← Тараджим

Тараджим · id 9235

الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة

ابن سعيد المغربي

Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة

стр. 2

في تراجم الذين تحققت سنو وفاتهم تراجم سنة إحدى وستمائة ثمان

стр. 3

الترجمة الأولى [شميم الحلي] الأديب الشاعر المتصوف شميم الحلي علي] بن الحسن [ابن عنتر، من مدينة الحلة من مدن الفرات العراقية. شاعر مشهور بالمشرق، مذكور في الكتب وعلى الألسن. وقفت على ترجمته في تاريخ بغداد لابن الساعي، وتاريخ حلب لابن العديم، وكتاب الأدباء لياقوت الحموي. وتلقيت جملاً من أخباره

стр. 4

وأشعاره من أدباء العراق والجزيرة والشام. فلخصت من جميع ذلك ما يليق بهذا المكان: جملة أمر هذا الرجل أن ذكره فوق شعره، فعلى كثرته لم أقف له على ما فيه إغراب ولإبداع. ومن جملة ذلك كتاب الحماسة التي جمعها من شعره، لحظتها فلفظتها إذ وجدتها مفسولة غير معسولة. وأقرب ما وقفت عليه من شعره، لما يليق بالمنزع المختار لهذا الكتاب، قوله: ألا هاتها حيث الجداول أصبحت ... تصول على أرجائها بصلال لدى نرجسٍ يسبى العيون بمثلها ... كأقراط تبرٍ كللت بلآل فهو وإن لم يأت بما يظهر عليه غوص الفكر فإنه ما قصر في سبك اللفظ وتقريب المعنى وزيادة التلفيق. وأشهر ما تقدمه في تشبيه النرجس بالأقراط قول ابن عبد ربه القرطبي صاحب العقد: على ياسمين كاللجين ونرجس ... كأقراط تبر في قضيب زبرجد نظر إليه والى قول أبي الطيب السلامي:

стр. 5

انظر إلى غصن لوته الصبا ... وقد غدا من زهره في حلى كأنه جيد على قامة ... من عقده بالدر قد كللا ولفق منهما ما استحق به اسم شاعر. وتذاكرت في شأن هذا الرجل مع بعض أهل بلده، فلم يعجبه ما وصفته به من عدم غوص الفكرة والنهوض إلى الطبقة العالية ذات الإعراب والإبداع. فجاءني بعد أيام وقال: ما تقول أيضاً فيمن يصدر عنه مثل هذا: أقول لآمرةٍ بالخضاب ... تحاول رد الشباب النضير أليس المشيب نذير الإله ... ومن ذا يسود وجه النذير فقلت: لعمري لقد أغرب لو لم يكن اهتذم ذلك من قول أبي أحمد النهرجوري: وقائلةٍ تخضب فالغواني ... قعود عن مصاحبة الكهول فقلت لها المشيب رسول ربي ... ولست مسوِّداً وجه الرسول

стр. 6

فقال: أمثل هذا الرجل تقصر به، وهو إمام في العلماء والزهاد! فقلت له: الآن أرحت واسترحت، إن كنت منصفاً لم أقصر به من جهة علمه ولا زهده بل من جهة الشعر، لكونكم أوجبتم له من الشهرة والتقديم فيه مالا يقوم عليه برهان. فنفض ثيابه، وقام يجر أهدابه. وقد ذكر ياقوت الحموي أنه اجتمع بشميم فرآه كثير الدعاوى، خارجاً عن نمط الإنصاف والاعتراف. قال: أنشدني مرة قوله في الخمر: خفقت لنا شمسان من ... لآلائها في الخافقين في ليلة بدأ السرو ... ر بها يطالبنا بدين ومضى طليق الراح من ... قد كان مغلول اليدين قال: فقلت: أحسنت! فغضب وقال ويحك! ما عندك غير الاستحسان؟ فقلت: فما أصنع؟ قال: تصنع هكذا، ثم قام يرقص ويصفق. وجلس وهو يقول: ما أصنع! وقد بليت ببقر لا يفرقون بين الدر والبعر، والياقوت والحجر! قال: وكان قد جال البلاد واستقر بالموصل، فمات بها في ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة.

стр. 7

ومما ذكره المؤرخون من أمره أنه كان من أعلام فقهاء الشيعة بالحلة، وأهل الفُتيا والإقراء عندهم. ثم ترقى إلى الزهد بزعمه وإطراح الدنيا. وصار يكثر الخلوة ويصل الصوم، إلى أن كان يزعم أنه يبلغ شهراً لا يأكل ولا يشرب، في يوم ولانهار منه. وكثير من أمثاله عاينتهم ببلاد المشرق يبلغون في الخلوة هذا المقدار وأكثر، ويجعل عليهم أمناء وحراس من قبل الملوك والكبراء لتتبين حقائقهم، فيشار إليهم بعد ذلك بالأنامل، وتلتفت عليهم هالات المحافل. ومن تاريخ ابن العديم: أن شميماً بلغ في الخلوة إلى أن كان يصل الصوم، ثم يأكل الطين فينزل برجيع ما فيه رائحة، ويشمه من يدخل عليه ليعلم مقدار مبلغه من الرياضة، فلذلك لقب بشميم. وحكى لي أحد فضلاء ماردين أنه ورد عليها ونزل حيث لا يخفى مكانه، لما كان عليه من التهويل واستعمال المخارق. فأرسل إليه ملكها ابن أرتق في أن يحضر عنده. فقال للرسول: كيف أسير

