← Тараджим

Тараджим · id 9235

الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة

ابن سعيد المغربي

Полный текст (145 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هذا مقامي لديك يا من ... أقام دهراً وراء بابي أقصى أمانيه قرب إذن ... في دولة الحسن والشباب إن كنت أنسيت ذاك فانظر ... في فرد باب من الكتاب لا تغترر بالزمان يوماً ... وأفكر إذا سرت في الأباب مخارق الجاه ليس تبقى ... وموقف العزل كالحساب فافعل على قدر ما تلقى ... وقل فلا بد من جواب فاستحيا ذلك العامل على قلة حيائه، وأفكر في باب الفاعل والمفعول أيام يمشي على استحيائه، وأخذ ما جاء به الشيخ، واشتهرت القضية. وبلغت السلطان مظفر الدين صاحب اربل، فاستدعى الشيخ وقال: أغفلناك ولم ينبهنا أحد عليك لأنك محسود، ومثلك لا ينبه عليه إلا نفسه، وقد جعلت عقاب ذلك الرذل، الذي لم يقابلك بما يجب، عزله ووليتك الخطابة على منبر هذا الجامع. فقال: أرغب من إحسان السلطان ألا يكدره بأن أكون سببا لعزل شخص وقطع رزقه، وأنا ممن يشتفي بالقول لا بالفعل. فالاشتفاء بالأفعال من شيم الملوك. فقال له السلطان: أبيت إلا أدبا وظرفا. وجاء ذلك العامل فصار من خدامه، والمعترفين بإنعامه.

стр. 72

قال: ومما يجب أن يحفظ من شعره قوله: لا تشك فالناس في الرزايا ... ثلاثة ثم لا مزيد إما صديق يفاد غما ... أو شامت كاشح حسود أو غافل عنك مستريح ... إليه شكواك لا تفيد ومن يسليك أو يواسي ... لم يبد شخصا له الوجود إلا أحاديث لفقوها ... يصغي لها الجاهل البليد وقوله: لا تقعدن مع العيال ولا تكن ... كلا وسد كلا وجد مشمرا وجب الفيافي واشتهر تنل المنى ... لا يقطع الهندي حتى يشهرا وقوله: انظر إلي بخبرة واترك كلا ... م المبغضين وكل شخص يحسد فالشمس إن شرفت وأشرق نورها ... ما ضرها ألا يراها الأرمد وكانت وفاته سنة ثلاث وستمائة.

стр. 73

الترجمة الثالثة [ابن دهن الحصى] الأستاذ الأديب الحسن بن هبة الله بن دهن الحصى الموصلي، من أدباء الموصل المتصدرين للإقراء. مذكور في التاريخ أنه مات في سنة ثلاث وستمائة. وقفت على ترجمته في "تاريخ حلب" وفي "تاريخ المعاجم" وفي "اختيارات الشرف" فلخصت منها ما أوردته في هذا المكان. كان بالموصل يقرئ العربية ويمدح صاحبها، فرفع إليه أنه لما وصل صلاح الدين بن أيوب إلى جهة الموصل، ورام التغلب عليها، أنفذ إليه قصيدة يمدحه فيها، ويحضه على ما تقتضيه الهمة العالية في الملك. فتغير له، وخاف ابن دهن الحصى، فرحل إلى حلب وانقطع إلى صلاح الدين فأحسن إليه، ورتبه للإقراء في جامع المدينة. فلم يزل على تلك الحال والراتب جار عليه إلى أن مات. فأحسن ما أنشد الشرف يعقوب قوله:

стр. 74

يبهج الناس بأعيادهم ... من أجل ذبح أو لإفطار وإنما عظم سروري به ... للثم من أهوى بلا عار أرقبها حولا إلى فابل ... لأنها غاية أو طارى وأحسن ملا أنشد له الشهاب القوصي: تطالبني عيني فلم تعد بعدكم ... وأنتم على حكم النوى في سوادها وتطمعني في طيفكم برقادها ... فأزجرها كحلا بميل سهادها ولي مهجة لم تبق فيها ... سوى ما سكنتم من صميم فؤادها وأحسن ما أنشد له الصاحب ابن العديم، وهو مما رواه عنه: وما أنا في الشكوى من البين عاجزٌ ... ولا ضاق حمل الرزايا بكم صدري ولا خانني حسن اصطباري وإنما ... رميت من البلوى بأكثر من صبري وقوله: من لصبٍ فوق فرش ضنيً ... أبدا فبرؤه ينتكس جفنه بالدمع منطلقٌ ... وكراه عنه محتبس جهل العذل موضعه ... فهداهم نحوه النفس

