← История

История · id 9233

العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية

علي بن الحسن الخزرجي

Полный текст (588 стр.). Показаны 561–588 · переход к 566.

стр. 561

فأكرمه السلطان إكراماً حسناً وكساه كسوة سنية وقاد له رأساً من جياد الخيل كامل العدة والآلة. ووهب له أربعة آلاف درهم وآنسه من نفسه أنساً تاماً. وكان يحضر مجلس التشفيع في كل ليلة من شهر رمضان أسوة الجماعة المندوبين لذلك. وكان اسمه كوجر شاه بن طغرخان بن فيروزشاه سلطان الهند. وكان لفيروزشاه المذكور عدة أولاد. فلما توفي ولي الملك منهم طغرخان والد هذا الولد المذكور فأقام طغرخان في الملك أياماً ثم نازعه أحد اخوته وقتله وقتل عدة من أولاده واستولى على الملك. وكان هذا الولد يومئذ صغيراً ولم يعلم به عمه فلما شب خشي على نفسه فخرج من الهند وأعمالها إلى اليمن. وفي أثناء شهر رمضان المذكور وصل الملك الفائز ابن السلطان الملك المظفر. صاحب ظفار الحبوضي مستوفدا للصدقات السلطانية. وفي يوم الثاني والعشرين انفصل شهاب الدين أحمد بن علي بن الشمسي من الجثة. ووصل الوزير من الجهات الشامية بنحو من ستين رأساً من خيول العرب في جملتها حصان اصفر كان صاحبه يسميه بريم الجهة. وفي يوم الثاني والعشرين من شهر رمضان خرج جماعة في طريق النخل فنهبوا المتخلفين في الطريق من زبيد إلى النخل. فلما اصبح الصبح قصوا أثرهم فسار بهم الأثر إلى قرية الحجوف. فألزم أهل القرية إحضار الخصوم فما زال أهل القرية يبحثون حتى دخلوا موضعاً وجوا فيه جماعة من الرجال يظهرون انهم من الفقراء يظلون يطلبون الناس فإذا جن الليل انتشروا في المواضع وفيهم من يقصد السرقة وفيهم من يقصد الطرق للنهب ففتشوا مساكنهم فوجدوا فيها عدة من الثياب الفاخرة. ووجدوا معهم طعاماً مصنوعاً مهيئاً للأَكل فظهر للناس أنهم لا يصومون وانهم يتزيون بزي الفقراء أهل الفاقة وأفعالهم كلها غير مستحسنة فأخذوا أمر السلطان بتلفهم. وفي شهر رمضان من هذه السنة سمع السلطان صحيح البخاري من حديث رسول الله ﷺ على القاضي مجد الدين يومئذ وكان ذا سند عال من

стр. 562

طرق شتى. وعيد السلطان عيد الفطر في النخل. فكان عيداً لم يكن مثله في كثرة الناس وحسن الهيئة واجتماع العسكر. وفي يوم الثالث من شوال نزل السلطان البحر فأقام هنالك إلى يوم الثالث عشر من الشهر المذكور ثم ارتفع إلى النخل. ثم دخل زبيد يوم الرابع عشر فأقام فيها إلى يوم العشرين. ثم تقدم إلى تعز آخر ليلة الحادي والعشرين. فكان دخوله تعز يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر المذكور. وفي يوم الحادي عشر من ذي القعدة توفي الأمير هيصم الدين إبراهيم ابن الأمير أسد الدين محمد ابن الملك الواثق بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول وكان وفاته في زبيد ودفن في مقبرة باب سهام عند القرية المعروفة بالمرزوقية. وفي عشية الجمعة الرابع من ذي الحجة قتل الشيخ عمر بن حنان في قرية الهرمة بوادي زبيد وقتل معه جماعة من قرابته وقتل أولاده وقرابته جماعة من أعدائهم بني نمر. وحصل في هذه السنة المذكورة وهي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة برق في قرية من قرى مور. يقال لها المدلة " بضم الدال المهملة وتشديد الميم امفتوحة وبعد اللام هاء تأنيث " فأحرق كل دابة فيها. وماتت دوابها من البقر والغنم والحمير والجمال. ولم يحرق من القرية شيءُ لا من بيوتها ولا من أهلها ولا أصاب إحداهن ساكنها ضرر في جسمه أبداً إلا اثنين كانا خارج القرية منفردين عن القرية فحرقا. اخبرني بذلك الفقيه علي بن محمد الناشري. قال وكان البرق في شعبان من السنة المذكورة. وفي شهر المحرَّم أول سنة تسع وتسعين وسبعمائة نزل السلطان تهامة فكان دخوله زبيد يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم المذكور. وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين انفصل الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الأَبي عن ولاية زبيد. ورجع الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم بن الشرف على ولايته وكان الأمير نجم الدين المذكور محبوباً حسن السيرة وكانت مدة ولاية الشجاع الأبي ستة أَشهر وثمانية عشر يوماً.

стр. 563

ولما فصل من الولاية صودر مصدرة شديدةً وقبضت دوابه وصودر نقباء بابه وضرب ضرباً شديداً أفضى به إلى الموت. وفي يوم الثاني عشر من صفر تقدم السلطان إلى رأس وادي زبيد بسبب الصيد فأقام هنالك عشرة أيام. وفي أثناء إقامته وصل صاحب ظفار. وكان رجوع السلطان إلى زبيد يوم الجمعة الثاني والعشرين من صفر المذكور. وتوفي الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الابي ليلة الأحد الرابع والعشرين من الشهر المذكور. وفي شهر ربيع الأول توفي القاضي صفي الدين أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر العراف الحاكم بمدينة حيس. فاستمر عوضه في القضاء هنالك الفقيه جمال الدين محمد بن إسماعيل بن علوان. وفي التاريخ المذكور استمر القاضي بن علي بن محمد بن إبراهيم الجلاد مشدا لأعمال الحيسية عوضاً عن العماد المستقيم. واستضاف الجهة القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم. وفي غرة شهر ربيع الآخر تقدم السلطان إلى النخل بوادي زبيد فأقام هنالك ثلاثة أيام ثم رجع إلى زبيد فكان رجوعه ليلة التاسع من الشهر المذكور. وفي شهر جمادى الأولى تقدم السلطان إلى الجهات الشامية. وكان تقدمه من زبيد يوم الرابع منه. وفي هذا التاريخ المذكور نهبت قافلة عدن نهبها الأحيوق يقال إن عدتها ثمانون جملاً عليها من الذهب والفضة اكثر من عشرة لكوك. وفي اليوم الثامن من جمادى الأولى دخل السلطان مدينة المهجم فأقام فيها إلى يوم الثامن عشر من الشهر المذكور. ثم انتقل إلى المحالب بعد أَن أَطلق مشايخ الصميين المعتلقين ورهنوا رهائنهم وأغار العسكر على بلاد العتابد فنهبها نهباً شديداً. وفي يوم الخميس الثامن من جمادى الآخرة حرقت قرية الحمى من وادي زبيد بأَسرها ولم يبق فيها شيءُ من المساكن.

