Полный текст (588 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أبي بكر السودي وكان يلقب مخلص الدين وهو وزير مولانا السلطان. يا شيخ ذكري تكون من اكبر الجند وتركب على هجين وحق رأس مولانا السلطان لأركبن بغلة فخر الدين أن انعم الله بها على مولانا السلطان. قال له: قد انعم الله بها عليه. قال: فسوف نرى وكان جملة عسكر مولانا السلطان مائة وخمسين فارساً وألفي راجل وكان فخر الدين في ستمائة من المماليك وألف راجل ولما صار السلطان في أثناءِ الطريق لقيه بزوال من قال له هذا فخر الدين في الجم الغفير على عدوة الوادي قال فنهنه العسكر فركب السلطان حصاناً شديداً أشقر وأخذ قناة في يده. وكان فارساً حسناً فعطف رأُس حصانه وقال يا عرب أين تفرون عنا. أما ترضون أنفسنا بأنفسكم ثم جعل يقول أنا يوسف. قال: فوا الله لقد رأَيتكم في عسكر يتزايد إلى الإقدام كما يتزايد البحر.
ولما علم الأمير فخر الدين ومن معه من المماليك بمسير السلطان الملك المظفر نحوهم اضطربوا اضطراباً شديداً وعزم فخر الدين على طلوع الجبل واللحاق بأخيه إلى صنعاءَ فاجتمع رؤساء المماليك وأعيانهم الذين لا ذنب لهم وهم الأكثر وكتبوا إلى مولانا السلطان كتاباً يطلبون فيه الذمة فأذمَّ لهم السلطان على أن يلزموا الأمير فخر الدين والجماعة الذين قتلوا فأجابوا على ذلك ولزموا الأمير فخر الدين وهو في خيمته وقطعوا طنباً من إطنابه وكتفوه به وساروا بأجمعهم إلى السلطان بعد أن لزموا الجماعة الذين قتلوا السلطان هذه رواية الجندي وقال صاحب العقد الثمين كان السبب في لزمه أن فخر الدين لما علم بمسير مولانا السلطان نحوه كاتبه وراسله وبذل له الطاعة وتسليم المماليك وهو يقول: لا تجمعوا علينا بين قتل أبينا وإخراج الملك من أيدينا فامتثلوا أمره واستمعوا قوله وقيدوا فخر الدين وساروا به إليه.
стр. 72
وحكى صاحب العقد الثمين أيضاً قال. وسمعت من مولانا السلطان يقول: كان السبب في لزم المماليك للأمير فخر الدين انهم خرجوا من المحطة يتطلعون الأخبار فوافاهم بريد الأمير فخر الدين ومعه كتب منه إلينا بما يسؤهم. فعادوا إلى المحطة ولزموه ووصلوا به تحت الحفظ.
وكان الأمير شمس الدين علي بن يحيى العنسي ظاهره مع السلطان وباطنه مع الأمير أسد الدين وأخيه. وكان شاعراً فصيحاً كريماً واصله من عنس قبيلة من مذحج فكتب إليه الأمير أسد الدين يحثه فيه على القيام ويحرضه على فكاك أخيه فخر الدين وفيه يقول:
لو كنت تعلم يا محمد ما جرى ... لشتتنها شعث النواصي ضمرا
ترمي بها دربي تَعِزَّ على الوحي ... لتنال مجداً أو تشيد مفخرا
لابد أن تنجي أخاك حقيقة ... منها وأما أن تموت فتعذرا
أن ابن برطاس تمكن فرصة ... آهٍ على موت يباع ويشترى
صح يال حمزة تأْت واخصص احمدا ... لتخص من بين النجوم الأزهرا
يعني الإمام أحمد بن الحسين والغالب عندي أنه غنما يعني الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة فإنه كان يومئذ رئيس بني حمزة. والله أعلم.
لما وصل المماليك بالأمير فخر الدين إلى السلطان الملك المظفر أذم عليهم وآنسهم من نفسه كثيراً. وسار يريد محروسة زبيد فكان دخوله زبيدا في ١٠ ذي الحجة سنة ٦٤٧ في موكب عظيم وعليه جلالة الملك وأبهة السلطنة فلما قعد على السماط واستقر في دار الملك قامت الشعراءُ بالمدائح يهنئونه بالملك فانشد الشعراءُ شيئاً كثيراً وقام الفقيه سراج أبو بكر بن وعاس من جملة الحاضرين يهنئ السلطان بما فتح الله عليه فقال:
стр. 73
أن غاب أفق الملك عن أفق العلا ... فانظر ضياءَ الشمس قد ملأ الملأ
أو كان جفن الملك أمسى ارمدا ... فاليوم أصبح بالمظفر اكحلا
لا تجزع الدنيا لفقد مليكها ... رزئت برضوي واستعاضت يذبلا
ما كان رزءُ الملك إلا غيهبا ... غم الورى واتاه صبح فأنجلا
بالملك عاد الكسر جبراً وانثني ... جيد العلا حالٍ وكان معطلا
هي دولة غرا وهذا مالك ... أضحى الزمان به أغر محجلا
لم يرض غيرك يا أبا عمر لها ... فاستجلها أن العرائس تجتلى
مازلت معترفاً بنعمة ربها ... متضرعاً لقدومها متبتلا
أو ما تراها في زبيد تزدهي ... وتميس في حلل المفاخر والحلا
أمهرتها وافي الصداق فما لها ... كفوءُ سواك ولا تريد تبدلا
جاءتك طائعة ولم تهزز لها ... رمحاً ولم تشهر عليها منصلا
فل للذي رام التملك جاهلا ... وسعى فضلَّ عن الطريق وضللا
ما أنت والملك الذي لا سرُّه ... باد عليك ولست فيه مؤَهلا
ارجع إلى كاس الطلا ودع الغلا ... للمغمد الأسياف في هام الطلا
ولصاحب الجيش الذي سد الفضا ... وفلا بحد السيف ناصية الفلا
وأعاد ريحك حين هبت أزيبا ... نكبا بريح منه هبت شمالا
أولى الورى بالملك والده الذي ... ما انفك في نسب المفاخر أولا
هي دولتي وأنا الذي أَملتها ... والله يعطي عبده ما أملا
ولما قبض السلطان الملك المظفر على الأمير فخر الدين ودخل المدينة زبد كما ذكرنا واستقر ملكه فاجتمع له عسكر أبيه واحتملت حواصل التهائم وانشرح صدره وطابت نفسه استأْذنه مشايخ العرب في الرجوع إلى بلادهم فقعد لوداعهم في قاعة سيف الإسلام ودخلوا عليه للوداع فوهب للشيخ ذكرى بن القرابلي بغلا من دواب الأمير فخر الدين يسمى الدراج ووهب للشيخ علي بن عمران القرابلي بالمقصرية
стр. 74
وكتب للشيخ محمد بن أبي ذكرى بلعسان وكساهم وانعم عليهم واحسن جوائزهم فعادوا إلى أوطانهم فرحين مسرورين.
وفي سنة ٦٤٨ استولى السلطان الملك المظفر على تهامة بأسرها وأطاعه أهلها وحملت إليه حواصلها وخرج من مدينة زبيد إلى عدن فسار طريق الساحل فاستولى عليها وعلى الحج وأبين في صفر من السنة ٦٤٨ وتسلم حصن يمين ومنيف وحصون بلاد المعافر جميعها في صفر من السنة وكان أول بلد دخله من البلاد جباء فلقيه القاضي محمد بن أسعد الملقب بالبهاء واختطب له بها فهي أول بلد اختطب له فيها من الجبال.
ثم حط على حصن تعز في شهر ربيع الأول من السنة ٦٤٨ وكانت محطته في الموضع بدار السعيدة وهو بالجبل فيما بين الجاهدية وعسق وكتب إلى الشيخ علوان بن سعيد الجحدري يطلب منه رجالاً من مذحج فوصله بجيش جرار فأقام محاصراً للحصن إلى أن تسلمه في شهر جمادى الأولى من السنة ٦٤٨ بخديعة منه وذلك أنه قبض في يوم من الأيام بريداً جاءَ من المفضل ووالدته من الدملؤَة إلى أمير الحصن وزمانه وكان أمير الحصن يومئذ علم الدين الشعبي والزمام أستاذ يقال له عنبر فلما قبض البريد أخذ ما معه من الكتب وفضها وأمر من زوَّر على الخط حتى القنه ثم كتب إلى الأمير علم الدين الشعبي على لسان المفضل ووالدته أن يقبض الزمام ويسجنه وكتب إلى الزمام بمثل ذلك وجعلت أوراقه بين أوراق البريد ووهب للبريد ما أرضاه ووعده بالخير وتقدم البريد بالكتب إلى الحصن فلما قبض الأمير والزمام على ما كتب به إليه همَّ كل واحد منهما بصاحبه وكانا متصافيين ثم انهما اجتمعا واطلع كل واحد مهما على ما عنده فاتفقا على أن يكتبا معاً إلى المظفر ويتوثقا لأنفسهما منه ففعلا وسلما إليه الحصن في جمادى الأولى من السنة ٦٤٨ فجعل الخادم زماماً لبنت أسد الدين وكان خادماً فيه خير ونال الشعبي عنده حظوة عظيمة ثم أنه أَقطعه صنعاءَ فلم يزل بها إلى أن توفي وقيل أقام السلطان محاصراً للحصن نحو ستة اشهر
стр. 75
فلما طال مقامه كتب إلى خالته بنت حوزة يسألها أن تسلم إليه حصن تعز ويكون ولده الأشرف معها وأخوه وأمهما رهائن عندها وأرسل بهم إليها فكتبت إلى الأمير بتسليم الحصن إليه فتسلمه منه ثم تسلم حصن حب في رجب من السنة ٦٤٨ وفي ذلك يقول الأديب جمال الدين محمد بن حمير حيث يقول
وان ملك ولي فذي دولة ابنه ... وفي يوسف نعم الخليفة عن عمر
أغاربها من بكن ملحاءَ غافق ... محجلة الأرساغ واضحة الغرر
ونادت زبيد يا مظفر مرحباً ... أَضاءَ بك النادي وقربك المقر
وسار إلى حب وحبُّ يحبه ... وما حب يعصيه ولو شاءَ ما قدر
حصون أَتته وهي بالشرع إرثه ... وبالسيف ليس السيف إلا لمن قهر
وفي أثناءِ هذه المدة المذكورة اتفق الإمام أحمد بن الحسين والأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة وقصدا الأمير أسد الدين محمد ابن الحسن إلى صنعاءَ فخرج منها وطلع حصن براش وكان خروجه من صنعاء يوم الثاني من جمادى الأولى من السنة ٦٤٨ ودخل الإمام صنعاء يوم السابع من الشهر المذكور ودخل معه كافة الإشراف وأجابته القبائل واستولى على صنعاء وأعمالها ثم على ذمار وجهاتها وكان الأمراء الحميريون وهو غير واثق بهم وهم كذلك.
