Полный текст (588 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وفي هذه السنة توفي الأديب الفاضل أبو محمد عبد الله بن علي بن جعفر أديب اليمنيين وشاعر الدولتين وكان شاعراً فصيحاً بارعاً فاضلاً ظريفاً بليغاً وقد أوردنا في كتابنا هذا من شعره ما فيه دليل على فضله. وكان ذا دين رصين لم يحك عنه شيءُ يشين دينه ولا عرضه. وكان وصولاً لرحمه قائماً ناصحاً باذلاً لهم جاهه وقد خالطته ولم أحك عنه ما حكيته إلا عن نظر لا عن خبر. وكان كثير العبادة محافظاً على الصلوات المفروضة والمسنونة نظيف الأدب صائن العرض واستمر كاتب إنشاء في الدولة المؤَيدية. وكان مداحاً للملوك والأمراء في عصره وله مدائح كثيرة في رسول الله ﷺ وله مدائح ربانية. وكان أهله الذين يقوم بهم نحوا من أربعين بيتاً. وتوفي في النصف من جمادى الأولى من السنة المذكورة وقيل في السابع منه والله أعلم رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو القاسم بن الحسين بن أبى السعود الهَمْداني نسباً الفراوي بلداً. وكان ميلاده في شهر رجب من سنة ثلاث وستين وستمائة. وكان المشار إليه في الفقه والزهد والورع والدين والقيام بأمن الموضع ومال إلى الطريقة الصوفية وصحب الشيخ عمر المقدسي وتحكم على يده فنصبه شيخاً. وكان على حال مرضي من سعة الأخلاق وإيناس الواردين إليه والقيام بحالهم. والاشتغال بمطالعة الكتب. وحج مراراً وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع عشرة وسبعمائة سار الشريف أبو الغيث بن أبى نمى والأمير سيف الدين طقصنا إلى صوب حلي بن يعقوب يريدان رميثة وحميضة فلم يجدا لهما خبراً وكانا قد لحقا ببلاد السراة. فلما وصل الأمير سيفد الدين طقصنا إلى حلي لم يدخلها بل قال هذه أوائل بلاد صاحب اليمن ولا ندخلها إلا بمرسوم من السلطان الملك الناصر وعاد على عقبه.
وفي صفر من السنة المذكورة سلم الأمير عبد الله بن علي بن وهاس حصن ظفر عدالة إلى الأمير سليمان بن محمد صاحب العروس. وسلم إليه حصن اللخام فانتقل
стр. 317
إليه ونقل ما كان معه في ظفر من أهل وخبرات وسلم ظفر وخرج منه. وأخرجت رهائنه من صنعاء ووصلت كتب الأمير سليمان بقبضة ليلة الخميس الرابع من شعر ربيع الأول فضربت البشائر وكسى المبشرون وجهز السلطان أصحابه وأولاده الرهائن وسيرهم إليه. ونزل الأمير عبد الله إلى الباب الشريف السلطاني فرفعت له الطبلخانة والأعلام وأقطع مدينة القحمة.
وفي ليلة العشرين من شهر ربيع الآخر توفي الشريف عماد الدين إدريس بن علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي ابن حمزة وكان شريفاً ظريفاً شجاعاً كريماً جواداً متلافاً. وكان عالماً لبيباً عاقلاً أريباً متصفاً بصفات الإمامة. وكان شاعراً فصيحاً بليغاً. وقد تدم من شعره ما شهد بفضله. وهو مصنف كتاب كنز الأحبار في معرفة السير والأخبار. وهو كتاب حسن ممتع. وله عدة تصانيف في فنون كثيرة. ومدحه عدة من الشعراء فكان يميزهم الجوائز السنية. وكان رحمه الله تعالى غاية في الجود والكرم والشجاعة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن عبد الله الزيلعي الفرضي شهر بذلك لإحكامه علم الفرائض والحساب مع أنه كان مشاركاً في العلوم الدينية. مشاركة مرضية لاسيما الفقه والحديث والتفسير والنحو. وكان تفقهه بالفقيهِ أبي العباس احمد بن موسى بن عجيل. وأخذ الحديث على الإمام أبى الخير بن منصور وانتفع بهِ جمع كثير من زبيد وغيرها. وكان من خيار الفقهاءَ واستمر مدرساً في المدرسة الناجية بزبيد من قبل بني محمد ابن عمر وتوفي على ذلك. وكانت وفاتهُ في أثناء السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل الكبير أبو بكر بن احمد بن عبد الرحمن المعروف بابن الصائغ وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وكان فقيهاً عارفاً محققاً متفنناً تفقه بابن حنكاش. وتأَدب بابن دعاس. وكان فاضلاً في النحو والفقهِ والأدب. توفي في مدينة زبيد في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل مفضل بن أبى بكر بن يحيى الخياري الهمداني
стр. 318
والخياري منسوب إلى خيار وهم قوم من همدان يسكنون جبل عنة تفقه بفقهاء تعز كمحمد بن عباس الشعبي وغيره. واستمر مدرساً في المدرسة المنصورية بالجند. فقرأَ عليه جماعة من أهل الجند كابن الصارم وغيره.
قال الجندي وعنه أخذت الوجيز والمستعذب ومنسك مكي وغيرها. ثم استمر قاضياً في الجند مع التدريس إلى أن توفي في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو العتيق أبو بكر بن عمر بن سعد المعروف بابن النحوي. وكان ميلاده في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وستمائة. وكان فقيهاً عارفاً محققاً تفقه بابن آدم وابن العراف والوزيري المتأَخر وبعبد الله بن محمد الحضرمي. وكان مبارك التدريس قلَّ ما قرأَ عليه أحد إلا انتفع. وكان يذكر بشرف النفس وعلو الهمة استنابه بنو عمران في القضاء فأقام كذلك إلى أن انقرضوا فعزله بنو محمد بن عمر في أول قيامهم وبقى على تدريس المدرسة العرابية إلى أن توفي بعد أن تفقه به جماعة منهم عمر بن أبى بكر العراف وغيره. وكانت وفاته في منتصف شوال من السنة المذكورة ﵀.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو بكر بن احمد بن عمر بن مسلم بن موسى الشعبي المعروف بابن المقري. وكان مولده ليلة الخميس في رجب من سنة خمس وسبعين وستمائة وكان فقيهاً بارعاً متفنناً بجماعة من أهل تعز أولا ثم ارتحل إلى الدبيتين فاكمل تفقهه على الإمام أبى الحسن علي بن احمد الأصبحي ثم عاد بلده. وكان فاضلاً في الفقه والنحو والفرائض والعروض والحساب. ودرس في المدرسة الاشرفية في مدينة تعز بعد ابن الصفي. وتوفي على ذلك ليلة الثلاثاء العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام البارع ابن محمد صالح بن عمر بن أبى بكر بن إسماعيل البريهي. وكان مولدة سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان فقيهاً بارعاً فاضلاً عالماً محققاً مدققاً متقناً تفقه بمحمد بن مسعود المذكور أولا واليه انتهت
стр. 319
رئاسة الفنون بعده في ذي السفال وارتحل هو والإمام أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي إلى أبين فأخذ عن ابن الرنبول. وكان هذا صالحاً فقيهاً فرضيّاً حسابيّاً نحويّاً لغويّاً عارفاً بالحساب والجبر والمقابلة. وله تصنيف جيج في الفرائض قصد به شرح الكافي الذي للصردفي. وعنه أخذ الإمام أبو الحسن الأصبحي نظام الغريب في الفقه وغيره. وبه تفقه جماعة منهم محمد بن احمد بن سالم وأبو بكر بن علي وابن أخيه واحمد الشوافي وجماعة كثيرون. وممن أخذ عنه ابن أخيه محمد بن عبد الرحمن وإبراهيم الأصبحي وحسن العماكري. وكان يقول لأصحابه كما كان يقول الصعبي إن بلغت ثمانين سنة عملت لكم سكراته فتوفي قبل ذلك اليوم. وكانت وفاته ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
قال الجندي وفي كل ليلة ترى على قبره نوراً صاعداً إلى السماء حتى يظن الجاهل أن ثم ناراً توقد أخبر بذلك من شاهده مراراً.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو بكر بن محمد بن علي بن محمد ابن سعيد الرعيني المعروف بابن المقري. وكان مولده سنة اثنتين وأربعين وستمائة وكان ترباً لابن الحرازي وزميلاً له قل ما قرأ كتاباً إلا وسمعه معه. وكان محققاً في علم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة. ولما صار تدريس المدرسة بعدن إلى ابن الحرازي جعل هذا معيداً فأقام مدة طويلة في الإعادة.
قال الجندي وأخبرني بعض من قرأَ عليه الفرائض قال كنت أغلط في ضرب المسأَلة وأستمر ثم أستدرك فأريد تغيير ما قد صوَّرته على البحث فيقول لا تطمس إلا من موضع كذا فاعمل بما قال فأجده صواباً. قال وكان ذا حمية على الأصحاب وصولاً لرحمه. وكانت دنياه متسعة بخلاف ابن الحرازي فإنه كان الغالب عليه الفقر. وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح صالح بن جبارة بن سليمان الطرابلسي المغربي وكان رجلاً مباركاً فقيهاً محدثاً صالحاً خشوعاً. أخذ في بلده عن محمد بن إبراهيم
стр. 320
الأنصاري التلمساني وانتفع به جماعة من أهل عدن وغيرها واخذوا عنه. وكان كثير الخشوع.
قال الجندي اخبرني عبد الله بن أبي حجر أنه أقام سبع سنين يصلي خلف هذا الفقيه قال فكان يصلي الصبح بطوال سور المفصَّل وقد يصلي بالزخرف والأحقاف. وكان خاشعاً تتحدر دموعه على خديه. وأدركته الوفاة وهو بعدن في السنة المذكورة وقبر إلى جنب قبر أبى شعبة رحمة الله تعالى عليهما.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن احمد بن سالم بن عمران الشهابي المنبهي. وكان ميلاده سنة ثلاث وسبعين وستمائة تفقه بأخيه وأبيه وكان أحد أعيان زمانه في الزهد والورع والعلم أخذ بطرفي الأمرين واشتهر بفضل الذكرين.
ويروى أنه نسخ المهذب وهو يدرس القرآن بدرس على كل جزء منه عشر ختمات مع نسخة فدرس أربعين ختمة على أربعة مجلدات وهذا أمر غريب لان الناسخ لا يستطيع عمل شيء آخر مع النساخة وهذا دليل على الكرامة الواضحة توفي في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة وصل الأمير علاء الدين كشدغدي ومعه جماعة من المطلوبين من الديار المصرية والشامية. وكان الأمير علاء الدين المذكور أستاذ دار الملك المظفر صاحب حماة. وكان فاضلاً في أبناء جنسه جمع بين شهامة السنان وفصاحة اللسان. وكان على ذهنه جملة من أشعار الجاهلية والمخضرمين وغيرهم من المحدثين والمولدين وكان يعرف شيئاً من أنواع البزدرة. ويقال أنه كان يعرف شيئاً من ضرب الملاهي وتقدم عند السلطان تقدماً كليّاً لم يعهد مثله فقابله السلطان رحمة الله عليه بالإقطاع المتسع ورفع له الطبلخانة وعقد له الألوية وجعله من جملة ندمائه.
