Полный текст (588 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الدين في ذلك واستحضر ابن السناني وطلب السلطان قاضي الأقضية وهو القاضي عبد الأكبر وحضر أعيان الفقهاء ووجوه الدولة وادعى وجيه الدين على الغياث أنه قتل أخاه ظلماً وعدواناً فأنكر ابن السناني ذلك من دعواه فقال الحاكم للقاضي وجيه الدين أقم البينة وإلا استحلفه الأيمان الشرعية فالتفت وجيه الدين إلى السلطان وقال يا مولانا السلطان عندك شهادة أريد أداءها فقال السلطان ما عندي شهادة لك ولا له ولكنه كتب إليَّ كتاباً يخبرني فيه بقتل أخيك فقال يا مولانا السلطان أريد حضور الكتاب فأمر السلطان في مقامه ذلك من احضر الكتاب فلما قرئ الكتاب على الحاضرين اعترف ابن السناني أنه خطه وأنكر أن يكون باشر القتل. فقال له الحاكم قد توجه الحكم عليك لأنك اعترفت أن هذا الكتاب كتابك وقد أقررت في الكتاب انك قاتله فسأل القاضي وجيه الدين من السلطان أن يمكن من غريمه فأمر السلطان بتسليمه إليه فسلم إليه فقبضه ورسم عله من ساعته واخرج إلى الجهملية فقتل في السلف. وكان قتله بعد قتل الزعيم بمدة يسيرة.
وفي هذه السنة أمر السلطان بإنشاء المدرسة التي عمرها في ناحية الجيل من مدينة تعز وجعلها مدرسة وجامعاً وخانقة ورتب فيها إماماً وخطيباً ومؤَذناً وقيماً ومدرّساً يقرؤون الفقه ومحدّثاً وطلبة يقرؤون الحديث ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن وشيخاً ونقيباً وفقراء وطعاماً للواردين ووقف عليها وقفاً جيداً يقوم بكفاية الجميع منهم.
وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع أبو محمد الحسن بن أحمد بن سالم بن عمران المنبهي السهلي وكان مولده في شعبان سنة سبع وثمانين وستمائة وكان تفقه بالفقيه صالح بن عمر وارتحل إلى جباء فأخذ عن الفقيه جمال الدين عثمان الجبائي ونقل التنبيه غيبا وحصل المنهاج للنواوي نسخاً ونقلاً في أربعة اشهر وحفظ بعض المهذب لأبي إسحاق الشيرازي غيبا وكان أوحد زمانه علماً وعملاً وفضلاً وورعاً مشهوراً بالصلاح. ولما بلغ درجة في الوصف عالية تناقلها الناس عنه. وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 387
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين بن أبي السعود الهمداني الفراوي وكان فقيهاً جيداً فاضلاً زاهداً ورعاً. وكان وثمانين يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث مولده وستمائة. وكان تفقه بأخيه. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة جرد السلطان العساكر إلى المخلاف وفتح الحرب عليهم من كل ناحية فقبض حصن حبّ في ذي القعدة من السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه أبو الخطاب عمر بن عثمان بن محمد بن علي بن أحمد الحبائي الحميري وكان فقيهاً صالحاً ورعاً استظهر القرآن الكريم وقرأ التنبيه قراءة محققة على فقهاء جُبْلة وسمع بعض المسموعات على غيرهم وكان بارعاً توفي في ذي القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل الأديب أبو الخطاب عمر بن عيسى بن محمد ابن سليمان المنسكي ثم العامري وكان مسكنه الغُقْء بضم العين المهملة وسكون القاف وكان فقهياً متأدباً ويروى من الشعر شيئاً وله مشاركة جيدة في كثير من العلوم مقبول الكلمة في بلده. وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وثلاثين قبض السلطان سائر الحصون الحدقية وأذعنت القبائل طوعاً وكرهاً واتسقت المملكة ودخل المخالفون في الطاعة وأمر السلطان ﵀ بعمارة سور ثعبات ولم تكن مسورة قبل ذلك وجعل لها أبواباً ورتب على الأبواب حراساً وحفظةً واستقر الملك وهرب أصحاب الملك الظاهر منه لما ضاق بهم الأمر ولم يجدوا ملاذاً يلوذون به. فكتب الملك الظاهر إلى القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن والأمير شرف الدين بن حباجر بأن يسعى له في الصلح والصفح ويطلب له ذمة شاملة عليه وعلى من معه من أهله وغلمانه فأجاب مولانا السلطان إلى ذلك وأرسل القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن والأمير شرف الدين بن حباجر بالتقدم إليه ليصل في صحبتهما فتقدما إليه إلى السمدان بالذمة الشريفة فوصل صحبتهما.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو العتيق أبو بكر بن الفقيه يحيى بن أبي
стр. 388
الرجا. وكان فقيهاً فاضلاً مشهوراً ديّناً ورعاً معروفاً بجودة الفتوى في جبلة ونواحيها. ولد سنة سبع وستين وستمائة تفقه بأبيه وكان هو المشهور المشار إليه في وقته بجودة الفقه إلى أن توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة نزل الملك الظاهر من السمدان على الذمة الشاملة صحبة القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن والأمير شرف الدين فأمر السلطان بتطليعه الحصن وان يودع دار الإمارة على الإعزاز والإكرام موسى بن حباجر فأقام به إلى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة وتوفي رحمه الله تعالى. فلما بلغ علم موته إلى السلطان أمر على الحاكم بمدينة تعز يومئذ وسائر أعيان الفقهاء بها أن يشاهدوه وقت غسله ويتفقدوا أعضاءه فلم يجدوا فيه أثراً وإنما مات حتف أنفه فغسل وكفن وصلى عليه وقبر في تربة الملوك بعدينة وهي التربة التي هي ملاصقة لجامع عدينة من الناحية القبلية.
وفي هذه السنة كملت عمارة سور ثعبات وركبت أبوابها وصارت مدينة حصينة وعمر جامعها وأجري إليه الماء ورتب فيه إماماً ومؤَذناً وخطيباً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن الكريم ومحدثاً يقرأ حديث رسول الله ﷺ ووقف السلطان عليهم وقفاً جيداً يقوم بكفاية الجميع منهم.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو حفص عمر بن الفقيه أبي بكر بن أحمد بن الفقيه علي بن أبي بكر الساعي تفقه أولاً في بلدة المخادن ثم ارتحل إلى زبيد فتفقه بأحمد بن سليمان الحكمي وغيره ودرس في مدرسة ميكائيل التي أنشأَها في زبيد وكان فقيهاً فاضلاً ذا معرفة شافية في الأصول والفروع معروفاً بشرف النفس وعلو الهمة. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة خمس وثلاثين وسبعمائة أوقع السلطان بالقاضي جمال الدين محمد بن مؤمن.
قال علي بن الحسن الخزرجي واخبرني الفقيه إسماعيل بن علي بن تمامة وكان من نقلة الأخبار أن القاضي جمال الدين كانت قضيته في سنة سبع وثلاثين والله أعلم.
قالوا وكان ابن مؤمن رجلاً حسوداً لذوي الأقدار لا يزال يغرى السلطان
стр. 389
بذوي المكانة من علمائه حتى يهلكهم فتلف بسعايته كثير من الناس. وكان القاضي موفق الدين عبد الله بن علي بن محمد بن عمر اليحيوي المعروف والده بالصاحب أوحد زمانه فصاحة وصباحة ورياسة وسياسة قل أن يأْتي الزمان بمثله. وكان ابن مؤمن يحسده حسداً كثيراً لكماله وتأَهله للرياسة فكان يحط من قدره عند السلطان ويقع فيه ويغريه به مرة بعد أُخرى فصودر مراراً ثم صودر مرة على يد ابن مؤمن فرسم عليه ترسيماً عنيفاً وضيق عليه ضيقاً شديداً وقصد هلاكه. وكان لابن مؤمن نقيب على بابه يقال له سعيد. وكان بينه وبين القاضي موفق الدين أُنس شديد لم يعلم به ابن مؤمن فاطلعه النقيب على مراد ابن مؤَمن فيه فسأَل منه إحضار دواة وقرطاس سرّاً إلى المستحم فأَحضر له دواة في نصف جوزة وقلماً فكتب وهو في المستحم إلى السلطان كتاباً لطيفاً يقول فيه يا مولانا الغارة الغارة. أن تكن روح أقل العبيد فبيدك يا مولانا السلطان ولا بيد ابن مؤمن وبعدّتك وإن يكن الغرض المال فأدركوني فإني على آخر دقيقة من عمري مع ابن مؤمن ويضاف أقل العبيد إلى من شئتم. فلما وقف السلطان على كتابه أرسل جماعة من الجاندارية فهجموا بيت ابن مؤمن ونزعوه من يده وجاءَوا به إلى الباب الشريف فأضافه السلطان إلى أمين جاندار. فضمن عنه بعض أهله بعشرة آلاف دينار وأطلق من يومه ذلك. فكان القاضي موفق الدين من يومئذ يحرر على خط ابن مؤَمن. وكان بن مؤمن يخط خطاًّ حسناً فلم يزل يحرر على خطه حتى أتقنه حرفاً بحرف وحاكاه في هيئته كلها. فلما أتقنه كتب بخطه إلى كافة القبائل من أصحاب بعدان والشوافي وغيرهم وهو يقدح في السلطان وبسيرته ويطلب منهم أن يمكنوه من الحصون ويعدهم من نفسه بكل خير وبجميع ما يحبونه عاجلاً وآجلاً. وأسقطت الأوراق في الطرق فالتقطها الناس من السيارة وغيرهم ووقف عليها من وقف فحمل إلى السلطان شيء منها فلما وقف عليها ما شك أنها خطة فوقع في نفسه منه شيء عظيم. ثم أن القاضي جمال الدين لما أمكنته
стр. 390
الفرص انتهزها وواطأ جماعة من الحرفاء وخواص السلطان أن يكثروا ذكر ابن مؤمن وأفعاله القبيحة فما يذكرونه إلا بكل ذكر قبيح حتى اشمأَز منه السلطان واسودّ ما بينه وبينه وحقق القاضي موفق السلطان للسلطان خيانة ابن مؤمن من وجوه كثيرة. فلما عزم السلطان على الفتك به أقبل عليه إقبالاً كليّاً بخلاف العادة حتى لا يقطع أمراً إلا بإشارته ووعده بالوزارة شفاهاً. وكان قبل ذلك مستمرّاً في قضاء الأقضية وحمل له أربعة أحمال طلبخانة وأربعة أعلام. وكان قاضياً مقطعاً ويتحدث في أمر الوزارة. وكان الباب كله بيده.
فلما كان يوم الجمعة طُلب إلى ثعبات طلباً حثيثاً وكان يسكن المعزية مدينة تعز فطلع بعد صلاة الجمعة. فلما دخل ثعبات من باب تعز قبض هنالك ورسم عليه ترسيماً عنيفاً وحيز في باب تعز وأمر السلطان من ساعته على الطواشي صفي الدين جوهر الرضواني بأن يركب ويهجم بيت ابن مؤمن ويقبض جميع ما كان فيه. فركب وهجم البيت وقبض جمع الآنية وقبض دوابه وفرشه وجواريه. ثم أودع السجن بثعبات فأقام فيه إماماً. ثم أرسل السلطان به إلى المعسكر فقتل هنالك وقبر في البقيلين وقبره هنالك معروف مشهور.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام البارع أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن علي الأحمر الخزرجي الساعدي الأنصاري وكان فقيهاً بارعاً عالماً متفنناً محققاً مدققاً درس مدة في مدينة زبيد واخذ عنه بها جماعة من فقهائها وكان امثل من يشار إليه في العلم والتواضع والصبر على التدريس طلبه السلطان الملك المجاهد في تعز للتدريس في المدرسة التي أَنشأَها في مدينة تعز فكان أول مَنْ درس فيها ثم عزل عنها وعاد إلى زبيد ثم طلب إلى تعز أَيضاً للتدريس في المدرسة المجاهدية فأقام فيها مدرساً إلى أن توفي هنالك في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست وثلاثين قبض السلطان على جميع الحصون السُردُدِية. وفي هذه السنة المذكورة ظهر الدرهم الجديد الرياحيّ وبرز أمر السلطان أن لا يؤخذ من
стр. 391
الرعية والتجار في جميع أموال الخراج إلا هذا الدرهم الجديد فتضررت به الرعية. وكانت العادة في الدولة المؤَيدية والمظفرية والمنصورية أن يطلب من الرعية ما يتوجه عليهم من الخراج في الغلة على حكم السعر في ذي الحجة الماضي. وكان السعر في تلك السنة قد ارتفع في ذي الحجة ارتفاعاً عظيماً وانحط في أيام الصراب انحطاطاً كليّاً مع ظهور هذا الدرهم الجديد الرياحي فتضررت به الرعية ضرراً عظيماً وانكشفت أحوالهم وهرب طائفة منهم وفيهم من صبر. فلما انقضت السنة تركت الرعية في وادي زبيد الحرث وتفرقوا في أثناء البلاد ولم يعمر منهم إلا قليل عجزوا عن الحرث لقلتهم.
