← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 923

البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة - النشار

أبو حفص النشار

Полный текст (1 622 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وجميع من والاه، وبعد فإن علم القراءات سنةٌ متَّبعةٌ، تواصلت فيها أجيال الأمه بالتلقي والمدارسة، ونحن اليوم في حاجة مع هذه النهضة القرآنية المباركة لإعادة تقديمه ودعمه. من هنا رأينا أن نسند الأمر إلى أهله، لنشر كتاب الإمام ابن النشار "البدور الزاهرة" بنشرةٍ محققة، تزيِّنها شروح موثقة ميسرة، لشيخ عموم المقاريء المصرية، الأستاذ الشيخ أحمد المعصراوي، حيث لقي الكتاب كذلك عناية لجنة إحياء التراث الإسلامي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتولَّتْهُ بالرعاية إدارة الشئون الإسلامية، وقالت بتمويله الهيئة القطرية للأوقاف فالشكر لكل الجهود المخلصة، سائلا الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى. فيصل بن عبد الله آل محمود وزير الأوقاف والشئون الإسلامية رئيس الهيئة القطرية للأوقاف دولة قطر

стр. 2

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة لجنة إحياء التراث الإسلامي الحمد لله رب العالمين والصلاه والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: دأبت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر على نشر كتب التراث، واعتنت بها عناية لا تخفى على ذي بصيرةٍ، وهي اليوم تقدم سِفرًا نفيسًا من هذه الكتب، وهو "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، لأبي حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن علي الأنصاري النشار المتوفي سنة ٩٢٧ هـ. وقد قام بتحقيقه ودراسته وشرحه، الأستاذ الدكتور أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقاريء المصرية. وتبدو أهمية الكتاب بأنه يضيف إلى كتب القراءات القليلة - قياسًا إلى العلوم الشرعية الأخرى عملًا جديدًا. فبالإضافة إلى التعريف بالقراءات العشر المتواترة، فهو يشرحها شرحًا مدرسيًّا يضع الطالب لمعرفة القراءات على طريقٍ واضحةٍ. ولذا رأت لجنة إحياء التراث الإسلامي، أن يكون هذا الكتاب القيم من منشوراتها. آملين أن يتقبله الله جهدًا علميًّا خالصًا لوجهه الكريم. لجنة إحياء التراث الإسلامي

стр. 3

مِقَدِّمَةُ المحقّق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي نزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. أحمده حق حمده؛ فهو المنفرد بالدوام، المتطوِّل بالإنعام. أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. أحمده سبحانه على جميع نعمه، وأشكره على تتابع آلائه ومننه. وأصلي وأسلم على سيد ولد آدم محمد ﷺ النبي العربي الهاشمي القرشي خير من مشى على وجه الأرض، من أُنزِل عليه القرآن فكان خلقه القرآن، وكان قرآنا يمشي على الأرض. وبعد: فإنّ "القرآن الكريم هو الوحي المنزل على محمد للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفياتها من تخفيف وتثقيل وغيرها" (١). ولذلك فإنّ تعدد القراءات لا يعني جعل كل منها قرآنًا يغير حكمًا أو يبدل مضمونًا، كما زعم أولو الزيغ وأثاروا هذه الفكرة المردودة لدى مَنْ له أدنى إلمام بالعربية وسعة مادتها. وليس تحصيلُ هذا العلم بالأمر السهل فيناله الطالب دونما جهد أو تعب، ولذا فقد بذلتِ الطاقات لتذليل المصاعب، فصيغ شعرًا يتضمن رموزًا تبعث الأضواء في درب المسيرة، تسهيلًا لهذه الغاية السامية التي تتعشّقها أفئدةٌ عرفت منزلةَ القرآن الكريم ورفعته. وعلم القراءات: هو العلم بكيفية أداء الكلمات القرآنية من حيث الوجه الأدائي نطقًا ولغة، اتفاقًا واختلافًا، مع عزوه لناقله؛ وأعني بقولي: (نطقًا) معرفة كيفية نطق الكلمة من حيث النقل والفصل والرسم .. الخ. وأعني بقولي (لغة) ما ورد فيه الخلاف بين الأئمة في اللفظ المختلف فيه من حيث الأوجه. _________ (١) البرهان ١/ ٣١٨.

стр. 4

ولقد قيّض المولى لهذا الكتاب من يقوم على حفظه منذ نزوله حتى يومنا هذا، فتلقاه الصحابة عن النبيِّ ﷺ فحفظوه ووعوه في قلوبهم وعقولهم وصدورهم بجميع قراءاته ورواياته، وعندما حدثت حركةُ الفتوحات الإسلامية تفرّق الصحابة في سائر الأمصار، فتلقاه عنهم أهل هذه البلاد وتلقاه عنهم من جاء بعدهم. ولقد قام جهابذة العلماء، فجمعوا الحروف والقراءات، وعزوا الوجوه والروايات، وفرقوا بين الصحيح المتواتر وبين المشهور والشاذ؛ ووضح هؤلاء الأئمة أن القراءة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، ويجب على الناس قبولها، هي تلك الحروف التي نزل القرآن بها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن الأئمة العشرة. ولقد تعددتِ الكتبُ التي تناولت علم القراءات منذ عصر الكتابة الأول إلى عصرنا هذا، وتراوحت تلك الأعمال ما بين الصغير والمتوسط والكبير، ويعدُّ كتابُنا هذا "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" لأبي حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن شمس الدين محمد بن علي الأنصاري النشار المتوفى سنة ٩٣٧ هـ. من هذه الكتب التي قدمت القراءات القرآنية في صورة سهلة لمن أراد أن يتعلّم القراءات القرآنية بصورة سلسة؛ حيث إن الكتاب يتناول السور القرآنية والآيات القرآنية بصورة متتابعة تسهل على المتعلم المراجعة، وعلى الرغم من أنّ هناك بعض الأخطاء التي وقع فيها المؤلف إلا أن هذه الأخطاء لا تقدح في قيمة الكتاب العلمية، ولله الحمد والمن؛ فقد نبهنا على هذه الأخطاء في أماكنها، وقمنا بالتعليق عليها حتى لا يحدث لبس عند المتلقي، ولقد وضحنا منهجنا في العمل في المقدمة التالية لهذه الصفحات. ولقد حاولنا في هذا العمل المتواضع الذي قمنا به توضيح كل غامض، وتبيين ما لم يقم المؤلف به من توجيه للقراءة، وذكر للمتشابه، أو الذي غفل عنه المؤلف، وذلك حتى يكون بين يدي المتعلم ما يتوق إليه. والله أرجو أن يجعل في هذا العمل القبول والنفع، وإن كان في هذا العمل من جهد فمن الله، وما كان فيه من تقصير فمني ومن نفسي .. والله أسأل أن يجازي كلَّ من ساهم في هذا العمل من صف أو قراءة أو مراجعة الخير

стр. 5

والجزاء، وأخص بالذكر الأخ الفاضل أحمد عبد الرازق البكري الذي بذل مجهودًا كبيرًا في مراجعة التوجيه اللغوي، وكانت له ملاحظات جيدة، كما أخص بالشكر الأخ الفاضل الشيخ محمد أحمد المنشد قاطن المنيا، الذي قام بمراجعة شواهد الكتاب؛ فالله أسأل أن ينفعهما بما قاما به من جهد. وفي النهاية أرجو من الله أن يعينني على إخراج بقية هذه السلسلة "سلسلة مكتبة القراءات وعلوم القرآن". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. أ. د. أحمد عيسى المعصراوي شيخ عموم المقاريء المصرية ورئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف وأستاذ الحديث وعلوم السنة - جامعة الأزهر

