فأصله من أصبهان (١)، وكان أسود اللون حالكًا، وكان إمام الناس في القراءة بالمدينة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بها، وأجمع الناس عليه بعد التابعين. أقرأ بها أكثر من سبعين سنة، فمولده في حدود سنة سبعين، وتوفي سنة تسع وستين ومائة؛ على الصحيح (٢).
فممن قرأ عليه: قالون، وورش.
وقالون: هو أبو موسى عيسى بن مينا، قرأ على نافع سنة خمسين ومائة، واختص به كثيرًا، فيقال: إنه كان ابن زوجته، وهو الذي لقبه بـ"قالون"؛ لجودة قراءته؛ فإن "قالون" بلغة الروم: جيد (٣).
وكان "قالون" قارئ المدينة ونحويها، وكان أصم لا يسمع البوق، فإذا قريء عليه القرآن يسمعه (٤).
وقال: قرأت على نافع قراءته غير مرة، وكتبتها عنه (٥).
стр. 37
وقال: قال لي نافع: لم تقرأ عليَّ، اجلس إلى أسطوانة حتى أرسل إليك من يقرأ عليك.
فمولده سنة عشرين ومائة، وتوفي سنة عشرين ومائتين (١)؛ على الصواب (٢).
وورش: هو عثمان بن سعيد المصري، وكنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو القاسم، وورش لقبه (٣).
رحل إلى المدينة؛ ليقرأ على نافع، فقرأ عليه أربع ختمات في سنة خمس وخمسين ومائة (٤)، ورجع إلى مصر، فانتهت إليه رئاسة الإقراء بها؛ فلم ينازعه فيها منازع، مع براعته في العربية، ومعرفته بالتجويد، وكان حسن الصوت.
قال يونس بن عبد الأعلى (٥): كان ورش جيد القراءة، حسن الصوت، يهمز ويمد
стр. 38
ويشدد ويبين الإعراب، لا يملُّه سامعه (١). فمولده سنة عشر ومائة، وتوفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة (٢).
٢ - ابن كثير: هو أبو سعيد عبد الله بن كثير بن عمرو بن زاذان، قرأ على أبي السائب عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي (٣)، وقرأ عبد الله بن السائب على أبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب، وقرأ أبيّ وعمر على رسول الله ﷺ .
وكان ابن كثير إمام الناس في القراءة بمكة لم ينازعه فيها منازع، وكان فصيحًا بليغًا أبيض اللحية، طويلًا أسمر جسيمًا، أشهل [العينين] (٤) عليه السكينة والوقار، لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، ﵃.
وتوفي ابن كثير سنة عشرين ومائة بغير شك (٥)، ومولده سنة خمس
стр. 39
وأربعين (١).
وراوياه عن أصحابه: هما البزي، وقنبل.
فالبَزِّي: هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم مؤذن المسجد الحرام وإمامه ومقرئه، وكنيته: أبو الحسن، قرأ على عكرمة بن سليمان المكي (٢)، وقرأ عكرمة على شبل (٣)، وقرأ شبل على ابن كثير.
وتوفي البزي سنة خمسين ومائتين (٤)، ومولده سنة سبعين ومائة.
стр. 40
وكان إمامًا في القراءة محققًا ضابطًا متقنًا لها، ثقة، انتهت إليه مشيخة الإقراء بمكة (١).
وقُنْبُل: هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي المكي، وكنيته: أبو عمر، وقنبل لقب له.
قرأ على أبي الحسن أحمد القواس (٢)، وقرأ القواس على أبي الأخريط (٣)، وقرأ أبو الأخريط على القسط (٤)، وأخبره أنه قرأ على شبل، وقرأ شبل على ابن كثير.
وتوفي قنبل سنة إحدى وتسعين ومائتين، ومولده سنة خمس وتسعين ومائة، وكان إمامًا في القراءة متقنًا ضابطًا، انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز (٥)، ورحل إليه الناس من الأقطار (٦).
стр. 41
٣ - أبو عمرو: هو زبان بن العلاء بن عمار، قرأ على جماعة، منهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع، والحسن البصري، وقرأ الحسن على حطان (١)، وأبي العالية، وقرأ أبو العالية على عمر بن الخطاب، وأبيّ بن كعب.
وكان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية مع الصدق والثقة والأمانة والدين.
مر الحسن به، وحلقته متوافرة، والناس عكوف عليه، فقال الحسن: من هذا؟ فقالوا: أبو عمرو، فقال: لا إله إلا الله، لقد كاد العلماء أن يكونوا أربابًا، كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى ذل يئول (٢).
روي عن سفيان بن عيينة؛ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، قد اختلفت عليَّ القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ فقال: بقراءة أبي عمرو بن العلاء (٣).
وتوفي أبو عمرو في قول الأكثرين: سنة أربع وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك، ومولده سنة ثمان وستين، وقيل: سنة سبعين (٤).
وراوياه الدوري والسوسي عن اليزيدي:
فالدوري: هو أبو عمر حفص بن عمر المقرئ الضرير، ونسبته إلى الدور، موضع ببغداد بالجانب الشرقي.
