Полный текст (2 001 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
لعموم المعنى، ومعناه لا يقبل منهم ذلك وإن أخرجه على
وجه القُرْبة في الدنيا، إذ كان لا يتقبّل الله إلا من المتقين.
ويجوز أن يعني ذلك في الآخرة، ومعناه: لو ملك ذلك فأخرجه
لم يكن ينفعه، وليست الواو بزائدة كما ظن بعضهم، لأنه
стр. 912
حينئذ يسقط معنى عموم الحالين، وملء الأرض - قيل: هو
مقدار ما يملأ الأرض، وقيل: معناه كل ما يتعامل به في
الأرض من الذهب، وذلك حسم لطمع من مات على كفره في رحمته.
وقيل: وهذه الآية والتي قبلها كالآيتين في سورة النساء (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ .. + إلى آخر الآيتين.
قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)
стр. 913
البر: التوسع في فعل الخير، وقد تقدم في قوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ)
إن البر ينسب إلى العبد تارة، وذلك إذا أطاع الله.
وإلى الله تارة إذا أنعم على العبد.
وقد حُمِلَ ههنا على الأمرين، فقيل: البر من الله الثواب.
وقيل: الجنة، وقيل: الطاعة، ومن الناس من اعتبر ذلك
في المال فقط، فالإنسان محبٌّ للمال بالطبع، ولهذا قال تعالى:
стр. 914
(وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)، ثم منهم من قال: هذا خطاب
للأغنياء، ولذلك قال الحسن: عنى الزكاة الواجبة وما فرض في
الأموال خاصة، ومنهم من قال: خطاب للكل، وحثٌّ لهم على ما قدروا عليه من الإِنفاق، وكمن مَدَحَ يقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)، ولذلك لما نزلت هذه الآية جاء زيد بن حارثة بفرس، فقال: هذا مما أحبَّه الله، وقد جعلته في سبيل الله، فحمل
стр. 915
عليه رسول الله ﷺ أسامة، ومنهم من اعتبر ذلك في متاع الحياة الدنيا كله، فقال: لن تنالوا البرَّ إلا بالإنفاق، وبذل الجاه
والبدن والنفس، قال: وذلك حثٌّ على جميع المحامد، فإن
من تشجَّع وبذل المهجة في طاعة الله فقد أنفق ما أحب،
стр. 916
ولذلك قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجود بالنفس أقصى غاية الجود
وقال بعضهم: أحب الأشياء إليك روحك، فأنفقها في الوصول
إلى البّر.
وقيل: برُّ الله لعبده اطلاعه على دقائق حكمته وحقائق
المعقولات، ولا يكون ذلك إلا بترك ما تميل إليه النفوس من
المحسوسات من المطعم والمنكح والملبس.
وقيل: أعظم البر مجاورة البارّ وقربه، وذلك بإنفاق ما لنا في الدنيا.
وقوله:
стр. 917
(فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) أي مجازيكم، ولدلالة ذلك على المجازاة
جُعِلَ جواباً للشرط.
قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)
كان اليهود أنكروا تحليل النبي ﷺ لحوم الإِبل، وقالوا: إنها كانت محرّمة على إبراهيم على ما نطقت به التوراة، فكذبهم تعالى، وذكر أنها كانت محلّلة عليه وعلى أولاده إلى أن حرَّمها إسرائيل على نفسه، وهو يعقوب، - وأمرهم بإحضار التوراة، فامتنعوا، ولم يجسروا على ذلك،
стр. 918
لصدق ما أخبر تعالى به، وسبب تحريمه ذلك - قيل: إنما كان
مرضا أورثه لحم الإِبل فتركه، وحرّمه على نفسه تحريم المريض
طعاما لا يوافقه، لا تحريم شرع.
وقال ابن عباس والحسن: أصابه عرق النَّسا، فنذر أن يترك إن عافاه الله أشهى طعام إليه تقربًا إلى الله تعالى، وتحريم اليهود ذلك كان اقتداء منهم به،
стр. 919
وقيل: إنه لما حرَّم على نفسه حرّم الله عليهم، ولذلك قال:
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) في الآية حجة
عليهم على هذا في جواز النسخ، لأنه حرَّم عليهم ما كان مباحا
في شريعة إبراهيم.
