Полный текст (262 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أبا بكر الصديق في ذلك، ثم راجع النبي ﷺ ، فكان جوابه ﷺ ، كما أجابه الصديق ﵁، وهو أنه عبد الله ورسوله وليس يضيعه، وهو ناصره.
وقد استقصى البخاري هذا الحديث في صحيحه.
فقاضاه سهيل بن عمرو على:
أن يرجع عنهم عامه هذا، وأن يعتمر من العام المقبل على أن لا يدخل مكة ألا في جلبان السلاح، وأن لا يقيم عندهم أكثر من ثلاثة أيام.
وعلى أن يأمن الناس بينهم وبينه عشر سنين.
فكانت هذه الهدنة من أكبر الفتوحات للمسلمين كما قال عبد الله مسعود ﵁.
وعلى أنه من شاء دخل في عقد رسول الله ﷺ ، ومن شاء دخل في عقد قريش.
وعلى أنه لا يأتيه أحد منهم وإن كان مسلماً إلا رده إليهم، وإن ذهب أحد من المسلمين إليهم لا يردونه إليه.
стр. 107
فأقر الله سبحانه ذلك كله إلا ما استثنى من المهاجرات المؤمنات من النساء: فإنه نهاهم عن ردهن إلى الكفار، وحرمهن على الكفار يومئذ، وهذا أمر عزيز ما يقع في الأصول، وهو تخصيص السنة بالقرآن، ومنهم من عده نسخاً، كمذهب أبي حنيفة وبعض الأصوليين، وليس هو الذي عليه أكثر المتأخرين، والنزاع في ذلك قريب، إذ يرجع حاصله إلى مناقشة في اللفظ.
وقد كان ﷺ قبل وقوع هذا الصلح بعث عثمان بن عفان ﵁ إلى أهل مكة يعلمهم أنه لم يجيء لقتال أحد وإنما جاء معتمراً، فكان من سيادة عثمان ﵁ أنه عرض عليه المشركون الطواف بالبيت، فأبى عليهم وقال: لا أطوف بها قبل رسول الله ﷺ .
ولم يرجع عثمان ﵁، حتى بلغه ﷺ أنه قد قتل عثمان، فحمي لذلك رسول الله ﷺ ثم دعا أصحابه إلى البيعة على القتال، فبايعوه تحت شجرة هناك، وكانت سمرة، وكان عدة من بايعه هناك جملة من قدمنا أنه خرج معه إلى الحديبية إلا الجد بن قيس فإنه كان قد استتر ببعير له نفاقاً منه وخذلانا، وإلا أبا سريحة حذيفة بن أسيد، فإنه شهد الحديبية، وقيل: إنه لم يبايع، وقيل: بل بايع.
стр. 108
إن أول من بايع يومئذ أبو سنان: وهب بن محصن، أخو عكاشة بن محصن، وقيل: ابنه سنان بن أبي سنان، وبايع سلمة بن الأكوع ﵁ يومئذ ثلاث مرات بأمر رسول الله ﷺ له بذلك، كما رواه مسلم عنه، ووضع ﷺ إحدى يديه عن نفسه الكريمة ثم قال: وهذه عن عثمان ﵁ فكان ذلك أجل من شهوده تلك البيعة.
وأنزل الله في ذلك: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك﴾ «وقال ﷺ : لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار»
فهذه هي بيعة الرضوان.
«ولما فرغ النبي ﷺ من مقاضاة المشركين كما قدمنا شرع في التحلل من عمرته وأمر الناس بذلك، فشق عليهم وتوقفوا رجاء نسخه، فغضب النبي ﷺ من ذلك، فدخل على أم سلمة فقال لها ذلك، فقالت: اخرج أنت يا رسول الله فاذبح هديك واحلق رأسك، والناس يتبعونك يا رسول الله، فخرج ففعل ذلك، فبادر الناس إلى موافقته، فحلقوا كلهم إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة الحارث بن ربعي، فإنهما قصراً،» ذكره السهيلي في الروض الأنف.