стр. 75

الترجمة الرابعة [الماكسيني] لأستاذ المتفنن أبو الحرم مكي بن زيان الماكسيني، من ماكسين، قاعدة "الخابور"، من أعمال سنجار ذكر المؤرخون أنه كان ضريرا. اشتغل بفنون العلوم ورحل في طلبها فقرأ مدة ببغداد وبالموصل، ورحل إلى الشام وغيرها. واشتغل بكثير المعارف، واستقر بالموصل مقرئا للعربية وغيرها، إلى أن مات بها في شوال سنة ثلاث وستمائة. وقفت على ترجمته في "تاريخ ابن الأثير" و"تاريخ ابن الساعي" و"تاريخ إربل" وتلخيصها: أن شعره كان دون علومه. وكان عماه من جدري أصابه في صباه. وأحسن ما أنشدوه له قوله:

стр. 76

إذا احتاج النول إلى شفيع ... فلا تقبله وانج قرير عين إذا عيف النوال بفرد مَنٍّ ... فأولى أن يعاف بمنتين وقوله: لك منزلٌ في القلب غير مذال ... كمراتع الآرام والآجال لم يعفه العهد القديم وكم عفت ... دارٌ بمر جنائبٍ وشمال وقوله: إذا ما كنت لا ترعى حقوقاً ... لإخوانٍ هم رفعوا منارك وتلزم كال حين أن تراعي ... ولا ينسى أخو ودٍّ مزارك ونقطع دهرنا تيهاً وعجباً ... وتأبى دائماً إلا اختيارك فزادك ... ما بقيت الله بعداً ولا أدنى على حال ديارك وقوله: على الباب يطلب الإذن صده ... تأدبه لا أن نعماك تحجبت فإن كان إذنٌ فهو كالخير داخلٌ ... عليك وإلا فهو كالشر يذهب

стр. 77

وولعت بحفظ هذين البيتين، واحتجت مرة طلب الإذن على فخر الدين ابن الشيخ، نائب السلطنة بالديار المصرية، فكتبت إليه: ماذا ترى في دخول من لا ... يروم شيئاً سوى الدخول تحصيل جاهٍ وكفُّ باغٍ ... والأمر لله في القبول فخرج في الحال حاجبه وقابل بما يليق بمكارمه، وجعل يستحسن "والأمر لله في القبول" ويكررها.

стр. 78

الترجمة الخامسة [ابن نوفل] الأديب الحسيب أبو المحاسن الحسن بن نوفل الحلبي، من بيت مشهور في حلب إلى الآن. ذكره ابن العديم في تاريخها، وأخبر أنه ممن ينسب إلى الكتابة والرياسة، وأنه مات ببلده سنة ثلاث وستمائة وأحسن ما أنشده من شعر قوله: من ساءه أن بات في أسر الهوى ... قلق الجوانح دامي الآماق فلقد غدوت وقد سبتني أعين ال ... أتراك مشدوداً أشد وثاق ها مهجتي فلتفعل الأحداق ما ... شاءت بمحمول على الأحداق وتلقيت من بعض أقارب هذا المذكور أنه كان جنديا مخالطا للملوك، وأنه في بعض الولاة: يا مظهر العقل في ولايته ... كيف وما زلت ظاهر النزق لا تستقر الزمان أجمعه ... من عظم ما قد حملت من قلق مقدما من يرى تأخره ... مؤخراً من يفوز بالسبق ووضعك الشيء غير موضعه ... يشهد عند الأنام بالحمق مع الذي تقتضي الفراسة من ... تصغير رأس والطول في العنق

стр. 79

وأنشدني له بعض أدباء حلب قصيدة في ختان، اخترت منها قوله: ختانٌ فيه بالكرم اعتبار ... وبالشمع المنير وباليراع جرى دمه لنا شفقاً مذاباً ... لدى بدر تلفع بالشماع أتى ظبيا وأبدي صبر ليثٍ ... بضنك فيه ذم أخو الدفاع وكتب إلى وزير حلب ابن الموصل المشهور بالجود: يا من أمال الورى طُرّاً إلى حلب ... بالجود والخلق المألوف والأدب لا زلت في نعمةٍ يقضي الزمان بها ... أصم أعمى بلا هَمٍّ ولا نصب ولا شكوت بما أشكو إليك به ... الفقر والشيب والتزويج والجرب وعرفه أنه تزوج امرأة كتأب بها وهو على هذه الحال، وأنه لا يمنعه من طلاقها الذي لا يريحه غيره إلا عدم الصداق. فوجه إليه بصداق المرأة وما يشتري به جارية، وما ينفقه عليها، ويعاني به الشيب بالخضاب، والجرب بالأدوية والأغذية، فقال فيه: وصل الموصول كلٌّ علا ... بك يا من لا نظير له لك ... دون المبتلي حسداً آخرٌ قد زان أوله