وكان إمام القراءة في عصره، وشيخ الإقراء في وقته، ثقة ضابطًا كبيرًا وهو أول من
стр. 42
جمع القراءات، توفي في شوال سنة ست وأربعين ومائتين على الصواب (١).
السوسي: هو أبو شعيب صالح بن زياد، ونسبته إلى السوس، موضع بالأهواز. وكان مقرئًا ثقة ضابطًا من أجل أصحاب اليزيدي.
وتوفي أول سنة إحدى وستين ومائتين، وقد قارب التسعين (٢).
٤ - وابن عامر: هو عبد الله بن عامر اليَحْصبي، ويَحْصب فخذ من حمير، وكنيته: أبو نعيم، وقيل: أبو عمران، وقيل غير ذلك، كان إمام مسجد دمشق، وقاضيها. تابعيّ لقي واثلة بن الأسقع، والنعمان بن بشير، وقال يحيى بن الحارث الذماري (٣): إنه قرأ على عثمان. وقرأ عثمان على رسول الله ﷺ .
توفي بدمشق يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة ومائة، ومولده سنة إحدى وعشرين، وقيل غير ذلك.
وكان إمام المسلمين بالجامع الأموي في أيام عمر بن عبد العزيز، وقبله، وبعده، وكان يأتم به [وهو] أمير المؤمنين، وناهيك بذلك منقبة. وجمع له بين الإمامة والقضاء، ومشيخة الإقراء بدمشق، ودمشق - إذ ذاك - دار الخلافة، ومحط رحال العلماء والتابعين (٤).
стр. 43
وراوياه عن أصحابه، هما هشام، وابن ذكوان.
فهشام: هو ابن عمار بن نصير السلمي القاضي الدمشقي، وكنيته: أبو الوليد، أخذ قراءة ابن عامر عرضًا عن عراك بن خالد المري، عن يحيى بن الحارث الذماري عن ابن عامر، وكان عالم أهل دمشق وخطيبهم.
قال عبدان: سمعتُهُ يقول: ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة (١)، وكان مفتيهم، ومقرئهم، ومحدّثهم - مع الثقة والضبط - تُوفّيَ سنة خمس وأربعين ومائتين، ومولده سنة ثلاث وخمسين ومائة (٢).
وابن ذكوان: هو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذَكْوان القُرَشيّ الدمشقي، وكنيته: أبو عمرو، أخذ قراءة ابن عامر، عن أيوب بن تميم التميمي، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن ابن عامر. انتهت إليه مشيخة الإقراء بعد أيوب بن تميم التميمي.
قال أبو زُرْعَةَ الحافِظُ الدمشقي: لم يكنْ بالعِراق، ولا بالحجاز، ولا بالشام، ولا بمصر، ولا بخراسانَ، في زمانِ ابن ذَكْوان أقرأ عندي منه (٣).
توفي في شَوّال سنة اثنتين وأربعين ومائتين على الصواب، ومولده يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين ومائة (٤).
٥ - عاصم: هو أبو بكر عاصم بن أبي النَّجود بن بَهْدلة، مولى بني خزيمة بن مالك بن النضر، والنَّجود - بفتح النون وضم الجيم - وهو مأخوذٌ من: نجدت الثّياب: إذا سوّيْت بعضها فوق بعض.
أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حَبِيب السلمي (٥)، وقرأ أبو عبد الرحمن
стр. 44
على عثمان، ومنه تعلم القرآن، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مَسْعود، وزيد بن ثابت. وكان عاصمٌ قد جمع بين الفَصاحةِ، والإتقان، والتحرير، والتجويد، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن (١).
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم فقال: رجل صالح ثقة (٢).
وقال ابن عيّاش: دخلت على عاصم وقد احتضر، فجعل يردد هذه الآية: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ (٣) [الأنعام: ٦٢].
توفي آخر سنة سبع وعشرين ومائة. وقيل: سنة ثمان وعشرين ومائة، ولا اعتبار بقول من قال غير ذلك (٤).
وراوياه: أبو بكر شعبة، وحفص:
فشعبة: هو أبو بكر بن عيّاش بن سالم الأسدي، واسمه: شعبة، وقيل: محمد، وقيل: مُطرف.
توفي في جمادي الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، ومولده سنة خمس وتسعين (٥).
وكان إمامًا عالمًا كبيرًا، ولما حضرته الوفاة، بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختمت فيها ثماني عشرة ألف ختمة (٦).
وحفص: هو أبو عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة البزاز، وكان عالمًا، يعرف
стр. 45
بـ "حُفيص"، وتعلم قراءة القرآن من عاصم خمسًا خمسًا؛ كما يتعلمه الصبي من المعلم، وكان عالمًا عاملًا، أعلم أصحاب عاصم بقراءة عاصم، وكان ربيب (١) عاصم، ابن زوجته.
قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت من قراءة عاصم، رواية حفص.
توفي سنة ثمانين ومائة - على الصحيح - ومولده سنة تسعين (٢).
٦ - وحمزة: هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات التيمي، مولى عكرمة بن ربعي التيمي. وكنيته: أبو عمارة.
