← История

История · id 9233

العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية

علي بن الحسن الخزرجي

Полный текст (588 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مدته فتوفي في سنة خمس وسبعين والله أعلم. وفي سنة تسع وخمسين تسلم السلطان ﵀ حصن عصدان في المحرم من السنة المذكورة. ثم تسلم حصن براش في رجب من الشريف أحمد بن محمد العلوي وعوضه عنه المصنعة وعزان من بلاد حمير ومالا أعطاه إياه. وفي شهر رمضان من السنة المذكورة طلع الأمير علم الدين سنجر الشعبي إلى صنعاء مقطعاَ لها ولأَعمالها وقد تأَهب الركاب العالي إلى مكة المشرفة لأداءِ فريضة الحج فخرج في حصن تعز في شوال من أسنة المذكورة. وكان له من الصدقات أتى مكة في البحر والبر ما لا يعمله إلا الله وكان ﵀ يسير في البر والمراكب تسايره في أبحر بالعلوفات والأطعمة فلما قارب مكة حرسها اله تعالى خرج الشريفان عنها إدريس ابن قتادة وأبو نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة خوفاً منهُ ثم دخل مكة في عساكره وجنوده داعياً ملبياً خاشعاً متضرعاً عاري الرأس والجسد حتى قضى حق الطواف. ثم تقدمت العساكر والجنود فحطت في الحجون ولم تزل إلى أن قضى ما يجب عليه من الوقوف بعرفة فوقف في ناحية الصخرات وطلعت أعلامه الشريفة وأعلام صاحب مصر فقال له الأمير عز الدين محمد بن أحمد بن الإمام هلا اطلعت أعلامك يا مولانا السلطان قبل إعلام المصريين فقال له أتراني أؤَخر أعلام ملك كسر التتر بالأَمس أقدم أعلامي لأَجل حضوري ثم مضى في حجه حتى أتمهُ ثم قصد البيت الشريف وحلَّ لهُ ما حرّم عليه. ولم يزل مدة إقامته بمكة يصلي المغرب على قبة زمزم ثم يطوف وارداً وصادراً وخدم البيت الشريف وأخذ المكسحة وتأبط القربة وغسلهُ ثم ضخمهُ بالغوالي الفاخرة مقام يحق لذي الكبريا ... ءِ أن يبدلهُ بالخضوع رأينا به الملك رب الفخار ... أبا عمر ذا النوال الهموع

стр. 107

خشوعاً مروعاً لتقوى الإِله ... وما كان من قبله بالمروع ثم أقام في مكة عشرة أيام بعد الحج يفرّق الصدقات المبرورة حتى وصلت صدقاته إلى كل منزل بمكة وعمت جميع الحجاج على اختلاف أنواعهم وجهز حاج مصر بالأنعام العام والأزواد والمراكب وكسى البيت المعظم وأنعم على رؤَساءِ الحرم بالتشريفات ونثر على البيت الذهب والفضة. ولما أزمع الرحيل تقدمت الاستاق المباركة إلى البير المعروفة بالبيضاء ثم ودع البيت باكياً مستعبراً وعاد سعيداً مقبولاً ولم يزل يوالي البر وينشر العرف في كل محطة حتى وصل بلاده. وفي هذه السنة توفي الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مصباح بن عبد الرحيم الأحولي العنسي. وكان مولده سنة سبع وخمسمائة أخذ عن إسماعيل بن سيف السنة وعن محمد بن مضمون وأبي حديد وغيرهم. ثم لما سمع بمعمر ارتحل إليه فوجده قد توفي قبل قدومه بقليل. فدخل بلد يزد فاخذ عن الفقيه محمد بن إبراهيم اليزدي ثم عاد إلى جبلة فأقام بها ببيع العطر وهو يشتغل بقراءَة الكتب. فلما ابتنى الدار النجمي المسجد الذي تنسب إليهم في جبلة جعلوه مدروساً فيه حتى توفي. وعند أخذ جمع كبير وقُصد من الأماكن البعيدة لعلو سنده وغرر روايته. وكان رجلاً صالحاً لما أهل له من التدريس. وممن أخذ عنهُ الفقه عمر بن سعد العقيني. ولم تزل ذريته يتوارثون تدريس المسجد بعده لا يعسر ذلك عليهم وكانت وفاته لأربع بقين من ذي القعدة من السنة المذكورة. وأما معمر المذكور الذي كان في الهند وقصد الفقيه زيارته كما ذكرنا فكان أسمه براءٍ مفتوحة وتاءٍ مثناة من فوقها وآخره نون على وزن وثن مفتوح أوله وثانيه. قيل أنه توفي سنة إحدى عشرة وستمائة في جزيرة بالهند تسمى فروزاً اخبرني من أثق به أنه وجد هكذا مكتوباً بخط الفقيه الإمام القطب أحمد بن موسى بن

стр. 108

عجيل. قال حكى لي من حضر موته في التاريخ المذكور قلت وأما الحفاظ فلا يثبتونه وقال الحافظ الذهبي لا حقيقة لهُ في الوجود. وإن صح وجوده فإنه شيطان يبدو للناس ليفتنهم. لان مثل هذا لتواتر الدواعي إلى نقلهِ ولتواتر الأخبار عنهُ. هذا لفظه بعينه ذكره في كتابه المغني والله أعلم وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن الحواري. وكان مولاده في مدينة زبيد وبها تفقه ثم صار إلى عدن وصحب الفقيه إبراهيم السرددي وآخاه ثم لما توفي أنزله قبره بعد أن اضطجع فيه قبله وكأنه فعل ذلك تأَسيساً بما فعله النبي ﷺ بام علي بن أبي طالب حين أراد دفنها. وهو ممن أخذ عن الصنعاني وكانت وفاته في السنة المذكورة. وقيل في سنة ثمان وخمسين والله أعلم. وفي سنة ستين وستمائة رجع السلطان من حجته المبرورة فدخل مدينة زبيد في أحسن زي واكمل آلة ذلك في شهر صفر من السنة المذكورة. وكان الشريف يحيى بن محمد السراجي قد دعا إلى نفسه في ناحية حصور وما والاها في آخر سنة تسع وخمسين وستمائة فأجابه اجزل أهل تلك الناحية. فخرج إليه الأمير علم الدين سنجر الشعبي مواثباً له فانهزم العسكر إلى المغرب وعاد الأمير إلى صنعاءَ فسار الشريف يحيى إلى بلد بني فاهم فامسكوه وسلموه إلى الأمير علم الدين فكحله في ذي الحجة من السنة المذكورة سنة ستين وستمائة. وفي هذه السنة توفي الفقيه علي بن عمر بن مسعود وكان فقيهاً جيداً صالحاً ولي قضاء صنعاءَ برهة من الزمن وكان الفقيه عمر بن سعيد أخاه لأمه فاستعفى السلطان نور الدين فأّعفاه وحج في آخر عمره. فلما رجع من الحج إلى مدينة زبيد. توفي بها في صفر من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه الصالح

стр. 109

سعيد بن الفقيه منصور بن علي بن عبد الله بن إسماعيل ابن أبي الخير بن مسكين. وكان في نهاية من الزهد والورع والعبادة مع الاشتغال بالقراءَة. قال الجندي أخبرني الفقيه الخبير بأحوال الناس من أهل جيله خاصة قال كان هذا سعيد بن منصور مصاحباً لابن مصباح واتفقا على أن من كان لهُ في شيءٍ من الكتب سماع أسمهُ صاحبه وانتزم ذلك بينهما. وكان بين ألفيه سعيد وبين الفقيه عمر بن سعيد صحبة ومؤَاخاة ومعاقدة أن من مات منهما قبل صاحبه حضرهُ الآخر وتولى غسلهُ والصلاة عليه. فلما مات الفقيه سعيد في بلده دلال. وكان قد أوصى أن يرسل إلى الفقيه رسولاً يعلمهُ بموته عند أن يموت. فلما توفي بادر الوصي أرسل رسولاً إلى الفقيه عمر بن سعيد يعلمهُ بموته. فلما بلغ الرسول الطريق لقي الفقيه عمر بن سعيد مقبلاً. فلما واجه الرسول قال له مات الفقيه قال نعم. ومن كراماته ما يروى أن زريعاً الحداد. وكان زريع من الصالحين المتورعين دخل على الفقيه سعيد بن منصور يوماً عقيب عي عرفه فقال يا سيدي رأّيت ما أَحلى الحج هذه السنة فنظره القيه نظرة بزورار ففهم زريع كراهة الفقيه لذلك فسكت مستحيياً ثم جعل الفقيه يغالط الحاضرين بكلام آخر ففهم الحاضرون المعنى فوقف حتى انصرف الحاضرون جميعاً عن مجل الفقيه. ثم قال يا سيدي سبحان الله نحن نحبكم وصحبنا كم ويحصل لكم هذا النصيب الوافر ولا تشركوننا فيه ولا في بعضه. فأراد الفقيه مدافعته بالكلام وإنكار ما أراد فلم يقبل من الفقيه ذلك الكلام وكان يأْنس بالفقيه كثيراً ثم قال لهُ سأَلتك بالله يا سيدي إلا ما أخبرتني كيف تفعلون هل هو طيران أم خطو أم ما ذلك. فقال الفقيه هو شيءُ لا يستطيع تكييفه وإنما هو قدرة من قدرة الله تعالى يختص برحمته من يشاءُ من عباده وبالله التوفيق. وفي هذه السنة توفي الشيخ الرئيس الماجد علوان بن عبد الله بن سعيد الجحدري ثم المذحجي المعروف بالكردي لقباً وكان قيلاً من أقيال اليمن وأوحد أعيان مشايخ الزمن. وكان كريماً شجاعاً مقداماً مطعاماً مطعاناً عفيف الأزرار مجتهداً

стр. 110

فيطلب الأجر والثناء وملك ناحية عظيمة من شرق اليمن وهي حجر ونواحيها وتغلب على حصون كثيرة منها العروسين ووعل والبورة ونعمان شرقي الجند وحارب ملوك الغز ولم يظفروا منه بطائل. وكان السلطان نور الدين في مدته قد حط عليه عدة محاط بالمقطعين من أُمرائه وطلخاناتهم إذا جاءَ وقت ما يضربون النوبة ترتج الأرض وترتعب النفوس فيقول علوان لقومه يا مدجح لا تفزعوا فإنما هي جلود بقز وله قصيدة في التأليب على حرب السلطان نور الدين يقول فيها: من تاب عن حرب نور الدين من جزع ... فإنني عنهُ ما عمرتُ لم أَتبِ وكاتب السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية وسأَل منه الإعانة في حرب نور الدين فأعانه بأموال جمة. ولم يزل السلطان نور الدين يتطلف به ويبذل فيه الرغائب حتى أُتي به إليه أسيراً فحسبه في حصن جب فلما صار في السجن أكثر التضرع إلى الله تعالى والدعاء بالخلاص فيقال أنه رأَى في النوم قائلاً يقول لهُ ادع الله بهذه الكلمات: اللهم إني أسأَلك بما ألهمت به عيسى من معرفتك وما علمته من أسمائك التي صعد بها إلى سماواتك وبما علمتهُ من ربوبيتك ووحدانيتك إلا فككت أسري برحمتك وكرَّر ذلك حتى حفظه فلم يزل يدعو بهذا الدعاء أياماً حتى أطلقهُ الله وأعاد إليه حصونه. ومن محاسن أفعاله أنه كان متى بلغه أن يتميمه قد بلغت الزواج ولم تتزوج ولم يُرغب خطبها هو واحضر لها مالاً له قدر فإذا خلا بها طلقها وربما يطلقها قبل أن يخلو بها فتُرغب من بعده إما للمال أو شحاً على زوجاته لها بعده وكان هذا دأْبه. ولما توفي السلطان نور الدين في تاريخه المذكور وطلع ولده السلطان الملك المظفر من تهامة استعان به على أحد تعز فأَقبل إليه بنحو من عشرين ألف رجل من مذحج. وكان شاعراً فصيحاً حسن الشعر ومن شعره قوله: والله لا استوطنت أرضاً تربها ... مسك إذا حظي بها مقسومُ

стр. 111

وعلام أُوطنها وعرضي وافرُ ... والرزق من أُفق السما مقسومُ لا آمن الأيام وهي معارةُ ... فوق التراب فحسبيَ القيومُ ومن شعره قوله أيضاً إذا كان قول الحق والحق قولهُ ... بمحكمة والملك في آية الملكِ معزُّ لمن شا والمذلُّ لمن يشا ... فكيف اعتراضي قوله الصدق بالشك ونفسك فاتركها عن الهم والأذى ... فراحتك العظمى لك الله في الترك فما الأمر إلا للذي صيَّرَ الورى ... وتسييرهم في لجنة البحر بالفلك وموجدهمُ من غير وجدان سابقٍ ... ومفنيهمُ بعد التكاثرِ بالهلكِ ولا تشك ما لاقيت من غير منصف ... إلى مثلهِ لكن إلى منصفٍ تشكي ولما تاب وحسنت توبته قال يعاقب نفسهُ: وقد كان ظني الغي واللهو إِنما ... يكونان في عصر الشباب العرانق فلما أتاني الشيب وانقرض الصبي ... نظرت وذاك الغي غير مفارق فقال بلى لكن رأَيتك ربما ... تكون بإحدى الحالتين موافقي فقلت له لا مرحباً بك بعدها ... وانك مني طالق وابن طالق فقال سمعنا ما حلفت بهِ لنا ... وكم مثله قد قلتهُ غير صادق فقلت أَمن بعد الطلاق فقال لي ... وأَي طلاق للنساءِ الطوالق فقلت له لي منك جار يجيرني ... فقال ومن هو قلت ذو الطول خالقي فوَلى لهُ مني ضجيجُ فقلتُ لا ... تضجُّ وبادر نحو كل منافق وشعرهُ كثير وديوانه مجلد ضخم والغالب عليه الجزالة وهو عزيز الوجود وكانت وفاته في السنة المذكورة على اصح ما قيل وقبر في موضع من بلده يعرف بالمرجانة والله أعلم.