стр. 109
وكاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، لأنهم يرون المشركين قد ألزموهم بشروط كما أحبوا، وأجابهم ﷺ إليها وهذا من فرط شجاعتهم ﵃ وحرصهم على نصر الإسلام، ولكن الله أعلم بحقائق الأمور ومصالحها منهم، ولهذا لما انصرف ﷺ راجعاً إلى المدينة أنزل الله عليه سورة الفتح بكمالها في ذلك، وقال عبد الله بن مسعود: إنكم تعدون الفتح فتح مكة وإنما كنا نعده فتح الحديبية، وصدق ﵁، فإن الله جعل هذه هي السبب في فتح مكة كما سنذكره بعد أن شاء الله تعالى.
وعوض من هذه خيبر سلفاً وتعجيلاً.
بر
فصل ـ غزوة خيبر
ولما رجع ﷺ إلى المدينة أقام بها إلى المحرم من السنة السابعة، فخرج في آخره إلى خيبر، ونقل عن مالك بن أنس ﵀: أن فتح خيبر كان في سنة ست، والجمهور على أنها في سنة سبع، وأما ابن حزم فعنه أنها في سنة ست بلا شك، وذلك بناء على اصطلاحه، وهو أنه يرى أن أول السنين الهجرية شهر ربيع الأول الذي قدم فيه رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجراً، ولكن لم يتابع عليه، إذا الجمهور على أن أول التاريخ من محرم تلك السنة، وكان أول من أرخ بذلك يعلى بن أمية باليمن، كما رواه الإمام أحمد بن حنبل عنه بإسناد صحيح
стр. 110
إليه، [وقيل: عمر بن الخطاب ﵁ وذلك في سنة ست عشرة كما بسط ذلك في موضع آخر] .
فسار ﷺ إليها، واستخلف على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي فلما انتهى إليها حاصرها حصناً حصناً يفتحه الله عليه ويغنمه، حتى استكملها ﷺ وخمسها، وقسم نصفها بين المسلمين، وكان جملتهم من حضر الحديبية فقط، وأرصد النصف الآخر لمصالحه ولما ينوبه من أمر المسلمين.
واستعمل اليهود الذين كانوا فيها بعد ما سألوا ذلك عوضاً عما كان صالحهم عليه من الجلاء على أن يعملوها ولرسول الله ﷺ النصف مما يخرج منها من ثمر أو زرع، وقد اصطفى ﷺ من غنائمها صفية بنت حيي بن أخطب لنفسه، فأسلمت، فأعتقها، وتزوجها، وبنى بها في طريق المدينة بعدما حلت.
«و
стр. 111
قد أهدت إليه امرأة من يهود خيبر ـ وهي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم ـ شاة مصلية مسمومة، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراع أنه مسموم، فترك الأكل، ودعا باليهودية فاستخبرها: [أسممت هذه الشاة] فقالت: نعم، فقال: [ما أردت إلى ذلك] ؟ فقالت: أردت إن كنت نبياً لم يضرك، وإن كنت غيره استرحنا منك، فعفا عنها ﷺ .
وقيل: إن بشر بن البراء بن معرور كان ممن أكل منها، فمات، فقتلها به.
وقد روى ذلك أبو داود مرسلاً عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف» .
وقدم على النبي ﷺ في غزوة خيبر بعد فراغهم من القتال جعفر بن أبي طالب وأصحابه ممن بقي مهاجراً بأرض الحبشة، وصحبتهم أبو موسى الأشعري في جماعة من الأشعريين يزيدون على السبعين.
وقدم عليه أبو هريرة وآخرون ﵃ أجمعين، فأعطاهم ﷺ من المغانم كما أراه الله ، «وقد قال ﷺ لجعفر: [لا أدري بأيهما أنا أسر، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر] ؟» ولما قدم عليه قام وقبل ما بين عينيه.
وقد استشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلا ﵃ جميعهم.
стр. 112
فصل ــ فتح فدك
ولما بلغ أهل فدك ما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر، بعثوا إليه يطلبون الصلح فأجابهم، فكانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فوضعها ﷺ حيث أراه الله ، ولم يقسمها.
فصل ـ فتح وادي القرى
ورجع إلى المدينة على وادي القرى فافتحه، وقيل: إنه قاتل فيه.
فالله أعلم.
وفي الصحيحين أن غلاماً لرسول الله ﷺ يدعى مدعماً، بينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله، «فقال: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً» .
стр. 113
فصل ـ عمرة القضاء
ولما رجع ﷺ إلى المدينة أقام بها إلى شهر ذي القعدة فخرج فيه معتمراً عمرة القضاء التي قاضى قريشاً عليها.