стр. 6

تقديم الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، أحمده حق حمده فهو أهل للثناء والحمد. سبحانه لم يجمع العلم لإنسان، ولا قصره على مكان، ولا حصره بزمان؛ بل بثّه سبحانه في العباد والبلاد، ونقله عن الآباء إلى الأولاد، سبحانه جلت قدرته، وعلت حكمته. وأصلي وأسلم على خير البرايا محمد ﷺ ، من يسر القرآن بلسانه، واختاره لأدائه وبيانه. أصلي وأسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ثم أما بعد: فقد وردت الأخبار الكثيرة عن وجوب تعظيم القرآن، والحث على قراءته، وأنَّ حَمَلَتَه كالنجوم يستضاء بهم في ظلمات البر والبحر، وأنهم أشرافُ الأمة وسادتها، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في (صحيحه) عن عثمان بن عفان ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "خيرُكُم مَنْ تعلَّم القرآنَ وعلَّمه" (١). وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مثلُ المؤمنِ الذي يقرأُ القرآنَ مثل الأترجَّةِ (نوع من الفاكهة) ريحُها طيّبٌ وطعمُها طيّبٌ، ومثلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثل التمرةِ لا ريحَ لها وطعمُها حلوٌ، ومثل المنافقِ الذي يقرأُ القرآنَ مثل الريحانةِ ريحُها طيّبٌ، وطعمُها مرٌّ، ومثلُ المنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثل الحنظلةِ ليس لها ريحٌ وطعمُها مُرٌّ" (٢). _________ (١) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٥٠٢٧) عن عثمان عن النبي ﷺ قال: .. به. (٢) حديث حسن الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام (٥٤٢٧) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله: .. به.

стр. 7

وقد انفرد القرآن من بين الكتب السماوية بتعدد قراءاته، وقد وضع العلماء القواعد، واستقصوا في أوجه القراءات ما يسد باب الرأي من بعدهم. وقد اعتمد علماء القراءات أنّ كل قراءة وافقت اللغة العربية ووافقت رسم أحد المصاحف العثمانية وصحَّ سندُها فهي القراءة التي يجب قبولها، ولا يحل لأحد جحدها وإنكارها وهي من جملة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. وقد اختلف العلماء في بقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية - بناءً على اختلافهم في المراد بالأحرف السبعة - على أقوال: أولًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على حرف واحد وهو حرف قريش، وأن الأحرف الباقية إما نسخت في زمن النَّبِيّ ﷺ ، أو اتفق الصحابة على تركها درءًا للفتنة التي كادت تفتك بالأمة عندما اختلف الناس في قراءة القرآن. وإلى ذلك ذهب ابنُ جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي، وابن حِبّان، والحارث المحاسبي، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عبيد الله بن أبي صفرة (١). وقال أبو شامة: وصرَّح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده بأنه حرف منها (٢). وقال أبو عبيد الله بن أبي صفرة: هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف، وهذا ذكره النحاس وغيره (٣). وهذا القول مبني على القول بأنّ المراد بالأحرف السبعة سبع لهجات في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، وهو قول ابن جرير ومن وافقه. ثانيًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة، ولم تُهمل منها حرفًا واحدًا. وهو ما ذهب إليه جماعات من القراء والفقهاء والمتكلمين، وهو الذي _________ (١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٣٩، ٢٤١، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٠٠٦). (٢) انظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣). (٣) انظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٠).

стр. 8

اختاره القاضي الباقلاني وابن حزم والداودي وغيرهم. قال الباقلاني: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رَسُول الله ﷺ ، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنَّما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا، وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، وليست متضاربة ولا متنافية (١). وقال الداودي: وهذه القراءات السبع التي يقرأ الناس اليوم بِها ليس كل حرف منها هو أحد تلك السبعة، بل تكون مفرقة فيها (٢). ثالثًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، متضمنة لما ثبت في العرضة الأخيرة. قال ابن الجزري: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمُها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي على جبريل، متضمنة لَها، لم تترك حرفًا منها. قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والآثار المستفيضة تدلُّ عليه، وتشهد له (٣). وهذا الرأي هو الذي أميل إليه وأرجحه. * * * _________ (١) صحيح مسلم بشرح النووي (١٠٠٦)، والبرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). (٢) المرجع السابق. (٣) النشر في القراءات العشر (٣١١).

стр. 9

الأحرف السبعة والقراءات السبع دلتنا النصوص على أن المراد بالأحرف السبعة سبع لهجات نزل بها القرآن، ونود أن ننبه بأن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع المشهورة، التي يظنُّ كثير من عامة الناس أنها الأحرف السبعة. وهو خطأ عظيم ناشيء عن الخلط وعدم التمييز بين الأحرف السبعة والقراءات السبع. وهذه القراءات السبع وتحديدها بالسبع بصفة خاصة إنما عرفت واشتهرت في القرن الرابع، على يد الإمام المقرئ ابن مجاهد الذي اجتهد في تأليف كتاب يجمع فيه قراءات بعض الأئمة المبرزين في القراءة، فاتفق له أن جاءت هذه القراءات سبعة موافقة لعدد الأحرف مع أنه قد ذكر في كتابه "السبعة" ما يربو على خمسة وعشرين إمامًا من أئمة القراءات، ولكن وقع اختياره على سبعة دون غيرهم من هؤلاء الأئمة الكثر، فلو كانت الأحرف السبعة هي القراءات السبع، لكان معنى ذلك أن يكون فهم أحاديث الأحرف السبعة، بل العمل بها أيضًا متوقفًا حتى يأتي ابن مجاهد ويخرجها للناس. وقد كثر تنبيه العلماء في مختلف العصور على التفريق بين القراءات السبع والأحرف السبعة، والتحذير من الخلط بينهما. معنى الأحرف السبعة اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافًا كثيرًا، وفي ذلك يقول الإمام ابن الجزري رحمه الله تعالى في (النشر): "تتبعتُ القراءات صحيحها وشاذِّها وضعيفها ومنكرها، فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا يخرج عنها وذلك: ١ - إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة، نحو: اليُسْر، اليُسُر.

стр. 10

٢ - أو بتغير في المعنى فقط نحو: فتلقى آدمُ .. كلماتٍ، فتلقى آدمَ .. كلماتٌ .. ٣ - وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة، نحو: هنالك تبلو، .. تتلو .. ٤ - وفي الحروف بتغير الصورة لا المعنى، نحو: الصراط، السراط .. ٥ - وفي الحروف بتغير الصورة والمعنى معًا، نحو: كانوا هم أشد منكم، .. منهم .. ٦ - وإما في التقديم والتأخير، نحو: فيَقَتُلون ويُقتَلون، فيُقتَلون ويَقتُلون. ٧ - وإما في الزيادة والنقصان، نحو: ووصَّى بها إبراهيم، وأوصى .. حقيقة الأحرف السبعة ذهب بعض العلماء إلى استخراج الأحرف السبعة باستقراء أوجه الخلاف الواردة في قراءات القرآن كلها صحيحها وسقيمها، ثم تصنيف هذه الأوجه إلى سبعة أصناف، بينما عمد آخرون إلى التماس الأحرف السبعة في لهجات العرب، فَتكوّن بذلك مذهبان رئيسيان، ندكر نموذجًا عن كل واحد منهما فيما يلي: المذهب الأول: مذهب استقراء أوجه الخلاف في لهجات العرب، وفي القراءات كلها ثم تصنيفها، وقد تعرض هذا المذهب للتنقيح على يد أنصاره الذين تتابعوا عليه، ونكتفي بأهم تنقيح وتصنيف لها فيما نرى، وهو تصنيف الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الرازي، حيث قال: إن كل حرف من الأحرف السبعة المنزلة جنس ذو نوع من الاختلاف. أحدها: اختلاف أوزان الأسماء من الواحدة، والتثنية، والجموع، والتذكير، والمبالغة. ومن أمثلته ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، وقرئ. (لِأَمَانَاتِهِمْ) بالإفراد. ثانيها: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه، نحو الماضي والمستقبل، والأمر، وأن يسند إلى المذكر والمؤنث، والمتكلم والمخاطب، والفاعل، والمفعول به. ومن أمثلته: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] بصيغة الدعاء، وقرئ: (رَبنَا بَاعَدَ) فعلًا ماضيًا.