وفي هذه السنة رجع الشريف حميضة أبي ابن نمى إلى مكة وقتل أخاه أبا الغيث واستولى على مكة فغضب من ذلك السلطان الملك الناصر وجهز جيشاً كثيفاً صحبة الشريف سيف الدين عطيفة. فلما علم حميضة بوصولهم هرب من مكة فاستولى
стр. 321
عطيفة على مكة ولحق حمضة بالشرق.
وفي هذه السنة تولى القاضي جمال الدين محمد بن الفقيه رضي الدين أبي بكر بن محمد بن عمر اليحيوي قضاء الأقضية. وكان السلطان يعظمه إكراماً لأبيه. وكان عمره يومئذ عشرين سنة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام العلامة أبو الحسن علي بن الفقيه إبراهيم ابن محمد بن حسين البجلي. وكان مولده سنة ثلاث وقيل سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان رجلاً مباركاً مشهوراً بجودة الفقه وكرم النفس وحسن الأخلاق. تفقه في بدايته بعمه إسماعيل ثم ارتحل إلى بيت حسين فأكمل تفقهه بالفقيه عمر بن علي التباعي فأخذ عنه المهذب أخذاً مرضيّاً والزمه أن يتغيبه فتغيبه تغيباً ميز فيه بين الفاء والواو وأخذ عنه البيان وغيره وتهذب به تهذباً معجباً ثم سار إلى الفقيه احمد بن موسى بن عجيل فاخذ عنه أيضاً ثم عاد إلى بلده فسكن قرية شحينة ولزم طريق الورع لزوماً تاماً. وأقام يدرس فاتاه الناس من القرب والبعد واشتهر بالعلم والصلاح. وكان من أشرف أهل عصره نفساً وأدراهم بالعلم حسّاً وأكثرهم للكتاب والسنة درساً.
قال الجندي واخبرني عبد الله بن محمد الأحمر أحد المدرسين بزبيد قال صبحت الفقيه علي بن إبراهيم ولزمت مجلسه عشرين سنة ما عملت سائلاً سأله فاعتذر بل يعطيه ما سأل. وكان مستعملاً لجميع الطاعات الواجبة والمستحبة استعمال مداومة. وكان من ابرك الفقهاء تدريساً. قال واخبرني محمد بن عبد الله الحضرمي فقيه زبيد ومفتيهاً في عصره قال لما جئت إلى الفقيه علي بن إبراهيم أريد أن اقرأَ عليه وأنا على حال متبلبل أريد أَن أجمع قلبي على تحصيل العلم فأول درس قرأته عليه قمت وأنا بخلاف ما أنا عليه من الرغبة. فكان في نفسي عدة مسائل قد اشتبهت عليَّ فحين بدأْت وقرأْت عليه أول يوم عرضت أنا على خاطري جميع المسائل فما عرضت مسأَلة في خاطري إلا زال إشكالها وتبين لي خطؤها من صوابها. وما زلت أجد الزيادة إلى وقتي هذا وما أشك أن ذلك من بركته. قال وكان لديه دنيا واسعة
стр. 322
إن وقف في بيته أطعم الواردين والزائرين والطلبة المنقطعين. وكان كثيراً ما يحج فيصرف في الطريق وفي مكة وما يجاوز الحد. وأحصوا حجاته فكانت نيفاً وثلاثين حجة. وكان من أكثر الناس تعقلاً للفقه وأحسنهم تغيُّباً للمهذب خرج من بين يديه نحو من مائة مدرس ولم يكن في مدرسي تهامة ولا الجبال المتأخرين أكثر أصحاباً منه. وكانت وفاتهُ يوم الثاني عشر من المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن احمد بن يحيى بن مضمون وكان فقيهاً عارفاً نحويّاً بارعاً ولي قضاء صنعاء من قِبَل بني محمد بن عمر وكان شديد الأحكام مبالغاً في إقامة الحق وإقامة مذهب السنة وإماتة البدعة. وكان يحلف الإسماعيلية بإيمان تشق عليهم. ثم بلغه أن بعضهم لما مات ودفن دفن معه مصحف فأمر من ينبش القبر عنه وأخرج المصحف فشق ذلك عليهم وكادوه وبذلوا في عزله الأموال الجزيلة فعزل بغير وجه يوجب العزل فعاد إلى بلاده وأقام مدة ثم رتبه بعض أولاد أسد الدين مدرساً في مدرسة جده بأب فلم يزل بها حتى توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه أبو حفص عمر بن أبى الربيع سليمان الملقب بالجنيد بن محمد بن اسعد بن أبى النهى. وكان إماما فاضلاً صالحاً له كرامات كثيرة تفقه بسعد الغولي. وتوفي يوم الثامن من المحرم أول شهور السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الأجل الفاضل أبو العباس احمد بن أبى بكر بن اسعد بن زريع بن أسعد تفقه بالفقيه صالح بن عمر البريهي تفقهاً جيداً. وكان عارفاً مجتهداً ذا صيانة وعفة وعبادة ودرَّس بسهفنة على حياة شيخه وتوفي لسبع بقين من ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست عشرة حصل على السلطان مرض شديد حتى خيف عليه منه التلف واشرف منه على الهلاك وارجف بموته. فيروى إن القاضي جمال الدين محمد بن أبى بكر بن محمد اليحيوي راسل الملك الناصر جلال الدين محمد ابن الملك
стр. 323
الأشراف بالأمور الباطنة وأمر أن ينشر دعوة إنابته من عمه وكتب الكتب إلى المدائن. فلما انتشر ذلك العلم خرج السلطان الملك المؤَيد مسارعاً من تعز إلى الجند وهو في أثر الوعك فخشي ابن أخيه من ذلك فالتجأَ إلى جبل سورق وهو جبل حصين مطل على مدينة الجند فجهز السلطان له العساكر وكان مقدمها الأمير جمال الدين نور بن حسن بن نور فحط عليه وأحاط بالجبل من كل ناحية فطلب الملك الناصر الذمة من السلطان فأذم عليه فنزل إليه على الذمة وحصل بينهما اتفاق وصلح. ويقال أنه عرف السلطان سبب ذلك وإن الذي حمله على ذلك الفعل إنما هو القاضي جمال الدين محمد بن أبى بكر اليحيوي فلما تحقق السلطان الأمر عزل القاضي جمال الدين عن القضاء واعتقله في حصن تعز وفوَّض أمر القضاء إلى القاضي رضي الدين أبي بكر بن أحمد بن عمر الأديب أحد الفقهاء الشافعية. وكان ذلك بمحضر من السلطان وجماعة كثيرة من فقهاء الجبال والتهائم فحصل الإجماع عليه. وكان فقيهاً فاضلاً له سلطة في العلم يعرف جانباً كبيراً من المعقولات والمنقولات مع حنكة وتجربة قد حلب الدهر أشطره.
وفي هذه السنة المذكورة توفق الفقيه الفاضل أبو حفص عمر بن علي الضفار من أهل عدن. وكان يصحبه بن الخطيب المقدم ذكره ولكن غلبت عليه الزهادة والعبادة وخلف شيخه في مسجده المعروف به في عدن فلا يكاد المسجد يخلو من درسة ومتعبدين. وكانت وفاته ليلة الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح علي بن أسعد بن علي الحراري. وكان فقيهاً زاهداً عابداً معتزلاً عن الناس كثير التلاوة ولم يزل على ما ذكرناه من حسن السيرة إلى أن توفي رحمهُ الله تعالى وكانت وفاته في السنة المذكورة.
وفي سنة سبع عشرة وصل القاضي أبو المحاسن عبد الباقي بن عبد المجيد من دمشق على طريق مكة بطلب من السلطان الملك المؤَيد فناله من إحسانه ما صغر عنده إحسان من مضى من الأجواد الكرماء. وولي كتابة الإنشاء في المملكة اليمنية.
стр. 324
وكان أوحد عصره وفريد دهره فصاحة وفضلاً وسؤدداً ونبلاً. ومن شعره قوله يمدح السلطان الملك المؤَيد رحمة الله عليه وهو يومئذ في الإيوان بقصر الحائط المعروف بحائط لبيق
يا ناظم الشعر في نعم ونعمان ... وذاكر العهد في لبنا ولبنان
ومعمل الفكر في ليلى وليلتها ... بالسفح من عقدات الضال والبان
قصر فبالواد من وادي زبيد علاً ... عالي النار عظيم القدر والشان
به التغزُّل أحلى ما يرى لهجاً ... فدع حديث لييلات بعسفان
هذا الخورنق بل هذا السدير أتى ... في قصر داود لا في قصر غمدان
قصر بناه هزبر الدين مفتخراً ... فشاد ذلك بان أيما بان
فقف بساحته تنظر بها عجباً ... كم راحة هطلت فيها بإحسان
أنسى بإيوانه كسرى فلا خبر ... من بعد ذلك من كسرى بإيوان
سامي النجوم علاً فهي راجعة ... عن السمة " لإيوان " ابن غسان
تود فيه الثريا لو بدت سُرجُاً ... مثل الثريا به في بعض أركان
تحفه دوح دهر كله عجب ... كم فيه من فنن زاهٍ بأفنان
من أبيض يقق حال بأحمره ... يميس في حلتي در ومرجان
تجمعت فيه ألوان محيرة ... للعقل في سرها الزاهي بإعلان
إذا حللت به أبصرت معجزة ... الشام اصبح في واد بسيلان
فالسنبل الغض والورد الطري معاً ... من أخضر ناصع أو أحمر قان
صنوان حصن به من كل فاكهة ... وكم رأَى مختليه غير صنوان
ظل ظليل وماءُ سلسل غدق ... تخاله من صفاءٍ بطن ثعبان
هذا وكم فيه من ورقاء صادحةٍ ... يغنيك عود لها عن ضرب عيدان
كأنهنَّ قيان والقصور لها ... في ذلك الدست أوراق لأغصان
تهوى الغزالة لو أضحت مقبلةً ... منه مراشف أَنهار لنيسان
وكيف يمكنها والدوح منعقدُ ... فحالة الشمس عنه حال ظمآن
стр. 325
فأرضه كسماءٍ منه مشرقة ... وهاهما في بديع الوصف شبهان
توافق الناس في أوصافه فلذا ... لم يختلف قط في أوصافه اثنان
كان بنيان داود وبهجته ... صرح القوارير من آرا سليمان
أخفت مآثرهُ البادي نضارتها ... ما شاده تبَّعُ في رأْس غمدان
كم شاد من قصره العالي مراتبه ... في الفخر فاجتمعا في الجو فخران
لله موكبه الزاهي بَروْنقه ... لما استقلَّ بفرسان وشجعان
مثل البحور ولكن في اكفهم ... قواضب تتلالا مثل نيران
على المهمة ألقت التي ... قيد الأوابد من آل وسرحان
من كل أشهب صافي الجسم تنظره ... في الحرب نجماً هوى في إثر شيطان
بكل احمر زاهٍ في ملابسهِ ... يختال من لونها في نسج عقيان
وكل ادهم مثل الليل قد طلعت ... كالصبح غرته الغرَّا بإتقان
أَما الكميت اشربهُ ... سميه فبدا في حال نشوان
إذا مشوا في صباح عاد من رهج ... ليلاً كواكبه أطراف خرصان
على الأكف شواهين لمالكهم ... وهما صيد نسر فوق كيوان
كالصبح في أُخريات الليل هبتها ... والنرجس الغض منها وسط أجفان
مشفوعة بفهودٍ جلّ منظرها ... سليطة لا تُرى إلا لسلطان
قد ألبست حدق الغزلان فانبعثت ... مثل الجديدين في إفناء غزلان
ما سار مالك هذا الجمع مقتنصاً ... إلا انثنى ظافراً في ثوب جذلان
وهذه القصيدة طويلة اقتصرنا منها على هذا الذي ذكرناه وفي هذه السنة المذكورة دخل العسكر المنصور فلله وملكوها وضربت البشائر في سائر البلاد.