стр. 112

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العتيق أبو بكر عبد الله بن محمد بن عمر بن محمد بن أبي عمران الملقب بالصوفي. وكان فقيهاً زاهداً صالحاً ورعاً متفنناً متقناً درس ببلده ثم درس ببلد صهبان ولم يزل بها حتى دنت وفاته فعاد إلى بلده فتوفي بها في السنة المذكورة والله أعلم. وفي سنة إحدى وستين تسلم السلطان حصن الجاهلي اشتراه من الشريف أحمد بن قاسم القاسمي في شهر بيع الأول. ثم تسلم حصن السوا في شهر رجب من السنة المذكورة. ثم تبارت العساكر المنصورة في شوال إلى حصن دمرمر فكانت محطة في الحصن الأبيض ومحطة في الحصن الأحمر ومحطة في أكمة ابن سنية ومحطة في الهامة. ووصل الأمير عز الدين محمد ابن أحمد بن الإمام والأمير عز الدين هبة بن الفضل وبذلوا لأهل دمرمر مائة ألف دينار وحصن بريس وحصن فده ووادي طهر وغير ذلك من الكسى والأنعامات فلم يقبلوا فأصابهم مرض لم يسمعوا بمثله كان إذا أصاب أَحداً سقطت أضراسه كلها فيقيم بعد ذلك نحواً من خمسة عشر يوماً ثم يموت. فهلك منهم طائفة في مدة يسيرة. وفي هذه السنة أرسل السلطان بكسوة البيت وكسوة الحجرة الشريفة على صاحبها افضل الصلاة والسلام. وفيها توفي الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفَشلَي. وكان فقيهاً كبيراً محدثا مولده في الرابع عشر من شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة وأخذ عن جماعة الأكابر كالشريف أبي حديد وابن حروبه الموصلي وغيرهما وارتحل إلى مكة والمدينة وأخذ عن أعيان المشايخ هنالك كابن أبي الضيف وعمر بن عبد المجيد القرشي وغيرهما. وأخذ عنه كثير من أهل اليمن وغلب عليه علم الحديث فكان إماماً فيه وهو أحد مشايخ أبي الخير بن منصور وممن أخذ عنه أحمد بن علي السرددي وغيرهُ. وكانت له مكانة عند الملك المنصور نور الدين ثم عند ولده السلطان الملك المظفر. وسمع عليه عدة من كتب الحديث. وكانت وفاته يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان

стр. 113

من السنة المذكورة. ركب دابتهُ يوماً في مدينة زبيد يريد بعض حوائجه فمرَّت الدابة عند كلب فنبحها فجفلت منهُ فوقع الفقيهُ من ظهرها على الأرض ميتاً في التاريخ المذكور. أَما والده إبراهيم القشلي فكان رجلاً صالحاً ذا عادات وكرامات وهو شيخ الشيخ أحمد الصياد والذي كان يدله على الطريق إلى الله تعالى بحيث حكى صاحب سيرته عنهُ أنه قال لما فتح الله عليَّ بما فتح لم يسلم لي الفقهاء والمشايخ غير هذا الشيخ إبراهيم الفشلي فإنه أخي وقسيمي في الدنيا والآخرة وكان يثني عليه ثناءً حسناً هكذا ذكر مؤَلف سيرة الشيخ أحمد أبي الخير الصياد نفع الله بهم أجمعين. وفيها توفي الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن الفقيه إبراهيم بن أحمد الوزيري. وكانت وفاتهُ سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ونشأَ نشوءَ البدو ولم يشتغل بشيءٍ من العلم حتى بلغ عمرهُ أربعين سنة. وكان إذا بلغ إلى ابن عمه أحمد بن عبد الله بن أَسعد بن إبراهيم لم يكد يصافحهُ ولا يتركهُ يدنو منهُ ويطوي عنهُ حصر الطهارة حتى جاءَهُ يوماً فبالغ ابن عمه في التحرز منهُ واظهر لهُ ذلك فقال لهُ لِمَ تفعل هذا معي فقال لهُ يغلب على ظني إنك لا تتحرى من نجاسة وإنك جاهل لا تعرف ما ينبغي لك اجتنابهُ. فلما سمع مقالة ابن عمه هذه دخله غيظ عظيم وخرج فلحق بعبد الله بن محمد الحساني الخزرجي المقدم ذكره أَولا فتفقه به ثم عاد إلى ابن عمه فأكمل عليه قراءَة كتب الفقه. فلما عزم ابن عمه على الحج إلى بيت الله الحرام استنابه على التدريس فدرس بالوزيرية وعنهُ أخذ جماعة كثيرون منهم ابن النحوي وابن التائه من أهل تعز وحسن بن علي من أهل أب وغيرهم وكانت وفاتهُ في سلخ ذي القعدة من السنة المذكورة. حكى تاريخ وفاته صاحب العطايا السنية. ولم يذكر الجندي لهُ تأريخاً والله أعلم. وفيها توفي الأديب سعيد وكان رجلاً صالحاً عابداً لهُ بعض اشتغال بالكتب

стр. 114

والقراءة ولم يزل على احسن سيرة إلى أن توفي في سلخ شهر ربيع الأول من السنة المذكورة فحضر دفنه خلق كثير لا يكادون يحصرون منهم الفقيه عمر بن سعيد العقيبي والشيخ علي صاحب المقداحة. وكان دفن الأديب سعيد في آخر النهار في قرية يقال لها الفراوي بفتح الفاء فبات أكثر الناس في القرية. وكان أهل بيته فقراء لا يملكون شيئاً فاتاهم من الجيران توزة فيها لوح وقدرة فيها زوم. وكان الفقيه عمر بن سعيد والشيخ علي صاحب المقداحة ممن أمسى هنالك تلك الليلة فتقلد أحدهما بكفاية الناس من ذلك اللحوح وتكفل الآخر بكفايتهم من ذلك الزوم. فقام أحدهما على إِناءِ اللحوح والآخر على إِناءِ الزوم ولم يزالا يطعمان الناس حتى صدروا كلهم عن كفايتهم والله أعلم. وفي هذه السنة توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن اسعد بن عبد الله ابن سعيد المقري المذحجي العسني بنون بعد العين والسين. وكان فقيهاً عارفاً بالفروع والأصول ولهُ في كل منهما تصنيف مفيد. وولي قضاء عدن برهة من الدهر. وكان موصوفاً بالورع وجودة الفقه غواصاً على دقائقه عاملاً به. قال الجندي سمعت شيخي أبا العباس أحمد بن علي الحراذي يذكر هذا الرجل ويثني عليه ثناءً بليغاً. وكان ممن أدركه وقرأ عليه وأخبرني أنه كان يعجبه الاختلاط بالفقهاءِ والمواصلة لهم. وكان مدرس عدن والمعيد بها والطلبة يصلون بكرة كل يوم إلى بابه ويحضرون مجلسه فيلقاهم بالبشر والإكرام. فإذا اطمأَن بهم المجلس جعل يلقي عليهم المسائل من الكتب التي يتعانون قراءَتها فمن وجده ذاكراً شكره ووعده بالخير وحثه على الاجتهاد. وكان ذا مكارم أخلاق وكرم طباع قل ما قصده أحد إلا أنحفهُ بما يليق بحاله. وكان كثير الصدقة متنزهاً عما يتهم به كثير من الحكام وكان كثير الصدقة على الفقراءِ والمساكين في كل يوم بدينار خبز. وكانت وفاته في عدن يوم الثلاثاء لاثني عشرة ليلة بقيت من صفر من السنة المذكورة وقبره في القطيع ﵀.

стр. 115

وفي سنة اثنين وستين تسلم السلطان الحصون الحميرية. وتسلم مدع من بني وهيب وعوضهم حصن بنت أنعم ومالاً اشترطوه. فطلع الأمير علم الدين إلى مدع بعد أن دخلته العساكر المظفرية. وفيها من المقدمين الحسن بن بهرام ومحمد بن ربيع وغيرهما. وقد كان الأمير صارم الدين داود بن الإمام أقام الشريف الحسين بن محمد العطاري واستمد به رجاء منه أن يتنفس على أهل ذمرمر وعلى أهل مدع فلم يتفق له ذلك ولم يكن للإمام عوده الله من النصر والظفر فلما قبض الأمير علم الدين حصن مدع وقبض الوهبيون حصنهم والمال الذي اشترطوه. وهو ستون ألفاً سقط في أيدي الأشراف ورأوا انهم قد ضلوا. ثم وردت الأوامر الشريفة على الأمير علم الدين الشعبي بالتقدم إلى ابن أقس والزاهر وأخذهما وكان تسليمهما في ذي القعدة من السنة المذكورة. ووصل العسكر المنصور صعدة في ذي الحجة منها. وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح القاضي أحمد بن ثمامة. وكان من أهل العبادة والصلاح وامتحن بقضاء الضحى ومرض مرضاً شديداً وكان يخرج أوقات الصلاة بين اثنين يستعين بهما في الخروج ليصلي مع الجماعة فصلى يوماً الظهر واضطجع بعد الصلاة فغلبتهُ عينهُ فنام حتى دخل وقت العصر فأيقظوه للصلاة فوجدوه قد مات. وكان يوم وفاته في السنة المذكورة. وفيها أيضاً توفي الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن اسعد بن إبراهيم الوزيري بلداً الأنصاري نسباً وكان فقيهاً ماهراً تفقه بابيه عبد الله ابن اسعد ودرَّس بالوزيرية بعد أبن مضمون وبه سميت الوزيرية لطول إقامته في تدريسها وإقامة ابن عمه أيضاً. ثم أراد الحج فسافر إلى مكة المشرفة في أيام السلطان نور الدين بعد أن استخلف ابن عمه أحمد ابن محمد ابن إبراهيم الوزيري المذكور أولاً. فلما قضى الحج وعاد احبَّ سكنى زبيد فسأَل من السلطان نور الدين أن يأْذن له في سكناها فأذن له في ذلك فاستوطنها وجعله مدرساً في المنصورية العليا بزبيد فاخذ عنهُ عدة من أهل زبيد منهم عمر بن عاصم وغيره. وممن أخذ عنهُ يحيى بن زكريا ولم