стр. 564

وفي يوم العاشر من الشهر المذكور وصلت هدية من ولد الإمام صلاح ابن علي صاحب صنعاء. وهي خمسة أحمال مما يستطرف وخمس رؤوس من جياد الخيل. وتقدمت الهدية من زبيد إلى السلطان يوم الثاني عشر من الشهر المذكور. وفي هذا التاريخ أَمر السلطان بقبض العمادين فقبض من موزع ووصل به إلى زبيد جماعة من الخيل والرجل فأقام معتقلاً عند القاضي سراج الدين إلى أن وصل السلطان من الجهات الشامية. وكان رجوع السلطان من المحالب إلى المهجم يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة. فأقام في المهجم يوم الأربعاء والخميس والجمعة ثم سار إلى زبيد فدخلها يوم التاسع والعشرين منه فأقام فيها إلى يوم الرابع من رجب ثم تقدم إلى النخيل ورجع آخر يومه ذلك. ووصل خزانة من عدن فيها أموال ووحوش وتحف. وفي يوم الثاني عشر من الشهر المذكور وقع حريق في ناحية المرباع من زبيد أخذ من سوق المرباع إلى مسجد نوفلة وانضر أهل تلك الناحية ضرراً شديداً. وفي يوم الجمعة الخامس عشر ركب السلطان إلى الجامع بزبيد وصلى الجمعة وكان أول السبوت يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور. وفي اليوم الثالث والعشرين من شهر رجب المذكور برز مرسوم السلطان إلى القاضي مجد الدين قاضي الأقضية يومئذٍ بأَن يندب لمسجد الأشاعر بزبيد إماماً شافعياً. وكان المسجد المذكور لأصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ من قديم زمانه فيما رأَيناه وسمعنا به. فعين القاضي مجد الدين جماعة اختار منهم السلطان الفقيه موفق الدين علي بن محمد بن فخر فاستمر في إمامة المسجد المذكور من التاريخ المذكور. وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور. وضع السلطان ولد وهو يومئذ في مدينة زبيد وكان ميلاده عند طلوع الفجر من الليلة المذكورة وهو المسمى حسين. وكان نزول الصندوق لاستخراج مال النخل يوم الثالث والعشرين من

стр. 565

شعبان. ونزل الس لطان النخل يوم الرابع والعشرين. وصام في النخيل وكان صياماً حسناً. وكانت التخمة ليلة الثالث والعشرين من الشهر كجاري عادته. وأثاب الحاضرين بسبب التشفيع من الفقهاءِ والأمراءِ وغيرهم. وفي أول يوم من شوَّال حرقت مدينة فشال حريقاً شديداً. وحرق في ذلك اليوم أولاد القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد بن موسى الدوالي وجاريته وكان يومئذ حاكم الشرع في مدينة فشال. وفي يوم الخامس أَو السادس من شوال لزم خمسة من مقاصرة الشام فأمر السلطان بشنقهم فشنقوا. وفي يوم الأربعاء السادس عشر من شوال تقدم السلطان إلى البحر فأقام هنالك خمسة أيام ثم رجع إلى النخل فأقام فيه إلى آخر الشهر. وفي أَول يوم من القعدة تقدم السلطان إلى البحر. وفي هذا التاريخ قتلت امرأَة في قرية النويدرة التي علي باب سهام بزبيد قتلها رجلان من أهل المملاح ورمياها في بئر بين القبور. فظهر ريحها بعد ثلاثة أَيام. فأخرجت من البئر وغسلت وكفنت ودفنت. وبحث الأمير نجم الدين محمد ابن إبراهيم الشرف عن الخصوم. ورسم على أهل المملاح وضيق عليهم في إحضار الخصوم فبحثوا عنها اشد البحث. فلقة أحدهما في النخل فأُخذ وأُرسل به إلى زبيد. ثم لقي الآخر في قرية القرشية. فأخذ وأرسل به إلى زبيد أيضاً. فكتب الأمير إلى السلطان وهو على البحر يخبره بحديث المرأَة التي قتلت وخصومها فأَمره السلطان بتلفهما فأخرجهما الأمير من السجن وسمرهما وأركبهما جملين ودار بهما فشوارع زبيد. ثم أخرجهما إلى قبر المرأَة التي قتلت وأمر بتوسيطهما هنالك وعلقهما على أربع خشبات حول القبر وأقاما معقلين هنالك إلى آخر يومهما. وفي يوم الرابع من العقدة وقع مطر عظيم في الجبال وقد صارت جمال القافلة تحت عقبة نخل فنزل سل عظيم زائداً على ما يعتاده الناس فسحب السيل الجمال

стр. 566

وما عليها من الحمل والركبان. فحقق الذين هلكوا من الآدميين فكانوا تسعة عشر نفساً ما بين صغير وكبير ورجل وامرأة. ومن جملة من سال به السيل سليمان الخنبوق أحد الجمالة المتكررين في تلك الطريق. وكان ثقة حسن السيرة رحمه الله تعالى. وقيل أن الذين هلكوا نحو من خمسة وعشرين نفساً والله أعلم. قال علي بن الحسن الخزرجي وأخبرني الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم الشرف عمن أخبره ممن حضر القضية إنه كان وصول السيل وانقطاعه عنا في سويعة يسيرة. ثم انقطع السيل وكأَنه لم يكن وقد هلك من هلك وسلم من سلم قال وكان الأمر فيما بين صلاتي الظهر والعصر والله أعلم. وفي يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور ارتفع السلطان من البحر إلى النخل ثم ارتفع يوم الجمعة. وكان دخوله زبيد يوم السبت السابع عشر من الشهر المذكور. وفي ذلك اليوم دخل الصندوق زبيد وارتفع رسم النخل فأقام السلطان في زبيد إلى يوم العشرين من الشهر المذكور. ثم جرَّد عسكراً لأهل الحنكة خيلاً ورجلاً فأَوقعوا بأهل الحنكة وقتلوا منهم جماعة ونهبوا القرية وظن أهل القرية إن السلطان داهمهم فولوا هاربين. فلما ظهر لهم إنها جريدة من العسكر عطفوا على العسكر. ولزموا الطرق فقتل من الغز جماعة. ومن الرجل آخرين. فعزم على غزوهم والمحطة عليهم فلم يساعده الوقت لكثرة الأمطار والرياح الشديدة فتقدم إلى تعز صبح يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المذكور فأقام في حيس أياماً ثم تقدم إلى تعز فدخلها يوم الثلاثاء الرابع من ذي الحجة. قال علي بن الحسن الخزرجي ومما ظهر في هذه السنة من العجائب إن راعياً من رعاة الغنم خرج يرعى غنمه في ناحية صنعاء في جبل يقال له مدبج. فبينما الغنم ترعى إذ نفرت منهن شاة فنزلت في حيد هنالك وهي تتبع الحشيش من مكان إلى مكان ذلك الحيد حتى بعدت عن الغنم على نحو من أربعين قامة فنزل بعدها

стр. 567

الراعي قليلاً قليلاً حتى انتهى في ذلك الحيد إلى كهف فرأَى فيه رجلاً ميتاً. فلما رآه فزع وهاله ما رأَى فطلع قليلاً قليلاً كما نزل. وأعلم أهل تلك الناحية بما رأَى في ذلك الموضع فقصد الموضع جماعة منهم وفي جملة من وصل ذلك الموضع منهم رجل يقال له غازي بن محمد الربيدي هو الذي وصل كتابه إلى بعض معاريفه من أهل تعز. يذكر في كتابه أنه وجد في الكهف المذكور رجلاً ميتاً عليه سبعة أكفان. وتحته نحو من أربعين ثوباً. وعليه عمامة طويلة طولها خمسة وثلاثون ذراعاً في عرض ذراع قال وفتشت على جسمه فرأَيته كأَنه مات قبل ذلك اليوم بيوم واحد. ووجهه أبيض، وأنفه مستقيم. كأَنه راقد مستقبل القبلة. وساعده الأيمن تحت خده. ويده اليسرى على صدره. وشعر رأسه كأَنه حلق منذ ثلاثة أيام. ورأْسه مثل الطاسة. وهو قصير الظهر عريض الحقو غاية طول ساعده ذراع حديد. وطول أصابع يديه كل واحدة نحو من شبر. وطول ساقه ذراع ونصف. وطول أصابع رجليه كل واحدة نحو من كف. قال وفتشت وجهه فوجدت في جبهته ضربة خفيفة أسفل من مقص الشعر. وفي صدغه الأيمن ضربة جيدة قد كسرت جفنه. ومن ورائه كذلك. وفي ساعده الشمال طعنة تطير بين المزمارين. يعني العظمين الممتدين في الذراع. قال وأجمع أهل تلك الناحية على إنه علي بن أبي طالب ﵁. قال ورأَيت من فضله إن رجلاً وصل إليه وهو أعمى وزاره وأنا حاضر فخرج من عنده في عافية. وقال أشهد بذلك. قال علي بن الحسن الخزرجي أَما قولهم إنه علي بن أبي طالب فغير صحيح لأَن علياً ﵁ قتل في الكوفة وقبر فيها بلا خلاف ولكنهم أخفوا قبره والغالب إن هذا أحد العلماء المتقدمين أو أحد ملوك حمير والله سبحانه أعلم. وفي يوم الخميس الرابع من المحرم أول سنة ثمانمائة قطعت يد ابن الرياحي نقاش السكة في تعز لسبب أوجب ذلك فيما رآه السلطان. وفي يوم السابع منه وصلت هدية الشيخ علي بن أبي بكر بن زيد صاحب

