Полный текст (588 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وفيها توفي الفقيه الصالح ابو عبد الله محمد بن عثمان بن حسن بن شنيبه المقري وكان عارفاً بالقراءَات السبع وطرقها مشاركاً في الفقه والحديث والنحو أَخذ علم القراءة عن عدة من الأئمة منهم المقري علي بن شداد. وموسى ابن راشد الحرازي ويوسف بن محمد الأصابي الجعفري. واخذ بمكة عن الإمام برهام الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم المروزي. والشيخ أبي زكريا يحيى بن عبد العزيز بن سالم الزواوي واخذ الحديث عن الإمام أبي اسحق إبراهيم بن عمر العلوي. وانتفع به كثير من الناس في فن القراءة خاصة وعليه قرأَت القراءات السبع أفراداً وجمعاً. واخبرني شفاهاً انه رأَى في النوم انه يقرأْ على رسول الله ﷺ وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي تسع وخمسين وسبعمائة نزل السلطان إلى زبيد في عسكر جيد وأرسل لابن ميكائيل إلى حَرَض. فوصل أيضاً في عسكر ووصل معه طائفة من غز الرتب. فخرج السلطان في جمع كثيف يريد المعازبة والقرشيين فارتفعوا عن بلادهم ولم يظفر السلطان منهم بأَحد فحرّق بلادهم ورجع. وفي هذه الغزوة قتل ياقوت عبد ابن ميكائيل وكان فارساً شجاعاً إلا أنه لا يعرف البلاد. فلما انفرد عن العسكر قتل. ولما رجع السلطان إلى زبيد أقام أياماً ثم طلع تعز ورجع ابن ميكائيل إلى بلاده حّرَض وتقدم السنبلي إلى إقطاعه الجثة ونزلت المعازبة وسائر المفسدين إلى بلادهم فلما استقروا أقاموا أياماً ثم اجتمعوا نحو الكدراء في آخر شهر صفر فأخربوها وحرقوها فارتفع الحكم عن وادي سَهَام واتصل الخراب والفساد وانقطعت السبل وصار أهل زبيد لا يتصلون بأهل المهجم وأهل المهجم لا يتصلون بأهل زبيد.
وفي اليوم السابع من شعبان من السنة المذكورة قصدت المعازبة والقرشيون النخل من وادي زبيد فنهبوا أهله وانقطع الحكم فيه وخرج أهله منه لا يملك أحدهم قوت يومه ثم اقتسموا النخل فكان الأبيض للقرشيين والمغارس العليا لبني يعقوب من المعازبة والمغارس السفلى لبني بشير وارتفعت أيدي أهل النخل عن أملاكهم وتملكه العرب.
стр. 422
وفي اليوم الثالث والعشرين من شوال اجتمعت طوائف الفساد من المعازبة والرماة والقحرا وقصدوا الجثة وفيها يومئذ الأمير بهاء الدين السنبلي فأحاط العرب بالقرية ومن فيها فخرج إليهم الأمير بها الدين السنبلي ومن معه فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل جماعة من العسكر وقتل محمد بن السنبلي وأخوه مقبل وجرح أبو بكر جراحة شديدة وكان معدوداً من جملة القتلى وانحاز السنبلي ومنه معه من بقية العسكر إلى المهجم وأميرها يومئذ الكمال ابن التهامي.
ثم اجتمعت العرب جميعاً في شهر ذي الحجة من السنة المذكورة وأرسلوا إلى أهل سُرْدد يشتورونهم في قصد المهجم وكان رئيس بني عبيدة يومئذ حسن بن أبي القاسم ورئيس الزيديين ابن حفيص فاتفقوا على قصد المهجم يوم الاثنين الثالث من ذي الحجة من السنة المذكورة فوصلت المعازبو والرماة والقحراء إلى المهجم في اليوم المذكور قبل طلوع الشمس وتأَخر أهل سردد فوقعت الهزيمة في العرب فقتل منهم اكثر من مائة رجل وأقبل ابن حفيص وأهله من الزيديين وحسن بن أبي القاسم العبدي في أهله من بني عبيدة فلقيهم الهارب من العرب فرجعوا من حيث جاءوا.
وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع ابو الغيث محمد بن راشد السكوني وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً متفنناً جامعاً لعلوم شتى من الفقه والنحو واللغة وعلم المعاني والبيان والعروض والقوافي وله مصنف لطيف يدل على جودة معرفته وصفاء ذهنه وتدقيق فطنته وولي القضاء مدى في فشال. ثم انتقل إلى زبيد فدرس بها في المدرسة العفيفية ثم ولي القضاء في مدينة زبيد مدة. ثم نقله السلطان الملك المجاهد إلى مدرسته التي أنشأَها في مدينة تعز بناحية الجبيل فأقام هنالك إلى أن توفي مسموماً على ما قيل في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ستين وسبعمائة نزل القاضي شهاب الدين أحمد بن علي ابن قبيب ونزل معه من أولاد السلطان الولد المسمى أحمد الناصر في عسكر جيد من الباب فوقف في زبيد شدَّاده وكانت خيول العرب تدور حول المدينة في كل يوم لا تغيب أبداً.
стр. 423
ولما كان يوم النصف من شهر ربيع الآخر جاء الشيخ أبو بكر بن عراب القرشي المعروف بالهبل وكان داهية الزمان ووصل معه ابن عمه علي ابن محمد بن عمر بن عراب يريدان حاجة من زبيد. وكان من عادة العرب في ذلك الوقت أن من بدت له حاجة إلى المدينة وصل ووقف خارج المدينة على حصانه وان من وجده من الخطابة أو الحشاشين أو غيرهم أرسله إلى من يريد من معارفه يطلب منه الحاجة التي جاء بسببها ويعلمه بمكانه الذي هو فيه. فلما وصل الهبل وابن عمه كما ذكرنا أرسلا رسولاً إلى الأمير الصارم ابن نشوان وكان يظهر لهم الصداقة هو وغيره لاحتياج الناس إليهم. فلما جاء الرسول وأعلمه بمكانهما صنع لهما طعاماً نفيساً وكذلك كان يصنع هو وغيره. ثم انه جعل لهما في ذلك الطعام شيئاً كثيراً من البنج واخرج لهما ماء مطيباً وفيه ما فيه من البنج أيضاً فأكلا بحسب الكفاية وشربا من الماء ووفقا ينتظران الحاجة التي جاءَا بسببها فأثر فيهما البنج تأثيراً كلياً. وكان الهبل لا يعتاد مسكراً فلما وجد من نفسه ما وجد من الانحلال عرف أن الطعام مشغول. وكان ابن عمه يعتاد المسكر وقد كان في ذلك اليوم استعمل شيئاً منه فلما وجد من نفسه ما وجد ظن إنه عمل المسكر الذي كان استعمله فلما أيقنا بالشر قاما ليركبا فرسهما فركب الهبل وعجز ابن عمه عن القيام من موضعه ذلك. وقيل إنه ركب وسقط عن فرسه. فأخذ الهبل فرسه وسار بالفرسين معاً. وهذا الفعل من الصارم بن نشوان بإشارة ابن قبيب. وكان قد أرسل جماعة من العسكر حينئذ إلى باب النخل وأقام جماعة فوق السور ينظرون ما يكون من الأمر. فلما نظروا الهبل قد ركب فرساً وجنب الآخر صرخوا عليه وخرج بعسكر فلزموا علي بن محمد ووجدوه مطروحاً لا يعقل شيئاً فاركبوه جملاً ودخلوا به المدينة. وأما الهبل فإنه ساق فرسه لما خرج العسكر من زبيد فلما صار في أثناءِ الطريق سقط وقد اشتد عليه الأمر وحمى النهار ففطس وسار الفرسان يطرَّدان حتى دخلا القرشية فصرخ الصارخ في القرية وخرج أهل القرية يقصون أثر الخيل حتى وجدوا الهبل ميتاً قد تفطر جسمه من شدة الرمضاء فحملوه وقبروه وأقام ابن عمه معتقلاً في زبيد إلى أن نزل السلطان في ذي
стр. 424
القعدة. وفي يوم الأربعاء الخامس من شهر رمضان وقع مطر شديد في مدينة زبيد ونواحيها وكان ابتداؤَه وقت آذان العصر إلى ما بين المغرب والعشاء فهدمت بيوت كثيرة على أصحابها. ومات تحت الهدم على ما سمعت في مدينة زبيد نحو من ثمانين إنساناً ولم يبق بيت من بيوت المدينة صغيراً كان أو كبيراً إلا ما تشعث بعضه ومنها ما استولى عليها الخراب وهو كثير أيضاً.
وفي شهر ذي القعدة نزل السلطان إلى زبيد في عسكر جيد يريد الخروج على المفسدين من العرب وأرسل إلى الأمير نور الدين محمد بن مكائيل فلم يصل بل دافعه بالكتب مرة بعد أخرى وكان قد حسن له جماعة من بطانته أن يستولي على الجهات الشامية وهي سَهَام وسُرْدد ومَوْر ورحبان وبترك دؤَال ورمع خراباً فإذا قد استقوى بأموال الجهات المذكورة وغلب عليها قصد بعد ذلك زبيد وحينئذ تتسق له التهائم بأسرها وهي أمهات الأموال فيعجز السلطان وغيره عن مقاومته فوقع هذا الكلام منه موقعاً ورأى إنه كائن لا محالة فامتنع عن الوصول إلى السلطان.
وحصل من قضاء الله وقدره في الخيل من دواب السلطان وغيره داء يقال له مشفرا وقيل مشيفر فهلك في مدة يسيرة من خيل السلطان والعسكر عدد كثير حتى كاد يستولي عليها كلها فأخر السلطان عزم الخروج في ذلك الوقت.
وفي هذه السنة توفي القاضي جلال الدين علي بن محمد بن أبي بكر بن عمار وكان يومئذ يتولى الوزارة للسلطان وكانت له رياسة وسياسة وكان عاقلاً ساكن الريح حسن السيرة وتولى نظر عدن قبل أن يتولى الوزارة وكانت وفاته يوم الثالث والعشرين من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الأمير صارم الدين داود بن إبراهيم الدمرداشي وكان أميراً كبيراً عالي الهمة من كبراء الأمراء ممكناً عند السلطان له سيرة حسنة وكانت وفاته في سلخ صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وستين طلع السلطان من زبيد في غزة شهر صفر فلما استقر في
стр. 425
تعز نزل القاضي عفيف الدين عثمان بن سليمان بن طلحة الدوري في جماعة من العسكر ووقف في زبيد مقدماً عوضاً عن القاضي شهاب الدين أحمد بن قبيب. وطلع ابن قبيب إلى الباب الشريف. وقد استولى الخراب على معظم التهائم ولم يبق من وادي زبيد إلا ثلاث قرى أو أربع وإلا المدنة وكانت الخيل تظل تدور حولها كل يوم.
