← История

История · id 9233

العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية

علي بن الحسن الخزرجي

Полный текст (588 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وفي هذه السنة توفيت الحجة المصونة بنت الأمير الأجل الكبير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول زوج مولانا السلطان الملك المؤيد وكانت عنده عزيزة كريمة لأنها بنت عمه ابن عم أبيه. وكانت كثيرة المروءة حسنة الشفاعة. فعز عليه فقدها وأمر بالقراءة عليها في سائر جوامع مملكته. وحملت من رأس حصن تعز تحت الشخانات الحرير وإمامها ملوك بني رسول. ودفنت في مدرسته التي أنشأها. وكان دفنها يوما مشهوداً رحمة الله عليها. وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن آدم المعوف بالجبرتي نسبة إلى ناحية من بلاد الحبش يقال لها جَبَرت وكان فقيهاً ورعاً زاهداً صاحب مسموعات وإجازات أخذها عن الإمام أبي الخير بن منصور الشماخي وغيره. وهو الذي يعرف به مسجد الجبرتي الذي في مدينة زبيد عند الخان الجديد المجاهدي.. وكان غالب دهره لا يفارق المسجد إلى أن توفي على ذلك ليلة الأحد الثالث من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر بن أبي القسم الشعبي وأصله من أشعوب دنجان. وكان رجلاً صالحاً كثير العباد له قدر عظيم عند الناس. توفي في السنة المذكورة وخلفهُ ولدهُ أبو الخطاب عمر بن أبي بكر. وكان من خيار أولاد الفقهاء شريف النفس عالي الهمة له دين رصين. وكان صبوراً على إطعام للخاص والعام فلذلك لحقه دين كثير. وتوفي على الحال المرضي سلخ صفر من سنة تسع عشر وسبعمائة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن أحمد العسيل. وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة وأربعين وستمائة وأهله يعرفون ببني عسيل من فقهاء قائمة بني حبيش وخطبائها. قدم هذا إلى جبلة طالباً للعلم ثم تقدم إلى رباط المقداحة على حياة الشيخ علي بن عبد الله فجعله إماماً له وللجماعة. ويروى أنه رآه يوماً وفي يده خاتم فضة فأبعدها منه ثم لما عاد إلى جبلة أقبل على قراءة الفقه. فلما كان في بعض الأعياد التي يتحارب فيها أهل جبلة وأهل

стр. 282

البادية دخل الفقيه سفين الجامع فلم يجد فيه أحداً إلا هذا الفقيه مكباً على مطالعة البيان فأعجبه ذلك منه وعزمه على القعود معه ثم زوجه بابنته. ولما توفي استخلفه على مسجده فلم يزل به مدة. ثم ارتحل إلى مصنعة سير فتفقه بها. ومن شيوخه الذين تفقه بهم أبو بكر العراف وعباس البريهي وصهره سفين. ولما ولى بنو محمد بن عمر بامرأتهِ وولدين له. وكانا قد تفقها فلما وصلوا حازان توفيت الزوجة رحمها الله في منتصف شعبان من السنة المذكورة ثم لما صاروا في مكة توفي ولده الأصغر وكان اسمه أحمد وكان جيداً تقياً شريف النفس عالي الهمة. ثم حج الفقيه وابنهُ الآخر فلما انقضى الحج عزما على الرجوع إلى اليمن فتوفي الفقيه في جدة سلخ ذي الحجة من السنة المذكورة رحمهم الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أحمد بن عمر الزيلعي الحبرتي وهو الذي يعرف بصاحب المحمول نسبة إلى مسجد على ساحل المحالب. وكان فقيهاً كبير القدر مشهور الذكر معروفاً بالعلم والعمل صاحب كرامات ومكاشفات. قال الجندي أخبرني الفقيه أبو بكر بن عبد الله بن محمد الحلي وكان قدم علينا الجند قال قدمت عليه زائراً فبينا أنا عنده إذ قدم عليه جماعة يزورونه ومعهم دراهم قد جاءوا بها فوضعوها بين يديه فعجل يقلبها بمسواك في يده درهما درهماً فاخرج منها ثلاثة دراهم فردها على شخص وستة عشر درهماً ردها على شخص ثم أمر الخادم بقبض الباقي فداخلني من ذلك تعجب كثير. فحلوت ببعضهم فسألت عن سبب رد الفقيه الدراهم التي ردها. فقال أن الذي جئت بالثلاثة الدراهم وليست مني بل أعطتنيها عجوز تحت يدها أيتام ولم يمنعها من الوصول إلا خشية أن يعرفها الفقيه فيردها عليها وقد جعلتها بين دراهم مني فانتقاها الفقيه فأخرجها كأنه قد عرفها وإما الستة عشر درهماً فاسأل عنها صاحبها فهو ذاك الرجل. فأتيت الرجل الذي أشار إليه وسألته عن قصة رد الدراهم فقال هي من شيخ الصميين كان مرض له فرس فنذرها للفقيه أن شفي فرسه. فلما شفي وعلم إني

стр. 283

واصل إلى الفقيه أمر بها معي لعلمه أن الفقيه لا يأخذها منه لو وصل بها ولا يقبلها منه. فلما اجتمعت جماعة معهم دراهم فتح ناولهم إياها فجعلوها بين دراهمهم فأخرجه الفقيه بأعيانها وأعادها إليَّ كما رأيت. قال الجندي وسألت هذا الذي اخبرني عنه بقصة الدراهم عن سيرته فقال أنه كان لا يكتسب بحراثة ولا زراعة ولا دروزة ومتى علم بأحد من أصحابه أنه بدروزة طرده وكرهه. وتوفي في قرية اللحية تصغير لحية الرجل وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح حسين بن أبي بكر بن حسين السودي بفتح السين المهملة نسبة إلى بني سود. وكان فقيها صالحاً فاضلاً مشهوراً بالفقه والصلاح وشهرت له كرامات كثيرة وكان معظماً عند الناس. تفقه على سليمان بن الزبير ثم غلبت عليه العبادة والورع وسلوك طريق فقهاء الناحية لكن بلغ الملوك عنه أنه يتصل بإمام الزيدية في عصره وهو محمد بن مطهر فكرهوه وهموا بأذيته فكان لا يستقر في موضع ينالونه فيه. وكان ينكر على القراء الرقص والسماع فلذلك أجمع الفقراء والفقهاء عليه ولم يزل حذراً من السلطان حتى توفي في السنة المذكورة بعد الفقيه أحد الزيلعي بشهرين أعني المذكور قبله. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو سعيد محمد بن الفقيه عبيد بن أحمد بن مسعود. وكان فقيهاً ماهراً ولد في شوال من سنة إحدى وخمسين وستمائة تفقه بأبيه. وكان ذا دين وورع وصلاح توفي في السنة المذكورة والله أعلم. وفي سنة خمس وسبعمائة أقطع السلطان الأمير سيف الدين طغريل أبين فنزل إليها في النصف الأخير من المحرم وانفصل عنها ابن بهرام. فلما وصل الأبواب الشريفة منفصلاً من أبين أمر السلطان أربعة أحمال طبلخانة وأربعة أعلام وأقطع الأعمال الرحبانية. وكانت الأشراف آل شمس قد غزوا حرض قبل وصول ابن بهرام إليها وافسدوا في نواحيها. وكان فيها مقدم ورتبة من عسكر السلطان فخرجوا لقتال الأشراف وقاتلوهم عند المدينة فانهزموا إلى الدرب ودخل الأشراف

стр. 284

المدينة فنهبوا ما أمكنهم ورجعوا من فورهم. وخالف الأشراف بنو حمزة وانضم إليهم ابن وهاس فجهز السلطان حينئذٍ الأمير بدر الدين محمد بن عم بن ميكائيل إستاد داره في جيش أجش إلى جهة صنعاء فوقف هنالك إلى آخر شهر رمضان. ونزل بعد تمام الصلح بين السلطان وبين الأشراف على أن للسلطان ثلث مخلاف تلمص وقبضت رهائنهم على ذلك. ورجع أهل مدينة صعدة إلى صعدة فسكنوها. وفي آخر شهر شعبان من السنة المذكورة تبرأ الملك المظفر من صنعاء وتوجه إلى حرم أبيه فاقطعها السلطان الأمير سيف الدين طغريل فسار حصناً فلما وصل ذمار أقام بها إلى شهر ذي القعدة. وقبض في مدة وقوفه حصناً من حصون بني عبيدة. وفي الرابع والعشرين من رمضان اقطع السلطان الأمير عماد الدين إدريس بن علي أبين وما ينضاف إليها. وفي النصف من شوال أمر السلطان بإعادة الجحافل على جوامكهم قد قطعها منهم منذ سنتين على سبيل الأدب. وفي هذه السنة المذكورة رجع الأمير أسد الدين نور من الديار المصرية بعد أن عومل بما يجب من الإكرام. ووصل معه سفير من هنالك يقال له مبارز الدين الطوري فأقام في تعز أياماً. وحضر المقام السلطاني فقوبل بالإكرام والأنعام. ثم سار إلى زبيد أقام إلى أن تهيأ له السفر إلى مخدومه فسافر. وفي هذه السنة المذكورة حج من مصر والمغرب وبلاد العراق والعجم ومن اليمن خلق كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. واجتمع في عرفة ثلاثة ألوية لصاحب اليمن ولصاحب مصر ولصاحب العراق حذابذة وهو الشجاع باللغة التركية. وحصل الحرب بمنى بين المصريين والحجازيين. وكان أمير الركب المصري الأمير سيف الدين أنغه وكان فظاً غليظاً سفاكاً مقدماً على الجرائم. فقتل جماعة من السرو وشظهم ولم تدخله شفقته عليهم ولا رحمة. وفي هذه السنة توفي الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي الكاشغري نسبة إلى بلد في أقصى بلاد الترك. وكان حنفي المذهب. وقدم مكة

стр. 285

حاجاً فأقام فيها أربع عشرة سنة صنف أيها كتاباً سماه مجمع الغرائب ومنبع العجائب يدخل في أربعة مجلدات. ثم انتقل إلى مذهب الشافعي هنالك فسئل عن ذلك فقال رأيت القيمة قد قامت والناس يدخلون زمرة بعد زمرة فسرت مع زمرة منهم أيريد الدخول فحدثني شخص وقال الشافعية يدخلون قبل أصحاب أبي حنيفة فلا جل هذا أردت أن أكون مع المتقدمين وتظاهر بمذهب الصوفية. وابتنى ربطاً كثيرة في أماكن متفرقة. وحكم جماعة أيضاً ولما دخل اليمن ورأى أن الغالب في اليمن مذهب الشافعي تظاهر به وقرأ كتبه فقرأ المهذب في إب على الفقيه يحيى بن إبراهيم وإما النحو وغالب مصنفات ابن الجوزي ورتبه القاضي بهاء الدين في المدرسة المظفرية بتعز. وكان انثنى رباطاً في ساحل موزع وغرس هنالك نخلاً كثيراً وكان يختلف إليه في أيام ثمرته ويعود إلى مدينة تعز عند فراغه فلما كان في سنة خمس وسبعمائة نزل إلى موزع في أيام ثمرة النخل فأدركتهُ الوفاة هنالك. فلما توفي قبر عند قبر الشيخ الصالح الخطيب المقدم ذكره رحمة الله عليهما. وفيها توفي الفقيه الفاضل عيسى بن أبي بكر الحكمي. وكان فقيهاً حبراً ديناً تفقه بالفقيه أبي بكر عبد الله الريمي. وامتحن في آخر عمره بكفاف البصر إلى أن توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح محمد بن أبي بكر بن رُشَيد بضم الراء وفتح الشين. وكان فقيهاً صالحاً ورعاً زاهداً درس في المنصورية بزبيد بعد الفقيه أحمد بن سليمان الحكمي لما عزل عنها. ولم يزل على التدريس إلى أن توفي وقت الأذان بالظهر من يوم الأربعاء ثاني عشر شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الطيب ظاهر بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عيسى المهدي اصله من قرية الملكحي ولي قضاء بغدان مدة وكان تفقه بجبلة بعبد الله بن علي العرشاني ولم يزل حاكماً حتى توفي في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

