Полный текст (588 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لثمان خلون من رجب من السنة المذكورة في قريته المذكورة بعد أن تفقه به جماعة منهم علي الصربدح وعلي بن أحمد الحجنفي وعلي بن عبد الله العامري وإسماعيل بن علي الرقاني وجماعة كثيرون والله أعلم.
وفي سنة تسع وستين قتل الشريف إدريس صاحب مكة وترتب بعده فيها أبو يمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة والياً فأقام بها إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر من سنة سبعمائة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله الحسين بن أبي السعود ابن الحسن بن مسلم بن علي الهمداني. وكان ميلاده سنة خمس وعشرين وستمائة فسلك طريق العبادة حتى توفي على ذلك. وكان وفاته لليلتين مضتا من شعبان من السنة المذكورة. وحضر دفنهُ خلق كثير أحصى القراء فيهم فكانوا سبعمائة رجل. وكان لهُ من الولد ثلاثة أكبرهم محمد مولده لليلتين خلتا من ذي الحجة آخر سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وكان صاحب قراءات ومسموعات وغلبت عليه العبادة. وكان من أكثر الناس تلاوة للقرآن مع الزهد والورع إلى أن توفي على ذلك ليلة الاثنين لخمس بقين من شهر ربيع الأول أحد شهور سنة تسعين وستمائة. والثاني أحمد مولده يوم الأحد تاسع ذي الحجة من سنة إحدى وستين وستمائة. وكان فقيهاً مجتهداً محصلاً ورعاً زاهداً تفقه بمحمد بن أبي بكر الصبحي وكان كثير التردد إلى الفقيه أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي ويراجعهُ فيما يشكل عليه من المسائل. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من سنة سبع وتسعين وستمائة. والثالث أبو القاسم مولدهُ في رجب سنة ثلاث وستين صحب الفقيه ومال إلى طريقة التصوف وصحب الشيخ عمر القدسي وتحكم على يده ونصبهُ شيخاً. وكان على حال مرضي من سعة الأخلاق وإيناس الوارد والاشتغال بمطالعة الكتب والبحث عن فوائدها إلى أن توفي في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة رحمة الله عليهم أجمعين.
وفي هذه السنة أَيضاً توفي الفقيه الفاضل عثمان بن محمد بن سوادة الحضرمي
стр. 142
الحنفي وكان فقيهاً فاضلاً وهو من أتراب الفقيه أبي بكر بن حنكاش ومعيدا معهُ وبه تفقه الفقيه يحيى بن عطية وغيره وكانت وفاته يوم الاثنين الحادي عشر من رجب من السنة المذكورة. وفي سنة سبعين وستمائة ورد الأمر العالي بإعادة المحاط على ثلا مرة ثانية فكانت المحطة على الجناب فحصروا أهل ثلا وضيقوا عليهم وأجهدوهم حتى أيقنوا بالهلاك. وتسلم السلطان حصون المصانع باعهُ عبد من عبيدهم يسمى محمد بن نفيل.
وفي هذه السنة قام الإمام إبراهيم بن أحمد بن تاج الدين الهدوي وكان قيامهُ في ذي الحجة منها ودعا إلى نفسه فأجابهُ أهل حصور وبنو الراعي وبنو شهاب وغيرهم من بلاد عنس وزبيد. ونهض الشرفاء والإمام إلى جبل يسمى طما. وكان الأمير علم الدين في الجماب فنهض لمحطته وحط تحت حصن كوكبان ونهض الشرفاء من محطتهم إلى حارة بني شهاب.
وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن عمر القاضي عمر الهزاز المقدم ذكره. وكان مولده يوم الخميس ثامن عشر شوال من سنة إحدى وستين وستمائة. وكان موسوماً بالفقه والدين والعبادة والزهد والورع ولوزم على أن يتولى القضاء بعد أبيه فامتنع. وكان السلطان الملك المظفر يجله ويعتقد صلاحه وربما زاره إلى بيته سرّاً وكان يستدعي دعاءَه كثيراً. وله مصنفات ﵀ في الفقه وتوفي بعد صلاة الظهر من يوم الاثنين لأربع بقين من شوال من السنة المذكورة ﵀. ولما علم السلطان الملك المظفر بوفاته كتب إلى أولاده يسأَلهم أن يدفنوهُ في التربة التي هي قبلي جامع بمدينة تعز ففعلوا ولم يكن يدفن فيها الأحواض بني رسول من القرابة والسراري والأولاد الصغار وخلف عدة من الأولاد النجباء انتهت إليهم الرئاسة في الدولة المؤَيدية وسوف يأتي ذكرهم أن شاءَ الله.
وفيها توفي الفقيه الفاضل يحيى بن سالم بن سليمان بن الفضل بن محمد ابن عبد الله الشهابي ثم الكندي انتقل به أبوهُ من بلد بني شهاب إلى ذي جبلة فاستوطنها
стр. 143
وتفقه بها ابنه يحيى المذكور وأخذ عن محمد بن عبد الله المازني وكان أول من بدر مدرساً في المدرسة العربانية وكان فقيهاً فاضلاً لهُ مروءَة وكرم نفس وكان يصحب الرشيد شاد الدواوين في صدر الدولة المظفرية. فلما توفي الرشيد نُقل إلى السلطان أن مع هذا الفقيه مال الرشيد فطولب باثني عشر ألف دينار وصُودر فلم تطل مدته بل وتوفي غيظاً في المدرسة المذكورة عشي الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبو علي يحيى بن إبراهيم بن العمك. وكان من أعيان العلماء وكان في أول أمره رئيساً على قومه يركب الخيل ولا يشتغل بشيءٍ من طلب العلم. وكان سبب اشتغاله بطلب العلم أنه خطب امرأَة من بني خطاب هي ابنة الفقيه أبي بكر بن خطاب فامتنع الفقيه أبو بكر من تزويجه إياها وقال لهُ لست كفئا لها فانك رجل جاهل فانف من قولهِ فاشتغل بطلب العلم حتى صار إماماً واشتغل بفن الأدب وبرع في النحو واللغة والنسيب والعروض وغير ذلك. وكان ممن يضرب به المثل في حسن الجوار والوفاء بالذمم وله في ذلك أخبار يطول شرحها. وكان شجاعاً مقداماً كريماً جواداً شاعراً فصيحاً حسن الشعر له في السلطان الملك المظفر عدة مدائح وصنَّفَ كتباً في النحو وغيره. ومن مصنفاتهِ في الأدب كتاب الكامل في العروض والوافي وهو كتاب جليل والكافي أيضاً. وكتبهُ أحسن ما صنَّف أهل اليمن تحقيقاً وتدقيقاً.
ومن شعره أيضاً ما قالهُ في مدح السواد وهو هذا:
اعد لي حديثك يوم الكثيب ... وسلّي بهِ عن فؤَادي الكئيب
عشية سوداءَ قد أقبلت ... تسارقني لحظها من قريب
وقد أمنت رصدة الكاشحين ... وسمع الوشاة وعين الرقيب
تبدت لنا من خلال البيوت ... تجرر فضل الرداءِ القشيب
أرتنا النقا والقنا مائلاً ... قوام القضيب وردف الكثيب
مولدةُ من بنات الموال ... كمثل الغزال الغريب الربيب
стр. 144
فان لامني الناس في حبها ... فما لائمي أبداً بالمصيب
يقولون سودا ولو أنصفوا ... وما ذاك لو أنصفوا بالمعيب
فلولا السواد وما خصهُ ... به الله من حسن سّرٍ عجيب
لما كان يسكن وسط العيون ... ولا كان يسكن وسط القلوب
ولا زيَّن الخال خد الفتى ... ولا حسَّنَ النقش طرس الأديب
أَما حجر الركن خير الحجار ... أما المسك أطيب من كل طيب
أَما شغف الناس في دهرهم ... بحمد الشباب وذم المشيب
ولا تُحْسِن العين مرهى الجفون ... ولا الكف ما لم يكن بالخضيب
ولا كل عينٍ كعين المحب ... ولا كل قلب كقلب الحبيب
وكان جامعاً بين رئاستي الدين والدنيا معظماً عند الملوك. يروى أنه كان في قريته رجل غريب مستجير به منتسب إليه فهمَّ الرجل بسفر إلى بعض الأماكن فاكترى دابة من بعض قرابة الشيخ إلى موضع غرضه وسافرا معاً فلما صارا في أثناء الطريق قتلهُ الرجل الذي أكرى عليه الدابة وأخذ ما معهُ وعاد إلى القرية كأّنهُ لم يفعل شيئاً فبلغ خبرهُ إلى الفقيه يحيى فبغت من ذلك وأَقام أياماً فلما كان يوم الوعد والناس جميعاً في السوق أمر بلزم القاتل فلزم وجيء به مربوطاً فأمر بقتله فقتل في السوق على رؤُوس الإشهاد ولما اشتغل الفقيه يحيى بطلب العلم وظهرت ثمرة اجتهاده خطب ابنة الفقيه أبي بكر بن خطاب وراجعه في زواجها فزَّوجهُ إياها فولدت لهُ عدة أولاد ولم تزل عندهُ إلى أن فرَّق بينهما الموت. وكانت وفاة الفقيه ﵀ في السنة المذكورة وقيل في التي بعدها والله أعلم.
وفي سنة إحدى وسبعين أرسل الإمام إبراهيم بن أحمد بن تاج الدين الشريف جمال الدين محمد بن عبد الله إلى حصورَ وبلد بني شهاب وبلاد بني الراعي فتلقوه بالطاعة. وكان وصوله إليهم في سبعة نفرٍ فصلى بالناس أول جمعةٍ في سبعة آلاف. وفيها خالف الأشراف إلى سليمان بن موسى مع الإمام وهم في أهل جهران وكان السلطان ﵀ قد أقطعهم نواحي ذمار ثم تسلم منهم اللجام وقامت معهم علماءُ
стр. 145
الزيدية في تلك الناحية فساروا في جموع عظيمة إلى ذمار فدخلوها قهراً وقتلوا جماعةً من الرتبة الذين كانوا فيها وخفروا الباقين وأخربوها خراباً كلياً. وكان ذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة. وسار الإمام إبراهيم والأمير صارم الدين داود بن الإمام والأمير عز الدين محمد بن شمس الدين وسائر الأشراف يريدون جدّة وساعاً فمروا على الحبة ولم يكن في صنعا إلا ابن نجاحٍ في مائة فارس من عسكر السلطان وكان الشعبي وعسكره في محطته بالجناب خوفاً على رتب ثلا فانصرف الأَشراف من صنعا قلما كان آخر الليل دخلها الأسدية وكانوا تسعين فارساً نقاوة عسكر صنعاءَ وفرسانهم فطلع الشعبي في بقية عسكره قمرّ على المحاط التي على ثلا فقواها وسار إلى شبام ومن شبام إلى صنعاءَ وحصل بينه وبين الأَشراف قتال عظيم وجمع الأَشراف جمعاً عظيماً وساربهم علي بن عبد الله فارتفع عن ثلا. وسار بعسكره قاصداً الدروة وفيها الورد بن ناجي ولم يكمل عمارتها فهجم عليهم آخر الليل فأخربها وعاد إلى أصحابه بسباع. فاقتضى الحال طلوع الركاب العالي إلى ناحية ذمار فلما وصلها اقبل إليه تلك الناحية رغبةً ورهبةً في شعبان من السنة المذكورة. فأقام في ذمار أياماً وأمر بعمارة دربها. ثم سار يريد صنعاءَ فحط في درب عبد الله وانحاز الأشراف إلى بيت خبيص فطلع عليهم الأمر علم الدين الشعبي فكانت وقعة بين الناهم قتل الأشراف بنو صفي الدين وجماعة من عسكر الأشراف. وكان ذلك في ذي القعدة من السنة المذكورة. ثم تقدم السلطان إلى صنعاءَ في الميدان في ذي الحجة.
وفي هذه السنة بعث السلطان بكسوة البيت المعظم على يد قاسم بن محفوظ. وفيها توفي الفاضل أبو الحسن علي بن الحسين النحلي وكان فقيهاً محققاً غواصاً على دقائق الفقه عارفاً به كثير الاشتغال به تفقه به جماعة من أهل عصره. وكان كريماً جواداً شريف النفس عالي الهمة وكان كثير السعي في حوائج الأصحاب والقاصدين
стр. 146
من الطلاب وربما قدم على أخيه الفقيه محمد بن حسين إذا عوتب في ذلك يقول
تلك بنات المخاض راتعةُ ... والعود في كورِهِ وفي قَتَبهْ
لا يستفق من مضاض رحلتهِ ... من راحة العالمين في تعِبهْ
وكف بصرهُ في آخر عمره. وكانت وفاتهُ في ذي الحجة من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ الصالح فيروز صاحب الشيخ أبي الغيث بن جميل. وكان كبير القدر شهير الذكر. وكانت يدهُ للشيخ محمد لن أبي بكر الحكمي صاحب عواجه. وبعد وفاة شيخه صحب الشيخ أبا الغيث صحبة مخصصة وكان من أكابر الصوفية وأهل الكرامات فيهم. ولما حضرت الشيخ أبا الغيث الوفاة استخلف الشيخ فيروز في رباطهِ وعلى أصحابهِ فقام بذلك قياماً مرضيّاً إلى أن توفي في السنة المذكورة.
