Полный текст (588 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
محمد النظاري من حصن منائر أي مدينة المهجم على الذمة الشريفة السلطانية فأقام في المهجم إلى آخر الشهر المذكور.
وفي هذه السنة المذكورة توفي الطواشي كمال الدين فاتن والى ثعبات وكان خادماً عظيماً رؤية وسماعاً وكان جباراً مهيباً فتاكاً سفاكاً وله من المآثر الدينية المسجد الذي أنشأه في معزية تعز فزق حافة الملح تجاوز الله تعالى عنه.
وفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة وصل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد النظاري إلى الأبواب الكريمة مشتملاً بالذمة الشريفة.
وكان دخوله زبيد يوم السبت الحادي والعشرين من المحرم من السنة المذكورة. فلما وصل إلى الباب السعيد اقبل عليه السلطان وكساه كسوة فاخرة وقدم له بغلة بزيار وأمر له بإقامة سماط في بيته للواصلين معه من العسكر وطلبه بعد ثلاثة أيام إلى المقام الشريف فلما حضر عاتبه معاتبة لطيفة وآنسه من نفسه أنساً تاماً.
وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور اسلم يهودي في مدينة زبيد فاركب بغلة وزف بالموكب وكسى كسوة فاخرة.
ولما من الله تعالى بعافية أولاد مولانا السلطان من ألم الختان أمر السلطان بعمل فرحة في زبيد ودخل أولاد السلطان الحمام الصلاحي فلما خرجوا منه زفوا إلى الدار الكبير السلطاني في جملة العسكر وكان عسكر زبيد ومشدها وناظرها أمام الناس كلهم وقبلهم عبيد السلاح وغلمان البغلة بأسرهم وبعدهم الغزو الجمدارية والخدام ونقباء العسكر والجاروشية وبعدهم الوزراء وكتَّاب الدواوين وأستاذ الدار وبعدهم الخدام الكبار والمماليك والملوك بعد الناس كلهم على خيولهم في أحسن زي واجمل هيئة وكان سائر الناس يمشون على اختلاف طبقاتهم من أحراث إلى الوزير وأمامهم الطبول والمغاني. وكانت الطبلخانة تخدم على باب الدار الكبير وحضر من الخلق ما لا يحصنهم إلا الله تعالى. ولبست الطلعات ثياب الحرير فكان هنالك يومئذ طلعتان إحداهما تسير على أربع عجل تارة إلى ناحية الشام وتارة إلى ناحية اليمن والأخرى تدور كما تدور المعصرة. وفي كل واحدة من المغاني. والرقاصات ما يدهش الناظرين وحضر يومئذ كافة الجند وأصحاب الرتب والشفاليت على السماط الكبير ولم يتخلف أحد منهم. وحضر كبراء الدولة والقضاة والفقهاء وسائر الأمراء السماط وكان سماطاً حسناً فيه من أنواع الطبائخ والألوان والأطعمة ما لا يعرف أكثره. وانتقل منه الحاضرون إلى سماط من الحلوى فيه من جميع أنواع الحلوى وكان يوماً تام السرور حسناً أوله وآخره وذلك يوم الاثنين الثامن من شهر صفر من السنة المذكورة. ووصلت خزانة جيدة من سهام أرسل بها القاضي جمال
стр. 527
الدين محمد بن عمر الشكيل. ووصل أيضاً خزانة أخرى من عدن صحبة الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي ووصلت أيضاً خزانة من الجهات الشامية وأرسل بها الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي.
واستمرَّ الأمير غياث الدين عيسى بن محمد بن حسان أستاذ دار السلطان. وكان استمراره هذا يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ استمرَّ الأمير يوسف الدين قيسون أمير علم الباب السعيد. وفي ليلة الثالث والعشرين أمر السلطان بتأسيس دار النصر في القُوّرِ الأَعلى ووضعت عتبته يوم الثلاثاء غرة شهر ربيع الأول.
وفي هذا التاريخ تقدم السلطان إلى حيس ثم سار إلى الأَوشج فيطلب اصطياد حمير الوحش فأقام هنالك أياماً قلائل ثم رجع إلى زبيد فدخلها يوم الجمعة الحادي عشر من الشهر المذكور.
وفي غرة الشهر المذكور تقدم الطواشي جمال الدين مرجان إلى القحمة مقطعاً هنالك. وكان قد ظهر من المعازبة ما ظهر من الفساد فصادف من أَعيانهم محمد بن علي بن خشير ورجلاً آخر معه فقتلهما صبراً.
فلما كان يوم الثاني عشر من الشهر المذكور ركب الطواشي مرجان فيمن معه من العساكر وقصد المعازبة فقتل منهم رجلين وافترق العسكر في طلب النهب في عدة نواح فاجتمع العرب ورجعوا على الطواشي ومن معه فهزموهم وقتل عدة من الرجال الذي معه وخادم يقال له دينار ومملوك آخر. فلما وصل العلم بذلك إلى السلطان جرد إليه العساكر. فارتفعت المعازبة إلى الجبل ثم وصل شيخ بني بشير صحبة الفقيه الصالح إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن موسى ابن أحمد بن موسى بن عجيل يطلب ذمة السلطان له ولقرابته ويبذل الطاعة فأذم عليه السلطان.
وفي اليوم الرابع والعشرين وصل الأشراف أصحاب جهران إلى باب السلطان ووصل بعدهم ابن الأنف. وكان وصوله في يوم السادس والعشرين فكساه السلطان وأنعم عليه وحمل إليه ألف دينار برسم الضيافة.
стр. 528
وفي هذا التاريخ برز مرسوم السلطان إلى المشد يومئذ بزبيد وهو القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم بأن يعمر النخل المشتري من ورثة العز الآمدي ويغرسه فبادر المشد إلى ذلك فغرس في النخل المذكور نحواً من خمسة آلاف نخلة في مدة يسيرة وهو الذي يسمى الربوة.
وفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الآخر استمرَّ الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي مقطعاً في القحرية والمقصرية.
وتقدم السلطان إلى محروسة تعز يوم الخامس عشر من شهر ربيع الآخر. فلما دخل حيس رفع إليه إن أميرها الأمير جمال الدين محمد بن عمران الفايشي مد يده إلى شيءٍ من مال الخراجي بها فأمر السلطان على مشد الدواوين وهو القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي أن يلزم العامل المذكور بتسليم ما أَخذ. فأنكر أن يكون أخذ شيئاً. وكان حسن المعاملة فيما بينه وبين الناس فصادره المشد كما ورد الأمر الشريف فتوفي في المصادرة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم الرابع والعشرين من جمادى الأولى وصل علم الحج المنصور من مكة المشرفة. وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الأولى دفع الوادي زبيد بماءٍ عظيم. قيل إنه أَعظم من سنة سيلة المسلب. وضرر هذا السيل ضرر عظيم في الوادي اخرب جانباً من محل مانع وشيئاً من محل طرقوه وشيئا من محل حريرة وأتلف في النخل جملة مستكثرة من النخيل وبيوتاً كثيرة.
وفي يوم الرابع من جمادى الآخرة توفي الشيخ أبو بكر القرافي المؤذن عن سن عاليةٍ واصله من قرافة مصر صم سافر إلى مكة وأقام بها مجاوراً. ثم دخل اليمن صحبة السلطان الملك المجاهد في سنة حجته الأولى وهي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. وكان رجوعه إلى اليمن في سنة ثلاث وأربعين فأقام مؤذناً معه على بابه السعيد إلى أن توفي المجاهد في التاريخ المذكور أولاً. ثم استمر على الوظيفة مع
стр. 529
السلطان الملك الأفضل إلى أن توفي في التاريخ المذكور. ثم استمر على الوظيفة مع السلطان الملك الأشرف إلى هذا التاريخ المذكور. وكان للسلطان عليه شفقة تامة فاستمر ولده من بعده على وظيفته إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وفي يوم التاسع من جمادى الآخرة تقدم السلطان من محروسة تعز إلى زبيد فدخلها يوم الخميس الثاني عشر من الشهر المذكور. ووصل إلى باب السلطان خزانة جيدة من المحالب صحبة الأمر سيف الدين فطلبه ووصل بعدة رؤوس من الخيل. وحصل في عشاء يوم الجمعة العشرين من الشهر المذكور مطر عظيم جداً وهو الثاني من أيار. وكانت الأمطار قبله متوالية من أول نيسان.
وفي يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور قتل الشيخ محمد بن عبد الله ابن فخر النخلي. وكان الذي قتله رجل يقال له مكمين أحد بني الرجوي المناسكة ضربه بمهرية في رأسه ضربتين أو ثلاثاً ثم هرب إلى بلدة المعازبة.
وفي سلخ الشهر المذكور أمر السلطان بعديد المساجد والمدارس التي في زبيد فكان عددها مائتين وبعضاً وثلاثين موضعاً وعدت المعاصر في زبيد فكانت نحواً من سبعة أو ستة وعشرين عوداً.
وفي اليوم الثاني والعشرين من رجب تقدم السلطان من زبيد إلى النخل فأقام فيه إلى الثامن عشر من شعبان ثم أقام في البحر فأقام فيه أربعة أيام ثم رجع إلى النخل يوم الخميس الثاني والعشرين فأقام إلى يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور. ثم انتقل إلى زبيد فأقام في بستان الراحة وفي هذه السنة صام السلطان شهر رمضان في بستان الراحة.
وفي شهر شعبان الكريم أرسل الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي بالشريف الذي يقال له أبو هدبا تحت الاعتقال.
وفي يوم الأربعاء السادس من رمضان وقع في زبيد حريق عظيم. وكان ابتداؤه من قبلي الجامع فبلغ إلى الخان ثم إلى سوق المعاصر. وفي هذا الحريق المذكور حرقت اللجنة التي تعرف بلنجة الرهائن وكان يوماً عظيماً.
وفي شهر رمضان المذكور وصل كتاب من كالقوط إلى السلطان مترجماً عن
стр. 530
القاضي بهاء وعن التجار المقيمين فيها ببذل طاعتهم للسلطان ويستأذنونه في إقامة الخطبة له بها ولم يك يخطب فيها لأحد من ملوك اليمن ولا ملوك مصر ولا من غيرهم. وكان صاحب دلى قد غلب عليهم في أول الدهر. وكذلك أيضاً صاحب هرموز فكانوا يخطبون لهما معاً. فلما جاءت كتبهم إلى السلطان بما ذكرناه قبل ما بذلوه من الطاعة وانعم عليهم إنعاماً تاماً وأذن لهم في ذلك وكساه القاضي كسوة سنية.
وكانت نسخة الكتاب الواصل منهم ما هذا مثاله وبالله التوفيق: بسم الله الرحمن الرحيم. رب سلم وبلغ. وفي حاشية الكتاب المملوك الأصغر والمحب الأكبر قاضي بلدة كاليقوط وجماعة رؤَسائها. وفي صدر الكتاب بعد البسملة وأسأَل من دوَّر الفلك الدوَّار. وسير النجم السيار. أن يطول عمر مولانا المعظم. ومالكنا الموقر المكرم. ملك الوزراء في العالم شهاب الدين فلك المملكة قطب سماءِ السلطنة. ذي المناقب العلية. والمناصب الجلية. ملاذ الكبراءِ. وملجأْ العظماء. عميدا لمصر. عماد العصر. الذي تزجى الركائب في حرمه. وتزكى الرغاب من كرمه. جامع فضيلتي العلم والكرم. حائز وسيلتي الفضل والنعم. قاضي نور الملة والحق والدين. مغيث الإسلام والمسلمين. راحة الخلائق أجمعين. أدام الله جلاله. ومدَّ في الخافقين ظلاله ولا زالت دولته صافية المشارع. ضافية المدارع. ونعمه مترعة الحياض. ممرعة الرياض. ولا برح أحباؤَه في صعود. وأعداؤَه في بدود.
وينهى إلى عمله الشريف. ورأْيه المنيف بعد تقبيل تراب الحضرة العالية والدعاء لامتداد دولته القاصية. إن جماعة بلدة كاليقوط منهم التجار الكرام. والبدور العظام. لما التمس من الداعي أن يشرف المنبر بذكر ألقاب مولانا السلطان الأعظم. الخليفة المعظم. محرر ممالك العرب والعجم. سيد سلاطين الشام واليمن. السلطان السيد الأجل الملك الأشرف خلد الله ملكه. وبالغوا كل منهم بالذكر لمناقب مولانا السلطان خلد الله ملكه والخلفاء المتقدمين. والأَئمة الماضين.