стр. 286

وفي سنة ست وسبعمائة ملك السلطان حصن الفرائع وهو مصاقب الطويلة بحيث يختلف بينهما النشاب والحجر. فحط الريف تاج الدين علي بالفرائع ولزم حصن سريت. فخرج الأمير سيف الدين من صنعاء في شهر ربيع الآخر والأمير عباس بن محمد فكسروه وشحن الأمير سيف الدين الحصنين بأنواع الشحن بعد أن عمرها ورجع ظافراً منصوراً. وكان رجوعه في شهر شعبان. وفي يوم الثالث عشر من شهر جمادى الأخرى وكان ميلاد السلطان الملك المجاهد في مدينة زبيد. وقيل كان ميلاده في العاشر من شهر رمضان من السنة المذكورة في مجلس في دار المعروفة بدار السلطنة زبيد ويعرف المجلس بمجلس الولادة لكونه ولد فيه والله أعلم. وفي النصف الأخير من جمادى الأخرى المذكور أخذ ابن أصهب حصن النشابة بوصاب وهو حصن عظيم يناطح النجوم وبلتبس بالغيوم من أحرز الحصون وأمنعها وأضرها وانفعها وهو من آخر معاقل اليمن والذي يحط عليه لا يراه لأنه في رأس جبل عال وليس له إلا طريق واحدة فأهم السلطان وأخذه فجهز الوزير موفق الدين إلى جبلة فجمع منها الرحل وسار السلطان إلى زبيد مبادراً كما قال الشاعر أبو الطيب المتنبي حيث يقول أشد من الرياح الهوج بطشاً ... وأسرع في الندى منها هبوباً ثم خرج السلطان فحط على النشابة أياماً فأذعن ابن أصهب بالطاعة ووقف على قدم الاستطاعة ونزل على الذمة الشريفة وتسلم السلطان الحصن المذكور وتسلم حصوناً أخرى وانثنى راجعاً. فلما استقر في مدينة زبيد عملت الأفراح وضربت البشائر وهنأه بذلك شعراء دولته. وهنأه الفقيه عفيف الدين عبد الله بن جعفر فقال: ترك الجبال أشم قاعاً صفصفاً ... من وعده ووعيده ما اخلفا متقاضياً ميراثه مستشهداً ... سمر العوالي والصفيح المرهفا تغفو عيون الصابرين نفوسهم ... عن نيل ما طلبوا وكلاً ما غفا

стр. 287

جمع الجيوش إلى المغار ولو أَتى ... للحرب قبل جيوشه فرداً كفى لا يستقر الدارعون نفوسهم ... حسب الرماد يعاصف أن ينسفا دأْب المؤَيد أن يسل على العدى ... سيفاً ودأْب رقابها أن تقطفا يرضى ملوك الأرض ايسر حقها ... منهُ وتفرح من وفاهُ باللفا لا تقدر الآثام ترفو خرقهُ ... أبداً ولا الأيامُ تخرق ما رفا العاقد الرايات لم يك زاجراً ... طيراً بمسرحها ولا متعيفا بخبائس للحرب ليس خنائس ... تمسي وتصبح في المراكز عكَّفا قامت عقاب المنجنيق وراءَها ... فأشار مولانا بان تتخلفا جمعت جناحيها ومدت عنقها ... للسير في أَثر الخميس وتزحفا نوءُ يجلجل من زبيد رعده الساري فصاب وصاب غيثاً وكَّفا حتى إذا ما السيف بالغ خطوة ... فيها وحثحثه السباق فأوجفا وجرت سيول من دم لو أنها ... ماءُ لكان ربيعهم والصيّفا ورأَوا من النيران حول قلاعهم ... عدد الكواكب في السماء ونيفا فتوجسوا أن الطبول زلازل ... كادت بهم وبطودهم أن تخسفا طرحوا نفوسهم على أبوابهِ ... فعفى ومثل أبي المظفر من عفا هربوا إليه منه فاعتصموا بهِ ... ولكم أَجار الهارب المتخوّفا مستشفعين بآل بيت محمدٍ ... أَهل الشفاعة للمسيءِ إذا هفا فأّقال عثرتهم وعاد بهم إلى ... ما أَورثته بنو الرسول من الوفا واتت عقائل في الححال فجاوبت ... منهُ الكريمَ الطاهر المتعففا من لم يمدَّ إلى الخنا طرفاً ولم ... يسحب إلى طرق الفواحش مطرفا يدعون يا سلطان عفواً بالرضا ... فأَجابهم وأَثابهم وتعطفا نظر البوارق من بلاد ربيعةٍ ... وفدت وخاف بلمعها أن تخطفا وهي قصيدة طويلة هذا عنوانها وفي شهر شوال من السنة المذكورة نقض الجحافل الصلح وأغاروا على لحج

стр. 288

فقتل بينهم عباس بن أبي سقرة وكان من وجوههم وفرسانهم. وكان في ثامن الشهر أغاروا على الأجنة فقتل أيضاً أحمد بن سقرة وكان أعظم من أخيه محلاً فيهم. وفي يوم العشرين من القعدة تجمعوا جموعاً كثيرة وقصدوا الأجنة أيضاً ولم يستقروا عندها فرجعوا طريق الرحاح فتبعهم العسكر وأدركوهم بعد العصر وقد أصابهم سموم وتفرقوا فقتل العسكر منهم نحواً من أربعين رجلاً فانكف شرهم وفسادهم. وفي سنة سبع وسبعمائة جاءت النجوع إلى ناحية حوض فجرد السلطان لهم إلى تلك الناحية نحواً من ثلاثمائة فرس من حلقته المنصورة فأغاروا عليهم وشتتوا شملهم. وفي هذه السنة المذكورة هرب الشريف محمد بن خالد من زبيد وكان السلطان يومئذٍ بها وترك رهينة أمه وأخته. وفي جمادى الأولى خالف والي سبعان على الأمير تاج الدين وباع الحصن على السلطان فصدهُ الأمير تاج الدين وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة فجرد السلطان لحرب الأمير تاج الدين سيف الدين طغريل وسار معه بالمنجنيق لرمي عزان فلما صار بالضلع التقى بالأمير تاج الدين وأخيه الأمير علم الدين حمزة أو كان ملتقاهم اسفل عقبة بكر فاتفقوا على الصلح وعلى خدمة السلطان وحلفهما على ذلك وخلع عليهما ورجع إلى محطته ومعه الأمير علم الدين حمزة فلما أصبحوا من النهار الثاني طلعت الأعلام السعيدة المنصورة السلطانية حصن بكر وخفقت ذوائبها هنالك طاعة السلطان. ثم نزل الأمير تاج الدين إلى المحطة فانصفه الأمير سيف الدين وخلع عليه وأعطاهُ جنداً وكساً غلمانه وأصحابه. وانعقد الصلح بينهم وبين السلطان خمس سنين وتوجه الأمير سيف الدين إلى الباب الشريف وصبحته الأمير علم الدين حمزة ابن أحمد صهر الأمير تاج الدين محمد بن أحمد ولم يكن وصل أبواب السلطان قبل ذلك. وكان معه ابن أخيه عبد الله بن تاج الدين وجماعة من العرب. وفي هذه السنة عزم الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة في الديار المصرية

стр. 289

على أن يجهز الأمير بيبرس في جيش كثيف إلى اليمن. وأمر على الأمير عز الدين الأشقر شاد الدواوين أن يتقدم إلى جهة قوص لعمارة المراكب فعمر نفيفاً وخمسين مركباً. وقدر الله موته وموت أولاده وعائلته وجميع أهل داره في أيام قلائل ولم يبق منهم أحد. فرجع الأمير سيف الدين سلار عن ذلك الرأي وأشار بأن يحضر الفقهاء والقضاة ومشائخ الخوانق وأصحاب الزوايا وأرباب الخير والصلاح إلى مقام السلطان الملك الناصر ليعلموه أن هذا الأمر لا يحل الأقدام عليه لان اليمن بلاد الإيمان وهي بلاد العلم والعلماء والفقهاء والصلحاء وأرباب الخير وملكها ثابت الولاية مستمر الحكم قد انعقد الإجماع عليه فلا يجوز البغي عليه. فرجع السلطان عن ذلك الرأي وجعل هذا لتأخير المشير. ولما علم السلطان الملك المؤيد بذلك منع الكارم تلك السنة حتى الرسول بالعلم بذلك واستقرت الأمور على تسفير رسول من الديار المصرية إلى اليمن ومتعمم فكان الرسول رجلاً يسمى السعدي من مماليك الملك الظاهر. والمتعمم القاضي شمس الدين محمد بن عدلان أحد القضاة. وكان مضمون الرسالة تقرير الحال وإن السلطان قد رجع عما قدم عزم عليه. وفي خلال ذلك الرغبة إلى الصلح والموادعة. ثم توجه الرسولان إلى بلاد اليمن فحضرا مقام السلطان وكان السلطان يومئذ مريضاً لا يستطيع الكلام واتفق أن حدث بالأمير الواصل مرض أفضى به إلى الموت فتوفي في الثالث والعشرين من جمادى الأولى من سنة ثمان وسبعمائة. وكانت وفاته بزبيد في ظاهر المدينة. ورجع القاضي شمس الدين إلى الديار المصرية وصحبته جواب ما جاءَ بسببه. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل محمد بن عيسى بن علي بن محمد ابن أبي بكر بفتح اللام. وكان فقيهاً حافظاً لكتاب الله تعالى ومن احسن الناس لجهة به من سمعه يقرأ استغرب قراءته وطرب له. رتبهُ بنو عمران إماماً في الجامع بعد أبيه ولم يكن لديه فقه شاف. فلما انفصل بنو عمران أقام إماماً بعدهم نحو سنة ثم فصله بنو محمد بن عمر فأقام منفصلاً عدة سنين إلى أن توفي في الجنيد. وكانت وفاته في السنة

стр. 290

المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن عبد الله الجبرتي واصلح من جبرت وهي ناحية من نواحي بلاد السواد. وكان فقيهاً فاضلاً قدم طالباً للعلم فأقام بالمصنعة أياماً فقرأ على الفقيه محمد بن أبي بكر الأصبحي فتفقه به ثم بتلميذه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي صاحب المعين ثم رتبه القاضي إماماً في قبة هنالك جعلوها مسجداً. ثم لما خرجوا عن سير خرج هذا الفقيه إلى الذبيتين فأقام بها إلى أن توفي في السنة المذكورة. وقبره قريب من تربة شيخه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد المذكور رحمة الله تعالى عليهما. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن عبد علي المعروف ووالده بالصفي الميموني. وكان فقيهاً فاضلاً جيداً في بدايته بفقهاء تعز كان البابة وابن العراف وغيرهما. وارتحل إلى تهامة فأخذ عن الفقيه إسماعيل ابن محمد الحضرمي وغيره. ثم لما عاد إلى الجبل درس بذي جبلة. ثم انتقل إلى تعز فدرس بالرشيدية. ثم لما ابتنى الملك الأشرف مدرسته بالمغربة جعله مدرساً بها. فلم يزل بها إلى أن توفي الملك الأشرف في تاريخه المذكور أولاً وكان وقف الملك على مدرسته وإنما كان يتفقد الفقيه في سائر أوقاته فلما توفي الملك الأشرف كما ذكرنا أولاً قيل للفقيه هل لا انتقلت إلى بعض هذه المدارس فإن وقف هذه المدرسة لا يحملك. فقال لا أغير صحبة الأشرف حياً ولا ميتاً. وكان أخذه لكتب الحديث عن الفقيه أبي العباس أحمد بن علي السرددي وعن إسحاق الطبري وعن إبراهيم بن عجلان. واليه انتهت رئاسة الفتوى في مدينة تعز ونال من الأشرف مكانة جيدة. وكان موته فجأة ليلة الخميس بقين بن صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن عثمان الأشبهي وكان فقيهاً عارفاً قدم اليمن غريباً من ناحية الحجاز فلما وصل تعز أقام في السفينة أياماً فأخذ عنه جماعة من الفقهاء فبلغ العلم به إلى قاضي القضاة يومئذ وهو الصاحب موفق الدين فرتبه مدرساً في المدرسة المظفرية. وكان يدرس كتاب الحاوي الصغير ولم يكن يعرف