стр. 116

يزل مقيماً في مدينة زبيد إلى أن توفي في السنة المذكورة ودفن في مقبرة باب القريب فكان له أربعة أولاد أَفقههم سليمان سكن مخلاف شرعب. وكان فقيهاً صالحاً زاهداً ورعاً تفقه في بدايته بابيه ثم بالفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وأخذ عن أبي الخير بن منصور وعن السلطان علا السمكري وكان يقول شعراً حسناً ومن شعره ما قاله في الزهد وهو قوله: سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ... ولابدَّ من زاد لكل مسافر ولابد في الأسفار من حمل عدة ... ولاسيما أن خفت سطوة قاهر وفي هذه السنة توفي الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول في السجن ودفن عند أبيه بعكار بوصية منه وكان فارساً شجاعاً مقداماً لا يوجد لهُ نظير في عصره وشهرته تغني عن وصفه وهو الذي بنى المسجد بعكار عند تربة أبيه شمس الدين علي بن رسول ووقف عليه وقفاً جيداً ورتب فيه إماماً ومؤّذناً ودرسةً وقيماً. وكان وقفه يقوم بكفاية الجميع منهم وإطعام من وفد إلى المسجد وهو باق إلى الآن والله أعلم. وفي سنة ثلاث وستين قبض محمد بن الوشاح الشهابي. وفي شهر شعبان منها تسلم السلطان حصن ذمرمر سلمه أهله لما أصابهم من الجهد والمشقة فطلبوا الرفاقة والذمة ونزلوا إلى الأبواب السلطانية فأعطاهم السلطان ستة وعشرين ألفاً وتصدق عليهم بحصن قدة. وفي شهر رمضان تسلم السلطان الفص الكبير ثم تسلم براش الباقر بن محمد بن مفضل الوهبي في شهر ذي الحجة وفي هذه السنة توفي الفقيه العالم أبو يحيى عثمان بن الفقيه يحيى بن الفقيه فضل وكان فقيهاً متأَدباً بارعاً له محفوظات كثيرة وبديهة حسنة وكان حاضر الجواب نظماً ونثراً وكان شاعراً فصيحاً محسناً ومن شعره قولهُ طوبى لمن عاش بعض يوم ... ونفسهُ فيهِ مطمئنة

стр. 117

ولا لهُ في الملا عدوُّ ... ولا لخلق عليه منة وحضر يوماً جماعة من الفقهاء على طعام صنعه لهم الأمير شمس الدين علي بن يحيى العسني وكان بين ذلك الطعام صفحة مملوءَة لحوحاً وزوماً فتاقت نفس الفقيه إليه أكثر من غيره فكان يمد يده إلى الصفحة وكانت الصفحة على بعد منه فقال الأمير: بَعُدَ اللحوح عن الفقيه الأوحد ... عثمان بل خير البرية عن يد فأجابه الفقيه مرتجلاً: ترد المراسم أن أردت بنقله ... ويطول منك الباع أن قصرت بدي فقام الأمير مسرعاً من مكانه واحتمل الصحفة بما فيها ووضعها بين يدي الفقيه ثم لما انقضى الطعام قال الأمير شمس الدين للفقيه يا سيدي إني رأَيتك تحب اللحوح وقد وهبت لك الحربة الفلانية تكون باسم اللحوح فاقبلها مني فقبلها وكانت تسوى ألف دينار. فرحم الله علي بن يحيى ما كان الطف شمائله واجزل نائله وأكثر فضله وفضائله. وكانت وفاة الفقيه عثمان المذكور يوم الأحد لثلاث بقين من رمضان من السنة المذكورة. ولما توفي الفقيه عثمان في التاريخ المذكور خلفه ابنه يحيى بن عثمان بن يحيى بن فضل وكان مولده يوم الجمعة لخمس خلون من صفر سنة سبع عشرة وستمائة. وكان فقيها ورعا دئبا نقالاً للفروع عارفاً بها نزل إلى ذي جبلة فدرس في المدرسة الشرفية. وكان يطلع بلده في كل سنة يقف فيها شهرين أيام انتقال الغلة ثم يرجع إلى جبلة وقد اجتمعت عليه وقف المدرسة المذكورة فيصرف له الناظر نفقته في السنة فيرد منها نفقة شهرين لأجل غيبته عن المدرسة فقيل له يوماً أن المدرسين قبلك كانوا يغيبون أكثر مما تغيب أنت ويأخذون نفقة السنة كلها فقال لا تسأَلون عما أجرمنا ولا نسأًل عما تعملون. وكان يصرف ما يقتضيه من النفقة على المحتجين من الطلبة وفيما يطلبه منهُ أهل الديوان في خراج أرضه وتوفي ﵀ في

стр. 118

النصف من صفر سنة ثمان وسبعين وستمائة. وفي هذه السنة توفي الشيخ الصالح علي بن أحمد الرميمة وكان شيخاً مباركاً يصحب الشيخ مدافع ولزم طريقة العزلة في جبل صبر. قال القاضي محمد ابن علي اخبرني الشيخ علي بن الرميمة أن أكله في السنة اثنا عشر زبديَّاً يكلفه أهله على ذلك. وكان الزبدي التعزي يومئذٍ ثمانية أرطال قال وهذا القدر يأكله الواحد المنفرد في شهر واحد. وكان صاحب مكاشفات وكرامات ظاهرة. حكى القاضي محمد بن علي ﵀ قال كان الشيخ عبد الله بن عباس قد بعثه الملك المظفر رسولاً وبعث معه الأمير المعروف بابن الداية فلما صار وصل العلم أن عبد الله بن عباس توفي إلى رحمة الله تعالى وكان يصحبني فمررت ببابه فسمعت في بيته البكاء فطلعت إلى الشيخ علي بن أحمد الرميمة وأخبرته بوفاة ابن عباس ففي علق ساعة ثم رفع رأُسه إليَّ وقال لم يمت إلا ابن الداية وأما الشيخ ابن عباس ففي عافية فانزل واخبر بذلك أهله فنزلت مسرعاً وأخبرتهم ثم بعد أيام وصل الخبر بموت ابن الداية ولم يزل هذا الشيخ على الطريق المرضي إلى أن يوم الجمعة بعد صلاة الضحى وهو الخامس والعشرون من رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح المشهور أبو الخطاب عمر بن سعيد ابن أبي السعود بن أحمد الهمذاني العقيبي. وكان مولدة سنة عشر وستمائة. وكان عالماً عاملاً ورعاً فاضلاً عابداً زاهداً جامعاً لطريقي العلم والعمل وفقاً في كبره وصغره. روي عنهُ أنه قال خرجت يوماً أريد المعلاية وأنا صغير يتيم ومعي كسرة خبز فلما صرت في الطريق من ذي عقيب وجبلة أَكلت شيئاً من الكسرة التي معي فلقيني شخص حسن الهيئة فقال لي أنت فقيه وتأكل بالنهار فاستحييت من كلامه فكان غالب أيامه صائماً وكان غالب أصحابه يرون سبب مواظبته على الصيام من أجل ذلك وتفقه بمحمد بن عمر الخبيري المذكور أولاً وأخذ عن غيره كمحمد بن

стр. 119

مصباح وارتحل إلى وصاب فاخذ بها شرح اللمع لموسى الأصابي عن الفقيه أبي بكر الحناجي أخذه له عن المصنف وأخذ عنه شيئاً من كتب الحديث وكان يحفظ جامع البخاري من الصحيح عن ظهر غيب وقرأَ البيان على الفقيه عبد الله بدار يزيد في أيام القاضي أسعد وحج سنة فمرَّ في طريقه بالشيخ أبي الغيث ابن جميل فسلم عليه وسأَله أن يسمح له على صدره ولما ودعه سأله أن يبصق في فيه فبصق له ثم سافر فقيل للشيخ كيف أنت والجبلى فقال رجلاً كاملاً. قال الجندي ولقد سمعت جماعة من العلماء وغيرهم مجمعين على زهده وورعه وكمال عبادته وحسن فقهه وصيانة عرضه وكان كثير الصيام لا يفطر غير الأيام المكروهة ثم لا يأكل من الأطعمة إلا ما يعرف حله. وكان شديداً في الطهارة مبالغاً فيها وكان إذا أراد الاغتسال نزل في قميصه في جارة عظيمة فينغمس فيها مرتين أو ثلاثاً ثم يخرج إلى صفا هنالك فلا يبرح يصلي عليه حتى تجف ثيابه وأمره في الطهارة شديد. قال ولقد رأيت الصفا الذي كان يصلي عليه فرأيت في موضع سجوده أثراً ظاهراً قال وأخبرني أبو بكر بن أحمد المازني عن الفقيه عبيد بن صالح عن الفقيه عمر بن محمد بن مصباح أنه رأى والدهُ محمداً وقد توفي في طريق الحج بمدينة حلي بن يعقوب فقال له ما فعل الله بك فقال غفر لي وأدخلني الجنة ويل للمتقشفين فقلت له كيف هو قال بخير ويل للمتقشفين ويل للمتقشفين فسألته عن الفقيه عمر بن سعيد المذكور وكان قد توفي فجعل يعظم ويصف ما أعطاه الله ويقول فقال نعم لكنه قشف ظاهره وباطنه لكنه قشف ظاهره وباطنه وجعل يكرر ذلك مراراً. ويروى أن رجلاً وصل إلى الفقيه أحمد بن جديل وقال له يا سيدي الفقيه رأيت قبلي التعكر نوراً من الأرض صاعداً حتى خرق السماء فما ذلك يا سيدي فقال له ذلك القطب ويوم يموت ترتج الأرض لموته.

стр. 120

قال الجندي وأخبرني جماعة من أصحابه أنهم كانوا يتذاكرون ذلك ويقول بعضهم بحضرة الفقيه ربما أنه أتى فيتبسم الفقيه ويقول وربما فاخبرني جماعة لا أتهم منهم أحداً في ذلك أن الرجفة كانت وقت الظهر من يوم الجمعة والناس يتأهبون للصلاة. وكانت وفاة الفقيه ليلة السبت بين المغرب والعشاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة آخر شهور السنة المذكورة. وقبره على مرمى بيته ومسجده وتربته أكثر الترب قصداً في الزيارة قلَّ أن ينقطع الزائرون عنها ليلاً ونهاراً. ومما يحكى أن بعض الظلمة من المتصرفين كان كثير التردد إلى الفقيه والصحبة له وربما كان سبب موته شرق بشيء من الشراب فوصل من نعاه إلى الفقيه فأخبره بحاله الذي مات عليه فقال لأصحابه بسم الله سيروا بنا إلى هذا الصاحب فوافقوه بظواهرهم دون بواطنهم فلما صاروا في أثناء الطريق التفتت الفقيه إليهم وقال للذي يتحقق أنه أكثرهم كراهة لذلك يا فلان يا فلان إنما يُقام على الساقط وأما غيره فينجو برجلية. وكراماته كثيرة مشهورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الكبير زريع بن محمد بن عبد الواحد بن مسعود بن عبد الله الباجي الهمداني. وكان فقيهاً كبيراً فاضلاً وأهله من أبين وكان أبوه محدثاً تفقه زريع بمحمد بن إسماعيل الحضرمي وبعلي بن قاسم الحكمي. وكان صاحب روايات وأخبار مستحسنات. وكانت له كرامات ظاهرة وأسانيد عالية وعنه أخذ ابن الرسول في بدايته. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه أبو العباس أحمد بن علي وكان فقيهاً بارعاً تفقه بتهامة على الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وبه سمى ولده وذكران ببركة دعائه حصل لابنه إسماعيل ما حصل وذلك أنه لما اخبره بولادته وأنه سماه إسماعيل لذكائه فقال له الفقيه إسماعيل بارك الله فيه. وكانت وفاة الفقيه المذكور في مصنعة بني قيس في السنة المذكورة.