قرأ علي أبي محمد سليمان بن مهران الأعمش، وقرأ الأعمش على أبي محمد يحيى بن وثاب الأسدي، وقرأ يحيى على أبي شبل علقمة بن قيس، وقرأ علقمة على عبد الله بن مسعود، وقرأ عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ .
وتوفي حمزة سنة ست وخمسين ومائة - على الصواب - ومولده سنة ثمانين (٣).
وكان إمام الناس في القراءة بالكوفة بعد عاصم والأعمش، وكان ثقة كبيرًا حجة، قيمًا بكتاب الله مجودًا له، عارفًا بالفرائض والعربية، حافظًا للحديث، ورعًا عابدًا خاشعًا ناسكًا زاهدًا قانتًا لله، لم يكن له نظير.
وكان يجلب الزيت من العراق إلى حلوان، ويجلب الجبن والجوز منها إلى الكوفة (٤).
قال له الإمام أبو حنيفة ﵀: شيئان غلبتنا عليهما، لسنا ننازعك عليهما: القرآن، والفرائض (٥).
стр. 46
وكان شيخه الأعمش إذا رآه يقول: هذا حبر القرآن (١).
وقال حمزة: ما قرأت حرفًا من كتاب الله إلا بأثر (٢).
وراوياه: خلف، وخلاد، عن سليم عنه:
فخلف: هو أبو محمد خلف بن هشام بن طالب البزار، توفي سنة تسعٍ وعشرين ومائتين، ومولده سنة خمسين ومائة.
حفظ القرآن، وهو ابن عشر سنين، وابتدأ في طلب العلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان إمامًا كبيرًا، عالمًا ثقة، زاهدًا عابدًا (٣).
وخلّاد: هو أبو عيسى خلاد بن خالد الصيرفي. توفي سنة عشرين ومائتين، وكان إمامًا القراءة، ثقة عارفًا محققًا مجودًا.
قال الداني: هو أضبط أصحاب سليم، وأجلهم (٤).
٧ - الكسائي: هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي (٥). من أولاد الفرس، من
стр. 47
سواد العراق. وروي عنه أنه قيل له: لمَ سميت الكسائي؟ فقال: لأني أحرمت في كساء (١).
قرأ على حمزة، وعليه اعتماده: قرأ عليه القرآن العظيم أربع مرات، وأخذ - أيضًا - عن محمد بن أبي ليلى، وعيسى بن عمر، وقرأ عيسى بن عمر على عاصم.
توفي الكسائي سنة تسع وثمانين ومائة على أشهر الأقوال، عن سبعين سنة. كان إمام الناس في القراءة في زمانه، وأعلمهم بالقرآن العظيم (٢).
قال أبو بكر بن الأنباري: اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم بالغريب، وكان أوحد الناس في القرآن؛ فكانوا يكثرون عليه حتى لا يضبط الأخذ عليهم، فيجمعهم في مجلس، ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون، ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ (٣). وقال ابن معين: ما
стр. 48
رأيت بعيني هاتين أصدق لهجة من الكسائي (١).
وراوياه: أبو الحارث، والدوري:
وأبو الحارث: هو الليث بن خالد المروزي المقرئ، قرأ على الكسائي، وتوفي سنة أربعين ومائتين، وكان ثقة، قيمًا بالقراءة، ضابطًا لها.
قال الحافظ أبو عمرو الداني: وكان من جملة أصحاب الكسائي، وتقدم سنة الدوري، ووفاته في سنة الإمام أبي عمرو بن العلاء (٢).
٨ - وأبو جعفر المدني: يزيد بن القعقاع: قرأ على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وعلى الحبر البحر عبد الله بن عباس الهاشمي، وعلى أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقرأ هؤلاء الثلاثة على أبي المنذر أبي بن كعب الخزرجي، وقرأ أبو هريرة، وابن عباس - أيضًا - على زيد بن ثابت.
وقيل: إن أبا جعفر قرأ على زيد نفسه، وذلك محتمل؛ فإنه صح أنه أتى به أم سلمة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها - فمسحت على رأسه، ودعت له بالبركة (٣).
وإنه صلى بابن عمر بن الخطاب، وإنه أقرأ الناس قبل الحرة، وكانت الحرة سنة ثلاث
стр. 49
وستين (١). وقرأ زيد وأبيّ على رسول الله ﷺ .
توفي أبو جعفر سنة ثلاثين ومائة - على الأصح - وكان تابعيًّا كبير القدر، انتهت إليه رئاسة القراءة بالمدينة (٢).
قال يحيى بن معين: كان إمام أهل المدينة أبو جعفر في القراءة، وكان ثقة (٣).
قال يعقوب بن جعفر بن أبي كثير: كان إمام الناس بالمدينة أبو جعفر (٤). وروى ابن مجاهد عن أبي الزناد، قال: لم يكن بالمدينة أحد أقرأ للسنة من أبي جعفر (٥). وقال الإمام مالك: كان أبو جعفر رجلًا صالحًا (٦).