стр. 8

إليه وأنا الذي أقول: أنا الذي لو درى زماني ... قدري ما كان غير عبدي لم يزل واقفاً ببابي ... ولم يصرف خلاف قصدي فعاد الرسول بالجواب. فضحك الملك وقال: هذا رجل مجنون أو مستخف، وعلى الأمرين ينبغي لنا إن نرى ما عنده. ثم ركب إليه واجتمع به وانصرف، وقال للرسول: قل له: كان فلان قد نظر لك في ضيافة زاد قبل أن يشاهد ما عندك، فلما شاهده علم أن قدرك يحل عن كل ما عنده. فلما عاد إليه الرسول بذلك، التفت إلى أحد أصحابه وقال: أي ولد زنى! وسمع ذلك الرسول فرجع وهو يضحك. فقال له الملك: ما كان جوابه؟ قال: سكت. قال سبحان الله! أمن السكوت يكون ضحك؟ فأخبره. فضحك حتى فحص برجليه وقال: الرجل ممخرق، وقد علم أن مخرقته لم تجز علينا فجعل هذا فصل ما بيننا وبينه. وأخبرني ابن الصفار الدينوري ... أن شميماً اجتاز بمدينة دنيسر

стр. 9

فصادف أن كان بها صاحب ماردين، فبلغه نزوله في بستان هنالك، فركب كأنه يتفقد البستان، وغرضه الاجتماع به. فقيل له: إن السلطان قد دخل البستان. فقال: ومن منعه؟ ولم يقم له ولا لقيه. فصعب على صاحب ماردين ذلك، وأظهر أنه جاء للفرجة، وانصرف ولم يجتمع به. وجاءه من عتبه في ذلك. فقال: كنت في مناجاة سلطان أعظم منه. فقال صاحب ماردين: رحم عياله! ولو كان الجنيد. ودس إليه من يؤذيه حتى خرج عن بلده.

стр. 10

الترجمة الثانية [العبدوسي] الشاعر البارع المحسن العبدوسي محمد بن عبدوس الواسطي، من مدينة واسط. أطلعته واسطة من عقد شعرائها، فترقى إلى مخالطة كبرائها وأمرائها، ثم جال حتى انتهى إلى الديار المصرية، ومدح بها العادل وأرباب دولته، ومدح الظاهر صاحب حلب بما اجتمع منه سفر. ذكر ذلك صاحب تاريخها ولم يعجبني من جميع ما أورد من شعره غير قوله في الملك المذكور: أشتاقه شوق مصدود وكم حملت ... أم الأماني برؤياه فلم تلد وطبقته أعلى من هذا بأضعاف. ذاكرت أحد علماء بلدي في شأنه، فنوه باسمه وأنشدني له ما اخترته لكتاب "كنوز الأدب" وهو قوله الذي أبدع فيه وأغرب:

стр. 11

أهلاً وسهلاً بالعذار الذي ... أصبحت في شغل به شاغل خطان صيغت منهما في الهوى ... "لا" وهي حرف النهى للعاذل يا سائلي عن أمرها نكتة ... أضحى بها كالقمر الكامل كأنها ذاك السواد الذي ... تبصره في البدر يا سائلي فجر الصبا في وجنتيه غدا ... يموج مثل البحر الجائل أما تراه إذ طفا ماؤه ... قد قذف العنبر في الساحل وقد ازدحم على مشرع هذه الأبيات جملة من شعراء عصره، فما بلغوا فيه إلا دون قدره. وقوله، وهو غير خارج من "كنوز الأدب": وبديع أطلع الآ ... س بروض الجلنار رمت منه لثمة إذ ... عيل في الحب اصطباري قال لي لا تدن أنفا ... سك من نبت العذار إنني أخشى عليه ... منك من لفح الأوار قلت دعني من رقاعا ... تك واسمع لاعتذاري هو كالعنبر يذكو ... طيبه من غير نار فانثنى يبسم عن جمر ... شبيه بالدراري فرتعنا في رياض ... وكرعنا في عقار أي خمر أنا منها ... طول عمري في خمار

стр. 12

وهو من الشعراء الذين حفظ ما قالوه في الجارية التي صنعت في أحد خديها بالغالية حية وفي الآخر عقرباً، فأمر الملك العزيز صاحب مصر أن يقال فيها. وكان قول العبدوسي: يا معشر الناس ألا فأعجبوا ... من قمرٍ حل به العقرب وحية ميتة أرسلت ... في جنة تلدغ من يقرب يا مظهراً آية موسى لنا ... إليك من دون الهوى المهرب وكانت وفاته بمصر سنة إحدى وستمائة، بعدما أكثر من هجائها وذم أهلها. ومن أعف ذلك وأبدعه قوله: يأهل مصر مدحتم ... مصراً بلا برهان وقلتم هي عينٌ ... نعم بلا إنسان أرض عدمنا لديها ... عوارف الإحسان وكل بر تراه ... فإنه في اللسان يوم ارتحالي عنها ... جعلته مهرجان وكان قد اتصل بالوزير ابن مجاور، فلما بلغ الغاية من الاستيلاء على دولة العزيز، لما استبد بالديار المصرية، قصر به، فأنشده:

стр. 13

عجبت لبحر جاد لي عند جزره ... ولم أر جوداً منه إذ جاءه المد لعل له عذراً على كل حالة ... هو الملك الأعلى يداً وأنا العبد? فقال: ما ثم عذر، لكن هذا شان الدهر، وعلى هذه الحال مرت الليالي والأيام، ولقد أحسنت إلي إذ ذكرتني بفضيلة. ثم أحسن إليه وسعى له فيما أقر عينه عند صاحبه. ومدحه بقصيدة منها: يا سائلي عما رأى من كساً ... ونعمة يقصر عنها الكلام قد كنت ذا جدب ولكنني ... أفلحت فاستمطرت صوب الغمام قام بأمري سيد ماجد ... ذكره عتبي رعى الذمام مبارك الطلعة ميمونها ... يبدأ من يخدمه بالسلام قد جرب الدهر وأحواله ... وأختار أخلاق جميع الكرام ومن محاسن شعره قوله: لله ذو أدبٍ حلو شمائله ... لقياه أطيب لي من جملة النعم أمس يحدثني والكأس في يده ... فبت أشرب راح الكرم والكرم وأنشدت له بالعراق هذه الأبيات، وهي مما يرتاح إليه في السماع، ويهتز لما اشتملت عليه كل كريم الطباع: ليلى بلا سحرٍ من ساحر الحوار ... أشتاقه وهو مشتاق إلى السحر ولو أتى زائر ما كان يمنعني ... لقرب ما بين حال الورد والصدر

стр. 14

فالليل عندي سواء إن دنا وقلا ... أشكو من الطول ما أشكو من القصر يا خاليا حاليا بالحسن ها كبدي ... أمست بالا جلد قوسا بلا وتر الظبي أنت وقد حوشيت من خنسٍ ... والبدر أنت موقى كلفه الغير والخمر أنت ولكن سكرها أبداً ... والغصن أنت ولكن دائم الزهر لا جفف الله عيني من هواك ولا ... متعت من غير ذاك الوجه بالبصر ورأيت جماعة من أدباء العراق يتطاولون بإنشاد هذه الأبيات ويفتخرون بها، وهي لعمري أهل لذلك، إلا أن بيته الذي هو واسطة القلادة مسروق من قول اللص الإشبيلي: فالليل إن هجرت كالليل إن وصلت ... أشكو من الطول ما أشكو من القصر

стр. 15

وهذا كما قال الملك الأشرف لبعض الشعراء وقد مدحه بقصيدة فيها أبيات سلخ ألفاظها ومعانيها من شعر غيره: أما تستحي أن تنشدي لنفسك ما أحفظه لغيرك؟ فقال: قد يقع الحافر على الحافر. فقال: نعم، ولكن للميدان كله لا. فضحك جميع من حضر من أهل الأدب. وصار ذلك الشخص عندهم يعرف بالميداني. وأخبرني بدمشق أحد أقارب الأموي كاتب الملك الأشرف بن العادل بن أيوب، أن ابن عبدوس وصل إلى الملك الأشرف وهو حينئذ بالجزيرة في مدة أبيه، والحال ضيقة، فحضر مجلسه وأنشده قصيدةً منها: ملك شككنا أيها أعلى علا ... أولاه أم وسطاه أم أخراه لما علا فوق الأنام محله ... مسحت عليهم كالسحاب يداه أشتاق رؤيته لأني واثقٌ ... إلا أرى بؤساً متى ألقاه فضحك الأشرف لما انتهى إلى هذا البيت وقال: ذهب البوس يابن عبدوس. إلا أنه نحن على ما لا يخفى عنك في هذا الوقت، فأيما

стр. 16

تختار: يسير معجل، أو كثير مؤجل؟ فقال: يا خوند، إنما يصبر على المؤجل التجار أصحاب رءوس الأموال، وأما المفلسون الذي رؤوس أموالهم الأشعار مثلي وأشباهي فإنما هم أبناء يومهم. قال صدقت، وألتفت إلى الصفي كاتبه وقال: بحياتي عليك إلا ما أجزته عني. فقال: نعم وكرامة. وانصرف به إلى منزله، وحلف له انه ما يملك في ذمته شيئاً يقدر على خروجه عنه والتعوض منه إلا على البغلة التي يركبها، ودفعها إليه وألبسه ثيابه التي كانت عليه. فجن فرحاً، وأطنب في الثناء على الملك والكاتب وقال: هذا عندي في هذا الوقت خير من عشرة آلاف دينار في وقت آخر. قال: وهكذا كانت أفعال الملك الأشرف في أكثر الأوقات، إذ كان أعرف الناس باستجلاب الثناء في كل وقت وبكل ما أمكن. قال: ومما أنشده لنفسه فاستحسنه الصفي وكتبه، قوله: اسمع أخي اختبار ... قد شيبت رأسه الرجال إياك أن تشتفي بقول ... فيه على ربه وبال وبلغ النفس ما تمنت ... إذا تأتى لك الفعال

