Полный текст (588 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
سلخ الشهر المذكور رجع السلطان إلى دار النصر.
ووصل العلم في التاريخ المذكور بوصول الأشراف إلى حَرض فجرَّد لهم السلطان الأمير بدر الدين محمد بن علي بن الشمسي والأمير بهاء الدين بهادر الشمسي. وفي النصف من شهر صفر وصل الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي من الجثة برؤوس جماعة من المفسدين وبجماعةٍ من الأسارى فأمر بهم السلطان إلى السجن.
وفي يوم الرابع والعشرين من شهر صفر فصل القاضي شهاب الدين أحمد ابن أبي بكر الناشري عن القضاء بزبيد. واستمر عوضه بن عمه القاضي جمال الدين محمد بن عبد الله الناشري.
ووصل الأمير بدر الدين محمد بن علي بن إياس إلى باب السلطان من تعز فلما كان غرة شهر ربيع الآخرة أمرهُ السلطان مقطعاً في وادي رمع.
وفي اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور وصل العلم بدخول العسكر المنصور حرَض وخرج المفسدين منها.
وفي ليلة الخامس عشر من الشهر المذكور حرق طائفة من قرية المملاح بزبيد حريقاً شديداً وحرق في هذه السنة عدة من الأماكن.
وفي يوم السابع عشر من الشهر المذكور أمر السلطان بإعادة القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الناشري على القضاء بزبيد وأعاد ابن عمه القاضي جمال الدين إلى مكانه بالأعمال التهامية. وكان كل واحد منهما محبوباً عند أهل بلده.
وفي الحادي والعشرين من الشهر جاءَ وادي زبيد بسيل عظيم حتى قيل انه كان نحواً من أربعة أَنواع وجاءَ نحو النخل فاتلف كثيراً منه بعد أن أتلف جانباً من محل ماتع ومحل حرين وشرذمة من الحجوف استولى على بيوتهم ودوابهم وبعض أهل يهم ولم يترك من نخل المغرس إلا قليلاً. وكان سيلاً عظيماً لا يُعهد مثله.
ووصل صاحب مَشَار إلى باب السلطان في عدد كثير من أصحابه فقابلهم السلطان بالإنعام العام والتفضل والإكرام. وكان وصوله في اليوم الثاني والعشرين
стр. 492
من الشهر المذكور.
وفي يوم الرابع عشر من شهر جمادى الأولى حصلت مشاجرة بين الأمير بزبيد هبة بن الفخر وبين حاكم الشريعة المطهرة في زبيد على أْرض من أراضي الوادي زبيد كل منهما يريد أن يزرعها لنفسه فكان القاضي يرسل شركاءَه إلى الأرض والأمير يرسل غلمانه يمنعونهم من حرثها. فلما كان في التاريخ المذكور خرج القاضي وشركاؤه وجماعة من أعوانه. فأرسل الأمير جماعة من غلمانه وأمرهم بمنع الشركاء فلم يمتنع القاضي ولا من معه فبطش بهم غلمان الأمير وطردوهم عن الموضع وضربوا القاضي وجرحوه ثلاث جراحات وكان السلطان يومئذٍ في النخل فلما بلغه العلم على زيادة ونقصان وصل بنفسه إلى زبيد آخر يوم الخامس عشر من الشهر المذكور. فلما تحقق الأمر على جليته فصل الأمير عن الولاية بزبيد لإهماله الشريعة المطهرة وتفريطه في الخصوم وصادره بثلاثة آلاف دينار عن كل جراحة ألف دينار تأديباً له وقياماً بما يجب من حق الشرع الشريف.
واستمر الطواشي مرجان أميراً في زبيد في التاريخ المذكور. وفي يوم السابع عشر من الشهر المذكور وصل عمران السجي أبو بكر بن سبا إلى باب السلطان على ذمة الأمير بهاءِ الدين اللطيفي فقابلهما السلطان بالقبول. وأقام السلطان في زبيد إلى يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر المذكور ثم تقدم إلى النخل فأقام فيه أياماً ثم سار إلى البحر وفي سلخ الشهر المذكور أعاد السلطان الأمير عز الدين على ولايته في زبيد لما علم السلطان من حسن سيرته في الناس ومحبتهم له. وكان رجوع السلطان من البحر. ووصلت كتب الوزير القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن عباس تخبر بحركة عسكر من المشرق. فجرد السلطان الطواشي جمال الدين ثابتاً والأمير بدر الدين محمد بن علي بن إياس إلى تعز.
وفي هذا التاريخ جرد السلطان الأمير غياث الدين عيسى بن محمد بن حسان إلى الجهات الشامية لاستخراج الأموال من تلك النواحي. وكان أميراً شهماً خيراً. وأمر القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد لاستخراج مال النخل من الجهات
стр. 493
الموزعية فتقدما يوم الثلاثاء الرابع من شهر جمادى الآخرة.
وفي يوم الخامس من الشهر المذكور وقع حريق في دار السلطنة فتشعث منه مواضع كثيرة.
وفي يوم التاسع من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى البحر وحضر مشايخ الصوفية بأسرهم إلى هنالك لإقامة سماع المحيا على ساحل البحر في الليلة العاشرة من الشهر المذكور. وأقام السلطان على البحر إلى يوم الأحد السادس عشر وتقدم إلى زبيد.
ووصل الأمير غياث الدين عيسى بن محمد بن حسان بأموال الجهات الشامية ووصل بثلاثين رأساً من جياد الخيل. ووصل القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد بأموال الجهات الموزعية. وتقدم السلطان إلى تعز يوم الاثنين الخامس عشر من رجب.
وفي غرة شعبان أَغار عسكر من الأشراف على بعض جهات المحالب فاستاقوا أموالها فأغار عليهم الأمير بهاء الدين اللطيفي. وكان يومئذ أميراً بالمحاب فاستنقذ المال ولزم منهم نفرين أحدهما ولد محمد بن سليمان بن مدرك والآخر ولد يوسف بن حسن وأرسل بهما تحت الحفظ إلى باب السلطان فأودعهما السلطان دار الأدب.
وفي هذا التاريخ أَغار الأمير بدر الدين حسن بن الخراساني على أهل الحنكة وقد بلغه الخبر أن بعض أشراف المشرق وصل إليهم بخيل اشتروها فهجم عليهم الأمير ولزم الشريف المذكور وأرسل به إلى الباب الشريف وقتل منهم جماعة.
وفي النصف من شهر شعبان وصلت هدية الأمراء أصحاب حلي بن يعقوب على يد القاضي حسام الدين عيسى بن عبد الله بن الهليس.
وفي اليوم الرابع من رمضان استمرَّ القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد ناظراً في الثغر المحروس عوضاً عن القاضي شرف الدين حسين ابن علي الفارقي.
وفي اليوم السادس عشر من الشهر المذكور وصل القاضي برهان الدين
стр. 494
إبراهيم بن عمر المحلي المصري التاجر الكارمي بهدية جليلة المقدار فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم ومن التحف شيء كثير ومن الخيل والبغال وكلاب الصيد وسباع الطير ما يستحسن ويستطرف شيء كثير. وصام السلطان هذه السنة في تعز المحروس.
فلما كان يوم الرابع من شوال تقدم إلى تهامة فكان دخوله زبيد يوم العاشر من الشهر المذكور فأقام بها إلى سلخ الشهر المذكور.
وفي النصف الأخير من شوال برز مرسوم السلطان بان يجعل وعد زبيد يوم الخميس وكان وعدها وسوقها يوم الجمعة وكان كثير من الناس يتعلقون بالبيع والشراء عن حضور الجمعة فأمر السلطان بتغييره لذلك.
وفي ليلة الثامن عشر من ذي القعدة وقع مطر عظيم ورياحُ شديدة في ناحية الحجاز مما يلي حلي ابن يعقوب فغرق في تلك الليلة من سفائن الحجاج السائرين في البحر إلى مكة المشرَّفة ثمانية عشر سفينة وقيل إِحدى وعشرون فيما بين مكة وحلي ابن يعقوب. وهلك فيها طائفة عظيمة من الناس وتلفت أموال جليلة.
وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة المذكورة أُقيمت صلاة الجمعة في الجامع المبارك الذي أنشأَه مولانا السلطان في القُوّر وقد تقدم تاريخ عمارته واختطاطه.
وفي سلخ ذي القعدة استمرَّ القاضي سراج الدين عبد الطيف بن محمد بن سالم مشدّاً في وادي زبيد بعد أن كره ذلك فلم يقبل منه فامتثل الأمر. وكان أوحد رجال العصر خبرةً واجتهاداً ونصحاً ورشاداً فظهر من نصحه واجتهاده ما لا يتصوَّر من أَحد قبله فأضاف إليه السلطان كثيراً من الوظائف فقام بالجميع قياماً مرضيّاً.
وفي غرة ذي الحجة استمرَّ القاضي شرف الدين أبو القاسم بن عمر بن معيبدٍ ناظراً بالثغر المحروس عوضاً عن القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد. وتقدم الركاب العالي من زبيد إلى تعز المحروس يوم الجمعة الخامس والعشرين من
стр. 495
ذي الحجة فكان دخوله تعز يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر المذكور.
وفي هذه السنة توفي الفقيه شهاب الدين أحمد بن محمد المتيني وكان فقيهاً مجوداً في مذهب الإمام أبي حنيفة عارفاً بالنحو والفرائض والقراءَات السبع. وكان أَديباً جيداً تقيّاً حسن السيرة أَخذ الفقه عن الفقيه أبي يزيد وكذا الفرائض أيضاً عنه وكان مدرساً في مدرسة ابن الجلاد وناظراً إلى أن توفي. وكانت وفاته يوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح عفيف الدين إبراهيم الجبلي. وكان في أول أمره سفلوتاً يخدم من جملة العسكر ثم ترك الخدمة وحمل السلاح وأَقبل على عبادة الله تعالى والانقطاع إليه. وكان زاهداً وظهرت له كرامات كثيرة واستوطن في آخر عمره بيت حسين وترك زبيد ولم يزل هنالك إلى أن توفي في اليوم الثاني عشر من شهر رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الشيخ الصالح أبو بكر بن محمد بن سلامة الساكن في موزع وكانت موطنه. وكان رجلاً صالحاً ناسكاً فقيهاً حسن السيرة له كرامات كثيرة. وكان كثير الحج والزيارة قد زبيد في آخر شوال من السنة المذكورة فأقام بها إلى السابع من ذي القعدة ثم تقدم إلى بلاده موزع بعد أن صلى الجمعة في زبيد فتوفي يوم الأحد التاسع من ذي القعدة في أثناء الطريق فحمل إلى قريته موزع فدفن بها يوم الاثنين العاشر من ذي القعدة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي الأجل الوزير وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن عباس المقري. وكان خير وزير. وكان فقيهاً نبيهاً عارفاً بارعاً حليماً ذكيّاً متضلعاً مشاركاً في كثير من العلوم عارفاً بالشرع والنحو والفرائض يقول شعراً حسناً. وولي كتابة الإنشاء في الدولة الأفضلية ثم قضاء الأقضية في الدولة الأشرفية ثم تولى الوزارة فيها. وكان مألفاً للأصحاب توفي يوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة فكانت وزارته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وتسعين وسبعمائة تقدم السلطان إلى بلاد صهبان وأمر بالمحاط
стр. 496
عليها فنهب العسكر من بلادهم شيئاً كثيراً وقتلوا منهم جماعة فطلبوا الذمة من السلطان فأجاباهم إلى ذلك وسلموا الرهائن فأمر برفع المحاط عنهم ورجع السلطان إلى تعز فدخلها في النصف الأخير من شهر صفر وأقام أياماً وتقدم نحو تهامة يوم الجمعة الثاني والعشرين من صفر فدخل زبيد يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر المذكور فأقام في زبيد أياماً وأرسل لنواب الجهات الشامية فوصلوا يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الأول.