стр. 11

ثالثها: وجوه الإعراب. ومن أمثلته: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قرئ بفتح الراء وضمها. وقوله ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] برفع (الْمَجِيدُ) وجره. رابعها: الزيادة والنقص، مثل: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] قرئ (مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى). خامسها: التقديم والتأخير، مثل، ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، قرئ: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) ومثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾، قرئ: (وجاءت سكرة الحق بالموت). سادسها: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، أو حرف بآخر، مثل: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالزاي، وقرئ: (ننشرها) بالراء. سابعها: اختلاف اللهجات: مثل ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات: ١٥] بالفتح والإمالة في: (أتى) و (موسى) وغير ذلك من ترقيق وتفخيم وإدغام. فهذا التأويل مما جمع شواذ القراءات ومشهورها ومنسوخها على موافقة الرسم ومخالفته، وكذلك سائر الكلام لا ينفك اختلافه عن هذه الأجناس السبعة المتنوعة. المذهب الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة لهجات من لهجات قبائل العرب الفصيحة. وذلك لأن المعنى الأصلي للحرف هو اللغة، فأنزل القرآن على سبع لهجات مراعيًا ما بينها من الفوارق التي لم يألفها بعض العرب، فأنزل الله القرآن بما يألف ويعرف هؤلاء وهؤلاء من أصحاب اللهجات، حتى نزل في القرآن من القراءات ما يسهل على جلّ العرب إن لم يكن كلهم، وبذلك كان القرآن نازلًا بلسان قريش والعرب. فهذان المذهبان أقوى ما قيل، وأرجح ما قيل في بيان المراد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم. غير أنا نرى أن المذهب الثاني أرجح وأقوى. ولقد أُمرَ النبِي ﷺ أن يُقرئ أمته القرآن على سبعة أحرفٍ، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ، فَلمْ أَزَلْ

стр. 12

أَسْتَزِيدُهُ وَيريدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (١). وهذا بلا شك يدل على أنه قد قرأ على هذه الأحرف السبعة؛ ليتعلّمها منه أصحابه، وينقلوها إلى الأمة من بعده. وقد كان النَّبِيُّ ﷺ يعرض القرآن على جبريل ﵇، في رمضان من كلِّ سنة، فيُثْبِت الله ما يشاء، وينسخ ما يشاء، أو يأمر بالقراءة على حرف أو أكثر من الأحرف السبعة. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ: أَي الْقِرَاءَتَيْنِ كَانَتْ أَخِيرًا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللهِ أَوْ قِرَاءَةُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْنَا: قِرَاءَةُ زَيْدٍ، قَالَ: لا؛ إِلَّا أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرَائيلَ عَامٍ مَرةً، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَهُ عَلَيْهٍ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَتْ آخِرَ الْقِرَاءَةِ قِرَاءَةُ عَبْدِ الله (٢). قال ابن عبد البَرِّ: وقد يُشكل هذا القول على بعض الناس، فيقول: هل كان جبريل يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات فيُقال له: إنَّما يلزم هذا إن قلنا: إن السبعة الأحرف تجتمع في حرف واحد، ونحن قلنا: كان جبريل يأتي في كل عرضةٍ بحرف، إلى أن تَمُرَّ سبعةٌ (٣). ولقد أجمع الأصوليون والفقهاء على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على القراءات العشر، وما وراء العشر لا يحكم بقراءتها، ولا تجوز القراءة بها في الصلاة ولا خارجها لفقدها أحد أركان القراءة الصحيحة وهي: ١ - موافقة الرسم العثماني. ٢ - موافقة وجه من أوجه اللغة العربية. ٣ - صحة سندها. ولكن تجوز قراءتها ومعرفتها من باب الاستدلال بها لغةً كقراءة قوله تعالى في سورة الحجرات ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (ولا تحسسوا) (٤)، أو استنباط لحكم فقهي كقراءة ابن مسعود _________ (١) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، بَاب أُنْزِلَ الْقُرآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ (٤٩٩١) عن عَبْدِ الله بْنِ عباسٍ. (٢) حديث حسن الإسناد. أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢٧٥) عن ابن عباس. (٣) نقلًا عن البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٠). (٤) المعنيان متقاربان يقال: تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه، تفعّل من الجس، كما أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس لما في اللمس من الطلب، وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾.=

стр. 13

(وله أخ أو أخت من أم) (١). ومهما ادعى عبقري من طاقة أو جهبذي من جهد فلن يستجاب لهما بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، إلا أن يبتغي تغيير معنى كما حاول أهل القرية (أنطاكية) التي ذكرت في سورة الكهف الآية (٧٧) استبدال كلمة "فأبوا" بكلمة "فأتوا" في قوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾، فردهم إلى الصواب حفظًا للتنزيل. وتتجلى كل قراءة بجزالة مبانيها وغزارة معانيها. ومن الإنصاف ألا يخوض المرء فيما لا جدوى فيه بل يتلقاها بقوة إيمان وكمال عقيدة، وهاك مقتطفات من أزهار حدائقها المونقة من نحو قوله تعالى: قل العفوَ، .. العفوُ - وضعَتْ، وضعْتُ - يُصْلحا، يَصَّالحا - يومُ، يومَ - آزرَ، آزرُ - يسيركم، ينشركم - هل يستطيع ربُّك، هل تستطيع ربَّك - سيئهُ، سيئةً - عجبتَ، عجبتُ - فلا تتناجوا، فلا تنتجوا. وما في نحو: يسَّاقط، ويتقه، يخصِّمون، نعما، من الأوجه ما لا يدع مجالًا للرأي ولا للابتداع. ولا شكَّ أنه قد نسخ بعض القرآن في العرضة الأخيرة، كما نسخت بعض الأحرف السبعة التي نزل بِها القرآن. ومن أمثلة ذلك ما روي عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِبمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتِ مَعْلُومَاتِ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخنَ بِخَمْسِ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَهُنَّ فيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (٢). وقال ابن الجزري: ولا شك أن القرآن نُسخ منه وغُيِّر في العرضة الأخيرة، فقد صحَّ بذلك النصُّ غير واحدٍ من الصحابة (٣). _________ = والتحسس: التعرف من الحس ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان الحواس بالحاء والجيم، والمراد النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه، وعن مجاهد: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله (الكشاف للزمخشري ٤/ ٣٧٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ١٥١). (١) وهي قراءة سعد بن أبي وقاص (تفسير البغوي ١/ ٤٠٤، والبرهان ١/ ٣٣٧). (٢) أخرجه مسلم في الرضاع باب التحريم بخمس رضعات (١٤٥٢). قال الإِمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٢٩) وقولها: "فتوفي رسول ﷺ وهنَّ فيما يُقْرَأُ" هو بضم الياء من يقرأ، ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًّا حتى إنه توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنًا متلوًّا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى. (٣) النشر في القراءات العشر (٣٢١)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (١/ ١٤٢).

