← Тараджим

Тараджим · id 9235

الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة

ابن سعيد المغربي

Полный текст (145 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وممن كان يبالغ في وصفه من جهة العلم والمودة، وحسن الأخلاق وكمال الأوصاف، أبو عمران الطرياني قال: كنت إذا صعدت إلى الحضرة ألزم خدمة جماعة من أرباب دولتها، فوردتها مرةً، وحضر موسم، فغيروا عاداتهم، فحملني ذلك على أن قلت: غيرتم عاداتكم عندنا ... فكلنا من عبئه يستريح فغير الرحمن عاداته ... عندكم كي تعذروا في القبيح وبلغ ذلك أبا جعفر الذهبي، فقام بجميع ما أحتاج إليه، فقلت فيه: أبيت إلا كرما ... ذا ثروة أو معدما ترى الأيادي مغنما ... إذا رأوها مغرما فزادك الله على ... كل الأمور نعما وصليت إلى جانبه صلاة العيد، فلما التفت من السلام ورأى الناس يحوجون فرحاً أطرق، ثم أنشدني: نسر بالأعياد يا ويحنا ... وكل عيد قد تولى بعام والعمر در في نظام وهل ... نفرح أن ينقص در النظام

стр. 37

ما في البرايا عاقلٌ كلهم ... يردى ولم يعمل حساب الفطام والحمد لله على ما قضى ... فهذه حكمته في الأنام ورأيت ابن حمويه قد ذكره في "رحلته المغربية" وأخبر أنه كان حسن الأخلاق جم المعارف. وسايرته يوماً بظاهر مراكش، فتذاكرنا معايب الدنيا وأنكادها، وأنها لا توجد فيها راحة غير مشوبة بتعب أو سوء عاقبة. فقال: عالم النقص لا تكون فيه الكمالات. وذكر ابن عمر في تاريخه أنه كان متفننا في العلوم، محيطا بكثير من الفلسفة، وأن وفاته كانت في سنة إحدى وستمائة في سفرته مع الناصر إلى إفريقية. وكان ممن طلب منحه أبى الوليد بن رشد، في مدة المنصور من أهل الفلسفة، فلم يوجد، فبلغه أنه في خدمة السيد أبي الحسن علي بن أبي حفص بن عبد المؤمن بغرناطة، فكتب له في أن

стр. 38

يجمع له جمعا ويوفق بينهم حتى يلعنوه. فلما وصله الكتاب وقف عليه أبا جعفر في خلوة. فقال أبو جعفر: ألا لعنة الله على الظالمين! فضحك السيد وقال: عجلت بالمكافأة يا أبا جعفر، وبدأتنا بما استحيينا أن نبدأك به، وبالله لقد يشق على مقابلتك بما أنفذ به الأمر، لكن ليس من ذلك بد، وقد رأيت أن يكون على خلوة. فجمع خواصه ولعنوه بمكانه. فجعل يقول: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) . وتلطف السيد في أمره والجواب عن مسألته. ثم إنه بلغ ذاك الغاية القصوى بالخضرة حتى قدم على طلبة الحضر، فصار من أخص الجلساء وأرفعهم منزلة عند المنصور، ثم عند الناصر. وفيما كتبه والي من أخباره: أنه كان في أول أمره مشتغلا بالعلم ببلنسية، إلى أن شهر بها مكانه، وجل قدره في الإقراء والإفادة. فاستدعاه المنصور إلى الحضرة فقال: كنت في ركن من الأر ... ض على مقدار فهم مفرداً فيه مخلى ... فارغاً من كل خصم فدعوا بي ثم قالوا ... علم في كل علم عرضوني للبلايا ... أتلقى كل سهم

стр. 39

يا لقومي أتعبوا في ... قصدهم روحي وجسمي وقال: كان لي أخ أميل إليه، فأردت أن أنبهه لحضور مجلس أبي جعفر الذهبي مع ما يستفيد منه. فقال لي أبو جعفر: لا تتعب في هذا الأخ الذي لك، فو الله لا أفلح أبداً. فقلت: ولم؟ قال: لأنه ليست عليه طليعة أديب، ولا له التفات أريب، ولا عنده إصغاء مسترشد، ولا لديه تلطف مستخبر. قال: فقطعه عنه، وتركته لشأنه٠فما طلع في إخوتي أقل فلاحاً منه.

стр. 40

الترجمة السابعة [ابن الياسمين] الجليس المتفنن الكاتب أبو محمد بن الياسمين عبد الله بن حجاج الإشبيلي. نسب إلى أمه، وكانت سوادء، وكان هو أيضاً أسود. تخرج بإشبيلية في فنون العلم. وكان أول تعلقه بالفقه والتوثيق، حتى صار من أعلام العارفين بالوثيقة، ثم اشتغل بالنظم والنثر وفنون الآداب، فصار من أعلام الأدباء والكتاب. ومن حكاياته أنه جاء بإشبيلية إلى شيخ طيب، فشكا له تلهب معدته، وأنه لا يشبعه شيء. فقال، وقد لمح بوارق السعادة: لابد لك من أن تشتكي لي بسوء هضم معدتك، نعم وبثانية، نعم وبثالثة. فمضت الأيام وطلع إلى مراكش، وبلغ المبلغ العظيم من مجالسة المنصور ومسايرته له إذا ركب في أسفاره، لافتتانه بحديثه وما يجد عنده مما لا يجده عند غيره٠فاتفق أن طلع ذلك الطيب إلى مراكش فاجتمع به، فقال له: يا حكيم، صدقت فيما أنذرتني به من سوء الهضم مما تراه. فدله على ما يصنع. ثم مضت الأيام فشكا له بالنقرس وقال: أظن هذه الثانية؟ قال: نعم. ثم أقام مدة، ووقع اجتماعه به، فقال له: يا حكيم، صدقت في اثنتين فأين الثالثة؟ فقال: يا فقيه، بلغتني على ألسن الناس،