стр. 121

وفي سنة أربع وستين تقدم الأمير فخر الدين بكتمر القلاب في العساكر المنصورة فحط على المصنعة وعزان فاستنجد الأمير فخر الدين بن عبد الله بن يحيى بن حمزة. والأمير شجاع الدين أحمد بن محمد بن حاتم بالشريف مطهر واستنجد به أيضاً أهل بيت أردم لما لزم محمد بن الوشاح فطلع الشريف مطهر إلى حصن الطويلة. وخرج الأمير علم الدين الشعبي فحط في الرجام وجهز العساكر إلى المغرب وجبل نيس فاستفتحها وعمر موضعاً فوق الطويلة يسمى غراب وأكن وأقامت على الطويلة نحواً من سبعة أشهر. وفي شهر جمادى الأولى تسلم السلطان حصن المصنعة وحصن عزان. وأنعم على الأمير فخر الدين عبد الله بن يحيى بن حمزة، وشجاع الدين أحمد بن محمد بن حاتم ثلاثين ألفاً فسلما الحصنين وأي حصنين هما منكبي الشوامج اليمنية. وروقى المصانع الحميرية لم يقمع أحدهما قامع ولا طمع فيهما من الملوك طامع. وقد كان الأمير جمال الدين فليت حط عليهما في عساكر مصر واليمن ثم لم يكد ينجو بنفسه إلا بعد أن نهبت المحطة وما فيها من النجنيقات والزردخانة والخروج والحوايج خانة بعد أن انفق عليهما مائتي ألف مثقال ذهباً. وكان تسليمها وتسليم دمان أيضاً في جمادى الأولى من السنة المذكورة ثم تسلم السلطان بعدهما الفص الصغير في شهر رمضان. ثم تسلم حصن بيت أردم أيضاً في ذي القعدة. ثم تسلم القفل وشمسان من بني شهاب. ثم اللحام في القعدة اشتراه من أولاده الشريف سليمان بن موسى. وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير شجاع الدين عباس بن عبد الجليل ابن عبد الرحمن التغلبي. وكان أميراً كبيراً واصل بلده جبل ذخر بفتح الذال المعجمة أيضاً وآخره راء. وكان ذا مال جزيل وجاه عريض وكان أكثر ماله من التجارة وكان أميراً في مدينة زبيد وتأمر في عدن وله آثار حسنة. وكان أكثر الناس صدقة ومعروفاً وكان

стр. 122

إذا اقبل الحجاج من الحج وهو في بلدٍ ومرُّوا عليه كساهم ويعطيهم ما وصلهم إلى بلدهم وإن كانوا من البلد التي هو فيها أعطاهم ما يزيلون به وعناء السفر. وقد يتشبه ناس بالحجاج في زيهم ويأتون إليه فيعطيهم ما يليق بحالهم. وله من الآثار الدينية مدرسة زبيد عمرها ابنه محمد بعد موت أبيه وهي الدار التي كانوا أبوه يسكنها. وله أيضاً في قرية السلامة مسجد يعرف بمسجد عباس وهو غربي تربة الشيخ الصالح علي بن الغريب وله مسجد في قرية أبيات حسين ومدرسة في بلدة ذخر في موضع يعرف بالحبيل بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة. وله في كل موضع من هذه المواضع وقف جيد يقوم بكفاية المرتبين فيه وكانت وفاته بزبيد في السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الربيع سليمان الملقب بالجنيد بن محمد بن أسعد بن همدان بن يغفر بن أبي النهى. وكانت ولادته سنة اثنتين وستمائة وكان والده فقيهاً فاضلاً تفقه بمحمد بن الحافظ علي بن أبي بكر العرشاني واصل بلدهم ريمة المناحي. وعنه أخذ ابنه سليمان وكانت وفاة الوالد بقرية العدن من بلد صهبان في سنة خمس وعشرين وستمائة. وأما ابنه سليمان فكان فقيهاً جليلاً سيداً نبيلاً امتحن بقضاءِ مدينتي اليمن زبيد وعدن ثم غوفي من الجميع وعاد إلى بلده ثم انتقل إلى ذي اشرف وكان عابداً زاهداً مقصوداً مشهوراً باستجابة الدعاءِ وكان الفقيه عمر بن سعيد العقبي كثيرا ما يزوره ويأْمر أصحابه بزيارته وكانت له كرامات يحل قدرها عن الحصر وببركته وإشارته عمل الطواشي نظام الدين مختص المظفري من مظاهر الجامع بذي اشرف. وكانت وفاته رحمة الله عليه على الحال المرضي ظهر يوم الأربعاء النصف من شهر صفر من السنة المذكورة ﵀ وقبر بالعدينة حيث قبر بنو الإمام وهي بفتح العين وكسر الدال المهملتين وسكون الياءِ المثناة من تحت وفتح النون وآخرها تاءٍ تأْنيت وهي مقبرة كبيرة قديمة شرقي القرية ذي اشرف قبر فيها جمع كثير من الأفاضل الأخيار رحمه الله تعالى.

стр. 123

وفيها مات الفقيه الصالح المشهور أبو بكر بن محمد بن رشد بضم الراء وفتح الشين وكان هو وأخوه فقيهين صالحين وغلب عليهما الزهد والعبادة ويقال أن قدومهما إلى زبيد كان قبل قدوم الحضارم ورغبا في صحبة الشيخ الصالح علي بن مرتضى خليفة الشيخ الصالح محمد بن أبي الباطل الصوفي نفع الله الجميع. وتوفي أخوه عمر بن محمد بن رُشَد بعده بسنة وذلك في سنة خمس وستين وستمائة وهو جد الفقيه المشهور محمد عبد الله الحضرمي أبو أمه. وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبو العتيق أبو بكر بن عيسى بن عثمان الأشعري المعروف بابن حنكاش العلامة الحنفي المشهور وكان فقيهاً عاملاً عالماً إماماً في المذهبين وكان من صدور الفقهاء تفقه بالشريف عثمان بن عتيق الحسيني وغيره وكان لوحد أهل عصره اجتهاداً في طلب العلم ونشر المذهب حتى قيل لو لم يوجد لمات مذهب أبي حنيفة في اليمن. ويروى أنه أتى على كتاب الخلاصة ثلاثمائة شرف وانتهت إليه رئاسة أصحابه مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀. وكان يقرئ أهل المذهبين واجتمع على صلاحه المؤَالف والمخالف. فمن احسن ما ذكر من سيرته أنه منذ درَّس ما رؤي نائماً قط في رمضان ليلاً ولا نهاراً واصل بلده العنبرة قرية من قرى الوادي زبيد قريبة من البحر وهي التي تخرج مها علي بن مهدي ولما ابتنى السلطان نور الدين المدرسة التي في زبيد التي خص بها أصحاب الإمام الشافعي ﵁ وقف له هذا الفقيه في بعض الطرق وقال لهُ يا عمر ما فعل بك أبو حنيفة إذ لم تبن لأصحابه مدرسة كما بنيت لغيرهم فأمر ببناء المدرسة الثانية وجعل فيها موضعاً لأصحاب الإمام أبي حنيفة وموضعاً لأصحاب الحديث النبوي وكان خطيباً مصقعاً وشاعراً مفلقاً. ومن شعره في سن الحداثة ما أنشدهُ سبطه عمر بن علي العلوي حيث يقول: زبيد ودع شرق البلاد وغربها ... ولا تتحدث عن عراق ولا مصر أَجل نظراً فيها تعاين خريدة ... مليحة ما بين التراب والنحر

стр. 124

بلاد بها فاح النسيم معنبراً ... وأعقب مسك الليل كافورة الفجر وتفقه به جماعة كمحمد بن علي الصديقي وابن أبي سوادة وعلي ابن عمر وعمر بن علي العلوي وهو ابن بنته ومحمد بن عمر الأبح. ولما كان يوم الاثنين السابع عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة احتضر بعد أن مرض أياماً فحضره من أصحابه جمع كثير وذلك بعد طلوع الشمس فسأَلهم عن اليوم ما هو فدعى بطعام فأكله ثم قال لصهره علي بن عمر العلوي ارفع صوتك أنت والجماعة بلا اله إلا الله فقالوا يا فقيه إذا لم نذكرك ذكرتنا قال نعم فهللوا وجعل خواتيم سورة يس من قوله) أَوَليس الذي خلقَ السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم الآية (وجعل يكرر ذلك ثلاث مرات رافعاً بها صوته ثم تشهد عقيب ذلك وفاضت نفسه وصلي عليه ظهر ذلك اليوم وحضر دفنه جمع عظيم حتى قيل لم يكد يتأَخر عن حضور دفنه أحد من أهل زبيد. ويروى أن بعض أهل زبيد رأى شخصاً من أهله كان قد توفي قبل ذلك بسنين. فلما توفي الفقيه أبو بكر بن حنكاش ودفن كما ذكرنا رأَى الرجل الذي من أهل زبيد قريبهُ في النوم فقال له ما فعل الله بك فقال حبست منذ مت مع جماعة فلما توفي الفقيه أبو بكر بن حنكاش شفع فينا فأطلقنا وغفر لجميع من في المقابر ببركة قدومه رحمهُ الله تعالى. وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن عمر العلوي وكان مولده سنة ثمان عشرة وتفقه بابن حنكاش المذكور كما ذكرنا وكان فقيهاً فاضلاً له تفضل ومكارم أخلاق. توفي بعد شيخه بأربعة أشهر. في تاسع شهر شعبان من السنة المذكورة. وهو جد ابن الأبح وعقبهُ كثير في زبيد والله أعلم. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن سير بن إسماعيل بن الحسن الواسطي. وكان فقيهاً فاضلاً قدم نعم أولاً وأخذ عنهُ جماعة شتى من كتب الحديث منها قريب العهد المروي عم أمعمر بالهند ثم سافر إلى الجند لغرض الرجية بها

стр. 125

فأخذته بطنهُ وتوجع فلما أحس بثقل المرض طلب جملاً وحمل عليه فلما وصل الجمل على باب الجند برك فضربوهُ فلم يقم فقال بخ بخ لكم يا أهل الجند هذا علامة. موتي وقد وعدني ربي أن يغفر لي ولمن قبر حولي. ثم أُعيد إلى الموضع الذي نزل فيه أولا وهو المدرسة الشعيرية فتوفي مبطوناً غريباً لبضع وعشرين ليلة مضت من رجب من السنة المذكورة وقبره تحت جبل صرب مشهور مزار ﵀. وفي سنة خمس وستمائة قتل الأمير فخر الدين بكتمر الغلاب وكان السلطان الملك المظفر قد أمرهُ بعمارة الزاهر وجرَّد معه مائة فارس وخمسمائة راجل فقصده الأشراف بنو حمزة فقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه الذين كانوا معهُ وكان ذلك في شعبان. ولما قتل في التاريخ المذكور انحاز أصحابهُ الباقون إلى براقش فبرز أمر مولانا السلطان على الأمير علم الدين الشعبي بالتقدم إلى جهة الطاهر في عساكره وطلعت عساكره المنصورة إلى جهة حَجَّة ووقعت هنالك حروب عظيمة وتفاقم الأمر فاقتضى الأمر الرشيد والرأْي السديد طلوع الملك الأشرف عمر بن يوسف إلى جهة حجة لإطفاء نار هذه الفتنة فخرج في عساكره المنصورة حتى حط في الدبايب في محطة جده الملك المنصور ثم وجه المقدمين من العساكر إلى حجَّة فحصروا حصن مبين وكان فيه الشريف مُطهَّر. فلما اشتد عليه الحصار خرج مرفقاً واستولى العسكر المنصور على الحصن فأمر الملك الأشرف حينئذٍ بخرابه فخرب خراباً كلياً ثم صرف همته بعد فتح مبين إلى حصن الخلافة في ذي الحجة منها وهي الموقر وقراضة والعكاد وكحلان والعرانيق الثلاثة وكان فتحاً عظيماً له في حجة والمخلافة لم يكن لأحد قبلهُ من الملوك إلا الجده المنصور رحمة الله عليهما. وكان فتح حجَّة في شهر رمضان من السنة المذكورة وفتح المخلافة في ذي الحجة منها. وفي هذه السنة المذكورة تقدم السلطان إلى بلد الجحافل دنينه وما والاها وكانوا قد أفسدوا فقتل منهم جماعة وأذعن الباقون ونزلوا عن الخيل ورهبوا وظهر حسن طاعتهم ورجع السلطان من بلادهم مظفراً منصوراً.