стр. 17

الترجمة الثالثة [ابن مجاور] الوزير الجواد المجيد نجم الدين بن مجاور يوسف بن الحسن. بيت بني مجاور بدمشق مشهور إلى الآن. لزمهم هذا النسب من جدهم، رفض جنة الدنيا بدمشق ولزم المجاورة بمكة، فعرف بالمجاور. ونشا نجم الدين متغذياً بتلك الطريقة ملتزما قراءة القرآن وإقراءه، واتخذ مكتبا يعلم فيه الصبيان على باب جامع دمشق. وسمت همته إلى إقراء النحو والأدب، واستفاد من ذلك ما علم به أولاد الكبراء، إلى أن أحتاج السلطان صلاح الدين معلما لابنه العزيز، فدل عليه، ووصفت طريقته الحميدة فأخذت السعادة بيديه. وأنس به العزيز فساد بخدمته في بلده وغير بلده، ووكله في أول الحال، ثم استوزره في نيابته عن أبيه بمصر، ثم فوض له جميع أمور دولته لما مات أبوه واستبد بالسلطنة. وكان أهلا لذلك، لما جمع من الفضائل والآداب ومكارم الأخلاق. وكان معرفا بتوطئة الأكتاف، ومعاونة الأدباء والشعراء، والأخذ معهم غير مميز عنهم، حتى كأنه إذا باحثهم واحد منهم، مع ارتقاء في الشعر إلى الدرجة التي تأخذ بمجامع القلوب والألباب،

стр. 18

وترفع عن طبقة العلماء والأدباء والكتاب. ومن أمعن الفكر فيما أورد له في هذا المجموع علم أن له فكرة غواصة، وان معاني الأغراب وألفاظ الإبداع ليست عليه بمعتاصة. ومن الحكايات المستطرفة المتعلقة بترجمته أن ابن منذر البطلبوسي لما ورد من المغرب أعترضه وهو قاصد دار السلطان، فكلفه رفع بطاقة إليه في مرتب يستعين به على طلب العلم. فأعلمه أن الكلام في إجراء راتب مخترع لا يمكن. فقال: فإن لم يمكن هذا فاكتب إلى الفقيه فلان في أن ينزلني عنده في المدرسة ويجري لي من الوقف ما يكفيني. فقال: ليس هذا من شغلي وإنما من شغل متولي الاوقاف٠ فاظهر انه لا ينفصل عنه إلا بالنظر في أمره، وجعل يورد عليه من أنواع التكليف ما يروغ الوزير عنه إلى أن أضجر. فأراد الانفصال عنه فقال: يا هذا، أعلم أنه من كلف ما لا يقدر عليه أتعب لسانه وسمع من يكلمه. فقال: أيها الوزير، أتعد إن أنا كلفتك ما تستطيع لم تعتذر لي عنه؟ قال: ما أعتذر لك عن شيء أستطيعه. قال: وأنا أيضاً فما أكلفك إلا أن ترجع إلى تعليم الصبيان في المكتب الذي كنت فيه، فتستريح أنت من كلف الناس ويستريح الناس من هذه الوزارة الخراء التي لا فائدة فيها، وقد شغلت مكانتها عن مستحقها ممن يفرح بقضاء حوائج الناس،، ويتكلف المشقات في تخليد شكرهم. فضحك الوزير ضحكاً لم يعهد منه مثله، وقال له:

стр. 19

أي وأنت على هذا المنزع، وفيك هذه الحلاوة، ولست من المغاربة الجفاء، ففيك مصطنع، ونبلغ إن شاء الله في شأنك فوق ما نقدر عليه. وحمله معه حتى ادخله على العزيز، فأعاد عليه ما جرى بينه وبين الوزير. فضحك واستطاب القصة وصيره من خواصه وانتفع بخدمته غاية الانتفاع. حتى أشتهر ذكره وصار كالوكيل والأمين، وانتقل بعد ذلك إلى حلب فصار في خدمة أخيه الظاهر. ومن الحكايات التي اخترتها لكتاب "روح الأدب" وشعرها من "كنوز المعاني" ما أخبرني به أبو بيان الإسرائيلي حكيم الديار المصرية وبقية المعمرين من أشياخها، الممازحين للملوك وأرباب الدول، قال: أهدي للملك العزيز بن صلاح الدين مملوك من القفجق، كما دب عذاره بشقره، لا يراه أحد فيقدر أن يثني عنه بصره. فقال:

стр. 20

الملك العزيز لجلسائه الأدباء: نجعل هذا المملوك الجديد ساقينا اليوم. فلما استقر مجلس الأنس- وفيه جعفر بن شمس الخلافة، والأسعد ابن مماتي، وهما حينئذ الغاية في طبقة الشعراء، وهناك من يشعر غيرهما- قال لهم، وقد أخذت الكأس منهم وأزلت حجاب الحياء عنهم: هذا مكان الأفكار وإجالتها، وأشار إلى المملوك. فأفكروا ساعةً فلم يحضر لهم ما يرضونه، فقالوا: يا مولانا، إن الوزير نجم الدين له شغف بالمعذرين وأوصافهم، بفكرة منقادة لتعلقه بهم، وما لهذا إلا خاطره. فقال: نسره بالمشاركة في هذا الشأن ولا نضيره بالاستدعاء للحضور على ما لا يريده. ثم أمر بالكتب له في ذلك. فوصل جوابه بهذه الأبيات التي لا نظير لها في حسنها، ولا عديل لقصدها في فنها: غصن من الفضة قد أورقا ... بالتبر من فاز به وفقا رواه ساقي الحسن من مائة ... فبان في أعلاه ما قد سقى ومنتهى الأحرف من خطه ... في جانبي صدغيه قد عرقا