стр. 80

وسماح ناهض وله ... خلق في الناس أسفله وكفاه أن يذوب جوى ... كلما أصبحت تخمله ويذوق الموت من كمدٍ ... كلما حازيت منزله والورى داع وملتفت ... وسؤال مد أنمله

стр. 81

الترجمة السادسة [عبد المنعم] الفقيه أبو الفضل عبد المنعم بن عبد العزيز الإسكندراني. وقفت على ترجمته في "تاريخ ابن الأثير" و"تاريخ ابن الساعي" ووجدت الأسعد بن يعرب شيخ علماء الإسكندرية مليئا بأخباره، فلخصت من جميع ذلك أنه تفقه بالا سكندرية على مذهب مالك، ورحل إلى بغداد فتأدب ولقي الفضلاء. ولم يزل يأخذ نفسه بقول الشعر إلى صدر له مثل قوله: يا ساحر الطرف ليلى ما له سحر ... وقد أضرَّ بجفني بعدك السهر ولست أدري وقد صورت شخصك في ... قلبي المشوق أشمسٌ أنت أم قمر ما صور الله هذا الحسن في بشر ... وكان يمكن ألا تعبد الصور أنت الذي نعمت عيني برؤيته ... لأنها شقيت من بعدها الفكر أموت وجداً ومالي منك مرحمةٌ ... وكم حذرت ولم ينفعني الحذر أستغفر الله لا والله ما خلقت ... عيناك إلا لكي يفني بها البشر قوله: أيهذا المتجني ... ما الذي رابك مني

стр. 82

كل يوم من جفائي ... لك فن بعد فن بالذي لم يغنني عنك وقد أغناك عني لا تنغص عيشةً أنت لها أقصى التمني وأفعل الخير إذا استطعت ولكن دون مَنِّ فأحق الناس بالإحسان من فاز بحسن وقوله في الإخوانيات: يأيها المتمني ما عداه أفق ... من سكرة لست منها صاحي الفكر وخذ من الدهر ما أعطاك مقتنعاً ... بالصفو طوراً وممزوجاً مع الكدر منغص العيش من لا يرتضي أبداً ... حالا ولم يلف إلا طامح البصر لو أنه صار حيث المجد منزله ... لظل ذا طمع في هالة القمر فلا صنيعة إلا وهي ضائعةٌ ... فيه وليس على الوهن بمصطبر وكيف تلقاه شكر لصاحبه ... من ليس غضباناً على القدر ووجه من بغداد رسولاً إلى يحيى الميورقي بإفريقية، فرجع بعشرة آلاف دينار، ففرقها في أهل وده ومعارفه، ومات فقيراً بمارستان بغداد في جمادى الآخر سنة ثلاث وستمائة.

стр. 83

الترجمة السابعة [السلمي] القاضي الأديب أبو حفص عمر بن عبد الله بن [محمد بن عبد الله بن] عمر السلمي القاضي. وقفت على ترجمته في "تاريخ ابن عمر" و"معجم الشقندي" و"معجم والدي" و"خلاصة الإبريز لمحمد بن عبد العزيز" فلخصت من ذلك: أنه كان فقيها علامة، وفي النظم والأدب أنذر علامة. جل بين قومه بمدينة فاس مقاره، وقضيت بها في الجاه والمال أوطاره؛ إلى أن كان هناك من أهل الفتيا، ثم صار من جلساء أصحاب الأمر وأرباب العليا؛ ثم ترقى إلى الخطابة والقضاء، وصار ذا إبرام وإمضاء. ومن شهور عنه في قضائه العدل في الأحكام، وقلة النزق عند اختلاف الخصام. وكان في غاية من الظرف، إذا أقبل شمت رائحة الطيب منه

стр. 84

على بعد، وإذا غسلت ثيابه لا يكاد يفارقها. وكان منزله كأنه الجنة، حتى وجد فيه أعداؤه مطعنا، ورفعوا للمنصور أنه غير حافظ للناموس الشرعي بكثرة تغزله واشتهار مقطعاته وانهماكه في العشق. ووافق ذلك أن رمى ابن أخٍ له يده في امرأة وغصبها على الدخول لمنزله، وشهد بذلك عند أبي موسى بن رمانة، حافظ فاس، جماعةٌٌ. فأمر بإحضار المذكور بعد صلاة الصبح وضرب عنقه. وطلع القاضي ليتكلم فيه وقد بلغه أنه متعفف، فقيل له في الطريق: إنه قد فات الأمر. فرجع. وكتب فيه الحافظ وأعلم أن فقهاء فاس أجمعوا على تأخيره عن الإمامة والخطابة وولوا غيره، حتى يصل الإذن العالي إما باستقرار الثابت أو بتعويضه. فوصل الأمر بوصول أبي حفص إلى الحضرة فما جهل مكانه، ولا صغر شانه. وولاه المنصور قضاء إشبيلية. فشكرت فيها سيرته، وحمدت سيرته. ومات بها وهو قاض في سنة ثلاث وستمائة.