стр. 568

أبيات حسين ووصل ببغلين ونعامة وزرافتين وأسد صغير وحمار وحش وعشر رؤوسٍ من الإبل الصهب وعشر جوار حسان. وعشرة عبيد يحملون السلاح فوهب له السلطان ثلاثة آلاف دينار وكساه كسوة فاخرة وشيخه في بلاده وسمح له في خراجها عمن تقدمها وشفعه في عدة مشايخ العرب كانوا معتقلين فأطلقوا. وفي شهر صفر وصلت الهدية من الديار المصرية إلى ساحل الحردة فلما وصل العلم بذلك إلى السلطان نزل إلى زبيد فكان دخوله زبيد يوم الاثنين الرابع عشر من شهر صفر. فلما استقر في زبيد ارسل الطواشي جمال الدين جميلاً بثلاثمائة رجل إلى ساحل الحردة وجرد معه السلطان قطعةً من العسكر يسيرون صحبة الهدية المذكورة. فكان وصول الهدية إلى زبيد يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر صفر المذكور وكانت هدية جليلة فيها من المماليك نحو من ثلاثين تركياً ومن جياد الخيل اثنا عشر رأْساً بسروج مغرقة وآلة حسنة وعدة جوار من الروميات والأرمنيات وطبيب ماهر من يهود مصر. ومن الملبوس والمشموم والمطعوم شيءُ كثير لا يدخل تحت الحصر ووصل في الهدية ولد القاضي شهاب الدين أحمد بن إبراهيم المحلي. وكان يوم وصول الهدية يوماً مشهوداً. وفي يوم الأربعاء سلخ شهر صفر أرسل الأمير سيف الدين سنجر صاحب القحمة جماعة من المعازبة فيهم إبراهيم بن كليب وكان من أعيان المعازبة فراسة ورياسة وآخر يقال له الكران فأَمر السلطان بقتلهم فضربت أعناقهم صبراً. وقتل معهم رجل من الأهمول يقال له ناخس يقال انه الذي قتل الأمير محمد بن سيف الدين صاحب موزع وقد تقدم تاريخ يوم قتله. وفي شهر ربيع الأول تقدم السلطان إلى سرياقوس فاصطاد من هنالك ورجع آخر يومه ذلك وهو العاشر من الشهر المذكور. وفي اليوم الثاني عشر منه نفق الحصان المسمى صعوداً فأسف عليه السلطان وأمر بتكنيفه وحفر له في ناحية المناخ من زبيد وقبر هنالك.

стр. 569

وفي يوم العشرين توفي الطبيب اليهودي الذي وصل من مصر بصحبة الهدية. وفي يوم الحادي والعشرين توفي القيه تقي الدين عمر بن عبد الرحمن الدملوي الخطيب بجامع زبيد. وكان أوحد أهل زمانه في الخطابة لم يكن في عصره مثله في ناحية من أقطار اليمن أقام خطيباً في جامع زبيد نحواً من خمسين سنة والله أعلم. وفي يوم الأحد ثاني شهر ربيع الآخر تقدم السلطان إلى الجهات الشامية فأقام في الكدراء إلى يوم الخامس عشر. وفي يوم الخامس عشر غزا بلاد العرب المفسدين فحرق الزبير والمصفاة وقرية الشجرة. وفي يوم الأحد السادس عشر حرق القنبور وأخربها. وفي يوم الثاني والعشرين حط على البجليين حتى استذموا ودخلوا تحت الطاعة ثم تقدم السلطان إلى المهجم فأقام هنالك. وفي ليلة السبت السادس من جمادى الأولى توفي الفقيه رضي الدين أبو بكر بن الحداد في مدينة زبيد. وكان فقيهاً عارفاً كبيراً متفنناً ورعاً صالحاً. وكان يومئذ أكبر أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وله مصنفات حسنة وبه تفقه طائفة من أهل زبيد وانتفع به الطلبة نفعاً عظيماً. وفي ليلة الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الأولى قتل في زبيد رجل غريب من الديار المصرية يقال له الحاج علي الموازيني. والدي قتله غريب أيضاً من مصر يقال له الشرايطي. فأخذ القاتل وأودع السجن إلى أن وصل السلطان من الجهات الشامية. فلما علم الشرايطي المذكور انه مطلوب بالقصاص طلب حكم الشرع وأنكر أن يكون هو القاتل ولم تقم عليه بينة بالقتل المطلق. وكان وصول السلطان إلى زبيد من الجهات الشامية يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى ووصل بنحو من مائتي رأس من خيول العرب،

стр. 570

فلما كان أول يوم من رجب صرف منها السلطان مائة رأس للقرشيين والأشاعر. وفي يوم السابع عشر من رجب وصل الشريف صاحب النجيمية إلى الأبواب الشريفة السلطانية فقابله السلطان بالقبول وكان أول السبوت يوم الخامس والعشرين من رجب. وفي اليوم الخامس عشر من شعبان افرغ القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي كتابه المسمى بالأصعاد وحمل إلى باب السلطان مرفوعاً بالطبول والمغاني وحضر سائر الفقهاءِ والقضاة والطلبة وساروا أمام الكتاب إلى باب السلطان وهو ثلاثة مجلدات يحمله ثلاثة رجال على رؤوسهم فلما دخل على السلطان وتصفحه أجاز مصنفه المذكور بثلاثة آلاف دينار. وفي السادس عشر وصلت هدية من صاحب سيلان إلى باب السلطان ومن جملتها أربعة أَفيال وتحف كثيرة وشجرة من العنبَاء ووصل منه كتاب إلى السلطان يتضمن ما صدر في ورقة من الذهب الخاص فقابل السلطان رسوله بالقبول وأَدخله الإِصطبل فانتقى منه خمسة رؤوس من جياد الخيل وكساه كسوة فاخرة. وفي يوم الثاني والعشرين تقدم الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي إلى بلاده حرض. ونزل السلطان النخل يوم الخامس والعشرين من شعبان وصام رمضان هذه السنة في النخل وحضر مقام التشفيع عدة من وجوه أهل دولته وحضر السفراء من سائر الجهات. سفير صاحب مصر وسفير صاحب الهند وسفير صاحب مكة وهو أخو محمد بن عجلان والشرفاءَ من أصحاب المشرق أحدهم الشريف فخر الدين عبد الله بن إدريس بن محمد بن إدريس بن علي بن عبد الله ابن الحسن بن حمزة بن سليمان بن حمزة وصاحب دمرمر وهو الذي يقال له عبد المطلب أحد بني الأنف وكان وصوله إلى باب السلطان يوم الرابع عشر من رمضان وغيرهم فكانوا يحضرون السماط في كل ليلة.