وفي سنة سبع وثلاثين وسبعمائة نزل السلطان من تعز إلى زبيد لما بلغه خراب الوادي وافتراق الرعية وكان ﵀ محبّاً للرعية ومشفقاً عليهم فلما استقر في محروسة وبيد صاحت الصوائح للرعية بالأمان وكشف المظالم التي يشكونها فوصلوا إلى الباب الشريف فبرز أمر السلطان بحضور جماعة من كبرائهم فحضر منهم أربعة نفر وحضرت الأمراء والوزراء والحجاب والكتاب وكان حضوراً عظيماً. فقال السلطان للوزير عرّف رعيتنا ما هو الذي يشكونه منا حتى نزيله عنهم. فقال الوزير للرعية يا هؤلاءِ الرعية ما هو الذي تشكونه من مولانا السلطان وما سبب هربكم وترككم عمارة بلادكم. فقالوا والله ما نشكو من مولانا السلطان شيئاً. وإنما نشكو من سعر ذي الحجة. فقال السلطان وما هو سعر ذي الحجة. فقالوا يا مولانا السلطان صرنا نطلب بما يتوجه علينا للديوان السعيد من كل مغل في وقت الصراب ووقت الطعام ورخصه ولكنهم يطلبون منا سعر السنة الماضية وقت ارتفاع الأسعار وعدم الطعام فلا يتعلق المد إلا بعدة إمداد كثيرة. والذي يتوجه علينا للديوان السعيد إنما هو طعام من عين ما ازدرعناه أو ثمنه في وقت الطلب فهذا السبب الذي اضربنا وهرّبنا.
فقال السلطان هذا والله ظلم بين ولا لوم عليكم إذا هربتم. ثم طبق الدواة وكان من عادته أنه إذا طبق الدواة في مجلس الحضور انفض المجلس. فلما طبق
стр. 392
الدواة كما ذكرنا خرج الحاضرون بأجمعهم ولم يبق إلا الوزير والحاجب فأمر السلطان على الوزير أن يأْمر كتاب الدرج بكتب منشور بإجراء النواصف لجميع الرعية بالتهائم. وذلك شيء لم يسبقه إليه أحد من الملوك وهو أن يأْخذ في كل نصف شهر أضبط سعر للديوان السعيد فيكون في كل شهر سعر أن سعر لمستهله وهو من أول يوم فيه إلى آخر الخامس عشر. وسعر لسلخه وهو من يوم السادس عشر إلى آخر الشهر. ولم يزالوا على ذلك إلى أن توفي قدس الله سره. فكانت هذه الفعلة من حسناته المشهورة.
قال علي بن الحسن الخرزجي. ولما توفي السلطان الملك المجاهد ﵀ سمعتُ الرعية تعدّد له حسنات كثيرة منها ثلاث حسنات لم يسبقه إليهن أحد إحداهن زيادة ميعاد في جميع الجهات في التهائم كلها على اختلاف قطائعها ولم يسبقه إلى هذه الزيادة أحد من الملوك. الثانية إجراء النواصف في جهات التهائم كلها ولم يسبقه إليه أحد. الثالثة إجراء مزال الربع في جميع الجهات وكانت هذه الثلاثة في آخر عمره. وقد قال ﷺ العمل بالخواتيم فرحم الله مثواه وبل بوابل الرحمة ثراه.
وفي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة طلع السلطان إلى ذي جبلة وأَقام في دار السلام ودرد العساكر إلى ذمار صحبة الأمير زين الدين قراجا في أربعمائة فارس وأَحد عشر أَلفاً من الرجل وأصحبهم منجنيقاً فحطوا على ذمار حتى أخذوها قهراً. ثم حطوا على حصن هرّان حتى أَخذوه قهراً. وكان ذلك في ذي الحجة من السنة المذكورة. واستمر الأمير زين الدين قراجا والياً بها.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل عمر بن أحمد بن سالم بن عمران المنبهي السهلي وكان ميلاده في مستهل رمضان من سنة ست وسبعين وستمائة. وتفقه بأهل الجبال ثم إلى تهامة وتفقه بها على فقهاء زبيد. وكان غالب أَخذه فيها عن الفقيه الإمام أبي عبيد الله محمد بن عبد الله الحضرمي. وكان المذكور فقيهاً فاضلاً عالماً عاملاً عارفاً متفنناً ولم يزل في زبيد حتى توفي بها في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 393
وفي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة انفصل الأمير زين الدين قراجا عن ولاية ذمار واستمر فيها ابن الحجازي فساءَت سيرته وخالف عليه الأكراد وحصروه في هرّان أَياماً ثم نزل إلى باب السلطان وقد فاتت البلاد فاغتاظ عليه السلطان وغضب غضباً عظيماً وصادره بمائة ألف دينار وقبض دوابه أربعين رأساً من جياد الخيل المشهورة وستين جملاً.
وفي هذه السنة أمر السلطان بتجديد سور زبيد وعمارة أبوابها وخنادقها وكان متولي العمارة يومئذ الأمير شجاع الدين عمر بن عثمان بن مختار. وكان هو يومئذ أميرها ومشدّها وناظرها فاستمرت العمارة بها إلى سنة أربعين وسبعمائة.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن سالم بن عمران بن عبد الله ابن جبران بضم الجيم وسكون الباء الموحدة المنبهي نسبة إلى منبه بن خولان وكان صاحب عبادة وفقه وأُنس للواصل إليه. وكان كثير العبادة والتلاوة والعزلة عن الناس. وكان إذا دخل شهر رمضان اعتزل عن الناس ولا يتكلم بشيء من أمور الدنيا ولا يكاد يوجد في عصره شبيه له وكان ميلاده في سنة خمس وخمسين وستمائة. وتوفي في سلخ ذي القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربعين وسبعمائة أمر السلطان بإنشاء المدرسة التي في مكة المشرفة المعروفة بالمجاهدية ووقف عليها وقفاً جيداً من أَملاكه المباركة يقوم بكفاية الجميع وجعل وقفها في ثلاثة مواضع من وادي زبيد موضع في أعلاه. وموضع في أسفله. وموضع في أَوسطه نظراً للمرتبين واحتياطاً لهم خوفاً أن يتغير موضع فيكون في غيره ما يستعينون به سنتهم إلى العام المقبل فرحمة الله عليه ما أَحسن نظره. وأطيب خبره ومخبره.
وفي سنة إحدى وأربعين وسبعمائة انقضت عمارة سور زبيد وجددت الأبواب الثمانية وزخرفت شراريعها حتى كانت كالنجم الزاهر.
وفي هذه السنة أفسد المعازبة بالتهائم فساداً شديداً فنزل السلطان من تعز كجاري عادته فلما صار في حيث أَغار إلى بلاد المعازبة ولم يدخل وحط بالعسكر في
стр. 394
بلادهم وأمر بقطع نخل المدبي فقطع من أُصوله. وقتل من المغاربة عدة مستكثرة وأَمسك آخرين فلعب الفيل ببعضهم وغرق الباقين في البحر ثم كان آخر أَمرهم أن شيخ عليهم امرأَة منهم يقال لها بنت العاطف وكساها فكانت تركب دابة من الحمر أو ناقة وتقود المعازبة بأَسرهم بعد الفساد الشديد والطغيان العظيم.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام الصالح أبو العتيق أبو بكر بن جبريل ابن أوسام العدلي بفتح العين والدال المهملتين. وكان فقيهاً صالحاً حرّاً أديباً تقياَ شريف النفس وأهله في بلاد السودان أهل دين وخير وكان تفقهه بجماعة منهم جمال الدين أحمد بن علي العامري شارح التنبيه وموفق الدين علي بن أحمد الصريدح. والإمام أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي صاحب المعين. ولما توفي الإمام أبو الحسن الأصبحي انتقل المذكور إلى تعز ودرس بالأتابكية ثم درس في الشمسية وكان مبارك التدريس وحصل عليه دين كثير فانتقل بسببهِ إلى زبيد. ودرس في المدرسة الصلاحية إلى أن توفي في شهر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة اثنتين وأربعين سافر السلطان إلى مكة المشرفة يريد حج بيت الله الحرام وسار في ركابه من الجيوش والعساكر ما يزيد على حد الوصف خيلاً ورجلاً فكان تقدمه من تعز المحروسة صبح يوم الخميس السادس من شوال من السنة المذكورة ودخل زبيد يوم الثلاثاء حادي عشر شوال المذكور
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما تبصرن بالآذان
يرمي بها البلد البعيد مظفر ... كل البعيد لهُ قريب داني
فحط في بستان الراحة المعروف بحائط لبيق. وكان تقدمه من زبيد يوم الجمعة الرابع عشر من شوال وصحبته الشريف الخطير الأمير عز الدين ابن رميثة بن أبي نمى صاحب مكة يسير صحبة ركابه. وكان دخوله المُهْجَم صبح يوم الجمعة الثامن والعشرين من الشهر المذكور. فأقام فيها إلى ثالث ذي القعدة ثم ارتحل منها في التاريخ المذكور فكان دخوله على بن يعقوب يوم الأحد الخامس عشر من ذي القعدة فأقام فيها إلى يوم الثامن عشر ثم ارتحل منها في التاريخ المذكور فكان وصوله
стр. 395
وادي يلملم يوم الاثنين سلخ ذي القعدة. فأَمر السلطان بنصب الأحواض فنصبت وملئت ماء وطرح فيها من السويق والسكر ما شاء الله تعالى وسبلها للناس فشرب منها الصغير والكبير وتصدق على الناس بصدقة عظيمة من الدراهم والثياب للإحرام. ووصل يومئذ الشريف رميثة بن أبي نمى وهو يومئذ صاحب مكة ووصل معه سائر الأشراف وأكابر أهل مكة وحضروا عند السلطان فتصدق على الجميع منهم على قدر مراتبهم. وأعطى الشريف رميثة أربعين ألف درهم من الجدد المجاهدية وأعطاه من الكسوة وأنواع الطيب من المسك والعنبر والعود شيئاً كثيراً وخلع عليه وعلى من معه من الأشراف وأعطاه عدة من الخيل والبغال كوامل العدد والآلات. ثم ارتحل السلطان فأَمسى على بئر علي ﵇ أول ليلة من ذي الحجة فاصبح يومه هنالك ثم سار فكان وصوله مكة ليلة الأربعاء الثاني من ذي الحجة فدخل مكة عشاءً وطاف طواف القدوم وسعى ودخل البيت المعظم بعد الطواف والسعي فلما خرج من البيت دخل مدرسته المجاهدية. ثم خرج إلى المخيم آخر ليلته فلما اصبح صلى صلاة الصبح ثم دخل مكة فأقام بها في مدرسته نهار الأربعاء الثاني من ذي الحجة المذكور وليلة الخميس ويوم الخميس وهو يشاهد الكعبة المشرفة ومن يطوف بها.