قال صاحب العقد الثمين وأقام الأمام في صنعاء نحواً من سنة والأمير أسد الدين في براشٍ يغاديهم بالقتال ويراوحهم وقد اجتمعت عليه العرب مع الإمام فلما طال عليه الأمد واشتد عله الأمر راسل الأمير شمس الدين أحمد ابن الإمام على أن يصلح بينه وبين الإمام فأشار عليه الأمير شمس الدين بالرجوع إلى مولانا السلطان وملازمته والارتسام تحت أمره ثم التقى الأمير أسد الدين والأمير شمس الدين إلى الجبوب واتفقوا على أن الأمير شمس الدين يسعى في الصلح بين الأمير أسد الدين
стр. 76
وبين الإمام وإن الإمام يجهز الأمير أسد الدين إلى اليمن لحرب ابن عمه السلطان الملك المظفر فإذا صار قريباً من السلطان سعى من سعى في الصلح بينه وبين السلطان فاتفق الأمر على ذلك وسعى من سعى في الصلح بينه وبين الإمام فاصطلحوا على ذلك واتفقوا وانتزم الأمر وتجهز الأمير أسد الدين وسار في صحبة الأمير أحمد بن علوان وغيره من بني حاتم وجهز الإمام معه أيضاً الأمير عبد الله بن سليمان بن موسى في مائة فارس وخرج الأمير أسد الدين في عسكر عظيم ولم يزل سائراً حتى حط في الشوافي فلما علم به السلطان الملك المظفر خرج في عسكره حتى حط مقابلاً له فسعي بينهم في الصلح بنو حاتم وغيرهم حتى انتظم وغيرهم حتى انتظم أمر الصلح وكان اللقاء في الموسعة وركب السلطان فرسه المشمر واقبل في جلال ملكه واحتفال جنده وكثرة عسكره واقبل الأمير أسد الدين يمشي راجلاً فلما قرب ترجل له السلطان وتسالما وهما راجلان ثم ركب السلطان وسار الأمير أسد الدين قدامه راجلاً وحمل الغاشية بين يديه حتى دخل على السماط فلما بلغوا المرتبة الشريفة قال السلطان للأمير أسد الدين بسم الله يا أمير فقال: حاشاك يا مولانا هذا موضعك وموضع أبيك وهذا موضعي وموضع أبي. ثم انتزم الأمر على ما شرعوه من الصلح وخرج له من الأنعام العميم ما هالهُ حتى قال ليت شعري هل أبقى مولانا السلطان في خزائنه شيئاً.
ثم أن السلطان ﵀ عليه جهز مادة مائة فارس إلى صنعاء وجعل مقدمهم الناسف اليحييّ ثم ورد أمره على الأمير أسد الدين بالعود إلى صنعاءَ فسار مبادراً في عسكره وأصحابه ولما بلغ الإمام العلم بذلك جهز عسكره إلى نقيل الغائرة وظن أنهم يمنعون عسكر السلطان من طلوع النقيل فلم يقم عسكره في وجه العسكر المظفري ساعة واحدة فلما علم الإمام بوصول أسد الدين في العساكر المظفرية خرج من صنعاء إلى سباع بعد أن أخرب قصر الأمير أسد الدين وقصر أخيه الأمير فخر الدين وترك السيد الحسن بن الوهاس الحمزي وأخاه وغيرهما من الأشراف والعرب رتبة في صفوة فقصدهم الأمير أسد الدين في العساكر السلطانية فأخذهم برقابهم وأطلعهم
стр. 77
حصن براشٍ ثم طلع السلطان صنعاء في ذي الحجة من سنة ٦٤٨ وفي سنة ٦٤٩ رجع السلطان من صنعاء إلى اليمن وفيها تسلم حصن التعكر في أول المحرم سنة ٦٤٩.
وفي آخر الشهر المذكور وصل العلم بقدوم الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول من مصر وقدوم أخيه فخر الدين أبي بكر بن علي بن رسول فأوجب ذلك الصلح بين السلطان وبين الإمام فاصطلحا.
ثم أن مولانا السلطان كتب إلى كافة النواب بالتهائم بإكرام عميه وألقيتم بحالهما وكتب إلى عمته المعروفة بالنجمية وهي يومئذ بالتعكر يقول لها أن رأيت أن تلقى اخوتك فافعلي ففرحت بوصولهما فرحاً شديداً لأنها كانت تبرُّ أهلها خاصة والناس عامة وكان محمد بن خضر قد صار من خلف السلطان وأمه زهراءَ بنت الأمير بدر الدين وكانت من أعيان النساء حازمة لبيبة وهي التي ابتنت المدرسة المنسوبة إلى بني خضر بقرية الحبال وفيها قبرها وقبورهم وكان محمد بن خضر قد أساءَ إلى السلطان وخالف عليه خلافاً ظاهراً ثم عاد عن ذلك فقال له السلطان يا محمد انزل مع جدتك والق جديك فنزل مع الدار النجمي وجهزها السلطان أتم جهاز ولما نزلوا نزل السلطان بعهم فلقي عميه في حيس فخرجا في لقائه قلما توجهوا ترجل بعضهم لبعض وتسالموا ثم ركبوا خيولهم ودخلوا إلى مدينة حيس فلما استقرَّ بهم القرار أمر السلطان بالقبض على عميه المذكورين بدر الدين وفخر الدين وعلي محمد خضر وقيدهم وطلع بهم مقيدين ثم تمثل بقول الأول
أقول كما يقول حمار سوءٍ ... وقد ساموه حملاً لا يطيق
سأصبر والأمور لها اتساع ... كما أن الأمور لها مضيق
فأما أن أموت أو المكاوي ... وأما ينقضي عني الطريق
стр. 78
فلما دخلوا دار الأدب المذكور وجدوا فيه الأمير فخر الدين الصغير أبا بكر بن الحسن بن علي بن رسول وكان أول من سجن منهم فكتب الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى الأمير شمس الدين يحقق له ما كان من الأمر وفي أثناء ذلك يقول:
ودادي ذلك الود القديم ... وعهدي ذلك العهد القديم
وبين جوانحي مما أراه ... جحيم منه تحترق الجحيم
وقلت قدوم بدر الدين فيه ... لنا فرح فما نفع القدوم
فبلغ خبره إلى مولانا السلطان فأغضى عنه وكان يكرمه ويقطعه الإقطاعات النفيسة ولا يظهر له شيئاً مما يبلغه. وفي هذه السنة ٦٤٩ تقدم المجد بن أبي القاسم برسالة الشريفة المظفرية إلى المواقف المطهرة العباسية ببغداد وقيل كان الرسول إلى بغداد الأمير عز الدين جعفر بن أبي القاسم فسار على طريق براقش إلى العراق واتخذ الأدلة من البادية وسلك طريق الرمل على الرواحل البحرية فحكى ابن أخيه ساروا من براقش إلى العراق أربعة عشر يوماً فلما حضر مقام الخليفة ببغداد عرض الكتاب وقرأه الخليفة المستعصم ودعا لمولانا السلطان الملك المظفر فأمر الخليفة أن يكتب له منشور وولاهُ العهد.
ثم قال الخليفة انظروا كم جائزة صاحب اليمن فقالوا عشرة آلاف دينار فقال عز الدين بن أبي القاسم وكم جائزة صاحب مصر فقالوا أربعين ألفاً فقال لا أقبل لمخدومي دونها فقال له الوزير أن إقليم مصر أكبر من إقليم اليمن فقال عز الدين ما كان في اليمن من نقص فإن أوصاف مخدومي يجبره فقال الخليفة لقد سررنا بمقالتك ثم التفت إلى الوزير وقال اخبروه بجائزة صاحب مصر.
ثم كتب الخليفة إلى السلطان كتاباً يأمره فيه باستئصال الإمام أحمد ابن الحسين وأكد الوصية على الأمير عز الدين في ذلك ثم سار ابن أبي القاسم وسار معه رسول
стр. 79
الخليفة فلما وصل إلى السلطان البسه الخلعة وقرأَ له المنشور وولاهُ العهد بوكالة المستعصم له في ذلك وسلم له الإجازة وأقام في دار الضيافة فحمل له السلطان ما يستغرق الجائزة وغيرها.
ولما قتل الإمام أحمد بن الحسين كما سيأتي ذكره أن شاءَ الله تعالى كتب مولانا السلطان إلى الخليفة يعلمه بذلك فلما بلغ الرسول براقش لقيه الخبر بقتل الخليفة ودخول التتر ببغداد.
وفي هذه السنة اصطلح السلطان الملك المظفر وأخواه المفضل والفائز وأقطعهما لحجاً وأبين.
وفي آخر السنة كان وصول رسول الخليفة إلى مكة المشرفة بكسوة الكعبة وتشريفه المظفر الذي تقدم ذكرها وبالنيابة المذكورة فكسى البيت وتقدم إلى اليمن فوصل إلى السلطان بالتشريفة والنيابة.
وفي سنة ٦٥٠ اصطلح الإمام والأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول. ودخل الأمير أسد الدين في طاعة الإمام وباع عليه حصن براش بمائتي ألف درهم وانتفض ما بين الإمام والسلطان من الصلح وذلك في رجب من سنة ٦٥٠. وسيره في عسكر جرار إلى ذمار وجهز معه عسكراً من قبله وجعل عليهم الشريف عز الدين هبة بن الفضل العلوي. فلما اتصل العلم بمولانا السلطان جرد لهم الطواشي تاج الدين بدراً والأمير شمس الدين علي بن يحيى. فوقع بين الأمير شمس الدين علي بن يحيى وبين الطواشي تاج الدين مشاجرة فرجع الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى الأبواب الكريمة الشريفة وسار الطواشي تاج الدين وحده في العساكر المظفرية. فلما رأى الأمير أسد الدين والشريف عز الدين هبة بن الفضل ما هالهم من العساكر المظفرية هربوا إلى السواد ولزموا الجبل وأرسلوا إلى الإمام يطلبون منه المدد فأمدهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وجميع العرب من بني شهاب وسنحان وأهل حضور وغيرهم فحصل بينهم العساكر المظفرية. فلما رأى الأمير أسد الدين والشريف عز الدين هبة بن الفضل ما هالهم من العساكر المظفرية هربوا إلى السواد ولزموا الجبل وأرسلوا إلى الإمام يطلبون منه المدد فأمدهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وجميع العرب من بني شهاب وسنحان وأَهل حضور وغيرهم فحصل بينهم وبين العساكر المظفرية عدة وقائع
стр. 80
ظهرت فيها بسالة المماليك. ثم أن الإمام تابع الإمداد إليهم ولم يترك أًحداً من القبائل الأَجهزة إليهم. فلما رأَى الأمير أسد الدين تكاثف عسكر الإمام وتواتر الإمداد إليه أدركته الحمية العربية وعطفته الأواصر اليعربية فانذره الطواشي تاج الدين وصوب له العودة وقال له: انك إذا رجعت بهذا المعسكر سالماً وافراً طلع به مولانا السلطان فلا يقوم في وجهه واحد. فعاد الطواشي إلى ذمار ثم سار إلى اليمن.
وفي هذه السنة استولى السلطان على حصن الدُّملؤّة. وكان سبب ذلك أنه أرسل بولده الأشرف وأخيه وأمهما وبالطواشي ياقوت إلى خالته بنت حوزة وجعلهم عندها رهائن. فسلموا الأمر وعاملوا الرتبة وقيل: بل طلعت الدار الشمسي كريمة مولانا السلطان مغاضبة لأبيها وشاكية منه إلى أخويها وخالتها بنت حوزة وأظهرت الشكوى من أبيه االمظفر. وكان معها الطواشي ياقوت وأَقامت عندهم أياماً وهي تستميل الخدام وتصلح أَحوالهم وتستخدم الرتبة إلى أن أحكمت الأمر. ثم قيل لبنت حوزة أن البقرة الفلانية في الجوة ولدت عجلاً برأْسين. فأرادت النزول إلى الجوة لتنظر البقرة وعزمت على الدار الشمسي أن تنزل معهم. فاشتكت مرضاً فلم تنزل فنزلت بنت حوزة وأولادها. فلما نزلوا أوقد الطواشي ياقوت النار في رأْس الحصن. وكانت الإمارة بينه وبين السلطان الملك المظفر أن يوقد ناراً في أعلى الحصن. فلما رآها السلطان نزل من فورة وكان السلطان يومئذ في حصن حبَ. وقيل في تعكر. فركب في مائة نفر وسار فقطع أكثرهم في الطريق. وثبت معه جماعة منهم النقيب منصور. فلما صار السلطان قريباً من باب الحصن نزل والنقيب منصور قائم بين يديه. فقال من هذا: فقال عبدك منصور. فتفاءَل به حينئذ وانعم عليه وكساه ورفع مرتبته وولاَّه بعد ذلك بعض الجهات.