стр. 531
مثل ما يتشرفون الخطباءُ الأحد عشر في أحد عشر بلداً منها بلدة نلنبور تشرف منبرها بذكر ألقاب مولانا السلطان خلد الله ملكه هذه السنة الجديدة ورغب منهم بذلك. ثم لنحيط علم مولانا دام عزه. وكان قبل هذا التاريخ جماعة من أطراف البلاد مثل السجالة والهرموز والسمطرة وغير ذلك يلتمسون شرف المنبر بذكر ألقاب سلاطين بلادهم ما قدروا على ذلك وصرفوا من الأموال ما لا حصر فيه ولا عدد. والآن قد أجاب الداعي بإجابة ما التمسوه الجماعة المذكورون. وتشرف المنبر بذكر ألقاب مولانا السلطان الأعظم الخليفة المعظم سيد سلاطين العرب والعجم السلطان السيد الملك الأشرف خلد الله ملكه. وأبقى عدله وزاد كل يوم دولته بمحمدٍ وآله.
والسؤَال من صدقات مولانا أدام الله عزه خروج الأمر العالي إلى النواب والمتصرفين في الديوان المحروس ليرقموا اسمه في صحائف الخطباء المعدودين المتقدمين ويرسموه مع رسوم المعدودين محصلاً بذلك الأجر الجزيل والذكر الجميل. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. فأما سبب كتابي إلى جنابكم لا زال عالياً فهو بإشارة جماعة بلدة كاليقوط منهم جمال الدين يوسف الغساني ونور الدين علي القوي وزين علي الرومي ونور الدين شيخ علي الأردبيلي وسعد الدين مسعود وشهاب الدين أحمد الحوري وغيرهم من التجار المعدودين كلهم قد اتفقوا بذلك ليحصل التفاخر والتسامي فان من تمسك بذيله واعتصم بحبله نال في الدنيا مناه. وفي الآخرة مبتغاه. وقال الدال على الخير كفاعله وفاعله في الجنة. ولا يحتاج المولى إلى المبالغة ومولانا أهل العفو والكرم. ولا يحرمه من جزيل شفقاته. وجميل تعطفاته. وإن يعده من جملة الخدماء المواظبين بالعبودية. ثم الرأي أَولى والأمر أَعلى وسلام على سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين أسأَل الله تعالى أن يصون ساحته الكريمة من نكبات الزمان. ويحرسها من طوارق الحدثان. إنهُ كريم منان. رؤف رحيم ثم سلام على المجلس جلالة ورحمة الله وبركاتهُ وعلى من يخصهم من المواظبين بالعبودية بأجزل التحية والسلام.
هذا آخر الكتاب وفي الحاشية أيضاً ما مثاله تحريراً في الثاني من شهر ربيع
стр. 532
الثاني لحجة خمس وتسعين وسبعمائة.
هذا جملة ما في كتابهم وبالله التوفيق ونعود إلى سياقه الدولة السعيدة الأشرفية أتم الله سعودها ودمر عدوَّها وحسودها.
وفي العشر الأواخر من رمضان جاءَت كتب أهل الشحر يخبرون بهزيمة الخائن ابن نور وإنه خرج منها هارباً وقبضها بعده غلام السلطان الشماسي.
وفي غرة شوال استمر الأمير شمس الدين علي بن محمد بن حسان والياً في الثغر المحروس. وكان خروجه من زبيد متقدماً إلى عدن في اليوم الثاني من شوال.
وفي الخامس من شوال استمر القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد في شد الاستيفاء. واستمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي أميراً في المحالب وحمل له السلطان حملاً وعلماً وأقطعه حرَض وجعل إليه النظر في الأعمال السرددية فتقدم إلى الجهات المذكورة آخر يوم الأحد الثامن من شهر شوال. وجرد السلطان معه عسكراً جيداً يستعين بهِ على طوائف المفسدين من عرب الجهات وغيرهم.
وفي هذا الشهر المذكور توفي القاضي وجيه الدين عبد الرحمن ابن محمد النظاري رحمة الله عليه يوم السابع من الشهر ودفن في مقبرة باب سهام غربي قرية النويدرة وجنوبي قبر الشيخ الصالح أحمد بن الخير الصياد نفع الله به وحضر دفنه كافة أهل المدينة ووجوه غلمان السلطان الوزير وممن دونه. وكان ﵀ رجلاً كاملاً لبيباً عاقلاً شهماً جواداً مشاركاً في فنون العلم رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثامن من شوال تقدَّم السلطان إلى محروسة تعز وقد استمر الأمير سيف الدين قيسون أميراً في الجند عوَضاً عن الأمير فخر الدين ابن السنبلي. وكان دخول السلطان تعز يوم الأحد الخامس عشر من شوال.
وفي يوم الاثنين السادس عشر من شوال توفي الفقيه محمد بن شافع. وكان من أصحاب الشيخ الصالح إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي. وكان قد حضر يومئذ
стр. 533
سماعاً للفقراءِ. فلما غنى المغني في السماع دخله شيءُ من الوجد فقام من موضعه وقعد عن المغنى ساعةً ثم رمى بنفسه على المغنى واعتنقه ساعة ثم فترث قواهُ مغشياً عليه فتركوه ساعة ثم كشفوا عن وجهه فوجدوهُ ميتاً. وكان رجلاً خيراً كثير السعي في قضاء حوائج الناس ويحب إدخال السرور عليهم. وكان بيته مأوى لمن أراد من الفقراء وغيرهم من الأصحاب ولم يكن له ولد ولا زوجة. وكان في بيته نحو من ثلاثين سنوراً ما بين ذكر وأنثى وهو يشتري لهم ما يأكلونه ويطعمهم ويهتم بهم رحمة الله تعالى. وكان دفنه يوم الثلاثاء السابع عشر من شوال وقبر عند قبر القاضي وجيه الدين النظاري رحمة الله عليهما.
وفي يوم الحادي والعشرين من شوال المذكور توفي أبو بكر السلاسلي وهو رجل من أهل زبيد. وكان قد تنسك وصحب الصوفية وجاهد نفسه وهام حتى ألقى الثياب التي عليه. وكان يسير في المدينة عرياناً لا شيءَ عليه وهو يدور في الشوارع والسكك على تلك الحالة وأن ألبسه أحد ثوباً أو قميصاً فلا يبقى عليه أكثر من يوم واحد ويطرحه ولم يزل كذلك إلى التاريخ المذكور. فلما كان ليلة السبت الحادي والعشرين من الشهر المذكور وصل إلى بيت أختٍ له في المدينة ودق عليهم الباب ففتحوا له الباب فوجدوه وقد ألقى نفسه على الأرض فحملوهُ ودخلوا بهِ البيت فأشار لهم بيده إلى السرير فوضعوهُ عليه فأمسى عندهم ملقىً على ذلك السرير فأصبح ميتاً وقيل مات في أول يومه ذلك فدفن آخر يوم السبت في مقبرة باب القرتب قريباً من الباب وحضر دفنه جمع كثير من أهل زبيد وحضر والي زبيد ورؤساؤُها ولم يكن مرض قبل تلك الليلة والله اعلم رحمه الله تعالى.
وفي يوم الأحد تاسع ذي القعدة وصل الأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن الشمسي من المخلاف إلى تعز.
وفي الخامس عشر من ذي القعدة تقدم علم الحج المنصور إلى مكة المشرفة واستمرَّ الأمير بهاء الدين الشمسي في القحرية والمقصرية في يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة وسافر إلى جهاته المذكورة من زبيد يوم الخميس الثاني من ذي الحجة
стр. 534
فأوقع بالمقاصرة فقتل مهم نحواً من عشرين وأسر جماعة آخرين ونهب من أموالهم شيئاً كثيراً.
وفي الرابع من شهر ذي الحجة أسلم يهودي في مدينة زبيد وكان إسلامه في المدرسة الأشرفية في حضرة القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري الحاكم يومئذٍ بزبيد فكساه القاضي ثم كساه الأمير عز الدين هبة ابن محمد الفخري وكان يومئذٍ أميراً في زبيد.
وفي العشر الوسطى من ذي الحجة غلا البُر في مدينة زبيد خبزاً وحباً ودقيقاً فأقام نحواً من ثمانية أيام ثم جلب بعد ذلك ورخص رخصاً تاماً بحمد الله.
وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة توفي القاضي زكي الدين أبو بكر ابن يحيى بن أبي بكر بن أحمد بن موسى بن عجيل بمدينة تعز وقبر في مقبرتها صبح يوم الرابع والعشرين من الشهر المذكور. وكان أوحد زمانهِ فطنةً وذكاءً لا يوجد له نظير. قرأ كثيراً من فنون العلم وبرع في كل فن وأسند إليه السلطان القضاء الأكبر في أقطار المملكة اليمنية. فكانت مدته في القضاء ثلاث سنين وأربعة أشهر وثمانية أيام رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الماجد رضيّ الدين أبو بكر بن عبد الغفار ابن الفقيه أحمد بن أبي المخير الشماخي. وكان رجل الزمان وسيد أهل بيته كلهم وأكثرهم مروءَةً وأرجحهم عقلاً وأكملهم فضلاً. وكان فيه نفع كثير لسائر الناس ومروءَة طائلة رحمة الله. عليه وحضر يوم دفنه خلق كثير الوزير فمن دونه. وكان دفنه يوم الخميس التاسع عشر من شهر صفر رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست وتسعين أغارت المعازبة يوم الخميس من المحرم إلى نحو الأوشج وكان رجوعهم في اليوم السابع من الشهر فترصد لهم أهل وادي زبد في الطرق التي يعتادون المرور فيها فوقعوا في حد أهل الهرمة وكانوا ثلاثة عشر فارساً. فقتلوا منهم فارساً يقال له موسى بن العلس. وكان كبيراً من كبرائهم ورئيساً من رؤَسائهم وأخذوا فرسه وفرساً آخر ودخلوا يوم الثامن بالرأس والفرسين إلى مدينة
стр. 535
زبيد فكساهم المشد ووهب لهم دراهم كثيرة.
وفي هذا التاريخ تقدم السلطان من تعز إلى محروسة زبيد فدخلها يوم الأحد الحادي عشر من الشهر المذكور فأقام في قصر بستان الراحة أياماً ثم انتقل إلى قصر دار النصر بالقوز الأعلى.
وفي آخر الشهر قتل الأمير شهاب الدين مثقال. وكان والياً في ناحية قرعد فقتله أهل بلده خديعة. وكان أميراً جواداً شهماً حسن السيرة رحمه اله تعالى.
وفي سلخ الشهر المذكور قتل إسحق بن محمد بن إسحق الكاتب. وكان قتله في مدينة حَرض قتله جماعة من العسكر وبنو سبأ. وكان رجلاً شريراً بذيء اللسان عفا الله عنه.
وفي هذا التاريخ تقدم القاضي شهاب الدين الوزير إلى الكدراء لاستخراج الأموال بها.
وفي يوم الثامن عشر من صفر توفيت الجهة الكريمة جهة الطواشي الأجل جمال الدين معتب بن عبد الله الأشرفيّ أم أولاد مولانا السلطان الملك الأشرف طول الله عمره. وكانت وفاتها في القصر من دار النصر ودفنت ضحى يوم الأربعاء التاسع عشر من الشهر المذكور في التربة المعروفة بها هنالك شرقي تربة الشيخ الصالح زين الدين طلحة بن عيسى الهتار. وفي يوم وفاتها وصل الصاحب من الكدراء وحصل في ليلة وفاتها ويوم دفنها مطر عظيم عام في البلاد. واستمرَّت القراءَة عليها سبعة أيام. فلما انقضت السبع رتب السلطان على قبرها مائة قارئ يقرءون ليلاً ونهاراً فأقاموا شهراً وكساهم جميعاً وأجازهم ورتب عشرين قارئاً منهم مؤبدين وبنى لهم عشرين بيتاً هنالك يسكنونها ولحقه عليها حرز عظيم وأسف شديد وعقر على قبرها يوم وفاتها عدة رؤوس من الإبل والبقر وأتلف كثيراً من البهائم. وكانت امرأة كثيرة الخير تفعل المعروف كثيراً على يد غيرها خارجاً عما تتظاهر بفعله من أفعال البر وهي أم أربعة من أولاده الذكور وهم عبد الرحمن الفائز وأحمد الناصر والعباس الأفضل وعلي المجاهد. ولها من المآثر الدينية المدرسة المعتبية في الواسطة من مدينة تعز فيها
стр. 536
إمام ومؤَذن وقيم ومدرس وطلبة ومعلم وأيتام يتعلمون القرآن. ولها عدة سبل في مقاطع الطرق يردها السارح والرائح. كانت تأمر بإصلاح الطرق والمدرجات والعقبات ومما يتضرَّر بهِ المارُّون من الشجر وغيره.