стр. 41

ولو كانت علة لشكوت بها. فضحك أبو محمد. وكان كثير الإجمال والمطايبة والمرح، وأحسن للطيب. وكان قبل ذلك لم يفض عليه في دنياه بشيء. وإنما أشار الطبيب إلى الخلة التي اشتهرت عن ابن الياسمين. والله أعلم بالسرائر. وذكر ابن عمر في تاريخه أن وفاته كانت في سنة إحدى وستمائة. ولم يوقف له على الحقيقة. وقد وجد مذبوحا في غرفة على باب داره. ومما تلقيته من جماعة من طلبة مراكش أنه وجد في تلك الغرفة على وجهه ووتد في دبره. وكذلك وجد الفتح صاحب القلائد، في تلك الجهة بعينها، ما بين دار ابن الياسمين والفندق الذي ذبح فيه ابن الياسمين، إلا مسافة يسيرة. وحكى أبو عمران الطرياني قال: كنت في اليوم الذي أصبح فيه ابن الياسمين مذبوحا عند الكاتب أبي الحسن بن عياش، فبينا أنا

стр. 42

ألاعبه بالشطرنج إذ دخلت إليه أمه له وألقيت إليه براءةً عرفته أن امرأة دفعتها إليها، ورغبت منها توصلها إلى سيدها. فقال هذا وقته! ولم يلتفت إليها. قال: فقلت له: ولعل فيها مالا يجب تأخيره. قال: ولعل. ثم أخذها وقرأها، فإذا بوجهه قد تغير، ثم ضحك ورمى بها إلى وقال: انظر هذا لا يحب تأخيره. فقرأتها، فإذا فيها: هذا ابن حجاج تفاقم أمره ... وجرى وجر لحد غايته الرسن حتى غدا ملتقى ذبيحا حاكيا ... للناس رقدته إذا هجر الوسن فليحزن الكاتب ما قد غاله ... وأخص بينهم الفقيد أبا الحسن فقلت: ومن ترى قائل هذه الأبيات لعنه الله؟ قال: يا سبحان الله! وهل صاحبها غير الكورائي الذي طبعه الله على ألا يضيع فرصة من فرص الأذاة. قال أبو عمران: ثم أشتهر بعد ذلك قول الكورائي في تلك القضية معرضا بابن عياش: فليحزن الكتاب ما قد غاله ... وأخص من بين الجميع فلانا

стр. 43

فحصل التحقيق بأنه قائل ما تقدم. قال أبو عمران: فلم يكن ابن الياسمين، على ما كان له من منصب العلم والتقدم عند السلطان، يستتر بحاله، بل يتمازح فيه ولا يضيع بادرةً تقع من أجله. وله في ذلك أشعار كثيرة، منها قوله، وقد عذله بعض أصحابه في تقريب امرئٍ كان كثير الاختصاص به، وقال له: هلا اخترت لخدمتك، والقرب من مناولتك ومشافهتك، أبيض اللون: يبيعون حبي للسواد جهالةً ... وما علموا ما فيه لي من مآرب أهين لقصدي ربه وهو خادم ... إذا ما علا فوقي بمجداف قارب ويلقي ضحوك السن لله دره ... حمولاً لما حملته غير لاغب وفيه خصال جمةٌ غير هذه ... أحق الورى طُرّاً بخدمة كاتب فيا معشر الكتاب أوصيكم به ... وصية من يعني بحاجة صاحب قال: وربما كان يصرح في بعض خلواته لمن يأخذ معه في ذلك الشأن، إذا دارت كأس المدام، وارتفع حجاب الحياء عن الكلام، فيقول: ينبغي لأرباب هذه الصناعة ألا يعدلوا عن الأمرد، فانه أطول أيراً، وأكثر سيراً. ومن أشعاره المتعارفة بهذا الباب قوله في صبي مليح جاء يقرأ عليه، بعدما حام على قربة زمانا، فلم يقدر على ذلك:

стр. 44

لله ذاك المليح لما ... أتى بأسفاره إلينا كم قد غدا حائماً إلى أن ... أوقعه البخت في يدينا فظن جهلا أنا عليه ... وما درى أنه علينا قال: وبينما هو في جامع إشبيلية إذ مر به صبي في نهاية الحسن. فأنشده مسمعاً له: ما ضر من سار وما سلما ... لو أنه من لحظه سلما فأظهر النفار من ذلك، فقال: لا تخف، انك أنت الأعلى. ففطن لمراده. فقال: لست ممن يركب بأجرة ولا سخرة. فلم يحر جواباً. وبقي متعجباً من فطنته ومن مخاطبته، وبحث عنه فإذا هو من بني زهر. ولما أشتهر قول أبي العباس الكورائي فيه: إست الحبارى ورأس النسر بينهما ... لون الغراب وأنفاس من الجعل خذها إليك بحكم الوزن أربعة ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل حمله ذلك على أن قال: يا أعرق الناس في نسل اليهود ومن ... تأبى شمائله التفصيل للجمل خذها بحكم اجتماع الذم واحدة ... تغنى عن النعت والتوكيد والبدل