стр. 571

وفي الثامن والعشرين وصل الشريف صاحب تلمص في نحو من مائة نفر ما بين فارس وراجل وحصل في ليلة الحادي والعشرين من رمضان ريح شديدة من مضى الثلث الأول إلى مضى الثلث الثاني تقريباً وكانت الريح اشد ما تكون حرارة كأَنها تحمل لهب النار لشدة حرارتها وكانت الختمة ليلة الثالث والعشرين من الشهر وعمل السلطان سماطاً من الحلوى فيه شيء كثير ومن الشموم وسائر أنواع الطيب. وفي يوم السادس والعشرين زف محمل الحج في مدينة زبيد وساروا به إلى النخل يوم السابع والعشرين فدخل النخل في جمع عظيم من الفقهاءِ وغيرهم وصام الناس رمضان هذه السنة تسعة وعشرين يوماً وأفطروا نظراً لا خبراً. وفي يوم العيد ركب مولانا الملك الناصر إلى المصلى نائباً عن أبيه في كافة العسكر. وتقدم السلطان إلى البحر يوم الثامن من شوال فأقام فيه اثني عشر يوماً ثم ارتفع إلى النخل ومن النخل إلى زبيد فأقام في دار السرور وجهز محمل الحج إلى مكة المشرفة بما لابد مه من المال والكسوة والعسكر والأزواد ووهب للشريف محمد بن عجلان مائة رأْس من كرام الإبل خارجاً عما يعتاده من العادة القديمة وسار المحمل صحبته. وكان تقدم المحمل إلى مكة المشرفة من زبيد يوم الخميس السادس والعشرين من شوال وسار صحبته من الحاج قافلة عظيمة ودخل السلطان زبيد يوم الأحد التاسع والعشرين من شوال فأقام في دار السلطنة بزبيد إلى اليوم السابع من القعدة ثم تقدم إلى مدينة تعز يوم الثلاثاء الثامن من الشهر المذكور. وفي يوم الخميس السابع عشر من القعدة توفي القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم في مدينة زبيد ودفن يوم الجمعة الثامن عشر عند تربة الشيخ أحمد الصباد من قبليها. وحضر دفنه من الناس عالم لا يحصون كثرة وكان من أفراد الزمن حازماً عازماً عاقلاً كاملاً حسن السيرة طاهر السريرة رحمه الله تعالى واستمر عوضه في جميع وظائفه القاضي عماد الدين أبو الغيث ابن أبي بكر بن علي الميت وكان استمراره يوم العشرين من

стр. 572

الشهر المذكور وكان أكمل الموجودين بعد المتوفى إلى رحمة الله تعالى. وفي هلال ذي الحجة وقع على حجاج اليمن سموم عظيم في ناحية يلملم فهلك منهم طائفة عظيمة في يوم واحد يقال إن الذين هلكوا في ذلك اليوم أكثر من ألف وخمسمائة إنسان والله أعلم. وفي هذا الشهر المذكور أمر السلطان بعمارة الزيادة في الدار السلطاني بزبيد وهو القصر اليماني الذي هو قبالة مدرسة الميلين إلى ما يوازيها من الغرب. وفي يوم الثامن والعشرين من ذي الحجة حرقت قرية القرشية حريقاً عظيماً ولم يسلم منها إلا القليل من القرية السفلى. وفي سلخ الشهر المذكور وصلت هدية من الديار المصرية صحبة الحاج أحمد الخفاني. وفي أول سنة إحدى وثمانمائة أَغار المعازبة على قرية فشال فقتل منهم حشيبر بن علي بن حشيبر وأخذ فرسه وكان الذي قتله ولد الشريف داود بن مطهر. وفي يوم الخامس من الشهر المذكور أَغار الشريف والقرشيون على بلد المعازبة فقتلوا منهم ثلاثة أنفار وأُخذت رؤوسهم وحملت إلى زبيد ثم أغار المعازبة على أهل المخيريف بعد ذلك فقتل منهم جماعة اجتز منهم ثمانية نفر ودخلوا برؤوسهم إلى زبيد ثم جمعوا جمعاً آخر وأَغاروا على المخيريف أيضاً يوم العاشر من صفر فقتل من المعازبة نحو من ثلاثين رجلاً. وفي يوم الثالث عشر من شهر صفر خرج السلطان من تعز إلى زبيد وكان خروجه يوم الخميس عند طلوع الشمس فدخل المدينة حيس بين المغرب والعشاء من ليلة الجمعة ثم سرى فدخل زبيد عند طلوع الفجر من يوم الجمعة الرابع عشر من صفر المذكور. وفي يوم الاثنين السابع عشر من صفر المذكور وصل نحمل الحج وقافلة الحجاج وهدية من الديار المصرية. وركب السلطان في طلب الصيد نحو النخل يوم الرابع والعشرين من الشهر المذكور ورجع آخر يومه ثم تقدم إلى سرياقوس يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر المذكور. فأقام هنالك يوم الخميس ويوم الجمعة ورجع إلى زبيد يوم السبت التاسع والعشرين. وفي ذلك النهار كسفت الشمس واتصل العلم إن صاحب أبين قتل جماعة من بني إبراهيم نحواً من عشرين شيخاً وقبض بيوتهم وخيولهم ولذلك ثارت فتنة شديدة بسبب قتلهم وكان الساعي في قتلهم الأمير شجاع الدين عمر بن قراجا.

стр. 573

وفي شهر ربيع الأول ضرب الأرز من أملاك السلطان بوادي زبيد فوصلت الزفة الأولى يوم النصف منه مائتان وثمانون حملاً. ووصلت الزفة الثانية يوم الحادي والعشرين وهي نحو من الأولى ووصلت الزفة الثالثة يوم السادس والعشرين وهي دون التي قبلها بكثير. وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور تقدم الأمير فخر الدين أبو بكر بهادر السنبلي إلى أبين. وفي شهر ربيع الآخر أوقع الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي بالعرب المفسدين في الجهات السرددية فقتل منهم جماعة ووصلت رؤوسهم إلى زبيد يوم السادس عشر من الشهر المذكور خمسة وعشرون رأساً ومن خيلهم سبعة عشر رأساً. وفي هذا التاريخ توفيت امرأة في زبيد كانت قد حجت وجاورت في الحرمين نحواً من سبع سنين. ووصلت في هذه السنة إلى زبيد مع قافلة الحجاج فأقامت أياماً وتوفيت هي وجاريتها في يوم واحد فلما كان يوم الجمعة ثاني شهر جمادى الأولى أصبحت الدعامة التي بنيت على قبر المرأَة تهتز اهتزازاً شديداً من غير محرك يحركها فخرج معظم الناس لمشاهدة ذلك وشاع خبرها في المدينة فخرج النساء والرجال ينظرون ذلك وكثر ازدحام الناس عندها فركب الأمير صاحب زبيد وأمر بهدم الدعامة فهدمت في يومها ذلك ومنع الناس من الخروج والوصول إليهما ثم أشار بعض الناس ببنائه صندوقاً وبنى عليه عريش فلما كان يوم الجمعة أصبح القبر يهتز كما كان في الجمعة الأولى يميل يميناً وشمالاَ فخرج أهل المدينة ولم يبق أحد من الأمراء وأكابر الناس إلا خرج لمشاهدته فاتصل علم ذلك إلى السلطان فلما كان وقت صلاة الجمعة ركب السلطان إلى الجامع في حاشيته وخدمه من المماليك والأمراء وسائر الرجال حتى وقف على قبرها ورآه وهو يميل يميناً وشمالاً فوقف عنده ساعة ثم رجع إلى الدار وكنت ممن حضر التربة المذكورة ورأَى ما هنالك عياناً لا تقليداً.