فلما كان يوم الجمعة وصل الركب المصري ومن معه من المغاربة والتكاررة ولما كان بعد صلاة الجمعة طلب أمير الركب المصري فكساه كسوة سنية. ووصل الركب الشامي يوم السبت الخامس من ذي الحجة صحيح أهل الشام من الصفديين والحلبيين وغيرهم وتصدق السلطان على أمير الركب الشامي بكسوة حسنة وذلك في يوم الاثنين السابع من الشهر المذكور وفي يوم الثلاثاء الثامن من الشهر المذكور ركب السلطان في عساكره المنصورة إلى منى وأمسى بها ليلة الأربعاء التاسع من ذي الحجة فلما أصبح سار إلى الموقف الشريف في عساكره
وجنده في تواضع وخشوع ... وتأَدب وخضوع
ونفس لا تميل إلى خسيس ... وعين لا تدار على نظير
стр. 396
وكانت الوقفة المباركة يوم الأربعاء فلما أذن المؤّذن الظهر يوم عرفة صلى بصلاة الإمام وركب نحو الصخرات يتوخى موقف رسول الله ﷺ فلم يزل واقفاً بين يدي الله في تقديس وتهليل وتسبيح وتبجيل إلى آخر النهار. وفي آخر النهار وصل أمير الركب المصري وأمير الركب الشامي وسأَلاه المثول بين يديه بتقبيل كفه الشريف فأذن لهما فوصلا وقبلا كفه الكريمة مراراً وأكثرا من الدعاء له. فلما غربت الشمس سأَلاه أن يأْذن لهما في المسير في خدمته فأَمرهما أن يسيرا في عساكرهما ومحاملهما فقبلا يده وانصرفا وتوقف هو ومن معه من عساكره وخواصه فلم يزل في بكاءٍ وخشوع ودعاءٍ وخضوع والحاضرون يبكون لبكائه ويؤَمنون على دعائه فلما غشيه الليل ستر في عساكره المنصورة إلى الموقف بمزدلفة. ولم يزل بها إلى أن صلى الصبح يوم النحر وأخذ حاجته من الحصى لرمي الجمار ثم سار إلى منى وقد حفت به العساكر وأَحاطت به الفرسان
همام إذا ما هم أمضى همومه ... بأرعن وطء الموت فيه ثقيل
وخيل براها الركض في كل بلدة ... إذا عَرَّست فيها فليس تقيل
ولم يزل سائراً إلى الجمرة الكبرى فرماها هنالك وسار إلى مخيمه وسارت عساكر الشام ومصر بين يديه إلى المخيم فأقام يومه ذلك وهو يوم الخميس العاشر من الشهر فلما كان يوم الجمعة سار إلى مكة المشرفة وطاف بها طواف الزيارة ثم رجع إلى منى فرمي الجمار الثلاث وبات ليلة السبت الثاني عشر في منى فلما أصبح يوم السبت الثاني عشر هرب أمير جاندار من الخدمة وكان قد تنسك وتاب إلى الله تعالى فأقر السلطان في وظيفته الأمير حسام الدين لاجين في التاريخ المذكور. وأقام السلطان في منى يوم الرابع عشر ثم تقدم إلى مكة المشرفة صبح يوم الاثنين وطاف بها طواف الوداع. فلما كان يوم السابع عشر برز السلطان إلى خارج باب النحر وأَشعر على كافة العسكر بالتأَهب وسافر آخر يوم الثامن عشر فاصبح على بئر آدم فأقام هنالك يوم السبت التاسع عشر ثم سار في عساكره قليلاً قليلا فكان دخوله حلى ابن يعقوب يوم الأحد الخامس من المحرم فأقام بها إلى يوم الخميس التاسع من الشهر. وفي إقامته بها أمر الأمير صارم الدين داود بن كشد غدي أستاذ دار الباب الشريف. ثم ارتحل
стр. 397
السلطان من حلى ابن يعقوب آخر يوم الخميس فكان وصوله إلى حَرَض ليلة الاثنين العشرين من الشهر المذكور. فلما أصبح في حرض يوم الاثنين تصدق بصدقة جليلة على سائر الناس. وأَقام فيها أياماً ثم ارتحل المَحَالِب يوم الجمعة الرابع والعشرين وقد عمل صاحب المحالي طلعات على باب الدار وأقام الفرحة بوصول السلطان فأقام السلطان فيها أياماً ثم ارتحل فدخل المهجم يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور. وقد عمل صاحب المهجم طلعات تمشى على العجلات بمن فيها من المغاني وأهل الطرب وفرش من الثياب الحرير عند قدوم السلطان شيئاً كثيراً. وكان خروج عسكر السلطان من المهجم آخر نهار الأربعاء التاسع والعشرين فصبح الكَدْرا يوم الخميس سلخ المحرم وكان خروجه من الكدرا آخر يوم الجمعة فصبح فشَال يوم السبت ثاني يوم في صفر وقد عمل صاحب فشال طلعات ومداريه ومغاني. وفي ذلك اليوم وصل السلطان الملك المؤَيد داود بن السلطان وصحبته الوزير القاضي جمال الدين محمد بن حسان في العساكر المنصورة من الخيل والرجل ما يضيق عنه الفضاء. ثم ارتحل السلطان عن فشال ليلة الأحد فصبح مدينة زبيد يوم الأحد الثالث من صفر في العساكر المنصورة. والجيوش المتكاثرة. وقد أَحدقت الفرسان من كل مكان
تحف أغرّ لا قود عليه ... ولا دية تساق ولا اعتذار
تُريق سيوفه مهج الأعادي ... فكل دم أَراقته جبار
فحط في بستان الراحة المسمى حائط لبيق. وقد عمل أمير زبيد ومشدها وناظرها ومشد الأملاك بها من الطلعات المزينة بالذهب والفضة والمدارية المزخرفة وفرشوا من الثياب شيئاً كثيراً. وفرش الملك المؤَيد بن مولانا السلطان وفرش الوزير القاضي جمال الدين محمد بن حسان. وكان أمير زبيد يومئذ الأمير نجم الدين محمد أحمد الخَرْتَبِرْتي ومشدها وناظرها القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن قبيب ومشد أملاكها الشهاب بن عبد الرحمن أخو الحكيم الزبيدي. وكان ذلك اليوم يوماً عظيماً مشهوداً وأقام في زبيد يوم الأحد ويوم الاثنين. وفي يوم الثلاثاء
стр. 398
الخامس من الشهر تقدم السلطان إلى نخل الأبيض وكان ذلك الوقت استواء النخل فأقام في النخل الثلاثاء والأربعاء في قصره المعروف بالفائق. وأمسى ليلة الخميس السابع من الشهر في قصره بزبيد فأقام فيه إلى يوم الأحد العاشر من الشهر. ثم ارتحل فاصبح يوم الأربعاء في حيس وكان فيها من الطرب والمغاني والطلعات ما يعجب ويطرب فأقام إلى يوم الخميس الرابع عشر من الشهر. ثم ارتحل منها فأمسى في الزراعي وصبح يوم الجمعة في الروض. فلما كان يوم السبت السادس عشر انعم على كافة العسكر بشيءٍ كثير من الذهب والفضة وأعطاهم من الكساوي والخلع على قدر مراتبهم وكان دخوله تعز يوم الأحد السابع عشر من الشهر في بزة حسنة وعسكر جرار من الملوك والوزراءِ والأشراف والأمراء.
من كل ابيض وضاح عمامته ... كأنما اشتملت نوراً على قبس
وخرج في لقائه الملوك والفقهاء واعيان البلد وخرج عامة الناس وخاصتهم فوقف لهم في الجُبيْل وقبلوا كفه الكريمة واكثروا من الدعاء له وهو يؤَمن على دعائهم ويقول كثر الله أمثالكم. فلما انقضى سلام الفقهاءِ وأَتباعهم سار في مواكبه وكتائبه ولم يزل سائراً إلى قصره وبستانه بالجهملية وقد عمل أهل تعز من الطلعات التي تمشى على العجل والمدارية شيئاً كثيراً فأقام في بستان الجهملية إلى صبح يوم الأربعاء العشرين من الشهر المذكور.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح جمال الدين محمد بن يوسف الصبري وكان قاضي مدينة تعز فتوفي بعرفة يوم عرفة من السنة المذكورة فحمل إلى الأبطح بمكة ودفن قريباً من تربة الفقيه على بن أبي بكر الزيلعي صاحب قربة السلامة. وكان فقيهاً مجوداً عارفاً محققاً اخذ الفقه عن جماعة من العلماء كالفقيه عمر الشعبي وابن العزاف وكان نحويّاً لغويّاً عارفاً بالقراءات السبع والفرائض والجبر والمقابلة درس في المدرسة المعروفة بالغزالية في مدينة تعز ثم انتقل إلى المظفرية. وامتحن بالقضاء في آخر عمره ثم سافر به السلطان إلى مكة المشرفة فتوفى يوم عرفة مبطوناً كما ذكرنا رحمه الله تعالى.
стр. 399
وفي سنة ثلاث وأربعين استقر السلطان في بلاده ولبست البيوت وعملت الفرحات سبعة أيام وأَنفق السلطان على العسكر المنصور نفقة أربعة اشهر. ووقع مطر عظيم عام في يوم التاسع عشر من الشهر المذكور فدفع الوادي زبيد في آخر ذلك اليوم دفعة عظيمة فوصل السيل قربة المُسَلِّب من وادي زبيد بعد صلاة المغرب فاحتمل معظم القرية. وسال في السيل من سكانها نحو من مائة وخمسين نفساً ما بين رجل وامرأَة وصغير وكبير وهلك من البقر والغنم والحمير شيءُ كثير ولم يبق من البيوت المسكونة إلا شيءُ يسير. وافتقر يومئذ كثير من أهلها. وانتقل أهل القرية من موضعهم إلى موضعهم اليوم وهو قبلي القرية القديمة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح إبراهيم بن مهنا بن محمد بن مهنا وكان فقيهاً ورعاً ناسكاً وكان مولده سنة تسع وثمانين وستمائة وهو أحد الفقهاء المدرسين على مذهب الإمام أبي حنيفة. واستمر مدرساً في المدرسة الدعاسية بزبيد. وكان ذا مروءَة وخلق حسن توفي في أثناء السنة المذكورة وقيل أن وفاته كانت في سنة سبع وأربعين والله اعلم رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله بن عبد الوهاب وكان فقيهاً فاضلاً تقه بذي السفال على الفقيه صالح بن عمرو على ابن أخيه محمد ابن عبد الرحمن. وولى قضاء صعدة مدة ثم عاد إلى تعز وجعل له رزقاً في جامع المهجم فأقام بها إلى أن توفي في سنة ثلاث وأربعين رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع وأربعين خالف الملك المؤَيد على أبيه في شهر رمضان وكان إقطاعه الجثة فاستولى على مدينة المهجم فجرد إليه السلطان العساكر صحبة القاضي موفق الدين ثم جرد الأمير سيف الدين طغي الخراساني في عشر آخر.
وفي هذه السنة حط السلطان في عساكره على جبل شورق وارتفع منه في النصف من المحرم.
وفيها ظهرت عجيبة من العجائب وذلك أن جارية يقال لها غناء من بيت الأمير بدر الدين محمد بن الفخر وضعت ولد أربعة اشهر وجهه وجه جدي وله
стр. 400
قرنان وأربع عيون عينان من قدام وعينان من خلف وآذانه في راس الكتفين في كل كتف أذان وأنفه أعوج وله سن وناب ولسان ابن آدم متلسن أعني مخرج وشعره بين الجنبين وله أربع أرجل في كل رجل أربع أصابع وكوع حمار وله عجز مشقوق وله من قدام فرج ذكر ومن خلفه فرج أُنثى فسبحان الخلاق العليم الفعال لما يريد. وكان ولادته يوم الأحد سلخ شهر رجب من السنة المذكورة والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العتيق أبو بكر بن أحمد بن عمران المنبهي السهلي وكان فقيهاً ورعاً صالحاً فاضلاً مولده ثامن ذي القعدة من سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وكان تفقه بالفقيه صالح بن عمر ثم ارتحل إلى جباء وتفقه بالفقيه عثمان وكان يحفظ كتاب التنبيه لأبي اسحق ومنهاج النواوي غيباً وكان له في الفرائض يد طولى. وكان له في الفقه معرفة تامة وصلاحه مشهور وكان سليم القلب عن الأحقاد الطارئة وتوفي في السنة المذكورة.
ويروى أنه لما توفي وقبر توفي بعده أحد أولاده فقبر إلى جنبه وقد افتتح قبره فالتمسوه في القبر فلم يجدوه فيه أعاد الله علينا من بركاته في الدنيا والآخرة.
وفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة أصلح الملك المؤَيد ورجع إلى طاعة أبيه وضمن له القاضي شمي الدين يوسف بن الصاحب والأمير سيف الدين طغى الخراساني الرضا من أبيه فوصل إلى آخر المحرم أول الشهر من السنة المذكورة. فلما وصل مدينة تعز ودخل على أبيه عاتبه على ما فعل وضربه وحبسه فمات بعد ذلك بأيام قلائل ﵀. وكان سبب خلافه استكثاراً من أبيه حين قدَّم عليه أخاه المظفر وكان المظفر الصغير والمؤَيد الكبير فانف من ذلك هذا سبب خلافه. وفي شهر رمضان من السنة المذكورة أخذ السلطان كيكة من جبل السورق.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو محمد القاسم بن عبد الرحمن المؤْمن بن عبد الله بن راشد وكان فقيهاً فاضلاً نحويّاً لغويّاً قرأَ النحو قراءة متقنة في صنعاء واقرأَه فيها مدة ثم ارتحل إلى تعز ودرس النحو في المدرسة المؤَيدية. وأَخذ المهذب قراءة عن
стр. 401
ابن جبريل. وكان أيضاً معيداً في المؤَيدية. ودرس في مدينة ذي هُزَيْم ثم عاد إلى صنعاء وأقام فيها مدة يسيرة ثم عاد إلى تعز فتوفي فيها في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست وأربعين تسلم السلطان جبل السورق جمعيه وذلك في الثاني والعشرين من ربيع الأول من السنة المذكورة.