وروي عن نافع؛ أنه لما غُسل أبو جعفر بعد وفاته، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده، مثل ورقة المصحف، قال: فما شك أحد ممن حضره أنه نور القرآن (٧).
стр. 50
ورئي في المنام بعد وفاته على صورة حسنة، فقال: بشر أصحابي، وكل من قرأ على قراءتي: أن الله قد غفر لهم، وأجاب فيهم دعوتي، ومرهم أن يصلوا هذه الركعات في جوف الليل، كيف استطاعوا (١).
وراوياه: عيسى بن وردان، وسليمان بن جماز:
وابن وردان: توفي في حدود سنة ستين ومائة، وكان رأسًا في القراءة، ضابطًا لها محققًا، من قدماء أصحاب نافع، ومن أصحابه في القراءة على أبي جعفر.
وتوفي ابن جمّاز بعيد سنة سبعين ومائة، وكان مقرئًا جليلًا ضابطًا نبيلًا، مقصودًا في قراءة أبي جعفر ونافع، روى القراءة عرضًا عنهما (٢).
٩ - ويعقوب: ابن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، مولاهم البصري، قرأ على أبي المنذر سلام بن سليمان المزني مولاهم الطويل، وعلى شهاب بن شرنفة، وعلى أبي يحيى مهدي بن ميمون المعولي، وعلى أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي.
توفي يعقوب سنة خمسين ومائتين، وله ثمان وثمانون سنة. وكلان إمامًا كبيرًا، ثقة، صالحًا، عالمًا، ديّنًا، انتهت إليه رئاسة القراءة بعد أبي عمرو، وكان إمام جامع البصرة سنين (٣).
وقال أبو حاتم السجستاني: هو أعلم من رأيت في الحروف، والاختلاف في القرآن، وعلله، ومذاهبه، ومذاهب النحو، وأروى الناس لحروف القرآن وحديث الفقهاء (٤).
وراوياه: رويس، وروح:
توفي رويس بالبصرة سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وكان إمامًا في القراءة قيمًا بها، ماهرًا
стр. 51
ضابطًا، [مشهورًا] حاذقًا (١). قال الداني: هو من أحذق أصحاب يعقوب.
وتوفي روح سنة أربع أو خمس وثلاثين ومائتين، وكان مقرئًا جليلًا ثقة ضابطًا، مشهورًا، من أجلّ أصحاب يعقوب، وأوثقهم، روى عنه البخاري في "صحيحه" (٢).
١٠ - وخلف: ابن هشام البزار، قرأ على سليم صاحب حمزة؛ كما تقدم، وتقدم تاريخ وفاته ومولده مع حمزة.
وراوياه: الوراق، وإدريس الحداد:
فإسحاق الوراق: توفي سنة ست وثمانين ومائتين، وكان ثقة قيمًا بالقراءة ضابطًا لها، منفردًا برواية اختيار خلف، لا يعرف غيره (٣).
وتوفي إدريس سنة اثنتين وتسعين ومائتين، عن ثلاث وتسعين سنة (٤) .....
стр. 52
وكان إمامًا ضابطًا متقنًا ثقة، وفوق الثقة بدرجة (١).
واعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لما يحب ويرضى - أن جميع ما ذكرته على سبيل الاختصار؛ فإن كتابي هذا إنما قصدت فيه الاختصار، والمقصود منه معرفة الروايات، فمن أراد الاتساع في الإسناد، فعليه بكتاب "النشر في القراءات العشر"، تأليف الشيخ الإمام العلامة العالم، شيخ القراء والفقهاء والمحدثين في سائر بلاد المسلمين، شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الجزري. رحمة الله عليه، وقد آن الأوان أن نشرع في المقصود، والله المستعان، وعليه في كل الأمور التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
стр. 53
باب الاستعاذة (١)
المختار من حيث الرواية لجميع القراء "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"؛ كما ورد في سورة النحل. وقد ذكر الأستاذ شمس الدين محمد بن الجزري، عن الأستاذ أبي طاهر بن سوار (٢)، وأبي العز القلانسي (٣)، وغيرهما أنهم قالوا: إن الاتفاق على اللفظ بعينه.
وحكي عن الإمام أبي الحسن السخاوي (٤) أنه ذكر في كتابه "جمال القراء": الذي عليه
стр. 54
إجماع الأمة، هو "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (١).
وقال: قال الحافظ أبو عمرو الداني: إنه هو المستعمل عند الحذاق دون غيره (٢) وهو المأخوذ به عند عامة الفقهاء: كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وقد ورد النص بذلك عن النبيِّ ﷺ ففي "الصحيحين" من حديث سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبيِّ ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسبُّ صاحبه وهو مغضب، وقد احمر وجهه، فقال النبيُّ ﷺ : "إنِّي لأعلمُ كلمة لو قالها لذهبَ عنه ما يَجِدُه؛ لو قال: أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم … " الحديث (٣).
стр. 55
وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة غير ذلك، وقد وردت أحاديث بزيادة:
الأول: "أَعُوذُ بالله السّمِيعُ العَلِيمُ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ" (١). نصَّ عليها الحافظ أبو عمرو الداني في "جامعه" (٢) عن أهل مصر (٣). ورواه أبو عليّ الأهوازيّ أداء عن الأزرق عن الصباح، وعن الرفاعي، عن سليم، كلاهما عن حمزة، وورد فيه عن غيرهم (٤).