стр. 14

وقد اتفق العلماء على أن جمعَ القرآن في زمن أبي بكر الصديق، بقي على نفس الصورة التي تركها عليه النَّبِيُّ ﷺ ، ولم يتغير منه شيء، سواء في ذلك من رأى أن الأحرف السبعة باقية كلها، ومن قال إن الأحرف نسخت ولم يبق إلا واحدٌ، ومن ذهب إلى أن الباقي بعض الأحرف السبعة (١). الفرق بين القراءات والأحرف السبعة اختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال أبو جعفر: فأما ما كان من اختلاف القراءة، في رفع حرف وجرِّه ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر، مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ القُرآنَ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ" بمَعْزِلٍ، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن، مما اختلفت القراء في قراءته بهذا المعنى، يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة، وقال البعض: وقد دأب من تعرض للحديث عن القراءات بأن يقرن بين الأحرف السبعة والقراءات السبع، مما يتبادر إلى الأذهان أن القراءات هي الأحرف، وبخاصة بعد أن اشتهرت القراءات السبع في الأمصار وأصبح الناس يتحدثون عن قراءات سبع وأحرف سبعة. والأحرف السبعة هي التي جاء الحديث الصحيح بالإشارة إليها في قول النبي: "إنّ هذا القرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ فاقرؤوا منه ما تيسّرَ" (٢). _________ (١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣)، ومناهل العرفان (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤). (٢) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (٤٩٩٢) عن عمر بن الخطاب يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت: كذبت فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ : "أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت: .. " به.

стр. 15

ويميل جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة. واختار القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني هذا الرأي وقال: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا. وعبارة "الأحرف" - وهي جمع حرف - الوارد في الحديث تقع على معانٍ مختلفة، نقد تكون بمعنى القراءة كقول ابن الجزري: "كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر" وقد تفيد المعنى والجهة كما يقول أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي. وحكي عن الخليل بن أحمد الفراهيدي شيخ العربية أن القراءات هي الأحرف، ولن تجد كتابًا تعرض لهذه المسألة إلا أشار لهذا القول بالتوهين والتضعيف. وأحب هنا أن أوضح رأي العلامة الجليل الخليل بن أحمد الفراهيدي، فهو بلا ريب إمام العربية وحجة النحاة، ولا شك أن انفراده بالرأي هنا لم ينتج من قلة إحاطة أو تدبر، ومثله لا يقول الرأي بلا استبصار، وانفراد مثله برأي لا يلزم منه وصف الرأي بالشذوذ أو الوهن! وغير غائب عن البال أن الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي توفي في عام (١٧٠ هـ) لم يدرك عصر تسبيع القراءات، حيث لم تشتهر عبارة القراءات السبع إلا أيام ابن مجاهد، وهو الذي توفي عام (٣٢٤ هـ) كما أشرت في اقتصاره على سبعة قراء دون غيرهم ممن ذكرهم في كتابه. ولم يكن الخليل بن أحمد يعني بالطبع هذه القراءات السبع التي تظاهر العلماء على اعتمادها وإقرارها بدءًا من القرن الرابع الهجري، ولكنه كان يريد أن ثمة سبع لهجات قرأ بها النبي وتلقاها عنه أصحابه، ومن بعدهم أئمة السلف، وهي تنتمي إلى أمهات قواعدية لم يتيسر من يجمعها بعد - أي في زمن الخليل - وأنها لدى جمعها وضبطها ترجع إلى سبع لهجات، وفق حديث النبي ﷺ : "إن هذا القرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أَحْرُفٍ".

стр. 16

وهذا الفهم لرأي الخليل هو اللائق بمكانته ومنزلته العلمية، وهو المتصور في ثقافته ومعارفه زمانًا ومكانًا، وبه تدرك أنه لم يكن يجهل أن عصر الأئمة متأخر عن عصر التنزيل وهو أمر لا يجهله أحد. معنى تعدد القراءات إن تعدد القراءات لا يعني جعل كل منها قرآنًا يغير حكمًا أو يبدل مضمونًا، كما زعم أولو الزيغ وأثاروا هذه الفكرة المردودة لدى من له أدنى إلمام بالعربية وسعة مادتها. وليس تحصيل هذا العلم بالأمر السهل فيناله الطالب دونما جهد أو تعب، ولذا فقد بذلت الطاقات لتذليل المصاعب، فصيغ شعرًا بتضمن رموزًا تبعث الأضواء في درب المسيرة، تسهيلًا لهذه الغاية السامبة التي تتعشقها أفئدة عرفت منزلة القرآن الكريم ورفعة شأنه. * * *

стр. 17

معنى القراءات القراءات لغة: جمع قراءة، قال ابن الأثير: كل شيء جمعته فقد قرأته، وسمي القرآن قرآنًا لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض (١). وقال الرازي: قرأ الكتاب قراءة وقرآنًا بالضم، وقرأ الشيء قرآنا بالضم أيضًا جمعه وضمه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٢) أي قراءته، وفلان قرأ عليك السلام وأقرأك السلام بمعنى (٣). وأما تعريف القراءات اصطلاحًا: فقد عرفها جماعة من الأئمة، ومن أبرز التعريفات ما يلي: ١ - تعريف أبي حيان الأندلسي: فقد عرفها بأنها: "علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن" (٤). ٢ - تعريف بدر الدين الزركشي، قال: "القرآن هو الوحي المنزل على محمد للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفياتها من تخفيف وتثقيل وغيرها" (٥). _________ (١) النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣٠. (٢) القيامة: ١٧. (٣) مختار الصحاح ٢٢٠. (٤) البحر المحيط ١/ ١٤. (٥) البرهان ١/ ٣١٨.

стр. 18

٣ - تعريف ابن الجزري، قال: "علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة" (١). ٤ - تعريف عبد الفتاح القاضي، قال: "علم بعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا، مع عزو كل وجه إلى نافله" (٢). وخلاصة هذه التعريفات وما قاربها أن علم القراءات علم يشتمل على ما يلي: ١ - كيفية النطق بألفاظ القرآن. ٢ - كيفية كتابة ألفاظ القرآن. ٣ - مواضع اتفاق نقلة القرآن، ومواضع اختلافهم. ٤ - عزو كل كيفية من كيفيات أداء القرآن إلى ناقلها. ٥ - تمييز ما صح سندًا أو آحادًا مما لم يصح مما روي على أنه قرآن. ويلاحظ على هذه التعريفات أنّ بعضها عرف القراءات بنفس تعريف علمي التجويد والرسم، مع أن الصواب هو أن علم القراءات يشتمل على أكثر مباحث علمي التجويد والرسم فهو أعم منهما، وكذلك يلاحظ عليها الخلط بين القرآن بقراءاته وبين القراءات كعلم، ولأجل هذا قَصرت بعضُ التعريفات القراءات على مواضع الاختلاف كتعريف الزركشي، بينما شملت التعريفات الأخرى مواضع الاتفاق ومواضع الاختلاف، ولعل هذا هو الصواب، لأنك عندما تقول قراءة نافع أو قراءة عاصم لا تعني بها المواضع التي خالف فيها غيره فقط، وإنما تعني بها قراءته للقرآن كله ما وافق فيه وما خالف، وكذلك يلاحظ على هذه التعريفات أنها لم تميز بين التقسيمات الاصطلاحية لنقلة القرآن المتعارف عليها بين القراء، فمنهم من يسمى نقله قراءة، ومنهم من يسمى نقله رواية، ومنهم من يسمى نقله طريقًا، ومنهم من يسمى نقله وجهًا (٣). _________ (١) منجد المقرئين ٣. (٢) البدور الزاهرة ٧. (٣) البدور الزاهرة ١٠.