وفي سنة اثنتين وسبعين دخل السلطان الملك المظفر صنعاءَ وكان دخوله يوم الثامن عشر من المحرم فأقام بها ونهض الأشراف إلى حصور واجلب معهم أهل حصور كافة وحطوا على عزان واجهدوا من فيه ووقع الخطاب على تسليم عزان وسلامة من فيه من العسكر فنزل العسكر وقبض الأشراف الحصن. ووصل عقيب ذلك أحمد بن جابر وشرع صلحاً بين الأشراف وبين السلطان خاصة ثم الإمام وكافة الناس عموماً. فتقدم السلطان إلى اليمن في شهر ربيع الأَول من السنة المذكورة ثم جرَّد عساكره المنصورة لقصد بيت خيّض فأخذهُ قهراً ووجد العسكر فيه خمراً كثيراً فكسروا أوعيته وأراقوه فقال غازي بن المعمار
وعند أَمير المؤمنين عصابةُ ... يقولون بالبيض الحسان وبالسمرِ
فان تكن الأشراف تشرب خفيةً ... وتُظهر للناس التنسك في الجهرِ
وتأْخذ من خلع العذار نصيبها ... فأني أَمير المؤمنين ولا أدري
стр. 147
وكان فتح بيت خيّض يوم الجمعة سلخ شهر ربيع الأول من السنة المذكورة ولما دخل العسكر السلطاني بيت خيّض كما ذكرنا انهزمت الأشراف من خدة وسباع فأخرجهما السلطان خراباً شنيعاً وقطع أشجارهما وكانت فيهما أشجار قديمة لها مقدار مائتي سنة فما ترك فيهما شيئاً. ويقال أن شجرة لوز عقرت فوجد فيها لوح من رخام مكتوب فيه غُرست سنة أربعين من الهجرة. وأمر السلطان بعمارة الجبل المسمى قرن عنيز وسماهُ طفاراً وشحنهُ من أصناف الشجر ونهض بمحطتهِ إلى الصافية قافلاً إلى اليمن في شهر جمادى الأخرى من السنة المذكورة وسار الأمير علم الدين الشعبي صحبة ركابه العالي إلى ذمار فوقف الأمير علم الدين في ذمار وتقدم الركاب العالي إلى اليمن.
وفي هذه السنة خال الأمير الحسام بن البدلي في براقش وتغلب عليها وكان والياً فجرَّد له السلطان الأمير علم الدين الشعبي وأمر الأمير اردم بالوقوف في صنعاءَ وتقدم علي بن حاتم صحبة الأمير علم الدين إلى براقش فراسل الحسام بن البدلي وقبح عليهِ فعلهُ ووعدهُ بعطف مولانا السلطان عليهِ وما زال بهِ حتى أخذ لهُ شيئاً من الصدقات السلطانية براقش وعاد إلى صنعاءَ ثم اصطلح السلطان والإمام وسائر الأشراف وكان الصلح عن السلطان للأمير محمد بن حاتم بن عمرو بن علي الهمذاني. واتفق للأشراف مخرج إلى نجران عقيب الصلح فقتل فيه الأمير علم الدين علي بن وهاس قتلته يام.
وفي هذه السنة توفي الشيخ عبد الوهاب بن يوسف بن عزان العرنقي وكان شيخاً رئيساً من أعيان الرؤَساءِ شجاعاً مقداماً كريماً يحمل جواداً مهيباً عند الأعداء. وكان يتولى بلد العوادر بمال معلوم يحمل إلى السلطان. وكان يفعل الخير كثيراً ابتنى مدرسة في حصن الطفر ووقف عليها وقفاً جيداً ورتب فيها مدرساً وَدَرَسةً وكان ممتحناً بشرب المسكر فقدم مرة زائراً من بلده للفقيه عمر بن سعيد العَقَيبي فلما دخل عليهِ
стр. 148
المسجد ربط منديلهُ في رقبتهِ ثم إلى رجل الفقيه وقال لا افتحهُ حتى تعطيني عهداً على التوبة وذمة من الشراب فراودهُ الفقيه على الترك فلم يفعل فأجابهُ إلى ذلك وعاهدهُ على التوبة. وكان ذلك في شهر رمضان فكان ذلك سبب توبته.
ويروى أنه لما كان يوم العيد هم بشراب شيءٍ من الخمر كان قد أدخرهُ لذلك اليوم فأمر بإحضار شيءٍ منهُ فلما صار الكأس في يده وأهوى به إلى فمه أحس في ظهره بضرب السياط كلنها النار فرمى بالكأْس من يده وركض الإناء الذي فيه خمر برجله فكسره وأمر من حينئذٍ صائحاً يصيح في بلده بتحريم الخمر وشدَّد في شرّها تشديداً عظيماً ولم يشرب بعدها مسكراً. وحج في هذه السنة المذكورة سنة اثنتين وسبعين وستمائة. فلما انقضى حجه خرج يريد زيارة قبر رسول الله ﷺ إلى المدينة على ساكنها السلام. فلما دخل المدينة ووقف موقف الزائرين من التربة الشريفة سمعهُ جماعة يقول يا رسول الله أنا جارك من العود إلى الظلم اللهم لا تعدني إليه. فتوفي عائداً من الزيارة على رجليه من المدينة فحمله أصحابه ورجعوا به المدينة وقبروه في البقيع بين أصحاب رسول الله ﷺ في السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ إبراهيم بن محمد بن حجر وكان مشتغلاً بشيءٍ من القراءة ثم غلبت عليه العبادة والتنسك فسكن مكة وأَقام بها إلى أن توفي في شوال من السنة المذكورة. ويروى أنه اعتمر في السنة التي توفي فيها في رجب وشعبان ستين عمرة وفي رمضان خاصة ستين عمرة حكى ذلك الجندي في تاريخه.
وفي سنة ثلاث وسبعين حصل قحط عظيم في البلاد ومات من الناس عالم لا يحصى وأَكل الناس الميتة. وفي شهر ربيه الآخر أخذ حصن كوكبان جماعة من الخواليين واستولوا عليهِ فارتفع رأْس كل مفسدٍ وهاج الناس للخلاف.
وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو الحسن أحمد بن يحيى بن الفقيه محمد بن مضمون وكان مشاركاً في العلم ولكن اشتغاله بأُمور الدنيا اكثر. وكان مشهوراً بالكرم وكثرة إطعام الطعام حتى أفنى من ماله جملةً مستكثرة فبلغ علمه إلى الأمير
стр. 149
شمس الدين علي بن يحيى العسني فأدركتهُ عليه شفقة. وكان بصحبة فدخل عليه يوماً زائراً له مع جماعة من الفقهاءِ وكان قد أعلم بحاله فلما أراد الناس الخروج من مجلس الأمير استوقفه الأمير فلما خلى المكان قال له يا فقيه بلغنا عنك انك كثير التفريط لما في يديك وأنت فقيه ودخلك قليل من وجه حلال وما خَرَجَ عنك لا يكاد يقع لك عوضه إلا بمشقةٍ وأظنك تريد الاقتداءَ بنا ولا ينبغي لك ذلك لانَّا نحن محصولنا كثير من غير كلفة يسهل علينا خروجه كما يسهل علينا دخوله ثم وبخه على فعله وحذره من مرارة الفقر والفقيه ساكت مطرق ثم قال لهُ أحب أن تعاهدني انك لا عدت إلى شيءٍ من هذا فقال له الفقيه استخير الله الليلة وآتيك غداً أن شاءَ الله بما قويت عليه عزيمتي. أربعين فلما كان تلك الليلة صلى صلاة العشاء ثم صلى صلاة الاستخارة ونام فرأَى قائلاً يقول لهُ يا فقيه أحمد انفق فانك ممن وُقي شح نفسه فلما أصبح غدا إلى الأمير فأخبره بمنامهِ وما قيل لهُ وأنه باقٍ على ذلك الأمر فبكى الأمير وقال في أَي صورةٍ ما شاءَ رَكَّبكَ ولم يزل على حالهِ إلى أن توفي في السنة المذكورة تقريباً كما قال الجندي.
وفيها توفي القاضي الأجل الصالح عيسى بن الفقيه علي بن الفقيه محمد ابن أبي بكر بن مُفَلَّت بضم الميم وفتح الفاءِ واللام المشددة وآخرهُ تاءً مثناة من فوقها. وكان فقيهاً ورعاً دينّاً عفيفاً وهو أحد من تعُدُّه الفقهاء من حفظة المهذب وولاة القاضي أبو بكر بن أحمد قضاء الجند فأقام بها قاضياً خمساً وأربعين سنة لم يذكر عنه ما يذكر عن غيره من نقص الحكام. ولما أَراد السلطان الملك المظفر زواج الحَّرة مريم ابنة الشيخ العفيف استدعاه فلم يعقد له حتى استكمل شرائط العقد ولم يتساهل في شيءٍ من ذلك. فاعجب السلطان بذلك وقال لو كان متساهلاً في شيءٍ من حكمه لتساهل معنا. فكان عندهُ معظماً وكانت جامكيته من جزية اليهود في الجند وهي خمسة عشر ديناراً. وكان كثيراً ما يُدان ولا يدان من أهل الجند تورعاً وكان لهُ أرض قريبة من الجند وارض ببلده ثابتة منها ما يقوم بكفايته وكان الغالب على حاله المسكنة والضعف. وتوفي مديوناً نحواً من ستمائة دينار وكان عمرهُ أكثر من مائة سنة لم يتغير
стр. 150
له عقلُ ولا اختل له فهمُ وكان يحضر المجالس الفقهية والمواكب الملكية يستضاء برأْيه وينتفع بعلمه إلى أن توفي ليلة الأربعاء الحادي عشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفي سنة أربع وسبعين خرج الأمير علم الدين الشعبي إلى مخلاف ذمار لقبض الواجبات السلطانية وترك المماليك الأسدية جميعهم رتبة في صنعاءَ مع ابن العلاب وسار مع الأمير علم الدين منهم رجل واحد فوقع بين ذلك الرجل وبين الداوي أحد مماليك الأمير علم الدين خصمة على شراب فقتله الداوي في مسير الأمير علم الدين إلى ذمار وهرب القاتل فلما علم المماليك الأسدية بقتل صاحبهم قاموا وقعدوا وكانوا قد أعجبتهم نفوسهم فخالفوا على السلطان واستولوا على صنعاءَ وقبضوا على موجود الشعبي وذلك في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وكاتبوا الإمام والأشراف بالوصول إليهم فوصلهم الشريف علي بن عبد الله يوم السابع والعشرين من الشهر في سبعة آلاف راجل وكان في جبل حصور ثم جاءَ الإمام والأمير صارم الدين داود بن الإمام والإمام عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين وسائر الأشراف فدخلوا صنعاءَ يوم الخامس من شهر جمادى الأولى وأقاموا في صنعاءَ وركب الإمام يوم الجمعة إلى جامع صنعاءَ ورَقي منبره وأذَّن المؤذن في منارته حي على خير العمل وخالطهم من الجذل والعجب أمر عظيم
ولو علموا عقبى الأمور لقابلوا ... أوائلها بالحزم واطرحوا العُجبا
ولكنهُ المقدور يلوي بذي الحجى ... فيَسلبهُ أن حُمَّ آراءه سلْبا
وكانوا جميعاً على عزم الخروج من صنعاءَ إلى ذمار وربما طمعوا فيما خلف ذمار أن الأمير علي بن عبد الله ركب في بعض الأيام إلى الأمير صارم الدين داود بن الإمام فتراجعوا في أمورهم فقال الأمير داود أني رأَيتكم يا هؤلاءِ الشرفاء مذ دخلتم صنعاءَ ملتم إلى الراحة والدعة وأنفسكم تحدثكم بالخروج من صنعاءَ إلى دمار ثم إلى اليمن ومناصبة السلطان. وهذا رأي فاسد. فلو نظرتم في أموركم أولاً ثم نظرتم بعد ذلك إلى الخروج من صنعاء إلى دمار كان أصوب فلا تغتروا بحديث هؤلاء الغز
стр. 151