الثاني: "أعُوذُ بالله العَظِيمِ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ"؛ ذكره الداني. أيضًا. في "جامعه"، عن أهل مصر وسائر بلاد المغرب (٥). وحكاه أبو معشر الطبري، ورواه الأهوازي وغيره.
الثالث: "أعُوذُ بالله مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ، إنّ الله هُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ"؛ رواه الأهوازي، عن أبي عمرو، وذكره أبو معشر، عن أهل مصر والمغرب، عن عمر بن الخطاب، ومسلم بن يسار، وابن سيرين، والثوري (٦).
стр. 56
الرابع: "أعُوذُ بالله العَظِيمِ، السّمِيعُ العَلِيمُ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ"؛ رواه الخزاعي، عن هبيرة، عن حفص. وذكره الهذلي عن أبي عدي، عن ورش (١).
الخامس: "أعُوذُ بالله العَظِيمِ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ، إنّ الله هُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ"؛ رواه الهذلي، عن الزينبي، عن ابن كثير (٢).
السادس: "أعُوذُ بالله السّمِيعُ العَلِيمُ، مِنَ الشّيطانِ الرّجِبمِ إنّ الله هُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ"؛ ذكره الأهوازي، عن جماعة (٣).
السابع: "أعُوذُ بالله مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ، وَأستَفتِحُ الله، وَهُوَ خَيرُ الفَاتِحِينَ" رواه أبو الحسين الخبازي، عن شيخه أبي بكر الخوارزمي، عن ابن مقسم، عن إدريس، عن خلف، عن حمزة (٤).
الثامن: "أَعُوذُ بالله العَظِيمِ، وَبِوَجهِهِ الكَرِيم، وَسلطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ"؛ رواه أبو داود في الدخول إلى المسجد، عن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ ، وقال: "إذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشّيطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سائرَ اليومِ" إسناده جيد، وهو حسن (٥).
ووردت بألفاظ تتعلق بشتم الشيطان؛ نحو: "أعُوذُ بالله مِنَ الشّيطَانِ الرّجِيمِ الخَبِيثِ
стр. 57
المخبث وَالرّجسِ النّجِس"؛ كما رويناه في كتاب "الدعاء" لأبي القاسم الطبراني (١). و"عمل اليوم والليلة" لأبي بكر بن السّنيّ (٢)، عن ابن عمر، ﵄.
كل ذلك ذكره في "النشر" (٣)، والقارئ في ذلك كلّه مخيّر: إن شاء زاده، وإن شاء اقتصر على اللّفظ الوارد في سورة النحل.
وأمّا ما يتعلق بالجهر بها والإخفاء: فالمختار - عند أئمة القراء - هو الجهر بها عن جميع القراء، لا خلاف (٤) في ذلك عند أحد منهم، إلا ما جاء عن حمزة وغيره (٥).
قال الحافظ أبو عمرو الداني في "جامعه": ولا أعلم خلافًا في الجهر بالاستعاذة عند افتتاح القرآن، وعند ابتداء كل قارئ بعَرضٍ أو دَرسٍ أو تلقين - في جميع القرآن - إلا ما جاء عن نافع وحمزة (٦).
стр. 58
وقد ورد في الجهر بها والإخفاء كلام كثير (١).
أمّا محلّها: فهو قبل القراءة إجماعًا، ولا يصحّ قولٌ بخلافه عن أحد ممن يعتبر قوله (٢)، وإنما آفة العلم التقليد.
وأمّا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، بسملة كان أو غيرها:
فيجوزُ الوقفُ على الاستعاذة والابتداءُ بما بعدها (٣)، ويجوز وصلها بما بعدها، والوجهان صحيحان (٤).
وظاهر كلام الداني رحمه الله تعالى: أن الأَوْلى وصلها بالبسملة؛ لأنه قال في كتابه: "الاكتفاء": الوقف على آخر التعوذ تام، وعلى آخر البسملة أتم.
وإذا قرأ جماعة جملة، هل يلزم كل واحد الاستعاذة، أو تكفي استعاذة بعضهم؟
الظاهر: الاستعاذة لكل واحد؛ لأن المقصود اعتصام القارئ والتجاؤه إلى الله تعالى من شر الشيطان؛ كلما ورد في البسملة على الأكل؛ وأنه ليس من سنن الكفايات (٥).
وإذا عرض للقارئ أمر، فقطع القراءة - إن كان كلامًا أو غيره - فإن كان من تعلق القراءة: فلا يحتاج إلى استئناف الاستعاذة، وإن كان الكلام أجنبيًّا ليس له تعلق بالقراءة،
стр. 59
حتى لو رد السلام على من سلم، فليستأنف الاستعاذة (١).
ويستحب للقارئ - على سبيل الأدب، والهروب من البشاعة - أنه إذا أراد القراءة، واستعاذ في الأجزاء من أوساط السور: أن ينظر في المحل الذي يبتدئ منه، إن كان مثل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أو: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: ٨٧]، أو: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] أو ما أشبه ذلك - أن يبسمل بعد الاستعاذة.