стр. 126

فقال القاسم هتيمل يمدح السلطان الملك المظفر يوسف بن عمرو يهنئهُ بالظفر: قل يا نسيم لأهل الضال والسمر ... ما صدَّ سامركم عن ذلك السمرِ واشرح حديث الغضا والنازلين به ... وان تجلت بشرح الكل فاختصر وهات من عطرات الحي ما حملت ... من مسكهن حواشي ذلك العطر نشدتك اله لا وريت عن خبر ... مما علمت ولا موَّهت في خبر فتحت رمزك سرُّ ما نممت به ... إلا وأنت من الواشي على حذر ما كان من شرحة الوادي أهل عصرت ... أعطانها لتعاطي ذلك الثمر وهل نشجن قلوب إليهم غلتها ... من ظلها الطلق أو من مائها الخصر يا صفقة الغبن غرَّتني جويريةُ ... فبعت قلبيَ منها بيعة الغرر باتت ترَوّعني بالبين طالبةً ... فتلي فلم تبق في قلبي ولم تذر خوطيَّة القد لا طول ولا قصر ... في قدها فهي بين الطول والقصر جنيَّةُ في مغيب الشمس يحجبها ... عن أمها وأبيها قوة الخفر حوريةُ شهدت آيات بهجتها ... ونورها أنها ليست من البشر كأنما هي في تركيبها خرطت ... من صورة الشمس أو من صورة القمر جسم ارق من الخمر الشمول على ... قلبٍ قساوته أقسى من الحجر إذا رمى طرفها عن قوس حاجبها ... أصمتك بالرمي عن قوس بلا وتر ما أطيب العيش لولا علة حكمت ... فيها بموت الضنى من ميتة السعر فجانب الناس وانظر في تفاضلهم ... إلى الطباع ولا تنظر إلى الصور فان طعمت برزق من يدي ملك ... فاطلب من الله واطلب من يدي عمر مولى الملوك الذي لو انهم وزنوا ... بظفره نقصوا وزناً عن الظفر أغرُّ بالشرف العلوي زينتهُ ... كزينة الخيل بالأوضاح والغرر مظفرُ ما أتت من وقعةٍ يدهُ ... إلاَّ مسوَّمة الأظفار بالظفر ترى المصانع والغيطان منهُ بشمسي ... العدواة ليلى السرى نهر

стр. 127

لا يستريح ولا يفضي بهِ سفرُ ... ما سار آل رسول الله في اليسير وعزمةٍ كل حدٍّ من صرامتها ... أمضى من الموت أو أمضى من القدر لو أن هيبتهُ أو بعض هيبته ... تلقى على الفلك الدوار لم يدر أحيي التتابع والأّدواء فاشتملت ... بالعدل دولة قحطان على مضر وجال في الأرض حتى قال ساكنها ... هذا خليفة ذي القرنين والخضر إن الخلافة قد آمت وقد فنيت ... عنها ملوك بني العباس والتتر وان طلبت مطاراً للتي عضلت ... فقد وجدت جناحاً طائراً فطر هذا قميصك إما قُدَّ من قُبُلٍ ... كابن النبي وأما قدَّ من دبر فانهض لعذرتها وأعلم بأنك أن ... أهملتها كانت الاحدى من الكبر وما أظن قناة الدهر أن عجمت ... بطاعن لي بها تخلو عن الخور يهني دقينة أن الله عوَّضها ... من الدآدي ببيض البيض والغرر غر الجحافل حصناها وما علموا ... أن الزجاجة لا تقوى على الحجر أَرسلت صاعقة في غيم بارقةٍ ... تردي وتبرق في رعدٍ بلا مطر فسلموا الخيل واعتاضوا بها حمراً ... فاعجب على حمر منهم على حمر أعميتهم فتمنوا انهم خلصُوا ... عور العين ومن للعمي بالعور جاءوُك يا شمس إرسالاً وقد بذلوا ... لك الحكومة في الأنثى وفي الذكر اسمع بقيت مصاناً عن منافسة ... الأَغيار في الملك محروساً من الغير أني امرؤُ في فمي ماءُ وفي كبدي ... جراحه من أمير غير مؤْتمر قد ذُقت من غصص الدنيا وفجعهتا ... ما كان منهُ جميل الصبر كالصبر أن جرجر العود فانظر ما بغاربه ... فانه أن رغا يرغوا من الدبر وانظر إليَّ بعينٍ منك راحمةٍ ... لا تقصدن غير وجه الله في النظر والبس من الحبر الموشى مذهبةً ... ينسيك مذهبها موشيةً الحبر وفي هذه السنة المذكورة توفي الشيخ الصالح العارف بالله أبو الحسن أحمد ابن

стр. 128

علوان الصوفي صاحب يفرس قرية من نواحي جبا. وكان مولده في قرية عقاقه بضم العين المهملة وألف بين قافين وآخر الاسم هاءُ وهي قرية من قرى جبل صبر معروفة ونشأَ في قرية تعرف بذي الجنان من جبل ذخر ولم يزل على ترفة ورعونة على ما جرت عليه عادة أولاد الكتاب لان والده كان كاتباً للملك المسعود بن الملك الكامل. ثم شب شباباً حسناً فكان قارئاً كاتباً عارفاً بالنحو فاضلاً في اللغة والكتابة وشعره وكلامه في التصوف دليل على ذلك. وذكر بعض نقلة أحباره أنه دعتهُ نفسه وهو شاب إلى قصد باب السلطان والتعرض للخدمة وخرج من قرية ذي الجنان وسار نحو باب السلطان فبينما هو سائر في أثناء الطريق إذ بطائر اخضر قد وقع على كتفه ومد منقاره إلى فيه ففتح فصبَّ فيه الطائر شيئاً فابتلعه الشيخ ثم عاد من قوره إلى بلده فلزم الخلوة أربعين يوماً فلما كان يوم الحادي والأربعين خرج من المعبد وقعد على صخرة يتعبد فانقلبت الصخرة عن كف فقيل له صافح الكف فقال ومن أنت فقال أبو بكر فصافحه فقال له قد نصبتك شيخاً والى ذلك أشار في شيء من كلامه الذي يخاطب به أصحابه حيث يقول وسيحكم أبو بكر الصديق ثم التقى له الحب في قلوب الناس والوجامة وظهرت لم كرامات كثيرة وتحكم لهُ جمع كثير ثم ارتحل إلى الشيخ أبي الغيث بن جميل فاخذ عنهُ اليد أيضاً والبسه الخرقة الشريفة وكان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم. وكان يقول شعراً حسناً ومن شعرهِ من قصيدةٍ طويلة يحث فيها السلطان على العدل وحسن السيرة هذا: يا ثالث العمرين افعل كفعلهما ... وليتفق فيه منك السر والعلن واستبد عدلاً يقول الناظرون له ... نعم المليك ونعم البلدة اليمن عار عليك قصورات مشيدة ... وللرعية دور كلها دمن وصنف كتاباً في الوعظ نحى فينه منحنى ابن الجوزي فلذلك يقال له جوزي اليمن وله في التصوف فصول كثيرة يتكلم فيها على لغات شتى وقيل لبعض العارفين من أين كان الشيخ يعرف تلك اللغات وهو عربي ولم يعرف له خروج عن

стр. 129

بلده فقال كانت روح الشيخ أحمد مهبطاً لأولياء الله ولهم لغات كثرة يتكلمون بها على لسان الشيخ فينطق بها ما يقولون. وكان الشيخ أشوق إلى كلامه من سامعيه. وكان متى علم أن في السامعين لكلامه من لا يفهمه قال معرضاً به يا واقفاً في الماء وهو عطشان. وفي آخر الأمر تأهل بامرأَة من أهل يفرس فسكن معها وترك قريته ذا الجنان ولم يزل بها حتى توفي ليلة العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة ودفن على باب المسجد وهو القبر الملتصق بالمسجد على يسار الداخل إليه وكان له ولد يسكن ذا الجنان وكان على طريق مرضي إلى أن توفي عشرة شهر شوال من سنة خمس وسبعمائة رحمه الله تعالى. وفي هذه أسنة أيضاً توفي افقه الإمام العالم البارع أبو عبد الله بن أبي بكر بن الحسين بن عبد الله الزوقري الركبي المعروف بابن الحطاب لان أباه كان يسكن قرية النويدرة التي هي على باب سهام من مدينة زبيد وكان يبيع الحطب فيها. وكان ميلاد الفقيه في آخر المائة السادسة وتفقه بالفقيه علي بن قاسم الحكمي واطلع على علوم شتى وكان فقيهاً باراً أصولياً فرعياً فرضياً حسبانياً مفسراً مقرئاً يقرأ القراءات السبع وكان يقول أنا ابن عشرين ليس لي مناظر في شيء منها. ويرى أن بعض الأكابر من أهل زبيد عمل وليمة وطلب أكابر الفقهاء فحضروا وحضر من جملتهم الفقيه علي ابن قاسم وتأخر ابن الحطاب المذكور وطال بطؤُه عن حضور الجماعة ثم وصل بعد ذلك والناس جميعهم في انتظاره فأقبل ييمس عليه ثياب مرتفعة فقصد المجلس غير محتفل بأحد فقال شيخه علي بن قاسم ما هذا العجب مع هذا الصبي فنقل إليه المجلس ما قاله الفقيه. فقال متمثلاً يقول أبي الطيب: أن اكن معجباً فعجب عجيب ... لم يجد فوق نفسه من مزيد ثم قال وكيف لا اعجب وأنا ابن عشرين لا أجد من يناظرني في شيء منها فنقل الكلام إلى الفقيه علي بن قاسم فقال شغله الله فكان من أمره ما كان. ولما تفقه ابن الحطاب وبرع على أهل عصره انتقل من قرية النويدرة إلى مدينة زبيد

стр. 130

وتزوج بنت شيخه علي بن قاسم الحكمي وحاز مسجد الأشاعر على أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁ وأقام يدرس فيه وإذا دخل وقت الصلاة يأمر المؤذن بالأذان ثم يبادر إلى أداء الصلاة في أول وقتها فتعب من ذلك أصحاب الإمام أبي حنيفة وكان لا يكاد يوجد لا مدرساً لعلم أو مقبلاً على صلاة وكان غالب تدريسه في مسجد الأشاعر وتارة في المسجد الذي عند بيته وهو المسجد المعروف بمسجد الأمير فخر الدين في حافة الخبازين شرقي الموضع المعروف بالمدرك ولم يزل هذا دابه برهة من الزمان فلما كان ذات يوم من الأيام استدعى بأخيه أبي الخير بن أبي بكر الحطاب الذي هو جد بني الحطاب الموجودين في قرية النويدرة فقال لهُ يا أخي أني رأيت البارحة ربي تعالى فقال لي يا محمد أنا أحبك فقلت يا رب من أحببته ابتليتهُ فقال لي استعد للبلاء وأنت يا أخي فكن على أهبة من أمري. ثم أنه خرج في يومه ذلك إلى مسجد إلا شاعر بزيد فصلى فيه العصر مع الجماعة ثم رجع إلى بيته مسرعاً فلما صار في أثناء الطريق غشي عليه فمرَّ به الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وهو في تلك الحال فأكبَّ عليه وقبله بين عينيه وقال أهلاً بك يا محبوب ثم حمل إلى بيته وكان ذلك وهو ابن خمس وعشرين سنة وكانت زوجته بنت شيخة الفقيه علي بن قاسم الحكمي ففسخ عليه نكاحها واشترى له من ماله جارية وخطبت زوجته فقالت لا أريد به بدلاً حياً ولا ميتاً فكانت الجارية تخدمه وتقوم بحاله وتحفظهُ في ساعة غفلاته ووطئها فولدت له ابنتين عاشت إحداهما إلى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. وكان من أكثر الناس حفظاً للآثار والأخبار والأشعار وكان الطلبة من أهل عصره وأصحابه يقرؤون عليه في الأوقات التي يكون فيها معافاً وكان يقول شعراً حسناً. قال الجندي اخبرني والدي يوسف بن يعقوب قال كنت أحب هذا الفقه على ما أسمع عنهُ واكره أن أراهُ وهو على ما بلغني عنهُ من الحال فجاءَني بعض الأصحاب يوماً وقال لي أريد أن تذهب معي إلى الفقيه محمد بن الحطاب لأسّلِمِ عليه وكان الرجل يصحبه أيضاً فرافقتهُ وسرت معهُ إليه فلما دخلنا عليه سلمنا فرد علينا السلام

стр. 131

ردَّاً حسناً ثم قال للرجل يا محمد هل جئتنا بشيء فقال ما جئت إلا بنفسي فقال مرتجلاً: أتانا أخُ من غيبة كان غلبها ... وكان إذا ما غاب تنشده الركبا فقلنا له هل جئتنا بهدية ... فقال بنفسي قلت نطعمها الكلبا قال الجندي ونحو ذلك ما اخبرنا الشيخ أبو الحسن علي ابن الشيخ الفاضل منصور بن حسن عن أبيه قال دخلت أنا والمقري محمد بن علي بن الفقيه محمد بن أبي بكر الحطاب فسأَله المقري عن مسألة في الحيض مشكلة فأبانها له ثم انشدهُ: لو علمنا مجيئكم لبذلنا ... مهج النفس او سواد العيون وفرشنا على الطريق خدوداً ... ليكون المرور فوق الجفون وأوصافه الحسنة جمة كثيرة لا يمكن استيعابها. وكانت وفاته بزبيد وقبر في مقبرة باب سهام وقبره معروف مشهور مزار وتبرك به وعند قبره قبر رجل من التابعين وقيل من الصحابة والله أعلم. وفي هذه السنة توفي الفقه الصالح ابن إبراهيم بن صالح بن علي بن أحمد العبري وكان فقيهاً صالحاً وعاصر الخضري المعروف بالبرهان وولي قضاءَ تهامة اجمع فكان قضاؤه مرضياً وكان على يد عمارة الجامع المظفري بالمهجم في أيام الملك المظفر وكان من أهل الدين والدنيا وممن يأخذها ومن وجها ويضعها في مستحقها كثير البر والمعروف وله مكارم أخلاق وكان يضرب به المثل في الكرم وكان في حلقة تدريسه أكثر من مائة طالب وكانت لهُ مروءة وشفقة على الأيتام. ويروى أنه كان يعمل في النصف من شعبان من الحلوى شيئاً كثيراً يفرقهُ على الأيتام وعلى الضعفاء وعلى الخواص من أصحابه ولا يدع فقيهاً في البلد إلا واساه بشيءٍ من ذلك ومكارمه أكثر من أن تحصى. ولم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى ولما توفي ﵀ في التاريخ المذكور صار القضاء الأكبر بعده إلى الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وخلفه في رئاسة البيت ابن أخيه علي بن محمد ابن إبراهيم بن صالح والله أعلم.