ومنهم من يجعلها قضاء عن عمرة الحديبية حيث صد.
ومنهم من يقول عمرة القصاص.
والكل صحيح.
فسار حتى بلغ مكة فاعتمر وطاف بالبيت، وتحلل من عمرته، وتزوج بعد إحلاله بميمونة بنت الحارث أم المؤمنين.
وتمت الثلاثة أيام، فبعث إليه المشركون علياً ﵁ يقولون له: اخرج من بلدنا.
«فقال: (وما عليهم لو بنيت بميمونة عندهم؟ (فأبو عليه ذلك» .
وقد كانوا خرجوا من مكة حين قدمها ﷺ عداوة وبغضاً له.
فخرج ﵊ فبنى بميمونة بسرف ورجع إلى المدينة مؤيداً منصوراً.
стр. 114
فصل ـ بعث مؤتة
ولما كان في جمادى الآخرة من سنة ثمان بعث ﷺ الأمراء إلى مؤتة، وهي قرية من أرض الشام، ليأخذوا بثأر من قتل هناك من المسلمين.
فأمر على الناس زيد بن حارثة مولاه ﷺ «وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» .
فخرجوا في نحو من ثلاثة آلاف، وخرج ﷺ معهم يودعهم إلى بعض الطريق، فساروا حتى إذا كانوا بمعان بلغهم أن هرقل ملك الروم قد خرج إليهم في مائة ألف ومعه مالك بن زافلة في مائة ألف أخرى من نصارى العرب من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهراء وبلي، وبلقين فاشتور المسلمون هناك وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ يأمرنا بأمره أو يمدنا.
فقال عبد الله بن رواحة ﵁: يا قوم! والله إن الذي خرجتم تطلبون: أمامكم ـ يعني الشهادة ـ وإنكم ما تقاتلون الناس بعدد ولا قوة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا
стр. 115
الله به، فانطلقوا، فهي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة.
فوافقه القوم، فنهضوا.
فلما كانوا بتخوم البلقاء لقوا جموع الروم فنزل المسلمون إلى جنب قرية مؤتة، والروم على قرية يقال لها مشارف، ثم التقوا فقاتلوا قتالا عظيماً.
وقتل أمير المسلمين زيد بن حارثة ﵁ والراية في يده، فتناولها جعفر، ونزل عن فرس له شقراء فعقرها، وقاتل حتى قطعت يده اليمنى، فأخذ الراية بيده الأخرى فقطعت أيضاً، فاحتضن الراية ثم قتل ﵁ عن ثلاث وثلاثين سنة على الصحيح.
فأخذ الراية عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁، وتلوم بعض التلوم ثم صمم وقاتل حتى قتل، فيقال: إن ثابت بن أقرم أخذ الراية وأراد المسلمون أن يؤمروه عليهم فأبى، فأخذ الراية خالد بن الوليد ﵁ فانحاز بالمسلمين، وتلطف حتى خلص المسلمون من العدو، ففتح الله على يديه كما أخبر بذلك كله رسول الله ﷺ أصحابه الذين بالمدينة يومئذ وهو قائم على المنبر، فنعى إليهم الأمراء، واحداً واحداً وعيناه تذرفان ﷺ ، والحديث في الصحيح.
وجاء الليل فكف الكفار عن القتال.
ومع كثرة هذا العدو وقلة عدد المسلمين بالنسبة إليهم لم يقتل من المسلمين خلق كثير على ما ذكره أهل السير، فإنهم لم يذكروا فيما سموا إلا نحو العشرة.
стр. 116
وكر المسلمون راجعين، ووقى الله شر الكفرة وله الحمد والمنة، إلا أن هذه الغزوة كانت إرهاصاً لما بعدها من غزو الروم، وإرهاباً لأعداء الله ورسوله.
فصل ـ غزوة فتح مكة
نذكر فيه ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله بها رسوله، وأقر عينه بها، وجعلها علما ظاهراً على إعلاء كلمته وإكمال دينه والاعتناء بنصرته.