وفي هذه السنة وصل الشريف الكبير علي بن محمد المعروف بابن الجارية إلى مدينة المهجم وكان معه جماعة من بني الحمزة الشرفاء فخرج في لقائه أمير البلد الشجاع بن يعقوب ومقدمها يومئذ الأمير شمس الدين علي بن حاتم وبعض مشايخ العرب. فلما وقفوا في الميدان وأرادوا أن يلعبوا تنازعوا في التقدمة فاقتتلوا فانحاز أهل المدينة ومن معهم من عسكر أباب إلى المدينة. ومنعوا الشريف وأصحابه من دخول المدينة. فاصلح بينهم الأمير شمس الدين علي بن حاتم ودخلوا المدينة وجلس الشريف فيالدار. ثم أن بعض غلمان الأشراف اخطأَ على واحد من أهل المدينة فلزم وأتى به إلى الشريف فأمر بقطع يده فقطعت للفور فغضب الأشراف وخرجوا من المهجم راجعين إلى بلادهم. وبقى الشريف علي بن محمد في جماعة من أصحابه. وكان السلطان قد أحال له على الأَمير صارم الدين داود بن خليل صاحب المحالب بمال فانتقل إلى المحالب بسبب ذلك. فدافعه صاحب المحالب ولم يعطه إلا التافه اليسير. فلما رأى الشريف انه غالب له على حوالته خرج إليه في جماعة من أصحابه فدخل عليه بيته وقتله فيه وأخذ من بيته ما وجده فيه من المال والقماش والدواب والسلاح وكان قتله ليلة الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة. فلما علم الأمير شمس الدين علي بن حاتم بقتل داود بن خليل أرسل إلى القائد وهاس وبعث إليه بعكسر المهجم وقد جعل عليهم شرياً يقال له علي بن حازم وأمر على القائد أن يسير في العسكر والعرب لقتال الشريف وإخراجه من بلاد السلطان. فسار القائد وهاس والشريف بن حازم فيمن معهما من العسكر وعرب
стр. 426
البلاد إلى المحالب فخرج إليهم الشريف علي بن محمد وسأَل من القائد أن يمهله يومه ذلك. فإذا كان الليل خرج من بلاد السلطان. فقال القائد ما تخرج إلا الساعة وإن لم تخرج راضياً خرجت غير راض فلم يجبه إلى الخروج فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل القائد وقتل معه تسعة نفر وانهزم الباقون هزيمة شديدة. وكان ذلك يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر المذكور. فلما علم ابن حاتم بذلك ارتفع من المهجم ورجع إلى السلطان وكان رجوعه في البحر من ساحل الجردة. ولما قتل القائد كما ذكرنا سار الشريف علي بن محمد من المحاب يريد المهجم فدخلها يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور وأمامه رأس القائد ورؤوس أصحابه الذين قتلوا معه فلما دخل الشريف المهجم قبض الشجاع بن يعقوب أميرها يومئذ وولى فيها الكمال بن التهامي ولم يزل يعذب ابن يعقوب حتى هلك من شدة العذاب. وكان وفاته ليلة الجمعة السابع من شهر جمادى الثانية من السنة المذكورة.
ولما استولى على المهجم أرسل جماعة من الغزالي المحالب فوقفوا في البستان فقصدهم العرب فهربوا من المحالب فنهبها العرب وحرقوها. ثم خرجت القواد في كل ناحية والى كل قبيلة من قبائل العرب يستغيرون بهم فجمعوا المعازبة والرماة والقحراء وعرب وسردد وقصدوا الشريف في المهجم فخرج إليهم فهزمهم إلى الحرمة. ثم عاودوه في النهار الثاني فخرج إليهم فانهزموا إلى أطراف المدينة ثم تفرقوا عنه وعاودوه في اليوم الثالث فأحاطوا بالمدينة فوقف الشريف يمانعهم إلى آخر النهار ثم انه استذم المعازبة وخرج في ثقله بالليل فلما اصبحوا دخلوا المدينة ونهبوها وحرقوها واخذوا منها أموالاً لا تحصى ولا تحصر وذلك في يوم الاثنين الثاني من شهر رجب من السنة المذكورة واستولى الخراب على التهايم كلها ولم يبق الا زبيد وحرض.
فلما استولى الخراب على البلاد كما ذكرنا ثار الأمير نور الدين محمد بن ميكائيل واستخدم العساكر وحدثته نفسه بتصديق ما خيل له أصحابه فطلب أشراف صعدة وغيرهم فلما اجتمعت العساكر عنده في حرض قدم الأمير شهاب الدين أحمد
стр. 427
بن علي بن سمير. وكان فارساً هماماً فصيح اللسان حديد الجنان فسار بالعساكر من حرض إلى قرية البرزة فأقام فيها وكانت المحالب يومئذ خراباً فأراد أن يعمرها وتكون إقامة العسكر في البرزة وأرسل إلى الرعايا يطلب منهم واجبات الديوان. فلما وصل كتابه إلى الضميين امتنعوا عن الوصول إليه وأرسلوا العرب السرددية يطلبونهم لحربه وقتاله فأسرعوا إليهم فاجتمعت العرب من الضميين ومن انضم إليهم وعرب السرددية وقصدوا ابن سمير ومنع معه إلى البرزة فخرج إليهم فيمن معه من العسكر فاقتتلوا قتالاً شديداً ووقعت الهزيمة في العرب فقتل من العرب نحو ثلاثمائة إنسان فيهم من أهل الواسط أكثر من مائة رجل. وكانت الوقعة يوم الرابع عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة.
ولما انقضت الوقعة سار ابن سمير ومن معه من العسكر إلى المحالب واستولوا عليها ودخل العرب في طاعتهم طوعاً وكرهاً.
وفي هذه السنة توفي الملك المنصور عمر بن السلطان الملك المجاهد رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة أيضاً توفي رجل غريب في جامع المرثاة من حارة وادي زبيد فأقام في الجامع أياماً ثم توفى له كنفاً فحفروا له قبراً ولفوه في حشر الموز وربطوه بشعار وأدخلوه القبر فلما استقر في اللحد وصل الشيخ يوسف ابن نجاح الصوفي بثوب يريد تكفينه فيه فوجدهم قد أنزلوه في اللحد فنزل يريد أن يخرجه من القبر فلم يجد في القبر إلا حشر الموز فأخرج الحشر إلى خارج القبر ودفنوا القبر ترابا على غير ميت وهو معروف بقبر الغريب والله أعلم.
وفي سنة اثنتين وستين سار العسكر من حدود المحالب إلى سردد وذلك في أول شهر صفر من السنة المذكورة فاجتمعت عرب سردد جميعاً في بيت حسين ثم خرجوا من بيت حسين يريدون العسكر فلما اتجهوا هربت العرب من غير قتال فتبعهم العسكر وقتلوا منهم شيئاً كثيراً ولكنه اقل من القتلة الأولى وسلبوا سلبا كثيرا ودخلوا بيت حسين فحرقوا بيت العبيد والشرجة وبيوت بني وهبان وكانت هذه الوقعة عند
стр. 428
عدابة العروس ووقفت العسكر في بيت عطا وأطاعت العرب وسلموا الواجبات السلطانية ودخلوا الطاعة ثم انتقل العسكر إلى المهجم فدخلوها يوم الرابع عشر من شهر ربيع الأول واستولى العسكر على ملك الناحية بأسرها.
وفي يوم السابع من شهر رمضان اقتتلت المعازية والقرشيون وكانوا يومئذ جميعاً في النخل بوادي زبيد فقتل يومئذ ابنا العظامي رجلان من المعازبة قتلهما القرشيون. فسافروا يومئذ ثم اتفقوا على الهدنة حتى ينقضي أمر النخل. وكان النخل يومئذ تحت أيديهم معاً فكان هذا أول خلف وقع بينهم. فلما انقضى أمر النخل وارتفع كل أحد منهم إلى بلاده أغارت المعازبة في آخر شهر رمضان وقتلوا من القرشيين رجلاً يقال له داود بن رزام. ثم أغاروا غارة أُخرى في أول شوال وقصدوا القرية فخرج إليهم القرشيون فاقتتلوا عند بيوت المجانبة فقتل من القرشيين رجلان أحدهما يقال له العباسي والآخر الجعالي.
ثم أن القرشيين طلبوا الذمة من السلطان والدخول في الطاعة فأَذم عليهم ذمة شاملة فاصلحوا وطلبوا النصرة من السلطان على المعازبة فأمر السلطان بمناصرتهم وخرج العسكر إليهم فأغاروا يوم الثاني عشر من شوال فقتلوا من المعازبة تسعة رجال فيهم الحيق بن الحري وحرقوا عليهم البريت والكرنبسة ونهبوهم وأخرجوهم من ذلك الحد.
فجمعت المعازبة خيلها ورجلها في آخر شهر شوال وقصدوا القرشية فخرج أهل القرشسة إليهم فاقتتلوا فقتل من القرشيين نحو من أربعين رجلاً فيهم عيسى من الهبل وقتل من المعازبة رجل واحد يقال له مفرح بن الأسحم وأغار القرشيون بعد ذلك في شهر ذي القعدة فقتلوا من المعازبة رجلاً يقال له ابن العقيد وابنه وثلاثة أنفار.
ثم جمعت المعازبة جمعاً عظيماً من قبائل الشام وغيرها وقصدوا القرشية آخر يوم من القعدة فوصلوا إلى طرف القرية العليا ووقعت الهزيمة فيهم فقتل منهم ومنن معهم نحو من ثلاثمائة رجل وكانت الوقعة مشهورة وفي ذلك يقول الفقيه محمد بن سرداح القرشي
стр. 429
ثلاث مئين قتلهم لا حقيقة ... ولكن تقريباً لعلم المسائل
واحتز من رؤوس القتلى في هذه الوقعة اكثر من مائة رأْس وطلعت الرؤس إلى تعز وكان السلطان يومئذ بها وكسى الجماعة الواصلين بالرؤس وجرد السلطان عسكراً جيداً صحبة القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن قبيب والأمير بهاء الدين بهادر السنبلي وأمرهما بالتقدم إلى الجهات الشامية فسارا من تعز إلى زبيد ثم خرجا من زبيد يريدان المهجم فيمن معهما من العسكر فلما توسطوا بلاد الرماة اجتمعت العرب من كل ناحية عليهم وقصدوهم في جموع كثيرة فاهتزم العسكر وقتل ابن قبيب وكانت الوقعة في حد سهام وقد خرجوا من عواجه فحمل ابن قبيب وقبر في عواجه. واهتزم السنبلي إلى العامرية فأرادوا قتله فسار إلى بني معمة أصحاب بيت المدور ثم سار من بيت المدور إلى الزيدية وكانت الوقعة يوم الثلاثاء الحادي عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة.
ولما علم ابن سمير وكان في المهجم كما ذكرنا بان السنبلي قد صار في الزيدية جمع جموعاً كثيرة وأرسل لطوائف العرب وقصد السنبلي إلى الزيدية يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة فخرج السنبلي إلى حصن منابر فأقام فيه أياماً ثم رجع إلى السلطان في طريق الجبل ورجع سائر المنهزمين إلى السلطان فكساهم وانعم عليهم وصرف لهم دوابَّ وسلاحاً.