* * *
стр. 60
باب البسملة
إذا وصل القارئ بين السورتين، أي: بين الفاتحة والبقرة، أو بين البقرة وآل عمران، أو بين آل عمران والنساء، وكذا إلى آخر القرآن، إلا بين الأنفال وبراءة؛ فقد اختلف الفراء في الفصل بين السورتين بالبسملة وبغيرها، وفي الوصل بينهما:
- ففصل البسملة بين كل سورتين - إلا بين الأنفال وبراءة -: ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وقالون، وأبو جعفر، والأصبهاني عن ورش (١).
- ووصل بين كل سورتين: حمزة (٢).
واختلف عن خلف في اختياره بين الوصل والسكت.
واختلف - أيضًا - عن الباقين، وهم: أبو عمر و، وابن عامر، ويعقوب، وورش - من طريق الأزرق -: بين الوصل والسكت والبسملة (٣).
стр. 61
ولا خلاف بين القراء في الإتيان بالبسملة في أول الفاتحة، سواء ابتدأ بها أو وصلها بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] (١).
وكذا لا خلاف بينهم في البسملة في أوائل كل سورة، سوى براءة (٢).
وأما الابتداء من أوساط السور: فالقارئ مخير: إن شاء بسمل، وإن شاء لم يبسمل؛ إلا ما تقدّم من ذكر البشاعة (٣).
أما أجزاء براءة: فالأولى أن تكون تبعًا لأولها، وليس بنص (٤).
стр. 62
ومن وصل بين السورتين بغير بسملة: فالأحسن له أن يبسمل بين المدثر والقيامة، وبين الانفطار والمطففين، وبين الفجر والبلد، وبين العصر والهمزة. وحمزة يسكت بينهم سكتة لطيفة؛ وكل ذلك هروب من بشاعة اللفظ إذا وصل بينهم بغير بسملة؛ فإنه إذا وصل بين المدثر والقيامة، فآخر المدثر: ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [٥٦] وأول القيامة: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [١]، وآخر الانفطار: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [١٩]، وأول المطففين: ﴿وَيْلٌ﴾ [١]، وآخر الفجر: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [٣٠]، وأول البلد: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [١]، وآخر العصر: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [٣]، وأول الهمزة: ﴿وَيْلٌ﴾ [١].
فالأحسن في هذه المواضع: أن يفصل بين السورتين بالبسملة (١).
قلت: والأحسن - أيضًا - أن يفصل بين البسملة والسورة الآتية؛ لما في ذلك من البشاعة؛ فإنه يقول: "بسمِ اللهِ الرّحمَنِ الرّحِيم" وأول القيامة: ﴿لَا﴾ [١]؛ وكذلك أول المطففين: ﴿وَيْلٌ﴾ [١] بعد البسملة، وأول البلد بعد البسملة: "لا"، وأول الهمزة بعد البسملة: ﴿وَيْلٌ﴾ [١]. وقد أخبرني بذلك السيد الشريف برهان الدين الطباطبي بمكة المشرفة، بقراءتي عليه في سنة ستين وثمانمائة. فإذا وصل القارئ بين السورتين: فلابن كثير، وعاصم، والكسائي، وقالون، وأبي جعفر، والأصبهاني. ثلاثة أوجه:
أولها: وصل الطرفين مع البسملة.
وثانيها: قطع الطرفين مع البسملة.
стр. 63
وثالثها: وصل الطرف الثاني مع البسملة.
والمراد بالطرفين، أي: آخر السورة المفروغ منها، وأول السورة المبتدأ بها (١).
وكيفية ذلك:
أن يقول: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
الثانن: (ولا الضالين بسم الله الرحمن الرحيم الم﴾.
الثالث: (ولا الضالين بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
ولحمزة وجه واحد، وهو ﴿ولا الضالين الم﴾ (٢).
ولخلف في اختياره وجهان: الوصل - مثل حمزة - من غير سكتة، و"السكت بينهما" وكلاهما مع عدم البسملة.
ومن بقي - أبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وورش من طريق الأزرق - لهم خمسة أوجه: الثلاثة المذكورة أولًا، والوجهان المذكوران لخلف في اختياره (٣). والله أعلم.
* * *
стр. 64
(سورة الفاتحة)
﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم * بسم الله الرحمن الرحيم﴾
الوقف على البسملة فيه لجميع القراء: أربعة أوجه: المدِّ، والتوسط، والقصر مع السكون، والرّوم (١) مع القصر، وهو الإتيان ببعض الحركة، وهو وقف تام.
والوقف على ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [٢] فيه ثلاثة أوجه؛ وهي المذكورة مع السكون، وإذا وقف يعقوب على ﴿الْعَالَمِينَ﴾، ألحق النون بهاء السكت؛ وكذا إذا وقف على ﴿الضَّالِّينَ﴾ (٢) [٧]، وإذا لم يقف ووصل إلى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤].
стр. 65
قرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف في اختياره ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤] بألف بعد الميم (١).