وذلك لما دخلت خزاعة ـ كما قدمنا ـ عام الحديبية في عقد رسول الله ﷺ ، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وضربت المدة إلى عشر سنين، أمن الناس بعضهم بعضاً، ومضى من المدة سنة ومن الثانية نحو تسعة أشهر، فلم تكمل حتى غدا نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة فبيتوا
стр. 117
خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير، فاقتتلوا هناك بذحول كانت لبني بكر على خزاعة من أيام الجاهلية، وأعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح، وساعدهم بعضهم بنفسه خفية، وفرت خزاعة إلى الحرم فاتبعهم بنو بكر إليه، فذكر قوم نوفل نوفلاً بالحرم، وقالوا: اتق إلهك.
فقال لا إله له اليوم، والله يا بني بكر إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تدركون فيه ثأركم؟ قلت: قد أسلم نوفل هذا بعد ذلك، وعفا الله عنه، وحديثه مخرج في الصحيحين ﵁.
وقتلوا من خزاعة رجلاً يقال له منبه، وتحصنت خزاعة في دور مكة، فدخلوا دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له: رافع، فانتفض عهد قريش بذلك.
فخر ج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي [وقوم من خزاعة] حتى أتوا رسول الله ﷺ فأعلموه بما كان من قريش واستنصروه عليهم، فأجابهم ﷺ وبشرهم بالنصر، وأنذرهم أن أبا سفيان سيقدم عليهم مؤكداً العقد وأنه سيرده بغير حاجة.
فكان ذلك، وذلك أن قريشاً ندموا على ما كان منهم، فبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم وبين محمد ﷺ ويزيد في الأجل، فخرج، فلما كان بعسفان لقي بديل بن ورقاء وهو راجع من المدينة، فكتمه بديل ما كان من رسول الله ﷺ ، وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة
стр. 118
فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، فذهب ليقعد على فراش رسول الله ﷺ فمنعته، وقالت: إنك رجل مشرك نجس.
فقال: والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر.
ثم جاء رسول الله ﷺ فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه ﷺ بكلمة واحدة.
ثم ذهب إلى أبي بكر ﵁ فطلب منه أن يكلم رسول الله ﷺ فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر ﵁ فأغلظ له، وقال: أنا أفعل ذلك؟ ! والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به.
وجاء علياً ﵁ فلم يفعل، وطلب من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس، فقالت: ما بلغ بني ذلك، وما يجيل أحد على رسول الله ﷺ .
فأشار عليه علي ﵁ أن يقوم هو فيجير بين الناس، ففعل.
ورجع إلى مكة فأعلمهم بما كان منه ومنهم، فقالوا: والله ما زاد ـ يعنون علياً ـ أن لعب بك ٠
ثم شرع رسول الله ﷺ في الجهاز إلى مكة، وسأل الله أن يعمي على قريش الأخبار، فاستجاب له ربه ﵎، ولذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكة يعلمهم فيه بما هم به رسول الله ﷺ من القدوم على قتالهم وبعث به مع امرأة، وقد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه
стр. 119
رحمه الله، وقبل ذلك منه رسول الله ﷺ وصدقه، لأنه كان من أهل بدر: وبعث رسول الله ﷺ علياً والزبير والمقداد ﵃، فردوا تلك المرأة من روضة خاخ، وأخذوا منها الكتاب وكان هذا من إعلام الله نبيه ﷺ بذلك ومن أعلام نبوته ﷺ .
وخرج ﷺ لعشر خلون من رمضان في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، وقد ألفت مزينة وكذا بنو سليم على المشهور ﵃ جميعهم.
واستخلف ﷺ على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين.
ولقيه عمه العباس بذي الحليفة، وقيل: بالجحفة فأسلم.
ورجع معه ﷺ ، وبعث ثقله إلى المدينة.
ولما انتهى ﷺ إلى نيق العقاب جاءه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة مسلمين، فطردهما، فشفعت
стр. 120
فيهما أم سلمة، وأبلغته عنهما ما رقته عليهما، فقبلهما، فأسلما أتم إسلام ﵄، بعد ما كانا أشد الناس عليه ﷺ .
وصام ﷺ حتى بلغ ماء يقال له: الكديد، بين عسفان وأمج من طريق مكة، فأفطر بعد العصر على راحته ليراه الناس، وأرخص للناس في الفطر، ثم عزم عليهم في ذلك، فانتهى ﷺ حتى نزل بمر الظهران فبات به.