قال المصنف ﵀. وكان النقيب منصور رئيساً كاملاً هماماً عاقلاً ولم
стр. 81
تزل الرياسة في ولده وولد ولده إلى يومنا هذا. وكان منهم الأمير شجاع الدين عمر بن يوسف بن منصور. انتهت به الرياسة إلى أن صار نائب السلطان الملك المجاهد في المملكة اليمنية بأسرها. ومنهم الأمير عز الدين هبة بن محمد بن أبي بكر بن يوسف بن منصور. وكان أميراً بزبيد وكذلك ابن عمه الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم أيضاً تولى مدينة زبيد مدة طويلة. وسنذكر من لابد من ذكره. ولما وصل السلطان إلى باب الحصن بالدملؤَة وجد أخاه الفائز قائماً على باب الحصن ولم يفتح له. فقال له: هذا وسبعون الحصون لا معنا ولا معكم. وساق عنه ففتحوا له الباب فدخل ودخل معه من وصل حينئذ من غلمانه وخدمه. وكان ذلك يوم التاسع عشر من القعدة. وقيل يوم الخامس والعشرين منه في السنة المذكورة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام العالم العامل أبو الحسن علي بن مسعود ابن علي بن عبد الله بن المحرم بن أحمد الساعي ثم الكتبي. وكان إماماً كبيراً ذا فنون كثيرة. واشتغل في أول عمره بالقراءات السبع حتى أتقنها. ةتفقه في قراءَته بحراز ثم عاد إلى بلده وقصد الفقيه أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن يربل إلى جبل تيس فقرأ عليه المهذب ثم ارتحل إلى جبا فاخذ البيان عن الفقيه أبي بكر بن يحيى وأخذ عن أبي بكر الحجوزي. ثم عاد إلى المخلافة فرأَس بها ودرَّس فلما ظهر الإمام عبد الله بن حمزة وغلب أمره في تلك الناحية خرج الفقيه المذكور في جمع من الطلبة نحو من ستين طالباً وقصد تهامة فأقام بها مدة. فلما توفي الإمام عبد الله بن حمزة وهدأّت الفتن عاد الفقيهُ إلى بلده المخلافة أيضاً فلبث بها مدة. وقدم الشيخ الصالح أبو الغيث بن جميل إلى بلد الفقيه وابتني هنالك رباطاً وأقاما متعاضدين فلما ظهر الإمام أحمد بن الحسين واشتدت شوكة الزيدية انتقلا عن المخلافة وعاد إلى تهامة. فنزل الشيخ أبو الغيث مع الفقيه عطاءٍ وهو الذي تنسب إليه القرية الفقيه عمرو ولم يزل هنالك إلى أن توفي في السنة المذكورة. وكان إماماً جليل القدر تفقه به خلق كثير. وانتشر
стр. 82
عنه الفقه في جهة حجة وغيرها انتشاراً عظيماً. ولما تولي كما ذكرنا وصل الشيخ أبو الغيث معرباً به إلى تلميذه الفقيه عمرو ومن حضر من أهله وكان زاهداً ورعاً يرى أنه ما قبض ديناراً ولا درهماً أو كمال قال. ويرى أن حلقته كانت تجمع ثمانين متفقهاً أكثرهم ذو فقر وحاجة وإيثار. ويحكى أنه حصلت عليهم أزمة فتضرروا بها ضرراً عظيماً. فعلم بذلك بعض أهل القرية ولم يكن في قدرته ما يقع موقعاً من كفايتهم فبعث بقُرص من الطعام لشخص منهم فاثر ذلك الشخص به صاحباً له ثم اثر ذلك الشخص به آخر ثم اثر الآخر آخر حتى عتاد القُرص إلى الذي حصل له ابتداءً فأخذه ووصل به إلى الفقيه واخبره بالأمير فأعجبه ذلك وقال الحمد لله الذي جعل في أصحابي صفة من صفات أصحاب الصفة وأنصار نبيه ﷺ حيث قال تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصائصة ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون. ثم جمع الدرسة وقسم القُرص على عدد رؤُوسهم لقمةً لقمة.
وفي سنة إحدى وخمسين رجع الأمير أسد الدين بمن معه من لعسكر إلى البلاد العليا وفسد ما بينه وبين الإمام. وذلك أنه لم يحصل له من قيمة براش إلا الشيءُ اليسير ولم يف له الإمام بما عاهدوه عليه من أمر البلاد. فسار نحو البهيمة في طريق المشرق. وكان في صحبته الأمير عليب بن وهاس في جماعة من خيله حتى بلغ عمقين وجرذان وهي أودية بالمشرق. فضاقت عليهم المسالك هو والأمير علي بن وهاس واشتدت بهم الحال وقصدتهم العساكر المظفرية ولم يروا بدّاً من قصد الشيخ علوان بن عبد الله الجخدري على ما بين الأمير أسد الدين والشيخ علوان بن عبد الله الجخدري من العداوة والبغضاء في أيام الدولة المنصورية. فلما نزلوا عليه لقيهم بالرحب والسعة وأنزلهم في العروسين وحمل إليهم الضيافات وأَجارهم. فقصدهم السلطان وحط في بلاد الشيخ علوان واخرب منها مواضع
стр. 83
كثيرة واحرق مواضع أخرى. ولم يزل الشيخ علوان يلاطف السلطان ويراجعه ويسأله الذّمة للأمير أسد الدين حتى أذمَّ له على يده. فقال الشيخ علوان في ذلك وكان من فصحاء العرب:
سلام على الدار التي في عراصها ... معاهد قوم لا يذم لهم عهد
أناخوا علينا نازلين وفيهم ... طوال القنا والمشرفية والجردُ
ليوث شرى خاضوا الرمال فذل ... لوا مقاولها فارتاع من خوفهم نجد
رموا موضع الشمس احتساباً بالأن ... فس أمانتها موت، على العزأَ وحمد
إلى أن سرى البرق اليماني لامعاً ... بدملؤَه العز التي ما لها ندُّ
فراموا له بزل الركاب على الوجى ... وقادوا إليه الخيل من فوقها الأسد
يقودهم الملك الذي في يمينه ... عوارف منهن المنية والرفد
تحف به القوم الذين سيوفهم ... عقائق حمر لا يلائمها غمد
رأَوا مورداً عذباً فلما دنوا له ... وقد اشرعوا قلن المقادير لا ورد
قضى أسد الدين القضاءَ برمحه ... إلى علم زهر المجوم له عقد
فجاش عليهم للمظفر عارض ... له البيض برق والطبول به رعد
همام أبي أن يسلم الملك فانبرى ... وحوليه أرباب الزعامة والجند
يسوقهم سوق السحاب يحثها ... نسيم الصبا حتى أَلم بنا الوفد
أكارم كانوا لي عدواً فاصبحوا ... ينادون يا علوان هل ذهب الحقد
فقلت لهم في فرع تيماءَ فانزلوا ... أَلا مرحباً هذا السمؤَل والفرد
مددت لهم ظل العروسين دائماً ... بسطت لهم أيدي الرخاء الذي مدوا
فشكراً لمن أدنى ركاب محمد ... إِليَّ وأهداه لي الفلك والسعد
فاصبح أرباب الزعامة حولنا ... وما رابني منها الوعيد ولا الوعد
ملوك دنا بعض لبعض فأصبحت ... كتائب عزمي وهي بينهم سد
وأسد إلى أسد تدانت فصدها ... على حنق ما بينها الأسد الورد
فمن الفخار العرب مثلي ومن لها ... كمثل مقامي في المكاره أن عدُّوا
стр. 84
فحسبي إني الحرُّ من آل يعرب ... وإني لمن آوى إلى كينفي عبد
ولما أذم السلطان الملك المظفر للأمير أسد الدين كما ذكرنا نزل الأمير أسد الدين فيمن معه من أصحابه إلى السلطان فلقيه بالموسعة فأكرمه وأنصفه وسار الأمير أسد الدين ماشياً بين يدي السلطان بسيفه على عاتقه. فلما دخلوا على السماط وقف وخدم. ثم أن السلطان حمل إليه أموالاً جليلة وأمده بعسكر كثيف. وأمره بالمسير إلى صنعاء. فسار أسد الدين في العسكر إلى صنعاء فعلم به الإمام فخرج من صنعاء ودخلها أسد الدين. ثم طلع السلطان إلى صنعاءَ في رجب من السنة المذكورة وطلع صحبته الأمير علم الدين علي بن وهاس فحط في درب عبد الله.
وكان الإمام يومئذ في تسارع فخرج من تسارع فاخرب السلطان تسارع وبساتينها وعاد إلى اليمن فتسلم حصن دروان من الشيخ الورد بن محمد ابن ناجي. وفي هذه السنة قتل الشريف أبو سعد بمكة وكان مدة ولايته عليها أربع سنين إلا شهراً. فدخل بنو عمه إلى داره فقتلوه في وسط الدار وكان الذي قتله حماد بن حسن وحج بالناس في ذلك العام وأقام بمكة. وفي هذه السنة اختلف الإِمام والأمير شمس الدين أحمد ابن الإِمام عبد اله بن حمزة وبنو عمه من بني حمزة واستنصروا بالسلطان فأمد السلطان على الأمير أسد الدين يوم الخامس من ذي الحجة وقد وصلت الخزائن السعيدة إليه فالتقى الأمير شمس الدين في براقش بعد أن رجع الأمير شمس الدين من مأرب ثم ساروا جميعاً فحطوا على الزهراء فأخذوه. وأخرجوه.
وفي هذه السنة توفي الشيخ الصالح المشهور أبو الغيث بن جميل الملقب بشمس الشموس. قال بعض العلماء وهذا لقب على ملقب باستحقاق وكان في بدايته قاطع الطريق وكان سبب توبته أنه صعد شجرة يريد أن ينظر السفر إذا أقبلوا فبينما هو على الشجرة يتأمل الطرق إذ سمع قائلاً يقول يا صاحب العين عليك العين فوقر ذلك في قلبه فنزل عن الشجرة مستكن القلب ونفسه تنازعه في الإنابة. فلم
стр. 85
يجد لذلك غير الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الملك بن أفلح بزبيد فوصل إليه وعرض عليه أمرهُ وسأَله أن يأخذ عليه اليد فاخذ عليه اليد وأّلزمه الخدمة للزاوية فأقام يخدمها بالحطب والماءِ وفي بيت الخلاءِ دهراً ثم تقدم المراوعة بعد ذلك إلى الشيخ علي الأهذل فأقام عنده أياماً هذبه فيها تهذيباً مرضيّاً فكان يقول خرجت من أبن أفلح لؤلؤةً عجماء فثقبني الأّهذل. ثم طلع الجبال الشامية بعد ذلك فظهر له فيها أحوال خارقة فمال إليه عالم عظيم من العامة والرؤَساءِ وصحبه جماعة من الفقهاء. فلما ظهر الإمام عبد الله بن حمزة وقوي أمر الزيدية بالجبال الشامية نزل الشيخ إلى تهامة ونزل بنزوله الإمام العلامة الفقيه علي بن مسعود المذكور أولا فسكن الشيخ أبو الغيث ﵀ مع الفيه عطا على كره من أهله. ثم قام الأمام أحمد بن الحسين وبلغهُ أن الشيخ مقبول الإشارة مسموع القول كتب إليه طمعاً في ميله وميل أهل تهامة كتاباً صدره) قل يا أهل الكتاب تعالواْ إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم إلا نعبدَ إلا الله ولا نشرك بهِ شيئاً ولا يتخذَ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللهِ فإن توَلواْ فقُولوا اشهدوا بأَنَّا مسلمون (. ثم قال القصد يا شيخ الاجتماع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسلام.
