّة المعني بقوله: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)
والله تعالى لا يؤتي هؤلاء شيئا من ذلك).
أما الثاني والثالث والرابع فلأنهم لا يستحقونه إذ لم يهتدوا بالأول.
وأما الأول فلأنهم قد أتاهم ما أمكنهم الاهتداء به.
ومن أُوتي من الهداية ما فيه من الكفاية فلم يهتد به،
стр. 898
٢٢٧١ ب
فالزيادة لا تغني ما لم تكن على سبيل القهر المنافي للتكليف.
ولذلك قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ) الآية.
ثم قال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تنبيهاً أن الهداية من الله.
والظلم من العبد، يتنافيان ولا يجتمعان.
فإن الظلم ترك الاهتداء، ومن يهُدى ويترك الاهتداء عناداً
لا سبيل إلى هدايته إلا قهراً.
وعلى هذا قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨).
إن قيل: كيف نفى عن الكافر الهداية في هذه المواضع.
وأثبت له في قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ)؟
قيل: المتْبت لهم هاهنا هو العقل والتمييز دون الأخرى، التي لا
تحصل إلا بعد الاهتداء بهذا، وهذه تارة تُثبت للكافر إذا
стр. 899
أريد أنه مطبوع عليها ومعرض لاستعماله إياها، وتارة تُنفى
عنه، بمعنى أنه لم يستعملها، ولم يحصل قبوله على ما يحب.
فكأنه في حكم ما لم يعط.
وقوله: (لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فهو على لفظ الاستقبال.
ومعناه لا يفعل به ذلك ثانياً، إذ قد أتاه ما فيه الكفاية.
ولفظ (كيف) وإن كان استفهام، فالقصد به
стр. 900
النفي هاهنا، وعلى هذا قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. ألا هل أخو عيشٍ لذيذٍ بدائم
فأدخل الباء في خبر هل لما أراد معنى ليس، إن قيل: على ماذا
عطف قوله: (وَشَهِدُوا) فإن ظاهره من حيث المعنى أنه معطوف
على قوله (بَعْدَ إِيمَانِهِمْ)، لا يصح عطف الفعل على الاسم.
ولا يصح أن يكون معطوفا على قوله: (يَهْدِي اللَّهُ)، لأنه لم
يرد كيف يهدي الله قوماً هكذا وكيف شهدوا أن الرسول حق؟
قيل: في ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون تقديره بعد إيمانهم
وإن شهدوا، فيكون أن مقدرا، كما هو في قول الشاعر:
стр. 901
للبس عباءة وتقرّ عيني. . .
إلا أن إضمار أن في البيت أظهر لانتصاب تقر.
والثاني: أن يكون (وَشَهِدُوا) في موضع الحال.
أي وقد شهدوا، نحو قوله: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
وقول الشا عر:
تقول وصكَّت نحرها بيمينها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وقوله: (أَنَ ألرَسُولَ حق) أي أنه سيبعث، وأنه منتظر.
стр. 902
قوله : (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)
قد تقدّم الكلام في ذلك في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)
إلا أنه بتَّ الحكم، ثَمَّ قال: (عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ)
لِمَا كان ذلك حكماً على قوم ماتوا على الكفر، وقال هاهنا:
(جَزَاؤُهُمْ) لما كان حكماً على قوم باقين يرجى صلاحهم تنبيهاً
على تضمُّن معنى الشرط، لأن ذلك لهم إن ماتوا على الكفر.
قوله : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
إن قيل: " لِمَ اقتصر هاهنا على التوبة والإِصلاح.
وقال في البقرة: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) أن
стр. 903
يُعَفِّي المذنب ما تقدّم من ذنبه بما يُوفَّى عليه من أفعاله الخير، وكان من
ذنب الأحبار الذين ذكرهم في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ)، أن قالوا للناس: ليس في التوراة ما يدل على نبوة محمد.
فصار من تمام توبتهم أن يبينوا للناس ما كتموه، ولما لم يكن في الموضعين
ها هنا ذلك اقتصر في توبتهم على الإِصلاح.
وإنما أتبع التوبة في
стр. 904
عامة المو اضع الإِصلاح، فإن التوبة راجعة في الأصل إلى الاعتقاد
والإِصلاح إلى الأعمال. وكلاهما مرادان، وعلى ذلك اتباع
عمل الصالحات بعد الإِيمان في كل موضع ذُكِرَا معا.
إن قيل: لِمَ قال ها هنا: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقال ثمَّ: (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) و؟ قيل: كل واحدة من الصفتين؛ أعني اَلتَوَّاب
стр. 905
والغفور يتضمَّن الأخرى، لكن التوّاب أخصّ والغفور
أعم، فذكر حيث ما ذكر أعظم الذنبينْ الضلال والإِضلال
التوّاب، وحيث ما ذكر أصغرهما - وهو الضلال دون الإِضلال -
ذكر الغفور.
إن قيل: لِمَ قال ههنا: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ولم يقل ثّمَّ؟
قيل: لما وصف ههنا قوما كان منهم إيمان متقدّم.
ثم حصل منهم كفر بعد إيمانهم، قال: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ليبيّن أن
الإِيمان المتقدم لا ينفعهم إذ قد أحبطوه وأبطلوه، وأن الذي
يُعتدُّ به هو ما يفعلونه من بعد،
стр. 906
ولما لم يكن ثم كفر بعد إيمان متقدم استغنى عن ذكر (بَعْدِ ذَلِكَ).