стр. 19

هذا، وقد أورد فضيلة الدكتور محمد بن عمر بازمول عددًا من تعاريف القراءات، وبعض الملاحظات التي مر ذكرها، ثم حاول هو أن يعرف القراءات تعريفًا يسلم مما لوحظ على تعريفات السابقين فعرَّف علم القراءات بثلاثة تعريفات فقال: "تعريف القراءات كعلم مدون هو: ١ - مجموع المسائل المتعلقة باختلاف الناقلين لكتاب الله تعالى، في الحذف والإثبات، والتحريك والإسكان، والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال من حيث السماع. ٢ - أو: مجموع المسائل المتعلقة باختلاف الناقلين لكتاب الله ﵎ من جهة اللغة والإعراب، والحذف والإثبات، والفصل والوصل، من حيث النقل. ٣ - أو: مجموع المسائل المتعلقة بالنطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا مع عزو كل وجه لناقله" (١). ويلاحظ على التعريفين الأولين اقتصارهما على مواضع الاختلاف، وأن التعريف الأول لم ينص عن الإسهاب فقد فصل بعض أوجه الاختلاف ثم قال: وغير ذلك، فلم يكن لما فصَّله داع، وفي التعريف الثاني حصر أوجه الاختلاف في اللغة والإعراب والحذف والإثبات والفصل والوصل، وفي رأيي أن هذا التعريف غبر جامع، لأن أوجه الاختلاف لا تنحصر فيما ذكره، فمنها المد والقصر، فإن قيل المد والقصر داخل في اللغة والإعراب، فكذلك الحذف والإثبات والفصل والوصل داخل في اللغة والإعراب، وأما التعريف الثالث فغير مانع من دخول علوم اللغة العربية كالنحو والصرف في تعريف علم القراءات. والتعريف المختار للقراءات من وجهة نظري: هو العلم بكيفية أداء الكلمات القرآنية من حيث الوجه الأدائي نطقًا ولغة اتفاقًا واختلافًا مع عزوه لناقله، وأعني بقولي نطقًا: معرفة كيفية نطق الكلمة من حيث النقل والفصل _________ (١) القراءات وأثرها ١/ ١١٢.

стр. 20

والرسم إلخ. وأعني لغة: ما ورد فيه الخلاف بين الأئمة في اللفظ المختلف فيه من حيث الأوجه. ضابط القراءة المقبولة لقد وضع علماء القراءات ضوابط للقراءة من حيث القبول والرد، وهذه الضوابط هي ما عرفت باسم أركان القراءة الصحيحة، وقد تبين لنا من هذه الضوابط: ١ - موافقة القراءة لوجه من أوجه اللغة. ومعنى هذا الشرط: أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه النحو، ولو كان مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله، فلا يصح مثلًا الاعتراض على قراءة حمزة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، بجر ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾. ٢ - موافقة القراءة للرسم العثماني ولو احتمالًا. ومعنى هذا الشرط: أن يكون النطقُ بالكلمةِ موافقًا لرسم المصحف تحقيقًا إذا كان مطابقًا للمكتوب، وقد يوافقه احتمالًا أو نقديرًا باعتبار ما عرفنا أن رسم المصحف له أصول خاصة تسمح بقراءته على أكثر من وجه. مثال ذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ رسمت ﴿مَالِكِ﴾ بدون ألف في جميع المصاحف، فمن قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بدون ألف فهو موافق للرسم تحقيقيًا، ومن قرأ: ﴿مَالِكِ﴾ فهو موافق تقديرًا، لحذف هذه الألف من الخط اختصارًا. ٣ - صحة سند القراءة. وهو أن تكون القراءة متصلة المسند من الإمام الذي رويت عنه القراءة إلى النبي ﷺ (مع الشهرة والاستفاضة). أهمية الأحرف السبعة والقراءات الأحرف السبعة والقراءات ظاهرة مهمة جاء بها القرآن الكريم من نواح لغوية وعلمية متعددة منها:

стр. 21

١ - زيادة فوائد جديدة في تنزيل القرآن: ذلك أن تعدد التلاوة من قراءة إلى أخرى، ومن حرف لآخر قد تفيد معنى جديدًا، مع الإيجاز بكون الآية واحدة. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، قرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على المغسولات السابقة، فأفاد وجوب غسل القدمين في الوضوء، وقرئ بالجر، فقيل: هو جرّ على المجاورة، وقيل: هو بالجر لإفادة المسح على الخفين، وهو قول جيد. ٢ - إظهار فضيلة الأمة الإسلامية وقرآنها: وذلك أن الكتب السابقة نزولًا قبل القرآن فإنما نزلت بحرف واحد، وأنزل كتابنا القرآن بأحرف سبعة، بأيها قرأ القارئ كان تاليًا لما أنزله الله تعالى. ٣ - خصوصية هذه الأمة باتصال سندها إلى سيدنا رسول الله ﷺ ، وهذه ميزة لم تتميز بها أمة سابقة. ٤ - الإعجاز وإثبات الوحي: فالقرآن الكريم كتاب هداية يحمل دعوتها إلى العالم. أنواع القراءات حسب أسانيدها قسم علماء القراءة القراءات بحسب أسانيدها إلى ستة أقسام: الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى المسند، وهذا النوع يشمل القراءات العشر المتواترات. الثاني: المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة التواتر ووافق العربية والرسم واشتهر عن القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ ويقرأ به على ما ذكر ابن الجزري وأبو شامة، ومثاله: ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض، وأمثلة ذلك كثيرة في فرش الحروف من كتب القراءات كالذى قبله، ومن أشهر ما صنف في ذلك (التيسير) للداني و (قصيدة الشاطبي) و (النشر في القراءات العشر) و (تقريب النشر) كلاهما لابن الجزري. الثالث: الآحاد: وهو ما صح سنده وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار

стр. 22

المذكور، وهذا لا تجوز القراءة به. مثل ما روي على (رفارف خضر وعباقري حسان)، والصواب الذي عليه القراءة: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]. الرابع: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده ولو وافق رسم المصحف والعربية، مثل قراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بصيغة الماضي في ﴿مَالِكِ﴾ ونصب ﴿يَوْمِ﴾ مفعولًا. الخامس: الموضوع: وهو المختلق المكذوب. السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث، وهو ما زيد في القراءة على وجه التفسير (١). وهذه الأنواع الأربعة الأخيرة لا تحل القراءة بها، ويعاقب من قرأ بها على جهة التغرير. وأنا أرى أن أنواع الفراءة الصحيحة هي القراءة التي صح سندها ووافقت الرسم واللغة على أرجح الأقوال؛ لأنه إذا صح سند القراءة ووافقت الرسم واللغة فهي متواترة، وهذا ماذهب إليه إمام الفن محمد بن الجزري. ولذا فأنا أرى أن الصواب في هذه المسألة أن القراءة لا تخرج عن نوعين: الأولى: القراءة المتواترة التي توفرت فيها أركان القراءة المجمع على قبولها، ويمثلها النوعان الأولان. الثانية: هي ما اختل فيها شرط أو ركن من أركان القراءة الصحيحة، وهذه القراءة شاملة لكل الأنواع المذكورة المخالفة للمتواترة. * * * _________ (١) الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢٠٨).