فلما وصل الكتاب مع بعض الشيعة قال الشيخ لرجل من أصحابه اقرأْ كتاب الشريف. فلما قرأَه وفرغ من قراءَته قال لهُ الشيخ اكتب) أن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (. الحمد لله فالق الإصباح. ومرسل نسيم الرياح. إلى فسحة مبدأ عالم الأشباح والصلاة والسلام على سيد الأنام ومصباح الظلام وعلى آله وصحبه السادة الكرام.) أما بعد (فقد وصلنا كتاب السيد الشريف يدعونا لإجابته ولعمري إنها طريق سلكها الأولون واقبل عليها الأكثرون. غير أنا نقر منذ سمعنا قوله تعالى) له دعوة الحق (لم يبقِ فيها متسع لإجابة الخلق. فليس لأحد منا أن يشهر سيفه على غير نفسه ولا أن يفرط في يومه بعد أمسه. فليعلم السيد قلة فراغنا لما رتم وليبسط العذر والسلام " فذكروا أن رسول الشريف وقف مع الشيخ وبعث بالكتاب رسولاً. ويروى أنه كتب إليه الشيخ أحمد بن علوان الذي يأْتي
стр. 86
ذكره فيما بعد أن شاءَ الله تعالى كتاباً يقول فيه. أَما بعد فإني أخبرك:
جزت الصفوف إلى الحروف إلى الهجا ... حتى عرفت مراتب الإبداع
لا باسم ليلى استعين على السرى ... كلا ولا ليلى تقل شراعي
فأجابه الشيخ أبو الغيث بن جميل: من الفقير إلى الله تعالى أبي الغيث أبن جمي أغذي نعمة الله في محل الحضرة إما بعد فإني أخبرك
حلَّى في الاسم القديم باسمه ... واشتقت الأسماء من أسمائي
وحباني الملك المهيمن وارتضى ... فالأرض ارضي والسماءُ سمائي
يا ابن علوان أبت المراهم الشافية أن تقع على جرحك الخبيث حتى تعدم بمرر العقاقير. وكان الشيخ ﵀ كير القدر شهير الذكر صاحب ترقية ومجاهدة قلَّ أن يوجد لهُ نظير. وفضائله أكثر من أن تحصى واشهر من أن تذكر. ومن كلامهِ قوله شكوتك إلى ما في يديك دليل على قلة ثقتك بالله ورجوعك في حال الشدة إلى المخلوقين دليل على انك لا تعرف الله وفرحك بشيءٍ تناله من الجنيا دليل على بعدك من الله. وقد قيل أن هذا من كلام أبي يزيد البسطامي أو أحد نظرائه والله أعلم.
وسئل الشيخ ﵀ عن المستحق لاسم الصوفي فقال هو من صفا سرُّهُ من الكدر وامتلأَ قلبهُ من العبر وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر.
وسئل مرة أخرى عن ذلك فقال الصوفي من كان بعهد الله موف. ومن دعائه اللهم إني أَسأَلك يا روح روح الروح ويا لب لب اللب ويا قلب قلب القلب هب لي قلباً أعيش به معك فد خلقت كلما هو دونك لأجلك فاجعلني ممن شئت من هذه الجملة.
وروي عن الفقيه الإمام الصالح إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحضرمي أنه قال جري بيني وبين بعض أصحاب الشيخ أبي الغيث بن جميل كلام من اجله فقلت
стр. 87
له قد كان الشيخ يخطئ في بعض كلامهِ في المجالس فقال لا وأنكر عليَّ إنكاراً شديداً فلما كان الليل رأيت الشيخ بعد العشاءِ تمثلت لي صورته فقال لي أخطأْنا كثيراً ووقعنا كثيراً ولكن قلت منا العزائم وصفحت عنا الجرائم وسامبني البدع الموصوفون بضرهم إلا من كان فيه أربع خصال أن يكون لله لا له للناس لا لنفسه سالكاً طريقةً وهي طريقة واحدةُ تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام. ثم قال لي أحذر بنات الطريق فإنهن يلتمسن اللمحة والنظرة. فسئل الفقيه عن بنات الطريق فقال هي الكرامات التي تعرض للسالك في طريقه الذي لاحظها حجب عن مقصوده. وكانت وفاة الشيخ على الحال المرضي عازفاً عن السماع منذ مدة نهار الأربعاءِ لخمس بقين من جمادى الأولى من السنة المذكورة. وتربته مشهورة في بيت عطا وهي قرية من أعمال سردد وجعل عليه التاجر بن الخطبا قبة عظيمة والله أعلم.
وخلف الشيخ فيروز وكان فيروز كبير القدر وهو من أصحاب الشيخ محمد بن أبي بكر الحكمي صاحب عواجه. وكانت وفاته في سنة اثنتين وتسعين وستمائة. وفي هذه السنة المذكورة أيضاً توفي الأديب جمال الدين محمد بن حمير الشاعر المشهور. وكان أوحد شعراء عصره وهو من شعراءِ الدولة المنصورية وكان يصحب الشيخ والفقيه صاحبي عواجه وله فيهما عدة قصائد وشعره فيهما وفي غيرهما كثير مشهور متداول وله ديوان شعر جيد وهو عزيز الوجود. ورأيت بخط الفقيه الإمام العلامة أبي العباس أحمد بن عثمان بن بصيص النحوي بيتين من الشعر وهما
أَما قصائد قاسم بن هتيملٍ ... فمذاقها أحلى من الصهباءِ
هو شاعر في عصره فطن ول ... كن ابن حمير اشعر الشعراء
ويقال أن هذين البيتين لابن سحبان قالهما وقد سئل أي الشاعرين المذكورين اَفصح. وكانت وفاة ابن حمير في مدينة زبيد ودفن في مقبرة باب سهام شرقي قبر الشيخ الصالح مرزوق ابن حسن الصوفي بينهما الطريق هنالك إلى قرية المخريف
стр. 88
وغيرها من وادي رمِع والله أعلم.
وفي سنة اثنتين وخمسين سار الأمير أسد الدين محمد بن الحسن ابن علي بن رسول. والأمير شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور عبد الله ابن حمزة والعساكر المظفرية إلى مدينة صعده. وكان الإمام أحمد بن الحسين يومئذٍ في صعدة فلم يكن بأسرع من دخول الأميرين المذكورين في العساكر المظفرية إلى مخلاف صعده فهرب الإمام إلى غلاف. وجعل السيد الشريف الحسن بن وهاس ذمةً في صعدة في نصف العسكر وسار في النصف الثاني إلى علاف فأقامت المحطة على صعدة نحواً من شهرٍ. والشريف شمس الدين والأمير أسد الدين يغاديانهم ويراوحانهم القتال حتى انقطعت عنهم المادة. وفي أثناءِ هذه المدة فقئت عين الشريف جمال الدين علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة. ثم فتحت صعدة وأسر الشريف السيد الحسن بن وهاس. وكانت المدينة محشوَّة بأهلها فنهبت منها أموال جمة وأخذت منها غنائم عظيمة وأَخذوا سبعين رأساً من الخيل واجار الأمير أسد الدين أجزل الناس وستر النساءَ. وشحن براش صعدة شحنة عظيمة. ورتبا في صعدة الأمير عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وهبة ابن الفضل ورجع الأميران إلى صنعاءَ. وفي ذلك يقول الأمير عز الدين عزان بن سعيد بن نسر بن حاتم على لسان الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام ممتدحاً السلطان الملك المظفر بقصيدة من القصائد الطنانة وهي
سلام مشوق وده ما تصرما ... يزورك من نجد وإن كنت متهما
سلام كنشر الروض باكرهُ الحيا ... فأضحى أنيقاً مشرقاً متبسما
يخصط من قربٍ وإن كنت نائياً ... ويهدي تحياتي فرادى وتوأما
فيا أيها الملك المظفر والذي ... حمى قصاب الملك أن تتهدَّما
ويا دافعَ الجلَّي إذا الخطب مبهمُ ... وقد جنَّ ليل الحادثات واظلما
ويا مخجل الأنواءِ والبرق خلَّبُ ... إذا جاد برقُ من نوالٍ واسحما
стр. 89
ملكت فلم تفخر ونلت فلم تظل ... وجدت فلم تترك على الأرض معدماً
وصلُت فلم تترك عليها معانداً ... ولو أنه يرقى إلى الجو سُلَّما
إليك أبا المنصور أهديت أحرفاً ... أبثك أخباراً وإن كنت أعلما
وإني لما أوليتني من صنائع ... لاستنجد الأخبار كي اشفي الظما
واستنهض العزم السعيد وطالما ... حللت بهِ عقداً من الهمّ مبرما
لأنعم ناراً أو لا كبت حاسداً ... وأفضي لبانات النفوس وانعما
فشمر لشيد المجد إذ أنت أهلهُ ... وتمم على اسم الله تُدْعَ متمما
فلم يبق في الأقوام إلا حُثالة ... تهبُّ بها ريح الصبا أن تبسما
نهضنا بجيش منك يطموا عبابه ... يضيق به رحب الفضا حيث يمما
يجول بقاع الأرض شرقاً ومغرباً ... ويطوي رباها محرماً ثم محرما
ويغشى لظى الحرب العوان كانهُ ... طنين ذبابٍ عندهُ أن ترنما
نزلنا بوادي الحوف نرعى جميلهُ ... ونذكر عهداً كان فيه تقدما
فلما قضينا نحوهُ كل حاجةٍ ... وجئنا المراسي وهو كان محرما
صعدت بنا أَعمال صعدة شبحاً ... تبارى كأمثال الشموس تهتما
ولاحت على الأقطار أعلام يوسف ... كان شعاع الشمس منها تسنما
وصاحت طيور السعد في كل وجهة ... تبادر بالترحاب إذ كنَّ وُجَّما
فلا ملكُ إلا وأرخى قيادهُ ... ولا قائمُ إلا تولى وأَحجما
ولا حيَّ إلا استيقظوا بعد هجعة ... وكانوا سكارى قبل وذاك ونُوَّما
ولله دَرّ الأريحي محمد ... شقيقك محمود الثنا مانع الحما
فوا الله ما جشمتهُ لملمةٍ ... على مثل حد الشيف إلا تجشما
ولا قلت مهلاً يا خليلي وقد بدا ... به الشر؟ ُّ إلا كفَّ ثم تبسما
فيا ابن الملوك الغر من آل جفنه ... غدا مجدهم فوق السماك مُخيما
لأّنت صفي الود إذ أنت أهلهُ ... ولا ارتضي الاَّك ركباً ومغنما
стр. 90
ولا يقطعن بيني وبينك قاطعُ ... إلى أن نزور جنة الخاد فأعلما
خلفت برب الناس حلفة صادق ... مؤَكدة لم أخشَ في ذاك مأثماً
وبالمصطفى جدي وبالمرتضى أبي ... ومن طاف بالبيت العتيق واحرما
لوَ أنّي رأَيت الدين لله خالصاً ... وأعطيت ملكاً يملأُ الأرض والسما
لما سمحت نفسي بدين محمد ... ولو لم أدق من بارد الماء مطعما
فلما رأيت الحق ملقى زمامه ... وليس سوى الدنيا مراداً ومشتما
تنكست عن تلك السبيل ولم أعج ... عليها ولا في رفضها متندما
وعدت أرعى سوامه ... ولم أذَّكر نجداً ولا أَبرق الحما
ويممت محمود الطرائق يوسفا ... فلله ملكاً ما أعزَّ واكرما
لقد فخرت غسان منهُ بماجدٍ ... حماها وأعلاها سماكاً ومرزما
مجيباً إلى داعي التكرم والندى ... وان هو لم يدع ابتدا وتكرما
فصام قرير العين في خقض عيشه ... ولا زال مأْوى للوفود ومنتما
ولما عاد الأميران شمس الدين وأسد الدين إلى صنعاء بمن معهما من الإسراء كان دخولهم صنعاء يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. ولما دخل شهر شعبان من السنة المذكورة وصلت الخزائن السعيدة والأوامر الشريفة المظفرية بخروج الأمير أسد الدين صحبة الأمير شمس الدين إلى الطاهر فتجهز الأميران وخرجا بالعساكر المصورة المظفرية وقصدوا بلاد حاشد وهو مخلاف ابن وهاس فخرجوا فيها مواضع ثم نهضوا إلى مصنعة بني القديم فأخذوها ونهضوا إلى النواب ثم إلى الطاهر فأخذوا موضعاً يسمى الأبرق. ثم قصدوا الإمام أحمد بن الحسين إلى موضع من بلاد حمير يسمى الهجر وكان قد جمع جموعاً كثيرة إلى نقيل الخضاب وأمرهم بحفظ ذلك الموضع. ففرق الأميران عساكرهما في جوانب النقيل فقطعوا الطريق على عساكر وهزموهم هزمة شنيعة وقتلوا منه مقتلة عظيمة.