وفي هذه السنة استمر القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد وزيراً. كان استمراره يوم السبت الثاني من شهر صفر من السنة المذكورة.
ووصل الأمير بدر الدين الخراساني صاحب القحمة والقاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي صاحب الكدراء يومئذٍ والأمير بهاء الدين اللطيفي صاحب القحرية. فلما خليت الجهات الشامية من العساكر نزل عسكر من أصحاب الإمام في النصف من شهر ربيع الأول فأخربوا الجهات الشامية وانضم اليهم كثير من طوائف الفساد فقويت شوكتهم ونزل الإمام في جيوش المشرق فارتفع صاحب حرض وصاحب المحالب وصاحب المهجم ووصلوا جميعاً إلى باب السلطان في يوم الثامن عشر من الشهر المذكور. وكثرت الأراجيف في البلاد فأمر السلطان وهو يومئذ في زبيد بعمارة الخندق الثاني وهو الذي كان دفنه الأهيق ثم عمر السوي الثاني الذي على الخندق الثاني. وكان ابتداء العمارة في يوم التاسع عشر.
فلما كان يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور أمر السلطان أمراء الجهات بالانصراف إلى جهاتهم فتقدموا في التاريخ المذكور.
وفي غرة شهر ربيع الآخر جهز السلطان عسكراً جيداً ومالاً فلما وصل إليهم كان مقر العسكر في حدود القحرية. فلما تتابعت الإمدادات ارتفع المفسدون عن البلاد. وكان وقت ارتفاعهم يوم الاثنين الثامن من شهر ربيع الآخر بعد أن قتل منهم في أبيات حسين نحو من خمسين رجلاً.
ورتب السلطان الفقهاء المدرسين في الجامع المبارك الأشرفي بقرية المملاح
стр. 497
وأمرهم بالتدريس جمع الطلبة ونشر العلم وكانوا ستة مدرسين مقري الكتاب الله تعالى بالقراءات السبع. ومحدث بأحاديث رسول الله ﷺ . ومدرس في الشرع الشريف على مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريس الشافعي. ومدرس في الفرائض. ورتب مع كل واحد منهم جماعة من الطلبة ورتب فيه إماماً ومؤذنين وقيمين وخطيباً ومعلماً يعلم الأيتام القرآن وشيخاً صوفياً.
قال علي بن الحسن الخزرجي وكنت أحد المدرسين المرتبين فيه لإقراء القرآن بالقراءات السع فأعجبني ما رأيت من اجتماع العلماء في الجامع المذكر واشتغال كل طائفة بما ندبت له فقلت في ذلك:
ضحك الزمان بواضح الثغر ... مستبشراً بالعز والنصر
في دولة زادت زبيد بها ... شرفاً على بغداد بل على مصر
بالأشراف الملك الذي ذكرت ... أيامهُ في سالف الدهر
من لا شبيه ولا نظير له ... واسأَل ملوك العصر في العصر
هذا الذي تعنو الملوك له ... وتظل تحت النهي والأمر
ملكُ كريم النبعتين معا ... من سرّ غسانٍ ومن فهر
لا شيرويه ولا بويه ولا ... زنكي ولا ريزي وسل تدري
عباس الهزبر ومن في ... الناس كالعباس ذي البشر
وعلى من كعليّ لا أحد ... يشبهه في المعروف والنكر
وكذاك داودُ ويوسفهُ ... ناهيك من بحر ومن بر
وكذا أبو الفتح الرضي عمرُ ... وعلُّيه ورسول ذو القدر
أكرم بهم من سبعةٍ نسقاً ... كالسبعة الأفلاك إذ تسري
غرُّ بهاليلُ غطارفهُ ... من جَفنةٍ لغطارفٍ غُر
أيامهم غرُّ محجلةٌ ... بفعالهم والحمد والشكر
ولأَنت شمسهمُ وبدرهمُ ... لا زلت مثل الشمس والبدر
стр. 498
يا سيد العربين دعوة ذي ... ودٍّ وذي حمدٍ وذي شكر
يا من تَتوَّج بالمفاخر لا ... بالدرّ والياقوت والشذر
وحمى ثغور المسلمين معاً ... بالبيض والعسَّالة السمر
وبعزمةٍ جفنيةٍ صدمت ... بَوميضها برقوق في مصر
والناس في أَمنٍ وفي دعةٍ ... والذيب يرعى الشاء في القفر
والعلمُ عزَّ وعزَّ حاملهُ ... فتراه بعد الطيّ في نشر
وعصابة العلماءِ قاطبةً ... يدعون في سرّ وفي جهر
لما جمعتهم جميعهم ... ونظمتهم كالسلك والدر
في جامع رحب البناء فسي ... ح السوح لا ضنك ولا وعر
وجمعت فيه العلم أجمعه ... في المذهبين رفيعي القدر
والسبعة القرَّاء كلهم ... براوية المقري عن المقري
وكذا الفرائض والحديث وعل ... م النحو والتصريف والشعر
وسطرتهم سطراً على سنن ... أكرم بذاك السطر من سطر
وترى أبا العباس محتبيّاً ... يروي حديث الطاهر الطهر
والناشريّ كأنهُ قمرُ ... متبلجُ ومعيدهُ القحري
وبجنبهِ عبد الطيف ومن ... حوليه مثل الأنجم الزهر
وعلى المطيّبِ وابنهُ معهُ ... ناهيك من طودٍ ومن بحر
وعلي بن أحمد لا نظير له ... شيخ شيوخ الجبر والجذر
ولمقرئ القرآن تقدمة ... ومحلهُ في أول الذكر
ومعلمُ الصبيان ليس لهُ ... في البدو مثلُ لا ولا الحضر
والدملؤي خطيبنا عمرُ ... ما مثله في الوعظ والزجر
وبنو القرافي كلهم حضروا ... وإمامنا موسى أخو الخضر
والشيخ حيدر والشريف وأص ... حابُ لهم في الفضل والفقر
فجزاك ربُّ العرش مغفرةً ... عن كل ما قدَّمتْ من وزر
وبلغت في الدنيا نهايتها ... وكفيت صرف نوائب الدهر
стр. 499
يا بهجة الدنيا وساكنها ... يا زينة الميدان والقصر
يا غيث يا بحر النوال ويا ... ليث الشرى يا طيب الذكر
أنا عبدك القن المحب ولا ... أَنسى الذي أَوليت من بر
فلأَشكرنك في الحياة ومن ... بعد الممات هناك في القبر
لا زلت في عز وعافيةٍ ... لا تنقضي ما غرد القمري
واستقبل الملك العقيم علي ... رغم العدا في أطول العمر
عمرُ مضى من خمسه سدساً ... سبعُ وثمن السبع من عشر
وفي يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور استمر القاضي شرف أدين سليمان بن علي الجنيد قاضياً في زبيد عوضاً عن القاضي شهاب الدين أحمد ابن أبي بكر الناشري والقاضي موفق الدين علي بن عثمان المطيب قاضياً على مذهب الإمام الأعظم رحمه الله تعالى.
وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور وصل الأمير بهاء الدين بهادر الأشرفي وكان يومئذٍ أميراً في عدن. ووصل الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر الشمسي وكان في ناحية أَبين في عسكر جيد من الخيل والرجل.
وفي يوم الخامس من جمادى الأولى وصل ثلاثة عبيد من عبيد الإمام صلاح الدين إلى باب السلطان ووصل معهم رجل من أعرب فقابلهم السلطان بالقبول وأنعم عليهم.
وفي يوم الاثنين السابع من الشهر المذكور أمر السلطان على أصحاب النويدرة بالانتقال من قريتهم لقربهم من السور والباب فانتقلوا وابتنوا قرية فيما بين باب سهام وباب الشبارق وابعدوا ببنيانهم عن السور وأقاموا هنالك إلى أن أذن السلطان في رجوعهم إلى قريتهم في التاريخ الآتي ذكره أن شاءَ الله تعالى.
وفي النصف من شهر جمادى المذكور استمر الأمير شهاب الدين أحمد ابن علي الشمسي أميراً في الثغر المحروس فتقدم إليها.
وفي سلخ شهر جمادى الأولى استمر الطواشي جمال الدين مرجان مقطعاً في
стр. 500
القحمة وكان قد ظهر من العرب فساد كثير فحسم مادتهم.
وفي يوم السبت سابع جمادى الآخرة تقدم السلطان إلى تعز فدخلها يوم الاثنين السابع عشر من الشهر المذكور. ووصل الخبر إلى زبيد بوصول الإمام في جيش عظيم فانتقل أهل النويدرة إلى زبيد وانتقل أيضاً أهل المملاح.
وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من الشهر المذكور وقع الحريق في النويدرة آخر النهر المذكور فطارت الرياح بالنار إلى زبيد فحرق من باب سهام إلى باب الشبارق. وكان يوماً عظيماً ولم تزل النار تشتعل إلى آخر الليل من ليلة الخميس وتلفت فيه أموال عظيمة وطعام كثير.
ووصل الإمام إلى زبيد يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر المذكور في جيوش عظيمة وكانت محطته شرقي باب سهام. فلما كان يوم الثالث والعشرين ركب في جيوشه وطاف على المدينة ليرى أي موضع اقرب لقضاء حاجته بعد أن رتب على كل باب طائفة من عسكره فكان القتال على أربعة أبواب المدينة. وظهر له أن الباب الغربي وما يليه أيسر أَخذاَ من سائر الجهات خصوصاً من المخاليل التي يهرج منها الماء من الأمطار ففتح الحرب من هنالك. وكان في كثرة من العسكر مع اشتغال أهل المدينة بالقتال على كل باب فزحف أصحابه وزحف بهم أصحاب التراس يميناً وشمالاً وقصدوا السور فحفروه بالمحافر وامتد أهل النشاب مع كثافتهم فرشقوا أهل المدينة فأنزلوهم عن السور وانهزم أهل المدينة عن السور لكثرة النشاب. وكان معظم العسكر السلطاني الذي في زبيد مخامرين فهربوا وتركوا القتال. فارتجت المدينة وصرخ النساء في كل ناحية فخرج أهل المدينة من منازلهم وطلعوا الدرب وقاتلوا قتالاً شديداً وضربوا ضرباً عظيماً ولم يقتل من أهل زبيد في ذلك الوقت أحد وكان على قلة النخل جماعة من الأصباهية فاعترضوا أصحاب الإمام الذين قصدوا المخاليل فصرعوا منهم جماعة فرجعوا على أعقابهم خائبين وانقطع طمعهم عن المدينة وأيسوا منها فجعلوا شغلهم بالتحريق في النويدرة وفي قرية المسرة وحافة الودن والمملاحين ودورات السلطان الخارجة عن المدينة.
стр. 501
فلما كان يوم الاثنين السادس والعشرين وصلت كتب الأمير بهاء الدين الشمسي إلى المقدمين في زبيد يخبرهم أنه قد صار في القرشية ويستشير المقدمين في وقت يهجم فيه المحطة ليلاً ويخرج أهل المدينة إليه في ذلك الوقت فرجعت إليه كتبهم بالجواب.
فلما علم الإمام بوصوله إلى القرشية ووصول كتبه إلى زبيد درَّد طائفة من عسكره يستطلعون الخبر فلقوا جماعة من أصحاب الشمسي فناوبت بينهم سجال القتال فقتل مملوك والتزم من أهل حرض فارسان فوصلوا بهما إلى الإمام فاستخبرهما فأخبراه الخبر وأطلعاه على حقيقة الأمر.
وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين سار راجعاً إلى بلاده في الطريق التي جاءَ فيها. ودخل الشمسي زبيد يوم الأربعاء الثامن والعشرين فأقام في زبيد هو ومنه معه إلى يوم الثالث والعشرين من شهر رجب. ثم تقدم نحو الجهات الشامية وتقدم مرجان إلى القحمة واللطيفيّ إلى ناحية سهام وسار الشمسي نحو المحالب واستقرت الأحوال.
وفي سلخ شهر رجب المذكور وقع الخلف بين أشاعر وادي زبيد وبين الفرس فقتل من الأشاعر اثنان ومن الفرس واحد فخافت الفرس من الأشاعر وكانوا جميعاً في قرية واحدة فانتقلت الفرس عن القرية ولم يطمئنوا بها ثم سكنوا قرية قبالة قرية الحجف بعد أن قادوا للأشاعر ولم يكن القتل في القرية وإنما اقتتلوا في الوادي على سقى مَحارثهم ولم يكن بينهم قبل ذلك خلف وإنما كانوا يداً واحدة على من سواهم. فلما كان ما كان من القتل والقود ورجعت الفرس إلى أماكنهم وسكنوا القرية المذكورة التي هي قبالة قرية الحجف كثر الكلام بينهم وتزايد مرَّةً بعد أُخرى وانبسطت السنتهم على الأشاعر بما لا يحسن من الكلام ونقل الناس عنهم قبيح الكلام حتى كانت الوقعة الثانية في سنة أربع وتسعين وسأَذكرها في موضعها أن شاء الله تعالى.
وفي الرَّابع عشر من شعبان تقدم السلطان إلى جبلة فنزل في دار السلام ووصل
стр. 502
أحمد بن أبي بكر السيري رسولاً من أخيه محمد بن أبي بكر السيري يطلب اللامان ويبذل الدخول في الطاعة وأرسل مع أخيه بولده مظفر بن محمد فقابلهما السلطان بالقبول وكساهما وأَنعم عليهما إنعاماً تامّاً وجوَّب لمحمد أَنه لابدَّ له من الوصول أن كان صادقاً فيما يقول.
وتقدم السلطان إلى مدينة إِب ونزل محمد بن السيري باذلاً ما يجب عليه من الطاعة فقبل ركاب السلطان وِمُثّلَ بين يديه وبذل تسليم ما تحت يده من الحصون فظهر للسلطان نصحه فكساه وأَنعم عليه إنعاماً عامّاً وآنسه من نفسه وأضمره بالعود إلى موضعه وحفظ ما تحت يده من البلاد فرجع آخر يومه وكان وصوله إلى السلطان في آخر شعبان.
وفي غرة شهر رمضان جرد السلطان العساكر إلى المحطة على حصن نعم وأمر محمد بن السيري أن يجرد من أهل بعدان عسكراً آخر إلى نعم لكونهم من أهل البلاد فجرد منهم عسكراً جيداً. ولكن كان اكثر أهل بعدان مخامرين فسعوا فساد المحطة وباعوا العسكر وكانت البيعة ليلة الخميس الحادي عشر من الشهر المذكور. فانفضت المحطة وانهزم طائفة من العسكر وثبت آخرون وأغار محمد بن السيري وأهل بعدان على الصوت فانكشف الأمر وتفرَّق أهل البيعة وظهر أَمرهم فمسكوا وقتل منهم طائفة. ثم وصل الإمام بعد ذلك إلى نعم فاشتد القتال وطال الأمر إلى اليوم السابع والعشرين من الشهر.
وفي يوم السابع والعشرين رجع الإمام إلى ذمار وارتفعت المحطة عن نعم. وأَقام السلطان في دار السلام من جبلة. وكان صيامه رمضان هذه السنة في دار السلام من جبلة.
وفي شهر رمضان المذكور استمر الشمس السعرديّ ناظراً في الثغر المحروس عوضاً عن القاضي شرف الدين أبي القاسم بن معيبد.
وفي أثناء الشهر المذكور قبض محمد بن طلحة الزميلي في مدينة تعز لزمه الوالي يومئذ وهو الطواشي صفي الدين جوهر الصيني. وكان محمد بن طلحة المذكور أحد
стр. 503
غلمان السلطان وللسلطان عليه وعلى أخيه عون بن طلحة شفقةُ تامة. وكان محمد بن طلحة شرس الأخلاق سفَّاكاً فتَّاكاً فاشتكوه إلى السلطان فطرده السلطان وأهمله وقلاه. فانضم إلى الإمام وكثر سواده وتكلم في حضرته بما أراد ونزل معه إلى زبيد واطلعه على كثير من عورات البلاد ثم رجع إلى تعز مستخفياً فعلم عليه فأُخذ كما ذكرنا. وأَرسل به الطواشي إلى السلطان في دار السلام فأمر به السلطان إلى السجن في حصن تعز فاطلع إلى حصن التعكر من يومه ذلك. وأقام السلطان في دار السلام إلى العاشر من شوال. ثم طلع الشوافي وأَمر بالمحطة على الرازجيّ صاحب حصن سافة من أعمال خدد. فلما اشتد القتال وضاق ضيقاً شديداً سأَل ذمةً شاملة من التسليم وبذل تسليم الحصن فأجيب إلى ذلك فنزل بأولاده ونسائه وخدمه وقبض منه الحصن المذكور يوم السادس عشر من شوال. وأقام السلطان هنالك أياماً قلائل ثم نزل على السحول ورجع إلى دار السلام من جبلة فأقام فيه إلى الرابع عشر من القعدة ثم توجه إلى تعز فدخلها يوم الخامس عشر من القعدة ثم تقدم إلى زبيد يوم الجمعة السادس عشر.
وفي هذا التاريخ قتل العبد منصور مقدم عسكر الإمام وكان قتله في حدود الوادي مور. وكان سبب قتله أن الإمام لما رجع من محطة نعم في السابع والعشرين من شهر رمضان كما ذكرنا أقام في ذمار إلى أن مضت أيام من شوال. ثم جرد الإمام عسكراً إلى تهامة فنزلوا على حرض وكان فيه من المقدمين العبد منور ويحيى بن الباقر الحمزي وقاسم بن المهدي في عدة من فرسان العرب ووجوه الشرف. وكان وصولهم حرضاً يوم التاسع من ذي القعدة فأقاموا فيها أياماً قلائل وخرجوا يريدون المحالب. وكان خروجهم يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذي القعدة.
وكان الأمير بهاء الدين الشمسي يومئذ في المحالب فأتاه الخبر يوم الخميس الخامس عشر بخروج العبد منصور ومن معه من حَرض إلى الساحل يريدون المحالب وإن جمعهم دون كل مرة فجمع الأمير أصحابه وعرَّفهم بكل ما وصل إليه من الخبر وقال لهم هذه غنيمة ساقها الله لكم فالحزم الحزم العزم العزم. وخرج آخر
стр. 504
ليلة الجمعة السادس عشر وفرقهم ثلاث فرق فلما أصبح الصباح أَقبل العبد منصور وأصحابه وفي ظنهم أن الشمسي وأصحابه قد صاروا في المهجم فلما صار العبد وأصحابه في البرزة حقق لهم وقوف الشمسي فيمن معه من أصحابه من العسكر فالتفت العيد منصور إلى أصحابه وقال أَرى المصلحة أن نرجع إلى حرض من غير قتال وننتظر ما يأْتينا من المدد. وكان رأْياً صائباً لو قبلوهُ. فقال له ابن الباقر وما خوفنا منهم والله لو قد رأَوا وجه فرس منا ما وقفوا وان وقفوا فأنا أكفيكهم فتراجعوا بالكلام ورجع من اخبر الشمسي بوصولهم فاستنهض أصحابه وعبي كل طائفة في موضع وسار هو في القلب فتواجه العسكران فحمل يحيى بن الباقر وحمل معه طائفة من أصحابه وقصدوا القلب فوقع يحيى علي مملوك من العسكر فقتله وأقبل أصحاب الميمنة وأصحاب الميسرة جميعاً فانهزم وأصحابه هزيمة شنيعة وضيّقت عليهم الخيل من كل مكان فقتلوا من الخيل والرجل شيئاً كثيراً وقتل العبد منصور ولم يعرفه قاتلوه وقتل قاسم بن المهدي وولده ومات كثير من الناس عطشاً ونهبت دوابهم وسلاحهم وأَزوادهم ولم يرجع منهم إلا الأقل وكان ذلك يوم الجمعة السادس عشر من ذي القعدة المذكور.
وفي ذلك النهار خرج السلطان من تعز يريد زبيد فدخلها يوم الأحد التاسع عشر واجهه الخبر بهزيمتهم إلى حيس.
وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة تقدم القائد علي بن سعد بعلم الحج المنصور الأشرفي من مدينة زبيد واتصل العلم انه دخل جُدَّة يوم الخميس السادس من ذي الحجة. فكان مسيره من زبيد إلى جُدّة سبعة أيام وهذا شيء ما علمنا بمثله في زماننا ولا فيما قرب منه. وعيَّد السلطان عيد الأضحى في مدينة زبيد.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح المشهور محمد الصامت. وكان رجلاً خيراً ورعاً وإنما سمي الصامت لأنه كان لا يكلم أحداً ولا يتكلم إلا بالدعاء والذكر وما لا
стр. 505
بدَّ منه من إذكار الصلوات وغيرها كرد السلام وغيره وعاش مدةً طويلة في مدينة زبيد وهو على هذه الصفة وهذا إنما هو لمن لا يعرفه وأما من يعرفه من أهل بيته فيتكلم معهم بالشيءِ اليسير أَعاد الله علينا من بركاته وقبر في مقبرة باب سهام قريباً من تربة الشيخ الصالح أحمد بن أبي الخير الصياد في ناحية الشرق منه. وكان وفاته ليلة الأحد الرابع من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ الصالح طلحة بن عيسى الهتار توفي شابّاً وكان حسن السيرة كثير الحج إلى بيت الله تعالى والزيارة لنبيه محمد ﷺ . وقبر ﵀ مع والده في قبته المعروفة في مقبرة باب سهام وكان وفاته يوم السبت السابع من شعبان من السنة المذكورة.
وفيها توفي الأمير الكبير فخر الدين أبو بكر بهادر الشمسي الأشرفي وكان أميراً كبيراً مشهورً أحد نصحاء السلطان حافظاً لما يتولاه. خدم السلطان الملك المجاهد ثم خدم السلطان الملك الأفضل ثم خدم السلطان الملك الأشرف. وكان وفاته يوم الخامس والعشرين من السنة المذكورة في مدينة تعز وقبر في مقبرتها بالأجناد رحمه الله تعالى.
وفي سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة وصل الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي إلى باب السلطان بزبيد وكان وصوله يوم الثالث من صفر وبين يديه رأْس العبد منصور على رمح طويل معمم بمنديل وأمامه عدد من الشفاليت ومضلع وصنج ونفير ورمحه يحمل أمامه رمحاً ملوساً وحصانه المسمى بالبلح يجنب خلفه وبعده عدة من رؤوس القتلى ما خلا رؤوس الأشراف فان الأشراف الذين يخدمون على باب السلطان من بني حمزة سألوا من السلطان أن لا يدار برؤوس قربائهم فأجابهم السلطان إلى ما سألوا. ووصل الأمير بهاء الدين بعده من الخيل القلائع فوهب له السلطان منها ستة رؤوس.
وفي يوم الثاني عشر من الشهر المذكور استمر الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي مقطعاً في حرض وتقدم السلطان إلى تعز يوم السادس عشر من شهر صفر.
стр. 506
وقد أمر القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد سالم بعمارة المساجد والمدارس والسبل وأضاف إليه شد الأوقاف المباركة بوادي زبيد المحروس وان يعيدها كما كانت. وكان الخراب قد استولى على كثير من المساجد والمدارس حتى الصقها بالأرض وبعضها أمثل من بعض.