وفي هذه السنة المذكورة توفيت الآدر الكريمة جهة الطواشي شهاب الدين صلاح والدة السلطان الملك المجاهد وكان وفاتها في مدينة تعز ودفنت في مشهدها المعروف هنالك. وكانت امرأَة سعيدة عاقلة رشيدة حازمة حليمة سخية كريمة ذات سياسة ورياسة وكرم نفس وعلو همة. ولما غاب ولدها السلطان الملك المجاهد في مصر وكانت غيبته عن البلاد أربعة عشر شهراً وهي القائمة في البلاد فضبطت البلاد وجمعت العساكر ولم يكن في ذلك الوقت الحسن احسن من تلك السنة خصباً وأماناً وعدلاً وإحساناً ولها آثار حسنة في الدين. وكانت تحب العلماء والصلحاء وتكرمهم وتجلهم وتعظمهم وكانت تدور بيوت الناس تتفقدهم بالعطايا الوافرة. وقل أن
стр. 430
يأتي الزمان بمثلها وما أحقها بقول أبي الطيب المتنبي حيث يقول
ولو كان النساءُ كمن ذكرنا ... لفضلت النساءَ على الرجال
وما التأْنيث لاسم الشمس نقص ... ولا التذكير فخر للهلال
ومن مآثرها الدينية المدرسة المعروفة الكبيرة المشهورة بالصلاحية في مدينة زبيد ورتبت فيها إماماً ومؤَذناً وقيماً ونازحاً للماء إلى المطاهر بها ومدرساً للشرع ومدرساً في الحديث النبوي. ومدرساً في النحو وطلبة في كل فن من الفنون المذكورة ومعلماً وأيتاماً من خيار ما تملكه ما يقوم بكفاية الجميع وابتنت قبالة المدرسة المذكورة خانقة رتبت فيها شيخاً ونقيباً وفقراء وأوقفت عليهم وقفاً جيداً حسناً كافياً وابتنت في قرية المسلب من وادي زبيد وجعلت فيها إماماً ومؤَذناً وقيماً ونازحاً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن ومدرساً على مذهب الإمام الشافعي ومدرساً على مذهب الإمام أبى حنيفة وطلبة في المذهبين وسيلاً لشرب الدواب وغيرهم. وابتنت مسجداً في قرية التريبة من وادي زبيد ورتبت فيه إماماً ومؤَذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً ودرسه يقرءون القرآن وسبيلاً لشرب الجواب. وابتنت أيضاً في قرية السلامة مدرسة وهي التي على يمين السالك إلى تعز ورتبت فيها إماماً وخطيباً ومؤَذناً وقيماً ونزاحاً للماء إلى المطاهر والى السبيل هنالك ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن ومدرساً للفقه على مذهب الإمام الشافعي ومدرساً للحديث النبوي وطلبة مع كل مدرس وأوقفت على الجميع أوقافاً جيدة نفيسة تقوم بكفايتهم وتزيد. وابتنت مسجداً في مدينة تعز في ناحية المحلية أيضاً وأفعالها في الخير كثيرة وكانت وفاتها يوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي فتح الدين عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن الخطبا القرشي المخزومي. وكان أحد الرجال المعدودين فضلاً ونبلاً ورياسة وسياسة وكان عاقلاً فطناً ذكيّاً مفرطاً في الذكاء مشاركاً لذوي الصناعات الدقيقة والجليلة ويزيد على فضلائهم زيادة ظاهرة لا أعرف أحداً سبقه في جودة الصنعة. وكان يخط خطاًّ حسناً ونال حظوة عظيمة عند السلطان الملك المجاهد
стр. 431
وتولى الشد الكبير والخاص. ثم اىستوزره بعد ذلك وكان حسن التدبير والسيرة طاهر السريرة إلى أن توفي في مدينة تعز يوم التاسع والعشرين من صفر أحد شهور السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وستين خالف الملك الصالح والملك العادل على أبيها السلطان الملك المجاهد وكان خروجهما من تعز في العاشر من صفر من السنة المذكورة والله اعلم.
وفيها قتل المقاصرة أخا ابن سمير فأغار عليهم أخوه الأمير الشهاب أحمد ابن سمير فنهب بلدهم وحرقها ولم يلق منهم أحداً وكان قتله يوم الثامن عشر من المحرم ولما رجع ابن سمير من الغارة على المقاصرة طلع حسن منابر فقبضه وذلك يوم الرابع والعشرين من المحرم المذكور والله أعلم.
وفي هذه السنة أدعى ابن ميكائيل السلطنة وكان ذلك في شهر صفر من السنة المذكورة فخطب له الخطباء في المهجم والمحالب وحرض وما ينضاف إليها من القرى في الناحية المذكورة. وضربت السكة على اسمه وتسمى في الخطبة بالشريف الحسيب النسيب من أسرى بجده ليلة الاثنين إلى قاب قوسين محمد بن ميكائيل الحسيني الفاطمي النبوي. وكانت مدة سلطنته أربعة وعشرين شهراً أولها صفر من سنة ثلاث وستين وآخرها سلخ المحرم من سنة خمس وستين والله أعلم.
وفي هذه السنة قتل الشيخ أحمد بن حفيص الزيدي وكان شيخ الزيديين في عصره فصادره ابن سمير في المهجم إلى أن قتله ليلة الخميس من رجب من السنة المذكورة والله أعلم.
وفي يوم التاسع والعشرين من رجب المذكور أغار الأمير بهادر السنبلي على المعازبة وأغار معه أهل القرشية فحرقوا الأقطعية وقتلوا ثلاثة من فرسان المعازبة وهم ابن اليماني وابن العنيزي وابن خلف المكني وكانت المعازبة قد اجتمعت وقصدت القرشية على حين غفلة في يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الآخر. وكان خروجهم على أهل القرية السفلى فخرج أهل القرية إليهم فلما توافقوا هم والمعازبة
стр. 432
على مصافهم أَقبل أهل القرية العليا معارضين لهم فاهتزمت المعازبة هزيمة شديدة وقتل منهم نحو من سبعين رجلاً فيهم من الكواكرة ثلاثة وعشرون رجلاً وفيهم من سائر بيوت المعازبة لا يطاق وقتل من القرشيين يومئذ سبعة نفر فيهم إبراهيم الزيلعي كان من فرسانهم المشاهير.
وفي يوم الثامن والعشرين وصل السفراء من الديار المصرية وهم الطواشي صارم الدين نجيب والقاضي جمال الدين محمد بن عمر الشريف والقاضي جمال الدين محمد بن الفارقي والأمير شمس الدين علي بن حاتم ووصل معهم عدّة من أمراء الترك فقابلهم السلطان أَحسن مقابلة.
وفي هذه السنة توفي الطواشي شمس الدين صواب صبري وكان المجاهد ﵀ قد جعله زمام بابه وتولى في أيامه بعض الجهات فكانت سيرته مرضية. وكانت وفاته في يوم الأربعاء غرة شهر شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أَربع وستين خالف الملك المظفر على أبيه السلطان الملك المجاهد وأَفسد المماليك الغرباء الواصلين صحبة السفراء وكان خروجه من تعز ليلة الاثنين السادس والعشرين من المحرم بعد أن هجم اصطبل السفر الذي للسلطان وأخذ ما فيه من الخيل وأخذ من المناخ ما احب ونزل نجد عدن واستخدم جماعة من العقارب وأمرهم بالتقدم قبلة نحو باب عدن فلما تقدموا قبله وقدر أنهم قد صاروا في الباب تبعهم في الذين معه من المماليك فواجهه في الطريق جمل يحمل بطيخاً كثيراً. فنزل المماليك بأجمعهم فأكلوا من ذلك البطيخ حاجتهم. ولما وصل العقارب الباب من عدن وقفوا عند البوابين ينتظرون وصول المظفر ومن معه فلم يظهر لهم علم. فلما طال وقوفهم تشوش منهم البوابون لطول مقامهم من غير حاجة فنحوهم عن الباب فلم يقبلوا منهم فرأَى البوابون كلامهم غير منتظم فطردوهم عن الباب فلم ينطردوا وظهر لهم من الأمر ما أحوجهم إلى قتالهم وإغلاق الباب فلما أغلقوا الباب أَقبل المظفر وأصحابه وقد فات الأمر. فخرج الأمير وأهل المدينة فتقاتلوا ساعة من نهار
стр. 433
ثم رجع المظفر إلى الحج وأبين.. وكان الوزير القاضي جمال الدين محمد بن حسان يومئذ في أبين فقبضه المظفر وقبض ولده علياً وصادرهما أياماً ثم أَطلقهما.
ولما وصل العلم إلى السلطان بما كان من المظفر جهز له جيشاً وقدم عليه بهاء الدين السنسبلي وبعض الأَشراف الحمزيين وسار السلطان إلى الجؤَةِ وسار السنسبلي ومن معه نحو المظفر. والتقوا في موضع يقال له الشراجي فانهزم السنسبلي ومن معه وقتل منهم طائفة فنزل السلطان إلى عدن بسبب ذلك.
وفي هذه السنة أَصلحت المعازبة وأذم عليهم السلطان وطلعوا إلى تعز واجتمع شيخهم الذي يسمى العطور بالسلطان وتكفل له بإصلاح التهائم وجرد السلطان عسكراً إلى زبيد. وأمرهم بالتقدم إلى فَشَال والوقوف فيها حتى يرجع أهلها إليها ويتقرروا فيها. ثم ينتقل العسكر منها إلى القَحْمَةِ فيقفوا فيها حتى تعمر أيضاً ثم ينتقلون إلى أَكَلْدرَاء. فلما اجتمع العسكر في زبيد اتفق العسكر والقرشيون على قتل المعازبة فغقال العسكر للمعازبة إنّا لا نخرج من المدينة حتى يتقرر إلينا أن كنتم مصلحين فوصل عدّة من وجوههم ودخلوا المدينة واطمأَنوا بها فلما عزموا على الخروج إلى فشال أوقع الغز والقرشيون بالمعازبة فقتلوا منهم بضعاً وعشرين رجلاً وكان القتل يوم الثلاثاء العاشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.
وكان فيمن قتل يومئذ الشيخ محمد العكور وكان يومئذ شيخ المعازبة وقتل معه اثنان من إخوته. وقتل يومئذ عمر بن سهيل وابن الأقدر وحسين ابن عبادة وابن العجمي وسهيل بن الحاذق ومكيمن بن فلان بن الأقدر والقصد أن الذين قتلوا كلهم فرسان ومشاهير وسلم منهم جماعة كانوا عند القاضي ناصح الدين أبو بكر بن علي بن مبارك فامتنع عليهم وخشي أن يغلب عليهم فأرسل بهم إلى السجن فأقاموا فيه يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس فلما كان يوم الجمعة هجم الغز عليهم فقتلوهم وكانوا بضعة عشر رجلاً فكان جملة من قتل من المعازبة نحوا من أربعين رجلاً كلهم فرسان.
стр. 434
ولما نزل السلطان إلى عدن كما ذكرنا أقام بها وجرد العساكر لولده المظفر فلم يظفر به أحد. وكان المظفر فتاكاً مهيباً لا يعاقب إلا بالسيف قد استباح عدة من الأنفس بغير وجه لا يأْخذه على أحد شفقة ولا رحمة ولهذا احرمه الله تعالى الملك انه بعباده خبير بصير.
وتوفي السلطان الملك المجاهد في عدن في مدة إقامته فيها وكانت وفاته يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة.
فاتفق الحاضرون من أهل الدولة على قيام الملك الأَفضل ورأوا أنه اصلح للبلاد والعباد. وكان من جملة من نزل معه إلى عدن في تلك السفرة فحضرموت والده.
وكان الملك المجاهد رحمه الله تعالى ملكاً سعيداً عاقلاً رشيداً جواداً لبيباً شجاعاً مهيباً عالماً ذكياً فطناً لوذعياً من جوده وسخائه ما اخبرني به الفقيه الإمام العلامة جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي وكان ممن يختص به السلطان الملك المجاهد قال أَعطاني السلطان الملك المجاهد في أول يوم دخلت عليه أَربعة شخوص من الذهب وزن كل شخص منها مائتا مثقال مكتوب على وجه كل شخص منها.
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها ... على الناس طرّاَ قبل أن تتفلت
فلا الجود يفنيها إذا هي أَقبلت ... ولا الشح يبقيها إذا هي ولت
وكان مشاركاً في عدة من الفنون ويقال انه اعلم بني رسول وكان شاعراً فصيحاً ومن شعره قوله
نلت أنا العز بأَطراف القنا ... ليس بالعجز المعالي
تُجتْنَا نحن بالسيف ملكنا اليمنا
كل فخر تدعى الناس لنا ... أعرق العالم في الملك أنا
стр. 435
أنا شبل للملوك زين الكتب ... يوسف جدي وداود أبي
فالشهيد الملك زاكي الحسب
وعليّ القتيل عالي المنصب ... جدنا بعد رسول جدنا
إن تكن أضحت علاهم خبرا ... فالعلي مسني بالعين يرى
أنا كالليث إذا ما زأَرا
أنا كالليث إذا ما زخرا ... المنايا في يميني والمنا
أبذل المال ولا أجمعه ... كل عاف نحونا منجعه
وإذا القرن طغى أصرعه
وإذا ولى فلا أتبعه ... وإذا لاذ بعفوي أَمنا
شيم تشبه ملك الشيما ... يمنُ لي من جدودي القدما
ثم ملك الشام من ماءِ السما
يعشرون الناس طرارغما ... من هنا أو من هنا أو من هنا
وهو الذي مدن ثعبات وبني سورها واخترع فيها المخترعات الفائقة والبساتين الرائقة وبني فيها المساكن العجبة. والقصور الغريبة. وله من الآثار الدينية مدرسة في مكة المشرفة ملاصقة للحرم الشريف يصلي المصلي فيها وهو يشاهد البيت الحرام رتب فيها إماماً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً ومدرساً وطلبة.