стр. 132

وفيها توفي الفقيه العالم أبو محمد عمرو بن علي بن عمرو بن محمد بن عمرو بن اسعد بن أبي جعفر بن عباس التباعي. وكان يلقب بمظفر الدين وولد في بلد بني شاور سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وصحب الفقيه علي بن مسعود المقدم ذكره وتفقه بن ثم طلع الجبال وقصد جبا فأدرك الشيخ أبا بكر بن يحيى فاخذ عنهُ عربي الهروي ثم قصد مصنعة سير فقرأ فيها على الحسن بن راشد مسند الإمام أحمد بن حنبل وهو ممن أخذ عن ابن أبي الصيف وابن أبي حديد وغيرهما من الكبار ثم قصد مصنعة سير مرة أخرى في سنة ثمان وخمسين وستمائة فاخذ القضاء عنه بها شيئاً من مسند الإمام أحمد بن حنبل. ولما انتهى في الفقه انقطع عن شيخه علي بن مسعود وهو إذ ذاك ببيت حليفة عند الشيخ عمران بن قبيع القرابلي فاشترى موضعاً عند أبيات حسين وابتنى فيه مسكناً وأزدرع ما زاد على موضع البناء وكان قد تزوَّج بابنة أخي شيخه علي بن مسعود وبروك لهُ في الذرية منه بركة ظاهرة. وكان تزويجه بها سنة ثمان وعشرين وستمائة. ويروى أن الفقيه المصري خرج من بلده وقد صار فقيهاً فقصد زبيد وناظر فيها فقهاءَها فلم يجد عندهم مقنعاً فتمتل بقول الأول: لما دخلتُ اليمنا ... رأيت وجهي حسناً أُفٍ لها من بلدة ... افقهُ مَنْ فيها أَنا ثم عاد من فوره وكلما مرَّ بفقيه قصده وناظره حتى أتى بيت حسين فأراد الاجتماع بالفقيه علي بن مسعود فقصد مدرسته وهو إذ ذاك مقيم مع تليمذه هذا عمرو بن علي الساعي. وكان أول من لقبه عمرو بن علي فظن أنه الفقيه علي بن مسعود ففاتحه السؤال فلم يزل عمرو يجيبه ويستزيده حتى تم سؤاله ثم ألقى عليه عمرو سؤَالات أجاب عن بعضها وتأخر عن بعض. فقال له الفقيه عمرو كيف ترى وجهك الآن إشارة إلى البيت الذي بلغه أنه تمثل به إذ كان قد بلغهم تمثلهُ به. فقال يا سيدي المعذرة إلى الله ثم إليك يا أبا الحسن فعلم الفقيه عمرو أنه لم يعرفه وإن في ظنه أنه الفقيه علي بن مسعود. فقال إنما أنا بعض تلاميذة الفقيه علي. وأما الفقيه

стр. 133

علي فهو ذاك في محراب المسجد فأقدم إليه فقدم إليه وقد علم أنه لا طاقة له به. وقال في نفسه إذا كان هذا درسي من درسه فكيف يكون المدرس ثم دخل على الفقيه وسلم عليه. وسأل منه الدعاء. وكان عمرو كبير القدر معظماً عند أهل العصر. وكان شيخه علي بن مسعود يثني عليه ثناءً حسناً ويقول هو أكثر أصحابي أخذاً عني وهو الذي لقبه بمظفر الدين وأعطاه كتبه في آخر الأمر واستخلفه على تدريس أصحابه فدرس واشتغل بالفقه والعبادة. وتفقه به جمع كثير من أهل تهامة والجبال. وممن تفقه به ابنه محمد بن عمرو وعلي بن إبراهيم وأحمد إلى أن توفي عصر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه اله تعالى. وفيها توفي الشيخ الصالح أبو محمد عيسى بن حجاج العامري الغيثي نسبة إلى الشيخ أبي الغيث أولاً وهو أحد أصحابه واصله من عرب يقال لهم أبو عامر يسكنون جبلاً تحت حصن الشرف المذكور في بلد وصاب وهو قرب من سوق المجمع وبلادهم تعرف ببلاد أسل وكان الشيخ عيسى صاحب كرامات وصاحب حال ومقال وصاحب تربية وعلم من علوم الصوفية وكانت وفاته في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة ست وستين تسلم السلطان حصون علوان الجحدري وهي العرائس. وفي شهر جمادى الأخرى من السنة المذكورة وردت الأوامر الشريفة على الأمير علم الدين سيجر الشعبي بالتقدم إلى صعدة فخرج إليها في خمسمائة فارس وثلاثة آلاف راجل فحط في الجوف ثم تقدم نحو صعدة وجمع أمير صارم الدين داود بن الإمام كافة بني حمزة وعسكراً عظيماً فيهم عسكر بن سجر وفيهم م الرُّحل واحدة فحفظوا تلك الطريق بالخيل والرحل فلما وصل الأمير علم الدين إلى النقيل المذكور حط في أسفله ضحوة نهار تغدى وغدى الناس جميعاً ثم وقف إلى الظهيرة ورتب الأمير ابن نور في مائتي فارس وألف راجل في المحط ثم لبست الخيل وطلعت النقيل

стр. 134

فلم يجد أحد فيه مسلكاً لضيقه ووعارته وكثرة العسا كرفيه فلما رأى الأمير علم الدين سجر الشعبي ذلك تقدم في كتبية عظيمة من فرسان الخيل وأجواد الرجل وطلع في موضع آخر شعروا حتى صار معهم مستديراً لهم فلقيه الأمير عم الدين حمزة بن الحسن بن حمزة. وكان يومئذ فارس بني حمزة غير مدافع فكان أول من صرع منهم ثم انكسر عسكر الأشراف وقيل عسكر ابن مسحر. وكان فارساً شجاعاً فولوا مدبرين وأخذت طبلخاناتهم وسار العسكر المنصور في أثرهم فمال الأمير داود بن الإمام إلى براش صعدة ودخل الأمير علم الدين صعدة وقدامه رأس الشريف حمزة بن الحسن بن حمزة ورأس عسكر بن مسحر وأخرب في صعدة عدة مواضع وخرج إلى مخاليفها فأخربها أيضاً ونهب الناس كل من وجدوه في مخلاف صعدة ثم عاد إلى صعدة فأقام فيها أياماً ثم قفل إلى صنعاء ظافراً منصوراً. وفي هذه السنة أمر السلطان بتحلية باب الكعبة بالذهب والفضة على يد ابن البعري. ووصل رسول صاحب مصر إلى اليمن بالمكتابات والهدايا فتوفي الرسول باليمن في آخر السنة المذكورة. وفي هذه السنة توفي الفقيه صالح بن علي بن إسماعيل الحضرمي، وكان فقيهاً صالحاً عابداً زاهداً ورعاً تفقه به أحمد بن سليمان الحكمي ومحمد ابن إبراهيم الشكر وغيرهما. وكانت وفاته رحمة الله تعالى عليه في سلخ شهر شعبان من السنة المذكورة. وفيها توفي الطواشي نظام الدين مختص المظفري. وكان مولى الغازي بن جبريل ثم خدم مع السلطان نور الدين فجعله لآلة ولده المظفر فرباه أحسن تربية وأدبه أحسن أدب. ولما صار أمر السلطنة إلى السلطان الملك المظفر حمل له طبلخانة وأقطعه إقطاعاً حاملاً، فكان كفؤاً لما ندب إليه. وكان شجاعاً مقداماً عالي الهمة. وكان راغباً في طلب الأجر وبقاء الذكر كثير الصدقة. وابتنى عدة مدارس وآثاره باقية إلى عصرنا هذا. ومن مآثره المدرسية النظامية في زبيد ثم المسجد المعروف بمسجد السابق النظامي نسبة إلى عبد له. ثم مدرسة بذي هُزَيْم ناحية من نواحي تعز. وله مدرسة في ذي جبلة. وأخرى في موضع تعرف بالوحص بفتح الواو

стр. 135

وسكون الحاء المهملة وآخره مهملة أيضاً وهو موضع قريب م نحصن بحرانه والله أعلم. وفي سنة سبع وستين تسلم السلطان حصن براش صعدة من الأمير عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام بعد أن رهن الأمير عز الدين ابنه وابنته. ثم ورد الأمر على الأمير علم الدين سنجر الشعبي بالمحطة على ثلا فحط عليه محاطَّ كبيرة وذلك في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة وأخذ البعيرة قهراً بالسيف ورتب فيها من يحفظها. وفي هذه السنة سار الأمير موسى بن الرسول والأمير مغلطاي أحد المماليك البحرية في عسكر من الباب الشريف مع الأمير عز الدين محمد بن أحمد بن الإمام للمحطة على تلمص. فلما اشتد الحصار على ثلا وتلمس اجتمع الأشراف والعلماء من الزيدية على الأمير صارم الدين داود بن الإمام وسألوه أن يخرج الحسن بن وهاس للنصرة به على رفع هاتين المحطتين. فأخرجه على كره منه خرج به الشريف علي بن عبد الله بن طيار إلى حصنه المنقاع فلما اجتمعت عساكرهم قصدوا صعدة فثبتوا التي على تلمص فانهزم مغلطاي بالمماليك إلى فللة. فأجارهم جولان وساروا بهم طريق تهامة. وأما موسى بن الرسول فتخفر بقوم من العرب يريدون نجران فعلم به الأشراف فتبعوه حتى أدركوه معهم فقتلوه دعمة تحت حصن تلمص في نصف شهر جمادى ورجع الأشراف من صعدة فجمعوا جموعاً عظيمة وقصدوا علم الدين الشعبي إلى ثلا فنزل من المحطة وكان سبب نزوله أن المكان وعر والخيل لا تقع فيه فخاف على الرتب فنزل وأنزلهم فدخل الأمير جمال الدين على عبد الله ثلا في رجل كثير وانحاز الأمير علم الدين إلى سام وسار منها إلى صنعاء فدخلها في شهر رمضان من السنة المذكورة. ثم خرج الأمير علم الدين إلى الطاهر الأعلى والأسفل فأَخر بهما خراباً كلياً وعاد إلى صنعاء. وفي هذه السنة حج صاحب مصر وهو السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري من الديار المصرية إلى مكة المشرفة رحمه الله تعالى. وفيها توفي