فأما الذي عمر بعد أن كان داثراً فالمدرسة المنصورية الحنفية وموضع الحديث بها والسيفية الصغيرة والنظامية والعفيفية والميكائلية. ومسجد الأتابك ومسجد نجم ومسجد الطواشي فاخر ومسجد الطيرة ومسجد السلطان عباس الظفاري ومسجد أردمر ومسجد الساباط ومسجد بن الهمام ومسجد الخيزران ومسجد خليخان ومدرسة التربية ومسجد الصياد بها ومسجد الرند ومسجد القرتب وسبيله والسيل القاتني على باب سهام وسبيل المنظر وسبيل فشال واحدث السبيل الذي على باب الجامع بزببد.
وأما الذي معظمه خراب والأقل فيه قائم فالمنصورية العليا والاشرفية والسابقية والسيفية الكبيرة والتاجية والفقهية ومسجد السابق النظامي ومسجد قنديل ومسجد عصون ومسجد الحاجة سماع ومسجد الأمير عباس بن عبد الجليل والخانقة الصلاحية بزبيد ومدرسة المسلب وسبيل المنصوة ومسجد الجبرتي والقبة القاتنية ومسجد الحثاثة وسبيل الربد وسبيل التربية وسبيل الصلاحية بزبيد وسبيل باب النخل ومسج بستان الراحة والخانقة التاجية وجامع النويدرة وسبيله وسبيل الطنبغاء.
وما الذي معظمه قائم وما فيه خراب فالمدرسة الصلاحية والفاتنية والفرحانية وسبيلها ومدرسة الميلين والعاصمية والشمسية والهكارية ومدرسة القراء والحديث بها ومسجد الست جهة رشيد والمسجد الجامع بزبيد وسبيل الطواشي خضير.
فهذه خمسة وستون موضعاً من المآثر الدينية فقام في ذلك كله قياماً كليّاً واجتهد وأعاد معالم الوقف على حقائفها المعتادة ورسومها القديمة وأحيا السبل الداثرة وقام في ذلك حق القيام حتى شكره الخاص والعام.
стр. 507
وفي شهر ربيع الأول كتب أهل الشوافي إلى الإمام يستدعونه إليهم فجمع جموعه من الزيدية وغيرهم وسار إلى أن بلغ بلد الشوافي فأجابه بعضهم وحط على حصن الدرج بمن معه من العسكر ومن أجابه من أهل الشوافي وضيقوا على الرتبة ضيقاً شديداً حتى أخذوه في شهر ربيع الآخر.
وفي يوم السادس والعشرين زحف الإمام بجيوشه على حصن خَدد وخرج إليه المرتبون وقاتلوه قتالاً شديداً فقتلوا من عسكره اثني عشر رجلاً وحملوا بعض رؤوسهم إلى السلطان. وكان السلطان يومئذ في دار الشريف بتعز. وكان ارتفاع الإمام عن خَدَد يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور.
وفي سلخ شهر ربيع الآخر وقع الخلاف بين الشهالبين وبني الفقيه سكان النخل فقتل الشهالبون من بني الفقيه وحلفائهم رجلين وحرقوا محلتهم وكان هذا أول خلف وقع بينهم فأمر السلطان بأدب الشهالبين والتغليظ عليهم فتأَدبوا عشرة آلاف دينار.
وفي يوم السادس عشر من جمادى الأولى أمر السلطان علي القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر الوزير بالتقدم إلى المخلاف فتقدم في التاريخ المذكور فأقام في جبلة في قطعة من العسكر.
وفي أثناء إقامته خالف الشيخ عبد الباقي الصبهاني ونزع يده من الطاعة وكان صهره محمد بن السيري يدافع عنه مدافعة ظاهرة والباطن بخلاف ذلك فجمع الوزير العسكر والقبائل من التعكر وغيره وغزا بلاد الصهباني وكان قد لزم جبل ثلم وأراد أن يبني فيه حصناً. وهذا سبب الخلف بينه وبين الدولة فغزاه الوزير بالعساكر واخرب بلاده كلها وقصره المشهور الذي في الهادس وحملوا حضيرته إلى جبلة وأرسل بها الوزير إلى السلطان وهو يومئذ في الدملؤَة فشكره على ذلك وأنعم عليه.
وكان علي بن داود الحبيشي قد ظهر منه عصيان وخروج عن طاعة السلطان فذل عند هذه القضية ووصلوا جميع القبائل مستذمين.
стр. 508
وفي يوم الأربعاء التاسع عشر من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى الدملؤَة لأمر أوجب ذلك فأقام هناك إلى سلخ شهر جمادى الأولى ثم رجع إلى تعز.
وفي هذا التاريخ استمرَّ الأمير بهاء الدين الشمسي أميراً بأَبين وتقدم إليها وتوجه الركاب العالي إلى زبيد فدخلها يوم العاشر من الشهر المذكور فأقام في زبيد أياماً ثم تقدم إلى النخل يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور فأقام في النخل إلى يوم العاشر من شهر رجب ثم قصد البحر فأقام به أياماً قلائل ثم رجع إلى زبيد. وفي غرة شهر شعبان تقدم السلطان إلى تعز فدخلها يوم الرابع من شعبان.
وفي النصف من شهر شعبان برز مرسوم السلطان باستمرار القاضي زكي الدين أبي بكر بن يحيى بن أبي بكر بن أحمد بن موسى بن عجيل في القضاء الأكبر في أقطار المملكة اليمنية ولقبه القاضي زكي الدين. وكان فقيهاً نبيهاً عالماً فطناً لوذعيّاً أَلمعيّاً أديباً لبيباً كامل الأوصاف مشاركاً في عدة من فنون العلم وليس له نظير. وصام السلطان هذه السنة في تعز وكان جل أقامته في دار الشجرة وعيد في دار الشجرة.
وفي ليلة الاثنين التاسع من شوال انقض كوكب عظيم من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال وقت صلاة العشاء فكان له ضوء عظيم زائد على ضوءِ القمر زيادة كثيرة وبعد مغيبه بقلي وقعت هدة عظيمة حتى سمعت أن بعض العقلاء قام من موضعه فزعاً مرعوباً يظن أن منزله قد انهدم أو انهدم بعضه من شدة ما سمع.
وفي اليوم الثاني عشر من شوال تقدم السلطان من تعز إلى مدينة زبيد فدخلها يوم السادس عشر من الشهر المذكور فأقام في القُوّرِ أياماً ثم دخل زبيد فأقام أياماً وعيَّد عيد الأضحى.
وفي يوم عيد الأضحى وقع حريق في ناحية المجزرة فاستولى على بيوت كثيرة وعلى جانب من السوق.
وفي ذلك اليوم قتل الشيخ علي بن محمد العجمي شيخ الأشاعر في فَشَال وكان قتله بعد صلاة العيد في قرية فشال والذي قتله جماعة من بني الدريهم وكان السبب في ذلك أن بني الدريهم أغاروا على عبيد العبادل ليأْخذوا شيئاً من ماشيتهم وكانوا إذا
стр. 509
أَخذوا شيئاً من الماشية أتاهم العبيد قيفدونه منهم. فلما كان في هذه السنة أغاروا على العبيد فوجدوهم على حذر فتقاتلوا فجرح بعض العبيد وكان من مشايخهم. فلما أحس بنفسه قال لا يفوت القوم فإني مقتول وكانت العرب قتلته بين العبيد لأنهم آمنون من سطوة العبيد عليهم. فوقع العبيد على رئيس الحرس وهو علي بن النهاري فقتلوه وكان فارساً شجاعاً مقداماً. وكان أبوه شيخ بن الدريهم وكبيرهم فحمل الولد مقتولاً إلى محلة أهل هـ ودفنوه بها فقال أبوه والله لا قتلت بابني عبيداً ولا أقتل إلا أكبر العبادل وأسلم دية العبدلي المقتول. وكانت العبادل أكثر عدداً وبني الدريهم أكثر شرّاً. فما برحوا على هذا الأمر حتى وجدوا غرة من الشيخ علي بن محمد العجمي في يوم عيد الأضحى المذكور فقتلوه كما ذكرنا ظلماً وعدواناً.
وفي هذه السنة توفي الطواشي جمال الدين ثابت الخازندار الأشرفي. وكان خادماً سعيداً وحيداً في جنسه في عصره. وكان وفاته يوم الأحد سابع شهر المحرم أول شهور السنة المذكورة ودفن في مقبرة باب سهام في الناحية الشرقية منها قريباً من قبر الشيخ الصالح طلحة بن عيسى الهيار رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام العلامة جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي. وكان فقيهاً عارفاً محققاً مدققاً نقالاً للنصوص بارعاً في المذهب. وهو الذي صنف التفقيه في شرح التنبيه أربعة وعشرين مجلداً. وكانت له حظوة عند الملوك صحب السلطان الملك المجاهد ثم صحب ولده السلطان الملك الأفضل إلى أن توفي ثم صحب السلطان الملك الأشرف وولاه قضاء الأقضية في المملكة اليمنية بأسرها وجمع من المال ما لا يجمعه أحد من الفقهاء البتة. ولكن من وجوه مختلفة عفا الله عنه. وكان له مكارم أخلاق باذلاً نفسه وماله للطلبة. وجمع من الكتب شيئاً كثيراً وغلى قيمة الأعماد. وكانت وفاته في اليوم الرابع والعشرين من صفر وقبر على باب تربة الشيخ الصالح أحمد بن أبي الخير الصياد في مقبرة باب سهام رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير الأجل بدر الدين محمد بن علي بن إياس وكان أميراً كبيراً شهماً جواداً حازماً سريع النهضة عند الحادثة يتولى الأمور بنفسه.
стр. 510
بدايته كنهاية غيره من أبناء جنسه. وكانت وفاته في العشر الأولى من صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه العالم أبو العباس أحمد بن موسى بن علي الجلاد النخلي الفرضي الحنفي وكان فقيهاً فاضلاً في مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى إماماً في الفرائض والجبر والمقابلة والحساب له مصنفات مفيدة اخذ عن والده وعن غيره وانتفع به خلق كثير لاسيما في الفرائض والحساب والهندسة. وكانت ولادته في الثامن والعشرين من ذي الحجة في آخر سنة سبعمائة. وتوفي في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة تقدم السلطان إلى فَشال وأمر بالمحطة على بني الدريهم الأَشاعر الذين قتلوا الشيخ علي بن محمد العجمي. وكانوا قد انتقلوا إلى الجبل وكثر فسادهم ونهبهم فلما حضرهم السلطان أذعنوا وطلبوا الذمة وبذلوا الدخول تحت الطاعة وتسليم الأدب فأذمّ عليهم السلطان وأمرهم برفع المحطة عنهم.
وفي هذا التاريخ استمر الأمير سيف الدين مبارك شادّ مقطعاً في حَرَض عوضاً عن الأمير فخر الدين أبي بكر بن بهادر السنبلي. ورجع السلطان إلى زبيد فدخلها يوم السبت الرابع والعشرين من المحرم. وتقدم السلطان إلى تعز يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور فكان دخوله تعِز يوم الأحد الثالث من صفر.
وفي هذا التاريخ وصل الإمام إلى بعدان في جيش أًجيش فحط عليهم ولم يبرح يقاتلهم أياماً حتى أن أهل بعدان سيبوا الماء في أجوال هنالك مزروعة قضباً فأقام الماءَ يوماً وليلة. فلما كان اليوم الثالث فتحوا الحرب واستجروا عسكر الإمام حتى أبعدوا بهم وقد جعلوا كميناً. فلما أمعن أصحاب الإمام في الطلب لأهل بعدان عطفوا عليهم وثار الكمين من موضعه ولزموا لهم الطرق فلم يجدوا طريقاً إلا في ذلك القضب الذي قد سيب فيه الماء فرسبت الخيل والرجل فقتل منهم طائفة. فكان ذلك سبب هزيمتهم وارتفع الإمام وسار إلى ذمار.