стр. 326
وفيها وصل رسول صاحب هرموز بالهدايا والتحف فقابله السلطان بما يجب وأكرمه وأنصفه.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح المقري عبد الكريم بن إسماعيل وكان يسكن قرية الوجي بفتح الواو وكسر الجيم كسراً مشبعاً وهي على قربة من مدينة جبار كان هذا عبد الكريم عارفاً بالقراءات السبع أخذ عن الحداء وكان من صالحي زمانهم وأخيارهم ما قرأ عليه أحد إلا انتفع ولا حقق عليه أحد شيئاً فنسيه. وكان في أول الأمر نساجاً ينسج الثياب. وكان القارئ يقرأ عليه وهو يشتغل فلا يفوته من غلطه شيء. ثم ترك النساجة في آخر عمره واشتغل بالخياطة ولم يزل كذلك إلى أن توفي. وكان قوته من صنعته وربما جاءَه ضعيف فلم يرده خائباً. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح النجيب إسماعيل بن الفقيه الصالح أبى العباس أحمد بن الفقيه الصالح المشهور موسى بن الفقيه علي بن عمر بن عجيل. وكان فقيهاً محققاً عارفاً فرضيّاً ماهراً. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن الفقيه الإمام أبى الحسن علي بن الفقيه أحمد بن أسعد الأصبحي. وكان مولده يوم السابع عشر من رجب سنة خمس وسبعين وستمائة. وكان تفقهه بابيه وكان ﵀ عارفاً وهو الذي خلف والده في التدريس وعكف عليه أصحابه وحج بعد أبيه. ثم لما عاد من الحج أقام مدَّة. وكان للوزراء في بني محمد صيت في القرية فجعل علماؤهم يشوشون عليه ويؤذونه وربما دخل بعض علمائهم بيته وأخذ منه شيئاً فاشتكى بهم فلم ينصف منهم فخرج من القرية مهاجراً إلى ناحية حجر فأقام في قرية الظاهر هنالك عند الفقيه عبد الرحمن فاقبل أهل تلك الناحية على الفقيه إقبالاً حسناً فأقام هنالك عدة سنين إلى أن توفي القاضي موفق الدين الوزير وابنا أخيه علي بن محمد ومحمد بن احمد. واستمر ابن الأديب في القضاء الأكبر كما ذكرنا فأمره في المدرسة المنصورية بتعز وهي التي تعرف بالغرابية. فأقام فيها مدة ثم فصله فعاد إلى بلاده فتوفي بها في شهر جمادى
стр. 327
الآخرة من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح العابد أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أُسيد بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء وآخره دال مهملة بن أسحم بفتح الهمزة ويكون السين وفتح الحاء المهملة وآخره ميم. كان فقيهاً عابداً صالحاً حبراً توفي في السنة المذكورة ﵀.
وفيها توفي الفقيه البارع احمد بن أبي بكر المعروف بابن الأحنف. وكان ميلاده سنة إحدى وأربعين وستمائة سمي أبوه بذلك لحنف كان به تفقه بعباس بن منصور وغيره من فقهاء جبلة وله مصنفات مفيدة في التفسير واللغة والحديث. وكان عارفاً حافظاً نقالاً للمذهب درس في المدرسة الشرقية ثم انتقل إلى المؤَيدية بتعز فدرس بها وانتفع به جماعة ثم عاد إلى بلده جبلة فتوفي بها لعشر بقين من جمادى الآخر سنة سبع عشرة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل إبراهيم بن عمر بن إبراهيم المذحجي الجبيري نسبة إلى جدله اسمه جبير تصغير جبر بالجيم والباء الموحدة. وكان فقيهاً فاضلاً تفقه في ابتدائه ببعض فقهاء حبر ثم بعثمان بن عبد الله وابن عمه عبد الله بن عمر الإسحاقيين. وكان يسكن معشار حصن ثمين في قرية يقال لها نابه. وتوفي في قريته المذكورة في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو بكر محمد بن الفرسي الملقب بالفخر. وكان مولده في المحرم سنة ست وخمسين وستمائة. وكان فقيهاً فاضلاً متفنناً لطن يعلم الحساب كأبيه وأخذ هذا العلم عنه. وكان رجلاً عاقلاً لبيباً قلما قصده قاصد أمر إلا وأعانه بما يليق من الأمور. وحصل بينه وبين الوزراء في الدولة المؤَيدية ألفة ومحبة فاجتلبوه إلى خدمة السلطان الملك المؤّيد والوقوف على بابه. فلم يزل كذلك إلى سنة ست عشرة وسبعمائة ثم حصل على القاضي جمال الدين محمد بن أبي بكر ما ذكرنا من العزل والاعتقال وتعدى الأمر إلى أصحابه وأصحاب أهله. وكان هذا المذكور في عدن فاستدعاه السلطان إلى تعز وأحضر من تكلم عليه بأنه تكلم في
стр. 328
الدولة. ووافق ذلك كراهة من السلطان له فبعث إلى نائب لحج وأمره بمصادرته فصادره مصادرة شاقة وعذبه عذاباً شديداً. ثم حصل من استعطف له قلب السلطان فأمر باطلاعه إلى تعز. فطلع وهو الميم من شدة الضرب فتوفي بالهشمة في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه شرف الدين احمد بن الفقيه علي الجنيد بن الفقيه أحمد بن الفقيه محمد بن منصور بن الجنيد وكان مولده في صفر من سنة تسع وخمسين وستمائة. وكان فقيهاً حافظاً حاذقاً عارفاً تولى إعادة الأسدية في مدينة تعز بعد أن كان أبوه فقيهاً. وكان الفقيه أبو بكر بن محمد بن عمر اليحيوي يحسن النظر في حاله وحال اخوته مراعاة لصحبة أبيهم ثم إن السلطان الملك المؤَيد دعته نفسه إلى القراءة في أيام أبيه الملك المظفر فسأل عن فقيه صالح فارشد إلى الفقيه محمد بن عباس الشعبي. فسأَله أن يقرئهُ فاعتذر وأشار إلى هذا ابن الجنيد. فاستدعاه المؤَيد وعرفه بغرضه فقال له أشتور والدي يعني الفقيه أبا بكر بن محمد بن عمر اليحيوي فقال له ألم تذكر لنا إن والدك قد توفي فاخبره بمن يعني فاستشار الفقيه. فأشار عليه فقراَّ عليه المؤَيد فحصل بينهما من الألفة والمحبة والأنس ما حصل بحيث صار يركب بركوب السلطان. وطلع معه إلى صنعاء على بغلة بزنار كما يركب الوزراء وكان الناس في صنعاءَ يقبلون بابه ويصيحون عليه. ولم يزل معه حتى سافر إلى الشحر بسنة أربع وتسعين وستمائة. فلما توفي المظفر وحصل من الأشراف المؤَيد ما حصل من النزاع واسر الملك المؤَيد تفرق أصحابه فلحق هذا بشيخه فأقام عند الفقهاء بني النخلي. فلما صار الملك إلى الملك المؤَيد وصل إليه الفقيه ورجع على حالته الأولى. ولم يزل على شفقة المؤَيد وكان فقيهاً أصولياً نحوياً لغوياً. وله في الشعر يد حسنة وله في التصوف كلام مرضي ولأهل السمكر فيه اعتقاد حسن. وتوفي يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عيسى محمد بن خليفة وكان فقيهاً كبيراً متورعاً ما قرأَ عليه أحد إلا انتفع وربما بلغ طريقة الاجتهاد أو قريباً منها وكان يلبس
стр. 329
الملابس الفقهية قاصداً بذلك تعظيم العلم وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل هارون بن عثمان بن محمد علي الحسائي ثم الحميري وكان فقيهاً ورعاً زاهداً له مسموعات ومقروءات وكان ذا دين وأمانة وورع وزهد وكان كثير الحج وكان فيه من المعروف ومحبة العلم وكان حريصاً على اكتساب الحل فبورك له في ذلك. وتوفي على الطريق المرضي وهو عائد من الحج في قرية تعرف بقنونا في أول المحرم أول السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثماني عشرة وسبعمائة وصل القاضي صفي الدين عبد الله بن عبد الرزاق الواسطي يطلب حب من السلطان وصرف السلطان عليه إلى حال وصوله من الذهب العين نحواً من ألفي مثقال. فلما وصل كما ذكرنا صرف السلطان إليه شد الاسْتيِفاءِ وحظي عند السلطان حظوة عظيمة وانبسطت يده في الدواوين وكان زوجاً لابنه الأمير علاء الدين كشدغدي وهو الذي عينه السلطان فسار بالناس سيرو عفيفة ثم توجه إلى عدن فحمل منها إلى السيد الخزانة المعمورة بثلاثمائة ألف دينار ملكية. فلما وصل بها لقي السلطان في الجند فأكرمه وأنصفه وعظم قدره.
وفي هذه السنة توجهت الرسل إلى مصر وهم الأمير بدر الدين حسن ابن الأسد ومن جرت العادة بمسيره في خدمته فقابلهم السلطان الملك الناصر أحسن مقابلة.