стр. 85

وله موشحات مشهورة يغني بها في الأقطار، منها: حسانةٌ رخيمة ... عانقت منها البانه والنقي الرجراج ... وأشواقي لحسانه ومما داخل في "كنوز المعاني" قوله: هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب عقل شاربها المدام يخاف الناس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام سما طرفي إليها وهو باكٍ ... وتحت الشمس ينسكب الغمام وأذكر قدها فأنوح وجداً ... على الأغصان تنتدب الحمام وأعقب بينها في الصدر غماً ... إذا غربت ذكاء أتى الظلام وقد اشتهر في الغرب والشرق قوله: لها ردفٌ تعلق من لطيفٍ ... وذاك الردف لي ولها ظلوم يعذبني إذا فكرت فيه ... ويتبعها إذا رامت تقوم ومن هذه القصيدة: أعيذك يا سليمي من سليمٍ ... قتلت فتاهم وهو الزعيم

стр. 86

أمالك طالب بتراب قتلى ... إذا قتل الغرام فلا غريم وحضر يوماً معه أبو بكر بن ميمون وأبو العباس الكورائي. فقال الكورائي: ما زلت أضرب بالقنا المنآد ... حلق الدروع وأنفس الحساد ثم قال ابن ميمون: وحسبت أنى لا أراع لحادثٍ ... حتى بليت بسطوة الأحقاد فقال أبو حفص: من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتُّت الأكباد ولما قال أبو العباس الكورائي: نبغت عمرة بنت ابن عمر ... هذه فاعتبروا إحدى العبر قل لها عني إذا ما جئتها ... قوله تترك صدعاً في الحجر هبتك كالخنساء في أشعارها ... أو كليلي هل تجارين الذكر

стр. 87

قال في جوابه: نهاني حلمي فما أظلم ... وعز مكاني فما أظلم ولا بد من حاسدٍ قلبه ... بنور مآثرنا مظلم بغانا الحسود ولسنا كما ... يقول ولكن كما يعلم وخرج في صباه مع شيخه أبي ذر النحوي فأثرت الشمس في وجهه، وكان وسيماً، فقال الأستاذ: وسمتك الشمس يا عمر ... وسمةً بالحسن تعتبر فقال أبو حفص: علمت قدر الذي صنعت ... فانثنت صفراء تعتذر ولما أنشد أبا يعقوب بن عبد المؤمن قصيدته التي أولها:

стр. 88

الله حسبك والتسع الحواميم ... تحوي بها سبعةً هن الأقاليم وانتهى منها قوله: يا سامعين أماديح الإمام ألا ... فاجثوا على ركب الإعظام أو قوموا قام جميع من في المجلس. وله قصيدة يمدح بها ابنه المنصور ويهنئه موقعه الأراك بالأندلس: أطاعتك الذوابل والشفار ... ولبى أمرك الفلك المدار ببشرى مثل ما أبهجت رياضٌ ... وسعد ما وضح النهار وفتح مثل ما انفتحت كمامٌ ... وشقت عن صدور مها صدار وآمال كما مدت ظلال ... وأفعال كما مدت بحار

стр. 89

وأعلامٌ بنصرك خافقاتٌ ... لها في كل جو مستطار ليهنئ أرض أندلس بدورٌ ... من السراء ليس لها سرار ومنها وصف الروم: وكم راموا الفرار من الرزايا ... ولكن أين من أجلٍ فرار تدار عليهم حمر المنايا ... بكأسٍ فيه عقر لا عقار إذا ما الليث أصبح في محل ... فما لطريدةٍ فيه قرار

стр. 90

الترجمة الثامنة [الكورائي] الأديب الجليس أبو العباس أحمد بن عبد السلام الكورائي وقفت على ترجمته في"تاريخ ابن عمر" و"تاريخ ابن نجيل" و"خلاصة الإبريز لابن عبد العزيز"و "معجم والي" و"معجم الشقندي" وتلخيص ذلك أنه من تادلا، عمل مشهور بين مراكش وفاس. وقومه "كوراية" برابر يعيبهم أهل المغرب ويزعمون أنهم يهود. وقد استطرد لهجاء بني المهجوم أعيان فاس وعليتهم في قوله:

стр. 91

يابن السبيل إذا مررت بتادلا ... لا تنزلن على بني غفجوم قومٌ طووا طنب السماحة بينهم ... لكنهم نشروا لواء اللوم يا ليتني من غيرهم لو أنني ... من أهل فاسٍ من بني الملجوم وطراه شاعر ببراءة فيها أبيات، فكتب له عليها: يا من يطرى لمن يطرى ... أسرفت والله في التعدي أنا أطري الأنام طراً ... وأنت تبغي النوال عندي فلما وقف الشاعر على ذلك زاد بعده: نسبت للمسلمين ظلماً ... وكان شيخ اليهود جدي وهو من شيوخ أدباء المغرب. رزق طول العمر والجاه ومجالسة الخلفاء. فأول من جالسه منهم عبد المؤمن، ثم جالس أبا يعقوب،

стр. 92

ثم جالس المنصور، وصنف له كتاب "صفوة الأدب" المشهور ب "حماسة الكورائي". ولما احتيج لرجل عامل عارف يجالس ابن منفذ، رسول صلاح الدين بن أيوب الواصل من المشرق، وقع الاختيار عليه، فما أتيح لأحد مجالسته سواه. ثم جلس الناصر، وحضر معه على فتح المهدية، وانصرف في خدمته إلى الحضرة، ومرض الناصر فهنأه بقصيدة أولها: أطلع الدهر منك بدراً منيراً ... ملأ السبعة الأقاليم نورا ثم مات سنة ثلاث وستمائة. وكان يقول في آخر أيامه: تعساً لطول العمر الذي أخرني لمعاشرة هؤلاء الأنذال! وعهدي بالخليفة عبد المؤمن يقول لي في جبل الفتح: يا أبا العباس، إنا نباهي بك أهل الأندلس.

стр. 93

وقال في ابن خيار الجياني الذي سعى بابن عطية وزير عبد المؤمن وبلغ عنده الغاية في الجاه بعد ذلك: أيابن خيار بلغت المدى ... وقد يكسف البدر عند التمام فأين الوزير أبو جعفر ... وأين المقرب عبد السلام وكان عبد السلام الكومي قد ولي الوزارة بعد أبي جعفر، فلم تمر به الأيام حتى نكب وخنق. فما كان أقصر أمره. ولما عظم أبو زيد بن يوجان في وزارته أغرى المنصور بالكورائي وقال له: إنه من أهل الشعر والهزل، وما يليق بمجالس الخلافة إلا أهل العلم والجد، فهجر. فلما نكب ابن يوجان هجاه فأكثر. ومما ليس بمقذع من ذلك، قوله: لقد كنت تحكي في التهجم مالكاً ... وكانت بك الأحوال تحكي جهنما فما أعظم البشرى بعودك خاملاً ... وغيرك قد أضحى النبيه المقدما

стр. 94

وهو أديب المغرب على الإطلاق في زمانه، مع ما له من اعتداد بالنفس والاقتدار في التقصيد. ومن عنوان ذلك قوله من قصيدة يمدح بها المنصور، ويذكر فتح قفصة وانهزام الميورقي: عدوكم بخطوب الدهر مقصود ... وأمركم باتصال النصر موعود وملككم مستمر ما له أمدٌ ... مؤقت دون يوم الحشر محدود ألقى على كل جبار كلا كله ... كأنه وهو في الأحياء مفقود وهبه عاش أليس الموت أرحم من ... عيشٍ يخالطه همٌّ وتنكيد أنحى الزمان على الأغرار واجتهدت ... في قطع دابرهم أحداثه السود ونازعتهم سيوف الهند أنفسهم ... فلم يفدهم عن الهيجاء تغريد فهم على الترب صرعى مثله عدداً ... إن كان يقضي بأن الترب معدود إذا حمى الأسد الغضبان رابيةً ... لم يفترس ثعلبٌ فيها ولا سيد وختمها بقوله: رضاكم الدين والدنيا وعدلكم ... ظلٌ ظليلٌ على الإسلام ممدود

стр. 95

دمتم حياة بني الدنيا ودام لكم ... نصرٌ وفتحٌ وتمكينٌ وتأكيد وله من قصيدة: عصوا دعوة المهدي وهي سفينةٌ ... فأغرقهم طغيانهم وهو طوفان ومن غر قصائده قصيدته في "رياح" يستميلهم إلى خدمة الأمير: أحاطت بغايات العلا والماخر ... على قدم الدنيا هلال بن عامر وزانوا سماء المجد عودا وبدأةً ... بسمر القنا والمرهفات البواتر هم المضريون الذين سيوفهم ... صواعق بأس تنتحي كل كافر أوائلهم في الجود والبأس غايةٌ ... وكم تركوا من غايةٍ للأواخر وكم فيهم من مثل كعب وهاشمٍ ... وكم لهم من مثل عمروٍ وعامر وكم قد أقاموا من عروش مواثلٍ ... وكم قد أقالوا من جدودٍ عواثر ومن محاسن صنعته قوله: جادوا وصالوا وصادوا واحتبوا فهم ... مزن وأسد وأصقار وأجبال إن سابقوا أو حاربوا غلبوا ... أو يمموا وصلوا أو أمَّلوا نالوا وقوله: غزوا فما امتنعوا صالوا فما انتفعوا ... كروا فما دفعوا فروا فما فاتوا