إن قيل: كيف حرَّم هو على نفسه ما كان
стр. 920
مباحا فأقره الله عليه، وحرّم النبي ﷺ جاريته فعاتبه ومنعه؟
قيل: إن إسرائيل إما أنه حرَّم على نفسه لحم الإِبل، لأنه لم يكن يوافقه.
وكان واجباً عليه تركه.
فإن الله تعالى جعل الطعام ليتوصل به إلى صلاح البدن.
وما يؤدي إلى فساده فواجب علينا تركه؟ وإما أنه حرَّم ذلك تقربا إلى الله كما يُحرم الصائم الطعام، وكما يُحرم المعتكف على نفسه بعض التصرفات، ولم يكن تحريم النبي ﷺ علي أحد هذين الوجهين، بل لما ذكره تعالى: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ)، ولأن في تحريم النبي ﷺ تضييع حق متعلق به للغير، وهو حق الجارية. وليس ذلك في فعل إسرائيل، وأيضاً فإن
стр. 921
إسرائيل لما حرَّم أشهى الطعام إليه قصد بذلك قمع الشهوة، وبنحو
ذلك يهذب الحكيم نفسه، والنبي ﷺ في تحريم جاريته تبع هوى غيره، وهو مرضاة أزواجه، وذلك مكروه، فلم يقرَّ عليه،
стр. 922
ذكر بعض الصوفية أن في ذلك تفضيلًا للنبي ﷺ من وجهين.
стр. 923
أحدهما: أنه لما حرَّم إسرائيل على نفسه ما أحبه أمضاه، وحرم
النبي ﷺ على نفسه فعافاه.
والثاني: أن بني إسرائيل ما كانوا يلتزمونه مما لم يكن قربة في الشريعة يلزمهم الوفاء به تشديدا عليهم، وعلى ذلك دل قوله: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)
وقال ﷺ : "شددوا على أنفسهم فشدد الله
عليهم "، ورُفِعَ عن هذه الأمة ذلك فضيلة للنبي ﷺ . إن قيل: ما وجه اتصال هذه الآيات بعضها ببعض، لأنه ذكر أولا:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) الآيتين ثم ذكر: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ثم عقبها بتحريم إسرائيل الطعام، وذم اليهود؟
стр. 924
قيل: لما ذكر في الآيتين المتقدمتين ذم اليهود وغيرهم من الكفار.
وبين أن انفافهم مع كفرهم غير مقبول منهم، وصل ذلك بقوله:
(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ)، لئلا يقرر أن الانفاق غير مغنٍ على جميع
الوجوه، فقال: وأنتم أيها المؤمنون إذا أنفقتم فإنما نقبل منكم
على هذا الشرط، ثم رجع إلى ذم اليهود وتعديد ما ارتكبوه.
فصار قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) بين الآيتين من الاعتراض
المسمى في كتب البلاغة الالتفات.
قوله تعالى: (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)
стр. 925
الافتراء والاختلاق: افتعال للكذب الذي لا أصل له، من افتراء الأديم واختلاقه.
والكذب ضربان:
اختراع قصة لا أصل لها وزيادة، أو تغيير فيما له أصل.
والأول أعظمهما، والمُفترى عليه ضربان: رفيع ووضيع.
فالمفتري على الرفيع أعظم ذنبا، ثم المفتري له ضربان: عارف بالفرية.
وجاهل بها، فالمفتري العارف بالفرية أوقحهما وجهاً، فبين الله
تعالى بالآية أنهم اختلقوا الكذب على الله تعالى، الذي يعلم السر
وأخفى، وفعلوا ذلك بعد أن أطلع الله الناس على كذبهم، وبين
أن متخذي ذلك في نهاية الظلم، وعلى ذلك في غير موضع:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا).