стр. 21

يا حسنه نوناً بماءٍ جرى ... ودار كالعقرب كي يتقى فاغتنموا بدراً بدا كاملاً ... في شفق من قبل أن يمحقا لا أبصرته مقلة ذاوياً ... ولا رأت زخرفه محرقا فطرب الملك العزيز، ووالي الشرب وأمر المغني بالغناء فيها. قال للخازن: أحضر جميع ما أهدي إلينا مع هذا المملوك. فأحضر وقوم، فكانت قيمته عشرة آلاف دينار مصرية. فقال: لو أن نجم الدين كمل أبياته عشرة لفاز بجملتها، ولكن يأخذ منها ستة آلاف ويقتسمون الباقي. ثم أطال النظر في المملوك فقال له: كن أنت الرسول إليه بهذا، وأنت من جملة ما حبوناه به. قال أبو بيان: فلا ندري من أي شيء نعجب، فهل مما تضمنته هذه الحكاية من الأخلاق الملوكية؟ وهي على ما جمعته نقطة من بحار فضائله رحمة الله عليه، فما ملك مصر مثله. ومما استحسنه الملك العزيز، فأمر شعراءه بالقول فيه، قصة الجارية التي صورت في خدها بالمسك حية، وكان الذي قال في ذلك وزيره المذكور.

стр. 22

قد رقمت في خدها أرقما ... بالمسك في مذهب ثوب طسيم ما ذاق من قبله غفوةً ... يا عجيبا من ساهر بالرقيم مرسلة بالحسن قد أظهرت ... في نار إبراهيم أيم الكليم ووقفت على ترجمته في تاريخ حلب لابن العديم فوجدت هنالك أنه مات سنة إحدى وستمائة. وقوله الطيار لخفته على الألسن وحسن منزعه: ولما تولى الخد وإلى عذراه ... رفعت إليه قصتي أتظلم فوقع فيها خطه بصبابتي ... وقال لي السلوان شيء محرم أتلبس ثوب الخد إذ كان ساذجاً ... وتخلعه لما بدا وهو معلم ثم وجدت الشهاب القوصى قد أثنى عليه في كتاب "تاج

стр. 23

المعاجم" وأنشد له قوله، وهو من المحاسن التي لا يجب أن تغفل: يا ثغره المحمى منه بنابل ... من طرفه وبسائف من خده وبمشرق من صدغه وبناظر ... من خاله وبعامل من قده ارفق بما اغتصب الغرام فقد أتى ... خط العذار موقعاً في رده وأنشد له ابن المستوفى في تاريخ إربل: ليت رقيبي لم يكن أحولا ... إذا لم يكن أعمى ولا أعور لأن من يبصر من واحدٍ ... شيئين أولى الناس أن يحذرا وجرى ذكره يوما بحضرة الصاحب بهاء الدين زهير صاحب الأشعار الرقيقة الطائرة في أقطار الشرق والمغرب، فقال: وددت أن لي قوله بكثير من شعري، فما سمعت أظرف منه: صديق قال لي لما رآني ... وقد صليت زهداً ثم صمت على يد شيخ تبت قل لي ... فقلت على يد الإفلاس تبت

стр. 24

الترجمة الرابعة [ابن نفاذة] الرئيس الشاعر المتقدم شمس الدولة أحمد بن نفاذة السلمي الدمشقي. كان عند السلطان صلاح الدين بن أيوب في عداد رؤساء الأجناد الذين يسمونهم بالأمراء. ذكر الشهاب القصوى في"تاج المعاجم" أنه كان جليل القدر بعيد الهمة أديباً شاعراً. ولد بدمشق سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، ومات بها في محرم سنة إحدى وستمائة. وأنشد له -مما طول فيه من الأشعار- ما يدل على اقتداره وطول نفسه. ومما يعد من "كنوز الأدب" قوله، وقد دخل على الفاضل البيساني مهنئاً له: قد عوفي الفاضل مما شكا ... وصح من سائر آلامه

стр. 25

وذاك أن الداء لما أتى ... إليه في جملة خدامه أجله أن يعتري جسمه ... معرفة منه بإعظامه ورام توديعا له فأثنى ... يرغب في تقبيل أقدامه فلم يكن بد من إسعافه ... جرياً على معهود إنعامه أخبرني الشهاب أنه لما أنشد هذه الأبيات قال الفاضل: أبياتك هذه يا شمس الدولة خير من العافية، ما سمعت في معناها أحسن منها، وأحسن ما فيها أنها من رب سيف. قال: ودخل على الصفي ابن شكر وزير العادل، وقد فهم عنه تقصيرا في حقه فأنشده: أيا من مودته لم تزل ... إذا ما ارتقى رتبة أو ولي أعيذك من غفلةٍ تعتري ... جلالك عن خادم أو ولي إذا لم تزدني على رتبتي ... فعد بي إلى حالي الأول فقال: بل لا أقنع لك إلا بالمزيد، ولا أعتذر لك إلا بالفعل. وشعره مدون، ظفرت به عند شخص لا يسمح بإعارته ولا مطالعته، فحفظت منه هذه الأبيات، وهي عنوان عما تضمنه من البدائع والغرائب:

стр. 26

شاق الحمام فباح بالأشجان ... عقد الندى في جيد غصن البان وتأويد الغيد النواعم شاقني ... فله ولي نوح على الأغصان لي بالحدوج وبالغواني صبابةٌ ... وله بورد الروض والريحان ولو أنني واصلت من أحببته ... يوماً لكان وكنت في بستان وبمهجتي خنث اللحاظ جفونه ... نشطت لقتلي نشطة الكسلان

стр. 27

الترجمة الخامسة [التلمساني] قاضي الجماعة الأديب المتفنن أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مروان التلمساني. ذكره التاج ابن حموية الدمشقي في رحلته المغربية وأخبر أنه من المرية أصلاً. وكان والده من الأجناد، تقدم وساد وولى مدينة وهران. وبها ولد أبو عبد الله، ونشأ بتلمسان مجدا في الفقه والأدب، ومال لعلم الظاهر، وأكثر من مطالعة كتب ابن حزم

стр. 28

فاشتهر بذلك، وصادف انحراف المنصور عن كتب الفروع وميله إلى مذهب أهل الحديث، فتقدم عنده إلى أن ولاه قضاء قضائه، فأبان عن صرامة وعفة ومروءة. وكان ممن له مشاركة في صناعتي النظم والنثر. وذكره والدي فيمن لقيه من أهل العلم وأطنب في الثناء عليه من جهة التعصب والسعي الجميل في حق من اعتمد عليه، مع خلق أندى من النسيم، وأدب أنق من الوجه الوسيم. قال: إلا أن حفظه وعمله بالأدب فوق شعره. وأحسن ما أورده منه قوله في المنصور، وله فيه أمداح كثيرة، أورد منها ما رأيت الاقتناع ببعضه كافٍ: أسيدنا يابن الإمامين أمركم ... منوطٌ بأمر الله ما عنده معدل نصرتم لأن الحق آن ظهوره ... وناصر في الله ما كان يخذل

стр. 29

أزلتم على ما ينفع الناس جهلها ... وعلمتم في الدين ما كان يجهل وأوردتم السلسال من شفه الظما ... أوان جرى ذاك الحديث المسلسل قطعتم فروعاً قد أضرت بأصلها ... ألا هكذا من كان بالعدل يشتمل ملأتم بساط الأرض خيراً وما بقى ... فأخباركم فيه تسير وتنقل أقم إن تسر نحو الممالك راحلاً ... فساكنها شوقاً لعدلك يرحل ومن نادر الحكايات أنه كان قد لزم أبا جعفر بن مضاء قاضي القضاة مدة، وكان يثقل عليه بالطبع ويخف عليه بالتصنيع، ى فسأله في بعض الأوقات عن حاله، فارتجل هذه الأبيات: يا من مضى وتسمى ... ولم يخنه زمانه سألتني كيف حالي ... وقد كفاك عيانه إن كان عندك خيرٌ ... يرجى فهذا أوانه

стр. 30

فقال: يكون الخير إن شاء الله ولأسعين فيه جهدي. ثم جعل يستنيبه ويرشحه لما هو أهله. فقال له بعض أصدقائه: أراك تقدم هذا الرجل وتعينه على نفسك. فضحك ابن مضاء وقال: الرأي ما ظننته، أنه غير رأي، هذا الرجل لاحت لي فيه بوارق السعادة ولا بد أن يتقدم رضيت أم سخطت، والأولى أن أظهر أن تقديمه بترشيحي وسعي له، فان وفى اشتركنا في حمد الناس، وان لم يف انفرد باللائمة. ثم إن ابن مضاء مرض في سفرة المنصور إلى إفريقيه سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فاشتغل ابن مروان بالحكم بين الناس، فظهر منه من حسن الخلق والسياسة ما اشتهر به اسمه ونسي معه ابن مضاء، فما استقل ابن مضاء من مرضه إلا وقد حاك في قلب المنصور أن يجعله قاضي الجماعة فكان ذلك، وصار ابن مضاء إذا رآه والناس مقبلون عليه أنشد: وما يستوي الثوبان به البلي ... وثوبٌ بأيدي البائعين جديد ولم يزل أبو عبد الله قاضياً للمنصور إلى أن كانت سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، فوقع بينه وبين أبي القاسم بن بقى كلام أظهر فيه ابن مروان الاقتدار عليه، فأنشد ابن بقي:

стр. 31

الدهر لا يبقى على حالة ... لكنه يقبل أو يدبر فان تلقاك بمكروه ... فأصبر فان الدهر لا يصبر واتفق أن سعى في إثر ذلك بابن مروان، ونسب له تقصير في صدقات خرجت على يده، فعزله المنصور وولى على قضاء الجماعة ابن بقى المذكور. فلقيه ابن مروان في إثر ذلك، وكان مفاكهاً حسن الخلق طيب النفس، فقال له: أفترى؟ لقد أقبل وأدبر ونحن نصبر كما صبرت! فاستحيا ابن بقى فلم يجاوبه بحرف. ثم لما ولى الناصر رده إلى قضاء الجماعة، فلم يزل عليه إلى أن مات في سنة إحدى وستمائة. ومما شنع عليه أعداؤه أنه نزل بتلمسان في دار يهودي، فاحتفل في إكرامه وأحضر له جميع ما قدر عليه، فخلا به وذاكره في دينه، ثم داعبه حتى أحضر له من طاهورتهم. فيقال إنه قال: يا إسرائيلي، دياركم نظيفة، وطعامكم طيب، وشرابكم رائق، ما أظنكم إلا على الحق. قال والدي: ما تكاد تجد فقيهاً من طلبة الغرب إلا وهو يحفظ هذه الحكاية، وقد سارت بها الركبان، والله أعلم بالحقائق.

стр. 32

وأنشدني له ابنه الكاتب القاضي أبو زكريا شعراً يصف فيه دعوة صنعها بعض أصدقائه وأحتفل فيها، وكان هو المتصرف بين أيديهم بنفسه، فعلق بخاطري منه قوله: يا حبذا دعوتك المرتضى ... جميعها من كل فضلٍ عميم كأننا الأغصان سكراً بها ... وأنت فيما بيننا كالنسيم وقوله، وهو في غاية الحسن، ولم أسمع في معناه مثله: وجاءنا خبز رأينا به ... في هالة الخير وجوه النعيم وكان ابنه مثله في حفظ الأدب والتخصص، وولى قضاء المرية والكتابة عن الأمير أبي بحر، ابن مولانا المقدس، إلا أنه كان نهاية في سوء الخلق والبخل، رحمة الله وسامحه. وهو شاعر تقف على ترجمته في سنة اثنتين وخمسين وستمائة. حضرت عنده في القاهرة مع جماعة من الأدباء، فأخرج لحما وخبزة

стр. 33

واحدة. ففرغت فأخرج أخرى، ثم فرغت فأتى بأخرى، وقد تغير وجهه. فقلت له: يا أبا زكريا، ما أظنك إلا حافظاً لو جوه النعيم، ما ترى أن تستذلها بالنظر فحجل واعتذر اعتذاراً بارداً، ولم يستدع أحداً منا بعد هذا.

стр. 34

الترجمة السادسة [ابن جرج] شيخ طلبة الحضر، العالم الجليل، الفيلسوف الشاعر النبيل، أبو جعفر أحمد بن عتيق بن جرح الذهبي البلنسي. أصله من بني جرج، البيت المشهور بقرطبة، انتقلوا بالفتنة إلى بلنسية. وكان في آبائه من اشتغل بالتذهيب فجرى عليه ذلك الوصف، وكل من وقفت منه على ذكره، في كتاب أو مشافهة، عظيمه غاية التعظيم، وجعله أحق أهل عصره بالتقدم. وأبو الوليد الشقندي، من بينهم، شديد الغلو فيه، وهو أعلم الناس به لكثرة ملازمته إياه. سمعته مرة يقول: إن الكمال الإنساني إن جمع لإنسان فانه لم يعد ثلاثة: أرسطو، وابن سينا، وأبا جعفر الذهبي. وذكره في رسالة شعراء الأندلس الذين افتخر بمحاسن شعرهم على شعراء بر العدوة، ونوة فيها بقوله- وهو من المرقص الداخل في كتاب "كنوز الأدب":

стр. 35

أيها الفاضل الذي قد هداني ... نحو من قد حمدته باختياري شكر الله ما أتيت وجازا ... ك ولا زلت نجم هدىٍ لساري أي برق أفاد أي غمام ... وصباح أدى لضوء نهار وإذا ما غدا النسيم دليلي ... لم يحلني إلا على الأزهار وأنت إذا بحثت جهدك فيما قال المشارقة والمغاربة في فاضل دل على صحبة فاضل، لم تجد مثل هذه الأبيات. قال: ومن الأبيات السائرة المفردة للتمثيل قوله في عالم انفصل عنه: ولكم مجلس لديك انفصلنا ... عنه مثل الصبا عن الأزهار وقوله، وقد عاد أبا سعيد بن جامع في مرضه: أنت عين الزمان لا تنكر السق ... م فما ذاك منكرٌ في العيون

стр. 36

وممن كان يبالغ في وصفه من جهة العلم والمودة، وحسن الأخلاق وكمال الأوصاف، أبو عمران الطرياني قال: كنت إذا صعدت إلى الحضرة ألزم خدمة جماعة من أرباب دولتها، فوردتها مرةً، وحضر موسم، فغيروا عاداتهم، فحملني ذلك على أن قلت: غيرتم عاداتكم عندنا ... فكلنا من عبئه يستريح فغير الرحمن عاداته ... عندكم كي تعذروا في القبيح وبلغ ذلك أبا جعفر الذهبي، فقام بجميع ما أحتاج إليه، فقلت فيه: أبيت إلا كرما ... ذا ثروة أو معدما ترى الأيادي مغنما ... إذا رأوها مغرما فزادك الله على ... كل الأمور نعما وصليت إلى جانبه صلاة العيد، فلما التفت من السلام ورأى الناس يحوجون فرحاً أطرق، ثم أنشدني: نسر بالأعياد يا ويحنا ... وكل عيد قد تولى بعام والعمر در في نظام وهل ... نفرح أن ينقص در النظام