стр. 45

وله موشحات يغنى بها، وأمداح في المنصور والناصر. وأمثل ما وقع ليدي من ذلك قوله من قصيدة منصورية يذكر فيها قطع المنصور الأشغال بكتب الفروع والاقتصاد على ما ثبت من الأحاديث النبوية: أسيدنا قد وردتم بنا ... وارد كنا عليها نحوم نبذهم مقالة هذا وذا ... فزل المراء وقل الخصوم وأثبتتم قول من لفظه ... هو الشرع والحق منه يقوم فلا زلتم لكمال الهدى ... وإحياء دارس درس العلوم وقوله من قصيدة ناصرية: عجبت لمن يراك وبعد هذا ... يحاول أن يرى ملكا سواكا وقد جمع الإله لديك ما قد ... تفرق في البرية من حلاكا وما أحد يوم ذراك يوماً ... فيختار الترحل عن ذراكا فسبحان الذي أعطاك ملكا ... على مقدار ما أعلى علاكا وحضرت يوماً بحضرة تونس عند الوزير أبي العلاء فنظر

стр. 46

زهر نارنج تفتح في أشجاره بين يديه، فقال: هل يحضرك فيه شيء من محفوظاتك على أن يكون مما يهز سامعه؟ فقلت: أما على هذا الشرط فلا. فقال: قل أنت فيه. فقلت: امتثالا لأمركم لا على شطركم. ثم أنشدته: بدا لك النارنج وهو كأنما ... يريك على الأجياد دراً منضدا وان خلته بين الزبر جد فضةً ... فعما قريبٍ سوف تلقاه عسجدا على مثله حث النديم شموله ... ونظم من شمل المنى ما تبددا فأطنب في الاستحسان، وأقام السرور بواحد ثم ثان. وقال: خرج ابن الياسمين إلى بعض بحار مراكش فنظر إلي مثل هذا المنظر واستحث على وصفه من كان معه من أهل الشعر والأدب. فقال كل واحد منهم على ما أعطاه فكره ووقته. فلم يحفظ من كل ذلك إلا قول ابن الياسمين: جاء الربيع وهذي ... أولى البشائر منه كأنما هو ثغر ... قد جاء يضحك عنه زهر لنارنج دوح ... انظر إليه وصنه أليس حياك عرف ال ... ذي جفا من لدنه وهذا مما أوردته في كتاب "الكنوز"، إذ إهمال مثله منه لا يجوز. وها أنا أختم ترجمته، بما تعرف به الشعر قيمته.

стр. 47

نقلت من معجم أبي الوليد الشقندي أن أبا الحجاج بن نمرى، عالم فاس، لما استحسنت بالحضرة مذاكرته، أحسن إليه وخلع عليه، وحضر مع ابن الياسمين فاستقبح صورته واستحسن كلامه، فقال فيه: أيها لون اللابس لون الليل ... ثوباً حين أظلم والذي يضمر داءً ... منه يوماً ما تألم أنت من أقبح خلق الله ... ما لم تتكلم بشذور باهراتٍ ... ساحرات لو تجسم أصبحت في كل جيدٍ ... حسن عقدا منظم فلما بلغ ابن الياسمين ذلك قال: أيها الفاسي أتى ري ... حك قبل النجو يفغم في قريض حسن الصو ... رة بالهجو مجذم فقبلناه وقد جا ... ء لنا بالمدح معلم

стр. 48

ثم قلنا: بمزاح ... منك قول ليس يعدم إنما الشأن فقيه ... عالم ليس يعلم لا تراه الدهر إلا ... بغريم الكأس مغرم يرفض النفل مع الفر ... ض أوان الزير والبم وإذا صلى رياءً ... كان فيها مثل أبكم في ثيابٍ كربيع ... قد سرى فيها المحرم ذا جوابي وهو ظلم ... لك والبادئ أظلم قال الشقندي: هذان الشعران بمنزلة الشعريين، وكلاهما عين في مقابلة عين. وقد أوردتهما في كتاب "كنوز المعاني"، لأنهما مما ظفرت منه الأماني.

стр. 49

الترجمة الثامنة [ابن مسعود] الفقيه المدرس الشاعر الظريف أبو العباس أحمد بن مسعود [بن محمد] الخزرجي القرطبي. جليل المقدار، جائل في الأقطار؛ رحل من بلده قرطبة فدوخ أقطار المغرب والمشرق، إلى أن استقر بمدينة دنيسر فطلع بها كالمصباح المشرق، واعتنى به ملوك ماردين ودنيسر بنو أرتق؛ وجعلوه مدرساً في أجل مدرسة لهم هناك. وقد ذكروا أنه كان في فنون العلوم بمنزلةٍ كذلك، وكان جل علومه الأصول والفقه الشافعي. وقفت على ترجمته في تاريخ دنيسر لعمر بن الخضر التركي وفي تاريخ حلب لابن العديم، وفي معجم ابن الشعار. وكلهم أطنب في الثناء عليه، وترجم عما لديه. وفي أثناء تلك التواريخ أنه مات بدنيسر في سنة إحدى وستمائة. ولما مررت بمدينتي وماردين في الرحلة البغدادية وجدت أدباءها