وفي ذي القعدة منها تقدم السلطان إلى عدن فأقام فيها أياماً وتفرج موسمها.
وفيها توفي الأمير أسد الدين محمد بن الملك الواثق إبراهيم بن يوسف ابن عمر بن علي بن رسول وكان عاقلاً شهماً فارساً مقداماً سقط عليه الدار الذي سكنه في عدن رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن محمد بن أحمد بن سالم بن عمران ابن أحمد بن عبد الله بن جبران المنبهي السهلي وكان فقيهاً ذكيّاً عارفاً ولد سنة تسع وتسعين وستمائة. وتفقه بالفقيه صالح بن عمر البريهي. وكان أحد المعدودين المشار إليهم بجودة الفقه في ناحية السحول وكان حسن التدريس موفقاً في الفتوى وتوفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة سبع وأربعين رجع السلطان من عدن إلى زبيد وتفرج في زبيد على السبوت ونزل النخل فأقام فيه أياماً ثم سار إلى البحر كجاري عادته. فكانت قصة الملك الفائز قطب الدين أبي بكر بن حسن بن داود بن يوسف ابن عمر بن علي بن رسول. وذلك أن المماليك الغرباء لما تأَخرت نفقاتهم اجتمعوا واتفقوا على لزم السلطان في البحر لأنه هنالك فير غير حرز منيع وافق رأُيهم على سلطنة الملك الفائز أبي بكر بن حسن بن داود. فوصل إليه جماعة من أكابرهم ليلاً وعرفوه صورة الأمر فقال لا أوافقكم على شيء من هذا ولا أصحبكم في شيء منه قالوا فأنا نسعى في الأمر حتى نتمه فإذا تم الأمر فما حجتك. قال ما أظن هذا يتم وان تمَّ فلا إكراه فخرجوا من عنده واتفقوا على انهم يقصدون السلطان إلى البحر ويظهرون أنهم
стр. 402
مطالبون بالنفقة. وافترقوا على هذا الرأي فلما عزموا على الخروج تقدم واحد منهم. وأخبر السلطان بالأمر وقال هؤُلاءِ هم بعدي فركب السلطان للفور وسار يريد النخل في طريق غير الطريق المعروفة. وأرسل نفرين من الجماعة أن يسيروا في الطريق المعتادة لينظروا من في الطريق منهم فلما وصل قصره المشيد في السوجين واجهه النفران اللذان أرسلهما. فاستخبرهما عمن وجدا في الطريق. فاخبراه انهما لقيا الغرباءَ قاطبة على دوابهم. فأرسل السلطان حينئذ إلى الأمير سيف الدين الخراساني والطواشي نظام الدين حصين وقيل بارع في عبيد السلاح وغلمان البغلة وقال تقدموا إلى قطب الدين وجيئوا به طوعاً وكرهاً وانظروا هيئته فتقدموا بأجمعهم إليه. فلما وصلوا موضعه دخل عليه الطواشي والأمير وقد أحاط العسكر بالموضع فوجدوا دوابه كلها مشدودة فقالا بسم الله يا مولانا قم طلبك عمك إلى مقامه الشريف فلم يجد بدّاً من ذلك فقربا له بغلة فركبها وساروا بأجمعهم إلى السوجين. فلما وصلوا به اشرف عليه السلطان وعاتبه ووبخه وأمر بقيده والتقدم به إلى تعز فقيدوه للفور وخرجوا به في ليلتهم فلما وصلوا به إلى تعز لم تطل مدته بل توفي عن قريب. وكان قبضه ليلة الثلاثاء السابع عشر من ريع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي آخر الشهر طلع السلطان إلى تعز وأتلف جماعة من الغرباء قتلاً وشنقاً وتغريقاً.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحضرمي وكان أوحد أهل زمانه فقهاً ونسكاً وهو أكبر فقهاء زبيد في عصره لا يختلف في ذلك اثنان. وكان مولده في سنة ثلاث وستين وستمائة وكان تفقه بابيه ثم بعلي بن إبراهيم البجلي وبابن ثمامة. وبأحمد بن سليمان الحكمي ثم ارتحل إلى ناحية المهجم فأقام في بيت ابن أبي الخل وأخذ عن أحمد بن أبي الحسين وانتهت إليه رياسة الفتوى في زبيد ونواحيها وكانت وفاته ليلة الجمعة غرة شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ الصالح العارف بالله محمد بن عمر بن موسى النهاري
стр. 403
المشهور صاحب الكرامات المشهورة والمقامات المذكورة وكان أوحد أهل زمانه علماً وعملاً واجمع الناس على صلاحه وزهده وقلما وصله زائر إلا خاطبه باسمه واسم أبيه واسم بلاده وأين مسكنه منها.
ومن كلامه رحمه الله تعالى الدنيا مدينتي وجبل قاف حصني ومحضري من الفرش إلى العرش والدليل على ذلك أنى آتى الناس بأسمائهم وأسماء آبائهم وما احتووه في قلوبهم وأين مساكنهم ومن صحبني وصحبته أَمن من الفزع الأكبر وأنا فقير لا زرع ولا بقر الماء والمحراب والرزق على الوهاب. اللهم خلصنا من المدر وصفنا من الكدر وأنت عنا راض غير غضبان يا ملك يا ديان. اللهم هذه الأيادي واصلة متصلة بحبلك المتين الذي لا ينقطع. وحصنك المنيع الذي لا ينظلع. واجعل هذه الصحبة والاخوة في مقعد صدق عند مليك مقتدر. اللهم من كادنا فكده ومن تعدى علينا فأهلكه واحمنا بحمايتك لا حامي ولا ضائر لنا سواك بذرنا حبيبات وعليك النبات بيت بيت. وكان يقول وحق الحق ومن له الحق ومن سمى نفسه الحق صاحب الحوض وعدني بحوض أشرب منه وأَسقي من أحب ونحن بين الروضة والمنبر وكان وفاته يوم الخميس سابع المحرم أول شهور السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة خالف أهل الشوافي وكان أول خلافهم في شهر صفر من السنة المذكورة فجمع السلطان عساكره من كل ناحية ومكان وسار إليهم بنفسه في جنود لا قبل لهم بها
ووجه البحر يعرف من بعيد ... إذا يسجو فكيف إذا يموج
وكان خروجه إليهم في آخر شهر ضفر من السنة المذكورة واستولى على الجبل وأهله يوم السادس من شهر ربيع الأول. ولما ظفر بهم قتل منهم طائفة بالسيف وغرق طائفة في البحر وكحل طائفة أخرى وأذلهم ذلاًّ شديداً ونزل السلطان إلى زبيد فأقام فيها أياماً وصام شهر رمضان في المدينة وعيّد عيد الفطر بها. ثم توجه إلى عدن في شوال أو في ذي القعدة من السنة المذكورة.
стр. 404
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن ابن عمر بن أبي بكر بن إسماعيل الريهي وكان فقيهاً مجتهداً عالماً ورعاً نقالاً للفقه إليه انتهت رياسة الفتوى والفقه في الجند ونواحيها تفقه بعمه صالح بن عمر واخذ وسيط الغزالي عن الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي واخذ عنه المعين ودرس بالمدرسة التي أنشأها خادم الدار النجمي سنة ثمان وعشرين وستمائة. وولي التدريس في المدرسة المؤَيدية ثم عاد إلى بلده واختصر شرح صحيح مسلم. وله فتاوى جمعها بعض أصحابه وكان مشاركاً في كثير من فنون العلم وكانت وفاته في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة رجع السلطان من عدن إلى زبيد فأقام فيها أياماً وتفرج في النخل كجاري عادته ثم سار إلى البحر فأقام هنالك أياماً ثم طلع تعز.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل جمال الدين محمد بن منبر الزيلعي وكان أحد فقهاء المحدثين بزبيد وكان فصيحاً صبيحاً له خط حسن مشهور توفي يوم السادس عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الأمير الكبير شهاب الدين أحمد بن علي بن إسماعيل الحلبي النقاش وكان ذا همة عالية ورتبة سامية وكان وجيهاً عند السلطان وأَقطعه إقطاعاً حسناً يقوم بكلفته في السنة كلها وكان ناسكاً له عبادة ونقشف توفي ليلة الاثنين السادس من ذي القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى وقيل كانت وفاته في سنة خمسين وسبعمائة.
وفي سنة خمسين وسبعمائة قتل الشيخ عكم بن وهبان صاحب أبيات حسين وكان قد كثر منه الفساد والخروج عن الطاعة وفعل أفعالاً قبيحة في تجار بيت حسين وغيرهم. وكان يقتل وينهب في البلاد وهو مقيم في القرية فتغافل عنه السلطان مدة لا يذكره ولا يذكر عنده فلما كانت هذه السنة المذكورة نزل القاضي صفي الدين أحمد بن محمد بن عمار لجباية أموال الجهات الشامية. فلما وصل المهجم وقد أَوصاه السلطان في حديثه تزوج امرأَة من بنات عمه وأحسن إليهم إحساناً كثيراً وأنسوا به
стр. 405
وأقام في المهجم أياماً ثم سار إلى بيت حسين فأقام فيها أياماً فسألوه أن يستذم له من السلطان فقال لا تفعلوا فإن السلطان قد نسيه فلا تذكروه به. قالوا فإنه يجب أن يدخل إليك قال إذا قد عزمنا على السفر إلى المهجم وأما الساعة فلا فاظهر لهم أنه لا يريد دخوله إليه. فلما عزم على الرجوع قال لا يأتيني إلا ساعة الركوب وكان عزمه بعد صلاة المغرب فرتب جماعة من الغز عنده فلما استأذنوا له أذن فدخل فأخذوا سلاحه فلما تجرد عن سلاحه وقعوا به فقتلوه. وقتلوا معه رجلاً آخر من بني عمه. واحتزوا رؤوسهما. وركب وركب العسكر معه وخرجوا بالرأسين معهم. وسار إلى المهجم. وكان قتله ليلة الأحد الثالث عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه الفاضل شهاب الدين أحمد بن مليح النحوي وكان فقيهاً ظريفاً نحوياً لغوياً وكان نادرة الزمان لطافة وظرافة لين الجانب دمث الأخلاق حسن المعاشرة وامتحن في آخر عمره بالعمى وكان وفاته في النصف الأخير من ذي القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وخمسين عزم السلطان على الحج فتجهز وتوجه إلى مكة المشرفة وكان تقدمة من تعز يوم الرابع والعشرين من شوال وترك الأمير شمس الدين بن القاهري والياً في الحصن والطواشي أمير الدين أهيف معه في الحصن مقدماً وشداده. وترك القاضي موفق الدين عبد الله ابن على اليحيوي شداده في تعز. وكان يومئذ وزيراً وقاضي قضاة وترك القاضي جمال الدين بارع في حصن أرباب في عسكر جيد من الخيل والرجل وأعطاه مالاً على حفظ تلك الناحية الشرقية وجعل في حصن تعز من أولاده المظفر والصالح. ومن الأولاد الصغار يومئذ الظافر والأفضل والناصر والمنصور والمسعود. وتقدم بالعادل معه إلى مكة المشرفة مع جدته جهة صلاح. فلما تقدم قاصداً ما ذكرنا تقدم القاضي موفق الدين إلى جبلة يوم الأحد الثاني من ذي الحجة لأمر أوجب ذلك فأقام فيها.
ولما دخل السلطان مكة المشرفة دخل معه الشريف بقية بن رميثة وكان أخوه عجلان قد طرده عن مكة فلاذ بالسلطان وسافر معه فلما صار في مكة نقل إلى
стр. 406
الشريف عجلان أن السلطان يريد يولي أخاه البلاد ويترك معه عسكراً من اليمن وأنه يريد يلزمك ويسير بك صحبته إلى اليمن فوقع الكلام في قلبه. فدخل على أمير ركب مصر وقال أن صاحب اليمن يريد أن يقف في مكة بقد تقدمكم وينزع كسوة البيت ويسكوه بكسوة قد جاء بها معه من اليمن. ويريد أن يولي في مكة والياً من جهته ويترك معه عسكراً ويغير أوضاعكم ولا يترك لكم في مكة أمراً ومن المصلحة أن لا تفوت. وإن لم تفعلوا تقدمت معكم وتركت مكة وبرئت من العهدة. فوقع هذا الكلام في قلوبهم. فاتفق رأُيهم على الإقدام عليه. فلما كان يوم الثاني عشر ركبوا بأجمعهم وانتهبوا المحطة على حين غفلة وأحاطوا بمخيم السلطان وهو في جماعة قليلة فرأَى السلطان أنه أن قاتل قتل هو ومن معه لقلتهم وكثرة العدو فبرز إليهم وسأًلهم أن لا يعترضوا أحداً من الناس ففعلوا وساروا بين يديه إلى محطتهم مرجلين وهو على بغلة على ما يجب من التبجيل والتعظيم وضربوا له خاماً خاصّاً فأنزلوه وسأَلوه أن يصطحب من غلمانه من شاء فاختار الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملي وتوجه معهم إلى الديار المصرية.