стр. 23

المؤلف وكتابه لم تسعفنا المراجع التي بين أيدينا في إعطائنا معلومات كافية عن مؤلف كتابنا، اللهم إلَّا ما جاء عنه في كتاب (الضوء اللامع) في الترجمة رقم (٣٥٦) والتي ذكرت ترجمة المؤلف في سطور، وإتمامًا للفائدة فسوف نذكرها كما هي حتى يعلم القارئ كل ما جاء عن هذا الشيخ الجليل. وقد ذكرت ترجمته في (الضوء اللامع) (١٠٢٦) ترجمة رقم (٢٣٣٧) ونصها: عمر بن قاسم الأنصاري المصري الشافعي المقرئ، ويعرف بالنشار - حرفة له كانت - وتلا بالسبع على الخباز، ثم الشمس بن الحمصاني، والسيد الطباطبي، وعلى الديروطي، وابن عمران، وابن أسد. ولكنه لم يكمل على الثلاثة الآخرين، وأجازوا له، وتصدى لإقراء الأطفال بمصر، وانتفع به جماعة. وممن قرأ عنده الشهاب القسطلاني، والنور الجارحي، بل وأخذ عنه القراءات، وهو إنسان خبير بارع فيها. يحفظ الشاطبية ويميل للجلال ابن الأسيوطي لقربه من نواحيه؛ لأنه إمام مدرسة (قاسم) بالكبش، ولذا وصفه بالشيخ العالم الفاضل شيخ القراء، وقد حج وجاور غير مرة، وكذا زار بيت المقدس والخليل مرارًا. وأحب أن أوضح أن هناك من ذكر سنة وفاته أنها سنة ٩٣٧ هـ مع العلم أن الإِمام السخاوي صاحب (الضوء اللامع) توفي سنة ٩٠٧ هـ، ولا شك أنه قد ترجم للمؤلف قبل وفاته ولو بسنوات قليلة، وهذا يؤكد لنا عدم الجزم بتاريخ وفاة المصنف.

стр. 24

ما ذكر عن الكتاب ونسبته إلى مؤلفه لقد ثبتت نسبة كتابنا هذا لمؤلفه من الآتي: ١ - اتفاق جميع النسخ الخطية التي وقعت تحت أيدينا اللهم إلَّا في بعض الكلمات البسيطة التي تحدث من النساخ. ٢ - ما ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٢٣١) حيث قال: "والبدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" لسراج الدين عمر بن قاسم الأنصاري المصري الشهير بالنشار المتوفى سنة وهو في مجلد أوله الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم إلخ، ذكر فيه أنه أورد كل مسألة في محلها لتسهل مطالعته. مؤلفاته: ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون عدة مؤلفات منها: - طراز العلمين في حكم الاستفهامين، وهو كتاب مختصر في القراءة. (ذكره في كشف الظنون (٢/ ١١٠٩) وهو مخطوط بدار الكتب المصرية. - العقد الثمين في ألغاز القراءة لشمس الدين محمد بن الجزري شرحه سراج الدين أبو حفص عمر بن قاسم الأنصاري المقرئ وسماه العقد الجوهري في حل ألغاز الجزري. ذكره في كشف الظنون (٢/ ١١٥٠). - القطر المصري في قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري للشيخ عمر بن قاسم بن محمد بن علي النشار أوله الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب إلخ (ذكره في كشف الظنون ٢/ ١٣٥١) وهو مخطوط في تونس وبالجامع الأموي بدمشق. - المكرر فيما تواتر من القراءات السبع وتحرر لسراج الدين عمر بن قاسم بن محمد الأنصاري المقرئ المشهور بالنشار، ذكر في البدور الزاهرة أنه ألف هذا أولًا من القراءات السبع فاستحسنه وصنف ذاك ثانيًا أوله الحمد لله أحسن حمده وصلواته على محمد خير خلقه إلخ (ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١٨١٢) وهو مطبوع الآن. * * *

стр. 25

عملنا في الكتاب أولًا: قمنا بتحرير النص وإقامته عن طريق مقابلة النسخ الخطية الخمسة. ثانيًا: قمنا بعمل مقدمة للكتاب تحدثنا فيها عن علم القراءات، والمقصود بالأحرف السبعة وضابط ذلك، وما هي القراءة المتواترة، والفرق بين الأحرف السبعة والقراءات السبع. ثالثًا: قمنا بخدمة النص حتى يكون سهلًا ميسورًا للخاص والعام على السواء، وذلك من خلال التعليقات العلمية، وعمل الكشافات العلمية لمحتويات النص. رابعًا: قمنا بتصحيح بعض الألفاظ من خلال مقابلة النسخ. خامسًا: قمنا بتصويب الأخطاء التي وقع فيها المؤلف في كثير من الأحيان، فهو كان يأتي بأوجه مخالفة لأصول القراءة، فقمنا بتصويب ذلك، وكتبنا تصويباتنا في حاشية الكتاب. سادسًا: قمنا بتوجيه القراءات التي تحتاج إلى توجيه. سابعًا: قمنا بترجمة الأعلام المذكورة في الكتاب من أهل القراءات. ثامنًا: قمنا بتوثيق كل ما جاء في الكتاب من مراجعه الأصلية ومما ألفه علماء فن القراءات قديمًا وحديثًا سواء في القراءات السبع، أو العشر. تاسعًا: قمنا بتخريج جميع القراءات التي ذكرها المصنف، كما قمنا باستكمال ما غفل عنه وذلك في حاشية الكتاب. * * *

стр. 26

منهح المؤلف في كتابه وتعليقنا عليه - كثيرًا ما يذكر المؤلف بعض الأوجه مشيرًا إليها بقوله: ورد عنه (كذا) مما يوحي أن له وجهًا آخر، في حين أن المأخوذ عنه هو هذا الرأي فقط. - في بعض الأحيان يقول: الوقف على ياء مشددة ساكنة. وهو الإدغام مع السكون؛ هكذا على إطلاقه، ويكون المقصود من عبارته هو السكون المحض. - يطلق أحيانًا المد في لفظ ﴿شيء﴾ لحمزة دون أن يبين أن المراد بالمد هنا التوسط دون الطول. عند ذكره للوقف على لفظ ﴿شيء﴾ يذكر أن فيه ستة أوجه ومنها الوقف على الياء الساكنة مطلقًا دون أن يوضح أنه السكون المحض الذي لا حركة معه. - ذكره الوقف على الياء في لفظ ﴿شيء﴾ دون أن يوضح أن المراد به الروم. وفي موضع آخر ذكر الوف على الياء في لفظ ﴿شيء﴾ بياء مكسورة خفيفة ولم يبين أن المراد بالخفة الروم. - عند بيانه لحذف الياء من لفظ ﴿رَبِّيَ﴾ في قوله تعالى ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي﴾ قال: قرأها حمزة في الوصل بإسكان الياء من ﴿رَبِّيَ﴾ وإذا سكنها تسقط في الوصل، وكان الصواب أن يقول: تسقط في الوصل لفظًا أما في حالة الوقف عليها فهي ثابتة لجميع القراء. - كثيرًا ما يقول المصنف: قرأ ورش بإطلاقه دون أن يقيد الطريق هل هو طريق الأزرق أم الأصبهاني، ولم يذكر الأزرق في الإمالة إلا في أربعة مواضع أو خمسة فقط، وترك الأمر في كل المواضع على إطلاقه كما ذكرت. - ذكر المصنف الفتح والإمالة في كثير من مواضع الكتاب، وقد أوضحنا الصواب في