وابتنى مدرسة في مدينة تعز وجعلها جامعاً في تلك الناحية وهي ناحية الجبيل ورتب فيها إماماً ومؤَذناً وخطيباً وقيماً ومدرساً للفقه ومحدّثاً وطلبة ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن وجعل فيها خانقاه. ورتب في الخانقاه شيخاً ونقيباً وفقراء.
وابتنى جامعاً أيضاً في ثعبات ورتب فيه إماماً ومؤَذناً وخطيباً وشيخاً للحديث
стр. 436
ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن. وابتنى أيضاً جامعاً في النويدرة على باب زبيد ورتب فيه إماماً وخطيباً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأَيتاماً يتعلمون القرآن ونزاحاً للماء ومدرساً للفقه وطلبة. وابتنى عند بستان الراحة بزبيد مسجداً ورتب فيه إماماً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن. وابتنى الزيادة الغربية في جامع مدينة تعز. وابتنى مدرسة في دار العدل بتعز وجعل فيها خانقاه ورتب فيها إماماً ومؤَذناً وقيماً وشيخاً ونقيباً للفقراء ووقف على الجميع أوقافاً جيدة في وادي زبيد وتعز من محاسن أملاكه ورباعاً وضياعاً وكان محبّاً للعلماءِ مشفقاً على الرعية وله في العدل والرفق والرعية أوصاف حسنة وأفعال مستحسنة. وهو أول من سن النواصف للرعية وأول من زادهم في القطائع معاداً مستمراً في كل قطيعة. وفي آخر أيامه أزال للرعية الربع من كل ما ازدرعوهُ وكانت الرعية في أحسن حال رحمه الله تعالى.
стр. 437
الباب السابع
стр. 438
ذكر قيام الدولة الأفضلية
ووقائعها
قال علي بن الحسين الخزرجي لاطفه الله تعالى في الدارين لما توفي السلطان الملك المجاهد رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور اجتمع كبراء حضرته وأمراء دولته على قيام دولة السلطان الملك الأَفضل العباس بن علي بن داود ولم يكن في أولاد المجاهد حاضرهم وغائبهم من هو أَشد منه ولا أَعقل ولا أَولى ولا اكمل للأمر منه وان كان فيهم من هو أكبر منه سناً.
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
فبايعهُ الحاضرون من الخاصة والعامة ووجوه أهل الدولة يومئذ. ولما انتظمت بيعته ونفذت كلمته أَنفق على العسكر نفقه جيدة في يومه ذلك إلى الليل واصبح سائراً بوالده إلى محروسة تعز وجملة العسكر يسيرون أمامه بعد أن ظلاه بالممسكات وجعله في تابوت من خشب. فكان دخوله تعز آخر يوم الخميس سلخ جمادى الأولى من السنة المذكورة. فاستقر في قصر ثعبات فلما اصبح يوم الجمعة غرة جمادى الأخرى نزل الناس خاصتهم وعامتهم فحضروا دفن السلطان الملك المجاهد وكان يوماً مشهوداً. واستمرت القراءَة عليه سبعة أيام.
وكان محمد بن ميكائيل قد استفحل أَمره في حرَض واستولى على الجهات الشامية لخلاف العرب وخراب التهائم واشتغل الملك المجاهد عنه بخلاف أولاده وهم الصالح وأعادل والمظفر. وكانت الأطراف مضطربة وقد انفتح في كل ناحية منها باب فساد. فلما مات المجاهد ﵀ قويت شوكة الفساد وازداد طمع ابن ميكائيل في البلاد ورأَى أن موت المجاهد من الأَسباب الدالة على ثبات سلطنته. فجع جموعه وسار من حرَض إلى المهجم في عسكر جرار.
стр. 439
إذا رفلوا لم يعرفوا البيض منهم ... سرابيلهم من مثلها والعمائم
ثم جرد العساكر إلى زبيد يتلو بعضها بعضاً. فلما علم السلطان بذلك جمع أَكابر أهل دولته وفرَّق فيهم الأموال وأمرهم باستخدام الرجال وحمل للأمير بهاءِ الدين حملاً وعلماً وأَمرهُ بالتقدم إلى زبيد. واستوزر القاضي جمال الدين محمد بن حسان. وتقدم ابن سمير في عسكر ابن ميكائيل يريد زبيد فكان وصوله إلى زبيد يوم الخميس الثاني عشر من شهر رجب في نحو سبعمائة فارس ورَجْل لا ينحصر. فلما حط في العرق قبالة زبيد تقدم من أصحابه أهل عشر من الخيل يطلبون الذمة ويستأْذون في الخدمة. وكان القائم يومئذ في زبيد أبو بكر بن علي بن مبارك الملقب ناصح الدين. وكان رجلاً عاقلاً وقوراً شديد البأْس حسن السياسة كريم النفس فأَذَمَّ للواصلين وكساهم للفور جميعاً وأَنفق عليهم نفقة جيدة وأضمر بالقيام على دوابهم وأَجرى لهم ما يقوم بكفايتهم بكرة وعشية. ولما أصبح ابن سمير يوم الجمعة ركب في عسكره إلى باب المدينة فقاتله أهل زبيد قتالاً شديداً إلى أن حمى النهار وافترق الناس. فلما كان عشي يوم الجمعة خرج عسكر زبيد من الباب الشرقي وهو باب الشبارق. وركب ابن سمير في عسكره ومن معه من الخيل والرجل واشتد القتال إلى أن غربت الشمس فقتل من كل فريق جماعة وانهزم العسكر السلطاني وثبت ناصح الدين بن مبارك ثباتاً حسناً وثبتت معه جماعة من العسكر حتى رجع العدو ولم يظفر بشيءٍ وأَمسى الناس في تلك الليلة في حراسة شديدة وحزم عظيم وأَصبحوا يوم السبت على مصافهم من غير قتال فاستذم جماعة من الرَّجل ودخلوا المدينة. فلما كان ليلة الأحد وصل رسول جماعة من الأشراف إلى القاضي ناصح الدين يطلبون الذمة فأَذم عليهم وعرَّف رسولهم أن يصلوا إلى ناحية باب القرتب ليلاً فلما وصلتهم الذمة خرجوا في ليلتهم من المحطة يتسللون وقصدوا باب القرتب ففتح لهم فدخلوا وكانوا نحواً من سبعين فارساً فكساهم القاضي ناصح الدين وأَنفق عليهم كما أَنفق على أصحابهم فلما اصبح يوم الأحد الخامس عشر من الشهر المذكور علم ابن سمير بما كان من الأشراف فاستوحش من بقية العسكر ولم يأمن إليهم ولا وثق بأحد منهم
стр. 440
وخشي على نفسه التبعة. فطلب وجوه العسكر وفرَّق فيهم شيئاً من المال ووعدهم بالجامكية والأنعام عند وصول الخزينة. وانفرد بأكابرهم وقال لهم اعلموا أَني أَدرى منكم بالبلد وأهلها والمسافة بيننا وبين المهجم ثلاثة أيام ليس فيها مدينة معمورة ولا كلمة مسموعة وكل أهلها داعية فساد. والمصلحة أن نرفع المحطة إلى بيت الفقيه ابن عجيل. فاستصوبوا رأْيه فانتقل بمحطته إلى بيت الفقيه فأَقام فيها يوماً أَو يومين ثم انتقل إلى القحمة. فلما استقر في القحمة وكانت يومئذٍ خراباً لا ساكن فيها أَمر بعمارتها وأقام فيها هو ومن معه من العسكر. وفي يوم السادس عشر من شعبان حملت الرايات السعيدية الأفضلية. وفي شهر ذي القعدة أغار ابن سمير من القحمة إلى حارة وادي زبيد فحرق قرية المَوْقر وقتل من أهلها جماعة ولزم آخرين فسار بهم إلى القحمة وصادرهم بشيءٍ من المال.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي بكر إسماعيل البريهي السكسكي بقرية ذي السّفِال. وكان فقيهاً فاضلاً ورعاً صالحاً عالماً عاملاً صوفيّاً جمع بين الطريقتين وحاز شرف المنزلتين. وكانت له كرامات ومقامات وكان مشاركاً في عدة من أنواع العلوم فقيهاً نحويّاً محدّثاً مفسراً صوفيّاً تحكم على يد جماعة من الفضلاء وحج بيت الله الحرام عدة سنين. وكان له مع العرب حكايات يطول شرحها وكان حسن الأَخلاق عذب المنطق له صيت عظيم على التدريس. توفي إلى رحمة الله تعالى في شهر المحرم من السنة المذكورة ﵀ ورضوانه عليه.
وفي سنة خمس وستين وسبعمائة نزل الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملي بالعساكر المنصورة الأفضلية من الأشراف والأَكراد ونزل صحبته الأمير بهاء الدين بهادر السنسبلي وجماعة من المماليك وكان نزولهم يوم العاشر من المحرم فدخلوا زبيد يوم الثالث عشر من المحرم المذكور. ثم انتقلوا إلى فشال يوم الرابع عشر فأقاموا إلى يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور وقصدوا ابن سمير إلى القحمة فلما علم بهم ابن سمير خرج إليهم فيمن معه من العسكر والأشراف والعرب. فكان يوماً ما
стр. 441
بعده من الأيام فانهزم ابن سمير ومن معه هزيمة شديدة ولم يلتفت
ولكنه ولي وللطعن سورة ... إذا ذكرته نفسه لمس الجنبا
فقتل أخوه الأعور يومئذ وكان فارساً شجاعاً. وقتل الأمير شمس الدين على بن داود بن علاء الدين وهو ابن أخت الأمير نور الدين محمد بن ميكائيل وقتل من أَحابه عدة مستكثرة ودخل العسكر السلطاني القحمة فاحتووا على ما فيها من خيل وبغال وجمال وسلاح وأَثاث وغير ذلك. وافترق العسكر الذي كان مع ابن سمير واستذم بعضهم واهتزم الباقون. فأمسى خبر الهزيمة يومئذ في المهجم فخرج ابن ميكائيل منها في ليلته سائراً نحو حرَض. فأقام في حرَض أَياماً. فلما علم بوصول العسكر السلطاني إلى المهجم ترك حرَض وخرج منها يريد صعدة وفيه يقول الشريف مطهر بن محمد بن مطهر.
لجهلك لم تخش الذي بأسهُ يخشى ... ولم ترهب الأَفعى ولا الحية الرقشا
وأَرداك من منَّاك في الملك مثلما ... تردّى ضحى من ظهر ناقته الأَعشى
ولجت طموم البحر وهو غطمطم ... ومن ولج التيار لاقى به القرشا
أَغرّك إرخاء المجاهد سترهُ ... عليك ولم ينهاك منه لذي يخشا
عفى عنك صفحاً في الظلام إذا انجلى ... بفضل وإحسان وفي الليل إذ يغشى
فلما ثوى وابتزَّ في العزة ابنهُ ... وربك يعطي الملك من خلقه من شا
ففاجاَّك العباس منهُ بصولةٍ ... فغشاك منهُ يا محمد ما غشا
وَليت فلم تؤْمن سريّاً ولم تخف ... غويّاً ولم تنه الفحوش عن الفحشا
فلما استوى العباس في الملك وانجلت ... دياجير للنظار في جنحها أَعشا
دعانا فلبينا نداهُ بعصبةٍ ... تَرُش الثرى من ضربها بالدما رشا
بهاليل من أبناء فاطمة التي ... قضى فضلها في الخلق من خلق العرشا
أَتوك ببيض ضربها يقطف الكلى ... ويختطف الأشلا ويخترق الأَحشا
فلما استقرت في فشال فشلتم ... كما فشلت للأسد في رعيهن الشا
ثمان ليال ظلمت جندك القنا ... كما جعلت بيض المواضي لها فرشا
стр. 442
أَلم تر أن الملك يؤتيه من يشا ... إله السما الجبار مبتدع الإنشا
تأَن وقف في حيث أوقفك القضا ... فمن فاته إيوانه سكن الحشا
ولما دخل العسكر السلطاني في القحمة أقام فيها يومه ذلك يوم الثلاثاء. ثم توجهوا نحو الكدراء ثم ساروا منها إلى المهجم. فكان دخولهم المهجم يوم الجمعة السادس والعشرين من المحرم فأَقام العسكر فيها أياماً. ثم توجه الأمير فخر الدين زياد الكاملي إلى حرَض فدخلها في صفر من السنة المذكورة فجعل فيها الأمير سيف الدين الرومي أميراً وجعل معه طائفة من المماليك الأَجواد. واستوسقت البلاد كلها في أسرع مدة وعمرت القرى والمدائن. واتصل الناس بعضهم ببعض. واستمر القاضي ناصح الدين أميراً في المهجم وتفرَّدت الأحوال وزال الليث في غابةِ واستحق الحق في نصابه.