ورثاها جماعة من الشعراءِ منهم الفقيه موفق الدين علي بن محمد الناشري والفقيه جمال الدين محمد بن علي الراعي والفقيه رضي الدين ابو بكر بن عبد الله الهبيري والفقيه شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقرئ وغيرهم من الأفاضل البلغاءِ ولم يك على ذهني الساعة شيءُ من قصائدهم. وقد اثبت قصيدةً كنت قلتها يومئذٍ وجعلتها من عوز وهي:
تعزَّ ولا تجزع لنائبه الدهرِ ... وقابل عظيم الرزءِ بالحمد والصبر
ولا تكترث إن بان خطبُ فقد قضى ... بما قد قضى في الخلق ذو الخلق والأمر
لمل امرئ كأس من الموتِ مترع ... ولكننا نسري إلى أجل يسري
فحمداً على حُلْو القضاءِ ومُرّةِ ... وصبراً فان الصبر من شيمة الحرّ
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وكل بذا يدري وان كان لا يدري
فكم من قرونٍ قد مضوا لسبيلهم ... فهم بين أطباق المهامة والقفر
وكم أمة خلت بعد أمةٍ ... كما قد خلى في الشهر أمس من الشهر
وكم من ملوكٍ قد مضوا وتتابعوا ... كمنتثر السلك العظيم من الدر
فعوّضك الرحمن صبراً وعصمةً ... وأجراً على عظم الرزية في القدر
ولا زال عفو الله يسقى ضريحها ... يهنون بالبشرى من الله والبشر
وكم من مليكٍ حافياً من أمامها ... ومن خلفها يمشي وأدمعهُ تجري
لقد أوحشت منها قصور منيعةُ ... وكانت إذا ما أسفرت زينة القصر
بكتها السما والأرض يوم وفاتها ... وأمسى سحاب الأفق أدمعه تسري
فيا ليلةً ما كان أوحش بتها ... وقد كنت ذا بأسٍ شديدٍ وذا صبر
стр. 537
فحسبي من يوم تقضي وليلة ... وحسبي من صدّ صُددت ومن هجر
وسقياً لأيام تقضت عهودها ... ورعياً لعصر قد تقضَّى من العصر
فيا أم عباسٍ ويا أم أحمدٍ ... ويا أم عبد الله يادرة النحر
لقد طال ليلى بعد ليلتك التي ... تمنيت فيها إنها ليلة الحشر
فإن كنت قد غيبت عني فلم يغب ... خيالك عن عيني وذكرك في فكري
وما أنت إلا الشطر مني حقيقةً ... وما شطر شيءٍ بالغنىّ عن الشطر
وما راقني من بعد وجهك رائقُ ... ولا شافني ما في العيون من السحر
ولم يلهني قرب الحبيب الذي دنا ... ولم يشفني طيف الخيالِ الذي يسري
على وجهك الميمون حيّاً وميتاً ... سلام يزيد العطر عطراً إلى العطر
وما غرَّدَت وُزقُ وما حنَّ راعدُ ... وما لاح برقُ يستطير ويستشري
يهوّن جدي فيك إنك في الورى ... من الذاكرين الله في ساعة الذكر
وما فيك من نسكٍ وما فيكِ من تقىً ... وما فيكِ من سرٍّ وما فيكِ من بر
وعلمي بانَّ الموت لابدَّ واقعُ ... وأنىَ أجزى بالتجلُّدِ والصبر
ولاشك عندي ثم لا شك إنما ... تنقلتِ من قصرٍ منيفٍ إلى قصر
فلو جاز ان تُفدَى لما غلىَ الفدى ... ولو كان بالأعمار شطراً إلى شطر
ولو جازان تحمى حميت من الردى ... بهنديةٍ بيضٍ وأرماحنا السمر
ومقربةٍ قبٍّ عتاقٍ شوازبٍ ... وأُسدٍ غطاريفٍ حجاحجةٍ غر
بها ليل من غسان من آل جفنةٍ ... فروعهم فرعي ونجرهم نجري
ولكن أمر الله للناس غالبُ ... وكلهم تحت الإرادة والقهر
قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله ولما كان بعد أسبوع من وفاة الجهة الكريمة توفيت الدار السعيد جهة حافظ بنت مولانا السلطان الملك المجاهد قدس الله سره في الجنة. وأقام السلطان الملك الأشرف بعد وفاة جهته المذكورة شهراً كاملاً في قصره دار النصر لا يدخل ولا يخرج إلا في جوف الليل إلى التربة المرحومة يقرأ ما تيسر
стр. 538
من القرآن ويرجع. فلما كان يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول انتقل السلطان من دار النصر إلى الدار الكبير السلطاني بزبيد.
وفي هذا التاريخ تزوَّج السلطان بالجهة الكريمة جهة الطواشي جمال الدين مرجان الأشرفي. وأقام السلطان في مدينة زبيد شهراً كاملاً. وفي آخر الشهر المذكور وصل علم الحج المبارك من مكة المشرفة إلى مدينة زبيد ثم بعد أيام انتقل السلطان إلى الدار الصلاحي فأقام فيه أياماً ثم رجع إلى الدار الكبير لمضي ثمان من شهر ربيع الآخر.
فلما كان ليلة السادس عشر من الشهر المذكور أغار السلطان في العسكر المنصور إلى بلد المعازبة. وكانت جواسيسهم لا تبرح في المدينة. فلما عزم السلطان على غزوهم جاءَتهم جواسيسهم بالخبر فارتفعوا هاربين فلم يدرك منهم إلا من لا يؤْبه له فقتل بعضهم وسلم الباقون فنهب العسكر قراهم ومحالهم ولم يكونوا خرجوا إلا بالمواشي فقط فأقام السلطان والعسكر في بلادهم يوماً واحداً ثم رجع إلى المدينة فدخلها يوم السابع عشر من الشهر المذكور عازماً على العود إليهم والمحطة عليهم فأقام في زبيد بقية يوم السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر في إصلاح عدد الحرب وتفقد آلاتها وخرج يوم العشرين في جيش أجيش.
جياد تعجز الارسان عنها ... وفرسان تضيق بها الديار
بخف أغرّ لا قود عليه ... ولا ديةُ تساق ولا اعتذار
فحط في القرية المعروفة ببيت الفقيه ابن عجيل وأرسل الخازندار إلى زبيد وأمره بحمل مائة ألف دينار من المال وما أَمكنه من الدروع والكازغندات إلى زبيد والخوذ. فتقدم الخازندار إلى زبيد مبادراً وحمل جميع ما طلب منه. فلما وصله الخازندار سار من بيت الفقيه بن عجيل في جملة عساكره المنصورة. وكانت الخيل يومئذٍ ستمائة لابس والرجل ألف وثمانمائة قوس خارجاً عن أصحاب التراس من الجلادة فحط على عبيد الخنكة. وكانت محطته في القرية المعروفة ببيت العقار فهرب العبيد عن بلادهم فنبههم العسكر نهباً شديداً.
стр. 539
فلما كان يوم الثالث من يوم وصوله إليهم ركب في العسكر المنصور وسار معه بحملين من الطبلخانة والمزمار وراية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورايته المنصورة فدخل بلاد العبيد وقد كانوا أرسلوا عيوناً لهم فلما سمعوا بركوب السلطان والعسكر ارتحلوا بنسائهم وأولادهم ودوابهم ولم يصبح في الهيجة منهم أحد. فنهب العسكر محلتهم ورجع السلطان أى محطة المنصورة.
وفي مدة وقوف السلطان في المحطة المذكورة وصل مشايخ الرماة إلى باب السلطان وأَحضروا ما عندهم من الخيل. وكانت خيلهم يومئذٍ ثلاثة عشر ووصل مشايخ الزيديين بالخيل التي معهم فعوضهم السلطان غيرها وأمر بأن يكتب لهم منشور كريم بتخفيف قطيعة الضاحي ورجعوا إلى محلتهم مسرورين فلما طال وقوف السلطان في المحطة أرسل العبيد بالخيل التي معهم جميعها وجملتها إحدى وعشرون رأْساً. وكان جملة وقوف السلطان في بيت العقار اثني عشر يوماً.
وفي آخر الشهر المذكور أَوقع الأمير بهاء الدين الشمسي بالمقاصرة فقتل منهم نحواً من ثلاثين نفراً واخذ رؤوسهم وأرسل بها إلى السلطان فجاءَته وهو في المحطة المذكورة.
وفي غرة شهر جمادى الأولى انتقل السلطان من المحطة المذكورة إلى مدينة الكدراء. ثم تقدم إلى المهج فلقيه الأمير بهاء الدين الشمسي وعجلان بن الهليس وأخوه عيسى ونور الدين الصنعاني. وكانت الذبائح والفرش الحرير من العرج عرج حنيش إلى المهجم فأقام السلطان في المهجم نحواً من عشرة أيام وانفق على العسكر نحواً من خمسين ألف دينار.
وأحضر الشمسي خيل عرب السرددية وبنى حفيص وبني عبيدة وأهل الدويرة وبني زيد نحواً من أربعين رأْساً وودي أهل الغنيمة ستة رؤوس.
ثم انتقل السلطان إلى المحالب فلقيه القاضي وجيه الدين عبد الرحمن ابن محمد العلوي والأمير سيفد الدين قيسون ودخل السلطان إلى المحالب في جيش عظيم. وحمل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي من الضيافة
стр. 540
ما حمله. وحمل مع الضيافة ثلاثة عشر ألف دينار وقاد من جياد الخيل حينئذٍ اثنين وعشرين رأْساً ومن الثياب الفاخرة بألفي دينار.
ووصل عسكر حرض وصحبتهم من الخيل الجياد عشرون رأْساً وأمر السلطان على الوزير بالركوب إلى بلد القائد وإحضاره فركب إلى المنصورة ووصل بالقائد أبي بكر بن أحمد بن علي ووصل معه أخوه وعمه فدخلوا على السلطان فأذمَّ عليهم وآنسهم من نفسه الشريفة وخلع عليهم وتقررت أحوالهم ورجعوا إلى بلادهم على ذمة السلطان فأرسل القائد أبو بكر بثلاثين رأْساً من الخيل. ثم إن السلطان ركب يوماً إلى بلد القائد في عساكره فارتاع القائد لذلك فأمر أصحابه بالشد فشدوا وركبوا. فعلم السلطان بجمعهم فقصدهم فواجهه القائد فقبض عليه. ودخل السلطان المنصورة وصاحت صوائحه بالأمان فلم يمد أحد يده إلى شيء أبداً فوقف السلطان في المنصورة إلى آخر النهار. ورجع إلى المحالب بالقائد معه تحت الاعتقال وطلب منه الخيل فاحضر من الخيل مائة واثني عشر رأْساً وأحصر ستة وعشرين درعاً وأطلقه السلطان وقدم التزم ببقية ما عنده من الخيل.
وبرز أمر السلطان بطلب خيول عرب الجهة فأحضر الصميون تسعة وعشرين رأساً. وأتى شيخ الواعظات بستة عشر رأْساً. وأرسل صاحب جازان بستة رؤوس من الخيل.
وفي مدة إقامة السلطان في المحالب استمر القاضي جمال الدين محمد بن عمر بن شكيل مشدّاً.
وفي يوم الخامس عشر من جمادى الأولى توفي الأمير عز الدين هبة بن أبي بكر الفخر بن يوسف بن منصور. وكان يومئذٍ اميراً في زبيد ودفن يوم السادس عشر من الشهر المذكور.