قوله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)
стр. 926
معنى قوله: قل اعتقد وأخبر أن ذلك من قول الله
تعالى، وهو صادق. وحقيقة قوله: (صَدَقَ اللَّهُ) إقرار بأن الله
قد أخبر، فإنه إذا ثبت كونه من خبره ثبت. كونه صدقا، ونبّه أن
ما أخبر من قوله: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا) وسائر ما تقدّم
صدق، وأنه ملة إبراهيم، وأوجب عليهم اتباعه في تحنّفه أي
في استقامته، وفي قوله: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تعريض بهم.
كأنه قيل: أنتم مشركون في اتخاذ بعضكم بعضاً أرباباً، وإبراهيم لم
يكن مشركاً، فإذن ليس دينكم دين إبراهيم، وكما نفى في
قوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) أنه منهم نفى في هذه
الآية كونه مشركا.
قوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)
стр. 927
قيل: بكة هي المسجد، ومكة الحرم، وقيل: بكة هي البيت.
وقيل: هي بطن الحرم وقال مجاهد: هما واحد
стр. 928
كقوله سَبَّد رأسه وسَمَّدَه، أي حلقه، وضرب لازم ولازب.
وأصل بكة من التَّباك أي التزاحم، وذلك اعتبارا بازدحامهم
لقصده، والطواف به، وقيل: لبَكهِ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا
стр. 929
فيه، ومكة من أمتَك الفصيل ما في الضرع، كأنَّه يجمع أهل
الآفاق ويؤلفهم، ولذلك سميت أم الزحم.
والبركة: ثبوت. الخير في الشيء ثبوت الماء في البِرْكة.
وسميت البركة لثبوت الماء، وأصل الكلمة البرك، وبرك البعير ألقى بركه وبُركاءُ
стр. 930
القتال ملازمته، وتبارك الله تخصُّص بلزوم فعل الخيرات.
واختُلِف في بناء البيت، فقال مجاهد وقتادة: هو أول بيت بُني
في الأرض،
стр. 931
وقال عليّ: أول بيت وُضِع للعبادة، وهذا الاختلاف لاختلاف
التقديرين في الآية، لأنه على الثاني: إن أول بيت وضع للناس
مباركاً وهدى للعالمين للذي ببكة، ثم اختلفوا في معنى
(أَوَّلَ). فمنهم من اعتبر ذلك بالشرف والمنزلة، فكأنه قيل:
أشرف بيت، وعلى ذلك قال مجاهد: هو كقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). ومنهم من اعتبر أوليته بالزمان.
قال: أول
стр. 932
بيت بعد الطوفان، وهو الذي قال: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ). ومنهم من قال: أول موضع اتخذته الملائكة قبلة
стр. 933
في الأرض، وروى في ذلك أخبارا، وهذا لا يقتضيه الظاهر.
لأنه قال: (وُضِعَ للِنَّاسِ)، فخُص بالناس، وعلى هذا اعتبروا
(الْعَتِيقِ) في قوله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، ونبّه بقوله:
مباركاً، أن فيه ثبوت الخير والهداية، وأبهم هاهنا، ثم فسره بما
بعده، واختلفوا في المقام، والأمن، فمنهم من حمل المقام على
المحسوس)، وقال: إنه أثر قدم إبراهيم على الحجر الصلد.
стр. 934
ومنهم من حمله على الأحكام، وقال: هو موضع الطواف
والسعي وسائر أركان الحج، ولهذا قال: (آيَاتٌ)، ثم فسره
بمقام وإن كان لفظه مفردا، ومفهم من قال: الآيات هي
المعاني المضَمنة فيه التي يستدل بها العارف، والمقام ما تخصَّص
به إبراهيم من الخُلَّة التي اكتسبها ببذل النفس والمال والولد.
فعلى هذا قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) من العقوبة، وقال
стр. 935
بعض الصالحين: كنت أطوف فخطر لي قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)
ترى من أي شيء يأمن؟ فسمعت هاتفاً يقول: من النار.
وقيل (كَانَ آمِنًا) من بلايا الدنيا وأعراضها التي
تصيب من قال فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
ومنهم من حمل: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) على الحكم.