وفي هذه السنة رتب الأمير علاء الدين كشدغدي عساكر السلطان المنصورة على ترتيب العساكر المصرية. وجعل لها جناحاً للميمنة وجناحاً للميسرة. وجعل خلف السلطان عصائب كثيرة. وركب المماليك بالنفخ وجعل منهم طائفة طبردارية وركب السلطان بهذا الزي.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو محمد الحسن بن علي بن الفقيه يحيى بن ألفيه فضل وكان يسكن قرية المنظاري ويدرس في مدرسة بنتها امرأَة ووقفت عليها وقفاً جيداً. وكان صاحب دنيا واسعة فلما خشي من الظلمة على نفسه وعلى
стр. 330
المدرسة لاذ بالفقيه أبى بكر بن محمد بن عمر اليحيوي. وتزوج ابنة أخيه عمر. وكان مستقيم الحال بذلك حتى هلك الوزير واخوته وانحطت حالهم. فحصل عليه بعض تعسف فلما جعل والد الفقيه أبى بكر قاضي القضاة. وأقام ما أقام في القضاءِ ثم فصل بابن الأديب صودر هذا الفقيه وحبس وعزر وجرى عليه شيءُ كثير. فلم تظل مدته بعد ذلك بل توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن أسعد الأصبحي أخو الإمام علي بن أحمد الأصبحي صاحب كتاب المعين. وكان مولده في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وتسعين وستمائة تفقه في بدايته بأخيه. ثم ارتحل إلى أبين فقرأَ على الفقيه أبى بكر بن الأديب وتفقه في أبين وعدن ولحج وكان يتردد من هذه القرى للقراءة عليه. وانتفع بالقراءَة عليه انتفاعاً كليّاً. أخذ عنه المهذب والتنبيه والوسيط واللمع ثم عاد بلده وأقام في المسجد بالذنبتين فقرأَ مدة ثم اشتد به الفقر فعاد إلى تعز فدرس بها في عدة من مدارسها. وفي آخر الأمر درس في مدرسة الحميرا. وكان متنسكاً تقياّ له دين متين ولم تعرف له صبوة. وكان من أهل المروءات. وتوفي يوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي القاضي يعقوب بن أحمد بن الفاضل تفقه بابن الصريدح ثم بعبد الله بن إبراهيم بن علي بن عجيل وأخذ الفرائض عن الفقيه علي بن أحمد الحميري. ثم ولاه القاضي علي بن محمد بن عمر قضاء المحالب وهو شاب فكان يحكى عنه سيرة المعجبين. ولما صار القضاء إلى محمد ابن أبي بكر عزله وصادره مصادرة شديدة فأقام مريضاً في القحمة عقيب المصادرة إلى أن توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع المحقق منصور بن علي بن عمر بن إسماعيل بن زيد بن يحيى العزيزي لقباً الشعبي نسباً. وكان فقيهاً عارفاً مجوداً شجاعاً له بصيرة في الصناعات كالخياطة والنجارة وغيرهما. وكان يقول الشعر أيضا وله قصيدة حسنة
стр. 331
في المعتقد يتبرأ فيها من كل معتقد يخالف الكتاب والسنة وعرضها على الفقيه صالح بن عمر البريهي فارتضاها وأخذها عنه بان ترك بعض أصحابه يقرؤُها بحضرته وحضرة جماعة من أصحابه حينئذ واستخاروها منه. وكان قد أتقن النحو واللغة والفرائض والأصول والحساب. وامتحن في آخر عمره بقضاء الدملؤَة من قِبل ابن الأديب وأَقام عليه مدة مقتربة ثم توفي في مستهل المحرم أول السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي أخوه محمد بن علي بن عمر وكان ممن يخدم الدولة المؤَيدية كاتب إنشاء وكانت له درية ثاقبة ويقول شعراً حسناً. وكان محب أبناء جنسه من الفقهاء والطلبة ويعتني بحوائجهم توفي في مستهل رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عفان عثمان بن محمد المعروف بالشرعبي وكان فقيهاً ظريفاً تفقه بمحمد بن علي القاضي وبابن عباس الشعبي. قال الجندي وعنه أخذت غالب فقهاء تعز. وكان قد ألف في ذلك كتاباً مختصراً قلما أخبرته بما جمعت أعجبه ذلك وأعطاني ما قد جمعه فوجدته قد ذكر منهم جمعاً كثيراً لكنه لم يذكر ميلاداً ولا وفاة. وكان من خيار الفقهاء وأعيانهم وممن يرجى بركة دعائه. وكان جميل الخلق كثير البشاشة درَّس في المدرسة الأسدية التي في تعز مدة طويلة. وكانت وفاته ليلة الأحد السابع من صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفيت الجهة الكريمة جهة دار الدملؤَة ابنة مولانا السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول وهي التي تسمى نبيلة. وكانت امرأَة صالحة تقية بارة بأهلها محسنة إلى من لاذ بها وابتنت مدرسة في مدينة تعز ومسجداً في جبل صبر وابتنت مدرسة في مدينة زبيد وهي التي تسمى الأشرفية في جنوبي مسجد الميلين ووقفت على الجميع أوقافاً تقوم بكفاية الكل. وكانت مقيمة في حصن تعز حتى حصل بين المؤَيد أخيها وبين ابن أخيه الناصر بن الأشرف ما حصل فاستوحش السلطان منها فأمرها بسكنى المدينة فنزلت من الحصن وسكنت في
стр. 332
ناحية المعزية من مدينة تعز إلى أن توفيت وكانت وفاتها في منتصف المحرم من السنة المذكورة رحمها الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل يوسف بن محمد بن مضمون. وكان قد ولي قضاء عدن من قبل بني محمد بن عمر فأقام على ذلك سنين ثم فصلوه وأقاموا عوضه الفقيه أبا بكر بن الأديب بن مضمون على حساب مال المستودع ومعرفة ما قبض منه وما صرف فقال له القاضي محمد بن علي بن مياس هذا أمر ليس إليك وهذا يروح إلى من ولاه يفتصل معه فخرج من عدن على كرهٍ منه فأقام مدة ثم أمره قاضي الأقضية قاضياً في صنعاء فلم يزل بها إلى أن ولي ابن الأديب القضاء الأكبر فعزله عن صنعاء فرجع إلى بلاده متولياً بعض جهاتها فأقام بها إلى أن توفي في مستهل جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله يحيى بن محمد بن يحيى بن الرخا ابن الحنان بن أبى القسم الحميري. وكان مولده سنة أربع وستين وستمائة. وكان فقيهاً عارفاً تفقه بأبيه غالباً ودرَّس في أماكن كثيرة منها مصنعة سير ثم درّس في مدرسة الحرة جلل بنجلان ثم انتقل إلى مدرسة أضراس فلم يزل بها إلى أن توفي غريقاً في البحر قاصداً للحج في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن أبى الخل. وكان فقيهاً عارفاً بالتفسير والحديث وعلم الحقيقة طلع إلى تعز مع جماعة من أهله يشكون من بعض عمال المهجم إلى السلطان الملك المؤَيد فأشكاهم بعض الأشكاء ثم رجعوا قاصدين بلدهم فمرض في الطريق فوصلوا به حبيش وقد توفي في ثناء الطريق فقبر عند ابن عمه احمد بن الحسن وكانت وفاتهُ في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو الخطاب عمر بن أحمد بن عبد الله بن جعمان. وكان فقيهاً بارعاً وغلب عليه علم الفرائض وكان فيه محموداً توفي عائداً من الحج في مدينة حَلْى ابن يعقوب. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
стр. 333
وفيها توفي الفقيه الإمام أبو العباس أحمد بن الفقيه علي بن أحمد الحرازي وكان مولده سنة ثلاث وأربعين وستمائة تفقه بالفقيه عبد الرحمن الأيني وبأبي شعبة وأخذ عن أبي حجر وغيره. ولما قدم المقري عبد الله البكراوي أخذ علم القراءَات وقرأَ عليه الحروف السبعة وكان بها عارفاً وأخذ أيضاً عن المقري شيئاً. وكان عارفاً بالفقه واللغة والنحو والحديث وبظاهر الأصول. وكان من ابرك الناس تدريساً قل ما قرأَ عليه أحد إلا انتفع به لبركته وحسن تدريسه وانتفع به خلق كثير من عدن وغيرها. وامتحن بالقضاء لما ولي ابن الأديب القضاء الأكبر وكان من خيار أهل زمانه. ومن غريب ما يذكر عنه أنه لم يعلم له صبوة وحج. وكانت وفاته سحر ليلة الثلاثاء لسبع بقين من رجب من السنة المذكورة ﵀.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح محمد بن إبراهيم بن سالم بن مقبل وكان فقيهاً فاضلاً مباركاً تفقه بالفقيه إسماعيل الحلي. وكان من أهل المروءات والحميات على أبناء الجنس والدين قدم سهفنة فأخذ عن فقيهها وأخذ عن أبى الخير بن منصور وسيط الواجدي وعن صالح بن علي الحضرمي. وكان يروي عنه وإليه هاجر ولد الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي فآنسهُ وبش له وتوسع له ولأهله عدة سنين حتى رجع ولد الفقيه إلى بلده ولم يزل الفقيه على السيرة المرضية إلى أن توفي بذي حيران ودفن مع أهلها. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة تسع عشرة وسبعمائة توجه السلطان الملك المؤَيد إلى الأعمال الشهانية فوقف في الكدراء وعزل بعض النواب وأمر آخرين. وكان القاضي صفي الدين مستمر الحكم في الدواوين. وفيها فوض السلطان الملك المؤَيد إلى الأمير علاء الدين كشدغدي نيابة السلطنة والأتابكية على العساكر المنصورة وتقدم في هذه الوظيفة تقدماً لم يسمع بمثله وحصل بينه وبين القاضي صفي الدين صهره منافسة في الظاهر والباطن.
وفي هذه السنة أيضاً حصل من السلطان تغير على الأمير شجاع الدين عمر ابن علاء الدين الشهابي فعزله عن وظيفته وقبض عليه وأودعه السجن ونسب إليه
стр. 334
حديث من جهة الملك الناصر فأَقام أسبوعاً في السجن ثم تحقق للسلطان براءَته فأطلقه وحصل بين الأمير شجاع الدين وبين القاضي جمال الدين منازعات طويلة وأحضر القاضي جمال الدين إلى مقام السلطان جماعة يشهدون على الأمير شجاع الدين بكلام كثير متعلق بالملك الناصر. وحضر الملك الناصر يومئذ مقام السلطان ونفى عن الأمير شجاع الدين جميع ما ذكر عنه وحقق للسلطان ما كان من القاضي جمال الدين فغضب السلطان غضباً شديداً على القاضي جمال الدين وسلمه إلى القاضي صفي الدين ليستخلص منه مالاً كثيراً فصادره مصادرة قبيحة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح محمد بن أبي الحسن بن احمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن إبراهيم بن حسين بن حماد بن أبي الخل. وكان أبوه احمد بن محمد أول من درس منهم فلما هلك خلفه ابنه هذا محمد المذكور. وكان فقيهاً فرضيّاً زاهداً متورعاً. وكان تربا لابن عمه احمد بن الحسن المذكور أولاً وبلغ عمره ثمانين سنة. ولم يتزوج. وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي ابن عمه وهو الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف وكان فقيهاً فرضيّاً نحويّاً تفقه بابيه وتوفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل محمد بن عبد الله بن أبي السرور وكان فقيهاً صالحاً تقيّاً خيراً وكانت وفاته رحمه الله تعالى في السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الخطاب أحمد بن عمر الحميري وكان فقيهاً فاضلاً زاهداً ورعاً ذا عبادة وامتحن في آخر عمره بالعمى. وكان تفقه على أبيه وتوفي رحمه الله تعالى في السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله بن الحسن بن عطية بن علي بن عطية الشعدري وكان ميلاده سنة إحدى وخمسين وستمائة تفقه بعم أبيه أحمد بن علي بن عطية. وولي قضاء المهجم وانفصل عنه وكان قد ولي الخلافة قبل المهجم. ولما فصل من المهجم ولي قضاءَ بلده إلى أن توفي في رجب من شهور سنة تسع عشرة
стр. 335
وسبعمائة رحمه الله تعالى.
وفي سنة عشرين وسبعمائة مرض الأمير علاء الدين كشدغدي مرضاً شديداً أفضى به إلى الموت وحصلت مرافعات كثيرة على القاضي صفي الدين عبد الله بن عبد الرزاق. وحقق كتاب الدواوين في المقام السلطاني أنه أخذ جملة من المال فعزله السلطان عن يد الاستيفاء وفوض الأمر في ذلك إلى الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد. وكان أميراً كبيراً عالي الهمة حسن التأني وسأَل من السلطان رحمه الله تعالى أن لا يجعل عقوبة أحد على يديه. وإن مهما تعين من المال للدواوين أمر السلطان أمير جاندار باستخراجه وهذا أكبر دليل على خيره.
وفي هذه السنة المذكورة وصل القاضي الأجل محي الدين يحيى بن عبد اللطيف التكريتي من الديار المصرية على طريق مكة المشرفة وأحضر إلى مقام السلطان جوهرً كثيراً من الزمرد واللآلئ. وتقدم عند السلطان تقدماً حسناً. وأحل محل الوزارة. وسلم إليه السلطان من خالص ماله مائة ألف دينار من المال الخالص على حكم التجارة. وكتب له إلى عدن بخمسين ألفاً فلما نزل إلى عدن تصرف فيها تصرف المالك وكان قابضاً على الوزارة.