стр. 511
وفي غرة شهر ربيع الأول تقدم السلطان إلى حصون المداد وترك على كل حصن منها محطة حتى تسلم جميعها إلا الحصن الذي يسمي ريسان فان ولد علي بن محمد بن مظفر أقام فيه وهرب والده علي بن محمد بن مظفر وترك البلاد بأسرها فأقام السلطان فيها نواباً من غلمانه الثقات ورجع إلى تعز فدخلها صبح يوم الأحد الحادي والعشرين من الشهر المذكور وكانت غيبته عن تعز عشرين يوماً.
قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بإحسانه وحدثني الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الناشري أن عسكر السلطان سار إلى بلد الهمول في شهر ربيع الأول المذكور فكبسوا واحدة من قراها في ليلة الجمعة الخامس من شهر ربيع الأول المذكور فاخبروا انهم وجدوا فيها مولودة صغيرةً لها أربع أيادي وأربع أرجل فسبحان الخلاق العليم القادر على ما يشاءُ.
وفي العشر الأواخر من الشهر المذكور انفصل القاضي شرف الدين سليمان ابن علي الجنيد عن القضاء بزبيد وأمره السلطان قاضياً في مدينة تعز.
وتولى القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الناشري قضاء زبيد فسار بالناس سيرة صعبة أتعب فيها نفسه وغيره فكثر ساكوه هذا مع ورعه وعفته وفقهه ومعرفته. ففصله السلطان وأمّر أخاه القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري. فكان استمراره يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وكان قبل ذلك حاكماً في الأعمال الحيسية فنقله منها إلى زبيد في التاريخ المذكور.
وفي يوم الحادي والعشرين من لشهر المذكور تقدم السلطان من مدينة تعز إلى الثغر المحروس فدخلها يوم الاثنين السابع والعشرين منه.
وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور ظهرت هالة على الشمس لمضي ثلاث ساعات تقريباً إلى آخر الساعة السادسة. وكانت هالة كبيرة بينها وبين قرص الشمس من كل ناحية نحو من عشرة اذرع في رؤية العين. وكان لونها لوناً عجيباً لا يمكن أحد يعبر عنه عبارة حقيقية بل هو بحكم التقريب بين البياض
стр. 512
والصفرة والحمرة والخضرة وفي دائرها ألوان مختلفة دائرة عليها وبعد الجميع شعاع أبيض كأنه الفضة البيضاء وسمعت عدة من الأكابر المعمرين يقولون انهم ما رأَوا مثلها أبداً ولا سمعوا من أحد ممن تقدمهم أنه رأَى مثلها.
وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين كسفت الشمس. وفي يوم الثالث من شهر جمادى الأولى ظهرت على الشمس مثل الهالة الأولى المذكورة آنفاً. وكان ظهورها بعد مضي ثلاث ساعات من النهار إلى آخر الساعة التاسعة. واضمحلت عند أذان العصر من النهار.
ولما دخل السلطان عدن في التاريخ المذكور أقام فيها شهر جمادى الأولى وعشراً من جمادى الأخرى ثم ارتحل إلى محروسة زبيد فكان دخوله زبيد يوم الرابع والعشرين من جمادى الأخرى فأقام فيها خمسة عشر يوماً. وفي مدة إقامته في زبيد استمر الأمير بهاءُ الدين الشمسي مقطعاً في حَرَض عوضاً عن اللطيفي. واستمر الأمير بهاءُ الدين اللطيفي في الأعمال السرددية.
وفي هذا التاريخ سار الإمام من بلده في جموعه من طوائف الزيدية فقصدوا بني شاور فبسط العسكر أيديهم وعاثوا في البلاد وقتلوا الفقيه الإمام العلامة أبا العباس أحمد بن زيد الشاوري وقتل معه جماعة من أهل بلده ونهب بيت الفقيه المذكور. وكانت فيه أموال جمة مودعة للناس عند الفقيه وكان الفقيه في غاية من العلم والعمل. وكان قتله في يوم الأَحد الحادي عشر من شهر رجب رحمه الله تعالى. وكان قتله ظلماً وعدواناً ولم تطل مدة الإمام بعده بل عوجل في أقَرب مدة
ما كان أقصر وقتاً كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورد والقرب
ورثاه بعض قرابته الفقهاء الشاوريين بقصيدة يقول في أولها
ألا شَلَّتْ يمينك يا صلاح ... وعجل يومك القدر المتاح
وفي يوم التاسع من رجب تقدم السلطان إلى النخل فأقام فيه بقية شهر رجب وتقدم إلى البحر غرة شهر شعبان. فأقام فيه ستة أيام ورجع إلى النخل وارتفع يوم الثامن الشهر.
стр. 513
وفي يوم السادس من شعبان ركب الإمام صلاح لبعض ما يريد من الأمر فبينما هو سائر على بغلته إذا قبل طائر من الجو فأَصاب وجه البغلة فنفرت البغلة نفرة شديدة ألقت الإمام عن ظهرها فتعلقت رجله في الركاب فازدادت البغلة نفوراً لما سحبته وبقيت رجله في الركاب فانعسفت رجله وقيل رجله ويده وكان في موضع وعر فلم يتمكن الحاضرون من أَخذه حتى لزموا البغلة أو قيل عقروها ثم حمل من موضعه ذلك على أعناق الرجال إلى أن دخلوا به حصن ظفار. وكان سقوطه يوم السادس من شعبان. فأقام هنالك أليماً أياماً ثم انتقل إلى صنعاءَ فدخلها في العشر الأولى من شوال في جمع عظيم وهو يجد شيئاً من الألم ولكنه يظهر الجلد. فأقام في صنعاء أليماً وقيل حدث به مرض آخر في النصف الأخير من شوال فلم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الثالث من ذي القعدة وقيل يوم الثاني منه من السنة المذكورة والله أعلم.
وفي الرابع عشر من شعبان وصلت كتب ابن المدادي إلى السلطان يبذل تسليم حصن ريسان والدخول تحت الطاعة ويطلب ذمة شاملة فأجابه السلطان إلى ما سأل وسلم الحصن المذكور.
وتقدم السلطان إلى تعز يوم السابع عشر من الشهر المذكور. فكان دخوله تعز يوم العشرين منه. وصام رمضان هذه السنة في مدينة تعز في مدينة ثعبات.
واستمر الجمال المصري المكي محتسباً في مدينة زبيد في شهر رمضان المذكور فقام بالوظيفة قياماً مرضيّاً وأمعن النظر في مصالح المسلمين.
وفي شهر رمضان برز أمر السلطان بعمارة الزيادة الشرقية التي في جامع عدينة من مدينة تعز واستحث الناس على فراغها حتى فرغت كما هي الآن فانتفع الناس بها انتفاعاً عظيماً بخلاف الزيادة الغربية التي عمرها السلطان الملك المجاهد في أيامه. وأمر يومئذ بتسوير مدينة الجند. وكان سورها قد اندرس ولم يبق له أثر فأعاده على الحالة الأولى وربما هو اليوم أحسن مما كان والله أعلم.
وفي يوم الثامن من شهر رمضان المذكور أخذ رجل من البهادرة في مدينة تعز ذكروا أنه ساحراً وكان يتشبه بالمسلمين فكحل وقطعت يده.
стр. 514
وفي شهر رمضان من هذه السنة أصاب الناس مجاعة عظيمة في التهائم وتأخر الغيث عن أيام إتيانه فارتفع السعر وهلكت البهائم وانقطعت السيول فاكتشفت أحوال كثير من الناس وابتاع مُدَّا الطعام بنيف وتسعين دينار. وابتاع السمن في أيام عيد الفطر كل أربعين قفلة بدرهم. ثم حصل المطر في آخر شهر رمضان وسالت الأودية ثم تنفس السعر في نصف شوال وتواترت الأمطار ووصل الطعام الجديد.
وفي يوم الحادي والعشرين من شوال تقدم الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي إلى الجهات الشامية لجباية الأموال منها.
وفي يوم السابع والعشرين تقدم علم الحج المنصور من مدينة تعز إلى مكة المشرفة فدخل مدينة زبيد يوم لجمعة سلخ شهر شوال. وكان تقدمه من زبيد يوم الأحد ثاني عشر ذي القعدة. وفي ذلك اليوم وصل الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي بأموال الجهات الشامية.
وفي يوم التاسع من ذي القعدة تقدم السلطان من محروسة تعز إلى مدينة زبيد فدخلها يوم الخميس الثالث عشر من الشهر المذكور فأقام في بستان الراحة ثمانية أيام. ثم دخل إلى دار السلطنة بزبيد يوم الحادي والعشرين من الشهر فأقام هنالك أياماً ثم سار إلى سرياقوس يوم الاثنين الرابع والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم الخامس والعشرين تقدم القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي لاستخراج أموال الجهات الشامية وهو يومئذ مشد الدواوين كلها. ورجع السلطان من سرياقوس يوم الثامن والعشرين وعيَّد عيد الأضحى في بستان الراحة وأقام هنالك إلى يوم التاسع عشر ثم تقدم إلى سرياقوس فأقام هنالك ثلاثة أيام ورجع إلى زبيد وأقام إلى الثامن والعشرين.
وفي يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر المذكور صلى السلطان الجمعة في جامع زبيد وهي أول جمعة صلاها في جامع زبيد.
وفي هذا التاريخ كتب أهل النويدرة كتاباً إلى السلطان يسأَلون منه الإذن في إعادتهم إلى قريتهم الأولى على باب سهام فأذن لهم.
стр. 515
وفي سنة أربع وتسعين انتقل أهل النويدرة إلى قريتهم الأولى وكان انتقالهم إليها في أول يوم من المحرم أول شهور السنة المذكورة. وأمر السلطان على القاضي شهاب الدين بالتقدم إلى فشال لاستنهاض أموال الخراج فأقام هنالك أياماً ووصل سريعاً بالمال المتحصل من الجهة المذكورة.
وفي آخر الشهر المذكور وصل الشريف المهدي بن عز الدين الحمزي صاحب تلمص ووصل بعده الشريف شمس الدين سليمان بن يحيى المعروف بحجرية.
وفي هذا التاريخ أمر السلطان على القاضي سراج الدين عبد اللطيف ابن محمد بن سالم المشد يومئذ بزبيد أَن يباشر القضاء الذي يسمى الجهمي من نخل وادي زبيد وان يغرسه فابتدأَ في غرسه في أول هذه السنة المذكورة فبادر ممتثلاً للأمر وغرسه في أيام قلائل. وكان عدته ألفا ومائة وأربعين نخلة أو قريباً من ذلك وهو الذي يسمى الرياض في هذا الوقت.
ووصل الوزير من الأعمال الرمعية بحواصلها يوم الاثنين السادس من صفر وبعد أيام قلائل وصل الشيخ شهاب الدين أحمد بن حسن بن ناجي صاحب السحول في أهله وقرابته إلى باب السلطان فقابله السلطان بالقبول والإحسان فأقام ثمانية أيام في تعز. ثم تقدم لقبض الحصن المعروف بذي الحرسة فقبضه.