وسارت الأدر الكرام جهة صَلاح إلى مكة وسار معها الطواشي صفي الدين جوهر الرضواني وسائر غلمان السلطان فلما دخلوا مكة أقاموا فيها واسترجعوا شيئاً كثيراً من الخيل والبغال والحمير والجمال والآلات ثم ساروا متوجهين إلى اليمن فيمن معهم من المقدمين كالقاضي جمال الدين محمد بن حسان والقاضي فتح الدين عمر بن الخطباء والقاضي صفي الدين أحمد بن عمار وسائر المعسكر.
وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع أبو الحسن علي بن نوح الأبوي بضم الهمزة وفتح الباء وكسر الواو نسبى إلى أبي بن كعب الأنصاري الصحابي. وكان فقيهاً فاضلاً بارعاً حنفي المذهب نقالاً للحديث حافظاً لمعانيه. وكان ينقل الهداية عن ظهر الغيب واصل بلاده بلاد السودان مما وراء البحر. وكان أول وقوفه في قرية السلامة عند الفقيه أبي بكر الزيلعي المذكور أولاً ثم دخل زبيد فاستمر مدرساً في المنصورية الحنفية في زبيد. فأَخذ عليه جمع كثير وكان مشهوراً بالفقه والصلاح وكان وفاته في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 407
وفي سنة اثنتين وخمسين وصل الحاج عمر بن زريزر ثاني يوم من المحرم. وكان ابن زريزر هذا رجلاً من أهل قرية التُّربة بوادي زبيد. وكان يحج كل سنة ولا يتقدمه أحد في الرجوع إلى اليمن بعد انقضاء الحج البتة البتة فيصل بأخبار الموسم وخبر من حج في تلك السنة من الملوك والأمراء وغيرهم ووصل في صحبته في هذه السنة بأوراق من مكة فضربت الطبلخانة ثلاثة أيام. ثم شاع الخبر بما تضمنته الأوراق. وفي ذلك اليوم وصل القاضي موفق الدين من جبلة إلى تعز ولما اتصل العلم بالطواشي جمال الدين بارع وعلم بنزول الوزير من جبلة نزل من أرباب ووقع في نفسه أن السلطان لا يرجع اليمن أبداً وأنه ربما اتفق الأمر على قيام واحد من أولاد السلطان فيكون هو صاحب الباب. فلما صار في الجند هو وكافة العسكر الذي معه كتب إليه الطواشي أمين الدين أهيف كتاباً يقول فيه عرفني ما سبب نزولك من عهدتك وما مرادك بهذا العسكر الذي جمعته من كل مكان فلم يجد عذراً يقيمه. فكتب جواباً يقول فيه ما وصلت إلا بأمر الوزير كتب لي أن أصل بعسكر الجبل جميعه فوصلت بهم فان تأْمرني بالوصول وصلت. وإن تأْمرني بالرجوع رجعت. ولم يكن الوزير كتب إليه في شيء من هذا فلما وقف الطواشي أهيف على كتابه طلب القاضي موفق الدين إلى الحصن فطلع وطلع القاضي عفيف الدين عبد الأكبر والفقيه تقي الدين عمر بن عبيد علي فقبض الطواشي أهيف على الوزير ورسم عليه وحبسه عنده في الحصن. ثم قبض الأمير شمس الدين يوسف بن القاهري أمير الحصن وكاتبه ونقيبه. وكان ذلك يوم السبت الحادي والعشرين من اشهر المذكور. فلما علم الطواشي بارع يقبض الوزير وأمير الحصن سرى ليلاً من الجند فأصبح في المدرسة المجاهدية في تعز متحيراً فأَمر الطواشي أهيف من لزمه من المدرسة المجاهدية فلزم واطلع حصن تعز يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من الشهر. ثم قابل بينه وبين الوزير فقال الوزير للطواشي بارع أن كنت كتبت إليك كما تقول فأوقفني على كتابي إليك فقال الطواشي وأين أجد كتابك الساعة وقد اخذ جميع ما كان معي فأمر بهما فقيدا وباتا في الحصن وأمر في ليلته تلك الأمير شمس الدين يوسف بن
стр. 408
القاهري وبالنقيب والكاتب فاصبحوا مطروحين في الجند يوم الخامس والعشرين من الشهر.
ولما كانت ليلة السبت الثامن والعشرين أمر الطواشي أهيف بشنق الوزير والطواشي بارع فلما أصبح أمر بهما فقبرا في المقبرة بتعز. وفي يوم الأربعاء الثاني من شهر صفر أمر الطواشي أمين الدين أهيف على الشيخ رضي الدين أبي بكر بن حسن بن الفضل أن يكون نائب القاضي فتح الدين في الوزارة وفي يوم الثالث من صفر أمر القاضي عفيف الدين عبد الأكبر في قضاء الأقضية. ولما خرج عسكر السلطان من مكة كما ذكرنا وتوجهوا نحو اليمن ساروا على هيئتهم. فلما وصلوا حرض وكان فيها الأمير نور الدين بن ميكائيل فأمرت موالينا الآدر الكرام جهة صلاح على القاضي جمال الدين محمد بن حسان أن يقف فيها لما يعلمون من سكينته وحسن تدبيره. ثم سارت في بقية العسكر حتى دخلت في مدينة زبيد. فأقامت فيها أياماً ثم سارت إلى تعز فيمن معها من العسكر فوصلتها ليلة الأربعاء السادس عشر من شهر صفر. فوقفت في المحلية وبرز أمرهم العالي بأَن يضرب الطبلخانة نوبة جليل ولم تك تضرب قبل ذلك ووصل معهم القاضي فتح الدين والقاضي صفي الدين أحمد بن محمد بن عمار والطواشي نظام الدين خضير. وكتبت إلى الطواشي أهيف أن يرسل إليها بالملك المظفر والملك الصالح ليسلما إليها فنزلوا وسلموا إليها ووقفوا عندها في المحلية. فلما صاروا عندها طلعت الحصن وطلبت الطواشي أهيف فاستخلفته وتوثقت منه وأمرته أن يطلب الأولاد من المحلية فطلبهم فطلعوا يوم الخميس السابع عشر من صفر.
وفي يوم الرابع والعشرين من الشهر المذكور وصل رجل يسمى الجمري بأوراق من السلطان كتبها له من المدينة فضربت الطبلخانة لأجل ذلك.
وفي يوم السادس عشر من شهر ربيع الأول وصل الفضل بن الحرازي براس ابن قمار صاحب بعدان إلى مدينة تعز فكسى كسوة وأعطى مالا يستغني به. وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور وصل القاضي جمال الدين محمد بن علي
стр. 409
الفارقي بابتداءات من السلطان كتبت له من مصر وضربت الطبلخانة لأجل ذلك ثلاثة أيام. وفي يوم السادس عشر من شهر ربيع الآخر وصل الحاج مفتاحِ الشداد بابتداءات من السلطان فضربت الطبلخانة لأجل ذلك سبعة أيام وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر وصل العلم أن السلطان خرج من مصر متوجهاً إلى اليمن فلما سار أياماً أمر صاحب مصر برجوعه إلى مصر.
وفي هذه السنة حصل في اليمن موت عظيم فتوفي في يوم الخميس غرة جمادى الأولى سبعون إنساناً في مدينة تعز. وفي غرة جمادى الآخرة وصل الشريف سليمان بن الهادي صاحب صعدة فأقام في تعز أياماً ومرض فتوفي في يوم الخميس الخامس والعشرين من رجب. وفي آخر شهر رمضان قبض الأشعوب حصن سامع وقتلوا من الرتبة خمسة عشر رجلاً. وخالف أهل بعدان وكان أول خلافهم من أبٍّ. وفي يوم الخامس من شوال نهب الأشعوب جباء. وفي يوم السابع من شوال قتل عباس بن جسمر قتله بنو عمه. وفي عشر من الشهر المذكور خرج العسكر المنصور لقتال الأشعوب وفيهم القاضي صفي الدين أحمد بن محمد بن عمار وأحد بني زياد والأمير الحسام ابن عبد الغني فأخذوهم قهراً بالسيف ورجعوا إلى تعز ظافرين. وكان رجوعهم يوم السابع والعشرين من الشهر المذكور.
وفي التاريخ المذكور وصل رجل يقال له العشيري وشيخ يقال له الجمري بأوراق من الطواشي صفي الدين جوهر الرضواني من مكة وأخبروا بوصول السلطان وأنه قد صار في أثناء الطريق فضربت الطبلخانة سبعة أيام وعملت فرحة عظيمة وبرز أمر موالينا الآدر الكرام جهة صلاح بتجهيز العساكر للقاءِ السلطان. فلما كان يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي القعدة وصل من السلطان بابتداءات شريفةٍ من سواكن فضربوا لأجله الطبلخانة ثلاثة أيام. وبرز العسكر للقاءِ السلطان يوم الرابع عشر من ذي القعدة وتقدمت الطبلخانة صحبة العسكر بأعلام جدد وخلعات جدد وبزة حسنة وآلة كاملة قد هيئت لوصوله. وتقدم الأمير بهاء الدين السنبلي إلى المخلاف آخر ذلك اليوم. ولما دخل العسكر زبيد أقاموا فيها
стр. 410
يومين أو ثلاثة ثم توجهوا نحو الجهات الشامية.