وكان في جملة من قتل الفقيه حميد بن أحمد المحلي الزيدية
стр. 91
وفضلائها ولهُ من التصانيف الجامعة والرسائل المفردة إلى الملوك والعلماء ما ليس لأحد وقتل معهُ من الفقهاءِ والشيعة كثير واسر شمس الدين أحمد بن يحيى بن حمزة وكان خلفاء الإمام علي بن حمزة وهرب الإمام بعد أن اشرف على الهلاك ثم تحصن في حصن طلب المصانع. ثم رجع الأميران إلى الطاهر وأرادا التقدم إلى حوب فاختلف عليهما العسكر فقفلوا إلى صنعاء في شهر رمضان من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة أخرج الشريف حماد بن حسن من مكة أخرجه الشريف راجح وأبو نمي وإدريس فأقام بها راجح ثلاثة أشهر ثم أخرجه ولده غانم وأقام بها إلى شوال فأخرجه منها أبو نمى إدريس فأقاما بها شهر شوال.
وفي شوال جهز السلطان الأمير مبارز الدين الحسين بن علي بن رطاش إلى مكة المشرفة في مائة فارس فلقيه الأشراف على باب مكة فكسرهم وقاتل منهم جماعة ودخل مكة وحج بالناس. وفي شوال أيضاً تجهز الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة إلى الأبواب الشريفة السلطانية هو وأخوه داود بن الإمام وجماعة من بني حمزة وكان السلطان يومئذ في محروسة زبيد. فلما وصلوا خرج السلطان في لقائهم وأكرمهم وانصفهم وكان له من المقابلة والإتحاف ما لم يسمع بمثله وضربت لهم الخيام والمطامح على باب الشبارق من زبيد مدة أفادتهم فاجتمعوا بالسلطان ثلاثة أيام وكانت أقامتهم شهرا وأظل عيد الأضحى وهم بالباب الشريف وقال الأمير شمس الدين يمدح السلطان الملك المظفر رحمهما الله
لعلّ الليالي الماضيات تعودُ ... وتبدو نجوم الدهر وهي سعود
على منزل ما بين نعمان واللوى ... وجرَّت عليه الرامسات برود
وكانت به العين الغواني أوانساً ... فأضحت به العين الوحوش ترود
تجرُّ أنابيب الرماح ومبتنى ... قباب طباءٍ ريقهن برود
فيا دارنا بين العنينة والحمى ... هل الروض روض والزرود زرود
فكيف بمن أضحى ظفار محله ... ومن بات قد حالت عليه زبيد
стр. 92
هوايَ بنجدٍ والمنى بتهامةٍ ... متى نلتقي بالمتهمين نجود
وان فتى دامت مواثيق عهده ... على مثل ما لاقيتهُ لجليد
ولما سرى البرق الشآمي هاج لي ... جوى واشتياقاً ليس فيه مزيد
فهل لجنوب الريح أن تلثم الثرى ... بنشر تحيات لهنَّ صعود
على أربع بين الصعيد وصعدة ... وبين براشٍ لي بهنَّ عهود
مشاعر حج الطالبين فلا الأّذى ... قريب ولا نجح الرجاء بعيد
كرمن فلا يخشى النوائب عندها ... منيب ولا يخشى الهوان طريد
ملاعب أمهار الجياد وملتقى ... مجامع لا يشقى بهنّ وفود
وأبراج أشباه المها في كِناسها ... عليهنّ من نسج العفاف برود
نعمنا أيام لا البغيُ نافث ... بنارٍ ولا بين الرجال حقود
ظلالي فيها للورى غير قالص ... وبري حوض لست عنها أذود
وقومي قوم الروع جن وفي الندى ... بحور وحلماً كالجبال ركود
فنحن نطول الناس عزّاً وتنتهي ... إلى الأفق أيدينا ونحن قعود
إلى أن دعى داعٍ إلى البغي للورى ... وأعلن منهم كاشحُ وحسود
ودلّ علي الحلم قومي وأُسست ... ممالك لم تنظم لهنَّ عقود
وأنكر إحساني الذين خلودهم ... عليهم إذا استشهدتن شهود
فكم مات من قوم فحيوا بحلمنا ... وكم أخلفت سحبُ ونحن نجود
بسطنا على العرب المكارم بسطة ... لنا أبطوتهم والطلول جحود
ولما صبرنا ظنت الناس أننا ... ذللنا وإنا سادرون سمود
فما سنَّ فينا الناس إلا ظلامةً ... كما سنَّ في قتل الحسين يزيد
لقد أنكرتنا الناس كل فضيلةٍ ... كأَنَّا نصارى ملةً ويهود
لما قصدت الملك ذا التاج يوسفاً ... علمت بان الهم ليس يعود
دعوتُ فلباني فتىً لا مزبد ... ملولُ ولا واهي اليدين بليد
стр. 93
ومالي لا أُرخي الركاب إلى ذرى ... به الشهب شهب والصعيد صعيد
وألقيتُ كفي في أنامل لم تخن ... عهوداً ولم تخلف لهنَّ وعود
وما ابن أبي عفص بجون الذي له ... الحميري الملك وهو فريد
مكارم سنتها الملوك ويوسفُ ... لآثار ما سنَّ الملوك يشيد
فسوحك مقصود وكفك قاهر ... وجدّك منصورُ وأنتَ حميد
صبرت على حمل العظائم فانتهت ... إليك العلي أن الصبور سعيد
وفي كل يوم أنت تبدو على العدى ... بخطب وتبدي في الندى وتعيد
سبيل فتى لا الموت يطرق همهُ ... ولا الموت فيما يتقي فيحيد
ويعلم أن الدهر ليس بدائم ... وإن خلود المكرمات مفيد
أنخنا بك الآمال وهي ركائب ... لإرسائها لطف الإله يعود
وقد كنت عرَّبت الرواحل برهة ... وأطرقت حتى لا يقالُ مريد
وداويت لابن العم داءً وجدتهُ ... على الصبر ينمو خطبه ويزيد
فأدنيت من أمواج بحرك غمرة ... أصول بها فيمن بغى فيبيد
وخف بسرجي الترك والعرب فاغتدى ... بعونك ركني اليوم وهو شديد
كذا يستعيد الحرُّ بالحرِّ واثقاً ... بربٍّ لهُ كل الملوكِ عبيد
بمن نصر المظلوم في كلماته ... بنصرٍ لهُ أهل السماءِ جنود
فدم في ظلال الملك ما هبت الصبا ... وما جنَّ في جنح الظلام وعود
ولما عزم الأمير شمس الدين على الرجوع إلى بلاده حمل إليه السلطان من الأموال والخيول والكساوي والطرف مالا يعلمه إلا الله. واقطعه مدينة القحمة وجهز معهُ مائة فرس من المماليك والحلقة فتقدم الأمير شمس الدين إلى الجوف واستباحه. وكانت له وقعات عظيمة وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن
стр. 94
يحيى بن إسحاق بن علي إسحاق العياني ثم السكسكي. وكان فقيهاً فاضلاً تفقه بأخيه أبي بكر بن يحيى بن اسحق المقدم ذكره وأخذ عن الإمام سيف السنة. وكان جداً صالحاً يغلب عليه الاشتغال بكتب الحديث. وكان بوفاته لثلاث بقين من شعبان من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه أبو السعود بن الحسن بن مسلم بن علي بن عمر المفضلي الهمداني. وكان فقيهاً ماهراً تفقه بابن مضمون وأبي عبد الله العمرانيين وأخذ عن علي بن أبي بكر التباعي. وارتحل إلى عدن وأخذها عن القاضي إبراهيم بن أحمد القرنطي. وكان زميله في القراءة حسين العديني وسفين الأبيني وولده أبو بكر والسبتي الشحري وغيرهم. وهو والد الفقيه حسين صاحب الفراوي واحد شيوخ القاضي عبد الله العرشاني. ودرس بعكار بعض المبادئ إلى أن توفي في ذي القعدة من السنة المذكورة وفيها توفي الشيخ الإمام أبو الربيع سليمان بن موسى بن سليمان بن علي بن الجون الأشعري الفقيه الحنفي. وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً بالفقه والنحو واللغة وعلم الأدب. وله صفات حسان منها شرح الخمر طاشية وهو شرح جيد سماه الرياض الأدبية يروى أنه صنفهُ وهو ابن ثماني عشرة سنة. وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. ولما ظهرت السبوت في زبيد وعمل فيها المنكر هاجر إلى الحبشة فأقام بها إلى أن توفي في السنة المذكورة في قرية يقال لها رون بضم الراء الأولى. ولما توفي في التاريخ المذكور كتب الفقيه أبو بكر بن دعاس إلى الفقيه أبي بكر بن حنكاش يعزيه عنه بأبيات يقول فيها
غير أنا نقولُ ما دامَ فينا ... نجل عيسى لم نُرْزفي في نجل موسى
ولعمري يوسى عليه ولكن ... ببقاءِ الإمام ذا الجرح يوسى
وفي سنة ثلاث وخمسين جمع إشراف مكة جمعاً عظيماً وقصدوا الأمير مبارز الدين الحسين بن علي بن رطاس وحاصروه في مكة حصاراً شديداً ودخلوا عليه مكة من رؤوس الجبال وقاتلهم في وسط مكة فكسره وقتلوا جماعة من أصحابه ولزموه فاشترى نفسه منهم وعاد إلى اليمن هو والجد الذين كانوا معهُ.
стр. 95
وفي سنة أربع وخمسين توفي الطواشي تاج الدين بدر بن عبد الله المظفري. وكان ذا همة عالية ونفس أبية وكان خادماً للحرة بنت حوزة إلا أنه كان متظاهراً في أيام السلطان نور الدين بحب الظفر فأمرت به سيدته فحبس في جبس زبيد فلم يزل إلى أن وصل العلم بقتل السلطان نور الدين فلما علم بذلك خرج من السجن قهراً على السجان وصار إلى والدة السلطان الملك المظفر وكريمته. وكانوا عليهم يومئذٍ في زبيد فحرض والدة السلطان وأخته على القيام بحفظ زبيد. واستخدم الرجال وحفظ الأبواب وقبض مفاتيح أبواب المدينة وشاجر الوالي يومئذٍ. وكان الوالي الذي في زبيد اسمه قائماز وشمر تشميراً تاماً. وقاتل المماليك عن منها فلما دخلها الملك المظفر احسن إليه وحمل له طيلخاته واقطعهُ إقطاعات جيدة. وكان شجاعاً فارساً عاملاً رئيساً حسن السيرة له آثار محمودة. ومن مآثره الحسنة المدرسة التي بزبيد المعروفة بالتاجية وهي التي تسمى في وقتنا هذا بمدرسة المبردعين وإنما سميت بذلك لان المبردعين كانوا يعملون البرادع عندها وهي مختصة بالفقه. وله أيضاً المدرسة المعروفة بمدرسة القرّاء بزبيد وقفها على قراّء القرآن السبعة. وفيها مدرسة للحديث النبوي. وفي كل مدرسة من هذه المدارس الثلاث مدرس وطلبة وأمام ومؤَذن في أوقات الصلاة الخمسة وأوقف عليهن وقفاً جيداً يقوم بكفاية الجميع منهم. وله أيضاً دار مضيف لإطعام الطعام فيه شيخ ونقيب وقيم لإطعام الواردين وأمام ومؤَذن للقيام بالصلوات الخمس في أوقاتها. وله وقف أيضاً يقوم بكفاية الجميع وجميع ذلك بزبيد. وله في الجبل مدرسة في قرية الوجيز.