стр. 291

كتب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ولا كتب الشيخ أبي حامد الغزالي فاخذ الناس عنه الحاوي الصغير وغيره. ويقال أنه كان مدرساً ببغداد ومعيداً ولما وقف على كتاب المعين تصنيف الفقيه علي بن أحمد الأصبحي اعجب به واستنسخه وقال ما كنت أظن أن مثل هذا يوجد في زماننا ثم لم تطب له الإقامة في اليمن فاستأذن في السفر إلى عدن وسافر إلى عدن هذه السنة المذكورة سنة سبع وسبعمائة فذكروا أن المركب الذي سافر فيه غرق والله أعلم. وفيها توفي الفقيه الفاضل الخضر بن عبد محمد بن مسعود الحبي نسبة إلى قبيلة من خلان يعرفون ببني حبي وكان فقيهاً مرضياً تفقه بأحمد بن سليمان الحكمي وأخذ عن محمد بن عمر بن علي الساعي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح صالح بن أحمد بن محمد بن يوسف بن أبي الخل وكان فقيهاً كبيراً عالماً وعاملاً ورعاً كثير الصيام والقيام وكان يقو لدرسته لا تأتون إلا في وقت كراهة الصلاة لأنه كان لا يمل الصلاة ليلاً ولا نهاراً تفقه بعمر بن علي الساعي. وكان غالب أيامه صائماً لا يفطر غير الأيام المكروهة للصوم وكان راتبه في كل يوم وليلة ألف ركعة. وامتحن في آخر عمره بالعمى فكان يعرف الرجل الداخل عليه قبل أن يتكلم. وكانت وفاته في السنة المذكورة بعد أن جاوز عمره سبعين سنة رحمه الله تعالى. وفي السنة المذكورة توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد عمر بن علي بن محمد الخزرجي الأنصاري الساعدي نسبة إلى ساعدة بن كعب بن الخزرجي. وكان مولده سنة تسع وثلاثين وستمائة. وتفقه بعلي بن ابن إبراهيم النحلي. وكان أول من لزم مجلسة. وكان الفقيه عمر بن إبراهيم زميله في القراءة وهو من أتراب محمد بن حسين من أهل عواجه. ودرس هذا محمد بن عمر في جامع المنكسة. وهو جامع أحدثه السلطان الملك المظفر يوسف بن عمرو جعل فيد مدرساً ودرسة. ولم يزل هذا محمد بن عمر على التدريس به إلى أن توفي إلى رحمة اله تعالى يوم التاسع

стр. 292

من المحرم وقيل يوم العاشر منه من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة ثمان وسبعمائة اتفق عمارة القصر السلطاني المسمى بالمعقلي في ثعبات. وكان فراغه في النصف من صفر من السنة المذكورة. وهو قصر قصرت المحاسن في نواحيه. وأطلعت الإجادة في أفق معاليه. أجمع أرباب اختراق الآفاق أنه لا مثل له في شام ولا عراق. وأنهم لم يشاهدوا مثله أبداً وهو مجلس طوله خمسة وعشرون ذراعاً في عرض عشرين ذراعاً بسقفين بغير أعمدة له أربع مناظر بأربعة وراشن ليس فيه إلا رخام وذهب وإمامه بركة طولها مائة ذراع في عرض خمسين ذراعاً على حافاتها صفة طيور ووحوش من صفر أصفر ترمي الماء من أفوافها. وفي وسط البركة فواره ترمي الماء إلى السماء فيبلغ مداً بعيداً. وقباله شاذر وإن بعيد المدا يصب ماؤه إلى البركة المذكورة كان لوح من بلور لا يمكن التعبير عنه بغير هذا وفي المجلس شبابيك تفضي إلى بستان عجيب المنظر حسن المختبر والمخبر. وكان الصناع في عمله مدة سبع سنين قال المصنف أيده الله وسمعت من حكى ممن أدرك أيام عمار أنه كان يطلع في كل يوم نحو من سبعين بغلة من الصناع الغرباء ما بين نجار ودهان ونحاس وصانع ومكندج ومرخم ومزخرف. ومصور خارجاً عمن يركب الحمير ومن لا يركب من اتباعهم. وهذا ما عدا صناع البلاد وهم أضعاف أضعافهم. ولما فرغت عمارته على الصفة المذكورة أمر السلطان رحمه اله تعالى بعمل فرحة عظيمة جامعة حضرها أعيان الناس. بل عامتهم على اختلاف حالاتهم وتنوع طبقاتهم.؟ وكان السلطان رحمة الله عليه ينظر إليهم من الطبقة الثانية وأمر بإضافة الخلع على أعيان الناس وأجرى للمجمع من كرمه نوالاً وبلغهم من جوده آملاً. وهنأه الشعراء بذلك. وفي هذا عبد الله بن جعفر يقول هنئت قصراً على كل القصور سما ... يا حبذا برج سعدٍ فيه بدر سما بنيتهُ مستجدّاً تستجدُّ به ... نصراً من الله قد أجرى بهِ القلما

стр. 293

ويلتقي الأَمن واليُمن المقيم به ... والخلد والعز والأفراح والنعما ففي الخلافة آياتُ تشاهدها ... وقوف سقف ولا شيءُ به دعما أًنصر التبر مبذولاً لطالبه ... فنال من دونه ذوباً به رقما بين الحدائق والأعناب قد نشرت ... منها ثياب تلف الوهد والاكما كأَنما عاد غُمْدان كمبدئه ... واظهر الله من أستاره إِرما كأَن أربعة الجوزا رواشنه ... والجركتان كأَن الفرقدين هما بين الشبيهين شاذروان قِبلته ... هما الجناحان وهو القصر بينهما تظل منه صفوفُ الماءِ ساجدة ... مؤَباتٍ لسلطان الورى خدما إلى سواقي رخام فوق فسقية ... فاعجب لجامد ماءٍ فيه ذائب ما ولخورنق حين المعقليّ بدا ... كمثل ضدٍّ إذا قابلتهُ انهزما لم يستطع لوقوفٍ في مناظرة ... أَمامهُ فتولى عنهُ محتشما كأنه رب جيشٍ قد طلعت لهُ ... ففرَّ عنك بروحٍ منهُ مغتنما فحلهُ في سعود في علويدٍ ... في رفعة في بقاءٍ ليس منصرما في حقن كل دم أو كشف كل غما ... أَوري طل ظما أوَ منع كل حما أصحييت من يوسف السامي مآثرة ... فمذ وُجِدْتَ بحمد الله ما عدما وقال عبد الباقي بن عبد المجيد في ذلك ويمدح السلطان الملك المؤَيد رحمه الله تعالى دع رامة الوادي ودع سمراتها ... واترك بيوت الشعر في ابياتها والحظ منازل آل جفنة في العلى ... من ارض صهلتها إلى ثعباتها تجد القصور الشامخات على السها ... شرفاً تريك العز في شرفاتها تلك الجنان أما ترى أنهارها ... قد أعربت بالطيب عن ثمراتها تجلى زواهرها ويشرق زهرها ... فكأَنها الأقمار في هالاتها مثل المجرة في انتظام قصورها ... أين المجرة من نما زهراتها برزت بها الأغصان شبه عرائس ... نظمت عقود الدر في آيها

стр. 294

في كل عود من سواجع طيرها ... عود يريك اللحن من نغماتها فخرت بها ثعبات أمصار الورى ... بجميل منظرها وجل صفاتها وسمت بعينيها وحسن نباتها ... وتسلسل الأنهار في بحراتها فلذا بها الطاووس فرَّق ريشهُ ... فشياته في العين مثل شياتها ما سعت بوار وغوطة ... يوماً بأزهى من بها غوطاتها بنيانها من عسجد ومياهها ... من فضة تجري على حافاتها وبها مشيد المعقليّ فكم به ... من صنعةٍ فخرت بحسن ثباتها قصرُ يقصّرُ عن لحاق كماله ... باهي النجوم إذا سمت بسماتها هذي المنازل لا منازل غيرها ... في حسنها الباهي وفي حسناتها فلكُ به الملك المؤَيد طالعُ ... كالشمس كاشفة دجى ظلماتها فلك به الأفلاك جامدة على ... مجرى بما يختار من حركاتها متعوّد بذل النوال لقاصد ... والنفس جارية على عاداتها أيامهُ للقاصدين مواسمُ ... وبواسم عن فضلها وهباتها ملكُ لهُ في العلم أو في غايةٍ ... أَرْبت على الأملاك في غاياتها بذ الملوك أبو المظفر في العلى ... لما علت هماته هماتها حازت مناقبهُ شتات فضائلٍ ... فلذاك أضحى جامعاً لشتاتها يلقى أعاديه كتائب جيشهِ ... والنصر معقود على راياتها لم تلقَ أن شاهدت ضوء جبينه ... خططاً من الأيام في نكباتها أيامهُ مخلوقة لهباته ... مقصورة أَبداً على لذاتها وهذه قصيدة طويلة هذا عنوانها ولما فرغ بناء المعقلي في التاريخ المذكور أمر السلطان ببناء قصرٍ ثان في بستان صالة وتوجه إلى محروسة زبيد يوم الرابع من جمادى الأولى فأقام بها نصف شهر وتوجه نحو مدينة المهجم فأقام بها إلى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رجب وسار إلى حجة في جيش أجش

стр. 295

يخف أعزلا قود عليه ... ولادية تساق ولا اعتذار تريق سيوفهُ مهج الأعادي ... فكل دمٍ أراقتهُ جبار وذلك حين طال الحصار على الطهرين ولم يتصل المقدمون إلى غرض فوصل السلطان إلى الجاهلي يوم الثالث والعشرين من رجب وتسلم الطهرين يوم الرابع والعشرين من رجب. ونقل المحطة والمنجنيق إلى شمسان وتواتر القتال عليه ورماه بالمنجنيق فعمل فيه المنجنيق عملاً عظيماً. وكان الملك المظفر والصاحب موفق الدين ينزلان لحضور الزحفة عليه وتطاول عليه القتال إلى النصف من شعبان. ثم سلمهُ صاحبه وبعد تسليمه وصل الأمير تاج الدين إلى المحطة. وقد كان وصل قبله الأمير ابن وهاس وصاحب ثلا وعساكر اليمن الأعلى حتى امتلأت حجة بالعساكر. وتوسط ابن وهاس في الصلح لصاحب جراف. فعاد إلى الخدم السلطانية ورهن ولده وتوسط أيضاً في صلح الإمام محمد بن مطهر على تسليم عزان وبراش ثم رجع السلطان من حجة. وكان انفصاله عنها يوم السبت التاسع عشر من شعبان. فدخل المهجم يوم الثالث والعشرين منه. وخرج من المهجم يوم الخامس والعشرين منه متوجهاً إلى زبيد. فأقام بها وصام شهر رمضان وعيَّد العيد بها. وفي اليوم السادس عش من شوال وصل الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة إلى الأبواب السلطانية بزبيد بعد الامتناع الشديد والمرام البعيد. فأكرمهُ وأتحفهُ وانصفهُ. ولك يكن قبل ذلك وصل إلى السلطان. وكان من أعيان الشرفاءِ ورؤَسائها. وهو صاحب الحصون الغربية كحلان والطويلة. وعدة حصون كثيرة من الحصون الصغار. فعامله السلطان بأنعامه. وأفاض عليه صيّبِ إكرامه. وتوجه الركاب العالي إلى بحر الأهواب على ساحل زبيد. فركب الفيل عند دخوله الغارة. وأردف الأمير تاج الدين خلفه. فارتاع قلب الشريف من ركوب الفيل. وفي ركوب الفيل يقول عبد الباقي بن عبد المجيد