стр. 50

يرتاحون إلى أخباره، ويهيمون بحفظ ما وقع إليهم من أشعاره، فأضفت ما استفدت منهم إلى ما وقعت عليه في التواريخ المتقدمة الذكر، ولخصت من الجميع ما اخترته لهذا المكان. أخبروا أنه كان مع جلالة قدره وتصدره للتدريس من أولع الناس بحضور السماع، وأكثر قولاً في الغراميات التي لا تخلو من الانطباع. وقد أوردت له مما وقع ليدي من ذلك ما يدلك على رقة حاشيته، وحلاوة منطقه وتمكن قافيته، كقوله: ثار شوقي إلى الحمى ... وهوى الخرد الدمى وتذكر ما خلا ... من نعيمٍ تصرما طيب عيش فقدت ... معناه إلا توهما فهمت مهجتي جوى ... وبكت مقلتي دما آه من حمرة الخدو ... د ومن حوة اللمى وقوام تخاله ... سمهرياً مقوما ناعم لم أزل به ... في حياتي منعما وعذرا كأنما ... مد في الخد أرقما أيها المبتلي به ... عش كئيباً متيما والذي جاء لاحياً ... فيه صار مغرما

стр. 51

قل له دع سليمة ... وانج عنه مسلما وقوله: ملت عني لما حكاه العذول ... أي غصن مع الصبا لا يميل كل حين تصغي لما قال هلا ... بعض حينٍ تصغي إلى ما أقول هو حظي أموت وجداً وشوقاً ... وحبيبي بمغضي مشغول أنا عبد وكل ما شئت تعطي ... فلتجني والعتب لم ذا يطول رضت فيه نفساً عزيزاً عليها ... ذلها والمحب عان ذليل ويقول النصيح أرسل إليه ... بخضوع لعل حالاً تحول أنا أرسلت للحبيب ولكن ... ليت شعري بما يعود الرسول وقوله: الحمد لله على ساعةً ... عاينت فيها البدر في سعده مبارك الطلعة ميمونها ... تقرأ آي النضج في خده قدمني من أفقه بعدما ... قاسيت ما قاسيت في بعده لم يجهل الحب ولا عابة ... فجاد بالوصل على عبده وعاهدت أجفانه صحبتي ... وكلنا باق على عهده أسر أيامي يوم أرى ... مرتقياً فيه إلى وعده

стр. 52

وعهدي بالجلال بن الصفار الدنيسري يرتاح إذا أنشد قوله: وفي الوجنات ما في الروض لكن ... لرائق زهرها معنى عجيب وأعجب ما التعجب منه أني ... أرى البستان يحمله قضيب وأنشدني قوله: لاموا علي صبوتي والشيب مبتسمٌ ... كالزهر يبدي ابتهاجهاً في خمائله فقلت والوجد يطويني وينشرني ... أواخر اليوم أحلى من أوائله لم أترك الأنس حيناً من أحانيه ... فكيف أغفل عنه في أصائله فلم أبد له ما يعهده من الارتياح إذا أغرب علي بمعنى. فسأل عن سبب ذلك. فقلت له: لأني قلت، ولم أسمعه: وقائلةٍ أراك على التصابي ... وغصن العمر دب به الذبول وهذا الشيب أنجمه أنارت ... وطالعها لصاحبها أفول فقلت لها ودمع العين مني ... على تلك النجوم له مسيل أصيل العمر أتركه ضياعاً ... إذ الأوقات أطيبها الأصيل

стр. 53

فمد يده إلى الدواة وكتبها. وأنشد له الصاحب كمال الدين بن العديم قصيدة. منها في الغزل: وقع الكلام مواقع الأشواق ... فأصاب فيك مقاتل العشاق ومنها في مدح ابن أرتق صاحب ماردين: ما جاد يوماً أن يقال هو الجوا ... د ولا توقف خشية الإملاق لكنه يعطي ويمنع عالما ... بمواقع الإمساك والإطلاق وأنشد له ابن الشعار في معجمه: يا ظبي سنجار أما ترثي لمن ... قد صار من أجلك في كف الأجل قد كان مشغولا بدارس عمله ... فاليوم لا علمٌ بقي ولا عمل ومن أبياته المفردة التي يمتثل بها: وما عجبي إلا لذي الجهل انه ... يؤمل في الأعداء رأى الأصادق

стр. 54

تراجم سنة اثنين وستمائة ثلاث

стр. 55

الترجمة الأولى [التلعفري] الفيلسوف المتفنن الشاعر، الموفق مظفر بن محمد. من تلعفر من حصون سنجار. وكان الفضل التيفاشي يذكر لي هذا الرجل ويزعم أنه استفاد من تصانيفه في ضروب الفلسفة، ويمتعني بما وقع له من أخباره وأشعاره أيام رؤساء بني ندا، أعيان الجزيرة العمرية. ثم لما صار سنجار ومررت بتلعفر وحللت بالموصل وجدت ذكره هناك نابهاً، وألفيت كل من يذكره من أهل بلاده بانتسابه تائهاً وقد لخصت كما لقيته من ذلك: رحل في أول أمره من بلاده إلى الموصل وبغداد، وقرأ فيها مدة، ثم عاد إلى تلعفر واستقر بسنجار عند صاحبها بني مودود، وحل