وكانت وفاته في مدينة تعز في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة تحقيقاً وقيل تقريباً. ويقال أنه مات مسموماً والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الرحمن بن علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن
стр. 96
حديث وكانت ولادته سنة تسعين وخمسمائة. وكان فقيهاً نبيهاً عارفاً محققاً قائلاً بالحق عاملاً به.
ويروى أن السلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول وجبت عليه كفارة جماع في شهر رمضان بالنهار. وكان يومئذٍ في الجند فأمر الوالي أن يجمع له الفقهاء من الجند وأعمالها فاستدعاهم الوالي فحضروا وحضر هذا الفقيه من جملتهم فقعد لهم السلطان قعوداً خاصاً وادخلوا عليه جميعاً فلما اطمأن بهم المجلس سئلوا عن المسأَلة فأجابوا بما يجاب عليه سائر الناس. ولم يتكلم الفقيه عبد الرحمن معهم بشيء في ذلك فقيل لهُ لم لا تتحدث كما تتحدث الجماعة فقال اشتهي اعرف صاحب المسأَلة فقيل له هو مولانا السلطان فقال لا يجزيه إلا صوم شهرين وإما الإطعام والإعتاق فلا يجزيه. فنازعه الفقهاءُ الحاضرون في ذلك فقال الغرض بالكفارة حسم مادة معاودة الذنب ولا تنحسم مادة معاودة الذنب في هذا الفعل من مولانا السلطان إلا بذلك فاعجب به السلطان. والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الصالح أحمد بن محمد الشكيل بن سليمان بن أبي السعود الطوسي. وكان مولده سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وفي سنة ولادته توفي صاحب البيان. وكان المذكور فقيهاً عارفاً صالحاً ذا دعوة مستجابة تفقه بأحمد بن مقيل. ثم بالحسن بن راشد من العماقي. ثم بأحمد الصواري ونسخ بيده عدة كتب واشترى كذلك ووقفها على طلبة العلم ببلده من ذريته وغيرهم. وتزوج امرأة من بني ايمن من أهل العماقي وهي أم ولديه مسعود وعبد الله. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة. وقبره مشهور مقصود للزيارة وطلب الحوائج يسمع ليلة الجمعة فيه من يقراُ القرآن في كثير من الأوقات. وكان ولده مسعود بن أحمد من عباد الله الصالحين عارفاً بالفقه ورعاً زاهداً عابداً لم يعرف له صبوة.
ويروى أن جماعة من أترابه تذاكروا النساءَ وهو حاضر معهم فقال أما تستحون من الله عن نظرهن فوا الله ما أكاد أحقق لون أمي. ولم يزل على أحسن
стр. 97
حال. واكمل سيرة إلى أن توفي قبل أبيه يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة اثنين وأربعين وستمائة والله أعلم.
وفي سنة خمس وخمسين وقع قحط عظيم فارتفع سعر الطعام ارتفاعاً كليّاً في صنعاء وصعدة والطاهر ومات كثير من الناس جوعاً. وأقام ستة اشهر فأكل كل الناس الكلاب والسباع.
وفي هذه السنة اجتمع علماء الزيدية وفيهم الشيخ محمد بن أحمد بن الرصاص فعابوا على الإمام أحمد بن الحسين أشياء من سيرته وطعنوا عليه وأنكروا أفعاله إنكاراً عظيماً فأمر بإخافتهم فلحقوا بالمعازب. وقيل خرجوا من جوب على وجه الغضب إلى بلاد صفي الدين فأرسل الإمام إليهم الحسن بن وهاس ليسمع ما عابوا عليه فقال له خواصه لا ترسله إليهم فانهم يستميلونه فخالفهم وإرساله. فلما وصل إليهم ناظروه فاستمالوه وصار واحداً منهم فاجتمعت كلمتهم وصار رأسهم فكاتبهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام يطلب منهم الاتفاق على حرب الإمام فأجابوه إلى ذلك فسرَّ سروراً عظيماً وخرج من صنعاء وطلعوا إليه من المعازب فاجتمعوا بالبون وصارت كلمتهم واحدة واجمعوا على قتاله بعد أن سألوه المناظرة فيما عابوه من سيرته. فكتب الأمير شمس الدين إلى مولانا السلطان يعلمه بميل الشيعة عن الإمام واستمده بمال فأَرسل إليه بمائة ألف درهم مع الشريف علم الدين حمزة بن الحسن فوافاهم بالمال قبل الوقعة بساعة فكانت الكاشات مطروحة بين الخيام حتى كان ما كان.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام البارع عبد الله بن محمد بن قاسم ابن محمد بن أحمد بن حسان الخزرجي الأنصاري وكان فقيهاً صالحاً تفقه بمحمد بن حسين الأصابي وأخذ عنه شرح اللمع لموسى بن أحمد بن يوسف الأصابي كما أخذه عن مصنفه. وأخذ عن الشيخ نطال بن أحمد بن علي السرددي ودرس بذي هريم في
стр. 98
المدرسة التي أحدثها الطواشي نظام الدين مختص. وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن عشر رمضان من السنة المذكورة.
وفيها توفي الصالح أبو عبد الله محمد بن علي بن منصور المعروف بحزب بكسر الحاءِ المهملة وسكون الزاي وآخره باءُ موحدة. وكان فقيهاً صوفيّاً ناسكاً سعيداً صلى الصبح بوضوءِ العشاءِ ثلاثين سنة وتوفي على الطريق المرضي صبح يوم الجمعة الخامس عشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة والله أعلم.
وفي سنة ست وخمسين اجتمع الأشراف والشيعة على قتال الإمام أحمد ابن الحسين وكان اجتماعهم لسواد فخرج الإمام في عسكره ومضى من حصن مدع نحوهم. وكان ظاهر الأمر من الفريقين اللقاء للمناظرة لا للحرب. فحط الإمام في موضع قريب منهم يقال له المنظر فوق سوان فاعترضه طلائع الأشراف دونها ووقع الطراد وتذامرت عليه الأشراف من كل جانب وفشل عسكره ولم يثبتوا وكانوا ثلاثمائة فارس ونحواً من ألفي راجل وكان بنو حمزة يومئذٍ ثمانين فارساً وأربعمائة راجل. فلما رأى الإمام انهزام عسكره عدل إلى موضع قريب منهُ فاستقام فيه وظن الناس يقاتلون عنهُ فهربوا عنه وأسلموه فريداً فعقرب فرسهُ حينئذٍ وتولى قتاله رجالة رأسهُ وجاءوا به إلى الأمير شمس الدين والى ابن الرصاص وسائر فقهاء الشيعة. ثم حمل بعد ذلك إلى ظفار وطيف به الحصون والأسواق ثم إلى أن الأمير علي بن موسى بن عبد الله أمر بتكفينه ودفنه في المشهد فصده عن ذلك أهل المشهد فقبر تحت حصن القاهرة في موضع الكنف والأزبال حتى أمر الأمير شمس الدين بإنزاله إلى سواية وقبره مع جبلة فقبر في موضع يسمى المشرعة من غيل سوايه فأقام في ذلك الموضع ثلاث سنين. ثن نقل إلى دسين فهو هنالك إلى يومنا هذا وقبره معروف يزار ويتبرك به.
стр. 99
قال الجندي واخبر الثقة أن موضع قبره الأول بسواية يوجد عنده رائحة المسك. وكان قتلهُ يوم الأربعاء سلخ شهر صفر من السنة المذكورة ويقال أنه قتل في اليوم الذي قتل فيه الخليفة المستعصم في بغداد. قالهُ الجندي. وكان الخليفة المستعصم قد كتب إلى السلطان الملك المظفر يأمره بأحمد بن الحسين حين بلغه ظهوره وإقبال الناس عليه ووعده على ذلك إقطاع مصر. وكان الإمام أحمد بن الحسين ﵀ امثل أئمة الزيدية المتأخرين علماً وجوداً وكرماً. وللعشم بن هتميل فيه غرر المدائح الحسان موجودة في ديوانه.
ولما قتل الإمام أحمد بن الحسين كما ذكرنا في تاريخه المذكور كتب الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة إلى السلطان الملك المظفر كتاباً يخبره فيه بذلك وأرسل بالكتاب رسولاً على الفور معجلاً وكانت نسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم يحدد الخدمة ويشكر النعمة لله تعالى ثم للمقام السلطاني خلد الله ملكه. وينهى صدورها من المصف بسواية ورأس أحمد بن الحسين بين يديه " شعر "
وأبيض ذي تاج أشاطت رماحنا ... بمعترك بين الفوارس أقتما
هوى بين أيدي الخيل إذ فتكت به ... صدور العاولي تنضح المسك والدما
ولما كان يوم الجمعة ثالث قتل الإمام دعا الشريف أبو محمد الحسن وهاس إلى نفسه الإمامة فبايعه الشيعة والأشراف وبعض عامة الزيدية. وتأخر الباقون. فلما بايعهُ ممن ذكرنا سار إلى صعدة وسار أيضاً الأمير شمس الدين على اثر الوقعة إلى الجوف ثم إلى جهة صعدة في كافة أصحابه واقتسم هو والشريف حسن بن وهاس الحصون والبلاد نصفين.
ولما علم السلطان ببيعة الحسن بن وهاس خرج في عساكره المنصورة إلى الموسعة. ثم أسل الأمير أحمد بن علوان إلى الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام إلى صعدة وقد ظن به الظنون فرجع الأمير أحمد بن علوان بما أرضاه من العلم فرجع إلى تعز المحروس.
стр. 100
وفي هذه السنة جهزَّ السلطان عساكره المنصورة صحبة الأمير مبارز الدين الحسن بن علي بن رطاس إلى مخالف حجة. فاستولى على بعض حصونها.
وفي هذه السنة اشتد القحط والغلاء بعد قتل الإمام أحمد بن الحسين ومات كثير من الناس ولا سيما فقهاء الزيدية والحمزيين. وكان أول من مات منهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة. وكان سيد الجمزيين في زمانه لا يساميه أحد منهم في رئاسته ولا سيادته.
توفي في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وقيل في الثالث عشر من جمادى الأولى. وكانت وفاته بصعدة فتولى رئاسة الحمزيين بعده أخوه الأمير نجم الدين موسى بن الإمام عبد الله بن حمزة فلم يلبث أن هلك بعد أخيه شمس الدين. ثم مات أخوهما الحسن بن الإمام عبد الله بن حمزة ومات طائفة من أولاد وهاس سليمان وعبد الله والمؤيد إبراهيم. فقام برئاسة الحمزيين الأمير صارم الدين داود بن الإمام واتفق هو والإمام الحسن بن وهاس مدة وحالف عليهما محمد سليمان بن موسى بن داود بن علي بن حمزة وسليمان ابن حمزة. فمال إلى خدمة مولانا السلطان. ولما رجع الأمير مبارز الدين ابن رطاس من مخرج حجة إلى أبواب السلطانية جهز السلطان إلى حجة أيضاً الأمير شمس الدين بن علي بن يحيى في جيش كثيف. وكان فيها الأمير أبو الحسن أحمد بن قاسم بن عم الإمام أحمد بن الحسين. فلما وصل الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى مفرق وهو واد بين المحلافة وحجة كتب الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى الأمير أبي الحسن أحمد بن قاسم بيتاً واحداً وهو:
أبا حسن ما جئت مفرق طالباً ... لمفرق لكن غير مفرق اطلب
فأجابه الفقيه نظام الدين قاسم بن أحمد الشاكري على لسان الأمير أبي الحسن أحمد بن قاسم ببيت واحد وهو:
أبا حسن قد يجلب اليوم ما ترى ... وقد ربما احتكتِ بالأفْعَاءِ عقرب
стр. 101
ولم يلبث الأمير شمس الدين علي بن يحيى أن يرجع إلى الأبواب الشريفة السلطانية وتسلم السلطان حصن اسبح في ذي الحجة من السنة المذكورة ثم أمر السلطان بالمحطة على حصن الكميم. فحط عليه الأمير أسد الدين محمد بن سليمان بن موسى والأمير شمس الدين علي بن يحيى في العساكر السلطانية.