стр. 574

وفي يوم السابع من جمادى الأولى ظهر ولد السلطان وهو المسمى الظاهر وقيل المظفر. وفي يوم الخميس الثامن من الشهر المذكور وصل الأمير فخر الدين أبو بكر ابن بهادر السنبلي والطواشي جمال الدين جميل من عدن ووصل صحبتهم ولد صاحب ظفار وهو المسمى بالملك المجاهد فخرج في لقائه مولانا الملك الناصر أحمد بن إسماعيل الملك الأشرف وخرج معه قطعة من العسكر فلما دخل زبيد أكرمه السلطان وأنصفه وأخلى له مسكناً يليق به ولم يزل على الإكرام والإفضال إلى آخر السنة. ثم جهزه السلطان وزودّه وجرَّد معه عسكراً إلى بلاده فملكها واستولى عليها. وفي يوم الاثنين الثاني عشر قتل عمر بن علي بن سهيل بن الأقدر وكان سيد المعازبة في عصره قتله أهل التربية فأغار المعازبة يوم الثامن عشر إلى وادي زبيد فقتلوا من أهل بيدخة نحواً من عشرين رجلاً. وفي سلخ الشهر المذكور وصل الشريف يحيى بن أحمد بن الهادي بن الدين الحمزي إلى باب السلطان فأكرمه وأنصفه. وفي ليلة الاثنين الثالث من جمادى الآخرة كان عرس الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي على ابنة الأمير سيف الدين سنجر صاحب القحمة فقام به السلطان قياماً تاماً واحتفل احتفالاً عظيماً وسكنه في بيت الطواشي جمال الدين ثابت وهو بيت عجيب وحمل له إلى البيت المذكور فرشاً على اثنين وعشرين جملاً أنواعاً مختلفة وما يحتاج إليه من النحاس والصيني والأطباق والملابس شيئاً كثيراً وكساه كسوة فاخرة وقاد له حصانين مكملين وكانت الحضرة إلى باب الدار فحضر الوزير وسائر الناس والمقطعين والأمراء ووجوه الغز والسلطان مشرف عليهم وخرج مرفوعاً من باب الدار إلى البيت الذي هيء له وكانت المماليك الخاصكية تحمل الشمع المزهر أمامه وسائر المذكورين يمشون إلى أن وصل البيت المذكور وكانت ليلة مشهودة مذكورة. وفي يوم الأحد التاسع من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى الجهات الحيسية

стр. 575

بسبب اصطياد حمر الوحش فاصطاد في يوم الاثنين العاشر من الشهر المذكور هنالك عشرة رؤوس ثم رجع إلى محروسة زبيد فدخلها يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور. وفي يوم الخامس عشر من الشهر المذكور تقدم الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي إلى ناحية ريسان من ناحية المداد. وفي يوم الخميس العشرين من الشهر المذكور اختصم رجلان إلى باب الوالي بزبيد فطلب أحدهما حكم الشريعة المطهرة فمنعه الوالي من ذلك فاستغاث بحاكم الشريعة فعجز القاضي عن استنقاذه فكتب القاضي إلى السلطان يشكو من الوالي وتعديه على حكم الشريعة المطهرة فأمر السلطان حينئذ من تقدم إلى الوالي وأخرجه من بيته إلى بيت حاكم الشريعة المطهرة إنصافاً للقاضي وإجلالاً له وللشرع الشريف فنهاه القاضي مشافهة عن معارضة الشرع وقصره عن ذلك وأخذ عليه أخذاً كلياً ثم قال تقدموا به إلى باب الدار فلما وصلوا به إلى باب الدار أشرف السلطان وشتمه ووبخه توبيخاً شديداً ولولا إن السلطان كان يجله لحسن سيرته في الناس ما سلم. وفي أول يوم من رجب اجتمع الفقهاء بزبيد وقصدوا القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الشيارزي قاضي القضاة يومئذ وسأَلوا منه أن يسمعهم صحيح البخاري فأًجابهم إلى ذلك وكانت القراءة في منزله يومئذ في البستان الذي له عند باب النخل فاجتمع لذلك خلق كثير من الفقهاء والأعيان واستمرت قراءَة الكتاب إلى أن ختم في تاريخه الذي يأتي ذكره إن شاءَ الله تعالى. وفي يوم الخامس من رجب المذكور تصدق السلطان بصدقة جليلة على فقراء أهل البلد وذلك على ما حقق ألفا مثقال من الذهب وأطلق في ذلك اليوم عدة من أصحاب السجن. وفي يوم الثاني عشر من رجب المذكور وأمر السلطان بعديد النخل في الوادي زبيد فابتدئ بالعديد يوم السبت الرابع عشر من الشهر المذكور. وفي يوم الثامن عشر وصل ولد القاضي نور الدين علي بن يحيى بن جميع

стр. 576

ووصل صحبته بخوانة جيدة وكان ختم قراءة البخاري يوم الثالث من شعبان وحضر من الناس عالك كثير نحو من ثمانمائة إنسان وحضر الختم عدة من الأعيان ووجوه الدولة كمشد الاستيفاء وأستاذ الدار وصاحب زبيد وعدة من أمثالهم وأجاز القاضي مجد الدين يومئذ لكل من سأَله الإجازة. قال علي بن الحسن الخزرجي تجاوز الله عنه وكنت ممن حضر الختم وسأَلته الإجازة فأجازني في جميع مقروءاته ومسموعاته ومستجازته ومصنفاته وكتب خطه بذلك لي ولأولادي وبعض أولادهم وهو الموجودون يومئذ جزاه الله خير الجزاء. وفي يوم العاشر من شعبان تقدم ولد القاضي نور الدين علي بن يحيى من جميع إلى عدن. وفي هذا التاريخ طلع القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر ابن معيبد الوزير بأمر السلطان وطلع معه صاحب شكع ليمكنه من الحصن. وكان أول السبوت يوم الثاني عشر من شعبان. وفي ليلة الخامس عشر من شعبان توفي القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي الوزير الأشرفي وكان حسن السيرة له آثار حسنة رحمه الله تعالى. وفي يوم التاسع عشر من شعبان المذكور وصل صاحب حيس برجل يقال له عثمان بن مطير كان يسرق بالليل وينهب بالنهار ويأخذ كل سفينة غصباً. وكان قد كثر فساده في ناحية الحيسية فظفر به والي الجهة وأَمسكه ووصل بهِ إلى باب السلطان فأَمر السلطان بقطع يده ورجله من خلاف فأَقام أياماً بعد القطع وهلك. وصام السلطان هذه السنة رمضان في مدينة زبيد وكانت الختمة في دار السرور الذي هو خارج باب النخل وعيد السلطان في زبيد. وفي آخر يوم من رمضان وصل الأمير بدر الدين محمد بن زياد من ناحية المداد. وفي ثالث يوم من شوال نزل السلطان النخل ونزل الصندوق أيضاً لاستخراج أموال النخل وبعد أيام قلائل تقدم الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي إلى تعز في قطعة من العسكر ليكونوا شداده هنالك. ووصل الوزير من الجبل إلى باب

стр. 577

السلطان يوم السادس من ذي القعدة. وكان السلطان على البحر فكساه السلطان كسوة حسنة وأعطاه ألف دينار. وفي يوم الثامن والعشرين من ذي القعدة ارتفع السلطان من النخل إلى زبيد وارتفع رسم النخل ودخل الصندوق زبيد وارتفع المشد والكتاب وانقطعت أحكام النخل. وفي يوم الاثنين غرة ذي الحجة أَقطع السلطان الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي القحمة وحمل له حملاً وعلماً وانفصل عنها سنجر. وفي يوم الثامن من ذي الحجة استمر الجمال محمد بن عمر بن شكيل في الأعمال الموزعية وعيد السلطان عيد النحر في زبيد وركب ولده الملك الناصر يوم العيد في كافة العسكر بحكم النيابة وكان عيداً حسناً. وفي هذه السنة المذكورة ارتفعت الأسعار في زبيد فبلغ سعر الذرة والدخن كل زبدي بدرهم. وعبرة الزبدي خمسون أوقية حباً. الأوقية عشر قفال بالختم المصري. وبلغ زبدي السمن بعشرة دنانير وعبرة زبدي السمن اثنا عشر رطلاً كل رطل عشرون أوقية وبلغ سعر البركل زبدي بدرهم ونصف وكان الوزف كل زبديين بدرهم وقل الدر في الدواب. ودخلت سنة اثنتين وثمانمائة والحال على ما ذكرنا. وفي أولها وصل الخبر بموت السلطان الملك الظاهر برقوق صاحب الديار المصرية وصلى عليه يوم الجمعة الثالث من محرم أول سنة اثنتين وثمانمائة في جامع زبيد. وكانت وفاته في شوال من سنة إحدى وثمانمائة وأمر السلطان بالقراءة عليه سبعة أيام في مدينة تعز وزبيد وعدن. وفي يوم الثامن والعشرين من المحرم المذكور خالف الأمير بدر الدين محمد ابن زياد بن أحمد الكاملي وكان السلطان قد تركه في مدينة تعز وأضاف إليه قطعةً من العسكر خيلاً ورجلاً رتبة هنالك ثم كتب إليه السلطان أن يتلقى خزانة عدن ويصل بها إلى زبيد. فلما خرجت الخزانة من عدن ولقيها الأمير بدر الدين فيمن معه من العسكر وكانت خزانة عظيمة فيها أموال جليلة من الذهب والفضة لكوك ومن الملبوس