وفي ليلة الثلاثاء العشرين من صفر من السنة المذكورة رأَى السلطان رسول الله ﷺ . قال علي بن الحسن الحزرجي أخبرني الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الرداد. قال كتب إليَّ مولانا السلطان الملك الأشرف كتاباً وأوقفني على كتابه إليه. قال وأخبرني بعد الكتاب مشافهة أنه رأَى في التاريخ المذكور وكان يومئذ مقيماً في دار العدل في مدينة تعز. قال رأَيت كأني في مرج يشبه الماء الحار الذي هو فيما بين تعز وعدن وكأني بين نخل وسدر وموضع يشبه ساحل الغارة إلا أنه لا يجر هنالك وكان في طرف المكان مجلس بعيد من الموضع الذي نحن فيه. وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعليّ ﵃ أجمعين
стр. 516
هنالك والنبي ﷺ قاعد على قعادة بلا حصير حبالها عتق كأنها حبال قعادة الرعاءِ عليها اثر الغنم والبقر وإذا بي أقبلت أنا وعلي وإذا بالنبي ﷺ قال مد يدك نبايعك وكأني لم أفهم إلا وأنا معظم الشأْن كأني مثل الذين وصل إليهم بقبائل أُريد أن انصرهم وهم مثل الفرجين بي. فمددت يدي إلى النبي ﷺ فبايعني فقمت من ساعتي بعد المبايعة وأنا أقول لهم ما يخرج ولا يبرق في بعض الطرقات من هؤلاءِ الفعلة الصنعة. فقال لي النبي ﷺ قم فنهضت أنا وعلي ﵁ وركبنا على فرسين وسرنا وإذا بنا في عدن عن يميننا بحر وعن يسارنا جزائر من جبل أحمر وأنا أقول له إشارة بإصبعي من هنا كان يريد الفاعل الصانع يدخل عدن يعني الإمام. وإذا بنا رجعنا إلى الجماعة وقد صار النبي ﷺ واقفاً على قعادة لي صغيرة أرجلها من صندل أحمر والبساط الذي اقعد عليه وهو بساط من حرير وعلى النبي ﷺ دراعة شيخ ثم اندرس. فلما كان الليلة الثانية وإذا بي أرى جماعة وهم أبو بكر وعمر وعلي ونحن على تلك الحال التي فارقتهم فيها الليلة الأولى ولم أرَ النبي ﷺ وكأني أروم معاصرة عمر فانتبهت فزعاً. فلما كان الليلة الثالثة وإذا بي أرى الجن وأنا مثل المتفرس عليهم وعليهم شرافوشات الصناعة وصورهم مثل صور الآدميين لا فرق إلا أني أفهم أنهم من الجن فتعجبت من هذه النكتة العجيبة.
قال علي بن الحسن الخزرجي هذا منام عجيب يدل على بشارات وإشارات حسنة ولا يصلح أن يكون إلا لمثله أصلحه اله صلاحاً حسناً وفقهه للعمل بما يرضيه أنه على ذلك قدير.
وفي يوم الخامس من شهر ربيع الأول توفي الشريف صاحب بكر. وكانت وفاته بمدينة تعز.
وفي يوم العاشر من الشهر توفي القاضي صدر الدين عبد الحق بن الفقيه موفق الدين علي بن عباس المقري وكان طلع هو والشريف المذكور من زبيد في محمل مترافقين في الطريق فسقط بهما المحمل فتكسرت أعضائهما فحملا إلى تعز أَليمين
стр. 517
فماتا في تاريخهما.
وفي اليوم الثاني عشر من الشهر المذكور وصل الشيخ شمس الدين علي بن الرياحي السرحي شيخ مشايخ العرب طائعاً مختاراً. ووصل معه أهله وقرابته فقابلهم السلطان بالقبول فاصرف له وللواصلين معه ثلاثمائة وخمسين قطعة من الملابس الفاخرة واركبه بغلة بزيارة وحمل له خمسة آلاف دينار.
وفي هذا التاريخ حصل حريق في زبيد وكان ابتداؤٌه من ناحية المجزرة فأخذ شرقاً وشمالاً فحرقت فيه بيوت كثيرة وتلفت فيه أموال جمة.
وفي هذا التاريخ حصل في مدينة تعز ونواحيها منه شيءُ يسير وتوفي في تلك الليلة الأيام الطواشي معتب الأشرفي زمام الجهة الكريمة والدة مولانا الملك الناصر واخوته أولاد مولانا السلطان الملك الأشرف تولاه الله بحسن ولايته.
وتوفي الأمير شمس الدين علي بن أحمد الواشي وكان فارساً شجاعاً مقداماً في الحرب حسن الشمائل لطيف الخلق والخلق.
وتوفي الفقيه الفاضل شهاب الدين أحمد بن بدير النساخ الأشرفي. وكان حسن الحظ تقياً توفي شاباً رحمه الله تعالى.
وفي الخامس والعشرين من الشهر المذكور وصل علم الحج المنصور من مكة المشرفة ووصل عدة من الحجاج واخبروا انه وصلت كتب إلى مكة المشرفة وألقيت في المقامات الأربعة نسخها متقنة في المعنى مختلفة في بعض الألفاظ وقعت لي نسخة منها فأثبتها وهي: بسم الله الرحمن الرحيم. ومن عبد الله المهدي المنتظر خليفة سيد البشر أمير المؤمنين محمد بن عبد الله بن بنت رسول الله. هذه بشارة وبشرى. وتذكرة إلى أم القرى. يدعو إلى رب العالمين بما ورد في الكتاب المستبلين. وأسند إلى الصحيح من سيد المرسلين. وأصحابه المطهرين. ﷺ وعليهم أجمعين. أجيبوا إمامكم. تجدوا الحق أمامكم. بدواع سليمة. لموارد سليمة. فما دعوت لهذا الشأن. حتى دعاني الملك الديان. فأجبته داعياً فائتمروا بما أمرت. والتزموا بما التزمت وكونوا كالبنان. أو كالبنيان. كالعترة الواحدة في
стр. 518
الأديان. هذه سجية الأعوان والأكوان. أسرعوا وسارعوا أيما إسراع. وأقبلوا إلى الله في صحة الإقلاع) إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (. وبعد السلام عيكم ورحمة الله وبركاته والدعاء وصيتكم وصلى الله على سيدنا محمد وآله ورضى الله على الصحابة أجمعين واتباعه الطاهرين وجعلنا نتبع أمرهم ونقفو أثرهم ونفع بهم آمين آمين آمين انتهى.
وفي يوم الاثنين سلخ شهر ربيع الآخر أمر السلطان بحمل أربعة أحمال طبلخانة وأربعة ألوية للأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن الشمس واستمر عوضه في عدن الأمير عز الدين هبة ابن الأمر سيف الدين سندمر. وبرز مرسوم السلطان ومنشور كريم إلى الأمير شهاب الدين بالتقدم إلى الجهات المخلافية.
وفي هذا التاريخ المذكور اقتتل الأشاعر الفرس بوادي زبيد فقتل من الفرس خمسة رجال أجواد ونهبت محلتهم وحرق بعضها. كان مشايخ الأشاعر يومئذ في زبيد فلزمهم المشد وهو القاضي سراج الدين عبد اللطيف ابن محمد بن سالم وهم النهاري الأحمر وولده أبو القاسم المهرس فأدبوا في قتل الخمسة المذكورين خمسة عشر ألف دينار.
وفي غرة شهر جمادى الأولى وصل مرسوم السلطان منشور كريم إلى زبيد يتضمن الصدقة على كافة الرعية بزيادة معاد في كل قطيعة في كافة جهات المملكة اليمنية صدقة مستمرة وان يعفوا عن مصالحة العطب في وادي زبيد يوم الرابع من شهر جمادى الأولى. كانت هذه من فعلانة الحسان. وقرى المنشور في الجامع بإفشال يوم الجمعة الحادي عشر بمثل ذلك وكذلك في سائر الجهات وكثر الدعاء للسلطان وانتشرت صدقته في كافة الجهات اليمنية.
وفي يوم السابع من الشهر المذكور تقدم الأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن
стр. 519
الشمسي إلى ناحية المخلاف فقبض حصن نعم ورتب فيه الأمير بدر الدين محمد ابن علي بن عمر بن ناجي وتوجه إلى ناحية أرياب.
وفي يوم الأحد الثالث عشر من شهر جمادى الأولى ظهرت هالة على الشمس مثل الهالة التي ظهرت في السنة الماضية.
وفي يوم الخامس عشر وصل شيخ الجحادر في جمع كثيف من قرابته وأهله إلى باب السلطان باذلاً من نفسه الطاعة فقابله السلطان بالقبول وكساه وأكرمه.
وفي يوم السادس عشر وصل الشريف الجليل الكبير النبيل أبو الفضائل الهدوي إلى باب السلطان فأنصفه السلطان وأكرمه وتواترت القبائل من كل ناحية.
وفي اليوم الحادي والعشرين من الشهر المذكور كان ظهور أولاد السلطان الملك الأشرف وهم الصغار.
وفي هذا التاريخ هرب أحمد بن السيرى من غير سبب يوجب ذلك.
وفي أول شهر جمادى الآخرة نزل السلطان إلى زبيد فدخلها يوم السابع من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن أحمد التهامي وهو آخر من ولي القضاء من أهل بيته.
وفي هذا التاريخ أمر السلطان بعديد النخل من وادي زبيد على يد القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وندب القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي بعديد نخيل الجهات اليمنية فتقدم إليها في الخامس عشر من جمادى الأخرى. وتقدم السلطان إلى نخل الأبيض يوم العشرين من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ انهدم من حصن تعز من نواحي السنبلة على جماعة مات منهم اثنان وسلم الباقون.
وفي يوم الخامس والعشرين وصل الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي من الجهات الشامية ووصل صحبته تسعون رأساً من جياد الخيل. وجرده السلطان إلى المداد فكان تقدمه إلى هنالك يوم العاشر من رجب.
стр. 520
وفي هذا التاريخ استمر القاضي جمال الين محمد عمر بن شكيل بالأعمال التهامية عوضاً عن القاضي شجاع الدين بن علي العلوي. واستمر القاضي شجاع الدين عمر بن علي العلوي المذكور مشداً في المحالب. وانفصل الأمير سيف الدين مبارك شاه عن الجهة المذكورة وأضيفت إلى ابن السنبلي واستمر القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد مشداً في رمح. وتقدم السلطان إلى النخل يوم السادس عشر من رجب فأقام في النخل إلى السادس عشر من شعبان.
وفي غرة شعبان توفي الطواشي الدين ظريف الأشرفي زمام الباب السعيد وكان خادماً خداماً قائماً بما يتوله. وطلع السلطان من النخل يوم السابع عشر من شعبان المذكور. وتقدم إلى تعز يوم الثامن عشر. وكان دخوله يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور. وصام السلطان رمضان هذه السنة في تعز فكانت إقامته في دار الوعد.
وفي يوم العاشر من رمضان المذكور وصل ولد الحبيشي من الشوافي أرسل به اخوته ومعه عدة من عسكر البلاد. وفي ذلك اليوم وصل القاضي شرف الدين الفارقي بخرج نخل الجهات الموزعية.
وفي يوم الثامن عشر من الشهر المذكور وصلت خيول أهل الخنكة أرسل بها الأمير بهاء الدين الشمسي. وكانت نحواً من أربعين رأساً.
وفي آخر شهر رمضان وصل إلى باب السلطان الأمير قيسون وكان السلطان قد طرده يوم قضية المماليك في القور وقد تقدم ذكرها. فلما رجع إلى السلطان كساه وانعم عليه وأعادهُ إلى حالته الأولى. وعيد السلطان عيد الفطر في دار الشجرة.
وفي أيام عيد الفطر هرب الشريف بن أبي الفضائل من تعز وكان قد تزوج امرأة من سناء الملوك. فلما رأى ما عليها من الحلي جزل في عينيه فسعى في أخذه وهرب به بلاد حتى أن الناس سموه أبا الفضائل.