الذين قد صاروا في جيشكم فوالله لو قد شموا ريح الملك المظفر وشاموا برقهُ لقد بانت لكم دخيلة أمرهم ثم إني أستفهمكم هل رأيتم أحداً وصلنا من همدان وهم الجزء الوافر وهل أحد يردهم عن صنعاء بعد إخلائنا عنها ألم يأمر إليهم أن يواكبوا إلينا فقالوا نحن لا نوكب حتى يجوزوا بلادنا فجزناها وما أتانا أحد منهم وكذلك سيحان هل هذا إلا تربص وترقب واستطلاع لما يأتي من ناحية اليمن والملك المظفر لا يترك بلاده ولا مدينته وما الذي شغله عن المبادرة والطلوع فانظروا في أموركم. فقال لهُ الأمير علي بن عبد الله النظر في أمورنا كلها إليك ونحن بين يديك فقال والله إنكم لترمون عن قوس واحد الإمام منكم والمأموم والعربي والعزي فقال ما الرأي الذي تأمرنا به وما هو الأصوب فقال الصواب أن قبلتموه أحد وجهين. أما الأول فنقف في صنعاء ونحن بثلاثمائة فارس نصبح كل يوم قرية من قرى همدان وسيحان حتى يدخلوا في طاعتنا أذلةً وهم صاغرون. وأما الوجه الثاني فنخرج إلى حافد ونخلي صنعاء ونخربها فنحن ثلاثمائة فارس وخمسة آلاف راجل أي قبيلةٍ ملنا عليها أخذناها ونحن نعود إلى معقل وحرز حريز. ومع ذلك لا يقدم علينا أحد ولا يدخل حد إلى صنعاء ونحن على هذه الصفة. ثم قاما وخرجا إلى الإمام فلم يكن غقيب ذلك إلا الخروج إلى ناحية جهران وتبطيل آراء الأمير صارم الدين فبرز الإمام إلى الميدان ثم نهض الجميع منهم إلى بئر الخولاني ثم نهضوا إلى العمري تحت الكميم فلما خيموا بالمعري أمر الإمام على الأمير علي ابن راشد ابن خالد بن عطوة أن يتقدم إلى حدار ويستنهض خاله الشيخ الحسام بن الفضل في كافة أصحابه من سيحان فتقدم حينئذٍ إلى الشيخ المذكور فلما وصل إليه وأخبروه برسالة الإمام فقال مالنا تأخر عن الوصول إلى الإمام فأمسى عندهُ فلما كان بعد مضي شطر من الليل وصل رسول من السلطان الملك المظفر بكتاب إلى الشيخ الحسام بن الفضل وإذا فيه صدورها من الحقل ونحن على المسير إلى صنعاءَ أن شاء الله تعالى ونحن نشعركم الوصول إلينا ونحذركم الاغترار بهؤلاء الشرفاء فسقط في يد الشيخ الحسام بن الفضل ودخل على علي بن راشد فأيقظه من منامه وأوقفه على كتاب السلطان وقال له قم وتقدم إلى الإمام
стр. 152
وأخبرهُ بهذا فما بقي لنا إليه وصول. فلما وصل علي بن راشدٍ إلى الإمام اخبرهُ الخبر فطلب الإمام كافة الشرفاء واخبرهم الخبر فاضطربوا وقالوا للأمير صارم الدين ماذا ترى فقال قد أشرت عليكم في صنعاءَ فلم تقبلوا وأنا اليوم لا آمركم بالإقدام ولا آمركم بالإحجام أن أقدمتهم لم تأمنوا الكسرة وإن احجبتهم فهي كسرة الأحجام ولكن ارحلوا هذه الساعة قبل تشييع الخبر بطلوع السلطان فنهض الجميع منهم من العمري وانحدروا في نفيل الغارة وشاع الخبر بوصول السلطان فاضطربوا وتحيَّرُوا فعادت المماليك إلى صنعاء ثم تقدم الشرفاء فحطوا في معير ونهضوا إلى أفق بكرة يوم الخميس وكان غرضهم النهوض بكرة يوم الجمعة إلى الجبجب فخرج الأمير عز الدين في ستين فارساً تستطلع الخبر فجاءوا وقد حطَّ الركاب العالي في دمار فأغارت خيلهم على أطراف المحطة فأمر السلطان أن لا يخرج إليهم أحد وحرم على الناس الركوب. فعاد الأشراف إلى محطتهم بأفق وقالوا وصلنا إلى السلطان فما خرج إلينا أحد والغالب أن المحطة ضعيفة فأمسوا في محطتهم مسرورين فلما كان صبح يوم الجمعة لم يشعروا حتى أطل عليهم فارس من الخيل فركب الأشراف وما شكوا إنها غارة لأجل غارتهم بالأمس فركب الأمير صارم الدين في نحو من أربعين فارساً وأمر الناس بالوقوف حتى يعود فما كان أسرع من عودته فاجتمعوا إليه وقالوا لهُ ما الخبر فقال هذا الملك المظفر في عساكره وكتايبهِ بعدي فقلوا فما ترى قال ما أرى إلا الصبر والحرب فإنه يوم عصيب. ثم
طلب أهل أُفق وقال لهم اخبروني أَين عورة بلدكم وأَمر الإمام أن يقف في الحصن فإن وقع كسرة كان بعيداً عن القتال. وأما ما كان من أَمر السلطان فإنه لما حطَّ في ذمار وصل إليه الأمير علم الدين الشعبي وقال لهُ يا مولانا السلطان اليوم يوم الجمعة وهؤُلاءِ العرب لا يستخيرون الصلاة إلا بعد الإمام. فإن تأخر عنهم مولانا السلطان إلى بعد الجمعة اجتمع معهم من العسكر ما لا تنحصر وكانت حربهم أَشد. فقال لهُ السلطان دعهم فلانا لا نريد سفك الدماءِ يوم الجمعة وأي أَي حالة
стр. 153
كانوا فإِنهم مهزومون فلم يقبل منهُ الشعبي ما قال بل قام من عندهِ وجمع عسكرهُ وأَخذوا عدتهم وجعلوا طريقهم على باب خيمة السلطان. فأَرسل السلطان إليه أن يقف فلم يفعل بل سار في عسكره نحوهم. فنهض حينئذ السلطان وأَمر العسكر بالركوب وسار نحو أُفق فأَقبل علم الدين الشعبي فقصد الأَكمة التي فيها الأمير داود بن الإمام ثم أَبلت العساكر يتلو بعضها بعضاً ثم أَطل السلطان على الجبل الأسود في شرذمة من عساكرهِ وجنودهِ فكأنما اشتمل الجبل بثوبٍ ابيض غطى جوانبهُ كلها. ولما قصد الأمير علم الدين الأضكمة بعسكرهِ انهزمت الأشراف وحصلت العساكر على الغنيمة العظيمة ونجا الأمير صارم الدين داود بن الإمام وكافة الحمزيين بعد مشقة شديدة ثم أَحاطت العساكر المنصورة بالإمام في الحصن فأَسروه وقتلوا طائفةً ممن كان معهُ منهم الأمير أحمد بن محمد بن حاتم ووزير الإمام القاضي ابن أبي النجم وتمزَّق الشرفاءُ في تلك الأودية وتركوا محطتهم بما فيها ونزلوا عن خيولهم وتركوها قياماً تضطرب في أَرسانها ووصل العسكر بالإمام وسائر الأسرى إلى السلطان فلما وصل الإمام إلى السلطان وهو مكشوف الرأُس سلم وهنأ بالظفر فهنأَه السلطان بالسلامة وأَكرمهُ وآنسهُ وأَمر بستر رأْسهِ. وكان قد همَّ بهِ جماعة من المماليك فزجرهم السلطان وشتمهم واركبهُ بغلةً فكان يسير بينهُ وبين الصاحب بهاء الدين حتى دخل بهِ حصن تعز فأَودعهُ دار الأّدب. فلم يزل بهِ معزَّزاً مكرَّماً يحمل إليه في كل يوم عشرة دنانير ملكية والطعام بكرة وعشية والكسوة لهُ ولمن معه من حريمٍ وخدمٍ بقدر كفايتهم. فقال لقد كان لنا في سلم السلطان غنيً عن حربهِ وكتب عَلَى باب مجلسهِ.
هذي منازل سادةٍ أجواد ... ومحلُّ جودٍ شاملٍ وأياد
قصر الخورنق والسدير مقصر ... عنهُ وذو الشرفات من سنداد
ولم يزل على الإعزاز والإكرام في مجلسهِ إلى أن توفي في التاريخ الذي يأتي ذكرهُ أن شاءَ الله تعالى وفي هذه الواقعة يقول القسم بن علي بن هُتيْملٍ يمدح السلطان الملك المظفر
بوَّأت حزب الله دار قرار ... وأَحلَّ حزب الله دارَ بوار
стр. 154
ووضعت أوزار الذنوب بوقعةٍ ... ما حر بها موضوعةُ الأوزار
مشبوبة الطرفين تردي الجحفل ال ... جرار نحو الجحفل الجرار
شنعاءَ ما حسَّ الفوارس جمرها ... إلاَّ رمت شرراً على الأشرار
هي كالفجار الصعب أو كحنين أو ... كالشعب أَو كبغاث أَو ذي قار
راوحت بين الموكبين لراحةٍ ... لك في سروج الخيل والأكوار
وسريت في غسق الدجنة طاوياً ... بعد المشقة كالخيال الساري
عَجلاً إلى الحرب العوان فحيّها ... ركضاً على قدرٍ من الأقدار
لاقى بنو الهادي وحمزة ضعف ما ... لاقت سليم بجانب الثرثار
أنسيتهم ما سنَّ عمك فيهم ... بالأَمس في عصرٍ بيوم ذمار
عميت قلوبهم ففضت سرابهم ... بعمى قلوبهم عن الأبصار
طلبوا ذمار فرد سعدك ذالها ... دالاً وأي هزيمةٍ ودمار
حفوا بسيدهم فلما أيقنوا ... بالموت طاروا عنهُ كل مطار
صبوا السياط على قوارح خيلهم ... هرباً عن المهرات والأمهار
فكأَنهم شُهب البزاة تبللك ... بالغيث فانقضَّت إلى الأوكار
نكصوا عن الإقبال من ملمومةٍ ... مذ أقبلت نكصت على الأدبار
شمسية عُمرية علوية ... جفنية الإيراد والإصدار
شهباءُ محكمة العفاص كأَنها ... تحت السنور جنة النعار
فنجوا وإبراهيم يأْمر نفسهُ ... بالكر لا بالفر خوف العار
حتى إذا حمي الوطيس وأحصرت ... عنهُ السوابق أيما إحصار
حملتهُ مرَّة روحهِ متحصناً ... في الحصن لا متخفياً في الغار
لم يلق من يلوي عليهِ ولم يجد ... أحداً يقاتل من وراءِ الأحجار
فأَسرتهُ مستبسلا وحفظتهُ ... شرفاً بأَفضل حوطةٍ وجوار
جدُّ يفض شبا الصفا بزجاجه ... قهراً ويقتل نازلاً بجوار
стр. 155
وأخو الصبابة ما عليهِ غضاضة ... في الصبر أن لطمتهُ ذات سوار
أحييتهُ بالعفو ثمَّ لقيتهُ ... ببشاشةٍ وسكينةٍ ووقار
ووهبتهُ دمهُ بجاه محمدٍ ... ورضى عليّ وجعفر الطيار
لو أن غيرك يا مظفر صادهُ ... لكساهُ ثوبي ذلة وصغار
عان طمست قيامهُ ومقامهُ ... وتركته خبراً من الأخبار
أغرتهُ بالنقض الغواة فأُهلكوا ... وثمود كان هلاكهم بغرار
لو شاور المختار في غزواتهِ ... رجعت عليهِ مشورة المختار
يا فرحة البلد الحرام ويا ضيا ... جوّ العراق وفرحة الأمصار
جاءَتهم البشرى فكاد سرورهم ... يقضي على بادٍ هناك وقار
وكان من قص الصحيفة فيهمُ ... بالأسر فض لطيمة العطار
يا يوسف الحسن بن نور الدين يا ... ملك الملوك ومالك الأحرار
يا أفضل الحيين في خيرٍ وفي ... شّرٍ وفي نقضٍ وفي إمرار
عشقتك أبكار العلى فنكحتها ... طفلاً وليس نكاحها بشغار
وإذا بنوك تكنفوك تحيرت ... أبصارها في الشمس والأقمار
صور سرى فيها الكمال فأُودعت ... ما ليس في بشرٍ من الأبشار
فكأَنها خلقت تعالى الله من ... فخرٍ وكل الناس من فخَّار
أخليتم شرقي هذاد وعزة ... من راشدٍ ويمين من عمار
وخلا الرياشي بن راشد خيفةً ... منكم ولم يكُ حاذراً بحذار
وابن المعثور لو يغيث بعوضة ... لحضارةٍ ما بات في عقار
وإذا أردت تلمصاً وطفار لم ... يعجزك ملك تلمصٍ وطفار
ماذا أقول وعبد عبدك يا أبا ال ... منصور سيد يعرب ونذار
ولما أسر الإمام إبراهيم كما ذكرنا أراد الأشراف أن يقيموا بن هاوس بعدهُ إماماً فكرة فقال الحاي في ذلك قصيدة يمدح بها السلطان الملك المظفر
стр. 156
أقبلت في لجب تسد فضاءَهم ... من خلقهم وأمامهم يتجلجل
وإلى ابن هاوس أتوا من فورهم ... مستنهضين قيامهُ فاستعجلوا
فأَجابهم وإذا تكون عظيمة ... ندعى لها أين الإمام الأول
ولما رجع السلطان من ذمار أمد علم الدين بمال جزيل فسار إلى صنعاءَ وكانت طريق الأشراف يوم هزيمتهم المغارب ولحقتهم مضرَّة شديدة وساروا إلى حصن ذمار المعروف بالخواليين وكان في يد الشريف علي بن عبد الله فأقاموا فيه مدةً والأمير صارم الدين يراسل الإمام مطهر بن يحيى ويستدعيه الإمامة. فلما وصل إليه الزمهُ القيام بالإمامة فدعى إلى نفسه فأَجابهُ كافة الزيدية. فأقام الأشراف مدَّة في بلد بني شهاب على غير قاعدة ثم حصل عقيب ذلك بين السلطان وبين الأمير صارم الدين مراسلات أفضت إلى الصلح فيما بينها فاخرج الأمير صارم الدين الإمام مطهر والشريف علي بن عبد الله وتصوَّراتهم يحفظون الحصون ويحاربون فيها فكان الأمير علي بن بن عبد الله يختلف بن الحصون فتارةً في كوكبان وتارةً في ردمان وأخرى في القاهر وعران.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي بن إسماعيل الحضرمي. وكان كبير القدر شهير الذكر من كرام الفقهاء وخيارهم وكان جواداً كريماً. يروى أنه ما سأَلهُ سائل شيئاً من الدنيا فرده وربما لقيهُ السائل فأَعطاه بعض ثيابهِ حتى أنه كان يأتي عليهِ وقت يعجز فيهِ عن الخروج من عدم الثياب. ويروى أنه عاهد الله لا رد سائلاً قط. حكي أنه سأَلهُ سائل يطلب شيئاً فدخل منزلهِ فلم يجد إلا الطعام الذي تطبخهُ الخادمة فأخذهُ بإنائهِ وذهب بهِ إلى السائل فأَعطاه إياه. وكان الفقيه إسماعيل يعظمهُ ويقول هو أزهدنا وأعلمنا وأَورعنا وامتحن بحصر البول فكان يقل مجالسه الناس لذلك. وكانت وفاته ﵀ في زبيد يوم رابع المحرم من السنة المذكورة.