وفي هذه السنة أيضاً وصل الأمير بدر الدين حسن بن أحمد بن المختار الإمام الفاضل العارف بعلوم الأوائل من الهيئة والهندسة وعلم المخطى. وكان مشاركاً فيكل فن وضارباً في كل علم بنصيب. ولم يكن في البلاد المصرية ولا البلاد الشامية من يناسبه في معرفته مع اتساعها وفرح السلطان بوصوله فرحاً شديداً.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر بن عمر الأحنف وكان فقيهاً ورعاً وكان إماماً في المدرسة الأشرفية بذي جبلة توفي لخمس بقين في شهر رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن الحسن ابن أبي الرجا الجناب بن أبي القاسم الحميري. وكان مولده سنة سبع وثلاثين وستمائة وتفقه في بدايته بالفقيه علي بن الحسن الآصابي وبابن النابه. وهو أول من رتب في المدرسة
стр. 336
المظفرية طالباً مع الفقيه علي بن الحسن وولاه بنو عمران قضاء الناحية وتدريس مدرسة الرخة. فلما صار القضاء إلى بني محمد بن عمر عزلوه. وكانت طريقته مرضية إلى أن توفي في سلخ المحرم من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الإمام العلامة عبد المؤْمن بن عبد الله بن راشد البارقي ثم التميمي هكذا قال الجندي وذكر أنه منسوب إلى عرب يسكنون ناحية من بلد بني شهاب. ويعرفون ببني بارق نسبة إلى عمرو بن براقة. وكان أحد رؤساء العرب الذين قتلوا مع الحسين بن علي ﵄. وكان عبد المؤْمن المذكور ممن رسخ في السمعلة. وأَقام فيها مدة طويلة إلى أن ثار ابن خمسين سنة. ثم تشكك في كونهِ على الحق أم على الباطل فجعل يزور المشاهد المشهورة. والترب المباركة. ويسأَل الله تعالى أن يريهُ الحق حقّاً ويرزقهُ اتباعه. فمالت نفسه إلى الانتقال إلى مذهب الإمام الشافعي فحين علم الإسماعيلية بذلك شق عليهم. وهموا بقته فتقدم إلى القاضي وهو يومئذ عمر بن سعيد وأخبره بقصته وإنه يريد الدخول في مذهب الشافعي لكنهُ يخشى من الإسماعيلية. فقدم به القاضي عمر بن سعيد إلى الأمير علم الدين ينجر الشعيبي وأخبراه بالقصة فقال الأمير علم الدين من سكب عليك كوز ماءٍ سكبت عليه كوز دم فتاب على يد القاضي بحضرة الأمير وأخذ منهما العهود والمواثيق على حمايته وتوثق منهما وخرج من فوره وتظاهر بترك السمعلة والدخول في مذهب أهل السنة. وجعل يسب الإسماعيلية ومذهبهم. ويذكر قبائح أفعالهم فحين سمعوا منه ذلك سعوا في قتله أشد السعي لكن الدولة قهرتهم. وكان عبد المؤْمن رجلاً مباركاً زاهداً ورعاً لازماً طريق القناعة غالب أوقاته في مسجد الجامع بصنعاء حتى قيل أنه لازم الاعتكاف أربعين سنة. وكان كثير التلاوة لكتاب الله في المصحف. وكان يقرأُ كتب الحديث وقرأَ بعض كتب اللغة وبداية الهداية. ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي في سلخ صفر من سنة عشرين وسبعمائة. وهي السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح إبراهيم بن الفقيه علي بن إبراهيم النحلي وكان
стр. 337
ميلاده سنة ثلاث وستين وستمائة تفقه بأبيه وكان من أعيان الفقهاء الفضلاء الآخذين عن أَبيه. وكان أبوه يحبه حباً شديداً ويفضله. فسئل عن ذلك فقال كنت عند والدته حين وضع في الخيمة التي وضعته أُمه فيها فحين سقط إلى الأرض أضاءت الخيمة وأنارت حتى أني عددت جوانح الخيمة.
قال الجندي وأخبرني الخبير بحاله أنه كان من أخير أولاد الفقهاء ديناً وكرماً ومعرفة للفقه وعبادة غالب أيامه الصيام ولياليه القيام. وكان كثير الإطعام قل ما تلد الأخيار مثله. توفي على أكمل طريق مرضي ليلة الجمعة سابع عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح موسى بن الفقيه الإمام العلامة أبي العباس أحمد بن موسى بن علي بن عجيل. وكان فقيهاً صالحاً فاضلاً ديناً خيراً تفقه بأبيه وكان مشهور الفضل والصلاح توفي يوم السادس من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح محمد بن عمر بن حشيبر بضم الحاء المهملة وفتح الشين المعجمة وسكون المثناة من تحتها وكسر الباءِ الموحدة وآخره راء. وكان فقيهاً زاهداً ورعاً صاحب كرامات له في الحكمة كلام عجيب. توفي في غرة ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وصل القاضي محي الدين من عدن وحصل بينه وبين القاضي صفي الدين مرافعات كثيرة. واتفق لمحي الدين اتفاقات ليست بحسنة فنقص ذلك القبول من جهة السلطان. وكان في ذلك يطلب الوزارة ويجتهد ويسعى في تحصيلها فلما ألح وأكثر قال السلطان كلا لا وزر ثم أراد السلطان أن يجبر خاطره فأركبهُ يوم العيد عيد الفطر في موضع الوزارة وركب بالطرحة على عادة الوزراء المصريين.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن شبا الشعبي وكان فقيهاً فاضلاً تفقه بمحمد بن أبي بكر الأصبحي وتزوج ابنته وهو وصيه. وكان منصوبه على أولاده وولي قضاء بلده من قبل بني محمد بن عمر مدة ثم انفصل
стр. 338
عنه وكانت وفاته في شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله بن اسعد الحديفي نسبة إلى قوم يقال لهم الاحدوف. وكان فقيهاً فاضلاً تفقه بالعماري وسكن قرية الخصابتين وكان صبوراً على إطعام الطعام وإكرام الأنام. عظيم العبادة إلى أن توفي. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن علي بن عبد الله العامري الملقب جمال الدين وكان يعرف بالمدرس لطول إقامته على التدريس بالمهجم وشهرته فيه. وكان مولده سنة أربعين وستمائة وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو الحسن علي بن قاسم الحكمي. وكان تفقه الإمام جمال الدين بخاله الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي. وأخذ عن الإمام أحمد بن موسى بن عجيل وهو من أبرك فقهاء تهامة تدريساً. وأكثرهم نشراً للعلم أخذ عنه جمع كبير وصنف عدة مصنفات منها شرح التنبيه شرحاً مفيداً أثنى عليه غالب الفقهاءَ وله شرح الوسيط أيضاً. وذكروا أنه أقام على التدريس في المهجم نحواً من خمسين سنة. ولذلك كثر أصحابه وانتشر عنه الفقه وامتحن بقضاء المهجم من قبل بني محمد بن عمر. ثم لما صار القضاء الأكبر إلى ولد الفقيه أبي بكر بن محمد بن عمر اليحيوي استدعاه فعزل نفسه حين وصله الطلب. وكان سهل الأخلاق لين الجانب سليم الصدر مشهوراً بالبركة وكانت وفاته في مستهل صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
قال الجندي أخبرني الثقة إن بعض الفقهاءِ من الحضارم رأَى النبي ﷺ ليلة موت الفقيه ورأَى مع النبي ﷺ صاحبيه أبا بكر وعمر والفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي وابنه إسماعيل فقال لجده محمد يا جد من هؤُلاءِ معك يعني النبي ﷺ وصاحبيه فقال هذا رسول الله ﷺ وصاحباه أبو بكر وعمر جئنا جميعاً في طلب الفقيه جمال الدين فاستيقظ الرائي من نومه وأذبه يسمع قائلاً يقول مات الفقيه جمال الدين رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن حسين وكان فقيهاً فاضلاً كريم
стр. 339
النفس حسن الأخلاق وكان محفوظه من كتب الفقه الوجيز ولم يدرس في جامع القرية. وانتفع به جماعة وكانت وفاته يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي السلطان الملك المؤَيد رحمة الله عليه وكان قد عزم على النزول إلى زبيد كجاري عادته في كل سنة فبرز إلى قصر الشجرة فأقام فيه نحواً من عشرة أيام بسبب مرض أصابه فلما اشتد به المرض وهو في قصر دار الشجرة أمر ولده السلطان الملك المجاهد بطلوع الحصن ولم يكن له يومئذ ولد غيره فطلع الحصن آخر نهار الاثنين سلخ ذي القعدة من السنة المذكورة. وتوفي والده السلطان المؤَيد بعد نصف الليل من ليلة الثلاثاء أول ليلة من ذي الحجة. وقد ترك الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد. وكان يومئذ نائب السلطنة وأتابك العسكر وأستاذ دار السلطان ونزل بنزوله جماعة من العسكر وأعيان الأمراء. فثبت ثباتاً حسناً وحفظ نظام السلطنة وضرب إركاً على الشجرة إلى آخر الليل بالسلطان المرحوم إلى الحصن فحطوه في دار العدل وكان ﵀ قد أوصى أن يغسله جماعة من الفقهاء منهم الفقيه الطفاري والبها الجاندار. وإن تكون آلة الغسل كلها مدر يشترى من السوق وإن يشترى كفنه من السوق فاشترى له ذلك كما ذكر. فكان أول شيءٍ استنكره الناس من ولده المجاهد وحمل من دار العدل إلى مدرسته إلى أنشأها في معزية تعز فدفن بها وكان يوم دفنه يوماً مشهوداً فيالها من مصيبة تركت العامة حيارى والخاصة سكارى.
خرجوا بهِ ولكل باكٍ خلفه ... صعقات موسى يوم دك الطورُ
حتى أتوا جدثاً كأَن ضريحه ... في قلب كل موحد محفورُ
والشمس في كبد السماءِ مريضة ... والأرض راجفة تكاد تمورُ
وكان له من المآثر التي أنشأها في معزية تعز المعروفة بالمؤَيدية وجعل فيها مدرساً ودرسة ومعيداً وإماماً ومؤَذناً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن ومقرئاً يقرئ القرآن بالسبعة لا حرف ووقف عليها من الأراضي والكروم ما يقوم بكفايتهم ووقف
стр. 340
فيها خزانة من الكتب النفيسة وابتنى في أيامه عدة من المآثر. فابتنت كريمته التي تسمى جهة دار الدملؤَة مدرسة في مدينة زبيد ومسجداً فيتعز ومدرسة في ظفار الحبوضي أيضاً وجددت مسجداً في مدينة زبيد. وابتنى الخاندار مسجداً في مدينة تعز وهو الذي بين المعزية وعدينة وعنده الأحواض وبه تعرف إلى الآن فيقال مسجد الخاندار. وابتنى الأمير محمد بن ميكائيل الذي كان أستاذ داره مدرسة في زبيد وهي التي قبالة باب الشبارق تمر المجرى تحتها وهي الآن خراب.