وما انقضى شهر رمضان عزم السلطان على تطهير أولاده فشرع في تحصيل ما لابد منه مما تدعوا الحاجة إليه من الجزائر على اختلاف أنواعها من الطير وذوات الأربع
стр. 521
ومن الحنطة والسمون والعسلان والأرزاز ومن الرمان والعدس والقرطم والحمر والزبيب واللوز والسكر والزعفران والنشا والفلفل وسائر التوابل والمصطكى والقرفة والسنبل والجوز بوَّا والسوسن. وما لابد منه من البقول على اختلاف أجناسها وأنواعها. ومن أنواع التمر والليمون وسائر الفواكه ومن الحطب والسبيط والشمع والبيض. وآنية الصيني واليشم والقاشاني والفخار من الصحون والزبادي والجرر والأدواج والكيزان البيض والطباشير والقراريب والمطاهر. ومن أنواع الرياحين كالفل والورد والنرجس والياسمين والمنثور والكاذي والاترج والبلح وأشباه ذلك. ومن أنواع الطيب كالمسك والعود والصندل البنفسج والشند والند والعنبر وماء والورد والغوالي وما لا يدخل تحت العد والحصر شي كثير. ووصل الأمراء والمقدمون من سائر الجهات فوصل القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم مشد وادي زبيد. وكان وصوله يوم الحادي والعشرين من شهر شوال. ثم وصل الأمر عز الدين هبة بن محمد الفخر وهو صاحب زبيد يؤمئذ وكان وصوله يوم الرابع والعشرين من الشهر المذكور.
وتقدم علم الحج المنصور يوم السادس والعشرين من محروسة تعز إلى مكة المشرفة واستعمل من قصور الشمع الملونة والشموع المزهرة شي كثير.
ولما انقضى شهر شوال المذكور طلب صناع الحلواء فاشتغلوا منها شيئاً كثيراً. وأخرج لهم من الصحون الصيني خمسمائة صحن مما لم يستعمل قط خارجاً عما قد استعمل قبل ذلك. ومن الفخار الزبيدي شي كثير للمضروب خاصة. ومن سائر الأنواع كالمشبك والقرعية القاهرية والشيزرية والخشخاشية والفانيذ ومن البطاطيخ واشباه الطير وغيرها وما يتنوع من ذلك واحتفل أهل الدار بل سائر الناس لذلك احتفالاً عظيماً فاستحضروا من المحصنات نحواً من ثمانين امرأة. واستحضروا من النساء الأمراء والمقدمين والقضاة والمتصرفين وأكابر أهل البلد فلم يتخلف منهن امرأة. وحمل الأمراء والمقدمون وكبار أهل الدول التقاديم النفيسة إلى باب الدار. فحمل في اليوم الثالث من ذي القعدة من بيت الأمير بدر الدين بن علي
стр. 522
الشمسي نحو من ستين حمالاً يحملون الشمع والمزهر والمقصور الملونة والمشام المشبوكة وشيئاً يجل عن الوصف ويزيد عن الحصر. وكذلك الطواشي صفي الدين جوهر بن عبد الله الصيني أمير الحصن يومئذ بتعز. وحمل القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي والقاضي رضي الدين أبو بكر بن عمر الصائغ والأمير بهاء الدين بهادر بن عبد الله الشمسي والأمير بدر الدين حسن الخراساني والشيخ شرف الدين السفساف وأرسل الأمي فخر الدين أبو بكر الغزالي صاحب حصن صبر بعدة مستكثرة من الحمالين يحملون أنواعاً من أشجار بلاده من الكاذي وقصب السكر وقضبان الآس والثوم والأخضر والفول الأخضر وألواناً كثيرة من الأعناب وغيرها.
وصار كل من حمل حملاً ممن ذكرناهم وغيرهم يجعل قبل محموله رأسين من البقر كبيرين على أتم ما يكون من الحسن وعليهما ثوبان من الحرير الملون وتصل معه عدة من المغاني والزناجين والبواقين يزفون كل حمل إلى باب الدار المعروف بدار النصر من ثعبات المعمورة. فإذا وصلوا الباب المذكور قام مقدم الجزارين فينزع الثياب الحرير ويذبح ما وصل من الجزائر فإذا ذبح ما أتى به إلى هنالك أخذه من حضر من الغلمان كالسواس والحمالة والبواقين وغلمان البساتين وأهل الإسطبل والفيالين وغيرهم من ينخرط في سلكهم.
وفي يوم السادس من الشهر المذكور أمر السلطان بركوب العساكر المنصورة إلى الميدان السعيد بثعبات المعمورة بكرة وعشية فلم يتخلف أحد من الوزراء الأمراء والمقطعين والمشدين والمقدمين وسائر الجند من الخيل والرجل ثلاثة أيام والطلبخانات تخدم في مواضعها ثلاثة أيام ليلاً ونهاراً.
وكان الطهور المبارك يوم الخميس والتاسع من الشهر المذكور فحضر الناس على اختلاف طبقاتهم من الوزراء والأمراء والمقطعين والمشدين وكتاب الدواوين والقضاة والفقهاء وكبار أهل الوقت. ودخل الجميع من الناس إلى سماط قد أتقنه طهاته. وتناصفت في الجنس جهاته. لم ير الراءون أعظم منه بعد أن أفضت الخلع الملوكية
стр. 523
والشاشات المذهبية على كبراء الدولة وكسي الحاضرون على اختلاف حالاتهم من غلمان السلطان خاصة. ثم خرجوا من مجلس السماط إلى مجلس الحلواء فأخذوا منه بحسب ما أرادوا. ثم قاموا إلى سماط فيه من الجوز واللوز والزبيب والعنب والسوبيا والفقاع والفستق والبندق وما يشبه ذلك شيء كثير. ثم قاموا إلى مجلس الطيب فاستعملوا منه شيئاً كثيراً من البخور والنسك والماء ورد والشند والغالية. وكان يوماً مشهدواً لم يكن في الدهر مثله.
قال علي بن الحسين الخزرجي عامله الله بإحسانه وكنت ممن حضر ذلك وشاهده شيئاً فشيئاً. وحضر عدة من فصحاء الشعراء بالقصائد الفاخرة وأجيزوا الجوائز السنية وهم الفقيه موفق الدين علي بن محمد الناشري والفقيه سراج الدين عبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي والفقيه رضي الدين أبو بكر بن فارس والفقيه عفيف الدين عثمان بن أبي الأصبحي وألفيه نور الدين علي بن إياس الحموي والفقيه برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر العزيزي والفقيه شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الصبري والفقيه برهان الدين الحجافي والفقيه موفق الدين علي الطيني والفقيه بدر الدين حسين علي الحجازي. ولم يمكني إثبات قصيدة أحد دون أحد وفي جمعهم تطويل وملل. ورأيت أن لا أخلي هذا السرور العظيم عن قصيدة كنت ممن قال في ذلك الفرح والسرور ما يعد به من جملة المحبين فاثبت قصيدتي التي قلتها يومئذٍ وأنا أعلم إنها دون كل ما قيل ولكن ألجأت الضرورة إليها وهي:
هبَّ النسيم معنبر النفحاتِ ... وشد الحمامُ بأطيب النغماتِ
وتضوَّع اليمن الخصيب بأسرهِ ... بالطيب من عدنٍ إلى عرفات
وتأَلق البرق الكليل فأشرقت ... أنواره في حندس الظلمات
فرحاً بتطهير الملوك الأكرمي ... ن الأعزمين الجلة السادات
أسد الحروب إذا الرماح تشاجرت ... يوم الوغى وأهلة الجلسات
أولاد مولانا ومالك عصرنا ... قمر الخلافة صادق العزمات
الأشرف بن الأفضل بن علي بن دا ... ود بن يوسف قسور الغابات
стр. 524
أشباهه في الخلق والخلق الرضى ... والحزم والحركات والسكنات
والجود يوم السلم والأفضال وال ... إقدام يوم الروع والفتكات
فالدوح ترقص في غلائل سندس ... والجوُّ ينثر لؤْلؤ القطرات
والروض معتم النبات بنرجس ... وشقائق تزري بكل نبات
والناس في فرح وفي مرح وفي ... لعبٍ وفي طربٍ وفي لذات
والطير ذا شادٍ وهذا زامرٌ ... فوق الغصون بأفصح الأصوات
والكل يدعو باختلاف لغاتهم ... في كل ما وقت من الأوقات
يا رب مهد للممهد ملكه ... وانصره واحرسه من الآفات
وافتح له فتحاً مبيناً واكفه ... صرف الردى وتغير الحالات
حتى تدين له البلاد بأسرها ... بالسيف من مصر إلى قلهات
الأشرف الملك الذي عم الورى ... بالفضل والإحسان والحسنات
وأخو الفضائل والفواضل والنهي ... والمكرمات الغر والجفنات
ملك له تعنوا القبائل طاعة ... وله يدين الكسروي العاتي
وأماجد المتعطف المتفضل ال ... متطول المتهلل القسمات
في وجهه نور الهدى متشعشع ... متكشف عن واضح الآيات
يغزو فيغزو الطير فوق جيوشه ... والوحش معه يسير في الجنباب
ذو فطنة ينبيك بعد غد بما ... سيكون بعد غد بما هو آت
وسماحة وفصاحة وصباحة ... وشجاعة ورجاجة وأبات
وموارد مشهورة ومشاهد ... مذكورة ومكارم وصلات
وأبانة ورصانة وشجاعة ... وبراعة وفراسة وثبات
وسعادة أغنته يوم نزاله ... عن سل صمصام وهز قنات
يا سيد الخلفاء دعوة خادم ... يدعو الإله بصالح الدعوات
في كل يوم بكرة وعشية ... قبل الصلاة وبعد كل صلاة
بالعز والإقبال ما طير شدا ... والسعد والتوفيق في الحركات
стр. 525
وفي يوم الجمعة العاشر من ذي القعدة أجاز السلطان جماعة من الشعراء وغيرهم ذهباً وفضة وانتشر جوده وغمر كثيراً من الناس بره.
وفي يوم الاثنين الثالث عشر من الشهر المذكور برز مرسوم السلطان بان يحمل للشريف فخر الدين عبد الله بن إدريس بن محمد بن إدريس بن علي ابن عبد الله بن حسن بن حمزة حمل وعلم وجرده إلى بلاده العليا. وحمل له من المال نحواً من سبعين ألفاً خارجاً عن الكساوي والخيل والآلات.
وكان تقدمه إلى تلك الجهات المذكورة يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ وصل عبد الإمام المسمى ويحان إلى باب السلطان راغباً في الخدمة فكساه السلطان وقبله ووكل أمره إلى الله تعالى.
وفي غرة ذي الحجة تقدم السلطان إلى زبيد فدخلها يوم الثالث من الشهر المذكور فأقام في بستان الراحة وعيد عيد النحر فيه.
وفي التاسع من ذي الحجة الحرام وصل أولاد القائد إلى باب السلطان يطلبون الخدمة والوقوف في الباب السعيد تحت الصدقات السلطانية فقابلهم السلطان بالقبول وانعم عليهم.
وفي يوم الثاني عشر استمر القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد عبد الله الناشزي قاضياً في تعز المحروس وتقدم الأمير بهاء الدين الشمسي إلى الجهات الشامية كما كان فيها وكان تقدمهُ في محرم الثالث عشر من الشهر المذكور.
وفي يوم الثامن عشر من الشهر المذكور نزل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن
стр. 526
محمد النظاري من حصن منائر أي مدينة المهجم على الذمة الشريفة السلطانية فأقام في المهجم إلى آخر الشهر المذكور.
وفي هذه السنة المذكورة توفي الطواشي كمال الدين فاتن والى ثعبات وكان خادماً عظيماً رؤية وسماعاً وكان جباراً مهيباً فتاكاً سفاكاً وله من المآثر الدينية المسجد الذي أنشأه في معزية تعز فزق حافة الملح تجاوز الله تعالى عنه.
وفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة وصل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد النظاري إلى الأبواب الكريمة مشتملاً بالذمة الشريفة.