стр. 157
وفيها توفي الفقيه الفاضل سعيد بن منصور بن محمد بن أحمد الجيشي بالجيم والياء المثناة من تحتها والشين المعجمة وهو الذي يقال لهُ سعيد بن أَنعمَ وكان أُبوهُ يلقب بأَنعمَ وكان فقيهاً محققاً درس بعد شيخه عمر بن مسعود في مدرسة ذي هريم وأَصل بلدهِ مصنعة سير وكان حسن السيرة وتوفي في السنة المذكورة وقبره عند شيخهِ المذكور في مقبرة صينة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن موسى المعروف بالحرف. تفقه بابن الرسول وكان قاضياً في ناحية من نواحي أَبين وتوفي بهما في هذه السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي القاضي اسعد بن مسلم. وكان من أهل الدين والمروءة شهد له بالخير أَعيان زمانه. ويروى أنه اجتمع برجلي زمانه عمر بن سعد العقيبي وسليمان الجندر رحمهم الله تعالى في بيته فباتا في صلاة وقيام وركوع وسجود. وبات القاضي نائماً قال الفقيه عبيد السهولي وكنت معهم ليلتئذ فتحيرت هل أُوافقهما في الصلاة والقيام أَو أوافق القاضي في النوم وبقيت متردداً فأَوجز الفقيه صلاته ثم سلم وقال لي يا فلان أن صاحبك هذا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا تعلمه بذلك وتزوَّج بابنة القاضي مسعود بن علي فاتت له بابنتين وابن تزوج إحداهما القاضي بهاءُ الدّين والأخرى أخوه حسان ولم يزل القاضي اسعد على أَحسن سيرة إلى أن توفي يوم الأربعاء العشرين من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة خمس وسبعين وستمائة تسلم السلطان حصن الريشة في ذي الحجة من السنة المذكورة. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل عبد الله ابن الفقيه عمر بن مسعود بن محمد بن سالم الحميري وكان فقيهاً عالماً عاملاً كاملاً مبرزاً في جميع أنواع العلوم درس بعد أبيه بمدرسة ذي هُزَيْمٍ إلى أن توفي رحمة الله عليه في السنة المذكورة.
وفي سنة سبع وسبعين حط الأمير علم الدين الشعبي على الحصون الحصورية وهي القاهر وعزَّان فاستمد الشريف علي بن عبد الله بالأشراف فلم يمده أحد منهم إلا الإمام مظهر بن يحيى فإنه جمع جمعاً عظيماً وقصد الشعبي إلى محطته وكان
стр. 158
بالرّعلا. فوصلت عساكره القاهر. وعجزوا عن قصد علم الدين إلى المحطة. فلما رأَوا أمورهم إلى نقصان طلب الأمير جمال الدين علي بن عبد الله لقاءَ الأمير شمس الدين علي بن حاتم وتحدث معه في أَمر الصلح. فقال الأمير جمال الدين خذول لي من مولانا السلطان مائة ألف دينار وأعطوني في رهينة منكم في تسليم المال.
ولم يزل إلى أن اتفقوا على تسليم ألفي دينار ويخرجون من الحصون ويسلمونها فانعقد الأمر على ذلك. وصاحت الصوائح لهم بالذمة. وسلموا كافة الحصون الحضورية وفي شهر رمضان تسلم السلطان حصن ردمان. وخرج من فيه من الأشراف وعاد الشريف علي بن عبد الله على الظاهر والإمام إلى المعازب.
وفي هذه السنة توفي الشيخ والفقيه الإمام العارف بالله أبو الفدا إسماعيل بن الفقيه الصالح محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن إسماعيل ابن أحمد بن ميمون الحميري اليزني نسبةً إلى ذي يزن الملك المشهور. وكانت ولادة الفقيه إسماعيل يوم التاسع من ذي الحجة من سنة إحدى وستمائة ويروَى أنه لما تزوج أمه قيل له يا محمد يأْتيك ابنان محدث ومحدث الأول بفتح الدال. والثاني بكسرها. وكان تفقه بابيه وعمه علي بن إسماعيل. ثم أخذ عن جماعة من الكبار. كيونس بن يحيى والبربان الحصري وغيرهما. وكان نقالاً لفروع الفقه غواصاً على دقائقه. وله مصنفات مفيدة. منها شرح المهذَّب وغيره. ثم ارتحل إلى زبيد لغرض الزيارة في طلب العلم. فتزوج بابنة الفقيه أبي بكر بن حنكاش المقدم ذكره وبابنة الفقيه أبي الخير الذي سيأتي ذكره فيما بعدُ أن شاءَ الله تعالى وغلب عليهِ حب استيطان زبيد. واجتمع به السلطان الملك المظفر غير مرةٍ وسمع عليه البخاري. وولي القضاء الأكبر في تهامة فأقام فيه نحو سنة فاستخلف في القضاءِ من وثق بدينهِ وورعهِ واشترط عَلَى كل قاض إلا يحكم إلا بمحضر من الفقهاءِ. فيقال أنه خوطب يا إسماعيل رضيت بالنزول عن التسمي بالفقه إلى التسمي بالقضاء أو كما قيل. وقيل بل كان كثير التردد إلى تربة الشيخ الصالح أحمد بن أبي الخير الصياد. وكان قد يجد عندها دليلاً على صلاح حالهِ فنوجي هنالك بذلك فعزل نفسهُ من القضاءِ. ومما يروى عنهُ
стр. 159
أنه دخل بيت قاضي زبيد. وكان من خواص أصحابهِ وزوج أُخته. فوجد في بيته ثياباً من الخَزَ. وكان لا يعرف معهُ شيئاً من ذلك. فقال لهُ من أَين لك هذه الثياب فقال من تركتك يا أبا الذبيح فقال ذبحني اله أن لم أعزلك ثم عزله نفسهُ بعده. وكان مبارك التدريس انتفع بهِ خلق كثير من فقهاءِ اليمن. ومن عجيب ذلك ما روي عن الفقيه الصالح محمد بن معطن. وكان من الفقهاء الزهاد قال كنت في بلدي فعرض لي أن اقرأَ النحو فرأَيت في المنام قائلاً يقول لي اذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأْ عليه النحو فعجبت من ذلك لأنهُ لم يشتهر بمعرفةٍ تامة في النحو. ثم قلت قد حصلت الإشارة فعزمت على السفر من بلدي وهي قرية الرقبة من قرى وادي رمع. فسافرت حتى دخلت الضحى. فوجدت الفقيه في حلقة التدريس من أصحابه. فلما رآني سلمت عليهِ فرد عليَّ ورحب بي وقعدت بين أصحابه. فقال لي يا فقيه قد أجزتك في جميع كتب النحو فأّخذت ذلك بقبولٍ وعدت بلدي فما طالعت شيئاً من كتب النحو إلا وعرفت مضمونه ببركة الفقيه رحمه الله تعالى ونفع بهِ.
قال الجندي. واخبرني الثقة عن الفقيه حسن الشرعبي أنه سمعهُ يقول رأَيت النبي ﷺ في منامي ليلة من الليالي فقلت يا رسول الله من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقال هم الدرسة فلما كان الليلة المقبلة رأَيته ﷺ . فقلت يا رسول الله أي الدرسة هم قال هم درسة الفقيه التنبيه والمهذّب. فقلت يا رسول الله فدرسة القرآن قال أولئك أصفياءُ الله. وكانت وفاة الفقيه نفع الله بهِ يوم التاسع من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبو عبد الله محمد بن الحسن الصمعي وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً متفنناً وغلب عليه فن النحو. وله فيه مصنفات كثيرة مفيدة. وله مصنف في العروض وتفقه بهِ جماعة. وهو الذي درس قبل السرَّاج في المدرسة المنصورية بزبيد. وله عبارات مرضية توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن حزابة بضم الحاءِ
стр. 160
المهملة وفتح الزاي والباء الموحدة. وكان تفقهه بأَبي شعبة المذكور آنفاً وأخذ شيئاً من الأصول عن السلعاني. وكان سبب تفقههِ أنه اشترى وعاءَين من الأرز من الفقيه أبي بكر بن حجر فأكل أحدهما. ثم لما فتح الوعاءَ الآخر وجده أبو بكر بن حجر احسن من الأول. فاسترجع وقال بعتك ما لم أَرهُ فلا يصح البيع. فحملته الأَنفة على قراءَة الفقه فقراَ على أبي شعبة. ثم أن أَبا بكر بن حجر حدث معه حادث سرور استدعى شيئاً من الزعفران. وكان الزعفران يومئذ معدوماً لا يوجد إلا عند ابن حزابه المذكور. وكان عطاراً فوصل الفقيه أبو بكر بن حجر إليه وعوَّل عليه في شيءٍ منهُ فأَجابه قال يا فقيه بعتك معلومةً من غير نظر الزعفران. ثم استدعى بوعائه فلما فتحهُ قال يا فقيه بعتك ما لم أَره فالبيع فاسدُ. فتوقف أبو بكر بن حجر. وناوله الفقيه دراهمه فأَخذها وهم بالرجوع بغير قضاء حاجةٍ. فذكره ابن حزابة بما فعل معه يوم أرز ثم باعه مراده من الزعفران ولم يرده خائباً. وكانت وفاة ابن حزابة قبل وفاة شيخه أبي شعبة بأيام قلائل في السنة المذكورة والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن حسن بن علي الفارسي بلداً التمي نسباً. وكان أَصل بلده من بلاد فارس دار جرذ بكسر الجيم وسكون الراء وآخره ذال معجمة. كانت فيما تقدم دار ملك فارس. وكان أهل هذا الرجل بيت وزارة ملوك فارس قاله الجندي. قال ونستهم ترجع إلى أبي بكر الصديق ﵁ وارتحل والد هذا الفقيه المذكور من بلد فارس إلى مكة المشرفة فجاور فيها ست عشرة سنة. ثم قدم عدن فتديرها وظهر له فيها الولد المذكور. فلما أَراد الولد الاشتغال قرأَ على السلعاني الفقه والمنطق والأُصول وأخذ عن الصغاني اللغة. وأخذ عن الشريف الطب والمنطق والموسيقى وعلم الفلك وبه اشتهر. وله فيه مصنفات عديدة وله في الموسيقى كتاب دائرة الطرب ورسالة فيها. وكتاب في وضع الألحان. وكتان التبصرة في علم البيطرة ولايات الأناق. في خواص الأَوفاق. وكتاب في معرفة السموم. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 161
وفي سنة سبع وسبعين توفي الأمير الأجل الكبير أسد الدين محمد بن الأمير الكبير بدر الدين الحسن بن الأمير الأجل الكبير شمس الدين بن علي ابن رسول الغساني وكان من أكمل بني رسول في الدين والشجاعة واكرم وعلو الهمة وكان أسداً قوياً شديداً وبقوته يضرب المثل. وكان يقبض على الركاب الحديد فيضم بعضه إلى بعض. وهو الذي رمى الهلال الذي على منارة صنعاء بدبوس من حديد فأسقطه عن مستقره. وكان كريماً جواداً. قل ما قصده إنسان إلا وأناله مقصوده. وأجل عطاءه ورفده وله من الآثار الدينية مدرسته التي في مدينه ابٍ. ومدرسته التي بالحبالى وفيها قبره وقبور جماعة من ذريته. وبنى سدَّا في قرية قرنة. ووقف على الجميع أوقافاً جيدة تقوم بكفاية الجميع. ولما سجنه ابن عمه السلطان الملك المظفر اشتغل بالقراءة فكان يستدعي الفقهاء إلى موضعه فيقرأ لهم ويحسن إليهم لاسيما الفقيه أحمد ابن علي السرددي. أنه كان رأس المحدثين يومئذ في مدينة تعز. فقرأ عليه عدة من مسموعات الحديث. ونسخ عدة من الكتب والمصاحف والمقدمات ووقفها ف عدة من الأماكن ولم يزل على أحسن حال إلى أن توفي يوم الثالث عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وله عقب كثير. وأولاد من خيرة أولاد الأمراء. وكان افضل أولاده أبو بكر. كان كاملاً عاقلاً متأدياً يقول الشعر حسناً:
إذا لم أقاسمك المسرة والأسى ... ولم أجد الوجد الذي أنت واجد
ولم اسهر الليل الطويل كآبةً ... فما أنا مولود ولا أنت والد
وهذا البيتان من قصيدة له كبيرة كتب بها إلى أبيه وهو في السجن رحمة الله عليهما. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو بكر بن يوسف المكني الحنفي وكان فقيهاً جليل القدر مشهوراً ورعاً راضياً من الدنيا بالكفاف وكان عالي الهمة شريف النفس عالماً عاملاً مشهوراً نحوياً متأدياً مترسلاً عارفاً بالطب شيخه في ذلك أبو سواده. وكان يقري أهل المذهبين كما كان شيخه.