стр. 37

ما في البرايا عاقلٌ كلهم ... يردى ولم يعمل حساب الفطام والحمد لله على ما قضى ... فهذه حكمته في الأنام ورأيت ابن حمويه قد ذكره في "رحلته المغربية" وأخبر أنه كان حسن الأخلاق جم المعارف. وسايرته يوماً بظاهر مراكش، فتذاكرنا معايب الدنيا وأنكادها، وأنها لا توجد فيها راحة غير مشوبة بتعب أو سوء عاقبة. فقال: عالم النقص لا تكون فيه الكمالات. وذكر ابن عمر في تاريخه أنه كان متفننا في العلوم، محيطا بكثير من الفلسفة، وأن وفاته كانت في سنة إحدى وستمائة في سفرته مع الناصر إلى إفريقية. وكان ممن طلب منحه أبى الوليد بن رشد، في مدة المنصور من أهل الفلسفة، فلم يوجد، فبلغه أنه في خدمة السيد أبي الحسن علي بن أبي حفص بن عبد المؤمن بغرناطة، فكتب له في أن

стр. 38

يجمع له جمعا ويوفق بينهم حتى يلعنوه. فلما وصله الكتاب وقف عليه أبا جعفر في خلوة. فقال أبو جعفر: ألا لعنة الله على الظالمين! فضحك السيد وقال: عجلت بالمكافأة يا أبا جعفر، وبدأتنا بما استحيينا أن نبدأك به، وبالله لقد يشق على مقابلتك بما أنفذ به الأمر، لكن ليس من ذلك بد، وقد رأيت أن يكون على خلوة. فجمع خواصه ولعنوه بمكانه. فجعل يقول: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) . وتلطف السيد في أمره والجواب عن مسألته. ثم إنه بلغ ذاك الغاية القصوى بالخضرة حتى قدم على طلبة الحضر، فصار من أخص الجلساء وأرفعهم منزلة عند المنصور، ثم عند الناصر. وفيما كتبه والي من أخباره: أنه كان في أول أمره مشتغلا بالعلم ببلنسية، إلى أن شهر بها مكانه، وجل قدره في الإقراء والإفادة. فاستدعاه المنصور إلى الحضرة فقال: كنت في ركن من الأر ... ض على مقدار فهم مفرداً فيه مخلى ... فارغاً من كل خصم فدعوا بي ثم قالوا ... علم في كل علم عرضوني للبلايا ... أتلقى كل سهم

стр. 39

يا لقومي أتعبوا في ... قصدهم روحي وجسمي وقال: كان لي أخ أميل إليه، فأردت أن أنبهه لحضور مجلس أبي جعفر الذهبي مع ما يستفيد منه. فقال لي أبو جعفر: لا تتعب في هذا الأخ الذي لك، فو الله لا أفلح أبداً. فقلت: ولم؟ قال: لأنه ليست عليه طليعة أديب، ولا له التفات أريب، ولا عنده إصغاء مسترشد، ولا لديه تلطف مستخبر. قال: فقطعه عنه، وتركته لشأنه٠فما طلع في إخوتي أقل فلاحاً منه.

стр. 40

الترجمة السابعة [ابن الياسمين] الجليس المتفنن الكاتب أبو محمد بن الياسمين عبد الله بن حجاج الإشبيلي. نسب إلى أمه، وكانت سوادء، وكان هو أيضاً أسود. تخرج بإشبيلية في فنون العلم. وكان أول تعلقه بالفقه والتوثيق، حتى صار من أعلام العارفين بالوثيقة، ثم اشتغل بالنظم والنثر وفنون الآداب، فصار من أعلام الأدباء والكتاب. ومن حكاياته أنه جاء بإشبيلية إلى شيخ طيب، فشكا له تلهب معدته، وأنه لا يشبعه شيء. فقال، وقد لمح بوارق السعادة: لابد لك من أن تشتكي لي بسوء هضم معدتك، نعم وبثانية، نعم وبثالثة. فمضت الأيام وطلع إلى مراكش، وبلغ المبلغ العظيم من مجالسة المنصور ومسايرته له إذا ركب في أسفاره، لافتتانه بحديثه وما يجد عنده مما لا يجده عند غيره٠فاتفق أن طلع ذلك الطيب إلى مراكش فاجتمع به، فقال له: يا حكيم، صدقت فيما أنذرتني به من سوء الهضم مما تراه. فدله على ما يصنع. ثم مضت الأيام فشكا له بالنقرس وقال: أظن هذه الثانية؟ قال: نعم. ثم أقام مدة، ووقع اجتماعه به، فقال له: يا حكيم، صدقت في اثنتين فأين الثالثة؟ فقال: يا فقيه، بلغتني على ألسن الناس،
следующие страницы →