стр. 96

الترجمة التاسعة [الغساني] الحكيم الأديب المتفنن عبد المنعم بن مظفر الغساني الجلياني. وقفت على ترجمته في كتاب "الخريدة للعماد الأصفهاني" و"تاريخ حلب" وفي"تاج المعاجم" وفي"تاريخ بغداد لابن الدبيثي" وفي"تاريخ بغداد" أيضاً لابن النجار. فلخصت من جميع ذلك:

стр. 97

أنه ولد بجليانه من جهات غرناطة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، واشتغل بالطب والأدب، ورحل إلى المغرب واشتهر هناك ذكره، وأقام مدة ببغداد يمدح ويخالط الأعيان والفضلاء، ويطالع كتب الخزائن إلى أن المتفنن. واستقر بالشام وصار طبيب المارستان السلطاني في السفر والحضر، أيام صلاح الدين بن أيوب وبعده، إلى أن مات بدمشق سنة ثلاث وستمائة. ومدح في أول أمره صلاح الدين بمدائح مختصرات، فأعطاه عليها ثلاثمائة دينار مصرية، فحسده أحد الحاضرين وأظهر استكثار ذلك في حقه، فزاد السلطان ثلاثمائة دينارٍ أخرى. ووقفت على ديوان شعره، وأكثره مملوء من السخف والمجون، من نمط قوله في أبي الوحش، الذي كان يتطايب فيه مع أصحابه: إذا جاءني يوماً نعيُّ أبي الوحش ... وأبصرته فوق الرؤوس على النعش

стр. 98

وقد جعلوا من نهر "قلوط" غسله ... وكفن كرشٍ وألحد في حش وظل لما يلقاه من هول منكرٍ ... وشدة ضيق القبر يضرط كالجحش بذلت لصحبي زق خمر وقينةً ... وزخرفت داري بالنمارق والفرش فإذا قيل لي ماذا التكرم والسخا ... أقل لهم مات الوضيع أبو الوحش وقوله يخاطب صديقاً له من أهل الجاه بشيزر رغب إليه أبو الوحش في أن يصحبه نحوه كتاباً: أبا الحسين استمع مقال فتىً ... عوجل فيما يقول فارتجلا هذا أبو الوحش جاء مجتدي ال ... قوم فنوه به إذا وصلا واتل عليهم بحسن شرحك ما ... أتلوه من أمر شأنه جملا وخبر القوم أنه رجلٌ ... ما أبصر الناس مثله رجلا تنوب عن وصفه شمائله ... لا يبتغي عاقلٌ به بدلا وهو على خفة به أبداً ... معترف أنه من الثقلا يمت بالثلب والرقاعة والس ... خف وأما ما سواه فلا إن أنت فاتحته لتخبر ما ... يصدر عنه فتحت منه خلا فسمه إن حل خطة الخسف والهون ورحب به إذا قفلا وسقه السم إن ظفرت به ... وأمزج له من لعابك العسلا

стр. 99

وقوله، وهو طيار بالمشرق: يا ساهراً في اقتناء علمٍ ... يخطب منه مقام محكم بدون هذا ترى فقيها ... فوسع الكم ثم عمهم وألبس من الشهيب طليلساناً ... وأغمده في المنكبين وأختم واجلس مع القوم في جدلٍ ... لا بالبخاري ولا بمسلم إلا صياحاً ونفض كمٍ ... ونظم "لا لا" وقوله "لم لم" فما أرى عندهم علوماً ... أكثر من "لا" و"لا أسلم" واستحسنوا قوله في الخمر: وصفراء لولا نفحها ومذاقها ... لقلت نضارٌ في الأباريق ذائب من الماء فيها للحباب عمائمٌ ... وللنور منها الأكف ذوائب ومن أبياته المفردة قوله: قد يكرم الفرد إعجاباً بخسته ... وقد يهان لفرط النخوة السبع وذكر العماد الأصفهاني أنه صنف كتابا سماه ب "نهج الوضاعة لأولي الخلاعة". وذكر المؤرخون أنه كان بمجلس السلطان صلاح الدين، فقال له

стр. 100

الفاضل البيساني، ليغص منه بنسبه: يا أبا الفضل، كم بين جليانة وغرناطة؟ فقال: الذي بين بيسان والقدس. فخجل الفاضل وظهر ذلك في وجهه.