قال الجندي اخبرني الثقة من أصحابه أنه قال له يوماً عل قرب من وفاته رأيت
стр. 162
كأن القيامة قد قامت وأحضرت الأئمة بين يدي الله تعالى. وهم أبو حنيفة. ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. فقال الباري ﷻ . إني أرسلت إليكم رسولاً واحداً بشريعة واحدة فجعلتموها أربعاً ردوها عليهم ثلث مرات فلم يجبه أحد. فقال له أحمد بن حنبل يا رب أنت قلت وقولك الحق لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً. فقال له تكلم فقال يا رب من شهودك علينا قال الملائكة قال يا رب لنا فيهم القدح. وذلك انك قلت وقولك الحق.) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض حليفةً. قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء (فشهدوا علينا قبل وجودنا. فقال الباري جلودكم تشهد عليكم. فقال يا رب كانت جلودنا لا تنطق في الدنيا وهي تنطق اليوم مغصوبة. وشهادة المغصوب لا تصح فقال الباري ﷻ أنا أشهد عليكم. فقال يا رب حاكم وشاهد فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم. ثم لما كان في السابع عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. رأى بعض أحبار أهل زبيد أن منارة مسجد الأشاعر قد سارت من مكانها حتى خرجت من المقابر وتغيبت فيها فتوفي الفقيه بعد ذلك وخرج الناس لدفنه فرأى الرائي أن للفقيه قبراً في الموضع الذي غابت فيه المنارة فعلم إنها عبارة عن الفقيه رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن سالم علي العنسي بنون بين العين والسين المهملتين. وكان يُعرف بابن التائه تفقه بعمر بن مسعود الأبيني وبالوزيري وأخذ عن المقدسي. واتهم في دينه ولم يزل مهاجراً للفقهاء منافراً لهم حتى أمكنه الدخول على البهاء وهو يومئذٍ متولي الوزارة والقضاء فحلف لهُ أنه ما تغير عن معتقده وأوقفهُ على كتاب صنفهُ في معتقد السلف قبل منهُ بعض قبول. وكانت وفاتهُ ليلة الفطر من السنة المذكورة. وقيل يوم عبد الفطر قبل الصلاة من السنة المذكورة والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن مسعود بن إبراهيم بن سالم بن أبي الخير بن محمد الصحاوي وكان مولدهُ في النصف من شعبان سنة ثماني عشرة
стр. 163
وستمائة وتفقه في بداءته بابن يعيش وبعبد الله بن عبد الرحمن وأخذ درجة الفتوى بعدهما وارتحل إلى عدة من الأماكن في طلب العلم. وكان رجلاً صالحاً فاضلاً مبارك التدريس خرج من أصحابه ثلاثة نفر تفقه بهم خلق كثير وأجمع الناس على صلاحهم وعملهم وحسن فقههم وربما قدمهم الناس عليه وهم صالح بن عمرو وعبد الله الحساني وأبو بكر بن العزاف فكان يفتخر بهم ويقول ليس لأحدٍ من أهل العصر مثل هؤلاء الثلاثة. أما ابن العزاف فمتقن للفقه وأما صالح فمتقن للفرائض وأما الحساني فهو الفاضل بعدهما. وكانت وفاتهُ بذي السعال في السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفي سنة ثمان وسبعين كان فتح مدينة ظفار الحبوضي وقتل صاحبها سالم بن إدريس وقتل معه يومئذ نحو من ثلاثمائة رجل وأسر خلق كثير. وكن السبب في ذك حدوث مجاعة عظيمة وقحط شام وقع في بلد حضرموت. فما قبل صاحبها إلى سالم بن إدريس وطالبوا منه ما يدفعون به كل تلك السنة عنهم وسلموا إليه مصانع حضرموت وحسنوا له ذلك ورغبوا له في فأجابهم إلى ما طلبوا وخرج معهم إلى حضرموت لثمام ما قد شرعوا فيه وهو أمر لم يسبقه إليه أحد من آبائه ولم يعلم دهاهم ولا مكرهم. فلما أخذوا منه جميع ما طلبوا سلموا إليه المصانع فقبضها وعاد إلى ظفار. ورأى أنه قد أفلح وأنجح. وإن حضرموت قد صارت تحت يده وفي قبضته. فلما رجع إلى ظفار مال أهل حضرموت ميلةً واحدةً إلى مصانعهم فأخذوها طوعاً وكرهاً ولم يكن دونها حائل يحول بينهم وبينها فأصبح لأمال ولا بلد وكاد يهلك أسفاً على تضييع أمواله في غير مواضعها فاتفق من القضاء المبرم أن مولانا السلطان الملك المظفر ﵀ عليه ندب سفيراً إلى ملوك فارس بهدية جيدة وصحبته جماعة من التجار فصرفتهم الريح ورمت بهم إلى ساحل ظفار فقبضهم سالم بن إدريس وقبض ما معهم من الهدية والأموال والبضائع وسوَّلت له نفسه أن هذا جبران ما فات عليه في حضرموت فراسلهً السلطان بذلك وكاتبهُ وقال لهُ لم يجر بذلك عادة من اهلك ونحن نحاشيك من قطع السبيل وأنت تعلم ما بيننا وبين والدك وما بيننا
стр. 164
وبينك والمكانة يننا وغير أنا نتأدب بآداب القرآن الكريم قال الله تعالى) وما كنا معذبين حتى نبعثَ رسولاً (فازداد غلظةً وجهلاً ورجع الجواب يقول فيه هذا الرسول وأين العذاب وغير ذلك من الجهل ثم لم يكن بعد ذلك إلا أنه أفسد صاحب الشحر راشد بن شجيعة وحملهٌ على العصيان فمال إليه هرباً من الخراج الذي عليه لصاحب اليمن وكان عليه خراج معلوم يحمله في كل سنة إلى الخزانة المعمورة فكان حتفه في سوء رأيه:
والأمر لله رُب مجتهدٍ ... ما خاب إلا لأنهُ جاهدْ
ومتق والسهام مرسلةُ ... يجيص عن حائص إلى صارد
فخرج الأمر غقيب ذلك إلى والي عدن وهو الأمير شهاب الدين غازي بن المعمار بالتقدم إلى ساحل ظفار بالسواقي والرجال فوصل ظفار ولم تكن حرب طائلة ثم عاد إلى عدن المحروسة. فلما رجع ابن المعامر من ظفار نهض سالم بن إدريس وسولت له نفسهُ الغارة على ساحل عدن ولم يكره ذلك صاحب الشحر. فوصلت غارته في البحر إلى الساحل ساحل عدن وكان السلطان يومئذ في الجند فاستنكر الناس ذلك الأمر من سالم بن أدرس إذ لم يقدم على مثله صاحب الهند ولا الصين ولا ملوك فارس فاستشاط السلطان غيظاً وخرج أمرهُ بعمرة الشواني والمراكب والطراريد وأنواع مطايا البحر وتقدم ركابه العالي إلى ثغر عدن المروس والمقدمين وانفق من الذهب والفضة ما يزيد على عدد الحصى وجهز الأمراء والمقدمين والعساكر المنصورة من الخيل والرجل وملأ البر والبرح خيلاً ورجلاً وأزواداً وسارت العساكر ثلاث فرق فرقة في البحر وهم معظم الرجل فيهم الشيخ فارس بن أبي المعالي الجزائري والشيخ محمد بن محمد بن ناجي والشيخ الهمام بن علي بن غواص المليكي وشمس الدين بن المكبوس والشيخ بدر الدين حسن بن علي المذحجي وهو أكثرهم جيشاً. وكان المقدم على أهل البحر الأمير سيف الدين سنقر الترنجلي نقيب المماليك البحرية. وسارت الفرقة الثانية مع الشيخ بدر الدين عبد الله بن عمرو بن الجنيد وهم العرب وكانوا ثلاثمائة فارس ساروا على طريق حضرموت قهراً على رقاب أهلها وهي مشحونة
стр. 165
بقلاع بني الحبوضي وأحلافهم ولم يكن في تلك الجهة من أحلاف السلطان إلا أبا شماخ والشيخ عمر بن علي بن مسعود وفيهم أيضاً ميل إلى بني الحبوضي.
قال صاحب العقد الثمين وبلغني أن الشيخ بدر الدين عبد الله بن عمرو بن الجنيد وأصحابه ما فارقوا الحرب ليلةً واحدةً حتى عبروا حضرموت وما زال أصحابهُ تخلفون عنهُ حتى وصل إلى ظفار الحبوضي في مائة فارس وثلاثة عشر رجلاً بعد خمسة اشهر من يوم خرجوا من صنعاء. وسارت الفرقة الثانية عن طريق الساحل وهم أربعمائة فارس من المماليك البحرية وحلقة السلطان. وكان مقدم المماليك الأمير حسام الدين لؤلؤ التوريزي وهو أمير العلم المنصور والمقدم على الحلقة الأمير فيروز وكان المقدم على الجميع الأمير شمس الدين أردمر أستاذ دار وقال له السلطان أنت تقتل سالماً أن شاء الله تعالى فأني رأيت فيما يرى النائم أن حيةً عظيمةً خرجت إليَّ من كوة فقلت لك اقتلها يا أردمر فقتلها وعدت إلى مقامك. وكانت طريق الأمير شمس الدين صعبة وعرة لأنها في شواهق الجبال وجبال من كثب الرمل فكان يسير هو ومن معه أضعف السير والمواكب في البحر تسير معارضة لهم فإذا بعدت بهم الطريق فيستريحوا لأنهم يتناولون من المراكب ما أرادوا من الطعام والتمر وسائر الحبوب والحوائج خانات ثم أنواع السلاح من القنا والسيوف والزرد والبيض والخفاتين والسقي والسهام والتراس والأوضاف ومن نعال الخيل واللجم وسائر أنواع العدد على اختلاف أحوالها من المنجنقيات ستة بجميع عددها وآلتها ورجالها وأحجارها. وقال بلغني أنه رست عليهم في البحر ألف قطعة والقطعة عبارة عن الجوالق العظيمة من أنواع الشحن فما فقدت ثم كانت الأسواق في البحر قائمة كأعظم ما يكون من أسواق المدن وفيها من أصناف الطباخين والخبازين وأرباب الصناعات ولم تزل كل فرقة تسير على حسب ما يمكنهم من السير حتى جمع الله بينهم في يوم واحد على بندر ريسوت. هكذا ذكر صاحب العقد الثمين فأقبلت مطابا البحر من الشواني يقدمها الحواسك والسنابيق كأنها العقبان. ثم أقبلت الطرابيد وهي المركب الأعظم
стр. 166
وقدامها السفن وكأنها بعض الملوك والسيوف مسلولة والإعلام منصوبة والطبلخانات راجفة. وفي هذه الطريدة الخزانة السعيدة ومبلغها أربعمائة ألف. وأما القماش من البندقي والسوسي والموصلي والزبيدي شيُ لا يحيط به الحصر فلله دره من ملك ملأت البر والبحر كتائبه ووسعت العرب والعجم مواهبه ورغائبه وبالله أنه أحق قال عمرو بن كلثوم التغلبي حيث يقول
ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملؤُهُ سفينا
ولما اجتمعت العساكر المنصورة في بندر ريسوب كانت الخيل خمسمائة فارس والرجل سبعة آلاف راجل فقال بعضهم لبعض قد رأيتم ما نحن فيه من إنفاق الأموال وركوب الأهوال والتواني حينئذ منا عجز وخور ولم يبق إلا الحزم والعزم فساروا حتى بلغوا عوقد وهي محلة من محال ظفار فارجف عليهم بأن خيل حضرموت وصلت إلى ظفار وكذلك خيل البحرين فتذامروا فيما بينهم وقالوا إنما جئنا للقتال لا لغيره وأين تعز منها ولم يكن ظنهم أن سالم ابن إدريس يبرز إليهم فينا هم كذلك إذ أقبلت عساكر ظفار يقدمها سالم ابن إدريس فلما رآهم العسكر المنصورة تأهبوا للقائه فصف لهم على بعدٍ من المدينة وصفوا له. فكان الشيخ عبد الله بن عمر بن الجنيد وأصحابه في الميسرة وكانت الحلقة في الميمنة وكان الأمير شمس الدين أردمر في القلب ولم يكن بأسرع من أن التقوا واصطدموا صدمةً واحدةً فجالت العساكر المظفرية جولة واحدة ابتلعت منها نحواً من خمسين فارساً. ثم كانت الهزيمة فما نجا من أهل ظفار إلا من استأسر فقتل منهم نحواً من ثلاثمائة قتيل وأسر منهم نحواً من ثمانمائة أسير وأخذ من العبيد ما شاء الله. وقتل سالم بن إدريس فيمن قتل ولم يكن له قاتل واستبق الناس إلى باب ظفار.