وفي شهر ربيع الآخر كان ختان أولاد السلطان الملك الأفضل وكان ذلك يوم الأحد الثالث عشر منه. وأسست المدرسة الأفضلية في ناحية الجبيل من تعز المحروسة يوم الجمعة الرابع عشر من شهر رجب من السنة المذكورة. ولما أن في زبيد وقت السبوت ندب السلطان ﵀ الأمير شمس الدين علي بن الحسام وجماعة من بني حمزة فيهم الشريف قاسم بن أحمد صاحب الموقر فأَقاموا في النخل أياماً كما جرت العادة. فكان فساد القرشيين في كل يوم يزداد. فلما كان ليلة الثامن عشر من شوال اجتمعوا وهجموا النخل. وكان مشدة يومئذٍ القاضي برهان الدين إبراهيم بن يوسف الجلاد. فنهبوا طائفة من النخل فخرج العسكر في طلبهم وكانوا قد جعلوا عدة مكامن. فلما توسط العسكريين المكامن انبعث العدوّ من كل ناحية فقتل من العسكر جماعة الخيل فيهم الشريف قاسم بن أحمد صاحب الموقر وقتل من الرجل طائفة وغشيهم الليل. ووصل في تلك الليلة الأمير بهاء الدين السنبلي من القحمة فاتاه الخبر عشاء فركب من فوره يريد النخل فدخله آخر الليل واجتمع بالمقدّمين فأقاموا في النخل محوا من خمسة عشر يوماً حتى انقضى أمر النخل وارتفع رسمه. فلما ارتفع رسم النخل وصل الطواشي صفي الدين أبو مَلْعق في أول
стр. 443
شهر ذي القعدة بخزانةٍ جيدة وعسكر جيد فيهم الشريف جمال الدين محمد بن تاج الدين الحمزي صاحب الطَّوِيلَة والأمير شجاع الدين حسين ابن حسن بن الأسد الكردي فأَنفق الطواشي صفي الدين على العساكر جميعاً وقصدوا القُرَيْشيِةَ يوم السابع من القعدة فقتل من وجوه الفريشيين وشجعانهم نحواً من مائة رجل من أَجوادهم وفرسانهم وشجعانهم ومشاهير رجالهم. وفي جملة من قتل منهم يومئذ عبد الله بن محمد بن عمر بن غراب وكان أحد الفرسان المشهورين في زمانه فراسة وشجاعة ونهبت القرية نهباً شديداً ورجع العسكر من فوره إلى زبيد ظافراً منصوراً. فأقام العسكر في زبيد أَياماً. ثم خرج الأمير بهاء الدين بهادر السنبلي فحط في القريْشِيةَ وكان أهلها قد انتقلوا منها إلى العَرمَة فلما صاروا هنالك طلبوا الذمة وسلموا نصف الخيل التي معهم ورهنوا عدة من أولادهم فأذم عليهم السلطان ورجعوا إلى قريتهم.
وفي سنة ست وستين وسبعمائة كان رجوع أهل القرية إلى بلادهم وفيها استمر الأمير سيف الدين الخراساني مقطعاً في حرض وانفصل عنها الأَمير سيف الدين الرومي وأقطعه السلطان القحمة. وفي هذه السنة أوقع الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملي بالمعازبة فقتل منهم مقتلة عظيمة. وسار العسكر المنصور إلى المدبي فقطعوا شيئاً كثيراً من نخلة وذلك في شهر شعبان من السنة المذكورة وفي شهر رمضان نزل محمد بن ميكائيل من صعدة إلى المنيعة من أعمال حرض في عسكر كثيف من الخيل والرجل فواجهه عسكر السلطان هنالك. فانهزم ابن ميكائيل هزيمة شديدة وقتل من أصحابه جمع كثير فيهم أربعة من الفرسان ومن الرجل نحو من مائة وسبعين. ونزل السلطان زبيد في شوال فأقام فيها أياماً ثم تفرج في النخل وكذلك في البحر ثم توجه نحو الجهات الشامية لقبض خيول العرب فقبضها بأسرها في مدة يسيرة ثم عاد إلى زبيد.
وفي سنة سبع وستين طلع السلطان إلى تعز بعدة من خيول العرب نحو من مائتي رأس ووصل ابن سمير إلى السلطان على الذمة الشريفة وكان وصوله يوم
стр. 444
الخميس الرابع من شهر صفر من السنة المذكورة.
ووصل الملك المظفر إلى حوض في عسكر جرار من أصحاب الإمام فنهض إليهم صاحب حرَض فانهزموا ورجعوا من غير قتال. ووصل رسول صاحب ظفار الحبوضي وهو الفقيه أبو محمود بهدية وتحف وطلب لصاحب بلاده نيابة من السلطان فكتب له بذلك وذلك في شهر جمادى الأخرى.
وفيها تقدم القاضي جمال الدين سفيراً إلى الديار المصرية وصحبته من الهدايا والتحف ما يليق بحال المُهْدِى والمُهْدِى إليه. وكان تقدمه في اليوم العاشر من شهر ربيع الأول من مدينة تعز.
ووصل محمد بن الفهد صاحب ثُلاَ إلى الأبواب السلطانية مستوفداً فأكرمه السلطان وأنصفه ووصل جماعة من الأشراف المعدودين إلى الأبواب المكرمة صحبة الأمير عماد الدين يحيى بن أحمد الحمزي فقابلهم السلطان بالإكرام والإنعام العام. وفي شهر رمضان من هذه السنة المذكورة وقع في تعز مطر عظيم اخرب بستان المحلية وعدة من قصورها ومنازل كثيرة هلك فيها كثير من الناس سحبهم السيل من البيوت وكانت مطرة لم يعهد مثلها.
وفي هذه السنة توفي الأمير سيفد الدين الرومي وكان أميراً كبيراً جليلاً عاقلاً حسن السيرة مقداماً مهذباً. وكان وفاته في مدينة القحمة وهو مقطع بها رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثمان وستين وسبعمائة وصل القاضي جمال الدين محمد بن علي الفارقي من الديار المصرية بالهدايا من صاحب مصر والمماليك. وكان وصوله يوم الثامن من شهر صفر. وفي شهر ربيع الأول أمر السلطان بحمل أربعة أحمال طبلخانة وأربعة أعلام للأمير سيف الدين طغى الأفضلي.
وفيها قصد الملك المظفر وابن اليماني فخرج إليهم صاحبها في عسكره لقتالهم فانهزموا ورجعوا خائبين وذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة.
ووصل رسول صاحب كنباية ورسول ملك السند بالتحف والهدايا إلى
стр. 445
الأبواب السلطانية ووصلوا بغراسات شجر الفلفل الأحمر والأصفر والأزرق واستمر الأمير صارم الدين داود بن موسى بن حبابر أَميراً في الشجر. وكان سفره من عدن يوم السادس والعشرين من شوال.
وفيها استمر الأمير بهاء الدين الظفاري مقطعاً في حرض والقاضي جمال الدين محمد بن إبراهيم الجلاد مقطعاً في فشال.
وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير بهادر السنبلي وكان أَميراً كبيراً شجاعاً مقداماً فارساً مشهوراً وكان من أعيان الأمراء في الدولة المجاهدية. ونال من الملك المجاهد شفقة تامة وهو الذي أنشأَه وحمل له أربعة أحمال من الطبلخانة وأربعة أعلام وأقطعه مواضع عديدة من جهات المملكة اليمنية وكان مشهوراً بالشجاعة والفراسة وكانت وفاته يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام البارع أبو الفضل بن أحمد بن عثمان ابن أبي بكر بن بصيص النحوي الحنفي الزبيدي بفتح الزاي وضمها. وكان إمام الحفَّاظ وشرف النحاة وختام الأدباء انتهت إليه رياسة الأدب. وكانت الرحلة إليه وكان بارعاً في فهمه وله تصانيف مفيدة وأشعار جيدة شرح مقدمة ابن بابشاذ واخترمته المنية قبل تمامه وهو شرح جيد مفيد انتحل فيه الأسئلة الدقيقة وأجاب عنها بالأجوبة الحقيقة وهذب منهاجها ونشر مقاصدها. وله المنظومة المشهورة في العروض. ولم يزل على حسن طريقه باذلاً جهده إلى أن توفي في يوم الأحد الحادي عشر من شهر شعبان من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح تقي الدين عمر بن عبد الله المكي الفقيه الحنفي المحدث. وكان فقيهاً محدثاً عارفاً مشاركاً في عدة من فنون العلم تفقه في زبيد على الفقيه برهام الدين إبراهيم بن عمر العلوي والفقيه موفق الدين علي بن نوح والقيه صارم الدين إبراهيم بن مهنا وطلب تدريس الحديث في المدرسة المجاهدية لتعز سنة سبع وأربعين. وكان حسن التدريس فاستمر في المدرسة المذكورة إلى أن توفي في
стр. 446
شهر رمضان. وكان مولده على ما قيل سنة ثلاث عشرة وسبعمائة في مدينة زبيد رحمه الله تعالى.
وفي سنة تسع وستين استمر الأمير بهاءُ الدين بهادر المجاهدي أميراً في مدينة زبيد فحدث فيها ما حدث من الفساد. فأمر السلطان الأمير علاء الدين شنجل والياً وعزل البهاء المجاهدي.
وفي هذه السنة حصل في المعازبة قتل كثير واحتز منهم اكثر من خمسين رأساً. وفيها قبض حصن خَدَد ومعشاره بالشوافي وانفصل الأمير بهاء الدين الظفاري من حرض. واستمر فيها الأمير سيف الدين طغى الا فضلى وكان حاد المزاج قريب النفس كثير الغيظ قليل الاحتمال ضعيف السياسة. وكان أشراف حرض غير محتكمين فلما رأى ما هم عليه من الخلوج والخروج عن الطاعة ظاهراً وباطناً لم يجرهم على ما يعتادونه من المقطعين فتنافرت القلوب بينهم وبينه. فلما رأى ذلك منهم قبض على جماعة منهم وحبسهم عنده فطالبوه بإخراجهم مطالبة حثيثة فقتلهم فنزع الباقون أيديهم عن الطاعة. فلما علم السلطان بما كان منهم ومنه نزعه عن البلاد خوفاً وحسماً لمادة الفساد وأعاد الأمير بهاء الدين الظفاري وقد كانوا يعرفونهُ فلم ينفق له استصلاح قلوبهم فأصرُّوا على الخلاف والمنافرة قولاً وفعلاً.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أسعد بن علي بن منصور المعروف بالنظاري ﵀ نسبة إلى قرية في بعدان تسمى النظار ونسبه في ذي رعين. وكان فقيهاً فاضلاً حسن السيرة صالح السريرة اخذ عن جماعة من كبار العلماء كالفقيه إبراهيم العلوي والفقيه إبراهيم الوزيري. توفي مبطوناً في غرة ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو بكر بن أحمد بن درُّوب وكان فقيهاً فاضلاً تفقه بعمر بن المقرئ من بلده وأخذ الحديث عن عثمان الدناني من أهل وصاب. وكان وفاة الفقيه المذكور في شهر ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع أحمد بن عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سلمة
стр. 447
الحبشي الوصابي. وكان مولده سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. وكان فقيهاً فاضلاً له شهرة طائلة وشيمة فاضلة مشار كافي كثير من العلوم وله عدة تصانيف مفيدة منها كتاب الإرشاد إلى معرفة ساعات الإعداد وهو تصنيف عجيب وله ديوان شعر كله حسن جيد ليس له في زمانه نظير. تفقه بابيه واحمد عن أبي جبريل المقدم وعن قاضي عبد الأكبر. وانتفع به جماعة كثيرة. وكان وفاته في سلخ المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو بكر بن علي بن موسى الهاملي الملقب سراج الدين وكان فقيهاً فاضلاً جليل القدر عارفاً بالفقه على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وكان فروعياً أصولياً نحوياً لغوياً منطقياً شاعراً فصيحاً بليغاً نظم بداية المهتدى نظماً جيداً ودرَّس في المدرسة المنصورية بزبيد. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة سبعين وسبعمائة قبض السلطان حصن القاهر وقبض من مشايخ العنسيين نحواً من ثمانية عشر شيخاً وقتلهم جميعاً.