стр. 101

تراجم سنة أربع وستمائة ست

стр. 102

الترجمة الأولى [البغيديدي] الشاعر الجمال البغيديدي حسين بن أحمد. لم أجد ذكره في تاريخ وإنما أخذت ترجمته من الحافظ أبي المحاسن الدمشقي ومن أدباء العراق: هو من بغيديد، قرية من قرى الحلة المشهورة بالعراق. وأول ما عرفت من أمره أني أول ما سافرت إلى بغداد بت ليلة على شاطئ دجلة في بستان، فسمعت في هدوء الليل يغنيان بهذه الأبيات في أحسن صوت وأبدع لحن: بين العقيق وحاجر ... أفنيت ماء محاجري

стр. 103

كم لي بذاك المنحنى ... من طيب عيش ناضر أيام أرتع للصبا ... في كل روض زاهر وأورد كل غضارة ... للعيش غير محاذر أحباب قلبي غبتم ... وسكنتم في خاطري وجفوتم وخيالكم ... من رحمة لي زائري أنسيتم عهد المشو ... ق المستهام الذاكر وزهدتم وغفلتم ... عن ذي غرامٍ ساهر كونوا كما شئتم ففيكم قد فضحت سرائري وعليكم اقتصرت أوا ... ئل صبوتي وأوامري لا وحش الله الحمى ... من كل ظبيٍ نافر ومن الغصون المائسا ... ت وكل بدرٍ سافر ومن النسيم معطراً ... ومن الغمام الباكر فما فرغا من هذه المقطوعة إلا وقد كدت أخرج عن الوجود طرباً، وبقيت وقد سر بها خاطري. ثم جعلت أبحث عن قائلها، فأخبرت أنها للجمال البغيديدي. وهو صاحب مقطعات في الغرام والمجون

стр. 104

والهجاء وأكثر مسلكه في طريقة منصور الفقيه. إذا رمى بزوجه قتل، كقوله في شخص ثقيل، كان يزور بثقيلٍ آخر يقلب بالسراج: يا كفى الناس ما بينهم منك حتى ... صرت تغشاهم ومعك السراج فإذا زرت لا تزر بجنيبٍ ... لا يكون الطاعون والحجاج

стр. 105

وقوله في شخص نازلٍ يكثر من التيه، ولا يتكلم أحد في أدب أو علم إلا قطع حكايته وجعل يحكي: يا تائهاً يا جاهلاً يا قاطعاً ... كل مقال جاء من قائل لا يبصر الناس على كل ذا ... من ذي علاءٍ كيف من نازل وقال في شخص رفعه الزمان بالاشتغال في بعض الأعمال السلطانية، وكان يطعن في نسبه باليهودية: يا ناظراً في عطفه معجباً ... يبخل أن يبدأنا بالسلام والله لو أصبحت من هاشمٍ ... من معشرٍ سادوا الورى في نظام ما فيهم بعد أبي جعفر ... إلا إمام وارث بغى إمام لم نحتمل منك الذي جئته ... من صلفٍ يزري بعقل الكرام فكيف والسبت غدا عيدكم ... عذركم أمسى علينا حرام وأنشدت له في طريقة المجون: رأيت إذا زيدٌ على ظهر أمرد ... فقلت له ماذا الذي أنت تفعل فقال صغيرٌ ليس يعلم صنعةً ... أعلمه والأجر لي كيف يدخل وقوله: جاء على بغلة يعظمه الناس وقالوا فتىً وأي فتى

стр. 106

فقلت من ذا؟ فقيل لي رجلٌ ... يلوط لكن يبوس ملتفتا ومن محاسن نوادره: قوله يخاطب أحد وزراء بغداد: قل للوزير أدام الله دولته ... يا أعدل الناس حالي كيف تلتبس إن الغلام وبرذوني قد اتفقا ... من فرط جوعهما ما فيهما نفس وإن تصرم هذا اليوم بي فغداً ... يمشي الغلام ولا يمشي بي الفرس وذكر أنه مات في سنة أربع وستمائة. ثم تذاكرت مع الحافظ أبي المحاسن الدمشقي بعد ذلك في شأنه فأخبرني أنه عمر، ولنتقل عن المجون والاستهتار إلى طريقة الفقراء، ولزم الزوايا والربط، وقال: أرعشت كفه على الكأس حيناً ... ثم قد أرعشت على القنديل ومحا من صحائف اللهو ما أث ... بته في صحائف التنزيل وتذاكرت مع العز الغنوي فيه، فأخبر أنه ذكره في كتابه في "من لقيه من الشعراء" فروى عنه، وأنشدني عنه أبياته التي خاطب بها الوزير، وقد تقدمت، وقوله: هو مثل السلطان في بلد النيل وهذا عجزٌ من السلطان قيل عنه إنسان سوءٍ فما عا ... ينت إلا مرأى بلا إنسان