وكان الأمير شهاب أحمد بن أردمر قد تركه أبوه في المحطة فجاءَ العلم منهً ليلاً إلى أبيه والأمراء مجتمعون على باب المدينة بان رأس سلم بن إدريس قد صار عنده.
стр. 167
وقيل بل عرف أخوه موسى مصفحة وملوظته فقال هذا مصحف أخي وما أظن أخي إلا مقتولاً فطلبوه بين القتلى فوجدوه قتيلاً فحمل وقبر بعد أن أخذ رأسه. وكانت الوقعة يوم السابع والعشرين من رجب من السنة المذكورة.
وطلب أهل ظفار الذمة فأذم لهم الأمير شمس الدين أردمر ودخلت الأعلام السعيدة المظفرة مدينة ظفار يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور. ووقع العفو عن الناس كلهم ولا يؤخذ لأحد منهم شيء واختطب الخطباء على منابر ظفار بالألقاب الشريفة المظفرية في يوم الجمعة الثالث من شهر شعبان. وتسلم العسكر السلطاني مدينة شيام في حضرموت يوم الثامن من شهر رمضان وقبض كافة بني الحبوضي يوم السادس والعشرين من شهر رمضان من قصر ظفار وأرسل بهم الأمير شمس الدين أردمر إلى الأبواب الشريفة فأمر السلطان بحملهم إلى زبيد فلم يزالوا تحت الصدقات السلطانية حتى انقرض آخرهم ولم يبقَ منهم أحد في وقتنا هذا.
ولما افتتح السلطان ﵀ مدينة ظفار في التاريخ المذكور كما ذكرنا وقتل سالم بن إدريس ارتعدت الأقطار القصية هيبةً للسلطان وامتلأت من خوفه قلوب ملوك فارس وأصحاب الهند والصين لما رأوا من علو همتهِ وعظيم نقمته. أرسل صاحب عمان بهديته فرسين ورمحين إلى الأمير شمس الدين أردمر وهو يومئذ في ظفار ووصلت هدايا صاحب الصين ووصل صاحب البحرين إلى زبيد ورتب الأمير شمس الدين أردمر في ظفار نائباً وهو الأمير سيف الدين سنقر الترنجلي وجعل الحسام التوريزي معه وعدهُ من مشاريخ العرب ومقدمي الرجل وعاد إلى اليمن.
وقال صاحب السيرة المظفرية يمدح الملك المظفر من قصيدة طويلة منها هذا
فاسأل به الأيام فهو عقيدها ... والعلم فهو مصنف ومؤَلف
واسأَل شَبَام وحضرموت ومن بها ... أَو عبد يوسف صادق أَم مخلف
أَم راضها بالسيف اغلب لم يزل ... للحق ينصف والأَعادي ينسف
إذا أصبحت ببقاع حريم خيلهُ ... كالطير للمهج الكرائم يخطف
стр. 168
يرمي العدى بشواظ كل مثقف ... فيهِ لمعوجّ الطغاة مثقّف
فهناك ما بيتُ نعى بتهامةٍ ... إلا بسيف أبي الممهد تقطف
من لا يفوت عليهِ نيل مرامةٍ ... لو أنه خلف الكواكب يقذف
هو في الأعابد كالأقارب حاضرُ ... كالشمس من كل المطالع تشرف
ومن الملوك الصيد تحت لوائهِ ... فرق وأُخرى في حديد ترسف
ليست ظفار بمعظم في ملكه ... بل في مواهبهِ تهون وتضعف
كالبحر ليس يزيد في أمواجه ... نهرُ وليس يضرُّهُ من يغرف
أظفار بدع من مدائن حازها ... بالسيف لا تحصي ولا هي تحصف
أَم تلك بدع من حصون شواهق ... تبدو فتنكر في النجوم وتعرف
ألقت بساحتك الرحال ملوكها ... فبظل بابك شملهم متأَلف
أَدنيت قاصيهم فككت أَسيرهم ... أَلبستهم أَمنت من يتخوَّف
هي عادة لك من قديم لم تزل ... للذنب تغفر والشدائد تكشف
كم من ملوكٍ قد أضعت دماءَهم ... لما عصوك ولم تُضِع من خلفوا
قال صاحب العقد الثمين وقال أخوه كندة مهنئاً للسلطان الملك المظفر رحمة الله عليهِ: بسم الله الرحمن الرحيم) فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين (مطالع صدق بالنصر نورها. وتباشير صدق تضاعف على العالمين سرورها. وسطوات ملك دفع من البدعة بطلها. وجيوش نصر عقدت الأرض لمشارق قساطلها. وهدمت من ربوع البغي منزالها. حتى حلت الخسار. ونزلت بوائق البوار. بمن نهض فلم يقدر. وزاحم فلم يصبر. فالحمد لله الذي حبا لمولانا المقام الأعظم السلطاني العالمي العاملي الجوادي الرحيمي الملكي المظفري خلد الله ملكه في عصور الأزمان ومعاطف الملوان وهذا الفتح المبين. واخمد بسيفه نار المبطلين.
وليست ببكر لم يرَ الناس مثلها ... ولكن علوان كان مثل لها قبلُ
стр. 169
وحين وردت البشارة وضح الحق للمرتابين. وازدادت طمأنينة قلوب المطمئنين.
وعاين الناس هاماتٍ مقطعة ... جاءت من البحر تسري بين أمواج
تؤُمها هامةُ كانت متوَّجةً ... أَودى بها الملك الصنديد ذو التاج
ساق المظفر جيش النصر من عدَن ... يأْتم في البحر أفواج بأفواج
وأَفعمَ البرَّ حتى ضاقَ واسعهُ ... بجحفلٍ لجب الأصوات عجَّاج
من كل معاجةٍ تعدو وتسكنها ... وكل نهدٍ حموم السد معاج
كتائبُ لأبي المنصور ما فترت ... لفرط أينٍ وتهجيرٍ وأدلاج
تشق في فلوات البيد سابحه ... بحراً من الرمل إلا أنه ساج
يا طول ذلك من جلٍّ ومرتحل ... وكثر شدٍ والجام وأسراج
حتى وردت ظفاراً بعد ما نبذت ... ما في البطون من أفلاءٍ وأمشاج
وبعد أن عقدت في عوقد فتناً ... ما كان سالمها بالسالم الناج
ما أنعلت ثم حتى منهم انتعلت ... نصالكم من دم الأجواف ثجاج
تعساً لسالم من غاوٍ لقد سلكت ... بهِ الغواية نهجاً شرَّ منهاج
فصار مورد أمرٍ غير مُصْدِره ... وصار ولاَّج حربٍ غير خرَّاج
أضحت بعوقد منهُ جثة طرحت ... والرأْس في كل أرض فوق معراج
رام المضاهاة جهلاً فاعتدى سفهاً ... ولا مضاهاة بين الدرّ والعاج
ولا زالت الثغور معمورة. والجيوش مؤيدة منصورة. وعقود التهاني منتظمة السلوك. والجنود المظفرية قافلة بجماجم الملوك. ما همر ركام. وسجع على فروع الأيك حمام.
ولما افتتحت ظفار كما ذكرنا انقادت حضرموت فجعل السلطان أميرها محمد بن محمد بن ناجي فأقام مدة ثم رجع إلى تعز فقيل له كيف عاملت أصحاب حضرموت قال لما حللت بشبام زاحمني رجل يقال لهُ يماني أعظمهم رجلاً فجمع عسكراً عظيماً لقتالي وجمعت أيضاً عسكراً لقتاله وطاولته في الحرب حتى انفق ما كان
стр. 170
عندهُ من صامت وناطق ولم يبقَ عندهُ شيءُ وكنت استمد من مولانا السلطان فلما لم يجد شيئاً ينفقه على من معه وصلني بنفسه فلما أناخ بعيره على باب داري ودخل الحاجب يستأذن لهُ فقلت لهُ يصل. فلما دخل عليَّ قال لي أعلم لما أردت الخروج إليك أشهدت جماعة أهل بيتي إني عل ذمة ابن رسول وذمتك يا محمد قل فقلت لهُ وهما عليك ثم أكرمتهُ وأحسنت إليه وجعلت لهُ موضعاً بكفيه وعاد إلى أهله على أحسن حال فجرى على ذلك النمط أربعة أقوام أحاربهم حتى يؤدوا أنفسهم إليَّ وبعد ذلك لم يرفع رأسه إليَّ أحد من أهل حضرموت.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو محمد سعيد بن أسعد بن علي الحراري واصل بلده قرية المراح في راس وادي نخلان وكان حافظاً لكتاب الله تعالى في ذي أشرق وكان حسنَ الصوت والخط فاستدعته الدار النجمي إلى ذي جبلةَ فصار بينهم معلماً عندهم. وكان السلطان الملك المظفر يختلف إليهم في أيام أمريته فحصلت بينهم وبينه معرفة فلما صار الملك إليه سأل من عمته الدار النجمي أن تؤثره به ففعلت فجعله معلماً لولده الأشرف فنال نصيباً وافراً من الدنيا وكان كثيراً ما يصدهُ عن أمور غير لائقة. فلما توفي ترحم عليه الأشرف وقال لقد كان يردنا عما لا يليق بنا. وهو الذي عمل الحوض الأسفل من النقيلين وجرَّ إليه الماءَ. وكان الغالب عليه الخير وصحبه الفقيه إسماعيل الحضرمي وأمثاله. وكانت محاضرة عند الأشرف جيدة وتأهل بامرأة من أهل السمكر واستوطنها. ولم يزل بها إلى أن توفي في شهر شوال من السنة المذكورة وكان له ثلاثة أولاد أكبرهم عمر خدم الأشرف سنتين. ثم صحب الفقيه أبا بكر التعزي الآتي ذكره وشغف به فترك الخدمة وتزهد وبعد ذلك سلك الطريق المعتادة. واشتغل بالزراعة وغيرها إلى أن توفي لعشر بقين من جمادى الأولى من سنة سبع وسبعمائة. وكان أخوه اسمه عل بن سعيد وكان كثير التلاوة للقرآن. واعتزل الناس حتى توفي سنة ست عشرة وسبعمائة. وكان اسم ابنه الثالث محمد ﵏. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو زكريا يحيى بن عثمان بن يحيى بن فضل بن اسعد بن حمير بن جعفر بن أبي سالم المليكي. وكان ميلاده آخر
стр. 171
نهار الجمعة الخامس من شهر صفر من سنة سبع عشرة وستمائة. وتفقه بابيه. وكان فقيهاً خبيراً كاملاً عارفاً ورعاً فاضلاً. واليه انتهت رئاسة التدريس بعد إيابه وكان ذا دين. وورع وزهد وفضل وكرم نفس درس في المدرسة الشرقية في جبلة وكان يطلع بلده أيام الحصاد فيقف شهرين هنالك. ثم يقطع من نفقته في المدرسة نصف الشهري بغيبته عن المدرسة. وإذا قبض ما يستحقه إنما يصرفه على المحتاجين من طلبة العلم. ولم يزل على أحسن سيرة إلى أن توفي في النصف من صفر من السنة المذكورة. رحمه الله تعالى.