وفي شهر جمادى الأولى تقدم السلطان إلى محروسة الدملؤَة وصحبته خزانة عدن وتهامة وجملة من هدايا تجار الكارم ووضعها في الخزائن المعهودة ووصل السفراء من الحبشة بالهدايا والتحف في شهر شوال من السنة المذكورة.
وفيها وصلت هدية صاحب كاليقوط ووصل شيء كثير من غرائب الأشجار والأطيار فأمر مولانا السلطان بالأشجار فغرست في بستان دار الديباج وفيه فل أبيض وفل أصفر ووردُ وغير ذلك.
وفي شوال لزم الأمير سيف الدين طغى أمراء الأشراف بحرض كما ذكرنا وقتلهم في الشهر المذكور. ونزل السلطان إلى محروسة زبيد فعزل الامير علاء الدين شنجل وأمر الأمير شهاب الدين أحمد بن سمير والياً في زبيد. وأقام السلطان في زبيد أياماً ثم توجه نحو المهجم فبسط ابن سمير يده في البلاد وصادر الناس مصادرات عنيفة لا أصل لها. ولزم أناساً وحبسهم من غير سابقة واتلف بعضهم وطلب من
стр. 448
بعضهم مطلباً عنيفاً فافتدوا أنفسهم منه بما طلب. ولم يزل على هذا الأمر إلى أن رجع السلطان من المهجم فلما استقر ركابه العالي في مدينة زبيد أمر بالقبض عليه واستمر عوضه الأمير علاء الدين شنجل وصودر مصادرة قبيحة على يد القاضي رشيد الدين عمر بن أحمد الشتيري.
وفي هذه السنة المذكورة تصدَّق السلطان رحمه الله تعالى على كافة الرعايا في سائر جهات المملكة اليمنية بان يمسح بالذراع المظفري فسماء الناس الأفضلي لكونه الذي أجراه لهم صدقة تامة وعامة لا يختص بها أحد. دون أحد وهي من إحدى فعلاته المشهورات. وأجرى لبعضهم مزال خمس فيما تدور عليه الحبال ولبعضهم مزال الربع صدقة مؤبدة يتصل بها القوى والضعيف رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وفيما استمر القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم مشدَّا في وادي زبيد المبارك.
وفيها توفي القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن عمر اليحيوي. وكان غلمان الدولة المجاهدية ولي إمارة الجند في آثام المجاهد ونال من المجاهد شفقة تامة وكان محباً للصوفية وينسب إليهم. وولى نظر الأوقاف في الدولة الأفضلية. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء السابع من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وسبعين خرج الأشراف بحرض على الأمير بهاد الدين الظفاري ورفعوا أيديهم عن الطاعة ووصلهم السيد إبراهيم بن يحيى الهدوي والأمير نور الدين محمد بن ميكائيل في عسكر كثيف وجماعة من بني حمزة فحصروا الأمير بهاء الدين في دار حرض أياماً كان يقاتلهم بكرة وعشية فخانه جماعة من أصحابه وأسلموه. فلما رأى ما نزل به استأمن من الشريف شمس الدين علي بن محمد المسمى مسلة وخرج متوجهاً إلى اليمن. وكان السلطان رحمه الله تعالى قد ندب القاضي جمال الدين محمد بن عمر الشريف والقاضي تقي الدين عمر بن محمد بن محيا في جماعة من العسكر لجباية الأموال في الجهات الشامية. فلما صاروا في المهجم نزل
стр. 449
الأشراف على حرض كما ذكرنا وحاصروا الأمير بهاء الدين فكتب القاضي جمال الدين محمد بن الشريف إلى مقام السلطان يحقق له حقيقة ذلك الأمر ويستمده بالعسكر فأمده بالأمير شمس الدين على بن إسماعيل بن إياس والأمير سيف الدين طغى. فلما استولى الأشراف على حرض أقاموا فيها أياماً ثم توجهوا نحو المهجم فارتفع الشريف ومن معه إلى الكدراء ووصله الأمير شمس الدين علي بن إياس والأمير سيف الدين طغى. فلما وصل الأشراف المهجم أقاموا فيها اياماً ثم توجهوا نحو الكدراء فارتفع ابن الشريف وسائر عسكر السلطان إلى القحمة. وكان في القحمة يومئذ فخر الدين زياد ابن أحمد الكاملي فاجتمع العسكر عنده واستعدوا لقتال فقصدتهم الأشراف إلى القحمة يوم الأربعاء ثالث عشر شهر جمادى الأولى. وكان السلطان قد أرسل بخزانة جيدة صحبة الأمير شمس الدين بن إياس خارجاً عن خراج الجهات الشامية التي تحت يد ابن الشريف فاقترفت كلمة المقدمين وأمسك كل منهم ما عنده من المال ولم ينفقوا على العسر شيئاً فقصدهم العدوّ وهم على غير اتفاق فتخاذلوا وانهزموا وقتل ابن الشريف والقاضي تقي الدين عمر ابن محيا والأمير سيف الدين طغى وقتل جماعة من الغز والعرب وأسر الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملي وانهزم ابن إياس في بقية العسكر إلى زبيد فلما دخلوا زبيد على هذه الحالة أجتمع أرباب الفساد من كل ناحية واختلف العوارين بالليل على قتل ابن إياس. فلما أصبح يوم الخميس الرابع عشر من الشهر المذكور ركب ابن إياس إلى دار السلطان وركب بركوبه أمير المدينة وهو الأمير فخر الدين أبو بكر بن نور ومشدّ الوادي يومئذ وهو القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وناظر البلاد وهو الأمير جمال الدين محمد بن على العرس وصاحب فشال وهو القاضي جمال الدين محمد بن إبراهيم الجلاد. واتفقوا جميعاً على أن يعدوا العسكر فاجتمع العوارين من أهل زبيد ومن انضم إليهم من غيرها وتقدموا إلى الأمير شمس الدين ابن إياس وطالبوا بالنفقة عليهم كسائر العسكر فشتمهم الأمير شمس الدين وزجرهم بالكلام ووبخهم وأمر العسكر بلزمهم وكانوا نحواً من عشر رجال وهم أعيانهم ولم يعلم
стр. 450
أن على باب الدار منهم جمّاً غفيراً. فلما أمر بلزمهم بطش بهم العسكر فامتنعوا بسلاحهم وصفر الصافر وكان أمر الله قدراً مقدوراً فانقلبت المدينة بمن فيها من عوارين البلد وعوارين الشام وسائر العرب العرباء على العسكر فنبهوهم في ساعة واحدة. وكانت المدينة قد امتلأَت بالعربان والعسر من الشام وكان في ظن الأمير أن كافة العربان الواصلين من الشام يقولون بقوله ولم يعلم أن الجميع داعية فساد وطمع. فلما رأَى ما رأَى من السواد الأعظم قام هارباً وهرب سائر المقدمين المذكورين وافترق العسكر فدخل الأمير موضعاً من الدار فتبعه جماعة من العوارين فقتلوه وصت صلاة المغرب من ليلة الجمعة الخامس عشر من الشهر المذكور. فلما أصبح صبح يوم الجمعة حمل من موضعه ذلك وغسل وكفن ودفن في داخل المدينة قبالة باب الشبارق عند المسجد المعروف بمسجد السدرة.
ولما طلعت الشمس يوم الجمعة الخامس عشر من الشهر المذكور وصل الأشراف بأجمعهم إلى مدينة زبيد وحطوا في البستان الشرقي ودخل الشريف يحيى بن حمزة الهدوي في جماعة من أصحابه من السور برأْي بعض العوارين فوقفوا في المدينة ساعة يدورون على بيوت غلمان السلطان ويتأَملونها وأَمر صائحاً يصيح بذمة الله وذمة الإمام على كافة الناس ثم قال لمن معه من العوارين افتحوا الباب للعسكر يدخلوا المدينة له رجل من مشايخ العوارين يقال له ابن العدني المصلحة يا شريف أن ترجع إلى أصحابك وتمهلونا هذه الليلة حتى نجتمع بأكابر أَهل البلد. فقال له وهل في البلد من هو أكبر منكم قال نعم معنا فقهاء وتجار ورعية ومن لا نتعدى أمرهم فان رضوا بكم فتحنا لكم الباب ومرحباً بكم وإن لم يرضوا بكم فيا حجر يا حجر ويا سيف يا سيف ويعطى الله النصر من يشاءُ. فقال الشريف وما في الكلام إلا هذا قال له نعم. فرجع الشريف هو وأصحابه الذين معه وكانوا نحواً من سبعة أو ثمانية نفر فانزلوا من الدرب ورجعوا إلى أصحابهم واشتد القتال ساعة من نهار. وكان هذا قبل زوال الشمس من يوم الجمعة الخامس عشر من الشهر المذكور. فلما زالت الشمس وحضر وقت الصلاة لم يحضر الجامع من
стр. 451
الناس إلا وأقل من نصفهم بل من ثلثهم وتأَخر كثير من الناس ولم يحضر القاضي ولا الخطيب وغاب كثير من الأعيان فتأهب الناس لصلاة الظهر فقام الفقيه أبو بكر الوصابي المعروف بالمكي فصعد المنبر وخطب خطبة مختصرة ولم يذكر السلطان فيها فبكي كثير من الناس بكاءً شديداً حتى كانوا كأَن بين أيديهم ميتاً. ثم نزل وصلى بالناس فلما انقضت الصلاة خرج الناس بأجمعهم إلى موضع شرقيّ الجامع يقال له المبرك وأرسلوا للعوارين فوصل جماعة منهم فقال لهم الحاضرون يا مشايخ ما هذه الأفعال التي فعلتموها في البلاد قتلتم نائب السلطان ونهبتم غلمانه ونهبتم المدينة ما عرفنا ما مرادكم أن كان غرضكم أن تسلطنوا واحداً منكم فقولوا لنا وإن كان عزمكم على دخول الأشراف فانصحونا وان كانت البلاد بلاد السلطان عرفتم الناس بما أنتم فاعلوه فمن أحب الوقوف في البلاد وقف ومن أحب الخروج عنها خرج فعرفونا عزمكم الذي قد عزمتم عليه فقالوا والله يا فقهاء ما نحن إلا عبيد السلطان وغلمانه لو يقصنا بالمقص ما رضينا بأحد غيره فقال لهم الحاضرون إنا نخشى أن يأتي غيركم من أصحابكم ويقول غير هذا القول قالوا والله يا فقهاء ما أحد يقدر أن يقول غير هذا القول أبداً ولو كنا نريد الأشراف كنا قد فتحنا لهم الأبواب ولكن والله يا فقهاء ما نقدن إلا من قدمتم ولا نؤَخر إلا من أَخرتم وما أشرتم به علينا قبلناه. قالوا فتقدموا إلى عند الأمير سيف الدين الخراساني فانه عبد السلطان وأولى من حفظ بلاده ولا تتهمه في شيءٍ فتقدموا بأجمعهم إليه ودخلوا عليه وقالوا من حفظ بلاده ولا نتهمه في شيءٍ فتقدموا بأجمعهم إليه ودخلوا عليه وقالوا يا مولانا أنت عبد السلطان وغلامه وهذه بلاد السلطان فاحفظها ونحن نقاتل بين يديك ولا يتخلَّفُ أحد منا عن القتال. فقال الأمير سيف الدين وأنا انفق عليكم وعلى كافة الناس ذهباً وفضة. فصاح الصائح بالأمان وبذمة السلطان على كافة الناس فظهر حينئذ من العسكر أناس كانوا مختفين في المدينة نحواً من مائة وثلاثين فارساً من عسكر السلطان واجتمع من الرجْل شيء كثير.