ولما علم السلطان بوفاته أمر ابن عمه نجم الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الشرف بن يوسف بن منصور فسار سيرة ابن عمه.
وفي آخر يوم السادس والعشرين من الشهر المذكور أغار القرشيون من وادي
стр. 541
رمع على المعازبة بني بشير إلى نخل المدني. وقد كان الخبر أتى إلى القرشيين بأن المعازبة هربوا ولم يكن ذلك صحيحاً بل كانوا في أَتم ما يكون من الجمع. فلما أتاهم العلم بغارة القرشيين إليهم خرجوا فاهتزم القرشيون آخر النهار فقتل منهم نحو من اثني عشر رجلاً واقتلعوا منهم أربعة أفراس وعقروا فرسين وأخذوا أربع رواحل.
وفي سلخ جمادى الأولى أغار المعازبة على فشال في جمع عظيم فسكرهم أهل فشال وطردهم وأخذوا لهم بحريين وجرحوا منهم جماعة.
وفي يوم الجمعة غرة جمادى الآخرة قتل الشيخ النهاري بن عيسى الأشعري شيخ بني الدريهم قتله أولاد علي بن العجمي بأبيهم وقتل معه الشيخ علي بن جهيض الأشعري أيضاً قتله جماعة من المالكيين في رجل قتل منهم قتله جماعة من عبيد الأشاعر.
وفي مدة إقامة السلطان في المحالب برز أمره العالي بكتب منشور بتنفيس القطيعة لأهل الضاحي ورغب للناس. وركب يوماً في عسكره المنصور إلى حدود حصن منائر فنهب العسكر أهل تلك الناحية نهباً شديداً وحرقوا بعض القرى. ورجع السلطان آخر يومه ذلك إلى المحالب. وكان مدة إقامته في المحالب شهراً وثلاثة أيام.
ثم رجع السلطان من المحالب إلى الأعمال السرددية. وكان دخوله بيت حسين يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة فأمسى بها ليلة واحدة وسار إلى المهجم فدخلها يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور فأقام فيها ثلاثة أيام وكتب للرعية منشوراً بتخفيف القطيعة وأضاف الجهة إلى الأمير بهاء الدين الشمسي ثم سار يريد زبيد فدخلها يوم الخميس الثامن والعشرين من الشهر في عسكر ضخم نحو من خمسمائة لابس ومن الرجل نحو من ثلاثة آلاف راجل وأمامه الخيل التي قبضها من العرب المفسدين وهي مائتان وستة وتسعون رأْساً وكان قد هلك منها شيءُ في الطريق فدخل مدينة زبيد في التاريخ المذكور دخولاً حسناً وكان يوماً مشهوداً.
стр. 542
وفي غرة شهر رجب وهو يوم السبت كان أول سبوت النخل فأقام السلطان في دار السرور يوم السبت ويوم الأحد ويوم الاثنين ثم انتقل إلى دار النصر فأقام فيه الثلاثاء والأربعاء ودخل زبيد يوم الخميس وصلى الجمعة في جامع زبيد يوم السابع من الشهر المذكور. وكان السبت الثاني كذلك وصل الجمعة يوم الرابع عشر في جامع زبيد.
ووصل يوم العشرين من رجب كتاب من مكة المشرَّفة يخبر عن تمرلنك الملك التركي بما وصل إليهم من الأخبار فذكروا إن تمرلنك جاءَت أوائل عسكره إلى بغداد في يوم السابع عشر من شوال سنة خمس وتسعين فلما وصلت أوائل عسكره كما ذكرنا انشمر صاحب بغداد ابن أويس وحمل جميع ما يقدر على حمله ممات قد ادخره وخرج في ألفي فارس إلى مصر. فلما كان يوم العشرين من شوال المذكور وصل الملك تمرلنك في عساكره وجيوشه إلى بغداد فنهبها وقتل أهلها قتلاً ذريعاً وأقام فيها أربعة أشهر من عشرين من شوال إلى بعد النصف من صفر سنة ست وتسعين وخرج من بغداد في أواخر صفر بعد أَن ترك فيها أميراً وترك معه خمسة آلاف فارس. وكان عسكره عسكراً عظيماً يسير الراجل في محطته اثني عشر يوماً وغالبهم كفار وذكروا ان فيهم ثلاثين ألفاً يأكلون الناس وإنهم إذا أقبل الليل يجعلون في حظيرة ويبيت عليهم من يحرسهم لئلا يخرجوا إلى أحد من الناس فيؤْذونهم. ولما رجع الملك تمرلنك من بغداد كما ذكرنا سار نحو الشام. فيقال إنه قصد هادرين والسوس واستباح أهلها والله أعلم.
وأما ما كان من أبن أويس لما قصد مصر خرج إليه برقوق وتلقاه وأكرمه وأنصفه. وكان وصوله في شهر ربيع الآخر وخرج برقوق من مصر في عساكر عظيمة لا تحصى. وذلك إنه لم يترك في مصر أَميراً ولا جنديّاً ولا فقيهاً ولا متنسكاً إلا سار معه. وسار معه جميع عرب الشام بني مهنا وغيرهم وسار معه بالحرافيش وسار معه ابن أويس وساروا جميعاً إلى الشام وأرسلوا إلى صاحب الروم ان يواجههم ويرجوا أن الله ينصرهم.
стр. 543
وذكر صاحب الكتاب الواصل من مكة المشرفة إنه وصلهم كتاب من المدينة الشريفة من بعض المجاورين بها إلى بعض المجاورين بمكة فذكر فيه إن نائب حلب بلغه إن الملك تمرلنك أرسل مقدمةً من عسكره ثلاثين ألفاً إلى الشام. سمع بهم نائب حلب فجهز عسكره ومن قدر عليه من عرب الشام بني مهنا وغيرهم ثم ساروا جميعاً إليهم فلما التقوا انهزم أصحاب تمرلنك وقتل منهم مقتلة عظيمة ورجعوا إليه مكسورين وأَرسل الله عليهم الفناء فهلك كثير منهم.
وفي هذا التاريخ وهو آخر سنة ست وتسعين وسبعمائة لم يصل إلينا علم برقوق ومن انضم إليه من جموع الشام والروم والعراق وغيرهم وسيأتي خبرهم إن شاءَ الله تعالى.
وفي يوم السبت الثاني والعشرين من رجب من هذه السنة توفي مولانا الملك الفائز ابن مولانا السلطان الملك الأشرف وهو أكبر أولاده وكان عاقلاً ذا أناة وسكينة رحمه الله تعالى ودفن عند والدته في التربة المذكورة وحضر دفنه كافة أهل زبيد على اختلاف حالاتهم وسائر العسكر وعقر على قبره عدة من ذوات الأربع. وكانت القراءة عليه سبعة أيام آخرها سلخ شهر رجب المذكور.
وفي يوم الاثنين غرة شعبان نزل السلطان النخل فأقام فيه كجاري عادته وفي يوم الخميس الحادي عشر من شعبان استمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن ابن محمد العلوي في شد الاستيفاء وشد الحلال ووقف شد الخاص مع القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد.
وتقدم السلطان إلى البحر يوم السادس عشر. وتقدم القاضي شهاب الدين الوزير إلى زبيد يوم الأربعاء السابع عشر من الشهر المذكور فأقام فيها ثلاثة أيام ثم سافر آخر نهار الجمعة التاسع عشر إلى الجهات الشامية فكانت إقامته في المحالب فعمَّر الدار الذي هنالك وعمرت به الجهة بأَسرها.
وفي يوم العشرين طلع السلطان من البحر إلى النخل ثم طلع إلى زبيد يوم الحادي والعشرين وتقدم إلى تعز يوم الأربعاء الرابع والعشرين. وكان دخوله يوم
стр. 544
الأحد الثامن والعشرين من شهر شعبان المذكور وتهيأَ للصيام وأَخلى محلة دار النصر لحضور الفقهاء والقضاة والأمراء والوزراء ومن يعتاد حضور مجلسه للتشفية في شهر رمضان كما جرت العادة حفظه الله. وكان الحاضرون مجلسه الشريف في شهر رمضان يتنازعون في تفضيل الرطب والعنب أَيهما أَفضل من صاحبه فحصل الإجماع بتفضيل الرطب على العنب. وكان القائل بتفضيل الرطب على العنب فقهاء تهامة وأمراؤها. وكان القائلون بتفضيل العنب على الرطب فقهاء الجبال وأمراؤها وقد أسند أهل الجبال أمرهم إلى الفقيه صفي الدين أحمد بن موسى التعزي الشافعي وكان فقيهاً عارفاً مدققاً بحاثاً محجاجاً. وأسند أهل تهامة أمرهم إلى الفقيه شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر عبد الله المقري الحسيني. وكان يتوقد ذكاءً وكان حاضر هذه الواقعة حاكم الشرع الشريف القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد بن عبد الله الناشري وكان أكمل أهل زمانه لا يوجد له نظير في أبناء جنسه أَحق الناس بقول أبي الطيب المتنبي حيث يقول
قاض إذا التبس الأمران عنَّ له ... أمرُ يفرّق بين الماء واللبن
القائل الصدق فيه ما يضرُّ بهِ ... والواحد الحالتين السرّ والعلن
وفي يوم الأربعاء التاسع من شهر رمضان أَسلمت امرأَة من اليهود ودانت بدين الحق وتبرأَت من كل دين خالف دين الإسلام. وكان زوجها من الإسرائيليين فالزمه حاكم الشريعة المطهرة بتسليم صداقها الذي تستحقه عليه فسلمه في مجلس الحكم وفرَّق الحاكم بينهما فرقة لا اجتماع بعدها إلا أن يسلم هو والله على ما يشاءُ قدير.
وفي هذا التاريخ تقدم الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي أميراً في أبين وانفصل عنها الأمير بهاء الدين بهادر اللطيفي.
وفي اليوم الرابع والعشرين وصل الفقيه الإمام العلامة القاضي الأجل مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي من الثغر المحروس مطلوباً إلى الأبواب الكريمة. فلما وصل إلى الباب الكريم أكرمه السلطان وأنصفه وأنزله منزلة تليق بحاله وحمل
стр. 545
إليه للفور أربعة آلاف درهم جدد برسم الضيافة. وكان قد أرسل له إلى عدن بمصروف أربعة آلاف درهم يتزوَّدها ويتجهز بها للوصول إليه ولم يزل مقيماً عنده على الإعزاز والإكرام. وانتفع به الناس انتفاعاً عاماً وكان في عصره شيخ الحديث والنحو واللغة والتاريخ والفقه ومشاركاً فيما سوى ذلك مشاركة جيدة. وله مصنفات مفيدة وشرح الجامع الصحيح للبخاري شرحاً ممتعاً. وكان صيام السلطان رمضان هذه السنة في محروسة ثعبات المعمورة. ووصل الأمير بهاء الدين بهادر اللطيفي من مدينة أَبين إلى باب السلطان. وكان وصوله يوم السادس والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم السابع والعشرين وصل الشريف شمس الدين علي بن القاسم صاحب جهران في نحو من ثلاثين فارساً يريدون الخدمة على الباب السلطاني فأكرمهم السلطان وأَنصفهم كما جرت عادته رحمه الله تعالى.
وعيَّد السلطان عيد الفطر في ثعبات المعمورة. وركب ولده الملك الناصر في جملة العسكر المنصور نائباً عن والده فصلى في مصلى العيد بعد أَن عبر العسكر في الميدان السعيد على جاري عادتهم وكان يوماً مشهوداً.
وفي شهر رمضان المذكور أَمر السلطان رحمه الله تعالى أن يندب جماعة من القراء يشفعون في التربة المباركة تربة موالينا جهة معتب تغمدهم الله برحمته وأَمر أن يعمل في كل ليلة من الشهر سماط نفيس يحضر عليه القراء والمرتبون على التربة المذكورة وعلى تربة مولانا الملك الفائز وكانوا أربعة وعشرين قارئاً وكسا الجميع منهم لكل نفر منهم نصف مقطع بياض وثوب خام وأمر لكل نفر منهم أربعين درهماً وربع مد طعام وربع مد من التمر وترك ثلاثين رأساً من البقر يكون ما تحصل من لبنها للمذكورين ومن ينخرط في سلكهم من المأذنة والسرادالية وغيرهم.