стр. 296

الله أولاك يا داود مكرمة ... ومعجزاً ما أتاها قط سلطان ركبت فيلاً فظل الفي في رهج ... مستبشراً وهو بالسلطان فرحان لك الإله أذل الوحش اجمعه ... هل أنت داود فيها أم سليمان وأقام السلطان في البحر أياماً. ثم عاد إلى زبيد فأقام فيها أياماً ثم توجه إلى تعز فدخلها يوم السابع والعشرين من ذي القعدة وأحضر الأمير تاج الدين للنزهة والفرجة في قصور ثعبات وقراصة وصهلة وصالة فرأى ملكاً كبيراً وجنة وحريراً. ولما وصل السلطان إلى ثعبات كما ذكرنا هنا الأمير عماد الدين إدريس بن علي بقدومه إليها في أول العشر من ذي الحجة فقال تهنى بك العشر الكريمة والشهر ... وتزهو بك الأيام والملك والدهر وباليمن والإقبال حلت ركابكم ... بحيث استقر الملك والنهي والأمر سمت ثعبات فوق كيوان رتبة ... وطالت على الآفاق وابتهج القصر وأشرق نور المعقلي كأنما ... تَبَدىَّ لنا من بين أركانه الفجر وقد كان ظن الهجر لما رحلتم ... ورام اصطباراً وهو ليس له صبر فلما أْتت منكم بشائر حجةٍ ... وما فعلت فيها صوارمك البتر تسلى عن البعد الملم وسره ... لك العز والإقبال والفتح والنصر وحين بدا فيه جبينك مشرقاً ... ولاح صياءُ منه يحسده البدر زها حين ما جل ابن جفنة صدره ... ولا غزوان يزهو بك الدست والصدر لعمري لقد آنستموا غرضاً به ... وما رضيت بعداً تهامة والبحر ولا يئست منكم أباطح مكة ... وما زال مشتاقاً لك البيت والحجر وفي كل ارض من سطاك مخافة ... وفي كل قلب من مخافتكم ذعر وفوق محل الشمس قدراً ورفعة ... ضربتم رواق المجد فاتضح الفخر وقلدتم كل الأنام صنائعاً ... فما أحد من رق إحسانكم حرُّ فلا زلت للدنيا وللدين بهجة ... لياليكم زهو وأيامكم غرُّ تجدد في الأيام كل مسرة ... تدوم وتبقى ما لآخرها حصر

стр. 297

وفي شهر شوال من هذه السنة أخذ محمد بن عامش وولده من مشائخ حجة حصن ما دون وقتلا صاحبه علي بن صفصفة وأخاه إسحاق. وفي شهر ذي القعدة وصل العلم من مكة المشرفة أن أهل مصر سلطنوا ركن الدين بيبرس الخاسكي وتسمى بالملك المظفر وكان السبب في ذلك أن بيبرس وسلار استوليا على الملك وتصرفا على الأموال والخزائن ولم يكن للسلطان منهما إلا اسم السلطنة فراجعهم في الحج وجهز أولاده في الركب المصري وسار هو نحو دمشق ليسير مع الركب الشامي. فلما خرج من مصر وملك نفسه صار نحو الكرك وصدر مماليكه بعد أولاده فاستعادوهم ولزم نفسه عن مصر وأهلها فسلطنوا بيبرس كما ذكرنا. وفي هذه السنة المذكورة ظهر من الشريفين رميثة وحميصة في مكة المشرفة من الجور والعنف والطمع في أموال الناس ما لم يعهد منهما قبل ذلك. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بكر بن زاكي اليعلوي نسبة إلى عرب يعرفون ببني يعلي وكان رجلاً مباركاً صالحاً. وكان من أعرف الناس بفن القرآن وانتفع الناس به وقصدوه من نواحٍ شتى. وأخذوا عنه مصنفات في علم القرآن. وشهر عنه أنه كان يقرئ الجن أيضاً ومسكنه قرية أسخن بهمزة وسين مهملة وخاء معجمة ونون على وزن أحمد. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة تسع وسبعمائة توجه الشريف عماد الدين لافتتاح الشرفين وصحبته العساكر المنصورة واتفق أن ولد علي بن صعصعة تمت له عمولة في حصن مادون فدخلته العساكر السلطانية وتمكنوا منه ولزموا ابن عامس وولده وتسلم نواب السلطان الحصن. وكذلك حصن الحربوش في بلد الحبر أيضاً تسلمه العسكر أيضاً. ووصل أمر السلطان بتسليم ابن عامس وولده إلى ولد علي بن صعصعة وابن عمه وولد إسحاق بن صعصعة فقتلاهما بأبويهما عند باب الجاهلي وتقدم الشريف بالعساكر من الظهيرة نحو الشرف الأعلى فاستولى على بلد سعد ببلد الحبر وحصن

стр. 298

القاهرة ببلد المحاسنة وأخذ رهائن أهل الشريفين وتوجه نحو الشرف الاسفل يوم الحادي عشر من شهر ربيع الأول فحط بلقحاح وتسلم في يومه ذلك حصن القفل وكان في يد ابن مقرعة مولى الشريف إبراهيم بن قاسم واجتمعت عساكر الشرفين مع العساكر السلطانية فكان الجميع خمسة آلاف فقصد بهم الأمير عماد الدين جبل الساهل وهو من أحرز الجبال وامنعها. وكان عند الشريف يحيى بن أحمد القاسمي يقاتل منه فجعل الشريف عماد الدين بني عمه في عسكر العرب أول الناس. وسار في العسكر السلطاني آخر الناس فلم يلقهم دون حصن أصاب أحد من الناس فحط عليه وأّخذه واستولى على حصن الناصرة وسار نحو جبل المسهلة فدخل الشريف يحيى بن أحمد القاسمي رعب عظيم. وطلب الصلح على تسليم حصن العروس وهو مستقر الشريف حيث أمواله وطعامه وحصن شمسان وحصن السمول ولم يبق في يده إلا المنصورة فانتقل إليها وسلم ولده رهينة في نزوله إلى الباب الشريف السلطاني. فلما صفا الشرف الأسفل ولم يبق فيه إلا حصن المسولة للأَشراف أهل جبل الحرام. ومنهم بالباب محمد بن علي وأخوه يطلبان بيعها على السلطان. فحط عليه الأمير عماد الدين في العسكر المنصور ثلاثة أيام فسلمه أصحابه بألفي دينار وطلوع الشريفين من الباب. وجاءَت البشارة إلى السلطان وقد اشتراه الصاحب من الشريفين بخمسة آلاف وإفراس وكساوي فَسُرَّ السلطان بأَخذه وأبطل ما شرع فيه الصاحب. وسار الشريف عماد الدين إلى الشرف الأعلى. وفي يوم الاثنين السادس عشر قتل الأمير سيفد الدين طغريل قتله الأكراد في ذمار وكان على باب المدينة في قصر السلطان. وكان قد طلب جريدة من الباب فطلعت إليه جريدة جيدة بسبب تسليم القطع التي في البلاد فتوهموا أنه يريد القبض عليهم فقصدوه لغر الليل فاتاه النذير في تلك الليلة مراراً فضيع الحزم. وكان أمر الله قدراً مقدوراً. فلما عزموا على قتله اجمعوا وخرجوا من المدينة فقصدوا محطة عسكر صنعاء فعقروا خيلهم وساروا نحو القصر فأَخذوا الإسطبل فجاءهم عسكر السلطان من المماليك البحرية وغيرهم فكسروهم وطردوهم عن القصر إلى

стр. 299

باب المدينة. ورجعت المماليك إلى الأمير سيف الدين وهو في القصر وسألوه الخروج إليهم فامتنع ولم يحفل بهم فتفرق العسكر عنه ثم قصده الأكراد فحاصروه إلى بعد طلوع الشمس فخرج إليهم على ذمة فقتلوه معه صهره وهو أستاذ داره وكاتبه ووالي ذمار وأربعة من مماليكه. فكان جملة من قتل معه ثمانية نفر وهو تاسعهم ونهبوا المحطة وما فيها من جمل وعدد وهرب من هرب سالماً. ولما وصل العسكر إلى السلطان وقد أخذت خيولهم وعددهم وأثاثهم عوضهم السلطان عما فات. وجهز العسكر مع الأمير شجاع الدين عمر بن القاضي العماد وهو يومئذ أمير جاندار وسير الأمير عباس بن محمد نحو صنعاء على طريق تهامة وحجة ومعه مال جيد استخدم به عسكراً فتأَني ابن العماد في مسيره حتى خرج عباس من صنعاء وفيه الأمير علم الدين حمزة بن أحمد والأمير بن وهاس وصاحب ثلا وهمدان وعيال شريح وغيرهم فكان دخولهم هم وابن العماد ذمار في يوم الأحد وقد انحازت الأكراد إلى الوادي الحار واستولوا على حصن هزان وشحنوه ورتبوا فيه جماعة فقصدتهم العساكر إلى الوادي فقاتلوهم ثلاثة أيام فقتل في يوم منها ثلاثة من الأكراد وأُخذت خيلهم. ثم تفرقت الأكراد في كل ناحية وخرب العسكر المنصور أموال الفضل بن منصور وعاد العسكر إلى ذمار فتوجه الأشراف نحو بلادهم وأَقام الأميران بذمار. وحصلت المكاتبة والمراسلة بين الأكراد والإمام بن مظهر فأَجابهم وسار إلى بلدي شهاب وطلب الأكراد إلى هنالك فأجابوه وسار عباس بعسكر صنعاء إلى صنعاء وسار الأكراد والإمام وغيرهم إلى قرن عنتر فأَخذوه قهراً وقاتل من كان فيه وكان فيه نحو من مائة رجل. وأخذت العرب بيت برام وبيت ردم. وقاهر حضور وردمان بني خوال وزحف الإمام على صنعاء آخر شهر رمضان. وكان الأمير عباس قائماً بعض العسكر بن بستان السلطان ورجعوا ورجع الإمام إلى حدة وسباع فأقام بها هنالك وكان معه من الأكراد وغيرهم نحو من مائة فارس وتابعت الإمداد نحو صنعاء ثم طلع السلطان بنفسه النفيسة فلما وصل ذمار جعل رحيله من ذمار صبحاً فأمسى على باب

стр. 300

صنعاء فلم يطمع الإمام في معاودة القتال عليها. وفي شهر شوال خالف الشرفاء إلى شمس الدين في صعدة واخرجوا إليها الكردي وسيروه على طريق حوض فغضب السلطان وجهز ولده الملك المظفر إلى قاع بيت الناهم. فحط هنالك يوم السادس من ذي القعدة ولوقته سار إلى بيت حبيض فاستولى وظهرت عساكره على الإمام ابن مطهر بجدة فانهزم هو ومن معه من الأكراد طريق الحارة إلى حافد ثم طلعوا إلى سبا وكان الميعاد بين السلطان وولده الملك المظفر إلى يوم الثلاثاء بان يركب العسكر السلطاني من صنعاء إلى حدة فاستعجل الملك المظفر آخر نهار الاثنين فكانت عجلته سبباً لسلامة ابن مطهر والأكراد ولكل اجل كتاب. وفي أول ذي القعدة نقض الأمير تمام الدين الصلح الذي بينه وبين السلطان وكاتب آل شمس الدين باللقاء والاتفاق وأقام الإمام محمد بن مطهر بجبل رهقة والأكراد في الروبة والملك المظفر في محطته في قاع بيت الباهم مدة نصف شهر وعامل محمد بن الذئب الشهابي في الإمام والأكراد فطلع العسكر الجبل فانهزم الإمام والأكراد ثم نزلوا طريق مفحق وافترقوا من هنالك فسار الإمام نحو ذروان. ثم سار نحو ظليمة فعيد بها عيد الأضحى وسار الأكراد نحو طوران ثم وصل الأمير علي بن موسى إلى الإمام محمد بن مظهر ووصل معه آل الإمام فقصدوا الشريف لما بلغهم من تأَخر الفقيه على العسكر وافتراقهم من أَجل ذلك. فطلعوا من طريق كحلان فركز لهم الأمير عماد الدين فعادوا خائبين نحو الظاهر وقصدوا القنة وليهم الأمير همام الدين إلى هنالك فحطوا عليها ثلاثة أيام ثم افترقوا ورجع الأمير همام الدين ظفار وسار الإمام محمد بن مطهر والشريف علي بن موسى إلى صعدة. وفي غرة ذي الحجة أمر السلطان بالقبض على الشريف جمال الدين عبد الله بن علي بن وهاس وولديه داود والمؤَيد بصنعاء. واحتج عليه بأُمور أوجبت ذلك وسير العساكر مع عباس بن محمد للمحطة على حصنه عزان وسير معه المنجنيق وعيد السلطان عيد الأضحى في صنعاء.