ثم اختلفوا. فمنهم من جعله خبراً، وقال: معناه أن من
دخله كان آمناً، وذلك كان في الجاهلية، لأنه لم يكن يُتعرض
стр. 936
لجانٍ يلتجئ إلى الحرم بوجه حتى يخرج، وقال الحسن
والأصمّ: من دخله يأمن الاصطلام، ومنهم من حمل ذلك
على التعبد، أي في حكم الله، وإن كان في نفسه وجلًا، كقولك:
هذا مباح، وهذا محظور، فعلى هذا من جعل الضمير في قوله:
(وَمَنْ دَخَلَهُ) للبيت قال: لا يتعرض له بوجه إلى أن يخرج، ومن جعله
للحرم فمنهم من قال: من قَتَل في غير الحرم ثم دخله لم يقتصّ منه
إلى أن يخرج، لكن لا يبايع ولا يواكل حتى يضطر إلى الخروج.
وقال الحسن: يقتص من الكل، وهذا كان حكماً في الجاهلية.
ولم يختلفوا أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذاً بجنايته، وعلى
стр. 937
قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) يحمل قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا)، وقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)،
стр. 938
وقوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، وقُرئ (آيَةٍ بَيِّنَةٍ).
وكأن قارئه نظر إلى لفظ ما أُبدل منه، وهو مقام إبراهيم، فلما كان
مفرداً جعل الآية مفردة، والصحيح ما عليه الكافة، فالمقام
стр. 939
مصدر، ويتناول الواحد والجمع، فإذا اعتبر بالمحسوس فهي
المناسك، وإذا اعتبر بالمعقول فأفعال إبراهيم المتقدم ذكرها.
قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)
السبيل: إمكان الوصول إليه، كقوله تعالى: (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) والاستطاعة: استدعاء الطاعة، كان النفس بالقدرة تستدير طاعة الشيء لها، والقدرة والطاقة، والاستطاعة والجهد والوسع متقاربة، وقد
стр. 940
تقدم ذلك، وقولهم: لا يستطيع كذا. تارة يقال لنفي القدرة.
وتارة لنفي الخفة، فإن قوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) أي
يستثقلونه، لا لأنهم لا يقدرون عليه، وتمام استطاعة العبادة
стр. 941
ثلاث: الأول: استطاعة نفسية، وهي المعرفة بها، أو التمكن
من معرفتها.
والثاني: استطاعة بدنية، وهي أن يكون صحيح البدن قادراً على إقامتها. والثالث: استطاعة من خارج، وهي وجود الآلة التي بها يتمكن من فعلها، ومتى اجتمعت الثلاثة فقد حصل تمام الاستطاعة.
وإلا فالاستطاعة معدومة أو قاصرة.
وقول النبي ﷺ : "الاستطاْعة: الزاد والراحلة"
стр. 942
متناولة للخارجة دون البدنية والنفسيّة، وخصّها ﷺ بالذكر لما كان معلوماً عندهم أن بافتقاد الأوليين لا يُكلَّف.
وكأن القوم قد شكوا أن الفقير الذي تبعد مسافته، ولا يتمكن من زاد وراحلة هل يلزمه الحج؟ فراجعوه، فبيّن ﷺ لهم ذلك، ولم تتناول الآية العبد، لأنه لا ملك له في قول جُل الفقهاء، وفي قول بعضهم سيده أولى بما في يده، وله أن يمنعه باتفاق، وكذا المرأة إذا لم يكن
لها محرم، هذا قول الفقهاء، فأما الصوفية فقد قالوا: الزاد
стр. 943
التقوى، لقوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)
والراحلة صحةُ البدن، وقد عبر عن البدن بذلك في قوله: "إن
المنبّت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
وقال بعضهم: فيه مع إرادة هذا المعنى تنبيه على معنى أبلغ من ذلك البيت جنة المأوى،
стр. 944
لقوله: (ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) ولما لم يكن للإِنسان
سبيل إلى ذلك إلا بحسن، عبادته صار ذلك حقّا على الناس.
ولذلك أكَّد لفظه، وخصّه بما لم يخص به شيئاً من العبادات.
فقال (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ).