وفي سنة تسع وخمسين تسلم السلطان حجة وحصونها وحسن الريعة وتسلم هَدَاد وفيها تسلم حصن الكميم. وكان الأمير أسد الدين محمد بن سليمان بن موسى قد مال إلى خدمة السلطان كما ذكرنا. وبنى في وضع يسمى الروق في بلاد بني ضرار فضاق الأمير محمد بن الحسن بن علي بن رسول منهُ. فأخذه مملوكه الأمير جمال الدين أقوس الألفي فحط على الورق حتى كاد يأخذه ثم طلع مولانا السلطان إلى مخلاف ذمار فأخذ باش قهراً بالسبق فأخربهُ واستأسر ولد الأمير أسد الدين في جماعة كثيرة. ثم أخذ أروق وأخربهُ أيضاً. ولما خالف الأمير أسد الدين محمد بن سليمان بن موسى على الإمام الحسن بن وهاس استولى على الحوف. فسار إليه الأمير صارم الدين داود بن الإمام في عسكره والأمير علم الديم علي بن وهاس في عسكر أخيه. وكان محمد بن سليمان في سوق دعام. فلما وصله العسكر قاتلهم فكسروه ودخلوا عليه الدرب قهراً فالتجأَ إلى دار فيه فدخلها فدخل عليه السحن بن محمد الحجافي فقتلهُ وثؤر بأبيه محمد بن حجاف. وكان سليمان ابن موسى قد اسر محمد بن حجاف في جماعة من أصحابه ثم ضرب أعناقهم صبراً. فظفر ابنه في هذا اليوم بمحمد بن سليمان فقتله بأبيه. وكانت جملة القتلى في هذه الوقعة نحواً من مائة رجل. ولم يبث الأمير صارم الدين داود بن الأمام. والإمام الحسن بن وهاس أن اقترفا وصار بينهما تباعد اشد التباعد.
وفي هذه السنة وقعت الزلزلة في صنعاء يوم الرابع من ذي الحجة ولم تخرب شيئاً. ثم وقعت زلزلة أخرى بالمغرب أخرجت جبالاً وهدمت مواضع كثيرة.
стр. 102
وكانت في الثاني والعشرين من ذي الحجة أيضاً.
وفي هذه السنة تولى السلطان أمر الحرم الشريف وعمارته. وأقام منارة وخدمة وجوامك خدامة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن الحسين الأصابي وكان فقيهاً أصوليّاً نحويّاً لغويّاً كامل الفضل عارفاً بالحديث والتفسير. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وتفقه بمحمد بن جديل من أهل سهعنة ويحيى بن فضل وغيرهما. ولما ابتنى السلطان الملك مدرسته التي في معزية تعز رتب فيها مدرساً فهو أول مدرس ترتب فيها. ثم لم يقف بها غير اشهرٍ قلائل وتوجع فرجع إلى السحول. وكان يسكن قرية يقال لها المعيرير بعين مهملة ورائين مهملتين بينهما ياءُ ساكنة على وزن مفيعيل وهو ناحية من نواحي المخادر. وتوفي بها في السنة المذكورة وحمل على أعناق الرجال إلى المحفد ودفن قبلي المدرسة. وقبره اشهر من أن يزار. ويجد الزائر عند قبره رائحة المسك خصوصاً ليلة الجمعة.
قال الجندي وهو أول من سن الأذان لمن يسد اللحد على الميت وقد اعتمد ذلك كثير من الناس. قال وسألت شيخنا أبا الحسن الصبحي عن معناهُ فقال هو معناهُ عن الفقيه أبي الحسن علي بن الحسن الأصابي وكان فقيهاً عالماً ولعله أخذ من الأذان في إذن المولود ويقول أول خروجه من الدنيا وهذا أول خروجه إلى الآخرة. وتفقه به خلق كثير منهم عمر السهوي وأبو بكر بن عبادي وغيرهما وله مصنفات في الأصول منها كتاب ضمنه الرد على الزيدية وكتاب ضمنه الرد على من يكفر بأول الصلاة.
قال الجندي ﵀ قرأته على محمد بن أبي الرجا بروايته عن مصنفه المذكور. ويروى عنه أنه قال حججت سنة فبلغني أن الشيخ أبا الغيث قد تكلم بتفسير القرآن على المشكل منه فانتخبت من وسيط الواحدي عشرة مسائل واستثبت حقائقها. فلما رجعت من الحج مررت ببيت عطا فدخلت على الشيخ فوجدت
стр. 103
الناس يتغدون والشيخ قاعد على سرير في طرف الرباط فامرني النقيب بالقعود والغداء ففعلت. ثم لما فرغ الناس وتفرقوا قلت أريد أن اسأَل الشيخ ففتشت أول مسأَلة فلم أجد ثم الثانية ثم الثالثة حتى أتيت على العشرة فكأَني لم أُحط بشيءٍ منها علماً والشيخ مطرق فحين لم أجد شيئاً رفع الشيخ رأْسه إليَّ ثم قال ليتأَدب بعض الناس. فغلب على ظني أنه عناني فقمت إليه فقبلت كفه واستأْذنته في السفر فأذن لي فسافرت.
وفي سنة ثمان وخمسين طلع السلطان بن علي بن رسول في ذمرمر المذكورة. وكان الأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول في ذمرمر فطلب من مولانا السلطان أن يجهزه إلى حضرموت فساعده إلى ذلك وزوَّده فخرج إلى الخوف فلقيه حصن بن محمد بن حجاف وعبد الله بن منصور بم ضيغم فطلبوا منه النصرة على آل راشد بن منيف فأجابهم فكانوا خلف مولانا السلطان فوقعت الحرب بينهم فقتل طوق بن حمدان في جماعة من آل راشد. فلما اتصل العلم بمولانا السلطان ضاق صدره على الأمير أسد الدين وتعذر على الأمير أسد الدين المسير إلى حضرموت فتوجه نحو ظفار الأَشراف فأقام فيه أياماً ثم خرج الأمير صارم الدين داود بن الإمام في عساكره والأمير أسد الدين محمد لن الحسن فيمن بقي من مماليكه وقد كان لحق أكبرهم بالسلطان وتأَهبوا لحرب الإمام الحسن بن وهاس فالتقوا بعصافر فانهزم أصحاب الإمام وثبت هو ثباتاً حسناً وقاتل قتالاً شديداً. وكان فارساً شجاعاً من الشجعان المشهورين فانهزم عنهُ أصحابه ولم ينهزم. وكان لا ينهزم أبداً وكذلك أسر ثلاث مرات هذه المرة الثالثة وفي كلها يأسره الأمير أسد الدين محمد بن الحسن وهذا من عجائب الاتفاق.
فلما أُسر الإمام كما ذكرنا سجنه الأمير صارم الدين داود بن الإمام فأقام عنده في الأسر عشر سنين. ثم أخرجه بعد عشر على ما سنذكره أن شاء الله وأقام السلطان في صنعاء ونواحيها إلى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. ثم بعده إلى اليمن وترك
стр. 104
الأمير شمس الدين علي بن يحيى في صنعاء مقطعاً بها وبأعمالها فلم يقم إلا قليلاً حتى وصل الأمير أسد الدين محمد بن الحسن فحط في المدورة فوق الحمراء وكان يغير إلى صنعاءَ فأغِارت خية عشية إلى صنعاءَ فخرج العسكر لقتالهم فقتل مملوكه الأمير جمال الدين أفوس الألفي أُصيب بسهم. وكان الذي رماه الأشقر أحد مماليك أسد الدين أيضاً ولكنه قد صار من جملة العسكر السلطاني. وكان الألفي أحد الشجعان المشهورين بالشجاعة والكرم.
ولما علم السلطان بما كان من أسد الدين جهز الأمير علم الدين سنجر الشعبي معبراً إلى صنعاءَ فارتحل أسد الدين من محطته ولحق ببلاد الأشراف ولم تقم له راية بعد لذلك. وأعاد الأمير علم الدين المحاط على براش ولقي الأمير أسد الدين يتردد من ظفار إلى طفر ثم لحقته مضرة شديدة حتى أنه باع ثيابه ثم كتب إلى السلطان كتاباً يقوله فيه:
فان كنت مأْكولاً فكن أنت آكلي ... وإلاَّ فأدركني ولما أمزّق
فأمر السلطان علي بن يحيى والأمير عبد الله بن العباس إلى الأمير أسد الدين فما زالا بهِ حتى نزل معهما إلى السلطان وإنما أرسل إليه السلطان الأمير شمس الدين علي بن يحيى لما يعلم بينهما من المحبة والصداقة فلما وصل الأمير شمس الدين إلى الأمير أسد الدين بكى عنده وتأّلم من القبض على أبيه وأخيه فقال له لعلك في القرب انفع لهم من البعد. ولعلنا ننتظر فرصة من الدهر فنكون كذا وكذا فنقل ذلك إلى السلطان. وكان السلطان يومئذ في محروسة زبيد. فلما وصلوا زبيد أمر السلطان بالقبض عليه وعلى علي بن يحيى فقيدهما وأرسلهما إلى حصن تعز فقال في ذلك القاضي سراج الدين أبو بكر بن دعاس.
ما دان في فلك الأيام ذا أبداً ... كلاّ ولا دار للأقوام في خلد
أن الكسوف جميعاً والخسوف معاً ... في ساعة في نزول الشمس في الأسد
стр. 105
فلما دخل الأمير أسد الدين على أبيه وعمه وأخيه وابن عمه وابن أخته محمد بن حصر جعلوا يعاتبونه ويخاصمونه فقال لهم يا قوم لا نكون مثل أهل جهنم كلما دخلت أمي لعنت أختها. فلم يزالوا في اسجن حتى توفوا إلى رحمة الله تعالى. ولما قبض الأمير شمس الدين علي بن يحيى كما ذكرنا. وكان مقطعاً في صنعاء طلع الطواشي نظام الدين مختص عقيب ذلك فأقام في صنعاءَ ورجعت المحاط على مدة وتراش وطفر.
ثم طلع بعد ذلك فيروز فأقام أياماً قلائل. ثم طلع الأمير هبة بن الفضل مستخلصاً للأموال فاستخلصها على أثم ما يكون. ثم تسلم الحصن حصن حيرة في شهر رجب. وكان بناه بنو وهاس فاخرب بعد التسليم ثن تسلم حصن مدة في ذي الحجة من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو الخطاب عمر بن مسعود ابن محمد بن سالم الحميري نسباً إلا يبني بلداً. وكان فقيهاً صالحاً متورعاً متعففاً ملازماً للسنة تفقه بمحمد بن إسماعيل الحضرمي وعلي بن قاسم الحكمي وبطال بن أحمد الركبي وعلي بن عمر الحضرمي وإبراهيم بن علي بن عجيل وغيرهم. وعرف بصحبته الحضر كثيراً. وكان مدرساً بذي هريم بالمدرسة النظامية وتفقه به جمع كثير. ويقال أنه خرج من أصحابه أربعون مدرساً منهم محمد بن سالم اليابه وإبراهيم بن عيسى الجندي ومحمد بن محمود السفالي وسعد بن انعم بن مصنعة وغيرهم. ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي رحمة الله عليه في الثامن من شوال من السنة المذكورة وقبر في مقبرة صينية في ناحية من نواحي مدينة تعز ولما توفي في التاريخ المذكور خلفه تلميذه سعيد بن منصور بن محمد بن أحمد الجيشي بجيم وياء مثناة من تحتها ساكنة ثم شين معجمة. وكان واده يلقب بأنعم واصل بلده مصنعة سير. وكان فقيهاً محققاً درس بعد شيخه في المدرسة المذكورة إلى أن توفي سنة أربع وسبعين وستمائة وقبر إلى جنب قبر شيخه ثم خلفه ابن شيخه عبد الله بن الفقيه عمر بن مسعود فلم تطل
стр. 106
مدته فتوفي في سنة خمس وسبعين والله أعلم.