стр. 301

وفي هذه السنة توفي الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة وكانت وفاته يوم العشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وكان مع السلطان من يوم نزل إليه إلى زبيد في شوال من السنة الماضية إلى يوم وفاته رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الإمام الفاضل رضي الدين أبو بكر بن محمد بن عمر اليحيوي وكانت وفاته في مدينة زبيد وكان مولده في شهر رجب من سنة ست وأَربعين وستمائة وكان تفقه بأبيه وبغيره كابن النابه. وربما أخذ عن المقدسي ثم تصوف وصحب الأكابر من الصوفية كابي السرور وغيره وحج مكة فلقي فيها جمعاً من الأكابر وانتسخ كتباً من كلام ابن العربي الصوفي فعكف عليها واعتقد ما فيها ثم لما عاد إلى اليمن أقبل عليه أَعيان الأمراء والملوك والخواتيم وصار لهم معتقد عظيم. ومثل أصحابه عنه أُموراً تدل على صلاحه وجلالة قدره. وحصل بينه وبين الملك المؤَيد ائتلاف وصحبة قبل مصير الملك إليه واعتقد صلاحه اعتقاداً جاوز الحد وكان مظهراً لإقامة المعروف والنهي عن المنكر وإبطال الخمر وما شابهه. ولم يكن السلطان مغيراً ما فعله اعتقاداً أن ما فعله هو الصواب. وله أشعار معجبة ويقال إن بإشارته انتقلت الأوقاف من حكام الشرع إلى أرباب الدواوين. ولم تكن قبل إلا إلى حكام الشرع الشريف. وكان نزوله إلى زبيد في سنة ثمان وسبعمائة فأقام بها إلى إن توفي في لسلة الخميس لعشر بقيم من شهر ربيع الآخر من سنة تسع المذكورة. وحضر دفنه أخوه القاضي موفق الدين علي بن محمد بن عمر الصاحب نزل مزعجاً عليه من تعز فأدركه منزولاً به وقبر إلى جنب قبر الشيخ الصالح علي بن أفلح في مقابر باب سهام رحمه الله تعالى. وفي هذه السنة توفي الفقيه القيه الصالح عثمان بن الفقيه يحيى بن الفقيه وكان فقيهاً حيراً وله قريحة في الشعر ومن قوله بيتان يجمع فيهما أُولو العزم وهما. أولو الحزم فاحفظهم لعلك ترشد ... فنوح وإبراهيم هود محمد قال المصنف أيّده الله إنما هذا بيت واحد ولكنه مقفى إلا أن يكون سقط البيت

стр. 302

الثاني من الأصل فيمكن ذلك ولأنه لم يستوعب أهل العزم في البيت المذكور. فدل على سقوط بيت آخر والله أعلم. وهو الذي خمس مديح ابن حمير الذي أوله يا من لعين قد أَضرَّ بها السهر ... وأضالع جُدْب كوين على الشرر فقال قلبي المعنى حار حلفاً للفكر ... وكذاك سمعي خانني ثم البصر ودموع عيني في المحاجر كالمطر ... يا من لعين قد اضربها السهر وأضالع جُدْب طوين على الشرر وكانت وفاته مبروقاً يوم الحادي عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة والله أعلم. وتوفي الفقيه الفاضل أبو الخطاب عمر بن محمد بن عبد الله بن عمران المتوجي بضم الميم وفتح التاء والواو ومع التشديد وجيم قبل ياء النسب. وكان مولده سنة ست وأربعين وستمائة بمخلاف شيبة. ثم سار إلى تعز فدرس فيها في المدرسة العمرية. وكان يغلب عليه العزلة والانفراد والعبادة وكلفه دين عظيم. فارتحل إلى عدن بسبب قضاء دينه. فأدركته منيته هنالك فتوفي بها يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الشيخ الرئيس محمد بن بطال بن محمد بن بطال بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبي نسبة إلى قبيلة كبيرة يقال لهم الركب من ولد أنعم بن الأشعر يسكنون مواضع كثيرة في عدة نواح من اليمن كان جده محمد بن بطال يخدم السلطنة. وتولى ناحية المفاليس مدة فلما هلك تولى بعده ولده بطال بن محمد فأقام مدة في ولايته ثم قتله بعض بني عمه وكان ولده هذا محمد بن بطال رهينة في الدملؤَة عند خادم يقال له ياقوت فأقامه مقام أبيه وولاه الجهة فقوي أَمره به واكتسب أَموالاً وصحب أعيان الدولة فقوي بذلك أَمره واستمر على ذلك دهراً طويلاً فهرب منه الذين قتلوا أَباه وكان يحب الرئاسة ويتقرب إلى الرؤُساء من أهل الدين والجنيا إلى أن توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

стр. 303

وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن مفلح الكوفي وكان فاضلاً أخذ عن ابن الحرازي القراءات والفقه وكان خيراً من أكثر الناس إحساناً إلى ابن الحرازي وكان أبوه مفلح صاحب دنيا واسعة وكان ولده هذا علي يتحمل الغالب من مؤُنة ابن الحرازي من طعام وكسوة له ولعياله. فكان ابن الحرازي يجتهد في اقترابه فوق ما يجب ويبالغ في إكرامه. ويؤُثره على سائر الطلبة لذلك فكان يحسن إلى سائر الطلبة أيضاً ويواسيهم. ثم حج في آخر عمره. وامتحن بالفقر. وكانت وفاته في ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل إسماعيل بن علي بن محمد بن أحمد بن نجاح المعروف بابن ثمامة. وأمه بنت الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي. وكان فقيهاً عارفاً حسن الأخلاق وكريم النفس توفي إلى رحمة الله تعالى في جمادى الأولى من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه المقري أبو عبد الله محمد بن عمر بن وكان ميلاده في شهر محرم أول سنة أربعين وستمائة وقرأ القرآن وصحب الأستاذ أَبا وسبب صحبته اتصل بالملك الواثق وسافر معه إلى ظفار وغلب على أمره ولم يزل وزيراً له إلى أن توفي هنالك وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة عشر وسبعمائة تسلم الأمير شمس الدين عباس بن محمد ابن عباس حصن ظفار ونقل محطته نحو ظفار وحط بالطفة عند حصن تعز ونصب المنجنيق عليه فرغب الأشراف في الصلح وأذعنوا للخدمة الشريفة على يد الشيخ نجم الدين محمد بن عبد الله بن عمر بن الجند بصعدة ورهن الأشراف على تمامه. وسار معدا نحو السلطان إلى صنعاء فأَتم السلطان ما فعله وصاح الصائح بالصلح ليلاً على كره من الأمير عباس مقدم الحرب يومئذ. وكان ذلك خديعة من الشيخ ابن الجند لما علم مضرة أهل ظفار أن أقام عليهم الحصار فاستغاثوا به فبادر مسرعاً لرفع المحطة عنهم فعدها السلطان له من جملة الذنوب وأتم السلطان ما تقرر من الصلح.

стр. 304

وتوجه السلطان من صنعاء إلى محروسة تعز يوم الخامس والعشرين من صفر وترك في البلاد الصنعائية الأمير أسد الدين محمد بن حسن بن نور مقطعاً بها. وفي هذه السنة المذكورة تسلم الأمير عماد الدين إدريس بن علي حصن المفتاح مضافاً إلى ما تسلم من حصون الشرفين وسلم الجميع إلى نائب السلطان. وهو حسن بن الطماح بن ناجي وقد ولاه السلطان جهات الشرق. وفي السابع عشر من جمادى الآخرة تقدم الركاب العالي من محروسة تعز إلى محروسة زبيد. وفي هذا التاريخ اصلح الأكراد ودخلوا في الطاعة بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وبذلوا الطاعة من أنفسهم ولجئوا إلى الحرم الشريف متفيئين ظلاله مستمطرين نواله فعادت الشنشنة الرسولية عليهم بالإقبال واستقر الحال على بقاء هزان بأيديهم واستخدم من أراد الخدمة منهم وتسلم خمس رهائن. وفي هذه السنة أقطع السلطان الأمير جمال الدين نور حسن بن نور الأعمال الصعدية والجوفية والجثة بتهامة وعوض الأمير عماد الدين عن الجثة بالقحمة. وفي جمادى الآخرة سار الإمام محمد بن مطهر يريد لقاء الأكراد وقد طلبوه فوصل برأْس الناقر وأَقام ينتظرهم فبدأَ لهم في الصلح فاصلحوا السلطان على أنفسهم فرجع الإمام إلى ورور وطلع السلطان من زبيد إلى تعز في آخر ذي القعدة من السنة المذكورة. وفي هذه السنة حج من مصر عدة من الأمراء في عسكر كثيف وكان قصدهم لزم الشريفين رميثة وحُميَضة. فلما علما بذلك نفرا من مكة ولم يحصل العسكر على قبضهما. فلما انقضى الحج ورجعت العساكر المصرية إلى مصر عادا إلى مكة. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الخطاب عمر بن عثمان بن يحيى ابن إسحاق وكان مولده سنة ثمان وعشرين وستمائة. وكان فقيهاً مجوداً غلب عليه الاشتغال بالحديث. وكانت وفاتهُ في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

стр. 305

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح عبد الرزاق بن محمد الجبرتي الزيلعي ويقال أنه شريف النسب. وكان فقيهاً فاضلاً من أهل المروءة والدين محباً في السعي في قضاءِ حوائج الأصحاب راغباً في ذلك. ودرس بالناجية في مدينة تعز وتفقه بمحمد بن عباس وعلي بن أحمد الجنيد. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة. ويروى أنه لما حُمل نعشه وساروا به نحو المقبرة جاءَ طائر من الهواء فدخل في أكفانه ولم يُرَ بعد ذلك والله أعلم. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه يحيى بن سالم وكان فقيهاً عارفاً بالفقه والأصول ذكيّاً درس بعد أبيه وصحب الفقيه أبا بكر بن محمد بن عمر بن اليحيوي مدة طويلة فنال مالاً جيداً وبسببه جعل أمر المدرسة إليه والى أهله وأبعثهُ الملك المؤَيد سفيراً إلى مدينة رسول الله ﷺ ليقوم حماز علي أبي نمى صاحب مكة لأمر كان بينهما فلزم أبو نمى وصادره هو وصاحبه بمال فاقترضوا من حجاج اليمن وعادوا. قال الجندي وأظن ذلك كان في سنة ثمان وتسعين وستمائة. وكانت وفاته في سنة عشر وسبعمائة بعد أن اتسعت دنياه اتساعاً كبيراً والله أعلم. وفيها توفي الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن أبي القاسم بن أحمد بن أسعد نسبة إلى عرب يسكنون جارة يقال لهم بنو خطاب. وكان مولده سنة ست عشرة وستمائة وتفقه بابن ناصر المذكور أولاً. وكان فقيهاً محققاً مدققاً سكن قرية من مخلاف جعفر يقال لها منزل جديد بفتح الجيم وكسر الدال المهملة. وامتحن في آخر عمره بالعمى وتوفي على ذلك في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله ولد صاحب المقداحة. وكان خرج في حياة أبيه قاصداً السياحة والتعبد فبلغ مدينة ظفار