وكان السلطان المؤَيد ملكاً جباراً شجاعاً مقداماً شهماً جواداً. كريماً متلافاً. له في الشجاعة والجود فعلات مشهورة يعرفها الخاص والعام. وكان ﵀ مشاركاً في كثير من العلوم قد أخذ في كل فن وشارك في كل علم وكان يحفظ مقدمة طاهر بن بابشاذ وكفاية المتحفظ في اللغة وأجمل للزجاجي قراءة وأخذ التنبيه أيضاً لأبي إسحاق الشيرازي قراءة محققة وطالع الكتب المبسوطة في كل فن وسمع الحديث النبوي من الشيوخ الموثوق بهم ممن علا سنده. وأجازه الشيخ الإمام المبجل أبو العباس أحمد بن محمد الطبري شيخ السنة بالحرم الشريف في البخاري والترمذي وناوله صحيح مسلم وأجازه في باقي الأمهات على حكم روايته من الكتب التي سمعها واستجازها وما صنفه في كل فن وما وجد له. واختصر كتاب الجمهرة في التبرزة وبين في مختصره ما لم يبينه صاحب الكتاب من عمل التدنيق ووصل الجناح وشرح طردته إلى أبي فراس شرحاً شافياً وهي التي أولها
ما العمر ما طالت به الدهور ... العمر ما ثمَّ به السرورُ
ونقل جانباً من أشعار الجاهلية والمخضرمين والمولدين. وجمع من مصنفات العلم على اختلاف أنواعها من علم قراءَاتها وقرائها وحديثها وفقهها وأصولها وفروعها وحقيقتها وأدبها ومعرفة أيام عربها من تاريخها ونسبها وأشعارها على اختلاف طبقاتها شيئاً كثيراً والله أعلم
стр. 341
الباب السادس
стр. 342
ذكر أخبار الدولة المجاهدية
قال الأشراف أبو العباس إسماعيل بن العباس تولاه الله بحسن ولايته.
كان مولانا السلطان الملك المؤيد ﵀ ملكاً شهماً شجاعاً مقداماً جواداً هماماً عالي الهمة شريف النفس كريم الأخلاق حميماً وضيئاً حسن الشمائل.
للشمس فيه وللرياح وللسحا ... ب وللبحار وللأسود شمائل
ولديه ملعفان والأدب المفا ... د وملحباء وملمات مناهل
وكان كامل الأوصاف لين العريكة حسن السياسة صادق الفراسة شديد الحركة شديد المملكة.
قال ابن عبد المجيد لما استقرت قاعدة السلطان الملك المجاهد في الملك عزل الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب وفوض نيابة السلطنة إلي الأمير شجاع الدين عمر بن يوسف بن منصور وجعله اتابك العسكر. وكان قبل ذلك شاد الدواوين في الدولة المؤيدية وكتب له بذلك منشورين لهما وقرئا بمحضرهما. وحصل بين السلطان وبين ابن عمه الملك الناصر جلال الدين محمد بن الملك الأشرف مراسلة تقتضي أمانا وعهوداً. فأرسل إليه من جهته الفقيه شهاب الدين عبد الرحمن الظفاوي وهو معلم السلطان والطواشي شهاب الدين صلاح ليحفاه للسلطان فحلف كما يجب الأيمان ثم أرسل
стр. 343
الملك الناصر وكيله وهو الفقيه جمال الدين محمد بن الوشاح ليحلف للسلطان فحلف له كما يجب الأيمان.
ولما تمكن الأمير الشجاع عمر بن يوسف بن منصور من السلطان وعظمت منزلته عنده سعى في خلاص المعتقلين في معقل الدملؤة وكان فيه ممن اعتقله السلطان المؤيد الأمير نجم الدين أحمد بن ازدمر المظفري وأخوه الأمير بدر الدين محمد بن ازدمر والأمير نجم الدين أحمد بن أزمر الخازندار الفارس المظفري والأمير شمس الدين اطينا أمير خازندار الخليفة. والشريفان داود وأخوه ابنا الشريف قاسم بن حمزة وقد كانت لهم يد طويلة. وطرد الأمير جمال الدين بن يوسف بن يعقوب بن الجواد عن الباب وتكلم عليه عند السلطان بأنه مشؤوم وغلب عمر بن يوسف إلى الباب وحملت له الطبلخانة وضبط الباب ضبطاً عظيماً. وكان من أذكياء الرجال ودها متم واعرفهم بتدبير المملكة.
وفي سنة اثنتين وعشرين نزل السلطان من الحصن وكان نزوله يوم الثالث من المحرم فسار آلي دار الشجرة فأقام بها.
ويروى انه لما أراد النزول من الحصن آلي دار الشجرة أرسل رسولاً آلي بعض المتصدرين يومئذ في علم الفلك يأمره أن يختار له وقتا جيدا في ذلك اليوم. فنزل السلطان من الحصن في ذلك الوقت الذي قد اختير له ففزع الرجل لما علم بنزول السلطان في ذلك الوقت فسال باقي أهل فنه عمن اختار للسلطان ذلك الوقت الذي نزل به فقالوا له كلهم ما اختاره له أحد سواك.
فقال والله ما عملت أن مراده النزول وهذا الوقت الذي نزل فيه من الحصن وقت مكروه وربما انه لا يرجع إليه إلا في حالة معكوسة. ثم أن الأمير شجاع الدين عمر بن يوسف بن منصور أوقع في قلب السلطان من الملك الناصر شيئا فأمره بقبضه. فأرسل الأمير شجاع الدين جماعة لقبضه فلما علم الناصر بذلك لجأ إلى تربية الفقيه عمر بن سعيد بذي عقيب فتبعه الجماعة إلى التربة المذكورة وقبضوه من التربة ولم يراعوا حق الجوار. ثم رجعوا به إلى تعز. وكان ذلك في العشر الوسطى من صفر من السنة المذكورة. فلما وصلوا به إلى تعز أمر السلطان
стр. 344
بسجنه فسجن في حصن تعز فأقام محبوسا في الحصن إلى سلخ جمادى الأولى. ثم أمر السلطان به إلى سجن عدن وأرسل مائة فارس تسير به إلى هنالك. وكان السلطان ﵀ قد تقدم إلى الجند في غرة شهر ربيع الأول فأقام فيها أياما وفي خلال ذلك نصب الفقيه عبد الرحمن الظفاري قاضي قضاة بمحضر جماعة من فقهاء تعز. وأقام بعد ذلك أياما ثم توجه إلى الدملؤة في أثناء شهر ربيع الأول فأقام فيها أياما. وافتقد خزانته ونزل ولم ينعم على أحد بشيء كما جرت العادة. فلما نزل من الدملؤة وتقدم إلى نعمات فأقام فيها إلى يوم الأربعاء الثامن من شهر جمادى الآخرة. وقال ابن عبد المجيد إلى النصف منه ضج أُمراؤُهم وقلوب العسكر نافرة منه. وقد سعى إبراهيم في فساد دولته وقرروا قاعدة عند الملك المنصور أيوب بن السلطان الملك المظفر يوسف بن عمر. فلما كمل سعيهم الذي أرادوا اجتمعت الأمراء والمماليك الكبار وقصدوا دار الشجاع عمر بن يوسف بن منصور وكان يسكن في ناحية المجاذيب من مدينة تعز فقتلوه وقتلوا معه صهره الأمير بدر الدين محمد بن علي الهمام. وكان معهم الفقيه عبد الرحمن الظفاوي قاضي القضاة والشيخ محمد بن عثمان العيسى من عيس حكم فقتلوه أيضاً وخرجوا من فورهم أيضاً إلى ثعبات فلزموا السلطان هنالك ونهب في تلك الليلة عدة بيوت في المغربة والمجاذيب ممن ينتمي إلى مولانا السلطان ورجعوا إلى الملك المجاهد أسيرا فأقام عنده تحت الحفظ ثلاثة أيام وهو يستخلف العسكر فحلفوا له الأيمان المغلظة. فلما كان اليوم الرابع طلع الملك المنصور الحصن في ناموس المملكة وزي السلطان وطلع بالسلطان الملك المجاهد معه تحت الحفظ فجعله في دار الأمارة على الإعزاز والإكرام يؤتي إليه كل يوم بما يحتاجه ويشتهيه من طعام وشراب وحريم ولما استقر الملك المنصور في الحصن أرسل لأبن أخيه الملك الناصر فلما وصل إلى الجند تلقاه بالطبلخانة وأقطعه المهجم إلى عدن وعقد للأمير بدر الدين حسن بن الأسد الأولويه. ورفع له الطبلخانه واقطعه حرض ثم عقد لولديه الملك الكامل بأمور الدين والملك الواثق شمس الدين ورفع لهما الطبلخانه. وجعل لكل واحد منهما إقطاعاً جيداً وأرسل ولده الملك الظاهر أسد الدين إلى الدملؤة وفي خدمته
стр. 345
ياقوت التعزي وفوض نيابة السلطنة إلى الأمير شجاع الدين عمر بن علاء الدين الشهابي. فأقام أياماً فحصلت بينه وبين الأمراء البحرية مخافره فصرفه السلطان عن نيابته وجعل مكانه الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد المعروف بالخصي وفوض إليه أمر الباب كله وأقام السلطان الملك المنصور في سلطنته إلى ليلة السبت السادس من شهر رمضان وذلك على رواية ابن عبد المجيد ثمانون يوماً. وعلى الجندي نحو من تسعين يوماً انصرف فيها من المال نحو من سبعمائة ألف دينار خارجاً عن المركوب والملبوس.
ثم كان من قضاء الله وقدره أن تقدم بعض غلمان الملك المجاهد رحمة الله عليه إلى بلاد العربيين واتفق هو وجماعة منهم كان مقدمهم بشر الذهابي وعاملوا رجلا يقال له بن الفوارس على طلوع الحصن من قفاه باتفاق جماعة من عبيد السربخاناه فأدلوا لهم الحبال وأطلعوهم رجلاً رجلاً. وكانوا أربعين. فلما صاروا كلهم في الحصن أرادوا أن يثوروا فمنعهم عبيد الشربخانات وقالوا لهم لا تحدثوا حادثة حتى نقول لكم فامسكوا عندهم إلى أن أصبح الصباح ونزل الخادم بمفاتيح أبواب الحصن. فلما علم عبيد الشريخانات والمعسكر الذي معهم بنزول الخادم والمفتاح خرجوا عليه فضربوه بأسيافهم. وقبضوا المفاتيح ولم يشعر الملك المنصور حتى دخلوا عليه بمجلسه الذي أمسى فيه فقبضوه منه وخرجوا يريدون الملك المجاهد وكان والي الحصن والرتبة يبيتون في دار المضيف. فلما أشرف عليهم أهل الحصن ونادوا بشعار المجاهد قاتل أمير الحصن قتالا شديداً حتى قتل. وارتجت المدينة فركب الملك الناصر وركب معه كثير من العسكر. ووصلوا اسفل الحصن فلم يتهيأ لهم فيه عمل وأبوابه مغلقة. وركب سائر الأمراء البحرية إلى الملك الناصر وقالوا له أن كان الملك المنصور مات أو قتل أو قبض فأنت أولى بالملك. فاجتمعت كلمتهم على ذلك وابعث المدينة خيلاً ورجلاً يريدون طريقاً إلى الحصن فما وجدوا فلما رآهم السلطان الملك المجاهد كذلك وعلم ما أجمعوا عليه عجب من فعلهم. وقال سبحان الله ما في هؤلاء من يذكر لوالدي حسنة عليه ولا جميلا إليه ثم
стр. 346
أمر صائحا يصيح من أعلى الحصن بأعلى صوته يقول يا أهل تعز بيوت المنصورية لكم حلال فرجعت الأمراء والملوك إلى بيوتهم خوفا من النهب وغشيهم السواد الأعظم. وكان يوما عظيما فلم يمض نصف النهار إلا وقد كتبت إليه والدته جهة صلاح تقول له أعلمك يا ولدي أن بنات عمك وسائر نساء الملوك هتكوا ونهبوا ولم يبق لهم باقية. وقد صاروا في حصر المساجد والمدارس فأقاموا صائحا صيح في الناس من أخذ شيئا من بيوت الملوك فليرده. وأمر بقبض أولاد الملوك فقبض الملك الناصر وولده زين الإسلام. وقبض الملك الكامل بأمور الدين بن الملك المنصور فكان كل واحد من الملوك مسجوناً وحده.