стр. 578

والمشموم شيءُ كثير وسار معها جماعة من التجار بأَموالهم فعظم ذلك في عين الأمير وجزل عنده وربما حسن له ذلك بعض بطانته فاستولى على الخزانة بأَسرها وعلى من سار معها وسار بها نحو جبل سورق يريد طلوعه فلم يتفق له ذلك فقصد حصن سناج ووقف فيما بين بلد زبيد والعربيين وكان قد أضاف إليه السلطان طائفة من الحصون ورتب فيها ثقاته ونوابه فلما وصل علمه إلى السلطان بما كان منه أرسل السلطان الطواشي جمال الدين مرجان لقبض حصن ريسان أحد حصون المداد وهو أحد الحصون المنيعة وكان فيه نائب لابن زياد فلما وصل الطواشي إلى الحصن المذكور طلب نائب ابن زياد فلما وصل إليه أوقفه على أمر السلطان بقبض الحصن فأطاع وسلم الحصن إلى الطواشي فقبضه الطواشي من نائب ابن زياد فطلعه ورتب فيه ثقاته. فلما استقر فيه الطواشي وصلت كتب بن زياد إلى نائبه يأمره بحفظ الحصن وأن لا يمكنه أَحداً فندم النائب على تفريطه في الحصن وكتب إلى ابن زياد يعلمه بذلك إنه لم يصل كتابه إلا وقد وصل الطواشي مرجان بأَمر شريف انه يقبض الحصن فقبض الحصن ونزلت منه ولو سبق كتابك ما مكنته ولا كنت أمكن أحداً غيرك والسلام. ثم إن الطواشي مرجان شحن الحصن بالطعام والماءِ والحطب وأَمر علي النقيب الذي كان فيه بالتقدم إلى باب السلطان فتقدم إلى السلطان ووقف الطواشي في الحصن يعمره ويشحنه. وفي يوم الاثنين الخامس من صفر وصلت هدية من الديار المصرية أرسلها السلطان الملك الظاهر برقوق قبل وفاته وكان وصولها في التاريخ المذكور ووصل الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي بخزانة من الجهات الشامية وكان وصوله يوم الجمعة التاسع من صفر المذكور. وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شهر صفر وصل الطواشي جمال الدين ظريف الدويدار من الجهات التعزية ووصل صحبته عسكر من صاحب بعدان وتقدم السلطان إلى تعز يوم الاثنين التاسع عشر من صفر وكان دخوله تعز يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور ووصل إلى الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي.

стр. 579

ووصل الأمير بهاء الدين الشمسي الجميع إلى باب السلطان فلما توافرت العساكر أَنقق السلطان على كافة العسكر نفقة جيدة فجردهم وحطوا على حصن سناج وأقاموا نحواً من نصف شهر في قتال ليلاً ونهاراً. فلما رأَى الأمير بدر الدين كثرة العساكر علم أنه لا طاقة له بمناصبة السلطان وتحقق إن ما كان معه من المال نفد وان العرب تأكله وربما باعوه فأرسل إلى السلطان من يطلب له ذمة شاملة فأَذم عليه السلطان على يد جماعة من الفقهاء والمشايخ والصوفية وتوثقوا له من السلطان ثم رجعوا إليه بالذمة الشريفة فسرى من الحصن الذي هو فيه ليلاً بغير علم من أَهل الحصن الذي هو فيه ومن أهل المحطة فأصبح على باب السلطان يوم الأربعاء الرابع من شهر ربيع الآخر فكان جملة خلافه أَربعة وستين يوماً. ولما وصل إلى باب السلطان كما ذكرنا قابله السلطان أحسن مقابلة وصفح عنه وكساه وأَعاده إلى احسن من حالته الأولى. وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة وقع في مكة حرسها الله تعالى مطر شديد وسالت أوديتها بمياه كثيرة فامتلأَ الحرم ماءً ودخل الماء إلى باطن الكعبة من بابها وكان الماء فوق عتبة الباب السفلي نحوا من شبر وحمل الماء منبر الخطيب عن موضعه إلى موضع آخر ومات في الحرم جماعة أدركهم الماء وعجزوا عن الخروج وخربت بيوت كثيرة ومات تحت الردم طائفة منهم والله أعلم. وفي آخر شهر ربيع الأول توفي الأمير بهاء الدين بهادر الأشرفي أمير جاندار السلطان وكانت وفاته في مدينة تعز في التاريخ المذكور وفي يوم الثامن من شهر ربيع الآخر ظهر ولد السلطان الملك الأشرف المسمى علي وتوفي ولد السلطان المسمى حسين بعده بقليل. وفي آخر الشهر المذكور وصل الشريف شمس الدين جحرية من صعدة في نحو من سبعين فارساً وخمسمائة قواس وفي أول شهر جمادى الأولى حرقت محل مبارك قرية من قرى وادي زبيد بأسرها.

стр. 580

وفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه وصل السلطان إلى محروسة زبيد فأقام فيها أياماً ثم جرد العسكر المنصور إلى بلد المعازبة فوجدوا في نخل المدبي جماعة منهم فقتلوا منهم اثنين وعشرين رجلاً فيهم مرزوق بن الشجيج. وفي يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأخرى وقعت رجفة عظيمة نصف النهار وانقض كوكب يحكى من رآه انه كان على هيئة القمر فانهدمت حينئذ مواضع كثيرة في الجبال. وفي ليلة الثاني من رجب جرد السلطان عسكراً إلى بلد المعازبة فيهم ولده الملك الناصر فقصدوا الردم فلم يجدوا فيه إلا الماشية فنهبوا ما وجدوا وقتلوا رجلين أو ثلاثة ورجعوا. وفي ليلة العاشر من رجب المذكور جرد السلطان عسكراً إلى فشال وعسكراً إلى المدبى وأمر بضرب المدبى وأمر على أهل وادي زبيد بالخروج فخرجوا صحبة العسكر المنصور. وفي ليلة الاثنين التاسع عشر منه أمر السلطان بخروج محمل الحج مزفوفاً في جماعة الفقهاء والقضاة وكذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين وكذلك يوم الاثنين السادس والعشرين. وفي ليلة الخميس التاسع والعشرين توفي الفقيه عيسى بن موسى الزيلعي في مدينة زبيد عن نيف وتسعين سنة وحضر دفنه كافة أعيان الدولة. وفي يوم الخميس السادس من شعبان توفي الشريف إدريس بن عبد الله صاحب ظفار. وفي يوم الجمعة السابع منه وصلت هدية جليلة من صاحب الهند ووصل سفير السلطان وهو الذي يسمى مفلح التركي. وفي آخر ذلك اليوم توفي الشريف فخر الدين عبد الله بن إدريس بن محمد بن إدريس بن علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة في مدينة زبيد وقبر في حياط التربة المعتبية بأَمر السلطان.