وفي يوم التاسع عشر من شهر شوال حصل في مدينة تعز ونواحيها مطر ورعد وبرق فاصاب البرق جماعة مات منهم أربعة نف في ساعة واحدة حتى قيل أن أحدهم كان في تلك الساعة يؤَذن فأصابه البرق وهو في أثناء الأذان فلم يتم كلمته التي هو فيها.
стр. 546
وفي يوم التاسع والعشرين تقدم علم الحج إلى مكة المشرَّفة من مدينة زبيد وفي هذا التاريخ استمرَّ الأمير بهاءُ الدين بهادر اللطيفي مقطعاً في حرَض وكان تقدمه إليها في غرة ذي القعدة.
وفي يوم العشرين من ذي القعدة ركب القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد من مدينة المحالب يطلب من القائد القطعة التي عليه فامتنع عن تسليم ما يتوجه عليه وخرج في عسكره مواجهاً للوزير فأمر الوزير العسكر بقتاله فانهزم هزيمة شنيعة ودخلت بلاده التي هو فيها التي تسمى المنصورة ونهبها العسكر نهباً شديداً وما ترك للقائد ولا لغيره شيء وأخذت بقية دوابه التي في إصطبله وأصابته جراحه مؤلمة وهرب عن البلاد وتركها فأمر الوزير في بلاده بعض اخوته وقرر أحوال الناس فأقام فيها أياماً. ووصل كتاب القائد بتسليم ما يجب عليه وطلب ذمة عليه وعلى كافة أهل بلده فأُجيب إلى ذلك ورجع إلى بلاده فأقام فيها.
وفي يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة أَغار القرشيون والأشاعر بوادي رمع على المعازبة وقتلوا منهم نحواَ من ثلاثين رجلاً كما أخبرني رجل منهم. وكان جملة من احتزَّ من المعازبة في هذه الغزوة ستة عشر رأساً وطلعوا بها إلى السلطان فكساهم وأنعم عليهم.
وفي يوم الحادي عشر من ذي الحجة أَغارت المعازبة على أموال أهل الوادي زبيد في ناحية الحازة فنهبوا منها شيئاً كثيراً من البقر وسائر المواشي وكان الناس مشغولين فأغارت الأشاعر والعسكر المنصور من فشال على المعازبة عقيب غارتهم على وادي زبيد فنهبوا لهم مالاً جزيلاً وخرجت المعازبة في طلبهم فعجزوا عن استنقاذ المال.
وفي العشر الأواخر من ذي الحجة برز مرسوم السلطان بطلب الوزير من المحالب طلباً حثيثاً. فكان تقدمه من المحالب يوم السابع والعشرين من ذي الحجة وترك أخوته في المحالب وهو الشرف أبو القاسم بن عمر معيبد وترك الآخر في المهجم وهو إسماعيل بن عمر معيبد. وكان وصوله إلى زبيد يوم الاثنين آخر يوم من ذي الحجة.
стр. 547
وفي هذه السنة المذكورة حصل في قرية موزع ونواحيها رجفات متتابعة نحوا من أربعين رجفة في يوم واحد وذلك في جمادى الأولى أو الأخرى. أخبرني بذلك الفقيه أبو بكر بن سليمان الأصابي عن مشاهدة لا عن رواية غيره والله أعلم.
وفي سنة سبع وتسعين وسبعمائة تقدم الوزير من محروسة زبيد إلى باب السلطان مصحوب السلامة فقابله السلطان بالقبول فأمر السلطان على كافة العسكر أن يخرجوا في لقائه وخرج في لقائه أيضاً مولانا الملك الناصر إكراماً له وإعظاماً. فلما وصل إلى الباب الشريف قابله السلطان مقابلة جيدة وكساه كسوة سنية وقاد له بغلة بزنار وأعطاه خمسة آلاف دينار. وعزم السلطان على النزول إلى تهامة فكان خروجه من تعز يوم العاشر من المحرم ودخوله زبيد يوم الاثنين الرابع عشر منه.
فلما استقر السلطان في زبيد أَمر الوزير بالتقدم لجباية الأموال بالجهات الشامية فبينما هو يتجهز لذلك إذ وصل العلم بقتل الأمير بهاء الدين اللطيفي وكان الذي قتله أهل الجثا في حدود حرض. وكان قتله ليلة الأربعاء السادس عشر من المحرم ووصل علم قتله إلى زبيد يوم السبت التاسع عشر فتقدم الوزير يوم الأحد العشرين من الشهر المذكور. واستر عوضه الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهارد النسبلي واستمر الأمير علم الدين سنجر في القحمة عوضاً عن ابن السنبلي. وأقام الوزير في الكدراء أياماً يقرر أحوال الرعية هنالك. ثم أرسل في يوم من الأيام جماعة من الديوان إلى بعض جهات الرماة فامتنعوا عن الوصول وبطشوا بالديوان فرجع الديوان واخبروا بامتناعهم فامر الوزير جماعة من العسكر بالغارة عليهم فخرجوا نحوهم وكان مقدمهم الأمير سيف الدين قيسون وتبعه الأمير فخر الدين أبو بكر السنبلي فأوقعوا بالعرب فقتلوا منهم بعضاً وثلاثين رجلاً من مشاهيرهم ونبهوهم نهباً شديداً لأن العسكر بغتتهم وهم على غير أهبة واحتز من القتلى نحو من سبعة عشر أو ثمانية عشر رأساً وأسر مهم أربعة أنفار من أكابرهم. ثم وصلت رسلهم إلى الوزير يطلبون الذمة ويتحرجون عما يجب عليهم من الواجبات السلطانية فأجاب الوزير إلى ذلك وأطلق الأسارى وكساهم وحلفهم على حسن
стр. 548
الطاعة وترك العصيان.
فلما كان السبت الرابع من صفر أمر السلطان على العسكر أن يتهيئوا للغزو إلى بلد المعازبة وأرسل إلى الوزير يأمره بان يلقاه بمن معه من العسكر صبح الأحد الخامس من الشهر المذكور فخرج السلطان من زبيد آخر يوم السبت ولم يعلم بخروجه أحد من العرب. وخرج الوزير بمن معه من العسكر. وكانت المعازبة قد انتقلت من مواضعهم خوفاً من السلطان ودخلوا في بلاد الحجنبة وبنى عباس في موضع آخر يسمى الردم بفتح الدال المهملتين فوصلهم الوزير أولاً فقاتلوه قتالاً شديداً وهربوا بأموالهم إلى الناحية التي أتاهم فيها السلطان وفي ظنهم أن السلطان لا يغير إلى ذلك الموضع لبعده عنه فما عملوا حتى أشرقت عيلهم العساكر فنبهوا أموالهم بأسرها واشتد القتال ساعة جيدة فقتل من العرب ساعة القتال طائفة وكثر فيهم النشاب فانهزموا بعد ما كثر فيهم القتال. وفشت الجراح فيهم فيقال إن الذين قتلوا في ذلك اليوم أكثر من مائة بشيء كثير وقتل بعض أولادهم وبعض نسائهم من النشاب وانتهبوا نهباً شديداً وكانت الواقعة يوم الأحد الخامس من شهر صفر من السنة المذكورة ورجع السلطان إلى زبيد يوم الاثنين السادس من الشهر. ورجع الوزير في خدمة الركاب العالي إلى زبيد. ثم رجع الوزير نحو الجهات الشامية. كان تقدمه ليلة الأربعاء الثامن من صفر فأقام في الكدراء أياماً ثم خرج مسيراً إلى وادي سهام فاخبر عن المقاصرة إن منهم جمعاً كبيراً منتشرين في الوادي سهام فقصدهم الوزير فلزم منهم جماعة ودخل بهم الكدراء فأمر بقتل من عرف بالفساد منهم فكانوا ستة عشر رجلاً وأرسل برؤوسهم وبقية الملزمين إلى باب السلطان بزبيد وأرسل صحبتهم بخزانة جيدة وكان ذلك كله في العشر الأواخر من صفر من السنة المذكورة.
وفي شهر صفر المذكور استمر الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر العدني أميراً في الثغر المحروس عوضاً عن الأمير شمس الدين علي بن محمد بن حسان، واستمر ابن حسان المذكور ناظراً به عوضاً عن الجمال الشتيري وتقدم الجمال الشتيري إلى
стр. 549
الشحر ناظراً هنالك.
وفي آخر يوم الأربعاء سلخ صفر المذكور خرج السلطان غازياً من زبيد إلى بلد المعازبة فقتل مهم أربعة رجلاً فنهب العسكر أموالهم نهباً شديداً. وأقام السلطان والعسكر في بلادهم يوم الخميس غرة ربيع الأول ويوم الجمعة. ورجع إلى زبيد يوم السبت الثالث من شهر ربيع المذكور مؤيداً منصوراً. ووصل معه الأمير بهاء الدين الشمسي وكان دخوله زبيد في عسكر جيدٍ من الخيل والرجل.
وفي غرة شهر ربيع الآخر توفي الفقيه شهاب الدين أحمد بن الفقيه وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن الخير بن منصور الشماخي. كان فقيهاً عارفاً متفنناً وحضر دفنه والقراءة عليه جمع كثير من أهل زبيد وغيرهم وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً.
وفي ليلة الأربعاء السابع من شهر ربيع الآخر توفي الشيخ معروف ابن الشيخ الجليل إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي وقبر في تربة باب سهام الغربية مما يلي المدينة.
وفي ذلك اليوم تقدم الركاب العالي إلى سرياقوس وتبعه كافة العسكر. وفي ذلك اليوم بنيت القنطرة الشرقية التي هي قبلي بستان الراحة لطريق الزربية والمرشدية ولم يك قبل ذلك هنالك قنطرة. وكان الذي أمر ببنائها القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وكان مشداً بوادي زبيد يومئذٍ. وكان رجوع السلطان من سرياقوس يوم الأحد الحادي عشر من الشهر المذكور لصيد حمير الوحش فاصطاد منها في يوم الاثنين السادس والعشرين ستة رؤوس وقيل سبعة وأَقام هنالك يوم الثلاثاء ودخل زبيد يوم الأربعاء الثامن والعشرين.
وفي يوم السبت غرة شهر ربيع الآخر أغار سنجر على المعازبة فقتل منهم جماعة فيهم رجل يقال له إبراهيم بن مذكور وكان من شياطينهم واحتز من القتلى رؤوس وأرسل بهم إلى زبيد.
وأغار الأمير بدر الدين محمد بن علي بن الشمس على المعازبة يوم الثلاثاء الرابع من الشهر المذكور فنهب العسكر أموالهم واستمروا راجعين بما قد نهبوه.
стр. 550
واجتمعت خيول العرب وخرجوا في آثارهم وقد افترق العسكر فأدركوا الأمير بدر الدين في جماعة من الخيل والرجل فغشيهم العدو من كل جانب فقاتل الأمير ومن معه قتالاً شديداً حتى كلَّت الخيل ولم يعطف عليه أحد من العسكر فوقف به فرسه فقتل وقتل معه حمزة بن الأنف وعلي بن محمد بن الأنف ومملوك من العسكر وأْحد عشر رجلاً من الرجل في التاريخ المذكور فجرد السلطان حينئذٍ الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي في عسكر من الباب فأقاموا في فشال. واستمرَّ الأمير بدر الدين محمد بن علي الريمي في فشال في التاريخ المذكور.
وفي يوم الخميس الخامس من شهر جمادى الأولى وصل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي بخزانة جيدة من لحج وأَبين. وكان السلطان قد ندبه لجباية الأموال في تلك الناحية.
وفي ليلة الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى كانت ولادة الملك الصالح حسن بن مولانا السلطان الملك الأشرف ووصل القاضي شهاب الدين الوزير من الجهات الشامية يوم السادس عشر. ووصل صحبته بخزانة جيدة ووصل بنيف وأربعين رأساً من الخيل.
وفي هذا التاريخ أغار الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي من فشال إلى بلد المعازبة فقتل منهم جماعة احتز منهم تسعة. ووصل بالرؤوس إلى باب السلطان في التاريخ المذكور.