وقرأ الباقون (٢) ﴿مَالِكِ﴾ [٤] بغير ألف (٣).
وأدغم الميم من ﴿الرَّحِيمِ﴾ [٣] في الميم من ﴿مَالِكِ﴾ [٤] أبو عمرو ويعقوب؛ بخلاف عنهما.
والباقون بغير إدغام.
والوقف على ﴿نستعين﴾ فيه للجميع سبعة أوجه: المد، والتوسط، والقصر مع السكون، وكذا مع الإشمام، والرّوم مع القصر لا غير.
والإشمام هو: إطباق الشفاه من غير صوت بعد السكون (٤).
والرَّوم هو: الإتيان ببعض الحركة.
والوقف على ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤] وعلى ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [٥] تامٌّ.
стр. 66
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [٦ - ٧] قرأ ابن كثير، وأبو جعفر (١)، وقالون - بخلاف عنه - بصلة ميم الجمع بواو في الوصل (٢).
والباقون بغير صلة، إلا أن ورشًا إذا جاء بعد ميم الجمع همزة قطع وصلها بواو (٣).
وقرأ رويس، وقنبل - بخلاف عنه -: "الصراط" و"صراط" بالسين (٤).
وقرأ حمزة في الحرف الأول المعرف بالإشمام (٥)، أي: بحرف بين الصاد والزاي، وأشم خلف عن حمزة الحرف الثاني المنكر (٦)، وجميع ما في القرآن من المعّرف والمنكر (٧).
стр. 67
والباقون بالصاد الخالصة.
وقرأ يعقوب وحمزة ﴿عليهم﴾ بضم الهاء (١) وقفًا ووصلًا (٢).
والباقون بالكسر (٣).
والوقف على ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ تامّ. وعلى الألف من "الضالين" مدٌّ لازم، وجميع القراء متفقة على مدّه سواء.
وعلى الياء من ﴿الضَّالِّينَ﴾ مدّ عارض؛ لأن سكون النون عارض، وللفرّاء في الوقف عليه ثلاثة أوجه: المد، والتوسط، والقصر.
* * *
стр. 68
(سورة البقرة) (١)
قوله تعالى: ﴿الم﴾ [١] يسكت أبو جعفر على الألف، وعلى اللام، وعلى الميم (٢).
والباقون بغير سكت.
قوله تعالى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [٢] حمزة يمد على ﴿لَا﴾، بخلاف عنه (٣). والباقون بغير مد.
قوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قرأ ابن كثير بصلة هاء الكناية (٤) بياء في الوصل (٥).
والباقون بغير صلة.
стр. 69
وأدغم الهاء في الهاء: أبو عمرو ويعقوب بخلاف عنهما (١).
والباقون بالإظهار.
وأدغم التنوين في اللام بغنّة: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب بخلاف عنهم (٢).
والباقون وهم: أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف والأصبهاني بغير غنّة قولًا واحدًا.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [٣] أبدل الهمزة واوًا: ورش، وأبو جعفر (٣).
وأبو عمرو (٤) بخلاف عنه. وحمزة في الوقف دون الوصل.
стр. 70
والباقون بالهمزة.
قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [٣] غلّظَ ورش اللام (١) المفتوحة بعد الصاد المفتوحة.
والباقون بالترقيق.
قوله تعالى: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ﴾ [٤] قرأ ابن كثير، وأبو جعفر بقصر المد المنفصل، أي: بغير زيادة على الألف بعد الميم. بلا خلاف. إلا ما روي عن أبي معشر في "تلخيصه" وعن الهذلي في "كامله"، واختلف عن قالون، وعن الأصبهاني، وعن ورش، وعن أبي عمرو، وعن يعقوب، وعن هشام، وعن حفص: فروي عنهم مد المنفصل وقصره؛ فإذا قرئ بالقصر لكل منهم: فبقدر حرف بغير زيادة، وإن قرئ بالمد لكل منهم: فيزاد على الحرف زيادة: لكل قدر مرتبته في المد المتصل؛ فيزاد لقالون، والأصبهاني، وأبي عمرو، ويعقوب على الحرف قدر نصف حرف تقريبًا، ويزاد لهشام قدر حرف، ويزاد لحفص قدر حرف ونصف، ومن بقي من القراء، وهم: ورش - من طريق الأزرق - وابن ذكوان، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف - في اختيار -: بالمد المتصل والمنفصل سواء؛ فورش، وحمزة: بقدر ثلاثة حروف، وشعبة: قدر حرفين ونصف، وابن ذكوان، والكسائي وخلف: قدر حرفين؛ وهذا كله على التقريب.
وقد ذكر صاحب "المبهج" (٢) زيادة على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ [٤] قرأ ورش بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، والساكن هنا قبل الهمزة لام التعريف (٣).
стр. 71
وقد اختلف عن الأصبهاني في ذلك، وكذلك اختلف عن أبي جعفر من رواية ابن جماز (١). وإذا نقل ورش: فله مع النقل المد والتوسط والقصر، وكلها مع ترقيق الراء (٢).
وإذا وقف حمزة على ﴿الْآخِرَة﴾ فله النقل. بخلاف عنه. لكن مع عدم الترقيق.