وأما قريش فعمى الله عليها الخبر، إلا أنهم قد خافوا وتوهموا من ذلك، فلما كانت تلك الليلة خرج ابن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام يتجسسون الخبر، فلما رأوا النيران أنكروها، فقال بديل: هي نار خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقل من ذلك.
وركب العباس بغلة رسول الله ﷺ ليلتئذ، وخرج من الجيش لعله يلقى أحداً، فلما سمع أصواتهم عرفهم، فقال: أبا حنظلة! فعرفه أبو سفيان، فقال: أبو الفضل؟ قال نعم.
قال ما وراءك؟ قال ويحك.. هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش! ..
قال: فما الحيلة؟ قال والله لئن ظفر بك ليقتلنك، ولكن اركب ورائي وأسلم.
فركب وراءه وانطلق به، فمر في الجيش كلما أتى على قوم يقولون: هذا عم رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله ﷺ ، حتى مر بمنزل عمر بن الخطاب ﵁، فلما رآه قال: عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد.
ويركض العباس البغلة، ويشتد عمر ﵁ في جريه، وكان بطيئاً، فسبقه العباس، فأدخله على رسول الله ﷺ ، وجاء عمر في أثره، فاستأذن رسول الله ﷺ في ضرب عنقه، فأجاره العباس مبادرة، فتقاول هو
стр. 121
وعمر بن الخطاب ﵄، فأمره ﷺ أن يأتيه به غداً، فلما أصبح أتى به رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام فتلكأ قليلاً، ثم زجره العباس فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحب الشرف، فقال ﷺ «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» .
قال ابن حزم: هذا نص في أنها فتحت صلحاً لا عنوة.
قلت: هذا أحد أقوال العلماء وهو الجديد من مذهب الشافعي.
واستدل على ذلك أيضاً بأنها لم تخمس ولم تقسم.
والذين ذهبوا إلى أنها فتحت عنوة استدلوا بأنهم قد قتلوا من قريش يومئذ عند الخندمة نحواً من عشرين رجلاً، واستدلوا بهذا اللفظ أيضاً: [فهو آمن] والمسألة يطول تحريرها ها هنا.
وقد تناظر الشيخان في هذه المسألة ـ أعني تاج الدين الفزاري، وأبا ز كريا النووي ـ ومسألة قسمة الغنائم.
стр. 122
والغرض أنه ﷺ أصبح يومه ذلك سائراً إلى مكة، وقد أمر ﷺ العباس أن يوقف أبا سفيان عند خطم الجبل، لينظر إلى جنود الإسلام إذا مرت عليه.
وقد جعل ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ على المقدمة، وخالد بن الوليد ﵁ على الميمنة، والزبير بن العوام ﵁ على الميسرة، ورسول الله ﷺ في القلب، وكان أعطى الراية سعد بن عبادة ﵁، فبلغه أنه قال لأبي سفيان حين مر عليه: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة ـ والحرمة هي الكعبة ـ فلما شكا أبو سفيان ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: «بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة» .
فأمر بأخذ الراية من سعد فتعطى علياً، وقيل: الزبير، وهو الصحيح.
وأمر ﷺ الزبير أن يدخل من كداء من أعلى مكة، وأن تنصب رايته بالحجون، وأمر خالداً أن يدخل من كدى من أسفل مكة، وأمرهم بقتال من قاتلهم.
وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، قد جمعوا جمعاً بالخندمة، فمر بهم خالد بن الوليد فقاتلهم، فقتل من المسلمين ثلاثة وهم: كرز بن جابر من بني محارب بن فهر، وحبيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعي، وسلمة بن الميلاء الجهني، ﵃.
وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلاً، وفر بقيتهم.
ودخل رسول الله ﷺ مكة وهو راكب على ناقته وعلى رأسه المغفر، ورأسه يكاد يمس مقدمة الرحل من تواضعه لربه .
وقد أمن ﷺ الناس إلا
стр. 123
عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيذ، وقينتين لابن خطل، وهما فرتنا وصاحبتها، وسارة مولاة لبني عبد المطلب، فإنه ﷺ أهدر دمائهم، وأمر بقتلهم حيث وجدوا، حتى ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة فقتل ابن خطل، وهو متعلق بالأستار، ومقيس ابن صبابة، والحويرث بن نقيذ، وإحدى القينتين، وآمن الباقون.