وكان دخوله زبيد يوم السبت الحادي والعشرين من المحرم من السنة المذكورة. فلما وصل إلى الباب السعيد اقبل عليه السلطان وكساه كسوة فاخرة وقدم له بغلة بزيار وأمر له بإقامة سماط في بيته للواصلين معه من العسكر وطلبه بعد ثلاثة أيام إلى المقام الشريف فلما حضر عاتبه معاتبة لطيفة وآنسه من نفسه أنساً تاماً.
وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور اسلم يهودي في مدينة زبيد فاركب بغلة وزف بالموكب وكسى كسوة فاخرة.
ولما من الله تعالى بعافية أولاد مولانا السلطان من ألم الختان أمر السلطان بعمل فرحة في زبيد ودخل أولاد السلطان الحمام الصلاحي فلما خرجوا منه زفوا إلى الدار الكبير السلطاني في جملة العسكر وكان عسكر زبيد ومشدها وناظرها أمام الناس كلهم وقبلهم عبيد السلاح وغلمان البغلة بأسرهم وبعدهم الغزو الجمدارية والخدام ونقباء العسكر والجاروشية وبعدهم الوزراء وكتَّاب الدواوين وأستاذ الدار وبعدهم الخدام الكبار والمماليك والملوك بعد الناس كلهم على خيولهم في أحسن زي واجمل هيئة وكان سائر الناس يمشون على اختلاف طبقاتهم من أحراث إلى الوزير وأمامهم الطبول والمغاني. وكانت الطبلخانة تخدم على باب الدار الكبير وحضر من الخلق ما لا يحصنهم إلا الله تعالى. ولبست الطلعات ثياب الحرير فكان هنالك يومئذ طلعتان إحداهما تسير على أربع عجل تارة إلى ناحية الشام وتارة إلى ناحية اليمن والأخرى تدور كما تدور المعصرة. وفي كل واحدة من المغاني. والرقاصات ما يدهش الناظرين وحضر يومئذ كافة الجند وأصحاب الرتب والشفاليت على السماط الكبير ولم يتخلف أحد منهم. وحضر كبراء الدولة والقضاة والفقهاء وسائر الأمراء السماط وكان سماطاً حسناً فيه من أنواع الطبائخ والألوان والأطعمة ما لا يعرف أكثره. وانتقل منه الحاضرون إلى سماط من الحلوى فيه من جميع أنواع الحلوى وكان يوماً تام السرور حسناً أوله وآخره وذلك يوم الاثنين الثامن من شهر صفر من السنة المذكورة. ووصلت خزانة جيدة من سهام أرسل بها القاضي جمال
стр. 527
الدين محمد بن عمر الشكيل. ووصل أيضاً خزانة أخرى من عدن صحبة الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي ووصلت أيضاً خزانة من الجهات الشامية وأرسل بها الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي.
واستمرَّ الأمير غياث الدين عيسى بن محمد بن حسان أستاذ دار السلطان. وكان استمراره هذا يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ استمرَّ الأمير يوسف الدين قيسون أمير علم الباب السعيد. وفي ليلة الثالث والعشرين أمر السلطان بتأسيس دار النصر في القُوّرِ الأَعلى ووضعت عتبته يوم الثلاثاء غرة شهر ربيع الأول.
وفي هذا التاريخ تقدم السلطان إلى حيس ثم سار إلى الأَوشج فيطلب اصطياد حمير الوحش فأقام هنالك أياماً قلائل ثم رجع إلى زبيد فدخلها يوم الجمعة الحادي عشر من الشهر المذكور.
وفي غرة الشهر المذكور تقدم الطواشي جمال الدين مرجان إلى القحمة مقطعاً هنالك. وكان قد ظهر من المعازبة ما ظهر من الفساد فصادف من أَعيانهم محمد بن علي بن خشير ورجلاً آخر معه فقتلهما صبراً.
فلما كان يوم الثاني عشر من الشهر المذكور ركب الطواشي مرجان فيمن معه من العساكر وقصد المعازبة فقتل منهم رجلين وافترق العسكر في طلب النهب في عدة نواح فاجتمع العرب ورجعوا على الطواشي ومن معه فهزموهم وقتل عدة من الرجال الذي معه وخادم يقال له دينار ومملوك آخر. فلما وصل العلم بذلك إلى السلطان جرد إليه العساكر. فارتفعت المعازبة إلى الجبل ثم وصل شيخ بني بشير صحبة الفقيه الصالح إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن موسى ابن أحمد بن موسى بن عجيل يطلب ذمة السلطان له ولقرابته ويبذل الطاعة فأذم عليه السلطان.
وفي اليوم الرابع والعشرين وصل الأشراف أصحاب جهران إلى باب السلطان ووصل بعدهم ابن الأنف. وكان وصوله في يوم السادس والعشرين فكساه السلطان وأنعم عليه وحمل إليه ألف دينار برسم الضيافة.
стр. 528
وفي هذا التاريخ برز مرسوم السلطان إلى المشد يومئذ بزبيد وهو القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم بأن يعمر النخل المشتري من ورثة العز الآمدي ويغرسه فبادر المشد إلى ذلك فغرس في النخل المذكور نحواً من خمسة آلاف نخلة في مدة يسيرة وهو الذي يسمى الربوة.
وفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الآخر استمرَّ الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي مقطعاً في القحرية والمقصرية.
وتقدم السلطان إلى محروسة تعز يوم الخامس عشر من شهر ربيع الآخر. فلما دخل حيس رفع إليه إن أميرها الأمير جمال الدين محمد بن عمران الفايشي مد يده إلى شيءٍ من مال الخراجي بها فأمر السلطان على مشد الدواوين وهو القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي أن يلزم العامل المذكور بتسليم ما أَخذ. فأنكر أن يكون أخذ شيئاً. وكان حسن المعاملة فيما بينه وبين الناس فصادره المشد كما ورد الأمر الشريف فتوفي في المصادرة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم الرابع والعشرين من جمادى الأولى وصل علم الحج المنصور من مكة المشرفة. وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الأولى دفع الوادي زبيد بماءٍ عظيم. قيل إنه أَعظم من سنة سيلة المسلب. وضرر هذا السيل ضرر عظيم في الوادي اخرب جانباً من محل مانع وشيئاً من محل طرقوه وشيئا من محل حريرة وأتلف في النخل جملة مستكثرة من النخيل وبيوتاً كثيرة.
وفي يوم الرابع من جمادى الآخرة توفي الشيخ أبو بكر القرافي المؤذن عن سن عاليةٍ واصله من قرافة مصر صم سافر إلى مكة وأقام بها مجاوراً. ثم دخل اليمن صحبة السلطان الملك المجاهد في سنة حجته الأولى وهي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. وكان رجوعه إلى اليمن في سنة ثلاث وأربعين فأقام مؤذناً معه على بابه السعيد إلى أن توفي المجاهد في التاريخ المذكور أولاً. ثم استمر على الوظيفة مع
стр. 529
السلطان الملك الأفضل إلى أن توفي في التاريخ المذكور. ثم استمر على الوظيفة مع السلطان الملك الأشرف إلى هذا التاريخ المذكور. وكان للسلطان عليه شفقة تامة فاستمر ولده من بعده على وظيفته إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وفي يوم التاسع من جمادى الآخرة تقدم السلطان من محروسة تعز إلى زبيد فدخلها يوم الخميس الثاني عشر من الشهر المذكور. ووصل إلى باب السلطان خزانة جيدة من المحالب صحبة الأمر سيف الدين فطلبه ووصل بعدة رؤوس من الخيل. وحصل في عشاء يوم الجمعة العشرين من الشهر المذكور مطر عظيم جداً وهو الثاني من أيار. وكانت الأمطار قبله متوالية من أول نيسان.
وفي يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور قتل الشيخ محمد بن عبد الله ابن فخر النخلي. وكان الذي قتله رجل يقال له مكمين أحد بني الرجوي المناسكة ضربه بمهرية في رأسه ضربتين أو ثلاثاً ثم هرب إلى بلدة المعازبة.
وفي سلخ الشهر المذكور أمر السلطان بعديد المساجد والمدارس التي في زبيد فكان عددها مائتين وبعضاً وثلاثين موضعاً وعدت المعاصر في زبيد فكانت نحواً من سبعة أو ستة وعشرين عوداً.
وفي اليوم الثاني والعشرين من رجب تقدم السلطان من زبيد إلى النخل فأقام فيه إلى الثامن عشر من شعبان ثم أقام في البحر فأقام فيه أربعة أيام ثم رجع إلى النخل يوم الخميس الثاني والعشرين فأقام إلى يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور. ثم انتقل إلى زبيد فأقام في بستان الراحة وفي هذه السنة صام السلطان شهر رمضان في بستان الراحة.
وفي شهر شعبان الكريم أرسل الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي بالشريف الذي يقال له أبو هدبا تحت الاعتقال.
وفي يوم الأربعاء السادس من رمضان وقع في زبيد حريق عظيم. وكان ابتداؤه من قبلي الجامع فبلغ إلى الخان ثم إلى سوق المعاصر. وفي هذا الحريق المذكور حرقت اللجنة التي تعرف بلنجة الرهائن وكان يوماً عظيماً.
وفي شهر رمضان المذكور وصل كتاب من كالقوط إلى السلطان مترجماً عن
стр. 530
القاضي بهاء وعن التجار المقيمين فيها ببذل طاعتهم للسلطان ويستأذنونه في إقامة الخطبة له بها ولم يك يخطب فيها لأحد من ملوك اليمن ولا ملوك مصر ولا من غيرهم. وكان صاحب دلى قد غلب عليهم في أول الدهر. وكذلك أيضاً صاحب هرموز فكانوا يخطبون لهما معاً. فلما جاءت كتبهم إلى السلطان بما ذكرناه قبل ما بذلوه من الطاعة وانعم عليهم إنعاماً تاماً وأذن لهم في ذلك وكساه القاضي كسوة سنية.
وكانت نسخة الكتاب الواصل منهم ما هذا مثاله وبالله التوفيق: بسم الله الرحمن الرحيم. رب سلم وبلغ. وفي حاشية الكتاب المملوك الأصغر والمحب الأكبر قاضي بلدة كاليقوط وجماعة رؤَسائها. وفي صدر الكتاب بعد البسملة وأسأَل من دوَّر الفلك الدوَّار. وسير النجم السيار. أن يطول عمر مولانا المعظم. ومالكنا الموقر المكرم. ملك الوزراء في العالم شهاب الدين فلك المملكة قطب سماءِ السلطنة. ذي المناقب العلية. والمناصب الجلية. ملاذ الكبراءِ. وملجأْ العظماء. عميدا لمصر. عماد العصر. الذي تزجى الركائب في حرمه. وتزكى الرغاب من كرمه. جامع فضيلتي العلم والكرم. حائز وسيلتي الفضل والنعم. قاضي نور الملة والحق والدين. مغيث الإسلام والمسلمين. راحة الخلائق أجمعين. أدام الله جلاله. ومدَّ في الخافقين ظلاله ولا زالت دولته صافية المشارع. ضافية المدارع. ونعمه مترعة الحياض. ممرعة الرياض. ولا برح أحباؤَه في صعود. وأعداؤَه في بدود.
وينهى إلى عمله الشريف. ورأْيه المنيف بعد تقبيل تراب الحضرة العالية والدعاء لامتداد دولته القاصية. إن جماعة بلدة كاليقوط منهم التجار الكرام. والبدور العظام. لما التمس من الداعي أن يشرف المنبر بذكر ألقاب مولانا السلطان الأعظم. الخليفة المعظم. محرر ممالك العرب والعجم. سيد سلاطين الشام واليمن. السلطان السيد الأجل الملك الأشرف خلد الله ملكه. وبالغوا كل منهم بالذكر لمناقب مولانا السلطان خلد الله ملكه والخلفاء المتقدمين. والأَئمة الماضين.
следующие страницы →