стр. 306

الحبوضي وأقام هنالك مدة. فلما توفي والده وخلا الموضع من قائم يقوم فيه أرسلوا له رسولاً قاصداً وسأَلوهُ الوصول إليهم فوصل وابتنى رباطاً على صفة رباط ظفار وقام بالموضع قياماً مرضياً إلى أن توفي في سلخ جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد محمد بن أحمد الخلي نسبة إلى قرية بحجر يقال له الخلة بفتح الخاء. وكان فقيهاً عارفاً صالحاً ورعاً عابداً زاهداً تفقه بأحمد بن جزيل بسهفنة والفقيه إسماعيل الحضرمي وعاد إلى بلده فاخذ عنه ابن أخيه إسماعيل ابن أحمد بن علي ثم عرض لهذا الفقيه أن سلك طريقة الزهد والعبادة فابتنى رباطاً وأنفق ماله على الواردين والقاصدين ولم يزل به حتى توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة حصل من الإمام محمد بن مطهر عزم عظيم وتوجه إلى الشرق في جمع من العساكر. وكان قد أيصاب قبائل الشرق من ولاة السلطان بعض ما يكرهونه فسار بهم الإمام نحو جبل الساهل فلم يظفر منه بشيءٍ. وطلع بلد المحانشة فقاتل على القاهرة واستولى عليها وأخذ حصن هبيب وجبل سعد والشجعة والمفتاح وأجابه أهل الشرف الأعلى كافة فنزل السلطان إلى تهامة وجرد الجرائد إلى تلك الجهة وأمر الشريف عماد الدين إدريس بالتوجه إليها على عادته فسار إلى جبل أقناب وجمع العساكر وكاتب القبائل فما أجابوا وسار إلى عكاش في اليوم السابع من شعبان فقاتلهم ثمانية أيام وكان عسكرهم يومئذٍ ألفا وخمسمائة وكان كل يوم ينقص من عسكره جماعة واستمد الإمام بقبائل حجة وشطب والأهيوم وقبائل الشام فاقبلوا إليه فقصدوا المحطة يوم الخامس عشر من شعبان في ستة آلاف راجل

стр. 307

فانهزم العسكر السلطاني قبل وصول الإمام ولم يبق إلا الشريف عماد الدين في أربعة أفراس فأُسر الشريف عماد الدين وقتل ابن عمه قاسم بن الإبريس وأسّر خاله وسلم الرابع بعد أن عقر حصانه وقتل في الوقعة الأمير جمال الدين غازي بن أبي بكر بن خضر. وكان يومئذ والي الموقر والمخلافة والسرددية وقتل سبعة من الرجل. وأَقام الشريف عماد الدين مأْسوراً نحواً من نصف شهر. ثم افلت فلحق بحصن عزان الذي لابني شرحبيل فجمع الإمام جموعه وزحف عليه فلم يظفر بشيءٍ. وتسلم الأمير حصن المفتاح يوم الخامس عشر من شهر رمضان بعد أن أفرغ ابن الطماح جميع ما فيه من شحنة وصبر وهو ومن معه على أهون القوت. وانتقل الشريف عماد الدين إلى الظفر حصن الإماء بني صفي الدين في نصف شهر رمضان. وقد كان السلطان جهز ولده الملك المظفر والصاحب موفق الدين إلى الشرف قبل الواقعة فلقيهما الخبر وهما بالمهجم فسارا وحظا في قلحاح. ثم ساروا إلى موضع محطة الشريف عماد الدين فهزموا عسكر الإمام وقتل السيخ الرّياحي صاحب جبل تيس. ثم انتقل الشريف من الحصن المذكور إلى محطة الملك المظفر بقلحاح فأقام عنده على أحسن حال إلى الرابع عشر من شوال وأمره بالإقامة في جبل الساهل وترك عنده من العسكر ألف راجل. ونزل المظفر والصاحب موفق الدين إلى تهامة. وتجهز الأمير شمس الدين عباس بن محمد بن عباس إلى حجة لحرب إبراهيم بن مطهر بذروان فقط عباس في سهل شمسان. ولما تطاولت الفتنة بين السلطان والإمام استقرَّ الحال على ذمة من السلطان مدة سنة كاملة يستريح الناس من الفتنة وتضع الحرب أوزارها ورجع الملك المظفر والصاحب والأمير شمس الدين إلى الأبواب السلطانية بزبيد. وفي هذه السنة توفي السلطان الملك الواثق إبراهيم بن السلطان الملك المظفر شمي الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول في ظفار الحبوضي وكان فريداً في محاسنه وله معرفة في الأدب ومشاركة في فنون العلم وكان يقول الشعر ويحسر عليهِ الجوائز السنية.

стр. 308

ومن يك ذا ود بن يوسف صنوه ... فليس غريباً أن يرى بكريم ويروى آن ولد أحمد الرفاعي وصل إلى ظفار يريد الحج فتلقاه السلطان بالإجلال والإكرام فأقام عنده ثلاثة أيام في الضيافات النفيسة وكان يرسل له كل يوم في مدة الضيافة بألف دينار ملكية وتشريف فتلك شِنْشنِةَ مظفرية وأخوة هزبرية. فلما وصل العلم بوفاته أمر السلطان بالقراءَة عليه سبعة أيام وحضر القراءَة ملوك بني رسول وأعيان الدولة ووجوه الناس في كل يوم ينصرفون بعد القراءة إلى سماط نفيس حتى انقضت السبعة الأيام رحمه الله تعالى. وفيها توفي القاضي منتخب الدين إسماعيل بن عبد الله بن علي الحلبي بلداً المعروف بالنقاش الملقب بالمنتخب وكان رجلاً فاضلاً كاملاً له جاه عريض وثناءُ مستفيض سافر من بلده إلى مكة المشرفة فأقام بها مدة ثم ارتحل إلى اليمن وقد تكرر ذكره فيها. فلما قدم زبيد وواليها يومئذٍ نجم الدين ابن الخِرْتبِرتي كتب إلى الملك يعلمه بوصوله فأمر السلطان أن يبجل ويعظم ويعزَّز ويكرَّم. وكان متورعاً متزهداً له يد في الفقه والأصول وصحب الفقيه عمر بن عاصم مقدم الذكر ثم بعد ذلك حصل مجلس ذكروا فيه الصحابة ﵃ والمفاضلة بينهم فسمع منه تقديم علي ﵇ على غيره من الصحابة فاتهموه بالرفض وأشاعوا ذلك عنه فلزم بيته وهجرهم وتعانا الزراعة وكان محترماً فيها لأجل ما كان المظفر يجله ويحترمه ويوصي به الولاة ثم تزوج السلطان الملك المؤَيد ابنته فولدت له المجاهد ﵀ عليهم أجمعين وكانت وفاة المنتخب المذكور في مدينة زبيد في السنة المذكورة وأمر السلطان بالقراءة عليه في جامع المغربة ثلاثة أيام رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله ابن محمد بن جابر بن أسعد ابن أبي الخير العودري ثم السكسكي وكان يعرف بالرباعي لأنه كان له أربع أصابع وكان تفقه بفقهاء الجند كإبراهيم بن عيسى وغيره. وأخذ النحو عن أحمد ابن أبي بكر وغيره وجمع كتب الحديث على عبد الله بن عمران الخولاني وحصل بينهُ وبين أهل قريته وحشة فنفر بسببها إلى البلد العليا فعلم للشريف علي بن عبد الله ولديه

стр. 309

داود وإدريس وحصلت له شفقة كلية من الشريف وأقام معه مدة سنين فانتفع أولاده به وقرأُ القرآن واستخلص الشريف له خراج أرضه من السلطان فلم تزل مسموحة إلى أن توفي. وجمع كتباً كثيرة في الأدب وغيره. وكانت وفاته في النصف من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن مياس الوافدي. وكان فقيهاً جيداً تفقه بأهل عدن وكان ينوب ابن الجنيد على القضاء بعدن فلما توفي ابن الجنيد جعل مكانه فسار سيرة الغالب عليها الخير وكان يتعانى التجارة مع المسافرين في البحر والزراعة في بلدة لحج وكان مسكنه مسكن أخواله القريطين. فما أنه العليا على قضاء عدن سنين حتى ولي القضاء الأكبر بنو محمد بن عمر فعزلوه من عدن وجعلوه حاكماً في بلده واستمر بعده في القضاء الحجافي واستمر هو على القضاء في بلده إلى أن توفي وكانت وفاته في شهر رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو بن الحسين بن محمد بن أحمد بن مصباح. وكان مولده سنة اثنتين وستين وستمائة. وكان فقيهاً عالماً بارعاً عارفاً بالفقه توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة طلع السلطان الملك المؤَيد من زبيد إلى تعز وكان خروجه من زبيد أول يوم من المحرم من السنة المذكورة. وفي اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الأول قتل الشريف عماد الدين يحيى ابن تاج الدين. وكان سبب قتله أن بعض القبائل من أهل ملحان جزوه على آخرين غيرهم وعذلوا فيه وفي عسكره فلما أَراد الخروج رد حصون أهل العدالة قبل انفصاله من الجبل فدعموا فيه فقتل وقتل معه نيف وأربعون رجلاً من أصحابه. وفي هذا التاريخ وصلت رسل الإمام إلى الشريف عماد الدين إدريس ابن علي للسعي في الصلح بينه وبين السلطان قبل انقضاءِ الذمة فسيرهم الشريف إلى الباب

стр. 310

الشريف فتلقاهم الشيخ محمد بن عبد الله بن عمر بن الجند وكان الصاحب موفق الدين يومئذٍ مريضاً. فاستقر الأمر على صلح عشر سنين أولها جمادى الآخرة من السنة المذكورة. على أن الشرف الأَعلى وحصونه والحبر بحجة وصاحب بيت ردم وشركاءه وأموال آل الوشاح حيث كانت وظفر به وهاس وسائر ما هو معروف للإمام بحجة وظليمة وغيرهما إليه وثلاثة آلاف دينار في كل سنة. وصاح الصائح في تعز بالصلح عشر سنين فلما تمَّ صلح الإمام وانفصل عنه الأكراد جرد السلطان من عسكر الباب مائتي فارس ورجل مدجج للحظة على هزان. وأمر الأمير أسد الدين محمد بن نوران يسير بعسكره من صنعاءَ فتوجه الشيخ إلى الجند حينئذٍ وعقد صلحاً للأكراد على ترك دخول ذمار ورداع وترك الإقطاع وإن تستمر رهائنهم بالعروس. وأمر السلطان الأمير أسد الدين بسكنى ذمار واستيطانها فامتثل الأمر. وفي الثالث من جمادى الآخرة سار السلطان إلى الجند بسبب الصيد فأقام هنالك إلى الحادي عشر منه وعاد إلى تعز ثم سار إلى زبيد يوم الرابع والعشرين منه فدخل زبيد يوم الرابع من رجب. وفي ليلة الجمعة السابع عشر من شهر رجب احترقت دار المرتبة بتعز لأسباب اختلف الناس فيها فتلف فيها شيءُ كثير من الأثاث والفروش والكتب النفيسة وغير ذلك مما لا ينحصر. وكان في حملة ما احترق بشخانتان كبيرتان كاملتان من الزركش إحداهما صفراء والأخرى حمراء وكان السلطان يومئذٍ في زبيد وفي يوم السبت الثامن والعشرين من رجب خرج السلطان إلى فشال بسبب الصيد فأقام هنالك إلى آخر الشهر المذكور ورجع إلى زبيد. وفي هذه السنة أمر السلطان بإنشاءِ قصر بزبيد على ظاهر باب الشبارق في البستان الذي أمر بإنشائه المعروف بحائط لبيق. وكان صورة بناء القصر يومئذٍ إيوان طوله خمسة وأربعون ذراعاً وفي صدره مقعدة ستة اذرع وله دهليز متسع وفوق الدهليز قصر بأربعة أواوين يشرف على البستان المذكور من جميع نواحيه. وفي هذه السنة حج الملك الناصر صاحب مصر في مائة فارس من مماليكه وستة آلاف مملوك على الهجن وسلاحهم القسي فوصل مكة المشرفة في اثنين وعشرين يوماً