وفي يوم العشرين من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى سرياقوس فاصطاد ستة من حمير الوحش أيضاً ورجع يوم الحادي والعشرين إلى زبيد فأقام إلى يوم الخميس الثالث من جمادى الآخرة ثم تقدم إلى النخل ثم إلى البحر وأقام هنالك إلى يوم الأحد السادس من الشهر. ثم ارتفع عن البحر فكان دخوله زبيد يوم الاثنين السابع من الشهر المذكور فأقام في زبيد الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت وتقدم يوم الأحد لمباشرة أملاكه السعيدة في جهات الوادي زبيد في شريج المنقار وأبي
стр. 551
الروم وغيرهما وأمسى في النخل ثم دخل زبيد يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور.
وفي يوم الخامس عشر من الشهر المذكور أمر الشيخ إسماعيل ابن إبراهيم الجبرتي برجل من فقرائه فضرب بالسياط وأخرج عن مدينة زبيد بسبب أوجب ذلك.
وفي يوم السادس عشر من الشهر المذكور أمر الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي بضرب الشيخ صالح المكي فضرب بالسياط ضرباً مبرحاً. ثم إن الشيخ إسماعيل استأذن السلطان في إخراجه من اليمن فأجابه إلى ذلك وصرف أَمره إلى أمير البلد فأرسل به الوالي إلى البحر وأمر نوابه أن يسافروا به إلى بر العجم. فلما صاروا به في البحر وكان يوماً شديد الرياح صرفتهم الرياح عن مقصدهم وألقتهم في ساحل الحديدة: ساحل من سواحل الوادي سهام. فأقام هنالك متستراً.
وفي يوم العشرين من الشهر المذكور أمر السلطان بعمارة الدار المسمى دار الذهب بزبيد وهو الركن اليماني من الدار السلطاني. واهتم به السلطان اهتماماً شديداً ففرغ في أقرب مدة.
وفي شهر رجب أصلحت المعازبة جميعاً وردوا ما عندهم من الخيل ووصل بهم الأمير سيف الدين سنجر صاحب القحمة في يوم السبت الثالث من رجب ووصل في عسكر جيدٍ من الخيل والرجل ووصل صحبته تسعة عشر رأْساً من الخيل. وكان ذلك اليوم أَول سبت من السبوت المعتادة.
وفي يوم السبت الرابع والعشرين من رجب وصل الأمير الكبير الشريف صلاح بن علي بن مظهر بن محمد بن مطهر بن يحيى إلى الأبواب السلطانية وسلم لمولانا السلطان حصن ذروان فكساه السلطان وأنعم عليه وأعطاه أربعين ألف درهم.
ونزل السلطان النخل يوم الثاني من شعبان. وقد عمرت الدورات والعراريش والإصطبلات وجعل السلطان لحوية باب الدار أربعة أبواب شرقي
стр. 552
وغربي وشمالي وجنوبي فاحتوت الحوية على آلات السلطان كلها من الخيل والبغال والحمير والأفيال وسائر البيوتات كالخزانة والفرشخانة والطشتخانة والشربخانة والركبخانة والطبلخانة فازدان بها الموضع وحسن حسناً تاماً.
وفي يوم السبت التاسع من شعبان توفي الفقيه الإمام وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الخير الشماخي. وكان دفنه يوم الأحد العاشر من الشهر المذكور وحضر دفنه عالم كبير. وكان شيخ الحديث في مدينة زبيد رحمه الله تعالى.
وفي يوم الأحد العاشر من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى البحر فأقام هنالك في نزهته وفرجته إلى آخر يوم الثلاثاء التاسع عشر من الشهر المذكور ثم ارتفع إلى النخل فأقام فيه إلى يوم الأربعاء. وكان دخوله زبيد يوم الخميس الحادي والعشرين فأقام في الدار الجديد يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت وتقدم إلى محروسة تعز يوم الأحد الرابع والعشرين فدخلها يوم الخميس الثامن والعشرين من الشهر المذكور. وصام السلطان رمضان هذه السنة المذكورة في تعز المحروس. وكانت إقامته في دار الوعد.
وفي يوم الجمعة السادس من شهر رمضان توفي القاضي جمال الدين محمد ابن علي الجنيد. وكان فقيهاً فاضلاً حسن السيرة ولاه السلطان القضاءَ في مدينة تعز. فكان مشكور الثناء حسن السيرة محبوباً عند سائر الناس. ثم فصله السلطان فأقام أياماً ثم ولاه السلطان القضاءَ في مدينة عدن فأقام هنالك مدة ثم انفصل وأَراد السلطان أن يوليه القضاءَ الأكبر فاخترمته المنية قبل ذلك التاريخ المذكور رحمه الله تعالى.
وفي اليوم الحادي عشر من الشهر المذكور وصل الأمير عماد الدين يحيى بن أحمد الشريف الحميري إلى باب السلطان فقابله السلطان بالقبول وصام الناس رمضان هذه السنة تسعة وعشرين يوماً وعيَّد السلطان عيد الفطر في دار الوعد. فلما انقضت أيام العيد هذه تقدم الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي إلى الثغر المحروس وسار صحبته بخيل الموسم. وكان تقدمه من تعز يوم الخميس الرابع من شهر شوال.
стр. 553
وفي ليلة الرابع أو الخامس جرَّد الوزير عسكراً من المحالب لحصن منابر وأمرهم أن تكون محطتهم في قلعة حسن. فلما اصبح تبعهم في عسكر جيد من الخيل والرجل فأحاط بالحصن من سائر جهاته وحصره العسكر حصراً شديداً.
فلما كان يوم الثلاثاء أذعن أصحاب الحصن وبذلوا تسليمه وسألوا ذمة شاملة من الوزير فأَذم عليهم. فلما وصلوا إليه كساهم وأحسن إليهم فنزلوا بأولادهم ونسائهم وأثاثهم. وكان في الحصن طعام مشحون أرادوا أن ينزلوا به فاشتراه الوزير منهم وقبض الحصن ورتب فيه عسكراً يحفظونه.
وفي يوم الخميس الحادي عشر من شوال تقدم السلطان إلى الجوة فأقام هنالك إلى يوم الخميس الثامن عشر من شوال. ثم طلع الدملؤة يوم الجمعة التاسع عشر منه.
وفي أثناء إقامته في الجوة وصل العلم بان الجحافل أغاروا هنالك فخرج إليهم الأمير بدر الدين محمد بن زياد في العسكر السلطاني الذي نزل معه فقتل منهم جماعة حزمن رؤوسهم أربعة وأسر أربعة واستقلع خمس رؤوس من الخيل. وأقام السلطان في حدود الدملؤَة إلى آخر الشهر.
وفي آخر الشهر المذكور قتل علي بن القائد وأُسر أخوهُ عبد الله. وكان السبب في ذلك لما تقدم الوزير إلى المحالب لاستخراج الأموال بالجهات الشامية هرب جماعة من الصميين إلى بلد القائد بما عليهم من الواجبات السلطانية فكتب الوزير إلى أبي بكر القائد وأخيه علي ابن القائد أن يمنعوا من أَتاهم من رعية السلطان ولا يؤووهم. فلما وصل كتاب الوزير إليهم طرد أبو بكر من كان معه من الرعية المذكورين فآواهم على أخوه فكتب إليه الوزير يتوعده فأرسل إلى أخيه أبي بكر يعلمه إنه واصل إليه خائف من الوزير. ثم انتقل إلى ناحية أخيه فما أعلم أخوه أبو بكر حتى قد صار عليّ معه في القرية على حين غفلة فأَحاط هو وعسكره بدار أخيه أبي بكر وحالوا بينه وبين عسكره ثم هجم على أخيه فأخذه برقبته واستولى على بلاده وبلاد أخيه وكتب إلى الوزير يعلمه إنه قد أَخذ البلاد وأَن أخاه قد صار معه تحت الاعتقال فأمر الوزير أن
стр. 554
يرسل به إليه فعزم على ذلك فدخل عليه بعض أهله وأكابر بلده وفندوا رأْيه وقبحوا فعله وقالوا له لا يحسن منك أن تسلم أخاك ولكن اسجنه عندك فأنت أحق به فقيد أخاه بكر حينئذٍ وأرسل به إلى موضع آخر من بلاده سجنه فيه. فلما علم الوزير بفعله سار إليه في العسكر المنصور.
فلما صار قريباً منه أرسل إليه يقول له إِما أن ترسل بأَخيك إليَّ وأما أن تطلقه فلما علم بخروج الوزير خرج في عسكره متنحياً عن القرية فتبعه العسكر فعطف بعض عسكره على رجل من العسكر فطعنه طعنة قتلته فحمل عسكر السلطان على عسكره فقتلوا من أصحابه شريفاً يقال له مطرف كان فارساً مشهوراً. فلما علم القائد بقتل الشريف مطرف حمل هو وعسكره وكانوا نحواً من مائتي فارس على العسكر السلطاني فثبت لهم العسكر ثباتاً حسناً ورد عليهم عسكر ردة صادقة فقتل علي ابن القائد وقتل معه جماعة وأُسر عبد الله ابن القائد ودخل العسكر المنصورة ونهبها نهباً شديداً واستولى على ما هنالك من دواب وسلاح وقماش وغير ذلك. وفي يوم الرابع عشر من ذي القعدة وقع في تعز ونواحيها وسائر المخلاف مطرُ شديد قيل إنه من بعد صلاة الجمعة إلى أن مضي جزءُ من الليل فأتلف في تعز بيوتاً كثيرةً وتهدمت عدة دكاكين على ما فيها ونزل في تلك الليلة في وادي زبيد مياه عظيمة أتلفت مواضع كثيرةً في أعلى الوادي وفي أسفله وتتابعت السيول ولم تنقطع وتكرر الماءُ في المحارث مرَّة بعد مرَّة وسقى في وادي زبيد مواضع كثيرة لا عهد لها بالسقي وسقيت الضواحي بماء الوادي. وفي يوم الأحد السادس من القعدة رجع السلطان من الجوة إلى محروسة تعز. وفي يوم الأربعاء التاسع من القعدة تقدم علم الحج المنصور إلى مكة المشرفة. فكان دخوله زبيد يوم الأحد الثالث عشر. وتقدم من زبيد يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور صحبة القائد علي ابن سعيد. وفي يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور وقع في التهائم مطر عظيم عام وهاجت رياح شديدة. وغرق في ذلك خمس سفائن من سفن الحجاج على ساحل المخلاف السليماني. وفي اليوم الثاني والعشرين من ذي القعدة وصل العلم إلى زبيد بقتل الشريف علي بن عجلان صاحب مكة المشرفة. وكان الذي قتله بنو عمه. ويقال
стр. 555
إن قاتله قتل يومئذ قتله عبيد المقتول علي بن عجلان. وكان قتله في ناحية الوادي من يوم السابع من شوال. والله أعلم. وفي يوم السبت السادس والعشرين من ذي القعدة المذكورة تقدم القاضي شهاب الدين الوزير من قرية المحالب يريد الباب الشريف السلطاني بما صحبته من أموال الخراج وغيرها وبما جمعه من التحف والهدايا. فكان دخوله زبيد يوم الخميس عشرة ذي الحجة وكان خروجه من زبيد بعد صلاة الجمعة من يوم الجمعة الثاني من الشهر المذكور. ودخل تعز يوم الاثنين الرابع من ذي الحجة. ووصل صحبته من الخيل والهدايا والتحف شيء كثير وكان عدة الخيل ثمانية وعشرين رأْساً فأَمر السلطان ولده مولانا الملك الناصر أَن يتلقاه في كافة العساكر فخرج في لقائه وخرج معه من الأمراء الأمير بهاء الدين الشمسي، والأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي، والأمير بدر الدين محمد بن زياد. ووصل إلى الباب الشريف في كافة العسكر فقبله السلطان مقابلة رضية وكساه صيفية ملوكية. وصرف له بغلة بزنار ووهب له ألفي دينار.