стр. 907
ودخول الفاء في قوله: (إِنَّ اللَّهَ) لتضمُّن الكلام معنى
الجزاء، كأنه قيل: إن تابوا وأصلحوا يُغْفرْ لهم.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)
стр. 908
قيل: معناه لن تُقبَل توبتهم بعد الموت.
وقيل: عند الموت والمعاينة، نحو (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ)
وقيل: توبتهبم المتقدمة فإن تلك أحبطها الكفر المتعقب.
وقيل: نزل في قوم ارتدوا.
سورة آل عمر ان، الآية: ٩٠.
وهذا مووي عن مجاهد انظر: زاد المسير (١ ٤١٩)، والبحر المحيط
(٢ ٥٤٢). وقد رذَ الطبري ذلك قاثلَا: "أنكرنا ذلك، لأن التوبة من
العبد غير كاثنة إلا في حال حياته، فأما بعد مماته فلا توبة). جامع البيان
(٦ ٥٨٣).
وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، وهو مووى عن مجاهد أيضا، انظر:
جامع البيان (٦ ٥٧٨، ٥٧٩)، والوسيط (١ ١ ٤٦)، ومعالم التنزيل
(٢ ٦٥)، ز زاد المسير (١ ٤١٩)، والبحر المحيط (٢ ٥٤٢)، وتفسير
القرآن العظيم لابن كثير (١ ٣٥٩)، وقد ردَّ ابن جرير الطبري هذا
القول أيضا مبئنا أنه لا خلاف في أن ك) افراَ لو أسلم قبل خروج نفسه
بطرفة عين، أن حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه والموارثة وساثر
الأحكام مما يدل على صحة إسلامه. جامع البيان (٦ ٥٨٣).
سورة النساء، الآية: ١٨.
وهذا مروي عن عكرمة وابن جريج انظر: جامع البيان (٦ ٥٨٠.
٥٨١) والبحر المحيط (٢ ٥٤٢). قال الطبري:. "وأما قول من زعم أن
معنى ذلك: التوبة التي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له، لأن الله =
٧٠٦
стр. 909
وقالوا: إنا إذا رجعنا قبل توبتنا. وظنوا أن ذلك منهم توبة.
فبيّن تعالى أن هذه النية غير مقبولة، وأنها ضلالة.
وقيل: معناه: لا تكون منهم توبة مقبولة، كقول الشاعر:
على لاحبٍ لا يُهْتَدَى بمناره. . .
أي لا يكون فيه منار فيهتدى به، وهذا إخبار عن علمه
стр. 910
تعالى بحالهم، وقيل: إن توبتهم غير مقبولة في حالِ ما هم
ضالون، فالتوبة والضلال متنافيان لا يجتمعان، فالواو في قوله:
(وَأُؤلَئكَ) على هذا واو الحال.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) .
الفدية: بذل شيء احتراساً من أذى، ومنه فداء الأسير.
وقولهم: فديتك. وإدخال الواو في قوله: (وَلَوِ افْتَدَى بِهِ)
стр. 911
لعموم المعنى، ومعناه لا يقبل منهم ذلك وإن أخرجه على
وجه القُرْبة في الدنيا، إذ كان لا يتقبّل الله إلا من المتقين.
ويجوز أن يعني ذلك في الآخرة، ومعناه: لو ملك ذلك فأخرجه
لم يكن ينفعه، وليست الواو بزائدة كما ظن بعضهم، لأنه
стр. 912
حينئذ يسقط معنى عموم الحالين، وملء الأرض - قيل: هو
مقدار ما يملأ الأرض، وقيل: معناه كل ما يتعامل به في
الأرض من الذهب، وذلك حسم لطمع من مات على كفره في رحمته.
وقيل: وهذه الآية والتي قبلها كالآيتين في سورة النساء (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ .. + إلى آخر الآيتين.
قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)
стр. 913
البر: التوسع في فعل الخير، وقد تقدم في قوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ)
إن البر ينسب إلى العبد تارة، وذلك إذا أطاع الله.
وإلى الله تارة إذا أنعم على العبد.
وقد حُمِلَ ههنا على الأمرين، فقيل: البر من الله الثواب.
وقيل: الجنة، وقيل: الطاعة، ومن الناس من اعتبر ذلك
في المال فقط، فالإنسان محبٌّ للمال بالطبع، ولهذا قال تعالى:
стр. 914
(وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)، ثم منهم من قال: هذا خطاب
للأغنياء، ولذلك قال الحسن: عنى الزكاة الواجبة وما فرض في
الأموال خاصة، ومنهم من قال: خطاب للكل، وحثٌّ لهم على ما قدروا عليه من الإِنفاق، وكمن مَدَحَ يقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)، ولذلك لما نزلت هذه الآية جاء زيد بن حارثة بفرس، فقال: هذا مما أحبَّه الله، وقد جعلته في سبيل الله، فحمل
стр. 915
عليه رسول الله ﷺ أسامة، ومنهم من اعتبر ذلك في متاع الحياة الدنيا كله، فقال: لن تنالوا البرَّ إلا بالإنفاق، وبذل الجاه
والبدن والنفس، قال: وذلك حثٌّ على جميع المحامد، فإن
من تشجَّع وبذل المهجة في طاعة الله فقد أنفق ما أحب،
следующие страницы →