стр. 581

وفي يوم الاثنين العاشر حصلت رجفة شديدة. واخبرني الفقيه تقي الدين عمر بن أحمد بن عبد الواحد قال بينما أنا وجماعة من الرعية في رأس الوادي زبيد وقت الضحى الأول إذ حصلت رجفة شديدة وكان أحد عمالة النخل حينئذ علي نخلة عندنا هنالك فكادت النخلة تسقط بالعامل. وكان قد انقض نجم قبل ذلك بساعة من ناحية المغرب إلى المشرق فوقع بين جبلين هنالك فاشتعلت النار حينئذ موضعه ثم حصلت الرجفة بعده بقليل. وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شعبان المذكور توفي ولد السلطان المسمى علي في مدينة زبيد وقبر في التربة المعتبية. وفي يوم العاشر من رمضان وصل الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي من الجبل في عسكر جيد من الخيل والرجل. وفي هذه السنة صام أهل زبيد شهر رمضان بالاثنين وصامه أهل المهجم بالأحد عن رؤية حكوها في كتبهم الواصلة إلى زبيد. وفي الخامس عشر من رمضان أمر السلطان ان تمنع النساء من اتباع الجنائز والنياحة على من مات وان لا يفرش على أحد من النساء ولا من البنات البتة. وفي اليوم التاسع عشر من رمضان استمر القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري نائباً في القضاءِ الأكبر بأَمر السلطان. وكان القاضي مجد الدين قد سفر قاصداً للحج في غرة شهر رمضان إلى مكة المشرفة وصام أهل زبيد هذه السنة تسعة وعشرين وأفطروا عن رؤَية. وفي يوم الخميس ثالث شهر شوال سخط السلطان على الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي فقبض دوابه وغلمانه وأودعه حبس زبيد. وفي يوم الخميس ثالث الشهر المذكور نزل السلطان النخل وتقدم الأمير بهاء الدين الشمسي يوم العاشر من شوال إلى بلاده حرض وتقدم السلطان إلى البحر في التاريخ المذكور فأقام أياماً ورجع إلى النخل يوم الثالث عشر فكانت إقامته في النخل المسمى بالهاروني.

стр. 582

وفي يوم الحادي والعشرين توفي الفقيه أحمد بن القاضي علي بن سالم عن سن عالية وكان من الأخيار رحمه الله تعالى. وفي يوم الثالث والعشرين من شوال احترق الحرم بمكة شرفها الله تعالى وكان سببه إن رجلاً من المجاورين يسكن في رباط العجم عند باب عزورة أطفأَ مصباحه عندما أراد أن ينام ففلت من الذبالة شيء من النار ووقع على شيء فاحترق ذلك الشيء فاحترق الموضع فلحقت النار سقف الرباط فاحترق ثم لحقت النار سقف الحرم فاحترق السقف والأساطين وكان حريقاً عظيماً لم يعهد مثله وأقامت النار في الحرم نحو من عشرين يوماً والناس في كل يوم يطفونها ولا تكاد تنطفي. وفي أول ذي القعدة استمر الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي في القحمة ومقدماً في فشال وانفصل ابن اللطيفي عن القحمة. وفي يوم السادس من ذي القعدة خرج رجل من باب النخل في محارة وكان محيراً بأَمر الأمير فلما صار في الباب أراد البوابون أن يختبروا ما في المحارة فضربوا عليها بالحديد فتوجع الرجل وأَنَّ فلزموا الجمل وأبركوه واخرجوا الرجل من المحارة وتقدموا به إلى الأمير فحبسه وحبس الجمال الذي ساق به الجمل ولما أَصبح في اليوم الثاني كحلهما معاً. وفي السابع من الشهر المذكور توفي الفقيه برهان الدين إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن أبي الخير وهو آخر من كان في بني أبي الخير من الفقهاء في ذلك العصر. وفي الخامس عشر من الشهر المذكور تقدم الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي إلى قرية فشال وأصلحت المعازية على يده والتزموا بأداء الخيل وأمنت الطرق وسار الناس فيها آمنين. وأمر السلطان بطلوع ابن زياد إلى حصن تعز فسجن فيه هو وأصحابه. وفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور وقع مطر في مدينة زبيد ونواحيها من بعد طلوع الشمس إلى أذان العصر وتشعثت في المدينة بيوت كثيرة من

стр. 583

بيوت الناس وتتابع سيل الوادي زبيد ليلاً ونهاراً وسائر الأودية وربنا بلغ بعضها البحر وأتلف ثمرة النخل إتلافاً شديداً وصلى الناس الجمعة في ذلك النهار بالاجتهاد وبعضهم صلى الظهر مجتهداً أيضاً وعد الحاضرون يومئذ في جامع زبيد بضعاً وثلاثين فلذلك صلى الظهر جماعة منهم ثم بعد ساعة جاوزوا الأربعين فصلوا الجمعة من غير دلالة على بقاء الوقت الحقيقي ووافق ذلك اليوم من السنة الرومية سادس عشر تموز والله أعلم. وطلع السلطان من النخل إلى زبيد يوم الثامن من ذي الحجة وطلعَ الصندوق وارتفع رسم النخل يوم التاسع وتوارت الأمطار والسيول في قطر اليمن واتصلت الأودية بالبحر بعد أن استغنى الناس عنها وكانت سنة خصيبة كثيرة الخيرات بحمد الله تعالى. وفي النصف الأخير من ذي الحجة المذكورة ظهر ولد لمولانا الملك الناصر أحمد ابن مولانا السلطان الملك الأشرف وهو المسمى يوسف. وفي ليلة الخميس الحادي والعشرين من الشهر المذكور دفع الوادي زبيد دفعة عظيمة حتى قال طائفة من الناس لم يعهد مثلها أبداً وأخرب العقم الكبير المجاهدي وأخذ طائفة من محل طرقؤة وطائفة من محل حريرة وخف الماء في آخر ليلته تلك بحمد الله تعالى. وفي يوم السبت سلخ شهر ذي الحجة توفي الفقيه سراج الدين عبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي الفقيه الحنفي النحوي وكان شيخ نحاة اليمن في عصره رحمه الله تعالى. وفي هذه السنة المذكورة ظهر جواد عظيم في زبيد ونواحيها وأتلف كثيراً من الزروع والثمار والأشجار. قال علي بن الحسن الخزرجي اخبرني الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم الشرف المتولي زبيد يومئذ قال اخبرني الفقيه تقي الدين عمر بن أحمد بن عبد الواحد. قال اخبرني بعض الرعية الثقات من أهل حارة وادي زبيد انه رأى حنشاً

стр. 584

كبيراً وقد خرج من جحره فأكل من الجراد شيئاً كثيراً حتى إنه عجز عن المسير إلى جحره فوقف في موضعه ذلك فوقع عليه الجراد حتى غشيه من كل ناحية ثم أكله الجراد ولم يترك منه شيئاً قال وأخبرني بعض الثقات من أهل الحاجزية وهي بحاءٍ مفتوحة وألف وجيم مكسورة بعدها زاي إنه رأى ديكا وقد انتشر الجراد في موضعه ذلك فالتقط ذلك الديك من الجراد شيئاً كثيراً وأكله حتى انتهى ثم وقع عليه الجراد فأكله جميعه ولم يترك منه إلا الريش وكان ظهور الجراد في آخر شوال من السنة المذكورة وأقام إلى آخرها. وأخبرني الفقيه علي بن محمد الناشري قال أخبرني بعض المسافرين في البحر إنه وقع في بلاد السودان زلزلة عظيمة أقامت أياماً متوالية دون العشر انهدمت فيها عدة مواضع وجبال كثيرة ثم حصل في ناحية منها نار عظيمة لها دخان عظيم وهربت الناس من ذلك الموضع وأقامت النار أياماً والدخان متراكم ثم تجسم ذلك الدخان وصار خيالاً في ذلك الموضع ولم يعهد قبل ذلك هنالك شيءُ من الخيال وكان هذا كله في أثناء النصف الأخير من السنة المذكورة والله أعلم. وفي أول سنة ثلاث وثمانمائة استمر القاضي رضي الدين أبو بكر بن القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد ناظراً في الثغر المحروس بعدن عوضاً عن القاضي جمال الدين محمد بن عمر الشتيري واستمر الأمير سيف الدين قيسون أميراً بها عوضاً عن الأمير فخر الدين أبي بكر بن بهادر العدني. وفي عاشر المحرم توفي الفقيه نور الدين إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الخير وكان شاباً حديث السن محبباً قد ظهرت عليه إمارات الفلاح وكان ذكياً مجتهداً في طلب العلم رحمه الله تعالى. وفي سلخ المحرم وصل الجمال محمد بن عمر بن شكيل من الجهات الشامية إلى باب السلطان بزبيد وحصل على السلطان وعك شديد في التاريخ المذكور وقلق الناس من أجله قلقاً شديداً ثم منَّ الله عليه بعافيته وركب من الدار السلطاني بزبيد إلى دار السرور يوم الجمعة ثاني عشر صفر فأقام فيه أياماً.