وفي يوم السادس من ذي الحجة استمر القاضي الأجل مجد الدين محمد ابن يعقوب الشيرازي في القضاء الأكبر وكتب له منشور بذلك في أقطار المملكة اليمنية. وكان من الحفاظ المشهورين والعلماء المذكورين وهو احق الناس بقول أبي الطيب المتنبي حيث يقول
أديب رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قف
وفي هذا التاريخ وصل العماد يحيى بن علي السقيم وهو يومئذ أمير مدينة حيس بطير من الجوارح أمسكه المخابنة من ساحل حيس وفي رجله شكال من حرير فيه لوح من ذهب مكتوب فيه اسم صاحبه يقال إنه من طيور صاحب مصر أو لبعض أمرائها الكبار ففرح به السلطان وكسا الذي وصل به كسوة سنية. ولما انقضى عيد النحر عزم السلطان على الطلوع إلى المخلاف فأنفق على العسكر نفقة شهرين في آخر ذي الحجة وفي شهر محرم من سنة ثمان وتسعين.
وفي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة وصل ولد السيري إلى الباب السلطاني فكساه السلطان وأنعم عليه وصرف له حصاناً اخضر وبغله وانصرف راجعاً إلى أبيه.
стр. 556
وفي هذا التاريخ برز أمر السلطان بالسفر وأمر الفراشين يحملوا ثمانين حملاً من الخام وخرجت الزردخانة وكان خروج الطبلخانة يوم الثالث من المحرم وهو يوم الثلاثاء وتقدم آخر يومه ذلك في كافة العسكر المنصور.
جيش كأَنك في أرض تطاوله ... فالجيش لا أمم والأرض لا أمم
إذا مضى علم منه بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم
فأقام في قرية المقادمة أَياماً وأرسل إلى ابن السيري من يجس مخاضته فوجده على أقبح سيرة وأخبث سريرة فارتحل السلطان عن المقادمة فكان دخوله دار السلام من جبلة يوم الجمعة الثالث عشر من المحرم فأقام في دار السلام ووصلت إليه القبائل من كل ناحية. واستخدم الرجال وبث الأموال. وأرسل ابن السيري صاحب بعد أن يطلب منه عسكراً بالجامكية فكره وامتنع عن تصدير عسكره إلى السلطان فتحقق السلطان فساده وإفساده ومكره وعناده. وكان جملة من تخلف عن الوصول إلى السلطان من القبائل يومئذ ابن السيري صاحب بعدان وعبد الباقي الصهباني. وعلي ابن داود الحبيشي صاحب الخضراء من حبل الشوافي. ثم إن السلطان تولاه الله يسير يوماً إلى ناحية اب. وكان ابن السيري قد رتب فيها نحواً من ألفي راجل. فلما قرب السلطان من المدينة أغلقوا باب المدينة وظهر منهم ما لم يكن في ظن أحد من الناس من السفه وقلة الأدب فرجع السلطان عنهم ولم يكن يومئذ قصده قتالهم فأقام في دار السلام أياماً ثم قصدهم يوم السبت الحادي والعشرين من المحرم فأغلقوا الأبواب وقاتلوا ساعة من نهار قتالاً شديداً فانهزم العسكر السلطاني هزيمة شديدةً. وثبت السلطان وولده أحمد الناصر ثباتاً حسناً. وتراجع الأمراء الكرام ثم حمل السلطان والعسكر حملة صادقة. وكانوا قد أرسلوا إلى ابن السيري يطلبون منه زيادة في العسكر فتأَخرت عنهم العادة فكسبهم السلطان ودخل عليهم العسكر المدينة قهراً وأخربها العسكر خراباً كلياً ونهبوا ما وجدوه فيها وقتلوا من أهلها جماعة ورجع السلطان إلى دار السلام ظافراً منصوراً.
وفي آخر الشهر المذكور أمر السلطان الطواشي جميل في قطعة من العسكر
стр. 557
المنصور إلى ناحية من بعدان فقاتلوا أهلها قتالاً شديداً وأخربوا عليهم خمس قرى. ونهبوا من أموالهم شيئاً كثيراً ورجع العسكر المنصور إلى السلطان سالمين غانمين ووصل الشيخ عبد الباقي بن عبد الملك الصهباني إلى باب السلطان في عسكر جيد فقابله السلطان مقابلة جيدة وكساه. ثم إن السلطان أمر بالمحطة على الشيخ علي بن داود الحبيشي. وعلى حصنه المعروف بالخضراء من بلد الشوافي فسار إليه السلطان والعسكر وحط عليه العسكر وضيقوا عليه ضيقاً شديداً. وكان طلوع السلطاني إلى الشوافي والمحطة هنالك يوم الاثنين الثاني من صفر. فأقام السلطان في محطته المنصورة يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وفتح الحرب عليهم يوم الخميس من كل ناحية. وكان علي بن داود الحبيشي قد جمع جمعاً عظيماً من أهله وغيرهم. فلما وجد الضيق الشديد جمع جمعه الذي معه وخرجوا يقاتلون العسكر فانهزمت الناحية التي هو فيها فقتل وقتل معه جماعة من قرابته وآخرون من غيرهم وقتل معه ولد من أَولاد وهو الذي يسمى الأسد وقتل عماد الحفاء وكان عظيماً من عظمائهم واسر ولده إدريس بن علي وأبو القاسم بن داود الحبيشي. وأخرب دار علي بن داود وبساتينه ونهبت أمواله ونهبت البلاد نهباً شديداً. وحرقت المنازل والقرى وكان ذلك يوم الخميس الخامس من صفر واحتزت رؤوس القتلى وحملت إلى بين يدي السلطان. ولم تزل المحطة على الخضراء حتى أثر فيها الخراب من المنجنيق والعرادات فضاق أهلها من شدة الحصار وطلبوا الذمة وبذلوا تسليم الحصن فأجابهم السلطان إلى ذلك. فنزل الشيخ محمد بن داود الحبيشي إلى باب السلطان. فكساه السلطان وأنعم عليه وأسلم الحصن وطلع نائب السلطان فقبض الحصن يوم الخميس الثاني عشر من صفر. وارتفعت المحطة وقد دانت القبائل وسلموا الرهائن من أولادهم واخوتهم. وكان جملة الرهائن ثمانية وعشرين رهينة. ورجع السلطان إلى دار السلام يوم السبت الرابع عشر من صفر. فأقام في دار السلام أياماً ورجع إلى تعز ظافراً منصوراً. فدخلها يوم الأحد الثاني والعشرين من صفر. فكانت غيبته عن تعز في غزوته هذه ستة وأربعين يوماً. ولما دخل تعز في التاريخ المذكور أقام فيها إلى
стр. 558
يوم الخميس السادس والعشرين. ثم تقدم إلى مدينة زبيد. فكان دخوله زبيد يوم الاثنين آخر يوم من صفر من السنة المذكورة في عسكر جرار. ورؤوس القتلى أمام العسكر المنصور. ولسان الحال ينشد
بلغنا ما نشاءُ من المرد ... وحزنا ما نريد من البلاد
وفلقنا رؤوساً عاصيات ... بأَسياف مهندة حداد
وصلنا صولةً يوم الشوافي ... فدانت عند صولتنا الأعادي
أتيناهم بكل اقب نهد ... شديد أسره سلس القياد
وفرسان كأسد الغاب بأْساً ... ورجل مثل منتشر الجراد
فزلزلنا الجبال وساكنيها ... وكادت أن تطير من البلاد
وقد ظلت سراة القوم صرعى ... يشق القواضب والصفاد
وكل مقوم لم يعص أمراً ... يشق إذا انبرى قلب الفؤاد
طغوا وسعوا فساداً فانتقمنا ... بحزب الله من حزب الفساد
فأضحت دورهم منهم خلاء ... بلاقع لا مجيب ولا منادي
أبحناها اغتصاباً ثم جدنا ... عليهم بالطريف وبالتلاد
وعدنا ظافرين إلى تعز ... على القب المطهمة الجياد
فقل لمحمد السيري عني ... إذا واجهته يوماً وناد
أفق من قبل أن يغشاك بأس ... وإن يلحق ثمود بقوم عاد
فإني يا محمد عن قريب ... إليك بعاديات الخيل غاد
وبالسمر المثقفة العوالي ... وبيض المشرفيات الحداد
وأبطال يرون الموت غنماً ... جلاد سيما يوم الجلاد
وشم من ذري عثان غر ... على غر محجلة جياد
وبالجيش الأجش وكل قرم ... طويل الباع مسترخي النجاد
وما زال الإله لنا معيناً ... وهادينا إلى سبل الرشاد
أنا الملك الممهد ذو المعالي ... سليل الأفضل الملك الجواد
стр. 559
أما الملك الرسولي اليماني ... هزبر الملك وكاّف الأيادي
كريم الفرع زاكي الأصل لا من ... قالاوون ولا من آل شاد
أجود بكل ما ملكت يميني ... ولا يغني طريفي عن تلادي
وتعنوا لي القبائل في ذراها ... ولو كانت على السبع الشداد
وتخدمني ملوك الأرض طرّاً ... وسل من شئت من قار وباد
ولما دخل السلطان زبيد في التاريخ المذكور سكنها واستوطنها واخترع فيها القصور العجيبة. والمنازل الرحيبة. وفي يوم الأحد السابع والعشرين من صفر المذكور توفي الفقيه الإمام العلامة موفق الدين علي بن عبد الله الشاوري الفقيه الشافعي. وكان أحد من تدور عليه الفتيا في زبيد تفقه بالفقيه إسحاق ابن أحمد بن زكريا وبالفقيه جمال الدين الريمي وتفقه به عدة من أهل زبيد وكان باذلاً نفسه للطلبة ﵀.
وفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأَول تقدم السلطان إلى النخيل وباشر الأرض التي اشتراها من ورثة الفقيه جمال الدين الريمي وغيرهم في ناحية التحيتاء وهي التي تسمى سرياقوس الأسفل ورجع آخر يومه إلى مدينة زبيد. وفي يوم الثالث والعشرين من شهر ربيع المذكور كان ابتداءُ عمارة المتجر بزبيد المحروس على يد القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وفي شهر ربيع الآخر تقدم السلطان إلى سرياقوس الأعلى واصطاد من هنالك ورجع إلى محروسة زبيد. وفي اليوم الخامس من جمادى الأولى أرسل السلطان بهدية سنية إلى الديار المصرية صحبة القاضي برهان الدين إبراهيم بن عمر المحلى وذلك في مقابلة ما وصل من هدية السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق.
وفي هذا التاريخ توفي الفقيه شرف الدين أبو القاسم بن الحضرمي. وكان يومئذ ملتزم الوادي زبيد. وكانت له مكانة عند السلطان فسار بالناس سيرةً صعبةً. وغير على الرعية كثيراً مما يعتادونه ونفع آخرين. وكان سبب موته انه خرج يباشر في شريج أبيرة ومعه جماعة من المساح والذراع وغيرهم. فلما انقضى النهار
стр. 560
رجع الجميع إلى المدينة فركب حصاناً معه وسار يريد المدينة فلما صار في حلة الوادي زبيد شب به الحصان. وكان ﵀ ضعيف الفراسة فلما شب به الحصان جذب عنانه إليه جذباً شديداً. فألقاه الحصان عن ظهره ثم وقع الحصان عليه فوقع السرج على قلبه بقوة الحصان فغاب ذهنه ساعة من نهار. ثم أفاق فحمل إلى بيته على ظهر دابة فأمسى ليلته أليماً وظل كذلك إلى نصف النهار ثم توفي رحمه الله تعالى.
وفي يوم التاسع من شهر رجب استمر الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الابي أميراً في زبيد عوضاً عن الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم الشرف.
وفي هذه السنة ظهر جراد عظيم فاتلف شيئاً من الزراعة. واخبرني من يحكى عن الفقيه شهاب الدين أحمد الحرضي نفع الله به والفقيه صارم الدين إبراهيم بن وهاس وجماعة من الثقات إن رجلاً من أهل البادية بينما هو يحرث في ذهب له إذ انبعث من السحب والعود جراد عظيم صغار يهول من رآه. وآخر إنه رأى جرادة تبيض في الأرض فنزعها فانقطع بطنها فخرج منه بيض كثير جداً. ويروى إن رجلاً أَراد أن ينفر الجراد عن أرضه فوقع عليه الجراد حتى غشيه فخاف أن يأكله الجراد فتركها وهرب وكان ذلك في شهر رجب من السنة المذكورة.