стр. 311

من يوم خروجه من دمشق محرماً مقرعاً فطاف بمرأَى من الناس وكان أعرج قبيح العرجة فقضى مناسكه كلها فلما حل حلق رأْسه وأَحسن إلى الناس وتصدق وعاد ومعه الشريف أبو الغيث ابن أبي نمى. وقد هرب رميثة وحميضة لما أحسا بوصوله خشيا أن يقبض عليهما فخرجا من مكة ونهبا التجار الواصلين إلى مكة نهباً شديداً ولم يتركا لأحد شيئاً وفعلا من الأفعال القبيحة ما لا يفعله أحد. وأقاما غائبين عن مكة حتى فرغت أيام الحج وعادا إلى مكة. وفي شهر شعبان من هذه السنة حصل على الملك المظفر حسن بن السلطان المؤّيد توعك في جسمه وذلك بعد وصوله من الشرف. وكان من قبل طلوعه غير طيب وكانت الحمى لا تفارقه مع سعال. فلما اشتد عليه الأمر أمره والده بالطلوع فطلع فاشتد به الأمر في رمضان فهمَّ السلطان بالطلوع ثم توقف. فلما كان يوم العيد أتاه خبر أزعجه فأمر الصاحب موفق الدين بالطلوع لفوره فطلع يوم العيد وقت الظهر وهو يوم الاثنين فوصل تعز يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس وخرج السلطان من زبيد ظهر يوم الثلاثاء فدخل تعز يوم الخميس وأرسل لابنه إلى ثعبات وأرسل الأطباء لمعالجته فلم يزدد إلا ضعفاً ونحفاً. ولم يزل كذلك إلى أن توفي في يوم الأحد السادس من ذي القعدة بعد أن أوصى وتثبت في وصيته. وفي جملة وصيته أن لا يُصاح عليه ولا يُشق عليهِ ثوب ولا يُغطى نعشه إلا بثوب قطن وإن لا يُعقر على قبره شيءُ من خيله وإن يُدفن في مقابر المسلمين. فنفذ والده وصيته في جميع ما أوصى به إلا في الدفن فإنه أمر أن يدفن عند أخيه الظافر في المدرسة المؤَيدية في معزية تعز. وكان من اجل الملوك قدراً وأوصى في جملة وصيته لن يُبتنى له مدرسة في قرية المحارب وإن يجرى لها الماء وإن يجري الماءُ منها إلى حوض تحتها. ففعل والده جميع ذلك. وكان يوم دفنه يوماً مشهوداً. وحضر دفنه ملوك بني رسول بأجمعهم وشهدوا القراءَة سبعة أيام وأمر والده بالقراءة عليه في سائر مملكته. وكتب العفيف ابن جعفر إلى السلطان يعزيه بهذه الأبيات: أمولى الملوك وسلطانها ... ويا من له طاعة تفترض

стр. 312

فلا ملكُ ناقضُ عقدهُ ... ولا ملكُ عاقدُ ما نقض ولا عوض منك في ذا الورى ... وكل الورى أنت منهم عوض وفي يوم العاشر من ذي القعدة توفي القاضي جمال الدين محمد بن احمد ابن محمد بن عمر اليحيوي وهو الذي كان ينوب عن القاضي موفق الدين الصاحب في قضاء الأقضية فكان يباشر الأحكام ويفصل القضايا ولا يعارضه أحد وكان الغالب عليه سلوك طريق الزهد بحيث أن أكثر أهله وأصحابه يقولون عنه أنه لم يكتسب شيئاً من الدنيا. وكان عمه أبو بكر هو الذي يربيه ولم يصر إليهم أمر القضاء والوزارة إلا بعد أن تفقَّه وتعبَّد وحج وجاور في مكة والمدينة وعرف الناس يمناً وشاماً وحجازاً ولم يكتسب شيئاً من الدنيا كما اكتسب أهله أجمعون ولا تزوَّج امرأَّة قط وكانت إشارته من إشارة عميه أَبي بكر وعلي ولم يخالفاه وفي أصحاب عمه أَبي بكر جماعة يعترفون له بالصلاح وربما يفضلونه على عمه أبى بكر. وقال الجندي كانت وفاته يوم الخميس تسع عشر ذي القعدة من السنة المذكورة والله أعلم. وفيها توفي القاضي موفق الدين الصاحب علي بن محمد بن عمر اليحيوي المعروف بالصاحب. وكان رجلاً كاملاً رئيساً فاضلاً فقيهاً نبيهاً فصيحاً شهماً ولي الوزارة والقضاء في الدولة المؤَيدية إلى يوم وفاته. وكانت وفاته يوم الثالث من ذي الحجة من السنة المذكورة ﵀. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد السبتي. وكان فقيهاً فاضلاً محققاً حسن الأخلاق مرضي الفتوى وردت منه أسئلة إلى الفقيه الإمام أبى الحسن الأصبحي صاحب المعين تدلُّ على تحقيقه وتدقيقه. وكان ممن يذكر بالكرم وعلو الهمة وشرف النفس وحسن القيام بمن قصده من أبناء الجنس وغيرهم. نقل ذلك عنه جميع المسافرين ولا يمكن تواطؤهم على كذب. وكان خطيباً فصيحاً مصقعاً. توفي على الطريق المرضي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة ثلاث عشرة وسبعمائة توجه السلطان من تعز إلى الجند فأقام فيها مدة. وفي شهر ربيع الآخر برز مرسوم السلطان إلى الأمير أسد الدين محمد بن حسن

стр. 313

بن نوربان يخرج من ذمار ويحط على حصن هزان وينصب عليه المنجنيق ففعل ما أمر بهِ ونصب المنجنيق عليه ووصل الأمير شمس الدين عباس بن وهاس معزولاً من حرض. وفي شهر ربيع الآخر قتلت الأكراد حسن بن إياس والي صنعاء في ستة نفر من الغز منهم بن الغلاب والتاج بن العز وابن منقار وجماعة من الرحالة فجرَّد السلطان عباس بن محمد في خمسين فارساً غير عسكره فخرجوا من تعز يوم الخامس من جمادى الأولى فأقاموا مع ابن نور في محطته ولم يزل المنجنيق يصك هزان حتى أتلفه إتلافاً كليّاً لم يعلم قط إن كسفاً عمل في حصن ما عمل المنجنيق في هزان. فلما ضاق الأمر على الأكراد واشتد عليهم ورأُوا الموت عياناً لجئوا إلى السلطان فكاتب لهم الشيخ محمد بن عبد الله بن عمرو بن الجند واستعطف خاطر السلطان عليهم وراجع في ذمة وبرز أمر السلطان بالذمة عليهم للأمير إبراهيم بن شكر والجلال بن الأسد فحضروا مقام السلطان بالجند ودخلا تحت الطاعة واستعطفا خاطره الشريف فرجع إلى شنشنته الكريمة وعفى عنهم بشرط أن لا يبدو منهم ما يوجب الغبار عليهم وسلموا هزان وعادوا إلى ذمار على عادتهم في الخدمة. وأمر السلطان برفع المحاط عنهم فارتفعت عنهم في مستهل رجب من السنة المذكورة. وتوجه الأمير أسد الدين محمد بن حسن بن نور إلى صنعاءَ والأمير عباس بن محمد إلى بلاد همذان لخراب زروعهم وبلادهم والمحطة على بيت أنعم لأنهم بدا مهم ما لا يحسن. فأمر السلطان بخراب زروعهم في مقابلة ما فعلوه. وفي هذا التاريخ تقدم الركاب العالي إلى زبيد فدخلها يوم الثاني عشر من رجب المذكور ووصل إلى السلطان وهو مقيم بزبيد الأمير الكبير الهادي ابن عماد الدين وداود بن موسى مخاطبين في الأمير أسد الدين محمد بن أحمد ابن عز الدين فلم يجابا إلى خروجه من السجن. وبرز أمر السلطان بتوجه الأمير عماد الدين إدريس بن علي إلى صوب صهيب في جمع كثير من الخيل والرجل فأقام في بلاد الأشاودة حتى رهنوا رهائن أكيدة ثم سار إلى مقمح فاخرب العسكر بلدهم وأتلفوا عليهم طعاماً

стр. 314

كثيراً واتلف الشريف للجحافل زرعاً كثيراً وغيره. وفي أول يوم من ذي الحجة اخرج السلطان الأمير جمال الدين عبد الله بن علي بن وهاس من سجن تعز. وكان السلطان يومئذ في زبيد فنزل الأمير جمال الدين وصحبته والي تعز إلى الباب الشريف مخاطباً في رجوعه إلى الخدم الشريفة. ويسلم حصن ظفر فأُجيب إلى ذلك. وكانت إقامته في السجن أربع سنين لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً فأقام في زبيد أياماً وقد نزل إليهِ جماعة من أصحابه وبني عمه فاعلموه بامتناع ولده على الحصن المذكور. فسأَل من السلطان أن يقبل أولاده وبني عمه رهينة مع أربع حلل من حريمه قد صرن في صنعاء ويترك يطلع على حسب حاله ليتوصل إلى دخول الحصن ويسلمهُ إلى نواب مولانا السلطان فأذن له في ذلك فسار أي ولده. ولما طلع الحصن وتمكن منه أَخرج ولده وأمره بالمسير إلى الباب السلطاني. ويسلم الحصن إلى نواب السلطان. وفي هذه السنة وصل الشريف أبو الغيث بن أبى نمى من مص في عسكر جرار إلى مكة فيهم من المماليك الأتراك ثلاثمائة وعشرون فارساً وخمسمائة فارس من أشراف المدينة خارجاً عما يلحقهم من المتخطفة والحرامية فلما علم بهم رميثة وحميضة هربا إلى صوب حلي بن يعقوب واستولى الشريف أبو الغيث على مكة وكان المقدم الأمير سيف الدين طقصنا. فلما وصل المحمل السعيد والعلم المنصور المؤيدي برز الأمير سيف الدين طقصنا والشريف أبو الغيث للقائه وطلعا به جبال عرفات على عادته. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل عثمان بن عبد الله بن الفقيه محمد بن يحيى بن إسحاق بن علي بن إسحاق الغاني ثم السكسكي. وكان فقيهاً صالحاً عارفاً محققاً تفقه بتهامة على الفقيه عبد الله بن علي بن إبراهيم بن عجيل وأخذ عنه أخيه يحيى. وكان كثير العزلة في بيته ويدرس فيه وقلَّ أن يخرج عنه إلا يوم الجمعة. وكان زاهداً ورعاً متعبداً لزوماً للسنة. قال الجندي اخبرني ابن أخيه الفقيه علي بن أبى بكر. وكان أحد فقهائهم أنه أًسرَّ إليه أنه قال: " رأَيت رؤْيا إن عشت لا أخبرت بها أحدا وإن مت فأنت الخيرة

стр. 315

رأَيت لثمان بقين من رجب جماعة فيهم رسول الله ﷺ فدنا وقبَّل بين عينيَّ اجعلها عندك وديعة وذخراً فاغفر لي يا خير الغافرين " وما أظنني أعيش بعدها. فقلت ولم ذلك قال إن ابن نباتة الخطيب رأَى النبي ﷺ فقبله فلم يعش بعد ذلك إلا أثنى عشر يوماً. ثم أنه لم يعش بعد ذلك إلا عشرين يوماً بل توفي يوم السبت الخامس من شعبان من السنة المذكورة وهو ابن ثلاث وستين سنة رحمه الله تعالى. وفي هذه السنة توفيت الحرة المصونة مريم ابنة الشيخ الشمس بن العفيف زوج السلطان الملك المظفر. وكانت من عقائل النساءِ طاهرة عاقلة لبيبة لها عدة مآثر جيدة منها المدرسة التي في زبيد وهي التي تسمى السابقية وكثير من الناس يقولون مدرسة مريم وهي من احسن المدارس وضعاً رتبت فيها إماماً ومؤَذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن ومدرساً للفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ ومُعيداً وطلبة وأوقفت على الجميع وقفاً جيداً يقوم بكفايتهم وابتنت في تعز مدرسة في المعزية في الناحية التي تسمى الحميرا ووقفت عليها وقفاً جيداً ولها مدرسة في ذي عقيب وهي التي دفنت فيها. ودار مضيف. وكانت وفاتها بجبلة في جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمها الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل عمر بن محمد بن مسعود بن يحيى بن محمد بن المبارك. وكان فقيهاً عارفاً مجتهداً تفقه بالإمام أبى الحسن علي بن أحمد الأصبحي وقبله بشيخه محمد بن أبى بكر الأصبحي وبابن الرنبول وأصل بلاده قائمة بني حبيش. وكان مدرساً في مدرسة شنين في بلد السحول. وكان يختلف بين بلده والسحول إلى أن توفي مقتولاً من بعض قطاع الطريق وكان قتله في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى. ثم إن شيخ البلاد بحث عن قاتله حتى عرفه فأَخذه برقبته وأَتى به إلى قبر الفقيه يوم ثالث القراءة عليه واستدعى الشيخ بولد الفقيه وكان له ولد صغير فأَعطاه الشيخ فأْساً وقال اضربه به فهو قاتل أبيك فقربه حتى قتله بعد ساعة لصغره.