стр. 107

الترجمة الثانية [الكفرعزي] العالم القاضي أبو محمد جعفر بن محمود الكفرعزي. من كفر عزي، من ضياع إربل. ذكر عنه مؤرخ إربل أنه كان إماماً في الفقه الشافعي، مشاركاً في العلوم الحديثة والقديمة. ولي قضاء إربل ومات في سنة أربع وستمائة. وأنشد له: ولو أني كتبت بقدر شوقي ... إليك لضاق عن كتبي الفضاء أعلل فيك روحي بالأماني ... وأرجو أن يطول لك البقاء وتذاكرت مع الشرف يعقوب الإربلي في شأنه، فأثنى عليه ووصفه بخفة الروح ولطافة المنزع. وأنشد له: أهواك يا بدر لكن ... من لي بقرب البدور ولي إليك اشتياقٌ ... وكيف أسلو سروري ما بيننا من وصالٍ ... إلا الذي في السطور يطغى فيخرجه الشو ... ق من خبايا الصدور

стр. 108

قال: وكان في إربل شخص كثير الإلحاح واللجاج والمتابعة، فاتفق له أن استوزر، فقال فيه: قولوا أحقا سمعنا ... أم ذاك يخلق زورا أضحى "النصيبي" معيناً ... في ملكنا ونصيرا إن أبصرت لجاظي ... مشاوراً ومشيرا بدولةٍ كان هذا ... يوماً علينا عسيرا فلا رعى الله وقتاً ... قدمت فيه وزيرا نموت جوعاً ولسنا ... نلقي إليك الأمور قال: وجرى له أن تحاكم عنده شخص جريء متكلم مع شاب كما خط عذاره، فتان الصورة. فجعل القاضي يقبل الشاب. فقال له بما فيه من القحة: أراك يا قاضي المسلمين تميل إلى هذا الصبي ولا تلتفت إلي! فقال القاضي: ذاك لأنني أتبين مجاري الحق من أثناء كلامه. قال: لا والله، بل فتنك بألفه ولامه. فحبسه الحاضرون وهموا به. فقال: ما على هذا من جناح، احملوه إلى مارستان حتى يتطيب، فقد نشف دماغه. فحمل للمارستان وانحلت القضية. ثم أطلقه بعد ذلك. فكان يلقب بالناشف. فأضجره الناس، فهرب إلى الموصل.

стр. 109

الترجمة الثالثة [ابن الساعاتي] الشاعر المجيد الشهير المكثر الجليس البهاء بن الساعاتي الدمشقي أبو الحسن علي بن محمد بن رستم. وقفت على ترجمته في "تاريخ حلب" و"تاج المعاجم". ووقفت على ديوان شعره في أربع مجلدات. وهو مملوء من المحاسن. وتلخيص أمره: أنه خراساني الأصل، ولد بدمشق وكان أبو أمه يشتغل بالساعات التي على باب الجامع، فعرف به. قالوا: ولم بدمشق في زمانه أبدع منه صورة. وبرع في صباه خطاً وشعراً، ولعبا بالشطرنج والنرد، وفي الفروسية. فخالطه الكبراء، وهام فيه الجلة، ونادمة الملوك، وجالسة السلاطين إلى أن قدم على الجميع، وأبيح له ضرب طبولهم، على عادة أهل المشرق. وجل مديحه في السلطان صلاح الدين بن أيوب، وبنيه: العزيز

стр. 110

صاحب مصر، والأفضل صاحب دمشق، والظاهر صاحب حلب. وله مدح كثيرة في نجم الدين بن مجاورة وزير العزيز، وقد تقدمت ترجمته. ومن المشهور أنه قرأ في أولا أمره على البديع الأسطرلابي بأمد وكان له ألف دينار، فجعلها في حب ببيت البديع ولم يعلمه، فاتفق أن دخل سقاء وحمل الحب فوقع على الذهب فأخذه. وتفقده ابن الساعاتي فلم يجده. فخرج وشكا ذلك للبديع. فقال البديع ما اشتهر، لما تضمنه من الإحسان وطريف المقصد: يا من غاب عني لست أنساه ... ومن أصافيه ودي حين ألقاه إن كان مالك الحب ألفه ... كما علمت فماء الحب أفناه ثم سعى في شأنه حتى خلصه من السقاء. وكانت وفاة ابن الساعاتي بالقاهرة سنة أربع وستمائة.
следующие страницы →