стр. 136

الأمير نجم الدين عمر بن يوسف الرين وهو أخو الملك المظفر لامه. وكان أميراً كبيراً ذا همة عالية وسيرة حسنة. ومن أثاره المدرسة المعروفة بالعمرية في مدينة تعز نسبة إليه وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة. والله أعلم. وفيها توفي الفقيه الإمام أبو محمد الحسن بن القاضي أبي الحسن علي بن عمر بن محمد بن علي بن قاسم الحميري. وكان شديد الاجتهاد في طلب العلم ومطالعة كتبه حتى ذكر الفقيه أنه أقام سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء ولم يكن يسأل عن طعام ولا شراب حتى يؤتى به ولا يشتغل بأهل ولا ولد. قال الجندي أخبرني الثقة أنه رأى النبي ﷺ قد جاءه في جماعة منهم الإمام الشافعي فاستحيى وقال يا رسول الله بِمَ استحققت هذه الزيارة فقال باجتهادك في طلب العلم وتتبعك الأسانيد العالية. وكان فقيهاً مباركاً رحالً في طلب العلم روى شرح ابن يونس للتنبيه عن محمد ابن عبد الله بن الحسن الأنصاري الخزرجي عن المصنف. وبلغهُ أن الفقيه محمد الهرمل لهُ رواية سندها قريب من رسول الله ﷺ فارتحل إليه فلما وصل إليه أخذ الرواية عنهُ فقال له ابن الهرمل نحب أن نسمع عليك البيان فأجابه إلى ذلك فكان وقت أن يسمع يقعد هذا الفقيه على الهرمل على السرير ويقعد هذا الفقيه دونه وقت قراءة البيان قد يرفع الفقيه محمد رأسه إلى السقف فيرى حنشاً مخرجاً رأسهُ من السقف وهو مثل المستمع ولا يزال هذا دأبه حتى تنقضي القراءة فاخبر الفقيه به الجماعة فقال ابن الهرمل هذا رجل من فقهاء قرأ عليَّ التنبيه والمهذب وهو الذي سألني أن أسألك إسماعنا البيان ولما قدم الشيخ علي بن بشير الواسطي مدينة الجند وصار إلى تعز أخذ عنهُ هذا الفقيه. قال الجندي وذيل طبقات ابن سمرة ومن تعليقه أخذت تاريخ جماعة من الفقهاء فكانت وفاته في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.

стр. 137

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن أسعد كرامات وآثار مشهورات. وكان رصيناً في دينه وعقله لا يأخذ العلم إلا عمن خبره وتفقه بابن ناصر ويعمر بن الحداد. ويروى أنه قدم عليه البلد رجل غريب متظاهر بالعلم ومعرفته وعرض للفقيه وأصحابه أن يقرئهم فقال له الفقيه أنا لا أخذ العلم إلا عن من تحققنا دينه وأمانته وأنت غريب علينا ربما أوقعتنا في محظور من حيث لا نشعر. ولم يأخذوا عنه شيئاً. وكان شديد الورع عظيم الزهد قليل الكلام إلا في مذاكرة العلم وذكر الله تعالى وبه تفقه جماعة منهم محمد ابن أسعد الجعيم وأبو بكر بن أحمد التباعي وغيرهما. ولما تحقق السلطان الملك المظفر صلاحه زاره إلى منزله بسفنهد ودخل مدينته وسأل أن يطعمهُ شيئاً فدخل الفقيه موضعاً من بيته واخرج له وللقاضي إليها خبزاً من برولم يكن يعهد معه شيءُ فأكل السلطان والقاضي ما أكلا ثم أخذا شيئاً ليتبركا به يعهده. وكان إذا مشى اطرق إلى الأرض ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً. توفي ليلة الجمعة أول وقت العشاء في شهر شعبان من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه سراج الدين أبو بكر بن عمر بن إبراهيم بن دعاس الفارسي نسباً وكان أديباً فاضلاً فقيهاً في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁. ونال حظوة من السلطان الملك المظفر وابتنى مدرسة في مدينة زبيد خص بها أهل مذهبه لم تكد تخلو من مدرس وهي التي تعرف بالدعاسية فيما بين سوق المنحارة والسوق الكبير وكان شاعراً فصيحاً وله شعر رائق توفي في مدينة زبيد مهجوراً من السلطان لإدلال حدث منهُ على السلطان في حقه وحق وزيره البهاء فطرد من تعز إلى مدينة زبيد فأقام بها إلى أن توفي في جمادى الآخرة من السنة المذكورة والله أعلم. وفي سنة ثمان وستين تجهيز الأمير علم الدين الشعبي إلى صعدة فدخلها يوم

стр. 138

الثالث من صفر من السنة المذكورة. وفي شعبان منها وقع الصلح بين السلطان والأشراف بني حمزة. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو زكريا يحيى بن زكريا بن محمد بن أسعد ابن عبد الله بن الكلالي ثم الحميري وكان فقهاً فاضلاً تفقه في بدايته بأهل الملحمة ثم تفقه بالحسن بن علي وأخذ البيان عن عبد الله الهمداني وأخذ عن اسحق الطبري ومحمد بن مختار الرداري ودرَّس في المدرسة المعروفة بالغرابية في مدينة تعز إنشاء السلطان نور الدين وكان فقيهاً عارفاً بالفقيه نقالاً توفي يوم الأحد لإحدى عشر ليلة بقيت من شهر رمضان من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه العامة عبد الله بن يحيى بن أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن لهيب الهمداني نسباً وكان مولده سنة تسعين وخمسمائة تقريباً قاله الجندي وأدرك أحمد بن إبراهيم الأكشيبي أحد أصحاب الشيخ الإمام يحيى ابن أبي الخير وسمع عليه البيان فانتشر عنهُ سماع البيان بالسند العالي فاستدعه السلطان الملك المظفر فأخذ عنه بحضرة القاضي بهاء الدين وبعض أهله. وسألهُ يوماً فقال له يا فقيه لكم سمعت البيان فقال لخمس وعشرين سنة فقال وعلى ابن كم فقال على ابن خمس وثمانين سنة وكان عمرهُ حين سألهُ تسعين سنة تقريباً. فقال لهُ بعض الفقهاء ومتى كانت قراءَتك فقال سنة ستة عشرة وستمائة. ولما ابتنى الشيخ علي بن محمد بن عبد علي الحميري مدرسة في قرية الحُجْر بضم الحاءِ المهمة وسكون الجيم جعل هذا الفقيه مدرساً بها فكان الناس يأتون إليها ويأْخذون عنهُ فيها. ويروى عنهُ أنه قال مرة كنت أيام طلبي العلم كثيراً ما أَرى النبي ﷺ ولقد اعرف مرة إني كنت سائراً إلى الشيخ الذي أنا أقراُ عليه فاشتقت إلى رؤية النبي ﷺ فملت عن الطريق ونمت فرأَيته ﷺ ثم أنا الآن لم أجد ذلك وكان يتأَسف على ذلك. وكانت وفاته في قرية مسورة بفتح الميم وسكون السيم المهملة وهي تحت حصن بيت عز رحمهُ الله تعالى. وقيل عاش إلى نيف وثمانين والله أعلم.

стр. 139

وفيها توفي الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن عبد الله المعروف بصاحب المقداحة وكان من أعيان العباد ومشاهير الزهاد. قال الجندي أخبرني الفقيه العارف بكثير من أحوال الناس أن هذا الشيخ كان في بدايته راعياً لغنم له في بعض نواحي المشرق. وكانت له زوجة فبينا هما ليلة على سقف بيتهما إذ أقبل فقير إليهما فقالت المرأة لزوجها قم إلى هذا الفقير واعتذر إليه فإنا قد تعيشنا وليس معنا شيء نطعمه منه فقام الشيخ مبادراً فأمسكت رجلاه فدخل في نفسه أن ذلك حال من الفقير فغير نيته وعزم على تلقيه وإدخاله المنزل ثم قال لامرأته قومي اطبخي لنا شيئاً نأكله فكرهت فأَخذ عوداً لها ليضربها فقامت فصنعت لهم شيئاً وأتت لهما به فأَكل الشيخ والفقير وهما يتحادثان فلما فرغا مسح على رأس الشيخ وصدره ثم ودعه وسار ثم أن الشيخ عزم على الحج فأَعطى زوجته بعض الغنم الذي معه وباع الباقي فتزود بثمنه وسار إلى مكة. فلما قضى الحج عاد إلى بلده عازماً على خدمة الفقراءِ في بعض الربط فقدم الجند وبها عدة من المشايخ أصحاب الأحوال والكرامات فقصد شيخاً منهم يعرف بعبد الله بن الرُّميش بضم الراءِ وفتح الميم وسكون المثناة من تحت وآخرهُ شين معجمة ونسب بني الرميش في بني مسكين. قاله الجندي فالتزم خدمة الرباط فذكروا أنه امتحنهُ ولم يحكمهُ وأراد اختباره كما جرت العادة من المشايخ فظهر له منهُ أمور كثيرة وأحوال خارقة فأراد أن يحكمه فقيل لهُ أنه ليس من أصحابك إنما هو من أصحاب الشيخ أبي الغيث فقال لهُ يوماً يا علي تقدمَّ إلى الشيخ أبي الغيث فاصحبهُ فهو شيخك فبادر ونزل تهامة. فذكروا أن الشيخ أبا الغيت كان يقول لأصحابه يقدم عليكم رجل كبير من هذه الجهة في هذه المدة ويشير إلى الطريق فجاءَ منها فكان الفقراء يخرجون كل يوم إلى تلك الجهة يلتقونهُ فلما كان اليوم الذي وصل فيه خرجوا يلتقونهُ فوقفوا حتى أحرقتهم الشمس فلما دخلوا البيت قد الشيخ علي فدخل الرّباط فلما رآهُ الشيخ رحب بهِ وحكمه من ساعته وقد كان على معلوم حصله في نظر الشيخ الرميش لهُ بالجند فازداد بنظر الشيخ أبي الغيث حسناً حتى كان من أعيان الطريق يقولون

стр. 140

نساجة صاحب المقداحة الرميش وقصارة الشيخ أبي الغيث. ثم عاد إلى الجيل بعد مدة وقصد مسجداً خراباً في موضع يعرف بالمقداحة فاعتكف فيه ولم يكن يومئذٍ فيه ساكن إنما يأْتيه الرعاءُ أحياناً. فلما علم به الناس أتوهُ وسكنوا عندهُ وبنوا له المسجد. ثم بنوا له رباطاً وتحكموا على يده فرباهم احسن تربية بإلزام الصيام والقيام والزهد والورع واقبل الناس على الشيخ من كل ناحية بالفتوحات الكثيرة فكان يقبلها ولا يبيت عنده شيء منها. واجتمع عندهُ جمع كثير ولازموا الجمعة والجماعة وساروا في طريق القوم والشريعة ولم يتجاوز الشريعة منهم أحدُ. فظهر في أصحابه جماعة أخيار وكان لا يميز نفسهُ على أصحابه فإذا وصل فتح وصل إلى الصغير منهم كما يصل إلى الكبير ومناقبهُ أكثر من أن تحصى. ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي ليلة الثلاثاء لست بقين من جمادى الأخرى من السنة المذكورة والله أعلم رحمه الله تعالى. وفي هذه السنة توفي الإمام الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن علي الهرمل وكان من أعيان الفقهاء وفضلائهم يسكن العطفة قرية بين كدرا سهام والعجمة وهي بكسر العين المهملة وكان من كرام الفقهاء وذوي الإحسان فيهم يقوم بالمنقطع من الطلبة. ويروى أنه لما توفي بكي عليهِ في أربعين بيتاً فسئلوا عن سبب ذلك فقالوا كان يقوم بكفايتنا ولا يعلم بنا أحدُ. وكان ورعاً شديد الورع. يروى أن الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي قدم عليه في بعض الأيام فنزل عنده في جماعة من أصحابهِ فسأَلهُ عن صابون ليغسل بهِ ثيابه. فقال لهُ منذ سمعت أن الغز يطرحون الجلجلان على الناس كرهت الصابون والغسل بهِ فلا اغسل ثيابي إلا بالحطم. فقال الفقيه إسماعيل لأصحابه لقد فاق علينا هذا الرجل بورعه. وله مصنَّفُ في الفقه سماهُ التحفة ضمنهُ زيادات الوسيط على المهذب يدخل في مجلدين يوجد مع أهل شحينه. وهو الذي قراَ البيان على الفقيه حسن بن علي الحميري. وكان بعض فقهاءِ الجن يسمع لقراءَتهِ وقد تقدم ذكر ذلك. وكان مشهوراً مذكوراً وامتحن بالعمى في آخر عمره وأَعاد الله عليه نور بصره. وكانت وفاته ليلة الاثنين