стр. 56

منهم محل مر الخمر في العنقود، واختص من بينهم بقطب الدين، وتصدر لإقراء النجو والحكمة وضروب الآداب. وكان معظم علومه الفلسفة، واشتهر بالتنجيم وقول الشعر والأدب. فمن المتداول أنه وضع لقطب الدين في بعض السنين تقويماً وكتب عليه من شعره: تضمن حسبان مجرى النجوم ... وباح لديك بسر الفلك فما كان شرا فالحاسدين ... وما كان خيراً وبشرى فلك وله في قطف الدين وغيره من ملوك بيته أمداح جليلة، منها قوله الذي يرتاح إليه، وتعقد الخناصر عليه: غر بها ليل ساسوا الدهر واقتدروا ... عليه من حيث ظل العدل ممدود ماج الورى معهم في نعمة رحبت ... أفياؤها وسقى أفنانها الجود فبعضهم رائع في حال غفلته ... وبعضهم بين ذاك الدوح غريد لا يظهر العيد في أقطارهم أبداً ... إذ كل أيامهم من حسنها عيد المدح عندهم وقصدهم ... يد لديهم وأفق الجود مقصود

стр. 57

ما أحسنوا أبداً بدءًا إلى أحد ... إلا وقالت لهم أحسابهم عودوا وقطبهم قطبهم في كل مكرمةٍ ... على علاه استدار العترة الصيد ثم اختلت أحواله بسنجار، فرحل في نهاية من الإسراع والهرب إلى الملك الأشرف بحران، فعندما اجتمع به، قال له: ما أخرجك عن سنجار؟ فقال: صاحبها الذي جار. قال: فما هذا السوق؟ قال: على قدر المحبة والشوق. وقال في تغير صاحب سنجار عليه، مال يستغنى في هذا الباب عنه، ولا يتمثل في معناه بأحسن منه:

стр. 58

أيا لمعزٍ صحبة السلطان إن لها ... صفواً يروق ولكن غبه كدر مماثلي لازال الدهر ذا حذرٍ ... منه وليس متى ما شاء يقتدر فكيف من ينقد الأجيال قاطبة ... مستصغراً وإذا يجفو جفا البشر وكلما شاء حكماً فيك أنفذه ... متى يشاء ومنه ليس تنتصر إن الملوك متى تستقر نارهم ... يحرقك قبل ابتغاءٍ للقرى الشرر وحضر يوماً في بستان عند الملك الأشرف، فخدمه مملوك له جميل الصورة، فقال له الملك: يا موفق، هل توفق لشيء من النظم في الذي جمع لك الحسن والإحسان؟ فقال: يا سلطان، ما أضيع هبوب النسيم على الروض الهشيم، ثم أفكر ساعةً وقال: أقول وقد أبصرت مرأى ... يحاكى غرة القمر المنير وأخلاقاً كما مزجت شمولٌ ... تدار عليك بالعذب النمير ولي حال ينافرها التصابي ... وقد حالت بإلمام النذير لقد أبديت لي حسناً وحسني ... ولكن جئت في الزمن الأخير فقال والله لقد جاوزت حد الإحسان! فلله درك! وبالله لا كتبه إلا بيدي. واستدعى الدواة وكتبها في دفتر اختياراته. وقدم على سنجار رجل كثير الدعاوى والتثقيل يعرف بابن الجغاني

стр. 59

القطربلي، ويكتب نفسه: علي بن طاهر العلوي. وكان أبوه، على زعمهم، يضرب الجغانة، وهي من آلات الطرب. ثم نشأ هذا الشخص فتعلق بالأدباء والأعيان، وأخذ من كلامهم واصطلاحهم ما يدخل به بين ... وسافر إلى الحجاز، فثار في خاطره أن يدعي الشرف، فرحل إلى الموصل وتزيا بزي الشرفاء وأرخى ذوائب شعره على جانبي وجهه. فضربه بالسياط نقيب العلويين هنالك وجرَّسه. والتجريس: أن يُنادي عليه: هذا خرا! ويشهر بين الناس. فسار إلى سنجار. واتفق على رؤسائها بكثرة التثقيل، وصاروا يعمرون مجالسهم بالمطايبة معه، والحكايات عنه إذا غاب. وصار له بذلك إدلالٌ يجالس به العلماء ويبحث في مجالسهم. وكان الحظ الأوفر من البلية به للموفق التلعفري، فجعله نصب أفكاره ونوادر أشعاره. فاطرد له معه، مع اتصال الأيام إلا في الندوة، ما يزري بأشعار ابن سكرة في خمرته. فمن ذلك قوله:

стр. 60

ابن الجغاني غدا عندنا ... بضد ما كان بقطر بل صاعقةً أرسلها ربها ... بأرض سنجار على من بلي دلى ذؤاباتٍ وقال انظروا ... سبط النبي المصطفى المرسل حاشي السراة الغر من هاشم ... أن يقربوا من مدع ممحل يأنف من نسبته كل من ... يرجع في الناس إلى أول إن كان حقا ما ادعى قل له ... يظهر ذاك الأمر في الموصل السوط والتجريس قدامه ... وان تمادى أمره يقتل أرحنا منه الذي صاغه ... من جبل الجودي كالجندل خص جبل "الجودي" لأنه لا يفارقه الثلج. وكان هذا الرجل بارداً ثقيلاً يابس المفاصل. وقوله: هذا الجليس الذي بليت به ... أقسم ألا يفارق الصلفا في كل علمٍ يخوض مدعياً ... وهو جهولٌ بكل ما عرفا أوضع خلق الإله كلهم ... ويدعي أنه من الشرفا الموت منه ومن ثقالته ... أمانة الله عاجلاً وكفى

стр. 61

وقوله: هذا الدعى الذي غي ... ر جهله لم يهنه يروي الغريب وتروي ... غرائب اللوم عنه لطاهرٍ منتهاه ... والكاتب أطهر منه وقوله: لنا جليسٌ باردٌ معجبٌ ... أبعده الله وأمثاله إذا أحتبي في مجلسٍ تائهاً ... أخرج مثل الأرض أثقاله ويدعي في نسب المصطفى ... وفعله يكذب ما قاله يا رب لا تقض اتصالي به ... يوماً وقطع منه أوصاله ولم يزل مع الملك الأشرف إلى أن حضر معه وقعة دنيسر، التي كانت له في سنة اثنتين وستمائة، على نور الدين، صاحب الموصل، فوقع وارتض جسده، فمات في إثرها.

стр. 62

الترجمة الثانية [ابن عطاء الله] الشاعر الأديب المصنف راجي بن عطاء الله المصري. ذكر لي ابن عبد العظيم صاحب تاريخ مصر أنه كان عطاراً بالفساط، يجلس عنده الأدباء والشعراء، ويبيتون معه في السماع. وكان من أولع خلق الله بحضوره، والقول في منازع غرامياته. وخدم الملك العزيز، ابن صلاح الدين صاحب مصر، بالأدب والشعر، وله فيه أمداح. وصنف له كتاب "لشعراء العصرية، بالديار المصرية". وهو مشهور بأيدي الناس. وكانت وفاته سنة اثنين وستمائة. وأكثر ما وقعت عليه من شعره في طريقة السماع. فمما سمعته يغني به من ذلك فحفظته قوله:

стр. 63

يا حادي العيس رفقاً ... بوخدها في البيد واثن المطي قليلاً ... على المحب العميد بلى بسلع حبيبٌ ... لقاؤه يوم عيد بلغه أني طريحٌ ... على تلاع زرود من يوم ذاك التجني ... وعهد ذاك الصدود وقوله: يا ثقاتي نقل الأع ... داء لي عنكم وعني بحياة الحب إلا ... كنتم لي عند ظني احذروا أن تتركوني ... في الهوى أقرع سني عذبوا بكل شيءٍ ... غير إظهار التجني فمتى شنع عنكم ... اشتفى الحساد مني إن أكن أبغي سواكم ... لا أقر الله جفني

стр. 64

لم أمن النفس إلا ... كنتم أقصى التمني أنا سكران هواكم ... وبذكراكم أغني شرب الكل بكأسٍ ... وأنا وحدي بدن فلهم فن ولي في ... نشواتي ألف فن وقوله: يا عيونا باللوى ساهرةً ... حرم الله عليك الفكرا أنا في نار اشتياقي محرقٌ ... ووشاتي تستطيب السمرا والذي قد ذبت من وجد به ... وغرام ليس يدري الخبرا ليتهم لو سامحوني ساعةً ... بحبيبي فاختلست النظرا ليس بختي في الهوى البخت الذي ... أجتني البرد به والزهرا وأنشدت له، وقد بلغه أن صاحبا له أفشى حديثاً كان بينه وبينه لم يطلع عليه غيره، وجعل يشنعه على جهة الإشفاق والنصح: على كل ما قد كان في الود بيننا ... عفاءٌ مدى الأيام غاد ورائح تشنع ما لولاك لم يبد للعدى ... وتزعم من جهل بأنك ناصح أفق أيها المغرور لست بلائق ... بمثلي وقد شانتك تلك الفضائح

стр. 65

الترجمة الثالثة [هذيل الاشبيلي] الأستاذ النحوي الأديب الظريف أبو الحسن هذيل بن عبد الرحمن الإشبيلي. ذكر ابن عمر في تاريخه أنه مات في سنة اثنتين وستمائة. وكان أبو العباس النيار الإشبيلي من أحفظ الناس بأخباره وأشعاره ونوادره. أخبرني أنه وصل إليه طالب متخلف ليقرأ عليه، فكان في أول قراءته عليه قول كثير: حيتك عزة بعد الهجر وانصرفت ... فحي وحيك من حياك يا جمل فصفحه وقال: جئتك عرة. فقال: وكذاك بالله ترجع يا ولدي. وقال له يوماً: يا أستاذ، ما الكموج؟ فقال: وأين رأيت هذه اللفظة؟ قال: في قول امرئ القيس: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله فقال: نعم، الكموج: دويبة من دواب البر تحمل الكتب ولا تعلم ما فيها.