ولما أصبح صبح يوم السبت السادس عشر من الشهر المذكور ولم يظهر من أهل المدينة على الأشراف علم ركب الأشراف بأجمعهم وداروا حول المدينة فوجدوا
стр. 452
الدرب من ناحية باب النخل متخلخلاً ففتحوا الحرب من هنالك فقاتلهم أهل المدينة قتالاً شديداً فقتل من أهل المدينة نحو من أربعة عشر إنساناً بالنشاب وقتل من الأشراف فارس واحد كان قد نزل عن فرسه وقاتل رجَّالاً حتى وصل إلى اسفل الدرب وأراد أن يطلع الدرب قهراً فواجهه رجل من العوارين يقال له دهيس فتطاعنا مليّاً فأصابت الشريف طعنة كان فيها اجله وقتل جماعة من رَجْلهم ورجعوا إلى محطتهم في البستان الشرقي ولم يكن بعد ذلك اليوم قتال ولم يزالوا في محطتهم والأبواب مغلقة إلى يوم الثاني والعشين من الشهر المذكور. ثم استمروا راجعين إلى الشام فكانت إقامتهم بالكدراءِ. ولما ارتفعت المحطة عن زبيد وصل الطواشي أمين الدين أهيف في عسكر جيد من الباب السلطاني فتخوف منه أعوارين وأغلقوا أبواب المدينة فوقف في البستان السلطاني خارج المدينة فاشتد خوف العوارين منه وتواترت الإمداد إلى الطواشي. فكان العوارين يحرسون الأبواب حراسة شديدة والطواشي يظهر لهم انه لا حاجة له في دخوله المدينة وإنما وقوفه لانتظار باقي العسكر. ثم يتقدم إلى الجهات الشامية في العساكر كلها ثم طلب مشايخ العوارين وحلفهم على حفظ المدينة وكساهم كسوة جيدة وأوجدهم انه متوجه إلى الشام وان السلطان لم يأْذن له في الدخول إلا عند رجوعه من الشام فآمنوا وما آمِنوا. ولم يزل الطواشي يرقب غفلات العوارين عن حراسة الباب حتى اطمأَنوا وملوا من طول الحراسة. فلما كان يوم الأربعاء الثالث من شهر رجب أشعر الطواشي على العسكر أن يكونوا على أُهبة. وجاءته عيونه فأخبروه أن الباب مفتوح وليس هنالك أحد من العوارين. فأَمر جماعة من الخيل فساقوا إلى الباب فملكوه فأمر الطواشي أن يسقط أحد المصرعين من الباب الأول وكذلك من الباب الثاني فاسقط وصرخ الصارخ في المدينة فما وصل أول العوارين إلا وقد دخل العسكر فركب الطواشي حينئذٍ واستنهض باقي العسكر من الخيل والرجل ووقف هو خارج المدينة وأمر العسكر بالدخول ولم يزل واقفاً موضعه حتى أتى بعدة رؤوس من القتلى. ثم دخل وأمر جماعة من العسكر يدورون حول المدينة يتلقون الهارب فكان يوماً عظيماً ونهبت
стр. 453
المدينة نهباً شديداً وقتل في ذلك اليوم نحو من أربعين رجلاً. ولما كان عند آذان العصر أمر صائحاً يصيح بأمان الناس وترك النهب ولا أمان على المفسدين. ولما كان يوم الخميس الرابع من الشهر المذكور جرد الجرائد إلى القرى في طلب المفسدين فكان يؤتى بهم ولا خطاب لهم إلا السيف.
وفي هذا التاريخ قيد الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملي في المهجم وصدروا به إلى صعدة في جماعة من الخيل والرجل ولما صاروا به في حد بلاد القائد ففكه القائد وأطلقه وطرد العسكر الذين كانوا معه مجردين إلى صعدة وقال له القائد توجه حيث شئت فطلع حصن المنابر ثم نزل منه إلى ملحان وكان هنالك يومئذٍ العفيف عبد الله بن الهليس. ثم خرج من ملحان إلى الصباحي ثم إلى قرن عامر.
وفي آخر شهر شعبان خرج الطواشي من زبيد يريد القرشيين وكانوا قد انتقلوا إلى العرمة فقصدهم إلى هنالك فقتل منهم محمداً البابلي فارساً شجاعاً مشهوراً وقتل معهُ جماعة من الرجل فأرسلوا للأشراف إلى الكدراء وللعوارين إلى الجبل فوصلوهم فاجتمع من الأشراف والعوارين والقرشيين جمع كثير فقصدوا زبيد. وكان الطواشي مقيماً في القوز وكان يأمر العسكر بالركوب والتيسر إلى الأماكن النازحة. فلما كان يوم الأحد السابع عشر من رمضان ركب من العسكر نحو من مائة فارس وساروا نحو وادي رمع فواجههم الجم الغفير من الأشراف والعوارين والقرشيين. فأرسل المقدم من يعلم الطواشي ويستنجده وواجههُ القوم فقاتلوا قتالاً شديداً وثبت كل حزب للآخر. فبينا هم كذلك إذ وصل العسكر وهم مشتغلون في القتال فانهزم الأشراف والعوارين والقرشيون ومن معهم هزيمة شديدة وقتل منهم يومئذٍ نحو من خمسين رجلاً فيهم عدة من مشاهير العوارين وباقيهم من الأشراف والقرشيين. ولما كان أواخر شهر شوال نزل الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي في عسكر جيد من الباب الشريف فارتفع بعض الأشراف من الكدراء إلى المهجم.
وفي شهر ذي القعدة نزل من بني حمزة جماعة فلما دخلوا المهجم أقاموا فيها أياماً قلائل وخرجوا منها عاصين يريدون بلادهم. فلما صاروا في أثناء الطريق
стр. 454
قصدوا ملحان يريدون العفيف عبد الله بن الهليس فأكرمهم وانصفهم وأرسلهم إلى الأمير فخر الدين زياد بن أحمد فوصلوه في آخر ذي القعدة وفي أول ذي الحجة ارتفع السيد إبراهيم وبقية العسكر من الكدراء إلى المهجم حين سمعوا بوصول عسكر السلطان والأمير فخر الدين أبي بكر بن بهادر السنبلي. فلما كان يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة ارتفعوا من المهجم إلى المحالب فأمسوا فيها ليلة واحدةً وأمسوا سائرين لا يلوى أحد على أحد.
ودخل الأمير فخر الدين المهجم يوم السبت الحادي عشر من ذي الحجة ودخل الأمير فخر الدين أبو بكر السنبلي يوم الأحد الثاني من ذي الحجة المذكور فأقاموا في المهجم أياماً وتقدموا إلى حرض فأقاموا فيها أياماً قلائل ورجع زياد إلى السلطان وأقام ابن السنبلي بها مقطعاً.
وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير شهاب الدين أحمد بن سمير وكانت وفاته في المصادرة ثاني يوم المحرم أول السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه شمس الدين علي بن محمد بن يوسف العلوي تحت المصادرة أيضاً مع القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وفي سنة اثنتين وسبعين نزل السلطان إلى محروسة زبيد وكان دخوله المدينة يوم الخامس من جمادى الأولى وكان الوالي في زبيد يومئذ الأمير فخر الدين أبو بكر بن المفضل الخرازي ففصله عن ولاية زبيد وولاه مدينة فشال فقال مشايخ القرشيين فاعمل الحيلة في وصولهم إليه فلم يصلوا فأمَّر السلطان الأمير فخر الدين أبا بكر بن السنبلي في جماعة من العسكر إلى القرشية ولقيهم بن الخرازي من فشال. فلما صاروا في القرشية طلبوا مشايخ القرشيين لسبب المباشرة في بلادهم فوصل معظم المشايخ وتأَخر آخرون فأمر ابن السنبلي بالقبض عليهم وكانوا ستة عشر رجلاً فقيدهم ووصل بهم يوم السبت السادس عشر من الشهر المذكور. وكان صاحب القحمة قد لزم الشيخ محمد ابن حجر وأربعة من قرابته وأرسل بهم إلى السلطان فأودعهم السجن. فلما لزم مشايخ القرشيين كما ذكرنا أمر السلطان بتلف الجميع
стр. 455
فوسط منهم خمسة نفر وسمر ثلاثة وشنق الباقون. وذلك في يوم الأحد السابع عشر من جمادى الأولى من السنة المذكورة. وكان فيهم من مشايخ القرشيين وأعيانهم الشيخ علي بن محمد بن عمر بن غراب وولده الذي يقال له الكندروس والشيخ عمر حوالي وولده حميضه والشيخ محمد بن عمر بن عروة والشيخ محمد بن علاء الدين وأباح السلطان قريتهم وأجلاهم عنها واسكنها قوماً آخرين وتشتت القرشيون في البلاد وصاروا من طوائف الفساد.
وأقام السلطان في زبيد جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجباً وشعبان ورمضان وشوالاً وذا القعدة وذا الحجة. وفي ذي الحجة استمرَّ الطواشي أمين الدين أَهيف. وكان استمراره يوم الحادي عشر من ذي الحجة المذكورة فاستمر في ولايته إلى أن هلك في تاريخه الآتي ذكرهُ أن شاء الله تعالى. وهي الولاية المشهورة. كان يحكم وهو في زبيد على من في عدن وفي تعز ومن في حرض. وكان يحكم على ما وراء البحر من أهل عوان وزيلع وغيرها من البلاد الشاسعة. ذلك أنهُ كان إذا اشتكى إليه إنسان بغريم له غائب عن البلاد وأعمالها وكان في أي بلد من بلاد السلطان كتب له محضراً وأرسل بهِ جماعة من الجند والأعوان فإما أرضى خصمه وإلا وصل وقام بحجته فان امتنع عن الوصول أَو التسليم الزم الطواشي أهله وأقاربه أو وكيله أو عبيده بتسليم ما توجه عليه وان لم يكن له عاقلة في البلاد الزم الواصلين من أهل بلده الذي هو فيها إذ وصلوا إلى زبيد بتسليم ما يتوجه عليه. وكان السلطان قد أطلق يده في البلاد فلا يعلوا أمره أمر.
وفي سنة ثلاث وسبعين تقدم الركاب العالي إلى محروسة تعز في شهر المحرم. وفي هذه السنة نزل الشريف نور الدين محمد بن إدريس بن تاج الدين الحمزي في طائفة من الأشراف أصحاب المشرق ووافقهم الأمير نور الدين محمد ابن ميكائيل وانضم إليهم الشريف جمال الدين محمد بن سليمان بن مدرك فقصدوا حرض وكان فيها يومئذ الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملي فعاثوا في البلاد. وطلع الأمير فخر الدين إلى باب السلطان مستمدّاً فكساه السلطان كسوةً فاخرة وانعم عليه وجرَّد
стр. 456
معه عسكراً من الباب وجماعة من بني حمزة وأمره أن يأخذ من الرتب ما شاءَ. فنزل في عسكر جرار وخزانة جيدة. وكان نزوله في أول شهر ربيع الآخر فتوجه نحو المهجم وقد استقرَّ فيها ابن ميكائيل وأصحابه المذكورون وابن همائيل ومن معهم. واشتد القتال بينهم ساعة من نهار ثم انهزم ابن ميكائيل وأصحابه الأشراف هزيمة شديدة وقتل الشريف محمد بن إدريس في نحو من مائة إنسان. وكانت الوقعة آخر النهار فلما حصلت الهزيمة في ذلك الوقت سترهم الليل فاتخذوا جملاً وحملت رؤوس المقاتيل إلى السلطان وهو في تعز. ثم نزل السلطان إلى تهامة في النصف من جمادى الأولى وسار الأمير فخر الدين إلى حرض ونواحيها فخالف عليه أهل جازان وانضم إليهم أصحاب المخلاف السليماني فقصدهم الأمير فخر الدين في عساكره إلى جازان وحط عليهم حتى أذعنوا إلى الصلح بعد أن قتل منهم جماعة في شوال.