وكان خروج السلطان من البحر إلى ساحل الحادث يوم الاثنين السادس من ذي الحجة فسار إلى المهجم وعيَّد فيها عيد الأضحى من السنة المذكورة. وفي ليلة الجمعة السادس عشر من ذي الحجة وصل رسول من مولانا السلطان إلى موالينا جهة صلاح فنزلت من حصن تعز يوم الثامن عشر إلى المحلة وتقدمت حينئذٍ ليلة التاسع عشر من الشهر المذكور. ونزل صحبتهم بقية العسكر وأولاد الملوك. فكان دخولهم زبيد يوم الحادي والعشرين من الشهر المذكور. وتقدم السلطان من المهجم الزبيد في عساكره المنصورة
حتى إذا عقدت فيها القباب له ... أهلَّ لله باديه وحاضره
وجددت فرحاً لا الغم يطرده ... ولا الصبابة في قلب تجاورهُ
وكان دخوله بستان الراحة من زبيد يوم الأربعاء الثامن والعشرين من ذي الحجة. وقد عملت الفرحات والطلعات وزينت المدينة وفرح الناس بوصوله فرحاً عظيماً فأقام في محروسة زبيد أياماً.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام الحافظ أبو اسحق إبراهيم بن عمر ابن علي بن محمد العلوي. وكان فقيهاً نبيهاً حنفي المذهب عارفاً محققاً واليهِ انتهت الرياسة في علم الحديث باليمن. وكان أخذه عن كبار العلماءِ كابي العباس بن أحمج بن أبي الخير الشماخي وإبراهيم بن محمد الطبري والحجار وغيرهم. وعنهُ أخذ فقهاء العصر واليهِ كانت الرحلة من الآفاق وحضر مجلسه جلة العلماء وكان جامعاً بين فضيلتي العلم والعمل. وكان متواضعاً سهل الأخلاق كثير البشاشة مسموع القول له قبول عظيم عند الخاص والعام درَّس في مدرسة أم السلطان بزبيد وهي المعروفة بالصلاحية. وكان ميلاده سنة ثلاث وتسعين وستمائة وتوفي وقت صلاة العشاءِ من ليلة السبت العشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه الصالح المشهور أبو بكر بن أحمد دعسين القرشي وكان فقيهاً بارعاً متفنناً زاهداً ورعاً باذلاً نفسه لطلبة العلم تفقه به كثير من الناس من أهل الجبال
стр. 411
والتهائم. وكان مشهوراً بالعلم والصلاح والتواضع يسعى من موضع إلى موضع في ثوب واحد إذا لم يجد لحافاً ولم يشتغل بكسب شيءٍ من الدنيا. وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الصبري. وكان فقيهاً بارعاً ذكيّاً تفقه بالفقيه عمر بن سعيد التعزي وبالفقيه عمر بن أبي بكر العرَّاف. وكان عمره عشرين سنة حفظ القرآن العزيز ونقل التنبيه والمنهاج غيباً وأخذ من النحو واللغة ما أعجز أمثاله ودرَّس في المدرسة السابقة بالحميرا. وكان ميلاده في التاسع عشر من صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وخمسين أقطع السلطان ولده المظفرِ فشال وأقطع الصالح الكدراء وأمرهما بالتقدُّم إلى إقطاعهما فتقدما. ولذلك في أول شهر المحرم. ثم تقدم السلطان من زبيد إلى تعز فكان دخوله يوم العاشر من المحرم. فلما استقر في بلاده شفعت إليه والدته جهة صلاح في إطلاق المسجونين من الملوك فأطلقهم جميعاً وكانوا ثلاثة نفر. شمس الدين محمد بن الملك المنصور أيوب بن يوسف بن عمر وزين الإسلام أحمد بن محمد الناصر ابن الملك الأشرف عمر بن يوسف بن عمر. والثالث المفضل شمس الدين يوسف بن حسن بن داود بن يوسف بن عمر. وأطلق أيضاً معهم الشيخ عمر بن حسين الزميلي. وكان مسجوناً أيضاً ثم أمرهم بسكنى قرية السَّلامة فسكنوها إلى أن توفوا إلى رحمة الله تعالى. وأقام السلطان في تعز إلى شهر جمادى الأولى. ثم نزل فأقام فيها بقية جمادى الأولى وشيئاً من جمادى الآخرة. ثم تقدَّم إلى تعز وتقدَّم معه والداه الصالح والمظفر. فلما استقر في تعز جهز عسكراً لأهل بعدان. فكان القاضي صفي الدين أحمد ابن محمد بن عمار في محطة ومعه قطعة من العسكر. وكان القاضي فتح الدين في محطة ومعهُ قطعة من العسكر. وكان الطواشي أمين الدين أهيف في قطعة من العسكر من محطة ثالثة وشرعوا في بيعة في الجبل فلم يتفق لهم ذلك فأقاموا إلى شهر شعبان ونزلوا. وفي شهر شعبان الكريم أرسل السلطان بهدية جليلة وسار فيها ولده الناصر أحمد وسار
стр. 412
معه القاضي فتح الدين عمر بن محمد بن الخطباء. والأمير شمس الدين علي بن حاتم والطواشي نظام الدين حضير فتقدموا جميعاً إلى الديار المصرية. فتوفي الطواشي في عيذاب وقبر هنالك ولما وصل خبر وفاته بادر السلطان بإرسال الطواشي صفي الدين جوهر الرضواني فتقدم مسرعاً فلم يدركهم إلا وقد دخلوا مصر.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الأوحد أبو الحسن علي بن الفقيه أحمد بن علي بن الجنيد وكان فقيهاً ماهراً نحويّاً لغويّاً بارعاً في علم الطب تفقه بجماعة من فقهاء تعز وأخذ عن ابن الأديب وعن ابن الأحمر ودرس في المدرسة الأسدية بتعز. وكان حسن الأخلاق كريم الطبع شريف النفس عالي الهمة وكان يقول شعراً حسناً على طريقة الفقهاء ثم انتقل إلى مدينة زبيد فسكنها واستوطنها واستمر بعيداً في مدرسة أم السلطان المعروفة بالصلاحية في زبيد. وولي القضاء الأكبر إلى أن توفي في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الماهر أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر بن سلمة الحبشي الوصابي وكان مولده عاشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فنشأَ نشوءاً صالحاً وختم القرآن في اقرب مدة وتفقه على والده. وكان ذا فهم وفطنة محباً في جميع العلوم ملازماً للقراءَة زاهداً عابداً كارهاً للدنيا رافضاً لها إلى أن توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع وخمسين وسبعمائة برزامر السلطان يقبض المشايخ بني زياد ومصادرتهم على يد الأمير بهاء الدين بهادر المجاهدي وكانوا ثلاثة نفر أحدهم مقطع لحج وأبين. والثاني ناظر الجهات الجملئية يحكم من المفاليس إلى المعافر. والثالث كان ناظر الجباية والتغزية يحكم إلى حد بطحوات وأَكثر عليهم الكلام وحسدوا وأُغرى السلطان بهم وكان لهم فضل ومروءة ومكارم أخلاق. وكان الناس يقولون هم برامكة الوقت لفضلهم وجودهم واستيلائهم على معظم مملكة اليمن. فنقل إلى السلطان عنهم ما غيَّر باطنه وظاهره فأوقع بهم وصودروا مصادرة قبيحة حتى هلكوا في المصادرة جميعاً في مدينة الجوه ودفنوا فيها فقبورهم هنالك والله أعلم رحمهم الله تعالى.
стр. 413
وفي شهر صفر من السنة المذكورة انفصل الملك المظفر من إقطاعه بفشال واستمر فيها الأمير شجاع الدين عمر بن العماد فكانت ولايته سبباً لخراب التهائم وذلك أنه لما تولى في الجهة المذكورة كانت ولايته على يد القاضي شهاب الدين أحمد بن قبيب وكان القاضي شهاب الدين أحمد بن قبيب المذكور ببعض الأشاعر ويتابعهم متابعة شديدة لميلهم إلى القاضي جمال الدين محمد ابن إحسان الوزير وكان القاضي شهاب الدين أيضاً غساني النسب فلم تعطفه عاطفة فأَخذ ابن العماد أَخذاً شديداً لمتابعتهم ولاسيما الشيخ أحمد بن عمر بن عبد الله الاشعري. فلما دخل ابن العماد فشال. وكان دخوله في جمادى الأُولى طلب الشيخ أحمد بن عمر وقال له أريد منك خمسة آلاف دينار. فقال بأَي حجة فقال مالك طريق إلا على تسليمها طوعاً وكرهاً فخرج الشيخ من عنده. وتقدم إلى قرية المخيريف ولم يأْته بعدها فكتب إليه يطلبه فاعتذر عن الوصول ثم طلبه مرة أُخرى فاعتذر وقال لا ادخل فشال أبداً. فكتب ابن العماد إلى القاضي شهاب الدين يعلمه بامتناعه عليه فكتب القاضي شهاب الدين إلى السلطان يسأَله أن يكون الأمير حسام الدين لاجين مقدماً في فشال فأُجيب إلى ذلك. فنزل الأمير الحسام لاجين إلى فشال. فركب ابن العماد إلى المخيريف لجباية الأموال بها. وكان خروجه إلى المخيريف يوم الثالث عشر من ذي القعدة. فلما وصل المخيريف دخل في عسكر جيد من الخيل والرجل فطلب الشيخ أحمد بن عمر فوصل إليه في جماعة من أهله وعبيده. فلما دخل عليه هد عليه وأسمعه من الكلام ما لا يحسن فخرج الشيخ وهو في أشد ما يكون من الغيظ. فلما جن الليل عول على رجل من أهل البلد أن يدخل على الأمير ويصلح بينه وبينه بما يرى فيه المصلحة فتقدم ذلك الرجل إلى الأمير وحادثه ساعة ثم شرع في حديثه فلم يتفق له معه أمر بل وجده على أخبث نية فيه. وكان آخر كلامه والله ما لي طريق إلا على أخذ رأْسه ولا أخرج من المخيريف إلا به. فخرج ذلك الرجل إلى عند الشيخ أحمد بن عمر وأَخبره بجميع ما سمع من الأمير فقال له الشيخ جزيت خيراً. فلما أصبح الشيخ ركب حصانه وطلب ابنه علي بن أحمد وكان ابنه فارساً فتاكاً فأوصاه بالأمير وخرج على حصانهِ لبعض الأمور فطلب ابنه نفرين من بني عمه وعبداً من
стр. 414
عبيد أبيه ودخلوا على الأمير من غير إذن فوقعوا عليه. وكان عنده أحد غلمانه فلما نظرهم الغلام أخذ شيئاً من سلاحه وقصدهم فانفرد له واحد منهم فتضاربا حتى وقعا على الأرض قتيلين ومضت الجماعة على الأمير فقتلوه موضعه فتشعشع العسكر فقالوا لهم كلكم في الأمان والضمان فخرجوا ولم يتعرض لهم أحد وكان قتله يوم الرابع عشر من القعدة من السنة المذكورة فاستمر القاضي عفيف الدين عثمان بن سليمان بن طلحة الدوري فوصل وقرر أحوال الناس.
وفي هذه السنة نزل السلطان إلى زبيد في آخر شهر ربيع الأول فأقام فيها أياماً.
وتوفي القاضي صفي الدين أحمد بن محمد بن عمار المعروف بالنشو وكان وفاته ليلة السبت الثالث عشر من شهر ربيع الآخر وقبر عند قبر الأمير بدر الدين حسن بن علي الحلبي على جنب طريق الزّيبة من باب سهام. وطلع السلطان تعز في أول شهر جمادى الأولى فلما استقر في تعز أمر القاضي جلال الدين علي بن محمد بن عمار وزيراً في الباب الشريف. وفي أول ليلة استمر في الوزارة حرقت الركبخانة وحرق جميع ما كان فيها من ذهب وفضة وجواهر وسروج وغير ذلك مما يساوي بثلاثمائة ألف دينار.
وفي شهر رجب استخدم السلطان العساكر ونهض إلى المخلاف فحط في دار السلام من جبلة. وحط الطواشي صفي الدين أبو معلق والصارم بن حباجر والمشايخ بنو ناجي في مصال. وكان معهم من العسكر أربعمائة فارس وثمانية آلاف راجل. وكان الأمير البهاء السنبلي والقاضي شهاب الدين أحمد بن قبيب والأمير بدر الدين علي بن إسماعيل بن إياس في مدين وكان معهم من العسكر مائة فارس من الباب وخمسون من الأكراد وأربعة آلاف راجل فأحاطت العساكر بالجبل وضيقوا على أهل بعدان ضيقاً شديداً. فلما رأى السيري ما هم فيه من الضيق وتزايد الأمراء أراد الحيلة في ذلك وكان رجلاً دهياً مكاراً فطلب فقيراً من المدروزين ووهب له شيئاً ووعده بشيء آخر. وقال له أريد منك أن تنفعنا حتى ننفعك قال وبماذا أنفعكم.
стр. 415
قال نتقدم إلى خيمة السلطان ونقول للزمام عندي نصيحة للسلطان وأريد مواجهته ولا اذكرها إلا له. فإذا دخلت على السلطان قلت له يا مولانا السلطان أنا رجل فقير مدروز وبت هذه الليلة في المسجد الفلاني من بعدان. فلما كان نصف الليل وصار جماعة إلى المسجد ووقفوا ساعة ثم جاء جماعة آخرون فإذا هم أهل بعدان وجماعة من أهل الشعر. فاتفقوا وتحالفوا على أن أصحاب الشعر ينزلون إليكم مغيرين ومستنهضين لكم في فتح الحرب على أهل بعدان. فإذا افتتح الحرب وطلعتم للقتال أحاطوا بكم وأشاروا لأهل بعدان بالجملة فيأخذونكم باليد وهم واصلون إليكم غداً أو بعد غد وقد والله أكلنا صدقاتكم غير مرة وإحسانكم علينا وعلى غيرنا كثير. وأردت أن أطلعكم على ما قد اجمع رأيهم فلا يطلعوا إلا على أهبة. فقال له السلطان بارك الله فيك ووهب له نحواً من خمسين ديناراً. وكان أهل الشعر يقاتلون مع السلطان قتالاً عظيماً. وكان القاضي جمال الدين يشكرهم للسلطان ويثنى عليهم عنده وفي مكاتباته. فلما أظل العيد أمرهم القاضي جمال الدين بأن ينزلوا إلى الباب الشريف لأجل العيد.
وفي ظن القاضي جمال الدين أن السلطان يكسوهم ويحسن إليهم فانهم يزدادون بذلك اجتهاداً في القتال ومحافظة على النصيحة. فلما علم السيري بأنهم سينزلون إلى باب السلطان صنع هذهِ المكيدة. فلما نزلوا إلى الباب الشريف طلب السلطان عبيد السلاح وجماعة من الغز ولزم منهم ثمانية عشر شيخاً وقيدهم للفور وأطلعهم حصن تَعْكَر وهرب من أصحابهم من هرب. فلما اتصل العلم بأهل الشعر هجموا المحطة ولزموا القاضي جمال الدين محمد بن حسان والأمير البهاء السنبلي وحرّقوا المنجنيق فارتفعت المحاط وهرب الأكراد إلى ذَمَار وارتفع السلطان إلى الجَنَد واتصل الخلاف وظهر الفساد في كل ناحية.