واستولى السلطان الملك المجاهد ﵀ مرة ثانية وحصل بينه وبين المماليك عهود وذمم وكتب لهم ذراعة بالأمان والوفاء. ونادى لهم بذلك في الأسواق وفي مجامع الناس وبعد أيام قلائل أمر بإطلاق الملك الناصر ونومار الدين بن الملك المنصور. واستناب في سلطنته الثانية الأمير جمال الدين نور بن حسن. وطلب من عمه الملك المنصور أن يكتب له كتاباً إلى ولده الظاهر بتسليم الدملؤة فكتب له بذلك فلم يمتثل وامتنع من تسليمها فجهز السلطان له عسكراً مقدمه من الأمير شجاع الدين عمر بن علاء الدين. والشيخ أحمد بن عمران العبابي والشيخ عمر بن أبي بكر العنسي. وخامر جماعة على الملك الظاهر من الأشعوب فساروا بعسكر السلطان طريقاً يفضي إلى الدملؤة نحواً من شهرين فكثر القتل في الفريقين وطالت مدة الحرب. وكان معظم ذلك في ناحية حبا من أرض المعافر فلما طال الأمر خادعهم الظاهر بأن أعطى ابن العنسي مالاً فارتفع عن المحطة وتلاحق به كثير من الناس فانهزمت المحطة وارتفع أهلها وتركوا كثيراً من أموالهم وثقلهم وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو الخطاب عمر بن محمد بن مسعود الحجري وكان فقيها فاضلاً تفقه في بدايته بالفقيه إسماعيل الخلي ثم لما كان في السمكر بسؤال من أهلها درس على الفقيه صالح جعل يختلف إليه في السمكر حتى اكمل قراءته.
стр. 347
ولما ولي ابن الأديب القضاء جعله قاضياً في القرية فأقام على ذلك نحو سنة ثم انصل وبقي على التدريس والخطابة إلى أن توفي في النصف من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه إبراهيم بن يحيى بن سالم بن سليمان بن الفضل بن محمد بن عبد الله الشهابي الكندي وكان فقيهاً حبراً غلبت عليه العبادة واستمر مدرسا بعد ابن محمد بن عبد الرحمن في العومانية وبعد ذلك على التدريس وهو أجود أولاد الفقيه يحيى وكان عالي الهمة سخي النفس إلى أن توفي في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عثمان بن أبي بكر بن سعيد بن أحمد المرادي وكان فقيهاً فاضلاً مشهوراً بشرف النفس وعلو الهمة وإطعام الطعام. تفقه أبي عبد الله الدلالي وتفقها بذي أشرق. وكانت وفاته على الطريق المرضي في سلخ المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عبد الرحمن بن الفقيه عبيد بن أحمد بن مسعود بن عليان بن هاشم الرحمي. وكان مولده سنة ثلاثة وستين وستمائة تفقه بأبيه وغيره وولي القضاء في مدينة.
زبيد من قبل بني محمد بن عمر فأقام هنالك عدة سنين. قال الجندي وكان يسير على أغراضهم وانفصل سنة تسعة وسبعمائة بأبي شكيل الشحري. ولم يزل متدبراً في زبيد مستوطناً بها مدة. ثم استمر مدرساً في المدرسة التاجية بزبيد وهي التي تعرف بمدرسة المبردعين إلى أن توفي في مستهل جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الصمد بن سعد بن علي بن إبراهيم. وكان مولده ثاني صفر من سنة ست وخمسين وستمائة. وسلك طريقه عمه عمر بن سعد من القيام والصيام والعبادة مع الاشتغال بالعلم ومحبته له. وتفقه بإبراهيم المازني أحد أصحاب عمه وكان يسكن قرية الثمد وهي غربي قرية عمه بثاءً مثلثة مفتوحة وآخر الاسم دال مهملة. وكان مشهوراً بالدين والصلاح وبه يضرب المثل.
стр. 348
وكانت قريته مأمناً للخائفين وملاذاً للمتحوزين وبيته مقصداً للزائرين توفي في النصف من شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن الأمام أبي الذبيح إسماعيل ابن محمد الحضرمي تفقه بأبيه وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً بفروع الفقه مشهور البركة في التدريس والفتوى وهو من جملة الفقهاء الذين حضروا مقام السلطان الملك المؤيد للنظر في قضية أبي شكيل وأبي بكر بن علي المشير وكان ذلك في قصر الجند سنة ست عشر وسبعمائة. وأشار إليه السلطان بالنظر فيها فلم يفعل وأشار إلى غيره فلم يقبل. ويقال انهم ما دخلوا مقام السلطان حتى أنفقوا على ما كان منهم وهو الإشارة بقضاء ابن الأديب فكان الأمر كما ذكر. ورجع الفقهاء إلى بلادهم بعد أن أعطى السلطان للفقيه أحمد المذكور مالاً جزيلاً لقضاء دين عليه كتب له به إلى عامل المهجم. وكانت وفاته في قرية الضجى لأيام يقين من صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وتوفي بعده ابن أخيه الفقيه الفاضل أبو العباس أحمد بن يحيى بن إسماعيل بن محمد الحضرمي. وكان فقيهاً محفقاً تفقه بعلي بن محمد الحلي وولده محمد بن علي الحلي وكانت وفاته في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو اسحق إبراهيم بن الفقيه أحمد بن الفقيه إسماعيل بن الحضرمي. وكان فقيهاً محققاً تفقه بعلي بن محمد الحلي وولده محمد بن علي. وكانت وفاته شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى وفيها توفي الفقيه الصالح أبو اسحق بن الفقيه أحمد بن الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي. وكان فقيهاً صالحاً كثير الملازمة للمسجد وأقام معتكفاً نحواً من عشرين سنة. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة قبل أبيه بنحو ثمانية أيام رحمهما الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الخطاب عمر بن إبراهيم بن محمد بن حسين
стр. 349
النحلي. وكان ميلاده سنة سبع وعشرين وستمائة وأقام مدة طويلة لم يتعلق بشيء من قراءة العلم فلما رأس أخوه علي بن إبراهيم وارتفع ذكره. وكان اصغر من عمر نشط حينئذٍ فقرأ على أخيه وتفقه به وكان صاحب دنيا متسعة يحج كثيراً وكان يطعم جماعة من الطلبة ويقربهم. وابتنى مسجداً في قريته بالآجر والنورة وأقام فيه مدة يدرس فيه ويقصده الضيف والزائر وامتحن بالعمى في آخر عمره. وكانت وفاته في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن عمر العربقي بضم العين المهملة وفتح الراء نسبة إلى قرية من أعمال حسيس يقال لها العريق بضم العين المهملة وفتح الراء تصغير عرق. ثم سكن قرية من نواحي موزع يقال لها جاعمة بجيم وألف وعين مهملة مكسورة على وزن فاعلة. وكان رجلاً مباركاً ورعاً زاهداً كاملاً في سلوك الطريق مشهوراً بالخير والصلاح
والكرامات الظاهرة. وكان يزردع مواضع في الوادي فما تحصل منها صرفه في مصالحه وفي طعم الواردين إليه. وكان شريف النفس عالي الهمة له رغبة في طلب العلم يعجز الوقت عن نظيره في جميع أحواله وتوفي في عشر ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي المقري الفاضل إقبال. وكان عبداً صالحاً هندياً لخادم يقال له إقبال أيضاً ويعرف سيده بالدوري. وكان عارفاً بفن القراءات تفقه على ابن الجزاري صاحب عدن. ولما سافر سيده من عدن خرج إقبال هذا من عدن أيضاً وسكن مدينة المهجم فحصل عليه عسف من بعض ولاتها فأرتحل منها إلى تعز فتوفي بها. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ الصالح أحمد بن موسى بن عمر بن المبارك بن مسعود بن سالم بن سعد بن عمر بن علي. وكان شيخاً صوفياً فقيهاً عارفاً توفي في سلخ شعبان من السنة المذكورة ﵀. ودفن عنده والده وابن عمه صوفي بن يحيى في رباط أثعب بهمزة ومثلثة وموحدة بينهما عين مهملة والله اعلم.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن أبي الرجا وكان
стр. 350
ميلاده سنة ثمان وسبعين وستمائة. وكان فقيهاً عارفاً عالماً واستمر مدرساً في مدرسة البرحة وتوفي على الطريق المرضي في النصف من شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وعشرين كتب الملك الظاهر إلى الأمير بدر الدين حسن بن الأسد يستدعيه إلى خدمته فأجابه إلى ذلك ووصله في جمع كثيف فجهزه نحو الجند حتى أخذها يوم الأحد الثالث والعشرين من ربيع الأول. وكان فيها من قِبَل المجاهد يومئذٍ ابن أخيه قطب الدين أبو بكر بن الملك المظفر حسن بن داود وإبراهيم بن شكر وجماعة من المماليك البحرية فخامرت المماليك ومالوا إلى ابن الأسد وحلفهم للملك الظاهر فحلفوا له فخاف قطب الدين على نفسه فسرى من الجند فأصبح في تعز على موادعة بينه وبين ابن الأسد وأقام ابن الأسد في الجند أياماً قلائل ثم توجه نحو تعز في عسكر جرار من الأكراد والمماليك وغيرهم وواجهه الغياث بن الشيباني من ناحية الدمينة. وكان الغياث بن الشيباني قد وصل إلى الملك الظاهر في خلال ذلك فأكرمه ولأعظمه وحباه بمال جزيل وأمره بالتقدم إلى تعز فحطوا جميعاً على حصن تعز فأقامت المحطة سبعة أيام. فلما كان اليوم السابع ارتفع ابن الأسد منهزماً بعد أن قتل من أصحابهما أكثر من مائة نفر. وكان جملة من قتل من أهل تعز نحو من اثني عشر رجلاً.