стр. 585

وفي مدة إقامته وصلت خوانة من عدن وكان وصولها يوم الخامس عشر من صفر المذكور. وفي اليوم الثامن والعشرين من صفر توفي الفقيه الصالح تقي الدين عمر بن مظفر وكان وفاته في مدينة زبيد وقبر في مقبرة باب القريب عند قبر الفقيه أبي بكر الحداد وكان رجلاً عالماً صالحاً باذلاً نفسه لطلبة العلم في سبيل الله عرض عليه التدريس في عدة مواضع فكره الأسباب كلها ولم يعلق بشيء منها رحمة الله وأعاد علينا من بركاته. وفي تاريخ وفاته تماماً حصل على السلطان ألم شديد أشد من الأول فأقام أياماً ينتقل من موضع إلى موضع فلم يجد راحة فعزم على الطلوع إلى تعز فتقدم يوم الخميس الثاني من ربيع الأول فأقام في حيس أياماً بسبب الألم الذي يجسده ثم سار إلى تعز فكان دخوله تعز ليلة الأربعاء الثامن من ربيع الأول المذكور فأقام في دار الوعد عشرة أيام مريضاً ثم توفي إلى رحمة ربه في ليلة السبت الثامن عشر من الشهر المذكور رحمه الله تعالى. قال علي ابن الحسن الخزرجي أخبرني القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري قال توليت غسله بوصية منه وأعانني على ذلك الفقيه جمال الدين محمد بن صالح الدمتي وبعده الفقيه موفق الدين علي بن محمد فخر وشاهدت عليه من جلال والبهجة والنور ما ينشرح له الصدر وبالغت في تنظيفه وتطهيره وهو نظيف طاهر حتى بلغت به أكمل الفرض والسنة وكفنته بالثياب البياض وطيبته بالمسك والكافور ونزلت به إلى مدفنه وحليت عنه الرباط والصقت خده بالتراب ووجهته إلى القبلة الشريفة وودعته وعوت له رحمه الله تعالى. وكان تشييعه إلى تربته والصلاة عليه يوم السبت المذكور فيما بين صلاة الظهر والعصر ودفن رحمه الله تعالى في مدرسة الأشرفية التي أنشأها في ناحية عدينة واستمرت القراءة عليه سبعة أيام وصلى عليه في سائر مدن اليمن وقرئ عليه في كل مدينة سبعة أيام وأصاب كافة الناس عليه أسف شديد. وكان ﵀ خير ملك وسيرته سيرة جواداً كريماً هماماً حليماً رحيماً

стр. 586

ورؤفاً مشفقاً عطوفاً ولم يكن في ملوك العصر مثله. ومن مآثره الدينية التي أنشأها في مدينة تعز وخارجها مدرسة حسنة الشكل لها بابان شرقي وغربي وباب يماني ومقدم فسيح وشمسه رحيبة وتكوين عجيب وابتنى فيها مطهراً نفسياً ورتب فيها إماماً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن ومدرساً على مذهب الإمام الشافعي ومعيداً وعدة من الطلبة ومدرساً يتحدث رسول الله ﷺ ومدرساً في النحو والأدب وجماعة من الطلبة أيضاً ووقف فيها عدة من الكتب النفائس في كل فن وأوقف على المدرسة المذكورة وعلى المرتبين فيها وقفاً جيداً يقوم بكفايتهم وهو الذي زاد الزيادة الشرقية التي في جامع عدنية بمدينة تعز من الناحية الشرقية وهي زيادة حسنة نفيسة انتفع بها جماعة الجامع المذكور نفعاً عظيماً وابتنى جامع قرية مملامح بزبيد وأنشأ فيما بين قرية السلامة وحيس ثلاثة سبل وهو الذي أحدث بستان سريا قوس الأعلى من وادي زبيد وغرس فيه غرائب أنواع الشجر وأول من زرع الأرز بوادي زبيد وكان ﵀ غاية في الظرف واللطف ومكارم الأخلاق وجمال الصورة وحسن السيرة والتودد إلى الخلق ومحبة العلماء والعلم. ورثاه جماعة من الشعراء منهم الفقيه النبيه شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري وغيره واثبت قصيدته لموافقة المعنى المقصود وهي هذه وبها ختم الكتاب هو الدهر كرت بالخطوب كتائبه ... وعضت بأنياب حداد نوائبه فإن كان هذا الدهر مالا صروفه ... على دكها الطود المنيع جوانبه فما جدعت إلا لمارن أنفه ... ولا جب إلا ظهره وغواربه لقد كورت في ذلك اليوم شمسه ... وأمست تهادى في الدياجي كواكبه فوا أسفا للمجد طاف به الردى ... وقامت على رغم المعالي نوادبه وأمسى أبو العباس من بعد ملكه ... معفرة تحت التراب ترائبه وحيداً ببطن الأرض من فوقه الثرى ... تمر به أخدائه وحبائبه

стр. 587

وقد ملأت عرض الفيافي جنوده ... وطبقت الدنيا خيولاً مواكبه فلو كان يغني في الدرى دفع دافع ... لردت وجوه الحطب عنه كتائبه ولكنها الأقدار تنفذ في الورى ... بأمر إله أمره لا نغالبه فيا لهف نفسي كيف أطفئ نوره ... وكيف خبا بعد الإضاءة ثاقبه وكيف أصابته المنايا بسهمها ... ولم يغن عنه جيشه ومقانبه فيا أيها الباكون حول ضريحه ... على مثله فليسكب الدمع ساكبه فجعتم بملك كلاب البر مشفق ... بوادره مأمونة وعواقبه فقدتم به ما تعلمون من الوفا ... ومن كرم ما خاب في الناس طالبه إذا أوعد الجاني تغشاه عفوه ... وإن وعد العافي غشته مواهبه وما عذر عين لم يفض فيه ماؤها ... وما غدر صبر لم تداع جوانبه عليكم له حق فوفه حقه ... وكيف يوفى بالمدامع واجبه فوالله لو تبكى الدماء عيوننا ... لما قاربت من حقه ما يقاربه لقد كان منا يحسن الموت بعده ... لو أن أمراً قد مات إذ مات صاحبه ولولا الذي نرجو ونعلم إنه ... ممهدة أعلى الجنان مراتبه وإن له في حضرة القدس منزلاً ... يشاهد منه ربه ويخاطبه لما انفك دمع العين حزناً وحسرة ... عليه من الباكين تجري شعائبه فلا يخدعن الدهر من بعده أمراً ... فما الدهر الا ضيغم أنت راكبه يصافى الفتى حتى يرى فيه فرصة ... فينشب فيه نابه ومخالبه أبا أحمد أسلمت أمة أحمد ... إلى أحمد فاستسلم الحق صاحبه وقام بأمر الله من بعد ما عفت ... معالمه فينا وغارت كواكبه وشمر عن ساق امرئ همه العلى ... يجاذب من أطرافها وتجاذبه وأمن من خوف وقرب من نوى ... وساس البرايا وهو ماطر شاربه ودانت له الدنيا وأذعن أهلها ... وأرضت صعاب الحادثات تجاربه كريم أهان المال بذلا ومن يهن ... لسائله أمواله عز جانبه

стр. 588

أنارت به الآفاق والشمس أشرقت ... بطلعته والليل تجلي غياهبه فيا ناصر الإسلام صبراً فإنه ... متى مر طعم الصبر سرت عواقبه لقد كنت نعم الجبر للكسر بعده ... فيالك صدعاً لمَّ فلقيه شاعبه سقى قبره الفياض بالجود والندى ... سحاب ملث ليس يقلع راتبه