أما حمزة: فله على لام التعريف السكت؛ بخلاف عن خلاد.
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ [٥] هذا مد متصل، وحرف المد هنا لفظيٌّ لا خطي؛ لأن حرف المد هنا الألف، والألف في الرسم. هنا. لا صورة لها؛ فالقراء الجميع يمدون المتصل بلا خلاف، لكن يتفاوتون في طول المد: فورش، وحمزة: قدر ثلاث ألفات، وعاصم: قدر حرفين ونصف، وابن عامر والكسائي وخلف: قدر حرفين، وباقي القراء، وهم: قالون، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب، والأصبهاني: قدر ألف ونصف.
ومن المشايخ من ذكر غير ذلك، فجعل لمن ذكر له ثلاث ألفات: ستة، ولمن له ألفان ونصف: خمسة، ولمن له ألفان: أربعة، ولمن له ألف ونصف: ثلاثة، وهذا كله أمر لا مشاحة فيه؛ فإن القارئ إنما يأتي بذلك من فكره بقدر نفسه. والله أعلم.
стр. 72
قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [٦].
أما ﴿سَوَاءٌ﴾: فمد متصل، الجميع يمدونه، إلا أنهم متفاوتون في المد: فأطولهم مدّا ورش وحمزة، ودونهما: عاصم، ودون عاصم: ابن عامر، والكسائي، وخلف؛ وبقي قالون، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب؛ فدون ذلك.
وأما ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [٦] فقالون: له في ميم الجمع الصلة وعدمها، وابن كثير، وأبو جعفر بالصلة بلا خلاف، وورش: بالصلة قبل همزة القطع، وباقي القراء: بغير صلة.
فإذا وصل قالون ميم الجمع قبل همزة القطع قصر ومد، وإذا وصل ابن كثير وأبو جعفر فالقصر لا غير، وإذا وصل ورش - من طريق الأزرق - فالمد لا غير (١).
وأما ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [٦] فهمزة الاستفهام دخلت على "أنذرتهم" فقالون، وأبو عمرو، وأبو جعفر: يحققون همزة الاستفهام، ويسهلون الثانية، ويدخلون بينهما ألفًا (٢)، أما ورش، وابن كثير، ورويس: فكذلك؛ إلا أنهم لا يدخلون بينهما ألفًا (٣)، وأما هشام: فله
стр. 73
في الثانية التسهيل والتحقيق مع إدخال الألف بينهما (١)، وبقي ابن ذكوان، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وروح: فيحققونها من غير إدخال ألف بينهما (٢)، وإذا وقف حمزة على ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فله في الثانية التحقيق والتسهيل؛ لأنه متوسط بزائد، وله - أيضًا - في الوقف إبدال الثانية ألفًا، ولورش في الهمزة الثانية - أيضًا - إبدالها ألفًا وقفًا ووصلًا.
وأبدل الهمزة الساكنة من "يؤمنون" واوًا: ورش، وأبو جعفر، وأبو عمرو - بخلاف عنه - وقفًا ووصلًا، وحمزة وقفًا لا وصلًا (٣).
والراء من ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ مفخمة، ومن ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مرققة للجميع. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿أَبْصَارِهِمْ﴾ [٧] قرأ نافع (٤) وحمزة بإمالة الألف بعد الصاد بين بين؛ بخلاف عن قالون وحمزة.
стр. 74
وأمالها محضة أبو عمرو، والدوري عن الكسائي (١).
والباقون بالفتح (٢).
قوله تعالى: ﴿غِشَاوَةٌ﴾ [٧] إذا وقف الكسائي وحمزة عليها: أمالاها، بخلاف عن حمزة.
والباقون بالفتح.
واتفقوا في الوصل على التنوين مع الرفع (٣).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [٨] قرأ أبو عمرو بإمالة الألف قبل السين المكسورة محضة، بخلاف عنه (٤).
стр. 75
والباقون بالفتح.
قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [٨] قرأ ورش بالمد والتوسط والقصر؛ وكذلك ﴿الْآخِرِ﴾ [٨] مع نقل حركة الهمزة إلى اللام الساكنة، وحمزة يسكت على لام التعريف قبل الهمزة (١)، بخلاف عن خلاد. وإذا وقف على نقل، بخلاف عنه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [٨] في ميم الجمع في الوصل: الصلة لابن كثير، وأبي جعفر، وقالون بخلاف عنه. ومن لم يصل ميم الجمع: فله فيها عند الباء الموحدة الإخفاء على رأي المتأخرين. وأبدل من الهمزة واوًا: ورش، وأبو جعفر، وأبو عمرو، بخلاف عنه (٢).
قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ [٩] قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بضم الياء التحتية، وفتح الخاء، وألف بعدها، وكسر الدال (٣). وقرأ الباقون بفتح الياء، وسكون الخاء، وفتح الدال، ولا ألف بينهما، والرسم على هذه القراءة (٤)؛ وكذا الرسم في [٩] إلا أن القراء الجميع اتفقوا في القراءة في الحرف الأول على ضم الياء، وفتح الخاء وألف بعدها،