وفي سنة تسع وسبعين كانت الفرحة السعيدة فاستدعى السلطان ﵀ الأمر علم الدين سنجر الشعبي إلى محروسة زبيد. واستدعى كافة الأشراف الحمزيين إلى أبوابه السعيدة. فلم يصل منهم إلا الأمير جمال الدين علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة. والأمير عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة. واعتذر الأمير صارم الدين داود بن الإمام. وسائر الشرفاء. فلم يزل الأمير عز الدين والأمير جمال الدين على الأبواب الشريفة بسبب الفرحة كما ذكرنا. فقبض الأمير صارم الدين داود بن الإمام عبد الله بن حمزة حصينهما. وكان لعز الدين تعز صعدة. فطلع الصاحب بهاء الدين محم بن اسعد العمراني محاكماً للأمير صارم الدين داود فحط بالجنان بالنون وكان الأمير صارم الدين بالمصنعة الجبل المطل عليها. فكانا يلتقيان على الثالث والرابع. والأمير علم الدين في صنعاء فلم يتم بينهم أمر ورأى الصاحبي من تعجرفهم وأدلالهم بكثرة عساكرهم وسوء فعالهم ما غاظه فكتب إلى السلطان يعلمه بذلك. فرد جواب السلطان يقول أن لم يدخلوا فيما قد شرطوه فانبذ إليهم وأشعرهم النقض فتوقف الصاحب عن النقض رجاء أن يعودوا ورجع إلى اليمن.
وفي هذه السنة استعاد السلطان حصن كوكبان من الخواليين بحصن ردمان واثنين وعشرين ألفاً. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن أحمد بن أسعد الأصبحي الفقيه الخطيب وكان فقيهاً صالحاً ذا دين وصلاح وورع وكان خطيب القرية المعروفة
стр. 172
بالذمتين. وكانت وفاته ليلة الجمعة لست بقين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وهو والد الفقيه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي صاحب المعين. وسأذكره في موضعه أن شاء الله تعالى.
وفي سنة ثمانين وستمائة وقع النقض بين السلطان والأشراف فنزول الأمير جمال الدين علي بن عبد الله والأمير عز الدين محمد بن أحمد بن الإمام إلى الأبواب الشريفة. فلم يزالا هنالك حتى انفصل أمرهما على تسليم حصينهما المنقاع وتعز صعدة. فقبضهما نواب السلطان في المحرم أول سنة إحدى وثمانين وستمائة.
وفي هذه السنة المذكورة اعني سنة ثمانين وستمائة. توفي الفقيه الإمام الحافظ أبو الخير بن منصور بن أبي الخير الشماخي السعدي نسباً الحضرمي نزيل زبيد. وكان فقيهاً إماماً حافظاً عارفاً. أدرك جماعة من الأكابر وأخذ عن أصحاب السلعة بمكة كابن الجميزي بجيم مضمونة وميم مشددة مفتوحة وياء مثناة من تحتها وبعدها زاي ثم ياء النسب. وأخذ عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عراف صاحب احور عن يحيى بن أبي نصير الطفاوي عن الإمام القلعي وتطلع على علوم كثيرة منه الفقه والنحو واللغة والحديث والفرائض والتفسير. وصنف ما يدل على جودة معرفته. وأخذ عن الإمام بطال بن أحمد الزكي. ولم يكن في آخر عمره نظير في جوده العلم وضبط الكتب بحيث لا يوجد له في آخر عمره نظير في الضبط.
قال الجندي أخبرني في جماعة ممن أدركه أنه كان لا يوجد إلا وعنده كتاب ينظر فيه ومحبرة وأقلام يصلح بها ما وجد في الكتاب من غلط أو سقط أو تصحيف وكانت وفاته بزبيد في سنة ثمانين وستمائة وعمره يومئذ سبعون سنة وجمعت خزانته من الكتب ما لم يجمعه أحد من نظرائه. ويقال أنه كان فيها مائة أم سوى المختصرات والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الكبير يحيى بن عبد الله بن الفقيه الكبير محمد بن يحيى. وكان فقيهاً محققاً ذا كرامات ومكاشفات وبه تفقه جمة كثير وقصده الطلبة من نواحٍ شتى وقصده فقهاءُ تعز. وكان رأسهم يومئذ أبو بكر بن آدم الجبرتي الذي تقدم ذكره فأَخذوا عنه البيان. قال الجندي وكانت وفاته على طريق البيت سنة ثمانين
стр. 173
وستمائة. أخبرني بذلك فقيه جبار وحاكمها والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن منصور الجنيد وكان فقيهاً تقياً خيراً تفقه بحسن بن راشد وبعمر بن يحيى وغيرهما ثم امتحن بقضاء ذي اشرق واليه انتهى تدريسها فذكروا أنه كان يوماً جالساً في مجلس التدريس فقال لأصحابه اليوم نحن فقهاء وغداً نكون صوفية. فلما كان من الغد قدم عليه رجل من أهل بعدان صوفي من أصحاب الشيخ عمر بن المسن يقال له جبريل فقال له يا علي كن معنا ومد يده إليه فحكمه ثم نصبه شيخاً وأَذن له في التحكيم. وكان الفقيه أبو بكر التعزي يومئذ في أول ظهوره وتعرضه للشهرة. وتظاهر بصحبة الصوفية ومحبتهم. وكان يومئذ شاباً فوصل إلى هذا الفقيه وتتلمذ له وكان من اظرف الناس في اجتلاب القلوب إليه فاحبه الفقيه علي لأنه يتواضع له ويعظمه ثم اجلبه إلى تعز وتلطف له بتدريس المدرسة الأسدية في معزية تعز. فأَجابه إلى ذلك. فنزل ودرس بها مدة ولم يزل إلى أن توفي في مستهل ذي الحجة من السنة المذكورة والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه أبو بكر بن عبد الله الريمي وكان فقيهاً كبيراً تفقه بعلي بن قاسم الحكمي. وتفقه به جماعة كثيرون كأحمد بن سليمان الحلمي وعمه عيسى وغيرهما فكانت وفاته في السنة المذكورة تقريباً. قاله الجندي قال وخلف ولدين فقيهين هما عبد الله ومحمد. فكان عبد الله معيداً فيها مدة ثم حصل عليه بن أيمن وجعل مكانه الفقيه محمد بن أبي بكر الناشري ليستعين به في نيابة الحكم إذا خرج إلى بلده والله أعلم.
وفيها توفى السلطان أبو السمو العلاء بن محمد بن العلاء الوليدي الحميري قال الجندي واصل بلده عفينة بفتح العين المهملة وكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وآخر الاسم هاء وهي من معشار تعز سكنها جماعة من قومه يعرفون بالأحاصر أهل رياسة مباثلة وانتقل إلى السمكر وكان يختلف إلى الجند وزيران وجبلة والى تعز ونواحيها وجبا. فأَخذ في أجند عن ابن المبردع وغيره وأخذ بزيزان عن ابن رفيد وبتعز عن علي السردي وغيره وبنواحي جبا عن أحمد بن علوان
стр. 174
وبجبلة عن محمد بن مصباح وكان رجلاً صالحاً بورك له في دينه ودنياه وكان الشيخ أحمد بن علوان يثني عليه وبوده وأجازه في جميع مقروءَاته ومسموعاته ومنظوماته ومنثوراته.
ومن عظيم ما كان بينه وبين الشيخ أحمد بن علوان من الألفة والمحبة أنه متى انقطع عن الوصول إليه والزيارة له وصله الشيخ إلى السمكر وأقام عنده أياماً. قال الجندي توفي على رأس ثمانين وستمائة وهي السنة المذكورة.
وفي هذه السنة أيضاً توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله الحسين بن علي بن عمر ابن محمد علي بن أبي القسم وكان مولده لخمس بقين من جمادى الأولى من سنة ثمان وستمائة تفقه ثم غلبت عليه العبادة.
ويروى أنه في أيام قراءَته ترتب في مدرسة عومان مع الفقيه يحيى بن سالم فذكروا أنه باع شيئاً من كليته بدراهم ثم ربطها في طرف ثوبه ثم احتاج أن يأْخذ شيئاً منها لبعض الأمر فلما فتح عنها وجدها عقارب فلفظها من ثوبه ولم يعد بعد ذلك إلى أخذ طعام المدرسة. وكان يكثر زيارة القبور ومتى صار في طرفها خلع نعليه وحملهما في يده ولم يزل على أحسن صورة إلى أن توفي يوم الخميس ثامن عشر المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح يعقوب بن محمد التربي نسبة إلى قرية من قرى وادي زبيد يقال لها التربة بضم التاءِ المثناة من فوق وسكون الراءِ وفتح الباءِ الموحدة وآخر الاسم هاءُ. ثم انتقل إلى موزع فتفقه بها على الفقيه بكر بن علي بن يحيى وكان على طريق الورع الكامل يزار للتبرك وينتفع به. وكان يدخل على نساء العرسانيين للشهادة في النكاح وغيره ولما اقطع السلطان المظفر ولده الملك الواثق موزع وكان قد نزل إليها فأقام بها مدة بلغه علم صلاح هذا الرجل فزاره إلى بيته نهاراً فلم يشعر الفقيه حتى قيل له هذا الملك الواثق صاحب البلد على الباب يستأذن عليك في الزيارة فأذن له فلما وصل سلم عليه فرد عليه الفقيه السلام ورحب به فسأله الدعاءَ فدعا له ثم خرج فتعب الفقيه من ذلك اشد التعب. ثم سأَل الله
стр. 175
تعالى ان ينقله فلم تطل أيامه بعد ذلك فتوفي. وكانت وفاته في السنة المذكورة تقريباً كما قال الجندي والله أعلم.
وفيها توفي الشيخ الفاضل عمر بن الشيخ الصالح مدافع بن أحمد بن محمد المعيني وكان محبوباً عند أبيه ونال منه حظّاً وافراً. وكان لا يقصده أحد بسوءٍ إلا وبلي بلاء ظاهراً. وكان من المترفين يلبس الثياب الفاخرة. ولم يزل مجللاً محترماً عند السلطان إلى أن توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وكان والده الشيخ مدافع بن أحمد ممن فتح اله عليه بالدين وأخذ يد التصوف عن الشيخ ابن الحداد نحو أَخذه عن الشيخ الجليل عبد القادر الجيلاني. وكان مدافع بن أحمد ممن اجتمع الناس على صلاحه وكماله. ولما فقد الشيخ أبو العيث بن جميل شيئاً من أحواله وصل إلى الشيخ مدافع وأَقام عنده في قرية الوجيز في مسجد قريب من بيته فأعاد الله عليه ما فقده وصحبه جماعة من أعيان الصوفية كعثمان بن سادح وعلي المرميمة وعمران الصوفي من عبلة وغيرهم. وكان الملك المسعود ابن الملك الكامل يومئذٍ صاحب اليمن من قبل أبيه وكان كثيراً ما ينزل من الحصن فيقف في الميدان أَو في المطعم يطعم الجوارح الصيدية فرأَى العسكر يروحون طريق الوجيز فسأَل عن ذلك فقيل لهُ انهم يروحون لزيارة رجل من الصوفية كبير الحال فبحث عنهُ فقيل لهُ أنهم يروحون لزيارة رجل من الصوفية كبير الحال فبحث عنهُ فأُخبر أن لهُ قبولاً عظيماً عند سائر الناس فأَحب أن يطلع على أمره واظهر أن غرضهُ زيارتهُ ووصل إلى بابهِ. وكان من عادة الشيخ مدافع أنه لا يجتمع بهِ أحد من الناس من أّذان الصبح إلى قريب من الزوال فوصل الملك المسعود إلى بيت الشيخ والشيخ مقبل على صلاة الضحى فوقف على الباب ينتظر الأذن والشيخ في صلاتهِ لم يعلم بوصوله فلما طال وقوفه على باب الشيخ وكلما خرج أحد من الفقراء قال الشيخ مشغول والساعة يخرج. اغتاظ من ذلك ورجع قبل أن يعلم به الشيخ وتوهم أنه ربما حدث منهُ ما حدث من رغم الصوفي فأمر بقبض الشيخ مدافع فقُبض وكان قبضهُ في عشرة رمضان من سنة سبع عشرة وستمائة فأقام محبوساً في حصت تعو إلى سلخ شهر ربيع الأول من سنة ثماني عشرة وستمائة ثم سفر به إلى الهند فدخل بلد الدنيول فأقام بها
стр. 176
شهرين وثلاثة أيام ثم خرج منها لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ثماني عشرة وستمائة ثم دخل ظفار فأقام بها ثمانية عشر يوماً وتوفي هناك رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وثمانين طلع الأمير جمال الدين علي بن عبد الله وخرج الأمير علم الدين الشعبي في عسكر وساروا جميعاً إلى الظاهر فحط الأمير على الدين الشعبي على الكولة وشرع في عمارتها ومعه الأمير عز الدين وحط الأمير جمال الدين علي بن عبد الله على حصن كحل وأشيح الظاهر الأعلى فأخذهما في اقرب مدة وعاد الأمير علم الدين إلى محطته وقد رتب في الدخصة والحبسيين والذروة بعض النقاء في عساكر جيدة. ثم رتب الشريف علي بن عبد الله بالكولة مائة فارس وألف رجَّال وأضاف إليه سائر الرتب ونزل هو والأمير علم الدين نحو سوانة ولم ينقل الأمير علم الدين محطته من الكولة إلا بعد سنة حتى استقامت أمور الرتب على ظفار من الناحية العليا ثم نهض إلى الناحية السفلى في سوانة هو والأمير عز الدين فعمر درب سوانة وشحنه ورتب فيه الأمير عز الدين في الناحية السفلى.
وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير شمس الدين علي بن يحيى العنسي نسبة إلى عنس من مذحج بنون وهي من قبيلة كبيرة من قبائل مذحج. وكان لهُ من السلطان نور الدين مكانة عظيمةُ وحمل طبلخانة وقطعهُ إقطاعاً جيداً وكان السلطان نور الدين ابن عمتهِ وقيل ابن أخته ولم يزل معززاً مكرماً إلى أن توفي المنصور واشتغل الملك المظفر بالملك فمال إلى أولاد عمه أَسد الدين وأخيه فخر الدين فلما لزم فخر الدين وحبسه المظفر كما ذكرنا أولاً كتب إلى أسد الدين يحثه على القيام واستنقاذ أخيه من السجن ويقول
لو كنت تعلم يا محمد ما جرى ... لشَنَنْتها شعث النواصي ضُمَّرَا
جرداً تراها في الأَعنَّة شُرَّباً ... تفري السباسب والنبات المقفرا
ترمي بها دربي تعزّ على الوجى ... لتقيم عذراً أَو تشيّد مفخرا
فأجابه ابن دعاس بأبيات احسن منها لا اذكر منها إلا بيتاً واحداً قوله
انظر إلى عدنٍ أطاعت أمرهُ ... والى تعز ومكةٍ أم القرى
стр. 177
ولما بلغ شعر علي بن يحيى إلى السلطان الملك المظفر تغافل عنهُ وأبقاه على حاله إلى أن مات المنصور وهو عليها وفي نفسهِ شيءُ عظيم فلما كانت سنة ثمان وخمسين تعب أسد الدين من كثرة الخلاف على ابن عمه وخشي من العرب القتل أو الأسر فأرسل إلى السلطان يريد الصلح فطلب السلطان يومئذٍ الأمير شمس الدين علي بن يحيى وأرسلهُ إلى أسد الدين ليسعى في الصلح بينهُ وبين السلطان فطلع إليه رسولاً بسبب الصلح فنزلا معاً. وكان السلطان يومئذٍ في زبيد فلما وصلا إلى زبيد أخلى لهما موضعاً من الدار فنزلا فيه ثم أمر بالقبض عليهما في آخر يومهما ذلك فقبضا. وأرسل بهما إلى حصن تعز ولم يزالا في السجن إلى أن توفيا رحمة الله عليهما.
وكان علي بن يحيى رجلاً كريماً شاعراً فصيحاً وكان يحب الفقهاء والصالحين ويحسن إليهم كثيراً وكان مع صحبتهِ لهم يتواضع لهم ويتأَدب معهم ويقبل شفاءتهم وكان مهما أمره به الفقيه ائتمر. وكان الفقيه يدعو له ويذكره بالخير فقل للفقيه إذا هذا رجل ظالم فقال أن دخل علي بن يحيى النار فإنها صحبة حمار بن والله لا مات إلا طاهراً مطهراً فقيل له وما تطهيره قال القيد والحبس فتما عليه ومات مسجوناً وعلم صدق ألفيه. وكانت وفاتهُ يوم الاثنين سلخ شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وكان قد ابتنى مدرسة في بلده ووقف عليها وقفاً جيداً حاملاً لكل أولاده فلما افتقروا عادوا إليه واستأثروا به والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عبد الله بن أبي بكر بن مقُبل لدين وكان مولده سنة ثمان وثمانمائة وتفقه بجدهِ أحمد وكان زميله في الدرس والقراءَة عمر بن الحداد وعرض عليهِ بنو عمران ولاية القضاء بعدَن وقد كان جدهُ بها فامتنع وكره ذلك وكانت وفاتهُ في قريتهم التي تسمى عرج في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه النبيه جمال الدين محمد بن حسين بن علي بن المحترم
стр. 178
الحضرمي وكان فقيهاً فاضلاً أديباً لبيباً غلب عليهِ فن الأدب وكان خطَّاطاً مجيداً فسأَل المظفر عن رجل يصلح لتعليم ولده المؤَيد فأرسل إليه فاستدعى به وأمره بالتعليم فعلم وأجاد وكان المؤَيد ببركة تعليمهِ من أعيان الملوك عقلاً ونبلاً. وكانت وفاته ليلة الاثنين مستهل الحجة من السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الله بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي الحضرمي وكان فقيهاً صالحاً مباركاً ذا كرامات مشهورة. ومن غريبها ما ذكر أنه مرَّ على باب السلطان بزبيد نوَبة خليل تضرب ومن العادة أنه لا يستطيع أحد أم يمرَّ هنالك لا راكباً ولا ماشياً ما دامت تضرب فمرَّ الفقيه راكباً ولم يقل له أحد شيئاً فعجب الحاضرون من ذلك. وكان مبارك التدريس درَّس بالمدرسة الشمسية بذي عدينة من تعز وكانت وفاته في العشرين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.
وفيها توفي الإمام الكبير محمد بن نجتح وكان من أمراء الدولة المظفربة ولهُ طبلخانة وإقطاع جيد وهو الذي ابتنى المدرسة المعروفة بالنجاحية بالناحية الشرقية من المغربة في مدينة تعز وأوقف بتعز وأخرى بالجَند وكان كثير فعل الخير والمعروف وامتحن في آخر عمرهِ بالعمى وأقام كذلك مدة ثم توفي يوم الاثنين ثامن القعدة من السنة المذكورة وخلف ابناً اسمهُ " كذا في الأصل عاش بعدهُ سنة وستة أشهر " ثم توفي في جمادى الأولى من سنة ثلاث وثمانين وستمائة ولم يعقب وله ذريةُ من قبل النساء يعرفون ببني السلاح.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أحمد بن مصباح بن عبد الرحيم الأحولي. وكان فقيهاً فاضلاً زاهداً ورعاً شريف النفس عالي الهمة حسن المقابلة. وكانت وفاتهُ في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة اثنتين وثمانين انهدم القصر بصنعاء على الأمير علم الدين سنجر الشعبي فمات هو وجماعة ممن كان معهُ تحت الهدم.
وحكى صاحب العقد في كتابهِ قال كنت ممن حضر يومئذٍ في المجلس مع الأمير
стр. 179
علم الدين دخلت إليه يومئذٍ ومجلسهُ يغصُّ بالناس فحضر غداؤُهُ فتغدى الناس معهُ وانقضت حوائجهم وخرجوا ولم يبقَ في المجلس إلا الأمير علم الدين وصهرهُ محمد بن يزيد ومملوكان للأمير صغيران وأبو بكر بن عمار وكاتب الأمير وقاضي الشرع عمر بن سعيد وأنا وأخي علي بن حاتم. فوقفنا إلى أن أذن المؤَذن للعصر فقام الأمير فصلى وعاد إلينا ثم قال لمملوكه احمل الماءَ للجماعة يصلون فطهرنا وصلينا ثم عدنا إلى ما كنا فيه من الحديث فلم نشعر إلا ودخل علينا غبار من أقرب الشبابيك إلى الأمير فقام وسأَل مملوكه ما سبب ذلك الغبار فانتثر علينا غبار وتراب من السقف فهممنا بالخروج فانحطم السقف الأسفل من تحتنا قبل الأعلى وذلك آخر عهد بعضنا ببعض وكان الهدم في أول وقت الظهر فوقفنا تحت الهدم إلى المغرب وكنت اقرأ ما احفظ من القرآن وأدعو بما تيسر من الدعاءِ وأتضرَّع إلى الله ولم يبقَ في خاطري إلا الموت فما شعرت إلا بالمساحي فوق رأسي فكان حسها يقرب قليلاً حتى فتشوا عن رأسي ووجهي فذكرت الله تعالى فاستخبروني عن نفسي فقلت أنا بخيرٍ أن شاءَ الله تعالى فسأَلوني عن الأمير فقلت هو قريب فأخرجوني وحفروا عن الأمير فوجدوهُ ميتاً قد وقعن على رأسهِ خشبة عظيمة واستمر الحفر عن الجماعة فاخرجوا القاضي عمر بن سعيد سالماً وهلك الباقون ولم يصلوا إلى آخرهم إلا آخر الليل. وفي هذا التاريخ كانت وفاة الأمير علم الدين سنجر الشعبي. وكان أميراً شجاعاً فارساً مقداماً لهُ همة عالية ومواقعهُ مشهورة مذكورة في اليمن الأعلى. وكان متديناً متنسكاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها سفراً وحضراً مع شدة البرد في الجبال حتى أنه يكون يقال ما يصلي أحد في المحطة إلا الأمير. وكانت تكة شراويله أو سراويله إذا وضعت على المعسر تضع ولدها للفور. وهو من مماليك الملك المسعود يوسف بن الملك الكامل الأيوبي وإنما سمي الشعبي لأنه كان في بيت المماليك وهو صغير ولم يكن يعرف من فسقهم ولا من شيطنتهم شيئاً فكانوا يسمونهُ شعيباً أي أنه عريُّ لا يشينه شيءُ من أفعال المماليك.
ولما وقع هذا الحادث العظيم اضطراب الناس في صنعاء وأعمالها وبلغ العلم
стр. 180
إلى الأمير صارم الدين داود بن الإمام فجمع عسكره والمماليك الأسدية وتوسموا قصد الأمير جمال الدين علي بن عبد الله ورفع المحاط عن ظفار فخرج الأمير عز الدين بلبان دويدار الأمير علم الدين الشعبي من صنعاءَ في مائة فارس وخمسمائة راجل إلى البون وجاءَت عيون الأمير صارم الدين إليه بالعلمِ فخرج بعسكره إلى الظاهر الأسفل وعرد عن الظاهر الأعلى ثم سار إلى حوب. ولما وصل العسكر المجرد من صنعاءَ إلى الأمير جمال الدين أغار على الأمير صارم الدين إلى حوب ثم عاد إلى ظفار ثم طلع محطة الأمير فخر الدين بن فيروز في عسكر اليمن إلى صنعاءَ فاستقرَّت المحطة على ظفار بعد ذلك نحواً من سنة.
وفي هذهِ السنة توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد ابن علي بن أبي القاسم الرياحي وكان قاضياً مرضيّاً في غاية من الزهج والورع والاقتصاد في مطعمهِ وملبسهِ. وكان مولدهُ في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وأصل بلدهِ إب وكان والدهُ قاضياً بها فلما دنت وفاتهُ حَذَّر ولدهُ محمداً من القضاء فلما توفي والدهُ لم يتعرَّض لهُ امتثالاً لأوامر أبيه لهُ فحدثت عليهم مظالم ومشاق كثيرة فقالت له والدتهُ يا ولدي اذهب إلى سير واعلم قاضي الأقضية بوفاة أبيك وما جرى عليك وعلى اخوتك من العنف والظلم فلعله يجعلك مكان والدك فتستتر عن الظلم فحينئذٍ تقدم إلى قاضي الأقضية وأعلمهُ بوفاة أبيه فعاد إلى البلد فأقام بها قاضياً سالكاً للطريق المرضية. وكان تفقه بمحمد بن مضمون فلما توفي قاضي تعز ابن أبي الأعز بعث إليه وولاَّه القضاء في مدينة إب. وكان القاضي محمد بن علي عالماً عاملاً ناسكاً ورعاً كثير السعي في قضاء حوائج الناس غير متكبر ولا متجبر.
قال الجندي أخبرني الثقة عن الثقة أنه رأى القاضي محمد بن علي يمشي حافياً في هاجرة النهار ونعله في يده قاصداً من المعزية إلى ناحية المحاريب في مدينة تعز قال فقلت له يا سيدي لم فعلت هذا قال بلغني عن النبي ﷺ أنه قال) من مشى في حاجة أخيه المسلم حافياً كان لهُ أجر عظيم (أو نحو مما قال
следующие страницы →