وفي هذه السنة توفي الطواشي صارم أدين نجيب زمام الباب الشريف وكان سيد الزمامية في عصره حليماً كريماً خطاطاً كريم النفس حسن الأخلاق قل أن يكون مثله في أبناء جنسه وكان وفاته في مدينة الجوة وقبر هنالك رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي جمال الدين محمد بن حسان الوزير وكان رجل الزمان عاقلاً كاملاً لبيباً مهيباً صاحب البأْس الشديد والرأي السديد وكان سيد الوزراء في زمانه كامل الأوصاف حسن السيرة جيد التدبير نصوحاً لهُ عزم وحزم
قليل الكار لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أعيت البيض والرعف
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ... وتستعرف الألفاظ من لفظه حرف
رحمه الله تعالى وفيها توفي الفقيه الإمام البارع برهان الدين إبراهيم بن عيسى بن مطير الساكن في أبيات حسين من نواحي سردد وكان فقيهاً نبيهاً عالماً عاملاً صالحاً ورعاً زاهداً حسن المذاكرة مبارك التدريس محبوباً عند الخاص والعام توفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من ذي القعدة من السنة المذكورة. وكان ميلادهُ ليلة الاثنين لأربع
стр. 457
بقين من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث عشرة وسبعمائة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل المتقن المحقق جمال الدين أبو زيد محمد بن عبد الرحمن بن أبى السراج بن عثمان الأشعري السدوسي الحنفي. وكان فقيهاً عالماً عاملاً فطناً ذكيّاً ورعاً له فهمُ ثاقب ورأْيُ صائب تفقه بالفقيهين إبراهيم بن عمر العلوي وإبراهيم بن مهنا وأخذ علم الجبر والمقابلة عن الفقيه موسى بن علي النحلي المعروف بالجلاد. وله تعاليق حسنة واعتراضات جيدة واختصر شرح الخوارزمي. وكان مبارك التدريس حسن الإقراء مراعياً لطريقة مشايخه ﵀ عليهم وتفقه به عدة من أهل المذهب. وكان لا تزال وصيته تحت رأسه فلما أحس بالموت آثر كل من كان له عليه شيءُ قلَّ أو كثر. وكانت وفاته في السنة المذكورة وعمره يومئذ ثلاث وخمسون سنة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع وسبعين تقدم الركاب العالي من زبيد إلى تعز وكان تقدمه في أيام الخريف وكانت سنة كثيرة الأمطار فوقع على السلطان والعسكر في وادي المخيشيب مطر عظيم فامتلأَ الوادي ماءً وسال بطائفة من الناس فضلاً عن الجواب وغيرها.
وفي هذه السنة تولى الوزارة القاضي تقي الدين عمر بن أبى القاسم بن معيبد. وكان أحق من قيل له سيد الوزراء لما جمع الله فيه من الخصال الحميدة والأوصاف العديدة. وكان استمراره يوم الخميس الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة تقدم السفراء إلى الديار المصرية مرة أخرى صحبة القاضي جمال الدين محمد بن علي الفارقي والأمير ناصر الدين محمد بن علي الحلبي وكان تقدمهم في شهر رمضان من السنة المذكورة.
وفي شوال تقدم السلطان إلى زبيد فسكنها واستوطنها وعمل الخفية فيها.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح المشهور أبو بكر بن محمد بن يعقوب السودي بفتح السين المعروف بابن ابي حربة. وكان أحد علماء الحقيقة ومشايخ
стр. 458
الطريقة عالماً عاملاً له كرامات مشهورة وكان فصيحاً يطعم الطعام ويكفل عدة من الأرامل والأيتام. توفي في جمادى الأخرى من السنة المذكورة في قرية الواسط من قرى مور ودفن فيها. وكان يوم وفاته ودفنه يوماً مشهوراً رحمه الله تعالى.
وفي سنة خمس وسبعين وسبعمائة طلع السلطان من محروسة زبيد إلى مدينة تعز كعادته ونزل في شوال من السنة المذكورة فأقام فيها أياماً. ثم تقدم إلى النخل فتفرج فيه مدَّة. ثم سار إلى البحر من ساحل الأهواب فأقام هنالك إلى آخر السنة المذكورة.
وفي هذه السنة قتل الأمير الكبير سيد الأمراء فخر الدين زياد بن أحمد الكاملي غيلة وخديعة في حد القحرية وكان يومئذ مقطعاً في الجثة فتزوّج امرأَةً من العرب وكان يتكرر إليها ويبيت معها. فلما كثر تكرره إليها ومبيته عندها رصده بعض بني عمها فدخل عليه وهو نائم فقتله رحمة الله عليه. وكان سيد الأمراء في زمانه لا يقاس بغيره ولا يقارنهًُ أَحد. وكان سريع النهضة عند الحادثة شجاعاً رئيساً جواداً نفيساً كثير العدل والأنصاف متحبباً إلى الرعية محبوباً عند كافة الناس. وكان قتله في ليلة الخامس من رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي شهر ذي الحجة من السنة المذكورة قتل الشيخ أبو بكر بن معوضة السيري صاحب بعدان غيلة على فراشه واحترز رأْسه وحمل إلى حضرة السلطان وكان أحد رجال الدهر وأًفراد العصر عزماً وحزماً وهو الذي استولى على حصون بعدان ونزع يده عن الطاعة.
وفي سنة ست وسبعين طلع السلطان من تهامة في أول السنة المذكورة بعد قتل السيري. ولما قتل الشيخ أبو بكر السيري كما ذكرنا كتب ولدهُ محمد بن أبي بكر إلى الإمام صلاح بن علي يستنجده على بلاد السلطان فانجده بنفسه في ما شاء من خيل ورجل. وجمع السيري جموعه وسارا جميعاً يريدان تعز فوصلا مدينة الجند يوم السادس من شهر رمضان فأقاما هنالك ثلاثة أيام. واستخدم السلطان جمعاً كثيراً من الفارس والراجل وكتب إلى كافة القبائل تحظ الطرق التي يمرُّ فيها الإمام
стр. 459
واستوحش الإمام أمره. وكان يقدّم الحزم في أموره كلها فاستمر راجعاً في غير الطريق التي جاء فيها وجدّ في السير حتى خرج من حدود بلاد السلطان وتعلق ابن السيري ببلده وحصونه وكان مبارز الرفدي ممن نزل إلى الأمام وسار معه وكثر سواده. فلما ارتفع الأمام من الجند كما ذكرنا جرد السلطان جماعة من العسكر للرفدي فأخذوه وجاءُوا به إلى السلطان فأمر السلطان بقتله وقتل ولم ينزل السلطان تهامة في هذه السنة.
وفيها تقدم إلى عدن في شهر شوال فجعل طريقه على الحج وأقام في عدن أياماً فنشر شيئاً من العدل ما لا يعهد وكسى النواخذ وأَبطل كثيراً مما أحدثه العمال وصار التجار تذكره بالجميل ونائله الجزيل إلى كل ناحية في البر والبحر. ثم تقدم أَبين فأقام فيها أياماً قلائل واصطاد كثيراً من حمر الوحش ثم رجع إلى عدن ولم يقم فيها إلا يومين أو ثلاثة أيام ثم سار إلى محروسة تعز.
وفي سنة سبع وسبعين وصل السفراء من الديار المصرية صحبة القاضي جمال الدين محمد بن علي الفارقي ووصلوا من الهدايا والتحف بشيءٍ كثير وكان وصولهم في شهر المحرم من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة نزل الإمام صلاح بن علي إلى تهامة بجيوش عظيمة من الخيل والرجل فرأَى ولاة البلاد لا طاقة لهم به فانشمروا من البلاد إلى زبيد فاجتمعوا وسار الإمام في الجهات الشامية فنهبها عسكره وأخربوها وسار في عسكره وجموعه إلى مدينة زبيد فوصلها غرة شهر رجب من السنة المذكورة فأقام شرقي المدينة ثلاثة أيام وهو يدور كل يوم حول المدينة فلم يجد فيها طمعاً. ويقال انه طلع منارة جامع النويدرة فرأي في المدينة أمماً لا تحصى قد احتشدوا من كل ناحية فاجتمعوا فيها فراعه ما رأَى من كثرة الناس فيها. وكان الطواشي أَهيف في المدينة أميراً يومئذ قد طلب مشايخ القرى وأمرهم بجمع رجالهم وإن يكونوا على أهبة بينما يصلهم علمه وأن لا يتأخر منهم أحد فيعاقب اشد العقوبة. وكان قد عزم على أن يقصد المحطة في ليلة من الليالي بالعسكر الذي في زبيد وبكافة أهل القرى فوصله العلم من بعض أهل
стр. 460
القرى فانشمر راجعاً ولم يقف اكثر من ثلاثة أيام وسار في اليوم الرابع راجعاً.
قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بالحسنى كنت يومئذ في مدينة زبيد فأخبرني رجل من أهل سهام لا اتهمه فيما اخبرني به. كان الإمام صلاح حاطّاً على باب المدينة في الناحية الشرقية قبل أن دخل المدينة بليلة أو ليلتين. قال رأَيت الليلة كان حصل قتال بين عسكر الإمام وأهل المدينة فبينما الناس يقتلون إذ خرج رجل من زبيد عظيم الخلقة طويل القامة على فرس كأعظم ما يكون من الجمال لا من الخيل وعلى الفرس والفارس ثياب كلها خضر وحوله من الناس جمع كثيف. فلما خرج في جمعه ذلك ورآه عسكر الإمام انهزموا بين يديه فتبعهم في ذلك الجمع فتوجهوا نحو الشام ولم يلتفت منهم أحد فكان آخر العهد بهم. فلما سمعت هذه الرؤْيا منه مع ما أعلم من صدق حديثه في جميع الحالات وحسن سيرته أيقنت بهزيمة القوم. فأصبح الإمام وجيشه متوجهين نحو الجهات الشامية في صبح ليلة الرؤْيا أو صبح الليلة الثانية والله أعلم.
وفي هذه السنة استمر الأمير ركن الدين عبد الرحمن علي بن الهمام في حَرَض والأعمال الرحبانية مقطعاً بها.
وفي شهر رمضان من السنة المذكورة جرَّد الأمير صارم الدين داود بن موسى بن حباجر إلى ناحية ذمار في عسكر كثيف من الخيل والرَّجل فقبض عدة حصون هنالك وأجابته العرب رعباً ورهباً واخرب قرىً كثيرة. فوجه الإمام جيوشاً عظيمة لقتاله فلم تقم لهم قائمة ثم جمع الإمام جموعاً أُخر واستنجد بأهل صنعاء ونصب خيامه في الحقل مقابلاً لمحطة ابن حباجر وأرسل عيونه يحققون له أخبار العسكر يوماً فيوماً وساعة فساعة حتى وصل إليه بعض عيونه مع القضاءِ السابق يخبره بافتراق العسكر في ذلك اليوم انه ليس في المحطة إلا نحو من أربعين فارساً فانتهز الفرصة وصدم المحطة بنفسه ومن معه في حال افتراق العسكر وكان في المحطة من الزيدية أناس كثير قد استخدمهم الأمير. فلما اصطدم العسكر أحاطوا حول الإمام فأُسر الأمير وقتل ناس من العسكر وانتهبت المحطة وذلك في شهر صفر من سنة ثمان وسبعين.
следующие страницы →