стр. 316

وفي هذه السنة توفي الأديب الفاضل أبو محمد عبد الله بن علي بن جعفر أديب اليمنيين وشاعر الدولتين وكان شاعراً فصيحاً بارعاً فاضلاً ظريفاً بليغاً وقد أوردنا في كتابنا هذا من شعره ما فيه دليل على فضله. وكان ذا دين رصين لم يحك عنه شيءُ يشين دينه ولا عرضه. وكان وصولاً لرحمه قائماً ناصحاً باذلاً لهم جاهه وقد خالطته ولم أحك عنه ما حكيته إلا عن نظر لا عن خبر. وكان كثير العبادة محافظاً على الصلوات المفروضة والمسنونة نظيف الأدب صائن العرض واستمر كاتب إنشاء في الدولة المؤَيدية. وكان مداحاً للملوك والأمراء في عصره وله مدائح كثيرة في رسول الله ﷺ وله مدائح ربانية. وكان أهله الذين يقوم بهم نحوا من أربعين بيتاً. وتوفي في النصف من جمادى الأولى من السنة المذكورة وقيل في السابع منه والله أعلم رحمه الله تعالى. وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو القاسم بن الحسين بن أبى السعود الهَمْداني نسباً الفراوي بلداً. وكان ميلاده في شهر رجب من سنة ثلاث وستين وستمائة. وكان المشار إليه في الفقه والزهد والورع والدين والقيام بأمن الموضع ومال إلى الطريقة الصوفية وصحب الشيخ عمر المقدسي وتحكم على يده فنصبه شيخاً. وكان على حال مرضي من سعة الأخلاق وإيناس الواردين إليه والقيام بحالهم. والاشتغال بمطالعة الكتب. وحج مراراً وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة أربع عشرة وسبعمائة سار الشريف أبو الغيث بن أبى نمى والأمير سيف الدين طقصنا إلى صوب حلي بن يعقوب يريدان رميثة وحميضة فلم يجدا لهما خبراً وكانا قد لحقا ببلاد السراة. فلما وصل الأمير سيفد الدين طقصنا إلى حلي لم يدخلها بل قال هذه أوائل بلاد صاحب اليمن ولا ندخلها إلا بمرسوم من السلطان الملك الناصر وعاد على عقبه. وفي صفر من السنة المذكورة سلم الأمير عبد الله بن علي بن وهاس حصن ظفر عدالة إلى الأمير سليمان بن محمد صاحب العروس. وسلم إليه حصن اللخام فانتقل

стр. 317

إليه ونقل ما كان معه في ظفر من أهل وخبرات وسلم ظفر وخرج منه. وأخرجت رهائنه من صنعاء ووصلت كتب الأمير سليمان بقبضة ليلة الخميس الرابع من شعر ربيع الأول فضربت البشائر وكسى المبشرون وجهز السلطان أصحابه وأولاده الرهائن وسيرهم إليه. ونزل الأمير عبد الله إلى الباب الشريف السلطاني فرفعت له الطبلخانة والأعلام وأقطع مدينة القحمة. وفي ليلة العشرين من شهر ربيع الآخر توفي الشريف عماد الدين إدريس بن علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي ابن حمزة وكان شريفاً ظريفاً شجاعاً كريماً جواداً متلافاً. وكان عالماً لبيباً عاقلاً أريباً متصفاً بصفات الإمامة. وكان شاعراً فصيحاً بليغاً. وقد تدم من شعره ما شهد بفضله. وهو مصنف كتاب كنز الأحبار في معرفة السير والأخبار. وهو كتاب حسن ممتع. وله عدة تصانيف في فنون كثيرة. ومدحه عدة من الشعراء فكان يميزهم الجوائز السنية. وكان رحمه الله تعالى غاية في الجود والكرم والشجاعة رحمه الله تعالى. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن عبد الله الزيلعي الفرضي شهر بذلك لإحكامه علم الفرائض والحساب مع أنه كان مشاركاً في العلوم الدينية. مشاركة مرضية لاسيما الفقه والحديث والتفسير والنحو. وكان تفقهه بالفقيهِ أبي العباس احمد بن موسى بن عجيل. وأخذ الحديث على الإمام أبى الخير بن منصور وانتفع بهِ جمع كثير من زبيد وغيرها. وكان من خيار الفقهاءَ واستمر مدرساً في المدرسة الناجية بزبيد من قبل بني محمد ابن عمر وتوفي على ذلك. وكانت وفاتهُ في أثناء السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل الكبير أبو بكر بن احمد بن عبد الرحمن المعروف بابن الصائغ وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وكان فقيهاً عارفاً محققاً متفنناً تفقه بابن حنكاش. وتأَدب بابن دعاس. وكان فاضلاً في النحو والفقهِ والأدب. توفي في مدينة زبيد في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل مفضل بن أبى بكر بن يحيى الخياري الهمداني

стр. 318

والخياري منسوب إلى خيار وهم قوم من همدان يسكنون جبل عنة تفقه بفقهاء تعز كمحمد بن عباس الشعبي وغيره. واستمر مدرساً في المدرسة المنصورية بالجند. فقرأَ عليه جماعة من أهل الجند كابن الصارم وغيره. قال الجندي وعنه أخذت الوجيز والمستعذب ومنسك مكي وغيرها. ثم استمر قاضياً في الجند مع التدريس إلى أن توفي في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو العتيق أبو بكر بن عمر بن سعد المعروف بابن النحوي. وكان ميلاده في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وستمائة. وكان فقيهاً عارفاً محققاً تفقه بابن آدم وابن العراف والوزيري المتأَخر وبعبد الله بن محمد الحضرمي. وكان مبارك التدريس قلَّ ما قرأَ عليه أحد إلا انتفع. وكان يذكر بشرف النفس وعلو الهمة استنابه بنو عمران في القضاء فأقام كذلك إلى أن انقرضوا فعزله بنو محمد بن عمر في أول قيامهم وبقى على تدريس المدرسة العرابية إلى أن توفي بعد أن تفقه به جماعة منهم عمر بن أبى بكر العراف وغيره. وكانت وفاته في منتصف شوال من السنة المذكورة ﵀. وفيها توفي الفقيه البارع أبو بكر بن احمد بن عمر بن مسلم بن موسى الشعبي المعروف بابن المقري. وكان مولده ليلة الخميس في رجب من سنة خمس وسبعين وستمائة وكان فقيهاً بارعاً متفنناً بجماعة من أهل تعز أولا ثم ارتحل إلى الدبيتين فاكمل تفقهه على الإمام أبى الحسن علي بن احمد الأصبحي ثم عاد بلده. وكان فاضلاً في الفقه والنحو والفرائض والعروض والحساب. ودرس في المدرسة الاشرفية في مدينة تعز بعد ابن الصفي. وتوفي على ذلك ليلة الثلاثاء العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الإمام البارع ابن محمد صالح بن عمر بن أبى بكر بن إسماعيل البريهي. وكان مولدة سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان فقيهاً بارعاً فاضلاً عالماً محققاً مدققاً متقناً تفقه بمحمد بن مسعود المذكور أولا واليه انتهت

стр. 319

رئاسة الفنون بعده في ذي السفال وارتحل هو والإمام أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي إلى أبين فأخذ عن ابن الرنبول. وكان هذا صالحاً فقيهاً فرضيّاً حسابيّاً نحويّاً لغويّاً عارفاً بالحساب والجبر والمقابلة. وله تصنيف جيج في الفرائض قصد به شرح الكافي الذي للصردفي. وعنه أخذ الإمام أبو الحسن الأصبحي نظام الغريب في الفقه وغيره. وبه تفقه جماعة منهم محمد بن احمد بن سالم وأبو بكر بن علي وابن أخيه واحمد الشوافي وجماعة كثيرون. وممن أخذ عنه ابن أخيه محمد بن عبد الرحمن وإبراهيم الأصبحي وحسن العماكري. وكان يقول لأصحابه كما كان يقول الصعبي إن بلغت ثمانين سنة عملت لكم سكراته فتوفي قبل ذلك اليوم. وكانت وفاته ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. قال الجندي وفي كل ليلة ترى على قبره نوراً صاعداً إلى السماء حتى يظن الجاهل أن ثم ناراً توقد أخبر بذلك من شاهده مراراً. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو بكر بن محمد بن علي بن محمد ابن سعيد الرعيني المعروف بابن المقري. وكان مولده سنة اثنتين وأربعين وستمائة وكان ترباً لابن الحرازي وزميلاً له قل ما قرأ كتاباً إلا وسمعه معه. وكان محققاً في علم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة. ولما صار تدريس المدرسة بعدن إلى ابن الحرازي جعل هذا معيداً فأقام مدة طويلة في الإعادة. قال الجندي وأخبرني بعض من قرأَ عليه الفرائض قال كنت أغلط في ضرب المسأَلة وأستمر ثم أستدرك فأريد تغيير ما قد صوَّرته على البحث فيقول لا تطمس إلا من موضع كذا فاعمل بما قال فأجده صواباً. قال وكان ذا حمية على الأصحاب وصولاً لرحمه. وكانت دنياه متسعة بخلاف ابن الحرازي فإنه كان الغالب عليه الفقر. وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح صالح بن جبارة بن سليمان الطرابلسي المغربي وكان رجلاً مباركاً فقيهاً محدثاً صالحاً خشوعاً. أخذ في بلده عن محمد بن إبراهيم

стр. 320

الأنصاري التلمساني وانتفع به جماعة من أهل عدن وغيرها واخذوا عنه. وكان كثير الخشوع. قال الجندي اخبرني عبد الله بن أبي حجر أنه أقام سبع سنين يصلي خلف هذا الفقيه قال فكان يصلي الصبح بطوال سور المفصَّل وقد يصلي بالزخرف والأحقاف. وكان خاشعاً تتحدر دموعه على خديه. وأدركته الوفاة وهو بعدن في السنة المذكورة وقبر إلى جنب قبر أبى شعبة رحمة الله تعالى عليهما. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن احمد بن سالم بن عمران الشهابي المنبهي. وكان ميلاده سنة ثلاث وسبعين وستمائة تفقه بأخيه وأبيه وكان أحد أعيان زمانه في الزهد والورع والعلم أخذ بطرفي الأمرين واشتهر بفضل الذكرين. ويروى أنه نسخ المهذب وهو يدرس القرآن بدرس على كل جزء منه عشر ختمات مع نسخة فدرس أربعين ختمة على أربعة مجلدات وهذا أمر غريب لان الناسخ لا يستطيع عمل شيء آخر مع النساخة وهذا دليل على الكرامة الواضحة توفي في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة وصل الأمير علاء الدين كشدغدي ومعه جماعة من المطلوبين من الديار المصرية والشامية. وكان الأمير علاء الدين المذكور أستاذ دار الملك المظفر صاحب حماة. وكان فاضلاً في أبناء جنسه جمع بين شهامة السنان وفصاحة اللسان. وكان على ذهنه جملة من أشعار الجاهلية والمخضرمين وغيرهم من المحدثين والمولدين وكان يعرف شيئاً من أنواع البزدرة. ويقال أنه كان يعرف شيئاً من ضرب الملاهي وتقدم عند السلطان تقدماً كليّاً لم يعهد مثله فقابله السلطان رحمة الله عليه بالإقطاع المتسع ورفع له الطبلخانة وعقد له الألوية وجعله من جملة ندمائه. وفي هذه السنة رجع الشريف حميضة أبي ابن نمى إلى مكة وقتل أخاه أبا الغيث واستولى على مكة فغضب من ذلك السلطان الملك الناصر وجهز جيشاً كثيفاً صحبة الشريف سيف الدين عطيفة. فلما علم حميضة بوصولهم هرب من مكة فاستولى
следующие страницы →