وفي سنة تسع وخمسين تسلم السلطان ﵀ حصن عصدان في المحرم من السنة المذكورة. ثم تسلم حصن براش في رجب من الشريف أحمد بن محمد العلوي وعوضه عنه المصنعة وعزان من بلاد حمير ومالا أعطاه إياه. وفي شهر رمضان من السنة المذكورة طلع الأمير علم الدين سنجر الشعبي إلى صنعاء مقطعاَ لها ولأَعمالها وقد تأَهب الركاب العالي إلى مكة المشرفة لأداءِ فريضة الحج فخرج في حصن تعز في شوال من أسنة المذكورة. وكان له من الصدقات أتى مكة في البحر والبر ما لا يعمله إلا الله وكان ﵀ يسير في البر والمراكب تسايره في أبحر بالعلوفات والأطعمة فلما قارب مكة حرسها اله تعالى خرج الشريفان عنها إدريس ابن قتادة وأبو نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة خوفاً منهُ ثم دخل مكة في عساكره وجنوده داعياً ملبياً خاشعاً متضرعاً عاري الرأس والجسد حتى قضى حق الطواف. ثم تقدمت العساكر والجنود فحطت في الحجون ولم تزل إلى أن قضى ما يجب عليه من الوقوف بعرفة فوقف في ناحية الصخرات وطلعت أعلامه الشريفة وأعلام صاحب مصر فقال له الأمير عز الدين محمد بن أحمد بن الإمام هلا اطلعت أعلامك يا مولانا السلطان قبل إعلام المصريين فقال له أتراني أؤَخر أعلام ملك كسر التتر بالأَمس أقدم أعلامي لأَجل حضوري ثم مضى في حجه حتى أتمهُ ثم قصد البيت الشريف وحلَّ لهُ ما حرّم عليه. ولم يزل مدة إقامته بمكة يصلي المغرب على قبة زمزم ثم يطوف وارداً وصادراً وخدم البيت الشريف وأخذ المكسحة وتأبط القربة وغسلهُ ثم ضخمهُ بالغوالي الفاخرة
مقام يحق لذي الكبريا ... ءِ أن يبدلهُ بالخضوع
رأينا به الملك رب الفخار ... أبا عمر ذا النوال الهموع
стр. 107
خشوعاً مروعاً لتقوى الإِله ... وما كان من قبله بالمروع
ثم أقام في مكة عشرة أيام بعد الحج يفرّق الصدقات المبرورة حتى وصلت صدقاته إلى كل منزل بمكة وعمت جميع الحجاج على اختلاف أنواعهم وجهز حاج مصر بالأنعام العام والأزواد والمراكب وكسى البيت المعظم وأنعم على رؤَساءِ الحرم بالتشريفات ونثر على البيت الذهب والفضة.
ولما أزمع الرحيل تقدمت الاستاق المباركة إلى البير المعروفة بالبيضاء ثم ودع البيت باكياً مستعبراً وعاد سعيداً مقبولاً ولم يزل يوالي البر وينشر العرف في كل محطة حتى وصل بلاده.
وفي هذه السنة توفي الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مصباح بن عبد الرحيم الأحولي العنسي. وكان مولده سنة سبع وخمسمائة أخذ عن إسماعيل بن سيف السنة وعن محمد بن مضمون وأبي حديد وغيرهم. ثم لما سمع بمعمر ارتحل إليه فوجده قد توفي قبل قدومه بقليل. فدخل بلد يزد فاخذ عن الفقيه محمد بن إبراهيم اليزدي ثم عاد إلى جبلة فأقام بها ببيع العطر وهو يشتغل بقراءَة الكتب. فلما ابتنى الدار النجمي المسجد الذي تنسب إليهم في جبلة جعلوه مدروساً فيه حتى توفي. وعند أخذ جمع كبير وقُصد من الأماكن البعيدة لعلو سنده وغرر روايته. وكان رجلاً صالحاً لما أهل له من التدريس. وممن أخذ عنهُ الفقه عمر بن سعد العقيني. ولم تزل ذريته يتوارثون تدريس المسجد بعده لا يعسر ذلك عليهم وكانت وفاته لأربع بقين من ذي القعدة من السنة المذكورة.
وأما معمر المذكور الذي كان في الهند وقصد الفقيه زيارته كما ذكرنا فكان أسمه براءٍ مفتوحة وتاءٍ مثناة من فوقها وآخره نون على وزن وثن مفتوح أوله وثانيه. قيل أنه توفي سنة إحدى عشرة وستمائة في جزيرة بالهند تسمى فروزاً اخبرني من أثق به أنه وجد هكذا مكتوباً بخط الفقيه الإمام القطب أحمد بن موسى بن
стр. 108
عجيل. قال حكى لي من حضر موته في التاريخ المذكور قلت وأما الحفاظ فلا يثبتونه
وقال الحافظ الذهبي لا حقيقة لهُ في الوجود. وإن صح وجوده فإنه شيطان يبدو للناس ليفتنهم. لان مثل هذا لتواتر الدواعي إلى نقلهِ ولتواتر الأخبار عنهُ. هذا لفظه بعينه ذكره في كتابه المغني والله أعلم وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن الحواري. وكان مولاده في مدينة زبيد وبها تفقه ثم صار إلى عدن وصحب الفقيه إبراهيم السرددي وآخاه ثم لما توفي أنزله قبره بعد أن اضطجع فيه قبله وكأنه فعل ذلك تأَسيساً بما فعله النبي ﷺ بام علي بن أبي طالب حين أراد دفنها. وهو ممن أخذ عن الصنعاني وكانت وفاته في السنة المذكورة. وقيل في سنة ثمان وخمسين والله أعلم.
وفي سنة ستين وستمائة رجع السلطان من حجته المبرورة فدخل مدينة زبيد في أحسن زي واكمل آلة ذلك في شهر صفر من السنة المذكورة. وكان الشريف يحيى بن محمد السراجي قد دعا إلى نفسه في ناحية حصور وما والاها في آخر سنة تسع وخمسين وستمائة فأجابه اجزل أهل تلك الناحية. فخرج إليه الأمير علم الدين سنجر الشعبي مواثباً له فانهزم العسكر إلى المغرب وعاد الأمير إلى صنعاءَ فسار الشريف يحيى إلى بلد بني فاهم فامسكوه وسلموه إلى الأمير علم الدين فكحله في ذي الحجة من السنة المذكورة سنة ستين وستمائة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه علي بن عمر بن مسعود وكان فقيهاً جيداً صالحاً ولي قضاء صنعاءَ برهة من الزمن وكان الفقيه عمر بن سعيد أخاه لأمه فاستعفى السلطان نور الدين فأّعفاه وحج في آخر عمره. فلما رجع من الحج إلى مدينة زبيد. توفي بها في صفر من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه الصالح
стр. 109
سعيد بن الفقيه منصور بن علي بن عبد الله بن إسماعيل ابن أبي الخير بن مسكين. وكان في نهاية من الزهد والورع والعبادة مع الاشتغال بالقراءَة.
قال الجندي أخبرني الفقيه الخبير بأحوال الناس من أهل جيله خاصة قال كان هذا سعيد بن منصور مصاحباً لابن مصباح واتفقا على أن من كان لهُ في شيءٍ من الكتب سماع أسمهُ صاحبه وانتزم ذلك بينهما. وكان بين ألفيه سعيد وبين الفقيه عمر بن سعيد صحبة ومؤَاخاة ومعاقدة أن من مات منهما قبل صاحبه حضرهُ الآخر وتولى غسلهُ والصلاة عليه. فلما مات الفقيه سعيد في بلده دلال. وكان قد أوصى أن يرسل إلى الفقيه رسولاً يعلمهُ بموته عند أن يموت. فلما توفي بادر الوصي أرسل رسولاً إلى الفقيه عمر بن سعيد يعلمهُ بموته. فلما بلغ الرسول الطريق لقي الفقيه عمر بن سعيد مقبلاً. فلما واجه الرسول قال له مات الفقيه قال نعم.
ومن كراماته ما يروى أن زريعاً الحداد. وكان زريع من الصالحين المتورعين دخل على الفقيه سعيد بن منصور يوماً عقيب عي عرفه فقال يا سيدي رأّيت ما أَحلى الحج هذه السنة فنظره القيه نظرة بزورار ففهم زريع كراهة الفقيه لذلك فسكت مستحيياً ثم جعل الفقيه يغالط الحاضرين بكلام آخر ففهم الحاضرون المعنى فوقف حتى انصرف الحاضرون جميعاً عن مجل الفقيه. ثم قال يا سيدي سبحان الله نحن نحبكم وصحبنا كم ويحصل لكم هذا النصيب الوافر ولا تشركوننا فيه ولا في بعضه. فأراد الفقيه مدافعته بالكلام وإنكار ما أراد فلم يقبل من الفقيه ذلك الكلام وكان يأْنس بالفقيه كثيراً ثم قال لهُ سأَلتك بالله يا سيدي إلا ما أخبرتني كيف تفعلون هل هو طيران أم خطو أم ما ذلك. فقال الفقيه هو شيءُ لا يستطيع تكييفه وإنما هو قدرة من قدرة الله تعالى يختص برحمته من يشاءُ من عباده وبالله التوفيق.
وفي هذه السنة توفي الشيخ الرئيس الماجد علوان بن عبد الله بن سعيد الجحدري ثم المذحجي المعروف بالكردي لقباً وكان قيلاً من أقيال اليمن وأوحد أعيان مشايخ الزمن. وكان كريماً شجاعاً مقداماً مطعاماً مطعاناً عفيف الأزرار مجتهداً
стр. 110
فيطلب الأجر والثناء وملك ناحية عظيمة من شرق اليمن وهي حجر ونواحيها وتغلب على حصون كثيرة منها العروسين ووعل والبورة ونعمان شرقي الجند وحارب ملوك الغز ولم يظفروا منه بطائل. وكان السلطان نور الدين في مدته قد حط عليه عدة محاط بالمقطعين من أُمرائه وطلخاناتهم إذا جاءَ وقت ما يضربون النوبة ترتج الأرض وترتعب النفوس فيقول علوان لقومه يا مدجح لا تفزعوا فإنما هي جلود بقز وله قصيدة في التأليب على حرب السلطان نور الدين يقول فيها:
من تاب عن حرب نور الدين من جزع ... فإنني عنهُ ما عمرتُ لم أَتبِ
وكاتب السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية وسأَل منه الإعانة في حرب نور الدين فأعانه بأموال جمة. ولم يزل السلطان نور الدين يتطلف به ويبذل فيه الرغائب حتى أُتي به إليه أسيراً فحسبه في حصن جب فلما صار في السجن أكثر التضرع إلى الله تعالى والدعاء بالخلاص فيقال أنه رأَى في النوم قائلاً يقول لهُ ادع الله بهذه الكلمات: اللهم إني أسأَلك بما ألهمت به عيسى من معرفتك وما علمته من أسمائك التي صعد بها إلى سماواتك وبما علمتهُ من ربوبيتك ووحدانيتك إلا فككت أسري برحمتك وكرَّر ذلك حتى حفظه فلم يزل يدعو بهذا الدعاء أياماً حتى أطلقهُ الله وأعاد إليه حصونه.
ومن محاسن أفعاله أنه كان متى بلغه أن يتميمه قد بلغت الزواج ولم تتزوج ولم يُرغب خطبها هو واحضر لها مالاً له قدر فإذا خلا بها طلقها وربما يطلقها قبل أن يخلو بها فتُرغب من بعده إما للمال أو شحاً على زوجاته لها بعده وكان هذا دأْبه. ولما توفي السلطان نور الدين في تاريخه المذكور وطلع ولده السلطان الملك المظفر من تهامة استعان به على أحد تعز فأَقبل إليه بنحو من عشرين ألف رجل من مذحج. وكان شاعراً فصيحاً حسن الشعر ومن شعره قوله:
والله لا استوطنت أرضاً تربها ... مسك إذا حظي بها مقسومُ
следующие страницы →