وفي يوم الثامن من شعبان تقدم السلطان إلى النخل في عساكره وآلته وفي هذه السنة جعل القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم على حوية باب دار الشوخين وجعل فيه أربعة أَبواب فكانت الجمال والخيل والطبلخانة والخزانة وسائر البيوتات كلها من داخل الدرب وكان نزول السلطان النخل لاستخراج الأموال يوم الثاني عشر من شعبان وصام السلطان رمضان هذه السنة في النخل وكان صياماً حسناً ولم يذكر إن سلطاناً قبله صام رمضان في النخل أبداً والله اعلم.
وفي أول يوم من شهر رمضان هذه السنة قتل الأمير بدر الدين محمد ابن سيف الدين قتله الأهمول وكان يومئذ أميراً لجهات الموزعية وكان سبب قتله انه لزم رجلاً منهم فحبسه فمات في الحبس من غير ضرب ولا تعذيب.
وفي أثناء شهر رمضان المذكور وصل إلى باب السلطان ولد سلطان دلي
стр. 561
فأكرمه السلطان إكراماً حسناً وكساه كسوة سنية وقاد له رأساً من جياد الخيل كامل العدة والآلة. ووهب له أربعة آلاف درهم وآنسه من نفسه أنساً تاماً. وكان يحضر مجلس التشفيع في كل ليلة من شهر رمضان أسوة الجماعة المندوبين لذلك. وكان اسمه كوجر شاه بن طغرخان بن فيروزشاه سلطان الهند. وكان لفيروزشاه المذكور عدة أولاد. فلما توفي ولي الملك منهم طغرخان والد هذا الولد المذكور فأقام طغرخان في الملك أياماً ثم نازعه أحد اخوته وقتله وقتل عدة من أولاده واستولى على الملك. وكان هذا الولد يومئذ صغيراً ولم يعلم به عمه فلما شب خشي على نفسه فخرج من الهند وأعمالها إلى اليمن.
وفي أثناء شهر رمضان المذكور وصل الملك الفائز ابن السلطان الملك المظفر. صاحب ظفار الحبوضي مستوفدا للصدقات السلطانية.
وفي يوم الثاني والعشرين انفصل شهاب الدين أحمد بن علي بن الشمسي من الجثة. ووصل الوزير من الجهات الشامية بنحو من ستين رأساً من خيول العرب في جملتها حصان اصفر كان صاحبه يسميه بريم الجهة.
وفي يوم الثاني والعشرين من شهر رمضان خرج جماعة في طريق النخل فنهبوا المتخلفين في الطريق من زبيد إلى النخل. فلما اصبح الصبح قصوا أثرهم فسار بهم الأثر إلى قرية الحجوف. فألزم أهل القرية إحضار الخصوم فما زال أهل القرية يبحثون حتى دخلوا موضعاً وجوا فيه جماعة من الرجال يظهرون انهم من الفقراء يظلون يطلبون الناس فإذا جن الليل انتشروا في المواضع وفيهم من يقصد السرقة وفيهم من يقصد الطرق للنهب ففتشوا مساكنهم فوجدوا فيها عدة من الثياب الفاخرة. ووجدوا معهم طعاماً مصنوعاً مهيئاً للأَكل فظهر للناس أنهم لا يصومون وانهم يتزيون بزي الفقراء أهل الفاقة وأفعالهم كلها غير مستحسنة فأخذوا أمر السلطان بتلفهم.
وفي شهر رمضان من هذه السنة سمع السلطان صحيح البخاري من حديث رسول الله ﷺ على القاضي مجد الدين يومئذ وكان ذا سند عال من
стр. 562
طرق شتى. وعيد السلطان عيد الفطر في النخل. فكان عيداً لم يكن مثله في كثرة الناس وحسن الهيئة واجتماع العسكر.
وفي يوم الثالث من شوال نزل السلطان البحر فأقام هنالك إلى يوم الثالث عشر من الشهر المذكور ثم ارتفع إلى النخل. ثم دخل زبيد يوم الرابع عشر فأقام فيها إلى يوم العشرين. ثم تقدم إلى تعز آخر ليلة الحادي والعشرين. فكان دخوله تعز يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم الحادي عشر من ذي القعدة توفي الأمير هيصم الدين إبراهيم ابن الأمير أسد الدين محمد ابن الملك الواثق بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول وكان وفاته في زبيد ودفن في مقبرة باب سهام عند القرية المعروفة بالمرزوقية. وفي عشية الجمعة الرابع من ذي الحجة قتل الشيخ عمر بن حنان في قرية الهرمة بوادي زبيد وقتل معه جماعة من قرابته وقتل أولاده وقرابته جماعة من أعدائهم بني نمر.
وحصل في هذه السنة المذكورة وهي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة برق في قرية من قرى مور. يقال لها المدلة " بضم الدال المهملة وتشديد الميم امفتوحة وبعد اللام هاء تأنيث " فأحرق كل دابة فيها. وماتت دوابها من البقر والغنم والحمير والجمال. ولم يحرق من القرية شيءُ لا من بيوتها ولا من أهلها ولا أصاب إحداهن ساكنها ضرر في جسمه أبداً إلا اثنين كانا خارج القرية منفردين عن القرية فحرقا. اخبرني بذلك الفقيه علي بن محمد الناشري. قال وكان البرق في شعبان من السنة المذكورة.
وفي شهر المحرَّم أول سنة تسع وتسعين وسبعمائة نزل السلطان تهامة فكان دخوله زبيد يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم المذكور.
وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين انفصل الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الأَبي عن ولاية زبيد. ورجع الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم بن الشرف على ولايته وكان الأمير نجم الدين المذكور محبوباً حسن السيرة وكانت مدة ولاية الشجاع الأبي ستة أَشهر وثمانية عشر يوماً.
стр. 563
ولما فصل من الولاية صودر مصدرة شديدةً وقبضت دوابه وصودر نقباء بابه وضرب ضرباً شديداً أفضى به إلى الموت. وفي يوم الثاني عشر من صفر تقدم السلطان إلى رأس وادي زبيد بسبب الصيد فأقام هنالك عشرة أيام.
وفي أثناء إقامته وصل صاحب ظفار. وكان رجوع السلطان إلى زبيد يوم الجمعة الثاني والعشرين من صفر المذكور.
وتوفي الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الابي ليلة الأحد الرابع والعشرين من الشهر المذكور. وفي شهر ربيع الأول توفي القاضي صفي الدين أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر العراف الحاكم بمدينة حيس. فاستمر عوضه في القضاء هنالك الفقيه جمال الدين محمد بن إسماعيل بن علوان.
وفي التاريخ المذكور استمر القاضي بن علي بن محمد بن إبراهيم الجلاد مشدا لأعمال الحيسية عوضاً عن العماد المستقيم. واستضاف الجهة القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم.
وفي غرة شهر ربيع الآخر تقدم السلطان إلى النخل بوادي زبيد فأقام هنالك ثلاثة أيام ثم رجع إلى زبيد فكان رجوعه ليلة التاسع من الشهر المذكور.
وفي شهر جمادى الأولى تقدم السلطان إلى الجهات الشامية. وكان تقدمه من زبيد يوم الرابع منه.
وفي هذا التاريخ المذكور نهبت قافلة عدن نهبها الأحيوق يقال إن عدتها ثمانون جملاً عليها من الذهب والفضة اكثر من عشرة لكوك.
وفي اليوم الثامن من جمادى الأولى دخل السلطان مدينة المهجم فأقام فيها إلى يوم الثامن عشر من الشهر المذكور. ثم انتقل إلى المحالب بعد أَن أَطلق مشايخ الصميين المعتلقين ورهنوا رهائنهم وأغار العسكر على بلاد العتابد فنهبها نهباً شديداً.
وفي يوم الخميس الثامن من جمادى الآخرة حرقت قرية الحمى من وادي زبيد بأَسرها ولم يبق فيها شيءُ من المساكن.
стр. 564
وفي يوم العاشر من الشهر المذكور وصلت هدية من ولد الإمام صلاح ابن علي صاحب صنعاء. وهي خمسة أحمال مما يستطرف وخمس رؤوس من جياد الخيل. وتقدمت الهدية من زبيد إلى السلطان يوم الثاني عشر من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ أَمر السلطان بقبض العمادين فقبض من موزع ووصل به إلى زبيد جماعة من الخيل والرجل فأقام معتقلاً عند القاضي سراج الدين إلى أن وصل السلطان من الجهات الشامية.
وكان رجوع السلطان من المحالب إلى المهجم يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة. فأقام في المهجم يوم الأربعاء والخميس والجمعة ثم سار إلى زبيد فدخلها يوم التاسع والعشرين منه فأقام فيها إلى يوم الرابع من رجب ثم تقدم إلى النخيل ورجع آخر يومه ذلك. ووصل خزانة من عدن فيها أموال ووحوش وتحف.
وفي يوم الثاني عشر من الشهر المذكور وقع حريق في ناحية المرباع من زبيد أخذ من سوق المرباع إلى مسجد نوفلة وانضر أهل تلك الناحية ضرراً شديداً. وفي يوم الجمعة الخامس عشر ركب السلطان إلى الجامع بزبيد وصلى الجمعة وكان أول السبوت يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور.
وفي اليوم الثالث والعشرين من شهر رجب المذكور برز مرسوم السلطان إلى القاضي مجد الدين قاضي الأقضية يومئذٍ بأَن يندب لمسجد الأشاعر بزبيد إماماً شافعياً. وكان المسجد المذكور لأصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ من قديم زمانه فيما رأَيناه وسمعنا به. فعين القاضي مجد الدين جماعة اختار منهم السلطان الفقيه موفق الدين علي بن محمد بن فخر فاستمر في إمامة المسجد المذكور من التاريخ المذكور.
وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور. وضع السلطان ولد وهو يومئذ في مدينة زبيد وكان ميلاده عند طلوع الفجر من الليلة المذكورة وهو المسمى حسين.
وكان نزول الصندوق لاستخراج مال النخل يوم الثالث والعشرين من
стр. 565
شعبان. ونزل الس لطان النخل يوم الرابع والعشرين. وصام في النخيل وكان صياماً حسناً. وكانت التخمة ليلة الثالث والعشرين من الشهر كجاري عادته. وأثاب الحاضرين بسبب التشفيع من الفقهاءِ والأمراءِ وغيرهم.
وفي أول يوم من شوَّال حرقت مدينة فشال حريقاً شديداً. وحرق في ذلك اليوم أولاد القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد بن موسى الدوالي وجاريته وكان يومئذ حاكم الشرع في مدينة فشال.
وفي يوم الخامس أَو السادس من شوال لزم خمسة من مقاصرة الشام فأمر السلطان بشنقهم فشنقوا.
وفي يوم الأربعاء السادس عشر من شوال تقدم السلطان إلى البحر فأقام هنالك خمسة أيام ثم رجع إلى النخل فأقام فيه إلى آخر الشهر.
وفي أَول يوم من القعدة تقدم السلطان إلى البحر.
وفي هذا التاريخ قتلت امرأَة في قرية النويدرة التي علي باب سهام بزبيد قتلها رجلان من أهل المملاح ورمياها في بئر بين القبور. فظهر ريحها بعد ثلاثة أَيام. فأخرجت من البئر وغسلت وكفنت ودفنت. وبحث الأمير نجم الدين محمد ابن إبراهيم الشرف عن الخصوم. ورسم على أهل المملاح وضيق عليهم في إحضار الخصوم فبحثوا عنها اشد البحث. فلقة أحدهما في النخل فأُخذ وأُرسل به إلى زبيد. ثم لقي الآخر في قرية القرشية. فأخذ وأرسل به إلى زبيد أيضاً. فكتب الأمير إلى السلطان وهو على البحر يخبره بحديث المرأَة التي قتلت وخصومها فأَمره السلطان بتلفهما فأخرجهما الأمير من السجن وسمرهما وأركبهما جملين ودار بهما فشوارع زبيد. ثم أخرجهما إلى قبر المرأَة التي قتلت وأمر بتوسيطهما هنالك وعلقهما على أربع خشبات حول القبر وأقاما معقلين هنالك إلى آخر يومهما.
وفي يوم الرابع من العقدة وقع مطر عظيم في الجبال وقد صارت جمال القافلة تحت عقبة نخل فنزل سل عظيم زائداً على ما يعتاده الناس فسحب السيل الجمال
следующие страницы →