وفي هذه السنة نزل القاضي جلال الدين علي بن محمد بن عمار لاستخراج أموال الجهات الشامية. وكان نزوله في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه الصالح تقي الدين عمر بن أبي بكر العرَّاف. وكان مولدهُ
стр. 416
في تاسع المحرَّم من سنة ثمان وثمانين وستمائة. تفقه بابن النحوي وتزوَّج ابنته. ولما احتضر ابن النحوي أوصى إليه في ضم تركته وقضاء دينه فقام بذلك أتم قيام. ثم خلفهُ في تدريسه بالعربية فوقف فيها مدة ثم حج سنة خمس وعشرين وسبعمائة وجاور بمكة سنتين ثم رجع إلى اليمن فقابله المجاهد بالإجلال والإكرام. وكان له عنده منزلة عظيمة وأمرهُ مدرساً في مدرسته التي أنشأها في مدينة تعز وجعل نظر الخانقة بحيس. وكان يعدُّ من أهل الزهد والورع وسعة العلم. وكان شريف النفس بشوشاً وامتحن بقضاء تعز مدة في أيام ابن الأديب ثم عزل عنه. وكان وفاته يوم السابع من جمادى الآخرة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع عفيف الدين عبد الأكبر بن الفقيه أحمد الجنيد وكان فقيهاً عاملاً عابداً زاهداً ورعاً حسن السيرة. ولى قضاء السحول في مدة ثم تولى القضاءَ في مدينة تعز وأقام فيه مدَّة ثم تولى قضاء الأقضية في أيام الملك المجاهد. وكانت سيرته مرضية وكان له فهم جيد وحسن نظر وسياسة في الأحكام يعجز عنها غيره. وكانت وفاته بالسهولة في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة خمس وخمسين وسبعمائة استورد القاضي شهاب الدين أحمد ابن قبيب أمر السلطان إلى صاحب فشال أن يغير بالعسكر المنصور على الأشاعر وأن يغير بالقرشيين عليهم وكتب إلى القرشيين يأمرهم بالغارة على الأشاعر كما ورد الأمر الشريف فخرج المقدم لاجين في السكر السلطاني من فشال وخرج أهل القرشية أيضاً في جمعهم وسبق العسكر قبل وصول القرشيين فاقتتلوا ساعة من نهار فانهزم العسكر ورجعوا خائبين.
وأقبل أهل القريشة عند هزيمة العسكر فاقتتلوا قتالا شديداً حتى قتل من كل طائفة ثم افترقوا فقال الشيخ أحمد بن عمر يا هؤلاء الناس ما لنا بقتا السلطان من طاقة فارتفعوا عن البلاد فارتفعوا عنها وتفرَّقوا في وادي زبيد وفي الجوار. فكان خروجهم من البلاد سبب خراب التَّهائم كلها وذلك أن المعازبة اتفقوا هم وأهل القرشية على الفساد فاخرجوا وادي زبيد ووادي رِمَع شيئاً فشيئاً. وكانت الأشاعر ترساً على الودايين ولجاماً في رؤوس المعازبة. فلما غابت
стр. 417
الأشاعر عن البلاد تقلبت المعازبة ووجدوا مقرَاً في طرف البلاد.
ثم أن القاضي جلال الدين علي بن محمد بن عمار رجع من الجهات الشامية في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وكان في صحبته عدة من غز الرتب نحو من مائتي فارس فاتفق رأيهم على غزو المعازبة فقصدهم العسكر المذكور يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وكانت المعازبة حلالاً في أطراف الوادي رمع بعد خراب المخيريف. وقد كثرت خيلهم يومئذٍ فلما وافاهم العسكر استتروا عنهم حتى أخذ العسكر شيئاً من أموالهم واجتمعت خيل المعازبة بأسرها وحملوا على العسكر وقد افترق العسكر فهزموهم هزيمة شديدة وقتل المقدم لاجين وقتل معه طائفة من العسكر فأخذوا من الخيل شيئاً كثيراً فرجع ابن سمير إلى فشال فأقام فيها إلى شهر رمضان. ووصل الشجاع ابن يعقوب أميراً في رمع فأقام إلى آخر السنة.
وفي هذه السنة جهز السلطان هدية جليلة إلى الديار المصرية وتقدم فيها الطواشي صفي الدين جوهر الرضواني فالتقاهم شعب عند جبل الزقر فانصلحت القطعة التي فيها الطواشي فهلك هو وجماعة من الذين معه. وكان هذا جوهر الرضواني معدوداً في أهل الرياسة معروفاً بكرم النفس وعلو الهمة وعذوبة الأخلاق خدم الجهة الكريمة جهة الطواشي شهاب الدين صلاح والدة مولانا السلطان الملك المجاهد وجعلته زمام بابها وأضافت إليه أمورها كلها فارتفع شأَنه وكان له سيرة حسنة. ونال من السلطان ثقة تامة وعول في كثير من الأمور عليه وندبه سفيراً في الهدية الأولى لما توفي الطواشي خضير. فقام في ذلك أحسن قيام وعاد على أحسن حال ثم ندبه في هذه الهدية فتوفى كما ذكرنا وكانت وفاته في شهر ذي الحجة من السنة المذكورة وقبر في مقبرة باب سهام رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست وخمسين قويت شوكة العرب المفسدين في التهائم فاجتمع المعازبة وأهل القريشة ورماة البسيط والقحراء ومن انضم إليهم وقصدوا قرية المخيريف بأجمعهم في آخر شهر المحرم فأحاطوا بالقرية فخرج أهل القرية لقتالهم
стр. 418
فقتل الشيخ أحمد بن عمر بن عبد الله الأشعري وقتل معه جماعة من أهل القرية وكانت الوقعة في آخر النهار فلما أصبحوا انتقلوا عن القرية وخرب بخرابها طائفة من قرى رمع وهي الرقبة والمكابرة والحلة والمقترعة والمضرب والبطة والكحلاني ومحل كهلان. وخرب أيضاً بعض قرى الوادي زبيد ولكن تراجعوا بعد أيام. وأما هذه القرى المذكورة من رمع فما رجع منعا إلا الرقبة فان أهلها رجعوا وأقاموا فيها مدة ثم خرجت أيضاً ثم رجعوا وأما القرى المذكورة فلم يرجع منها شيء إلى وقتنا هذا.
ثم استمر القائشي فضمن وادي زبيد ورمع والقحمة فاختبطت عليه البلاد وما عرف ما يفعل فحمل من وادي رمع خمسة عشر ألفاً فلما تحقق السلطان عجزه فصله وأمر القاضي جمال الدين محمد بن حسان الوزير وكان استمراره في آخر السنة المذكورة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو يعقوب إسحاق بن الفقيه أحمد بن يحيى بن زكريا وكان ميلاده لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين وستمائة. وكان تفقه بأخويه محمد وداود وغيرهما ودرس في الأتابكة بذي هزيم ناحية من نواحي تعز ثم درس بالمؤَيدية وتفقه به جماعة من أهل العصر. وكان ممن يعّد محققاً وكان عارفاً بالفقه نقالاً للمذهب لا تدور الفتوى في تعز إلا عليه. ثم على الفقيه أبي بكر بن جبريل. وكان عالي الهمة شريف النفس توفي في أثناء السنة المذكورة بزبيد وقبر في مقبرة باب سهام شرقيها وقيل كانت وفاته في سنة ستين وسبعمائة والله أعلم رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الأمير الكبير أقباي بن عبد الله الحاجب التركي وكان ذا ديانة ونسك وله مقامات مشكورة قل أن يوجد نظيره في أبناء جنسه وكانت وفاته يوم الأحد السابع عشر من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة سبع وخمسين وسبعمائة اشتد فساد العرب في التهائم وكثرت خيول العرب المفسدين وأخرجوا عدة من القرى وانقطعت الطرق وانضم القرشيون إلى المعازبة فكانوا يغيرون على أطراف البلاد للقتل والنهب والحريق.
стр. 419
وفيها أقطع السلطان ولده الملك الصالح القَحْمَة فسار إليها وقد عظمت شوكة العرب وعظم الفساد فلم يصنع شيئاً وكان فيها المحصور. ثم أن القاضي جمال الدين محمد بن حسان جمع العسكر الذي معه في فشال وطلب عسكر القحمة وجمع فيها جمعاً كثيراً من العرب وقصد القرشية فأغارت المعازبة بخيلها ورجلها فانهزم العسكر وقتل من الرجل طائفة وجماعة من الخيل وفي جملة من قتل الأمير سيف الدين الشهابي أستاذ دار الملك الصالح وكان فارساً شجاعاً وكانت الوقعة يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة. وحمل القاضي جمال الدين محمد بن حسان نيفاً وسبعين ألفاً من رمع وشكر السلطان همته وفي سنة ثمان وخمسين انفصل القاضي جمال الدين محمد بن حسان من رمع واستمر فيها الملك الصالح واستمر الأمير شمس الدين علي بن حسن الحلبي في القَحْمة.
وفي هذه السنة وصلت التجار من الجهات الشامية بعدة من الخيل يريدون بها موسم عدن كما جرت عادتهم فلما دخلوا فشال رأتها الأشاعر ونظروا انتشار الفساد في البلاد فاخذوا الخيل الواصلة إليهم بأسرها وكان أخذهم للخيل يوم الرابع عشر وكان ذلك بموافقة الوالي كما قيل وهو الأمير بدر الدين حسن بن باساك فلما ركبوا الخيل امتنع المعازبة من وادي رمع. فأمر السلطان بقبض الأمير المذكور فقبض في شهر رمضان وكان الذي قبضه الأمير بهادر المجاهدي وهو يومئذ أمير جاندار الباب وطلع به تحت الحفظ إلى السلطان فأمر السلطان بشنقه فشنق في آخر شهر رمضان المذكور.
ونزل الملك الصالح إلى أقطاعه فشال في شهر شوال ونزل بعده الوزير القاضي جمال الدين محمد بن حسان في عسكر من الباب نحو من سبعين فارساً خارجاً عن عسكر الملك الصالح. ولما امتنعت المعازبة عن وادي رمع باجتماع الأشاعر في فشال اجتمع المعازبة وقصدوا مدينة القحمة فحرقوها وأخرجوها ونهبوا أهلها نهباً شديداً وانتقل أميرها إلى بيت الفقيه ابن عجيل بنشبه وثقله. ولما وصل الملك
стр. 420
الصالح فشال ومعه الوزير في العسكر كما ذكرنا انتقلت الأشاعر من فشال إلى قرية الغزالين وهي أَعلى وادي رمِع فأقاموا هنالك وتركوا سائر البلاد خوفاً من السلطان فكانت المعازبة تغير على وادي زبيد تمر في حدود المخيريف وهي خراب لا ساكن فيها وكثر تكرارهم هنالك فتبعهم جماعة من خيل الأَشاعر من الغزالين فقتلوا منهم ثلاثة نفر من الفرسان وهم حسن بن بهيلة وكان كبيراً من كبرائهم سناً وقدراً وكان قتله في شوال من السنة المذكورة. فأَرسلت المعازبة إلى سائر قبائل العرب المفسدين كالقحرا ورماة البسيط ومقاصرة الشام والعامريين واجتمعت دؤال بأسرها وكافة القرشيين خيلاً ورجلاً وقصدوا الأشاعر إلى الغزالين وتركوا كافة الخيل والرجل في ثلاثة مكامن من غربي الغزالين بمسافة. وأَتاهم نحو من عشرين فارساً من شرقي القرية فساقوا أموال الأشاعر وساروا بها نحو تلك المكامن المذكورة فتبعهم الأشاعرة فانبعثت عليهم المكامن فلم يرجع من الأشاعر في تلك الليلة إلا من لم يُعرف. وكانت القضية في وجه الليل فكان الحاضرون أكثرهم لا يعرفون الأشاعر ولا يعرف بعضهم بعضاً. وكان ذلك يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي القعدة فقتل من الأشاعر يومئذ وممن معهم سبعة وثلاثون نفراً منهم خمسة وعشرون فارساً واقتلعت خيلهم. وكان في جملة المقتولين يومئذ الجلال ابن معيبد وعبد الله بن القلقل وابن قرين وأبو بكر بن الدبر وكان أفرس أهل عصره وأشجعهم.