стр. 66

وقرأ عليه طالب من البربر قال: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا ... ) ووقف. فقال: لأي شيء بالله؟ ألطيب شعرك؟ عيسى ابن مريم لم يعلم لأصحابه ذلك، فكيف أنت! وخرج يوماً من المسجد الذي كان يقرئ فيه فوجد سائلاً وهو يرعد بالبرد ويصيح: الجوع والبرد يا مسلمين! فأخذ بيده وحمله إلى موضع فيه الشمس. وقال: صح بالجوع، فقد رفع الله عنك البرد. قال: ومن شعره: وقوله في جاهل كان يلزم مجلسه، وكان ممن ضيق الله ورزقه، وأساء خلقه: عهدي بالحرفة التي كرهت ... مع الأديب الأريب تصطحب وأنت ما بالها عليك غدت ... وقفاً ولم تدر قط ما الأدب وقوله فيه أيضاً: ومن أعجب الأشياء حرفتك التي ... شهرت بها والضيق في الخلق والرزق ولست أديباً لا ولا كاتباً ولا ... جليساً على الصهباء مستطيب الخلق غرائب لم تجمع لخلق من الورى ... وأغرب منها أن تعد من الخلق وقال في شخص آخر أحول كثير العجب، وقد مرضت عينه: جليس لنا يبرح الدهر قاعداً ... رمانا به الحرمان من حيثما رمى

стр. 67

له مقلة حولا وعينٌ مريضةٌ ... وعما قريب سوف يكدره العمى إذا أبصرت عيناي طلعته التي ... أموت بها غما أرى الموت مغنما وقال: وقد صافحه فتىً جميل من أبناء الأعيان: صبح الله لك الوجه بالسع ... د وحياه بالعلى والكرامة لم نلاحظ يوماً لحاظك إلا ... وسألنا من الإله السلامة

стр. 68

الترجمة الأولى [ابن مواهب] إسماعيل بن مواهب الحظيري. شاعر من الحظيرة، ضيعة كبيرة مشهورة من أعمال دجيل بالجانب الغربي من دجلة بين بغداد وتكريت. ذكر المؤرخون أنه مات في سنة ثلاث وستمائة. وذكر لي الشرف يعقوب الإربلي أنه اجتمع به في إبريل وغيرها وأنشده كثيراً من شعره. وكان مستجدياً جوالاً في الآفاق. قال: وقلت له مرة: أرى مجد الدين بن الأثير يكرمك ويحبك حاضراً، ويثني عليك غائباً، فلم لا تمدحه؟ فقال: أهل محبتك لا تجعلهم موضعا لاستجدائك فقلت له: أنت أعرف بطريقك. قال: ومما أنشدني من شعره فكتبته في اختياراتي قوله: إذا شئت طيب العيش لا تك خادماً ... لشخصٍ ولا مخدومه أبد الدهر وحاول كفافاً تنج من كلفة الغني ... وتخلص من الذل الملازم للفقر

стр. 69

وقوله يعتذر عن الانقطاع بتوالي المطر: عاقني عنك توالي المطر ... واصلا آصاله بالبكر ملأ الأرض وحولا أصبحت ... وهي مثل الحبر هلا الحبر فكأن البحر أضحى فوقنا ... سائلا أجمعه لم يسجر نعمةٌ آضت لعمري نقمةً ... عمت البلوى بها في البشر وعلى ذاك فان أرسلت لي ... سابحاً خضت بذاك البحر لا تظن الأمر عندي هيناً ... غلب الشوق على مصطبري وأنشد له صاحب تاريخ إربل: غبتم فما لي في التصبر مطمعٌ ... عظم الجوى واشتدت الأشواق لا الدار بعدكم كما كانت ولا ... ذاك البهاء بها ولا الإشراق اشتقاقكم وكذا المحب إذا نأى ... عنه أحبة قلبه يشتاق

стр. 70

الترجمة الثانية [الكفر عزي] خطيب إربل وقاضيها جعفر بن هبة الله الكفر عزي، العالم المتفنن، من كفر عزي: ضيعة من ضياع مدينة إربل حاضرة بلاد الأكراد. وصفه صاحب تاريخ إربل بالمتفنن في العلوم ومعرفة النحو والهندسة والحساب، واشتهاره بإقراء ذلك مدةً. ووجدت الشرف يعقوب ملآن بأخباره وأشعاره، فذكر أنه كان على ما جعل إليه من خطة القضاء بتلك المملكة، واستولى عليه من الخطابة على منبر سلطانها، من أرق الناس حاشية وأطبعهم منزعا. ومن مستطرف حكاياته أنه كان في أول مرة متصدرا يقرأ عليه النحو وغير ذلك، وكان فتى من فتيان إربل يتردد إليه برسم قراءة النحو والأدب. ثم إن ذلك الفتى التحى وأدخل نفسه في الأشغال السلطانية. فصار مرهوب الجناب، مطروق الباب. وأتفق أنه لزم وضع سلطاني أهل إربل، فدخل الكفر عزي في ذلك فأساء فيه معاملته. وكان ذلك الأمر قد جعل إليه، فألزمه أن يحضر مجلس الشغل ويدفع ما رسم عليه. فوصل إلى المجلس وهو غاص وما هناك إلا من يعرف مقداره، ويلتزم إكباره، فجلس وأنشد مشيراً إليه:

стр. 71

هذا مقامي لديك يا من ... أقام دهراً وراء بابي أقصى أمانيه قرب إذن ... في دولة الحسن والشباب إن كنت أنسيت ذاك فانظر ... في فرد باب من الكتاب لا تغترر بالزمان يوماً ... وأفكر إذا سرت في الأباب مخارق الجاه ليس تبقى ... وموقف العزل كالحساب فافعل على قدر ما تلقى ... وقل فلا بد من جواب فاستحيا ذلك العامل على قلة حيائه، وأفكر في باب الفاعل والمفعول أيام يمشي على استحيائه، وأخذ ما جاء به الشيخ، واشتهرت القضية. وبلغت السلطان مظفر الدين صاحب اربل، فاستدعى الشيخ وقال: أغفلناك ولم ينبهنا أحد عليك لأنك محسود، ومثلك لا ينبه عليه إلا نفسه، وقد جعلت عقاب ذلك الرذل، الذي لم يقابلك بما يجب، عزله ووليتك الخطابة على منبر هذا الجامع. فقال: أرغب من إحسان السلطان ألا يكدره بأن أكون سببا لعزل شخص وقطع رزقه، وأنا ممن يشتفي بالقول لا بالفعل. فالاشتفاء بالأفعال من شيم الملوك. فقال له السلطان: أبيت إلا أدبا وظرفا. وجاء ذلك العامل فصار من خدامه، والمعترفين بإنعامه.

стр. 72

قال: ومما يجب أن يحفظ من شعره قوله: لا تشك فالناس في الرزايا ... ثلاثة ثم لا مزيد إما صديق يفاد غما ... أو شامت كاشح حسود أو غافل عنك مستريح ... إليه شكواك لا تفيد ومن يسليك أو يواسي ... لم يبد شخصا له الوجود إلا أحاديث لفقوها ... يصغي لها الجاهل البليد وقوله: لا تقعدن مع العيال ولا تكن ... كلا وسد كلا وجد مشمرا وجب الفيافي واشتهر تنل المنى ... لا يقطع الهندي حتى يشهرا وقوله: انظر إلي بخبرة واترك كلا ... م المبغضين وكل شخص يحسد فالشمس إن شرفت وأشرق نورها ... ما ضرها ألا يراها الأرمد وكانت وفاته سنة ثلاث وستمائة.

стр. 73

الترجمة الثالثة [ابن دهن الحصى] الأستاذ الأديب الحسن بن هبة الله بن دهن الحصى الموصلي، من أدباء الموصل المتصدرين للإقراء. مذكور في التاريخ أنه مات في سنة ثلاث وستمائة. وقفت على ترجمته في "تاريخ حلب" وفي "تاريخ المعاجم" وفي "اختيارات الشرف" فلخصت منها ما أوردته في هذا المكان. كان بالموصل يقرئ العربية ويمدح صاحبها، فرفع إليه أنه لما وصل صلاح الدين بن أيوب إلى جهة الموصل، ورام التغلب عليها، أنفذ إليه قصيدة يمدحه فيها، ويحضه على ما تقتضيه الهمة العالية في الملك. فتغير له، وخاف ابن دهن الحصى، فرحل إلى حلب وانقطع إلى صلاح الدين فأحسن إليه، ورتبه للإقراء في جامع المدينة. فلم يزل على تلك الحال والراتب جار عليه إلى أن مات. فأحسن ما أنشد الشرف يعقوب قوله:

стр. 74

يبهج الناس بأعيادهم ... من أجل ذبح أو لإفطار وإنما عظم سروري به ... للثم من أهوى بلا عار أرقبها حولا إلى فابل ... لأنها غاية أو طارى وأحسن ملا أنشد له الشهاب القوصي: تطالبني عيني فلم تعد بعدكم ... وأنتم على حكم النوى في سوادها وتطمعني في طيفكم برقادها ... فأزجرها كحلا بميل سهادها ولي مهجة لم تبق فيها ... سوى ما سكنتم من صميم فؤادها وأحسن ما أنشد له الصاحب ابن العديم، وهو مما رواه عنه: وما أنا في الشكوى من البين عاجزٌ ... ولا ضاق حمل الرزايا بكم صدري ولا خانني حسن اصطباري وإنما ... رميت من البلوى بأكثر من صبري وقوله: من لصبٍ فوق فرش ضنيً ... أبدا فبرؤه ينتكس جفنه بالدمع منطلقٌ ... وكراه عنه محتبس جهل العذل موضعه ... فهداهم نحوه النفس

стр. 75

الترجمة الرابعة [الماكسيني] لأستاذ المتفنن أبو الحرم مكي بن زيان الماكسيني، من ماكسين، قاعدة "الخابور"، من أعمال سنجار ذكر المؤرخون أنه كان ضريرا. اشتغل بفنون العلوم ورحل في طلبها فقرأ مدة ببغداد وبالموصل، ورحل إلى الشام وغيرها. واشتغل بكثير المعارف، واستقر بالموصل مقرئا للعربية وغيرها، إلى أن مات بها في شوال سنة ثلاث وستمائة. وقفت على ترجمته في "تاريخ ابن الأثير" و"تاريخ ابن الساعي" و"تاريخ إربل" وتلخيصها: أن شعره كان دون علومه. وكان عماه من جدري أصابه في صباه. وأحسن ما أنشدوه له قوله:
следующие страницы →