وقال بعض الصوفية: في الحج إشارات اقتضت تأكيد لفظ الأمر به.
وذاك أن في العقد به إشارة إلى معاقدة الولاء المعني بقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، وبالتلبية إلى الإِجابة له فيما دعا إليه، وبالتجرد إلى التجرد من
الدنيا، وأنه عاد كما خرج من بطن أمه، وبالوقوف إلى الوقوف
ببابه، وبالسعي إلى السعي إليه، وبالطواف إلى محلِّ القربة
منه، قال: ولذلك حقّ على المسلم أن يتغير حاله بعد حجه
عما كان عليه قبل، ولهذا قال ﷺ : " من حج فلم يفسق ولم يرفث كان كيوم ولدته أمه "، يعني لم يفسق ولم يرفث بعد رجوعه من
стр. 945
الحج، ولم يعن في الحج، فإن ذلك مدلول عليه بقوله: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ).
وقوله: (وَمَن كفَرَ) قال ابن عباس: من كفر بوجوب الحج عليه، وعلى هذا ما ورد أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "مَنْ إن حج لم يَرجُ ثوابه، وإن جلس لم يخف عقابه "
وأما من تركه ممن يري وجوبه لم يكن كافرا
стр. 946
وإن كان عاصيا، وقيل: الكفر كفران: كفر تام، وهو إنكار
الوحدانية، أو ما يجري مجراه، وكفر ناقص، وهو الإِخلال
ببعض العبادات، التي هي أركان الدين: كالصلاة والزكاة والحج.
ولهذا قال ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر"،
стр. 947
وقال ﷺ : "من مات وعليه حج الإِسلام فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا".
وإنما قال: (غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) تنبيهاً أن قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) ليس لحاجة به، وإنما ذلك
стр. 948
لحاجتهم ونفعهم، إذ هو تعالى الغني المطلق، وغيره وإن استغنى عن شيء
ما فغير غني عنه تعالى في شيء من الأحوال، وهو القائم على كل شيء.
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)
الذي اقتضى مخاطبتهم بهذا إنكارهم نبوة محمد، ووجوب الحج، والآيات المقتضية لذلك من الكتب المتقدمة ومن القرآن، وبين بقوله: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) أنكم تسترون ما لا يستتر، إذ هو لا يخفى عليه خافية.
إن قيل: لم قال في موضع: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) وهاهنا قال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)؟
قيل: الأول استدعاء إلى الحق فجعل خطابهم منه استلانة للقول، ليكونوا أقرب إلى انقيادهم، وهاهنا لمّا قصد إلى الغض منهم ذكر (قُلْ) تنبيهاً
أنهم غير مستأهلين أن يخاطبهم بنفسه تعالى، وإن كان كلا
стр. 949
الخطابين موصلًا على لسان النبي ﷺ .
إن قيل: لِمَ صار أهل الكتاب يطلق في القرآن تارة على سبيل الذم، وتارة على سبيل المدح، ولا نجري قولنا: أهل القرآن وأهل السنة هذا المجرى؟ قيل: الكتاب لما كان قد يراد به ما افتعلوه دون ما أنزل الله نحو: (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ)، وقد يُراد به ما أنزل الله تعالى، فيكون على سبيل الذّم لأهل الكتاب، وقد يُراد به ما أنزله الله، ويكون على سبيل التهكم، نحو قوله:
(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) فعلى هذا لو قيل: أهل القرآن
وأهل السنة على سبيل الذم والتهكم لجاز، وقوله: (لِمَ) وإن كان أصله
استفهاماً فالقصد به هاهنا الإِنكار والتنبيه؛ أن لا جواب لهم ولا عذر.
стр. 950
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) .
يقال: بغيته كذا أي طلبته له، وأبغيته أعنته على بُغَائه، نحو لمسته كذا
وألمسته، وحملته كذا وأحملته، والعِوج ما يدرك بالفكر من الاعوجاج.
والعَوج ما يدرك بالطَّرف، وقوله: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا).
يعني الظلم وما يجري مجراه مما يكون في الدنيا،
следующие страницы →