стр. 27

كل المواضع التي تعرض لها المصنف، وكثيرًا ما كان يطلق دون أن يقيد المقصود من الرواية المرادة في الموضع نفسه عن نافع. - أخطأ المصنف في بعض المواضع التي ذكرها في التسهيل عن حمزة في لفظ ﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ حيث ذكر أن لحمزة الإبدال ألفًا مع المد والقصر حالة الوقف بعد أن ذكر أن له التسهيل مع المد والقصر، قال وروي عنه إبدالها ألفًا. - ومن بعض الأخطاء التي ذكرها المصنف في كتابه قوله ﴿الصَّيْدِ تَنَالُهُ﴾ قال: أدغم أبو جعفر وأبو عمرو بخلاف عنه الدال في التاء. وهذا خطأ حيث ذكر أبا جعفر بدلًا من يعقوب. - أخطأ المصنف في ذكره الإمالة عن حمزة في لفظ ﴿رءا القمر - رءا الشمس﴾ حيث قال: (قرأ حمزة بإمالة الراء) وأغفل ذكر شعبة وخلف العاشر. - ومما وقع فيه المصنف أيضًا: أنه يذكر التقليل بين بين في الألفات الواقعة قبل الراء المكسورة طرفًا، نحو ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ و ﴿فِي النَّارِ﴾ لحمزة وقالون بخلاف عنهما، وليس ذلك بصحيح بل مذهبهما الفتح قولًا واحدًا. - يخلط المصنف أحيانًا بين العشرة الصغرى والكبرى دون تمييز بينهما مما يوقع القارئ في حيرة من أمره. - ومما وقع فيه المصنف قوله "قرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر بخلاف عن هشام بتخفيف النون، والباقون بالتشديد" ثم قال: "وروي ذلك عن الأزرق عن ورش". - ذكر المصنف إثبات الياء في لفظ ﴿هَدَانِي﴾ في قوله تعالى ﴿وَقَدْ هَدَانِ وَلَا﴾ حيث قال: "وقرأ يعقوب بإثبات الياء وقفًا وصلًا" ثم قال: "وقد روي ذلك أيضًا عن قنبل" وهذا من جملة الأخطاء التي وقع فيها المصنف. - ذكر المصنف النقل لأبي جعفر في قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ حيث قال: وحمزة في الوقف بالفصل بخلاف عنه، وكذا أبو جعفر. ولم يرد النقل لأبي جعفر من طرق (النشر) التي يقرأ بها.

стр. 28

كثيرًا ما يذكر الانفرادات التي ذكرها ابن الجزري في (النشر) على أنها قراءة مقروء بها مع أن ابن الجزري أشار إلى هذه الانفرادات بقوله في (النشر): هذه انفرادة لا يقرأ بها. ومن ذلك: عند شرح لفظ ﴿حَلِيمٌ﴾ ذكر أن لرويس ضم الحاء بقوله: "وروي عن رويس أيضًا ضم الحاء دون أن يبين هل هي انفرادة مقروء بها أم لا. - ومن هذه الانفرادات التي ذكرها المصنف: قوله عن ابن وردان في لفظ [الطائر] وروي عن ابن وردان بالمد والتوسط كقراءة ورش. - ومن الأخطاء التي تم التعليق عليها في أول سورة آل عمران عند تعرضه لشرح ﴿الم (١) اللَّهُ﴾ قال المصنف عن قراءة أبي جعفر: "ويوصل همزة الجلالة مع المد على الميم والتوسط وقبل بالقصر أيضًا". وما ذكره المؤلف في هذا الموضوع لم يرد عن أحد من القراء بالأصل، والقصر على الاعتداد بالعارض عملًا. وليس لأحد من القراء العشرة التوسط في هذا الموضع. - لم يفرق المصنف بين علامات الإعراب والبناء فتراه تارة يقول: برفع السين وفتحها. وغير ذلك وارد في الكتاب. والباقون بفتحها. - في بعض الأحيان يذكر المصنف خلافًا لبعض الرواة كقوله ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ حيث قال: واختلف في ذلك عن قالون وحمزة بين الفتح والإمالة بين بين) وليس فيها أي خلاف. والصواب أنهما ليس لهما سوى الفتح. - أشار المصنف إلى ضعف بعض الأوجه الصحيحة كقوله في شرحه لقوله تعالى ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ قال: ولقالون بالمد لا غير إلا ما روي عن هشام وحفص في قصر المنفصل على ضعف. وهذا وقع في قليل من مواضع الكتاب. - لم يلتزم المصنف منهجًا موحدًا من طريق العشرة الكبرى أو الصغرى. انظر تعليقه على قوله تعالى ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ فقد أهمل المصنف السكت على المفصول في الموضعين. هذه هي بعض ملاحظاتنا على منهج المؤلف، أردنا أن نوضحها للقارئ كي يكون على

стр. 29

علم بها وهو يقرأ هذا الكتاب الذي بذل فيه مؤلفه جهدًا مشكورًا، استطاع خلاله أن يجمع كل ما جاء من قراءة في أي سورة ولأي كلمة لم يغفل إلا النادر، وهذا يسهل على الباحث أمورًا كثيرة، وأسأل الله أن يتقبل منه ومنا إنه نعم المولى ونعم النصير. * * *

стр. 30

النسخ الخطية التي اعتمد عليها اعتمدنا في تحقيقنا للكتاب المحقق على خمس نسخ هي: الأولى - نسخة مكتبة بلدية الإسكندرية رقم (٣٠٥٢ ج) قراءات وتجويد، وعدد أوراقها (٢٣٠) ورقة، وعدد الأسطر (٢١) سطرًا. ثانيًا - نسخة دار الكتب الأولى (د) رقم قراءات طلعت (٢٤٣٦/ ١٧٢) وعدد أوراقها (١٩٨) ورقة، وعدد الأسطر (٢١) سطرًا. ثالثًا - نسخة خدابخش الهند رقم (١٩٤) وعدد أوراقها (٢١٧) ورقة، وعدد الأسطر (٢١) سطرًا. رابعًا - نسخة دار الكتب الثانية رقم قراءات طلعت (١٧٣) وعدد أوراقها (٢٣٢) ورقة، وعدد الأسطر (١٩) سطرًا. خامسًا - نسخة المكتبة الأزهرية رقم (١١٣٠) حليم (١٧٢/ ٣٢٨١٩) وعدد أوراقها (١٧٢) ورقة، وعدد الأسطر (١٩) سطرًا. * * *

стр. 31

صور المخطوط

стр. 32

سِلسِلة مكتبة القراءات وعلوم القرآن (١) البُدُوْرُ الزَّاهِرَةُ في القِراءَاتِ العَشْرِ المُتَوَاتِرَةِ لأبي حفصٍ سراجُ الدِّين عُمَر بنُ زَين الدِّين قَاسم بن مُحمَّد بن عليّ الأنصَاريِّ النَّشَّارِ المتوفى سنة (٩٣٧ هـ) شرح وتحقيق أ. د. أحمد عيسى المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصريَّة ورئيس لجنة مراجعة المصحف الشَّريف بالأزهر وأستاذ الحديث وعلوم السُّنَّةِ - جامعة الأزهر