وفي يوم الثامن والعشرين صبحت المعازبة فشال فخرج الملك الصالح والوزير محمد بن حسان ومن معهم من العسكر وانتقلوا إلى مدينة زبيد وخرجت فشال وارتفع الحكم عن وادي رِمَع بأسره.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل عمر بن محمد بن الجبلي بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وكان فقيهاً عارفاً مشتغلاً بالفقه كان من اعلم أهل عصره بالطب في مدرسة زبيد وانتفع به كثير من الناس. وله أوصاف في الطب يعرفها كثير من أهل زبيد. وكان فقيراً قانعاً بما هو فيه من العيش صابراً على ذلك إلى أن توفي في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 421
وفيها توفي الفقيه الصالح ابو عبد الله محمد بن عثمان بن حسن بن شنيبه المقري وكان عارفاً بالقراءَات السبع وطرقها مشاركاً في الفقه والحديث والنحو أَخذ علم القراءة عن عدة من الأئمة منهم المقري علي بن شداد. وموسى ابن راشد الحرازي ويوسف بن محمد الأصابي الجعفري. واخذ بمكة عن الإمام برهام الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم المروزي. والشيخ أبي زكريا يحيى بن عبد العزيز بن سالم الزواوي واخذ الحديث عن الإمام أبي اسحق إبراهيم بن عمر العلوي. وانتفع به كثير من الناس في فن القراءة خاصة وعليه قرأَت القراءات السبع أفراداً وجمعاً. واخبرني شفاهاً انه رأَى في النوم انه يقرأْ على رسول الله ﷺ وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي تسع وخمسين وسبعمائة نزل السلطان إلى زبيد في عسكر جيد وأرسل لابن ميكائيل إلى حَرَض. فوصل أيضاً في عسكر ووصل معه طائفة من غز الرتب. فخرج السلطان في جمع كثيف يريد المعازبة والقرشيين فارتفعوا عن بلادهم ولم يظفر السلطان منهم بأَحد فحرّق بلادهم ورجع. وفي هذه الغزوة قتل ياقوت عبد ابن ميكائيل وكان فارساً شجاعاً إلا أنه لا يعرف البلاد. فلما انفرد عن العسكر قتل. ولما رجع السلطان إلى زبيد أقام أياماً ثم طلع تعز ورجع ابن ميكائيل إلى بلاده حّرَض وتقدم السنبلي إلى إقطاعه الجثة ونزلت المعازبة وسائر المفسدين إلى بلادهم فلما استقروا أقاموا أياماً ثم اجتمعوا نحو الكدراء في آخر شهر صفر فأخربوها وحرقوها فارتفع الحكم عن وادي سَهَام واتصل الخراب والفساد وانقطعت السبل وصار أهل زبيد لا يتصلون بأهل المهجم وأهل المهجم لا يتصلون بأهل زبيد.
وفي اليوم السابع من شعبان من السنة المذكورة قصدت المعازبة والقرشيون النخل من وادي زبيد فنهبوا أهله وانقطع الحكم فيه وخرج أهله منه لا يملك أحدهم قوت يومه ثم اقتسموا النخل فكان الأبيض للقرشيين والمغارس العليا لبني يعقوب من المعازبة والمغارس السفلى لبني بشير وارتفعت أيدي أهل النخل عن أملاكهم وتملكه العرب.
стр. 422
وفي اليوم الثالث والعشرين من شوال اجتمعت طوائف الفساد من المعازبة والرماة والقحرا وقصدوا الجثة وفيها يومئذ الأمير بهاء الدين السنبلي فأحاط العرب بالقرية ومن فيها فخرج إليهم الأمير بها الدين السنبلي ومن معه فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل جماعة من العسكر وقتل محمد بن السنبلي وأخوه مقبل وجرح أبو بكر جراحة شديدة وكان معدوداً من جملة القتلى وانحاز السنبلي ومنه معه من بقية العسكر إلى المهجم وأميرها يومئذ الكمال ابن التهامي.
ثم اجتمعت العرب جميعاً في شهر ذي الحجة من السنة المذكورة وأرسلوا إلى أهل سُرْدد يشتورونهم في قصد المهجم وكان رئيس بني عبيدة يومئذ حسن بن أبي القاسم ورئيس الزيديين ابن حفيص فاتفقوا على قصد المهجم يوم الاثنين الثالث من ذي الحجة من السنة المذكورة فوصلت المعازبو والرماة والقحراء إلى المهجم في اليوم المذكور قبل طلوع الشمس وتأَخر أهل سردد فوقعت الهزيمة في العرب فقتل منهم اكثر من مائة رجل وأقبل ابن حفيص وأهله من الزيديين وحسن بن أبي القاسم العبدي في أهله من بني عبيدة فلقيهم الهارب من العرب فرجعوا من حيث جاءوا.
وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع ابو الغيث محمد بن راشد السكوني وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً متفنناً جامعاً لعلوم شتى من الفقه والنحو واللغة وعلم المعاني والبيان والعروض والقوافي وله مصنف لطيف يدل على جودة معرفته وصفاء ذهنه وتدقيق فطنته وولي القضاء مدى في فشال. ثم انتقل إلى زبيد فدرس بها في المدرسة العفيفية ثم ولي القضاء في مدينة زبيد مدة. ثم نقله السلطان الملك المجاهد إلى مدرسته التي أنشأَها في مدينة تعز بناحية الجبيل فأقام هنالك إلى أن توفي مسموماً على ما قيل في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ستين وسبعمائة نزل القاضي شهاب الدين أحمد بن علي ابن قبيب ونزل معه من أولاد السلطان الولد المسمى أحمد الناصر في عسكر جيد من الباب فوقف في زبيد شدَّاده وكانت خيول العرب تدور حول المدينة في كل يوم لا تغيب أبداً.
стр. 423
ولما كان يوم النصف من شهر ربيع الآخر جاء الشيخ أبو بكر بن عراب القرشي المعروف بالهبل وكان داهية الزمان ووصل معه ابن عمه علي ابن محمد بن عمر بن عراب يريدان حاجة من زبيد. وكان من عادة العرب في ذلك الوقت أن من بدت له حاجة إلى المدينة وصل ووقف خارج المدينة على حصانه وان من وجده من الخطابة أو الحشاشين أو غيرهم أرسله إلى من يريد من معارفه يطلب منه الحاجة التي جاء بسببها ويعلمه بمكانه الذي هو فيه. فلما وصل الهبل وابن عمه كما ذكرنا أرسلا رسولاً إلى الأمير الصارم ابن نشوان وكان يظهر لهم الصداقة هو وغيره لاحتياج الناس إليهم. فلما جاء الرسول وأعلمه بمكانهما صنع لهما طعاماً نفيساً وكذلك كان يصنع هو وغيره. ثم انه جعل لهما في ذلك الطعام شيئاً كثيراً من البنج واخرج لهما ماء مطيباً وفيه ما فيه من البنج أيضاً فأكلا بحسب الكفاية وشربا من الماء ووفقا ينتظران الحاجة التي جاءَا بسببها فأثر فيهما البنج تأثيراً كلياً. وكان الهبل لا يعتاد مسكراً فلما وجد من نفسه ما وجد من الانحلال عرف أن الطعام مشغول. وكان ابن عمه يعتاد المسكر وقد كان في ذلك اليوم استعمل شيئاً منه فلما وجد من نفسه ما وجد ظن إنه عمل المسكر الذي كان استعمله فلما أيقنا بالشر قاما ليركبا فرسهما فركب الهبل وعجز ابن عمه عن القيام من موضعه ذلك. وقيل إنه ركب وسقط عن فرسه. فأخذ الهبل فرسه وسار بالفرسين معاً. وهذا الفعل من الصارم بن نشوان بإشارة ابن قبيب. وكان قد أرسل جماعة من العسكر حينئذ إلى باب النخل وأقام جماعة فوق السور ينظرون ما يكون من الأمر. فلما نظروا الهبل قد ركب فرساً وجنب الآخر صرخوا عليه وخرج بعسكر فلزموا علي بن محمد ووجدوه مطروحاً لا يعقل شيئاً فاركبوه جملاً ودخلوا به المدينة. وأما الهبل فإنه ساق فرسه لما خرج العسكر من زبيد فلما صار في أثناءِ الطريق سقط وقد اشتد عليه الأمر وحمى النهار ففطس وسار الفرسان يطرَّدان حتى دخلا القرشية فصرخ الصارخ في القرية وخرج أهل القرية يقصون أثر الخيل حتى وجدوا الهبل ميتاً قد تفطر جسمه من شدة الرمضاء فحملوه وقبروه وأقام ابن عمه معتقلاً في زبيد إلى أن نزل السلطان في ذي
стр. 424
القعدة. وفي يوم الأربعاء الخامس من شهر رمضان وقع مطر شديد في مدينة زبيد ونواحيها وكان ابتداؤَه وقت آذان العصر إلى ما بين المغرب والعشاء فهدمت بيوت كثيرة على أصحابها. ومات تحت الهدم على ما سمعت في مدينة زبيد نحو من ثمانين إنساناً ولم يبق بيت من بيوت المدينة صغيراً كان أو كبيراً إلا ما تشعث بعضه ومنها ما استولى عليها الخراب وهو كثير أيضاً.
وفي شهر ذي القعدة نزل السلطان إلى زبيد في عسكر جيد يريد الخروج على المفسدين من العرب وأرسل إلى الأمير نور الدين محمد بن مكائيل فلم يصل بل دافعه بالكتب مرة بعد أخرى وكان قد حسن له جماعة من بطانته أن يستولي على الجهات الشامية وهي سَهَام وسُرْدد ومَوْر ورحبان وبترك دؤَال ورمع خراباً فإذا قد استقوى بأموال الجهات المذكورة وغلب عليها قصد بعد ذلك زبيد وحينئذ تتسق له التهائم بأسرها وهي أمهات الأموال فيعجز السلطان وغيره عن مقاومته فوقع هذا الكلام منه موقعاً ورأى إنه كائن لا محالة فامتنع عن الوصول إلى السلطان.
وحصل من قضاء الله وقدره في الخيل من دواب السلطان وغيره داء يقال له مشفرا وقيل مشيفر فهلك في مدة يسيرة من خيل السلطان والعسكر عدد كثير حتى كاد يستولي عليها كلها فأخر السلطان عزم الخروج في ذلك الوقت.
وفي هذه السنة توفي القاضي جلال الدين علي بن محمد بن أبي بكر بن عمار وكان يومئذ يتولى الوزارة للسلطان وكانت له رياسة وسياسة وكان عاقلاً ساكن الريح حسن السيرة وتولى نظر عدن قبل أن يتولى الوزارة وكانت وفاته يوم الثالث والعشرين من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الأمير صارم الدين داود بن إبراهيم الدمرداشي وكان أميراً كبيراً عالي الهمة من كبراء الأمراء ممكناً عند السلطان له سيرة حسنة وكانت وفاته في سلخ صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وستين طلع السلطان من زبيد في غزة شهر صفر فلما استقر في
стр. 425
تعز نزل القاضي عفيف الدين عثمان بن سليمان بن طلحة الدوري في جماعة من العسكر ووقف في زبيد مقدماً عوضاً عن القاضي شهاب الدين أحمد بن قبيب. وطلع ابن قبيب إلى الباب الشريف. وقد استولى الخراب على معظم التهائم ولم يبق من وادي زبيد إلا ثلاث قرى أو أربع وإلا المدنة وكانت الخيل تظل تدور حولها كل يوم.
وفي هذه السنة وصل الشريف الكبير علي بن محمد المعروف بابن الجارية إلى مدينة المهجم وكان معه جماعة من بني الحمزة الشرفاء فخرج في لقائه أمير البلد الشجاع بن يعقوب ومقدمها يومئذ الأمير شمس الدين علي بن حاتم وبعض مشايخ العرب. فلما وقفوا في الميدان وأرادوا أن يلعبوا تنازعوا في التقدمة فاقتتلوا فانحاز أهل المدينة ومن معهم من عسكر أباب إلى المدينة. ومنعوا الشريف وأصحابه من دخول المدينة. فاصلح بينهم الأمير شمس الدين علي بن حاتم ودخلوا المدينة وجلس الشريف فيالدار. ثم أن بعض غلمان الأشراف اخطأَ على واحد من أهل المدينة فلزم وأتى به إلى الشريف فأمر بقطع يده فقطعت للفور فغضب الأشراف وخرجوا من المهجم راجعين إلى بلادهم. وبقى الشريف علي بن محمد في جماعة من أصحابه. وكان السلطان قد أحال له على الأَمير صارم الدين داود بن خليل صاحب المحالب بمال فانتقل إلى المحالب بسبب ذلك. فدافعه صاحب المحالب ولم يعطه إلا التافه اليسير. فلما رأى الشريف انه غالب له على حوالته خرج إليه في جماعة من أصحابه فدخل عليه بيته وقتله فيه وأخذ من بيته ما وجده فيه من المال والقماش والدواب والسلاح وكان قتله ليلة الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة. فلما علم الأمير شمس الدين علي بن حاتم بقتل داود بن خليل أرسل إلى القائد وهاس وبعث إليه بعكسر المهجم وقد جعل عليهم شرياً يقال له علي بن حازم وأمر على القائد أن يسير في العسكر والعرب لقتال الشريف وإخراجه من بلاد السلطان. فسار القائد وهاس والشريف بن حازم فيمن معهما من العسكر وعرب
следующие страницы →