ولما ارتفعت محطة بن الأسد عن حصن تعز كما ذكرنا توجه نحو الجند وتقدم معه من المماليك نحو من خمسين فارساً وساروا من الجند إلى الظاهر وهو بالدملؤَة فأحسن إليهم وطيب نفوسهم. فلما علم السلطان بذلك انقبض عنهم ولم يطلق لأحد منهم جامكية فتبعوا وطال عليهم الأمر حتى باع كثير منهم عدته وبعض ثيابه فجاهروا السلطان بالقبيح وتكرر منهم القبيح والأذى. فلما كان يوم الخميس الرابع من شهر جمادى الآخرة صاح الصائح من الحصن بأمر السلطان ﵀ بإباحة المماليك قتلاً وأسراً ونهباً وأمر السلطان على الزعيم أن يخرج في عسكر تهامة ويحفظوا طريق الجند وطريق الشجرة وأمر إبراهيم بن شكر أيضاً أن يخرج في عسكر تهامة
стр. 351
ويحفظوا طريق تهامة وذي هزيم ففعلوا وخرجت على خيولهم فقتل منهم خمسة نفر في الميدان وواحد عند حمام الحاي ولزم منهم جماعة فأطلعوا الحصن إلى السلطان فجلد منهم نفرين الأساوي وآخر وشنق خمسة. فلما كان يوم السابع من الشهر المذكور شنق منهم أيضاً اثنين. وفي يوم الاثنين الرابع عشر شنق منهم اثنين فجميع من قتل وشنق منهم وجلد كلهم ستة عشر رجلاً. ولما خرجت المماليك من تعز ساروا إلى قرية الخوخية فأقاموا فيها أياماً ثم توجهوا نحو زبيدة وكان واليها يومئذ محمد بن طرنطاي وهو أحد أعيانهم فأدخلوا زبيدة بمساعدة بعض أهلها ذلك في غرة شهر رجب من السنة المذكورة فملوكها للظاهر واستولوا عليها. وكان الأمير نجم الدين أحمد بن ازدمر يومئذ في قرية السلامة فطلع إلى السلطان وتقلد له بأن يستعيد له زبيد فحمل له السلطان أربعة أحمال طبلخانة وجهز معه نحواً من خمسمائة فارس وستمائة راجل ونزل معهم الزعيم والمشد ابن العماد فنزلوا بأجمهم وحطوا في بستان المنصورة فيما بين القرتب وزبيد. فخرجت المماليك من زبيد وقصدوهم إلى المنصورة على حين غفلة وقد افترق جمعهم فأنهزم العسكر. ومن جملة من انهزم الزعيم وكان أحمد بن ازدمر غائباً لم يباشر الوقعة وثبت ابن العماد في جماعة من العسكر قتل معظمهم وسلم الباقون واقبل الأمير نجم الدين أحمد بن ازدمر وكان غائباً عن الوقعة فأُخذ أسيراً فدخلوا به زبيد وكانت الواقعة يوم الاثنين الثامن رجب وأقام الأمير نجم الدين أسيراً في زبيد إلى أن توفي آخر شعبان من السنة المذكورة.
وفي شهر شعبان المذكور من السنة المذكورة خالف عمر بن الدويدار في لحج وأَبين وسار إلى عدن فحاصرها نحواً من عشرين يوماً حتى أخذها بمساعدة بعض المرتبين من يافع وخطب فيها للظاهر. وكان دخوله عدن لأيام بقين من السنة المذكورة. وكان أمير عدن يومئذ الأمير بدر الدين حسن بن علي الحلبي فقبض عليه ابن الدويدار وبعث به إلى الظاهر وعث به الظاهر إلى السمدان فحبس هنالك. ونزل جعفر بن الأنف من الدملؤة إلى ابن الدويدار فأقام معه في عدن إلى العشرين
стр. 352
من شوال ثم طلع إلى الدملؤة بخزانة جيدة وبر كثير.
وفي شهر ذي القعدة جهز الظاهر إلى الجند عسكراً مقدمه الأمير بدر الدين محمد بن عمر بن علاء الدين الشهابي ومعه جماعة من البحرية كالقصري وطعشر وغيرهما. وكان وصولهم الجند يوم السابع من ذي القعدة فحاربهم أهل الجند حرباً شديداً فعادوا خائبين إلى قرية العربة فأقاموا بها. وكان في الجند وال كثير الغدر والمكر يقال له ابن حسين كان يأُخذ جامكية من المجاهد وجامكية من الظاهر ولعب بهما معاً. وكان من أسواءَ الولاة حالاً وتصرفاً وأكثرهم خيانة لله وللمسلمين. فلما ارتفعت المحطة عن الجند كما ذكرنا فرق الوالي المذكور ابن حسين على أهل الجند ونواديها إذناً عظيماً فأضرَّ بالناس فعزله السلطان بابن الحجازي وولاه حصن تعز فتشاءم الناس به. وكان معه شفاليت يتغلبون على بيوت الناس وينهبون فكانوا سبب كل قبيح.
وفي هذه السنة توفي السلطان الملك المنصور أيوب بن مولانا السلطان الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول وكانت وفاته يوم الأربعاء ثاني شهر صفر من السنة المذكورة في دار الأمارة في حصن تعز معتقلاً ودفن في مدرسة والده في مدينة تعز المعروفة بالمظفرية رحمه الله تعالى.
وفيها توفي مولانا الملك المسعود تاج الخلافة الحسن بن مولانا السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول وكانت وفاته في مدينة حيس يوم الثالث والعشرين من شهر المحرم أول شهور سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وهي السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل يوسف بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن يحيى وكان فقيهاً فاضلاً معروفاً بأمانة والصبر وكان غالب ودائع أهل تلك الناحية إنما تكون عنده عارفاً في فن الفرائض مجوداً ولد سنة سبع وثمانين وستمائة وتوفي في هذه السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي الجدائي نسبة إلى صقع
стр. 353
من الحبشة يقال له جداية بكسر الجيم ودال مهملة وألف بعدها ياءُ مثناة من تحت مفتوحة وآخرها هاءُ. وكان يعرف بالزيلعي اخذ عن ابن زاك بحراز ثم عن الغيثي بوصاب وأخذ عن المقري عدا المذكور أولاً. وكان مجوداً في علم القراءات والنحو وعنه اخذ جماعة. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفضل أبو الحسن علي بن محمد الأصبحي تفقه بالإمام علي بن أحمد الأصبحي تفقهاً جيداً ثم سار إلى زبيد فتفقه ببعض فقهائها. وكان على ذاك يسكن في مدينة زبيد إلى أن توفي بها في السنة المذكورة وقيل بعدها والله اعلم.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد بن علي بن جبير. وكان ميلاده في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستين وستمائة. وكان فقيهاً مجتهداً في بدايته بخاله الفقيه محمد بن أبي بكر الأصبحي ثم بالأمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي ثم بصالح بن عمر البريهي ثم بفقهاء تعز كأبن الصفي وابن النحوي وغيرهما. ثم ارتحل إلى عدن فأدرك بها ابا العباس أحمد ابن علي الحرازي وابا العباس القزويني فأخذ عنهما وأخذ عن التاجر المعروف بالشهاب صقر الكريني ثم عاد إلى بلده. وكانت وفاته في المحرم من السنة المذكورة. وقيل في الحجة من السنة التي قبلها رحمه الله تعالى والله اعلم.
وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد الحيلوتي نسبة إلى كورة حيلو وهو جبل ببلاد فارس. وكان ميلاده سنة ثمان وأربعين وستمائة في بلد فارسي. وكان فقيهاً عارفاً يعرف كتاب الحاوي معرفة تامة لم يقد اليمن من هو اعرف منه به وصنف على منواله كتاباً اكبر منه سماه بحر الفتاوى. وقدم إلى تعز من طريق الحجاز في سنة سبع عشرة وسبعمائة ولم يكن غرضه الوقوف في اليمن فأجتمع به القاضي يومئذ عمر بن أبي بكر العراف في ذي عدينة فأكرمه وانصفه ولازمه على الوقوف فوقف في المدرسة المؤيدية مدرساً في دار الضيف وصار يتردد للتدريس إلى المؤيدية ثم ضعف فاستناب أبا بكر بن جبريل. ثم حصل بينه وبين ابن الأديب وحشة فعزله عن أسبابه كلها ونسبه إلى صحبة أعدائه. وكان كلما
стр. 354
استخرج خطاً من السلطان بإعادته على أسبابه دافعه ابن الأديب بالكلام. ولما طال انقطاعه استخرج من السلطان الملك المجاهد خطاً بالعود على أسبابه فلم يساعده ابن الأديب فسار إلى عدن في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة فتوفي في الطريق رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه أبو حفص عمر بن عبد الله بن سليمان الكندي نسباً والعتمي بلداً. وكان مولده سنة سبعين وستمائة تقريباً. وكان تفقه بأبي القسم والأصبحي محمد بن أبي بكر وبصالح بن عمر البريهي. وكان إمام مدرسة حسن بن فيرقذ إلى أن توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد بن إسماعيل بن مسيح. وكان ميلاده لأربع بقين من رمضان سنة اثنين وتسعمائة. كيوسف بن عبد الملك. وكان معروفاً بجودة الفقه ودرس مع بني بطال مدة ونظر في كتبهم وانتفع بها انتفاعاً جيداً. وكانت وفاته على الطريق المرضي في مستهل القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن الفقيه عمر بن الهيثم المشهور. وكان ذا فضل ودين ومعرفة بالفقه. وامتحن بالعمى في آخر عمره. وقتله أهل الفساد في شهر شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين بن أبى السعود الهمداني. وكان ميلاده ليلة الأحد الثالث عشر من شهر جمادى الآخرة من سنة ثمان وستمائة تفقه بالفقيه صالح بن عمر ورزق بصيرة في العلم وزهداً في الدنيا وتوفيقاً في الدين واليه أشار أهل بلده بل آهل عصره في الدين والصلاح ويذكرون له كرمات لا تحصى تدل على خيره وفضله وغالب اشتغاله بالفقه مع كمال العبادة. وكان يزوره العلماء والفقهاء وأرباب الدولة في زمانه ويتبركون به. وكان كثير الورع وإطعام الطعام آلي أن توفي على الطريقة المرضية يوم الخميس من شهر شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 355
وفيها توفي الطوشي الأجل أبو السعود شهاب الدين صلاح بن عبد الله المؤيدي. وكان خادماً حازماً يقضاً ذا رئاسة وكرم نفس. وكان زمام الملك المؤيد ثم جعله زماماً لام ولده الملك المجاهد فشهرت به فما تعرف إلا بجهة صلاح. وكانت وفاته يوم الثاني والعشرين من رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عمران موسى بن الحسين الحميري. وكان فقيهاً فاضلاً ذا عبادة عالية وورع كامل. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي شرف الدين أبو القاسم حسان بن الفقيه اسعد بن الفقيه محمد بن موسى العمراني وزير الملك الأشراف عمر بن يوسف بن علي بن رسول. وكان أحد أعيان زمانه فضلاً ورئاسة ونبلاً. ونكب هو وأهله في الدولة المويدية وجرى عليهم من المصادرة والهتك ما قد شهر وذكر. ولم يزل في خمول آلي أن توفي السلطان الملك المؤيد رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. فلما تولى السلطنة ولده السلطان الملك المجاهد عطف عليهم وأعادهم آلي مما كنهم وأجرى عليهم جريات سنية إلى أن توفي القاضي المذكور. وكانت وفاته يوم الحادي عشر من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع وعشرين اقتتل أجناد الحصن والشفاليت الذين هم مع ابن حسين الأمير في الحصن وكانوا اكثر من الأجناد أضعافاً مضاعفة فاستعاذت الأجناد بأهل المغربة واستعاذ أهل المعربة بأهل صبر أيضاً. فكان الشفاليت ومن في الحصن يداً واحدة وكان أهل المعربة وأهل صبر يداً واحدة وتطاولت الحرب بينهم فكتب بعض أهل تعز إلى المماليك الذين في زبيد يخبرهم بأن الحرب بين العسكر وأهل المدينة فخرجت المماليك من زبيد إلى تعز فوصلوا تعز يوم الثالث من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة فحطوا ما بين الأجناد والسائلة ولم يحصل منهم على أحد غيار.
وفي هذا التاريخ نزل الملك المفضل وأخوه الملك الفائز أبناء الملك المظفر
следующие страницы →