стр. 33

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم يقول راجي عفوَ ربٍّ قديم دائم، عمر الأنصاري بن قاسم: الحمد لله الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، فمن شاء أكرم، أحمده على ما يسّرَ وألهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأعز الأكرم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أجل من عَلِمَ وعَلَّمَ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما أضاء النهار وحلك الليل وأظلم. وبعد: فإنّ بعض أصدقائي - وفقهم الله تعالى لما يحبُّ ويرضى - سألني: أن أجمع كتابًا في القراءات العشر، وأن أذكر كل مسألة في محلها؛ ليسهل عليهم مطالعته؛ فإن العلماء المتقدمين - رحمهم الله تعالى - قد ألفوا في هذا الفن كتبًا كثيرة، ومنهم من بالغ في الاختصار، ومنهم من أوسع، لكن يذكرون المسألة الأولى ويحيلون عليها نظائرها، ومطالعة هذه الكتب تحتاج إلى فهم زائد، وذكاء مفرط، حتى إنه إذا مر على الآية يتذكر الآية السابقة التي مرت أولًا، ولو كانت الآية أول القرآن، والأخرى آخر القرآن، أو أوسطه، أو غير ذلك. وكنت قبل ذلك، تقدم لي أن بعض أصدقائي سألني: تأليف كتاب في القراءات السبع، وأن أذكر كل مسألة في محلها وإن تكررت؛ فأجبته إلى ذلك، وجمعت كتابًا، وسميته: "المكرر فيما تواتر من القراءات السبع وتحرر (١) "؛ فاشتغلوا به، وأعجبهم، وانتفعوا منه. ثم إنهم سألوني: أن أجمع كتابًا على هذا النمط، فأجبتهم إلى ذلك، واستخرت الله تعالى

стр. 34

في ذلك، فشرح الله صدري لذلك، وشرعت في جمع هذا الكتاب [المبارك]، وسميته بـ "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة". وأذكر كل مسألة في محلها، إلا ما يكثر دوره: كمراتب المد من: طويل وأقصر منه، وإدغام مثلين ومتقاربين لأبي عمرو ويعقوب، ومد منفصل وقصره لمن له المد والقصر، وصلة ميم الجمع في الوصل لابن كثير وأبي جعفر وقالون، وعدم الغنة عند الواو والياء لخلف عن سليم عن حمزة، والمد اللازم، والمد العارض، والإشمام والروم في الوقف، وإمالة محضة وبين بين، وإمالة ما قبل الراء وما بعد الراء، وإمالة ذوات الياء من: محضة، وبين بين - فإني أكتفي بأول مرة أو أكثر، إن تيسر. لكن ما يتعلق بوقف حمزة وهشام على الهمزة، فإني أذكر ذلك في محله، إن شاء الله تعالى - وأذكر أيضًا ما بين كل سورتين من الأوجه بطريق الضرب؛ كما ذكرت ذلك في كتابي المسمى بـ "المكرر". وأسأل الله تعالى: أن يعينني على تمام ذلك، وأن ييسره لي، وأن يجعله خالصًا لوجهه، سالمًا من الرياء والسمعة، وأن ينفع به؛ آمين، آمين، آمين؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل. * * *

стр. 35

باب أسماء القراء العشرة ووفاتهم وميلادهم ورواتهم المشهورين عنهم أو عن أصحابهم عنهم ١ - فأولهم: إمام المدينة الشريفة ومقرئها: أبو رويم (١)، ويقال: أبو الحسن (٢) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم المدني؛ قرأ على سبعين من التابعين. قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: قراءة أهل المدينة سنَّة، قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم (٣). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، قلت: فإن لم يكن؟ قال: قراءة ابن عامر (٤). وكان نافع إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: أتتطيب قال: لا، ولكني رأيت فيما يرى النائم النبي ﷺ وهو يقرأ في فيَّ، فمن ذلك الوقت أشم من فيَّ هذه الرائحة (٥).

стр. 36

فأصله من أصبهان (١)، وكان أسود اللون حالكًا، وكان إمام الناس في القراءة بالمدينة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بها، وأجمع الناس عليه بعد التابعين. أقرأ بها أكثر من سبعين سنة، فمولده في حدود سنة سبعين، وتوفي سنة تسع وستين ومائة؛ على الصحيح (٢). فممن قرأ عليه: قالون، وورش. وقالون: هو أبو موسى عيسى بن مينا، قرأ على نافع سنة خمسين ومائة، واختص به كثيرًا، فيقال: إنه كان ابن زوجته، وهو الذي لقبه بـ"قالون"؛ لجودة قراءته؛ فإن "قالون" بلغة الروم: جيد (٣). وكان "قالون" قارئ المدينة ونحويها، وكان أصم لا يسمع البوق، فإذا قريء عليه القرآن يسمعه (٤). وقال: قرأت على نافع قراءته غير مرة، وكتبتها عنه (٥).

стр. 37

وقال: قال لي نافع: لم تقرأ عليَّ، اجلس إلى أسطوانة حتى أرسل إليك من يقرأ عليك. فمولده سنة عشرين ومائة، وتوفي سنة عشرين ومائتين (١)؛ على الصواب (٢). وورش: هو عثمان بن سعيد المصري، وكنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو القاسم، وورش لقبه (٣). رحل إلى المدينة؛ ليقرأ على نافع، فقرأ عليه أربع ختمات في سنة خمس وخمسين ومائة (٤)، ورجع إلى مصر، فانتهت إليه رئاسة الإقراء بها؛ فلم ينازعه فيها منازع، مع براعته في العربية، ومعرفته بالتجويد، وكان حسن الصوت. قال يونس بن عبد الأعلى (٥): كان ورش جيد القراءة، حسن الصوت، يهمز ويمد

стр. 38

ويشدد ويبين الإعراب، لا يملُّه سامعه (١). فمولده سنة عشر ومائة، وتوفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة (٢). ٢ - ابن كثير: هو أبو سعيد عبد الله بن كثير بن عمرو بن زاذان، قرأ على أبي السائب عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي (٣)، وقرأ عبد الله بن السائب على أبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب، وقرأ أبيّ وعمر على رسول الله ﷺ . وكان ابن كثير إمام الناس في القراءة بمكة لم ينازعه فيها منازع، وكان فصيحًا بليغًا أبيض اللحية، طويلًا أسمر جسيمًا، أشهل [العينين] (٤) عليه السكينة والوقار، لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، ﵃. وتوفي ابن كثير سنة عشرين ومائة بغير شك (٥)، ومولده سنة خمس

стр. 39

وأربعين (١). وراوياه عن أصحابه: هما البزي، وقنبل. فالبَزِّي: هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم مؤذن المسجد الحرام وإمامه ومقرئه، وكنيته: أبو الحسن، قرأ على عكرمة بن سليمان المكي (٢)، وقرأ عكرمة على شبل (٣)، وقرأ شبل على ابن كثير. وتوفي البزي سنة خمسين ومائتين (٤)، ومولده سنة سبعين ومائة.

стр. 40

وكان إمامًا في القراءة محققًا ضابطًا متقنًا لها، ثقة، انتهت إليه مشيخة الإقراء بمكة (١). وقُنْبُل: هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي المكي، وكنيته: أبو عمر، وقنبل لقب له. قرأ على أبي الحسن أحمد القواس (٢)، وقرأ القواس على أبي الأخريط (٣)، وقرأ أبو الأخريط على القسط (٤)، وأخبره أنه قرأ على شبل، وقرأ شبل على ابن كثير. وتوفي قنبل سنة إحدى وتسعين ومائتين، ومولده سنة خمس وتسعين ومائة، وكان إمامًا في القراءة متقنًا ضابطًا، انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز (٥)، ورحل إليه الناس من الأقطار (٦).
следующие страницы →