стр. 141

لثمان خلون من رجب من السنة المذكورة في قريته المذكورة بعد أن تفقه به جماعة منهم علي الصربدح وعلي بن أحمد الحجنفي وعلي بن عبد الله العامري وإسماعيل بن علي الرقاني وجماعة كثيرون والله أعلم. وفي سنة تسع وستين قتل الشريف إدريس صاحب مكة وترتب بعده فيها أبو يمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة والياً فأقام بها إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر من سنة سبعمائة. وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله الحسين بن أبي السعود ابن الحسن بن مسلم بن علي الهمداني. وكان ميلاده سنة خمس وعشرين وستمائة فسلك طريق العبادة حتى توفي على ذلك. وكان وفاته لليلتين مضتا من شعبان من السنة المذكورة. وحضر دفنهُ خلق كثير أحصى القراء فيهم فكانوا سبعمائة رجل. وكان لهُ من الولد ثلاثة أكبرهم محمد مولده لليلتين خلتا من ذي الحجة آخر سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وكان صاحب قراءات ومسموعات وغلبت عليه العبادة. وكان من أكثر الناس تلاوة للقرآن مع الزهد والورع إلى أن توفي على ذلك ليلة الاثنين لخمس بقين من شهر ربيع الأول أحد شهور سنة تسعين وستمائة. والثاني أحمد مولده يوم الأحد تاسع ذي الحجة من سنة إحدى وستين وستمائة. وكان فقيهاً مجتهداً محصلاً ورعاً زاهداً تفقه بمحمد بن أبي بكر الصبحي وكان كثير التردد إلى الفقيه أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي ويراجعهُ فيما يشكل عليه من المسائل. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من سنة سبع وتسعين وستمائة. والثالث أبو القاسم مولدهُ في رجب سنة ثلاث وستين صحب الفقيه ومال إلى طريقة التصوف وصحب الشيخ عمر القدسي وتحكم على يده ونصبهُ شيخاً. وكان على حال مرضي من سعة الأخلاق وإيناس الوارد والاشتغال بمطالعة الكتب والبحث عن فوائدها إلى أن توفي في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة رحمة الله عليهم أجمعين. وفي هذه السنة أَيضاً توفي الفقيه الفاضل عثمان بن محمد بن سوادة الحضرمي

стр. 142

الحنفي وكان فقيهاً فاضلاً وهو من أتراب الفقيه أبي بكر بن حنكاش ومعيدا معهُ وبه تفقه الفقيه يحيى بن عطية وغيره وكانت وفاته يوم الاثنين الحادي عشر من رجب من السنة المذكورة. وفي سنة سبعين وستمائة ورد الأمر العالي بإعادة المحاط على ثلا مرة ثانية فكانت المحطة على الجناب فحصروا أهل ثلا وضيقوا عليهم وأجهدوهم حتى أيقنوا بالهلاك. وتسلم السلطان حصون المصانع باعهُ عبد من عبيدهم يسمى محمد بن نفيل. وفي هذه السنة قام الإمام إبراهيم بن أحمد بن تاج الدين الهدوي وكان قيامهُ في ذي الحجة منها ودعا إلى نفسه فأجابهُ أهل حصور وبنو الراعي وبنو شهاب وغيرهم من بلاد عنس وزبيد. ونهض الشرفاء والإمام إلى جبل يسمى طما. وكان الأمير علم الدين في الجماب فنهض لمحطته وحط تحت حصن كوكبان ونهض الشرفاء من محطتهم إلى حارة بني شهاب. وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن عمر القاضي عمر الهزاز المقدم ذكره. وكان مولده يوم الخميس ثامن عشر شوال من سنة إحدى وستين وستمائة. وكان موسوماً بالفقه والدين والعبادة والزهد والورع ولوزم على أن يتولى القضاء بعد أبيه فامتنع. وكان السلطان الملك المظفر يجله ويعتقد صلاحه وربما زاره إلى بيته سرّاً وكان يستدعي دعاءَه كثيراً. وله مصنفات ﵀ في الفقه وتوفي بعد صلاة الظهر من يوم الاثنين لأربع بقين من شوال من السنة المذكورة ﵀. ولما علم السلطان الملك المظفر بوفاته كتب إلى أولاده يسأَلهم أن يدفنوهُ في التربة التي هي قبلي جامع بمدينة تعز ففعلوا ولم يكن يدفن فيها الأحواض بني رسول من القرابة والسراري والأولاد الصغار وخلف عدة من الأولاد النجباء انتهت إليهم الرئاسة في الدولة المؤَيدية وسوف يأتي ذكرهم أن شاءَ الله. وفيها توفي الفقيه الفاضل يحيى بن سالم بن سليمان بن الفضل بن محمد ابن عبد الله الشهابي ثم الكندي انتقل به أبوهُ من بلد بني شهاب إلى ذي جبلة فاستوطنها

стр. 143

وتفقه بها ابنه يحيى المذكور وأخذ عن محمد بن عبد الله المازني وكان أول من بدر مدرساً في المدرسة العربانية وكان فقيهاً فاضلاً لهُ مروءَة وكرم نفس وكان يصحب الرشيد شاد الدواوين في صدر الدولة المظفرية. فلما توفي الرشيد نُقل إلى السلطان أن مع هذا الفقيه مال الرشيد فطولب باثني عشر ألف دينار وصُودر فلم تطل مدته بل وتوفي غيظاً في المدرسة المذكورة عشي الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبو علي يحيى بن إبراهيم بن العمك. وكان من أعيان العلماء وكان في أول أمره رئيساً على قومه يركب الخيل ولا يشتغل بشيءٍ من طلب العلم. وكان سبب اشتغاله بطلب العلم أنه خطب امرأَة من بني خطاب هي ابنة الفقيه أبي بكر بن خطاب فامتنع الفقيه أبو بكر من تزويجه إياها وقال لهُ لست كفئا لها فانك رجل جاهل فانف من قولهِ فاشتغل بطلب العلم حتى صار إماماً واشتغل بفن الأدب وبرع في النحو واللغة والنسيب والعروض وغير ذلك. وكان ممن يضرب به المثل في حسن الجوار والوفاء بالذمم وله في ذلك أخبار يطول شرحها. وكان شجاعاً مقداماً كريماً جواداً شاعراً فصيحاً حسن الشعر له في السلطان الملك المظفر عدة مدائح وصنَّفَ كتباً في النحو وغيره. ومن مصنفاتهِ في الأدب كتاب الكامل في العروض والوافي وهو كتاب جليل والكافي أيضاً. وكتبهُ أحسن ما صنَّف أهل اليمن تحقيقاً وتدقيقاً. ومن شعره أيضاً ما قالهُ في مدح السواد وهو هذا: اعد لي حديثك يوم الكثيب ... وسلّي بهِ عن فؤَادي الكئيب عشية سوداءَ قد أقبلت ... تسارقني لحظها من قريب وقد أمنت رصدة الكاشحين ... وسمع الوشاة وعين الرقيب تبدت لنا من خلال البيوت ... تجرر فضل الرداءِ القشيب أرتنا النقا والقنا مائلاً ... قوام القضيب وردف الكثيب مولدةُ من بنات الموال ... كمثل الغزال الغريب الربيب

стр. 144

فان لامني الناس في حبها ... فما لائمي أبداً بالمصيب يقولون سودا ولو أنصفوا ... وما ذاك لو أنصفوا بالمعيب فلولا السواد وما خصهُ ... به الله من حسن سّرٍ عجيب لما كان يسكن وسط العيون ... ولا كان يسكن وسط القلوب ولا زيَّن الخال خد الفتى ... ولا حسَّنَ النقش طرس الأديب أَما حجر الركن خير الحجار ... أما المسك أطيب من كل طيب أَما شغف الناس في دهرهم ... بحمد الشباب وذم المشيب ولا تُحْسِن العين مرهى الجفون ... ولا الكف ما لم يكن بالخضيب ولا كل عينٍ كعين المحب ... ولا كل قلب كقلب الحبيب وكان جامعاً بين رئاستي الدين والدنيا معظماً عند الملوك. يروى أنه كان في قريته رجل غريب مستجير به منتسب إليه فهمَّ الرجل بسفر إلى بعض الأماكن فاكترى دابة من بعض قرابة الشيخ إلى موضع غرضه وسافرا معاً فلما صارا في أثناء الطريق قتلهُ الرجل الذي أكرى عليه الدابة وأخذ ما معهُ وعاد إلى القرية كأّنهُ لم يفعل شيئاً فبلغ خبرهُ إلى الفقيه يحيى فبغت من ذلك وأَقام أياماً فلما كان يوم الوعد والناس جميعاً في السوق أمر بلزم القاتل فلزم وجيء به مربوطاً فأمر بقتله فقتل في السوق على رؤُوس الإشهاد ولما اشتغل الفقيه يحيى بطلب العلم وظهرت ثمرة اجتهاده خطب ابنة الفقيه أبي بكر بن خطاب وراجعه في زواجها فزَّوجهُ إياها فولدت لهُ عدة أولاد ولم تزل عندهُ إلى أن فرَّق بينهما الموت. وكانت وفاة الفقيه ﵀ في السنة المذكورة وقيل في التي بعدها والله أعلم. وفي سنة إحدى وسبعين أرسل الإمام إبراهيم بن أحمد بن تاج الدين الشريف جمال الدين محمد بن عبد الله إلى حصورَ وبلد بني شهاب وبلاد بني الراعي فتلقوه بالطاعة. وكان وصوله إليهم في سبعة نفرٍ فصلى بالناس أول جمعةٍ في سبعة آلاف. وفيها خالف الأشراف إلى سليمان بن موسى مع الإمام وهم في أهل جهران وكان السلطان ﵀ قد أقطعهم نواحي ذمار ثم تسلم منهم اللجام وقامت معهم علماءُ

стр. 145

الزيدية في تلك الناحية فساروا في جموع عظيمة إلى ذمار فدخلوها قهراً وقتلوا جماعةً من الرتبة الذين كانوا فيها وخفروا الباقين وأخربوها خراباً كلياً. وكان ذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة. وسار الإمام إبراهيم والأمير صارم الدين داود بن الإمام والأمير عز الدين محمد بن شمس الدين وسائر الأشراف يريدون جدّة وساعاً فمروا على الحبة ولم يكن في صنعا إلا ابن نجاحٍ في مائة فارس من عسكر السلطان وكان الشعبي وعسكره في محطته بالجناب خوفاً على رتب ثلا فانصرف الأَشراف من صنعا قلما كان آخر الليل دخلها الأسدية وكانوا تسعين فارساً نقاوة عسكر صنعاءَ وفرسانهم فطلع الشعبي في بقية عسكره قمرّ على المحاط التي على ثلا فقواها وسار إلى شبام ومن شبام إلى صنعاءَ وحصل بينه وبين الأَشراف قتال عظيم وجمع الأَشراف جمعاً عظيماً وساربهم علي بن عبد الله فارتفع عن ثلا. وسار بعسكره قاصداً الدروة وفيها الورد بن ناجي ولم يكمل عمارتها فهجم عليهم آخر الليل فأخربها وعاد إلى أصحابه بسباع. فاقتضى الحال طلوع الركاب العالي إلى ناحية ذمار فلما وصلها اقبل إليه تلك الناحية رغبةً ورهبةً في شعبان من السنة المذكورة. فأقام في ذمار أياماً وأمر بعمارة دربها. ثم سار يريد صنعاءَ فحط في درب عبد الله وانحاز الأشراف إلى بيت خبيص فطلع عليهم الأمر علم الدين الشعبي فكانت وقعة بين الناهم قتل الأشراف بنو صفي الدين وجماعة من عسكر الأشراف. وكان ذلك في ذي القعدة من السنة المذكورة. ثم تقدم السلطان إلى صنعاءَ في الميدان في ذي الحجة. وفي هذه السنة بعث السلطان بكسوة البيت المعظم على يد قاسم بن محفوظ. وفيها توفي الفاضل أبو الحسن علي بن الحسين النحلي وكان فقيهاً محققاً غواصاً على دقائق الفقه عارفاً به كثير الاشتغال به تفقه به جماعة من أهل عصره. وكان كريماً جواداً شريف النفس عالي الهمة وكان كثير السعي في حوائج الأصحاب والقاصدين
следующие страницы →