ونزل ﷺ مكة واغتسل في بيت أم هانئ وصلى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، فقيل إنها صلاة الضحى.
وقيل: صلاة الفجر.
قال السهيلي: وقد صلاها سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى، إلا أنه صلى ثماني ركعات بتسليم واحد.
وليس كما قال، بل يسلم من كل ركعتين كما رواه أبو داود.
وخرج ﷺ إلى البيت فطاف به طواف قدوم، ولم يسع، ولم يكن معتمراً.
ودعا بالمفتاح، فدخل البيت وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه، وأذن بلال يومئذ على ظهر الكعبة، ثم رد
ﷺ المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة.
وأقرهم على السدانة.
وكان الفتح لعشر بقين من رمضان.
«و
стр. 124
استمر ﷺ مفطراً بقية الشهر يصلي ركعتين، ويأمر أهل مكة أن يتموا» ، كما رواه النسائي بإسناد حسن عن عمران بن حصين ﵁، وخطب ﷺ الغد من يوم الفتح فبين حرمة مكة وأنها لم تحل لأحد قبله ولا تحل لأحد بعده، وقد أحلت له ساعة من نهار، وهي غير ساعته تلك حرام.
وبعث ﷺ السرايا إلى من حول مكة من أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام، وكان في جملة تلك البعوث بعث خالد إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد حين دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فوداهم رسول الله ﷺ وتبرأ من صنيع خالد بهم.
وكان أيضاً في تلك البعوث بعث خالد أيضاً إلى العزى، وكان بيتاً تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر، فدمرها ﵁ من إمام وشجاع.
وكان عكرمة بن أبي جهل قد هرب إلى اليمن، فلحقته امرأته وهي مسلمة وهي أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فردته بأمان رسول الله ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه، وكذا صفوان بن أمية كان قد فر إلى اليمن، فتبعه صاحبه في الجاهلية عمير بن وهب بأمان رسول الله ﷺ ، فرده، وسيره ﷺ أربعة أشهر، فلم تمض حتى أسلم وحسن إسلامه ﵁.
стр. 125
فصل ـ غزوة حنين
ولما بلغ فتح مكة هوزان جمعهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه ثقيف وقومه بنو نصر بن معاوية، وبنو جشم، وبنو سعد بن بكر، وبشر من بني هلال بن عامر، وقد استصحبوا معهم أنعامهم ونساءهم لئلا يفروا، فلما تحقق ذلك دريد بن الصمة شيخ بني جشم ـ وكانوا قد حملوه في هودج لكبره تيمناً برأيه ـ أنكر ذلك على مالك بن عوف النصري وهجنه، وقال: إنها إن كانت لك لم ينفعك ذلك، وإن كانت عليك فإن المنهزم لا يرده شيء.
وحرضهم على ألا يقاتلوا إلا في بلادهم، فأبوا عليه ذلك واتبعوا رأي مالك بن عوف، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يغب عني.
وبعث ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فاستعلم له خبر القوم وقصدهم، فتهيأ رسول الله ﷺ للقائهم، واستعار من صفوان بن أمية أدراعاً، قيل: مائة.
وقيل: أربعمائة.
واقترض منه جملة من المال، وسار إليهم في العشرة آلاف الذين كانوا معه في الفتح، وألفين من طلقاء مكة، وشهد معه صفوان بن أمية حنيناً وهو مشرك، وذلك في شوال من هذه السنة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص أمية بن عبد شمس، وله نحو عشرين سنة.
стр. 126
ومر ﷺ في مسيره ذلك على شجرة يعظمها المشركون يقال لها ذات أنواط، فقال بعض جهال العرب: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال: «قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم ألهة، لتركبن سنن من كان قبلكم» .
ثم نهض ﷺ فوافى حنيناً، وهو واد حدور من أودية تهامة.
وقد كمنت لهم هوازن فيه، وذلك في عماية الصبح، فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد، فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، فذلك قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ وذلك أن بعضهم قال: لن نغلب اليوم من قلة.
وثبت رسول
стр. 127
الله ﷺ ، ولم يفر، ومعه من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعمه العباس، وابناه: الفضل، وقثم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، وآخرون.
وهو ﷺ يومئذ راكب بغلته التي أهداها له فروة بن نوفاسة الجذامي، وهو يركضها إلى وجه العدو، والعباس آخذ بحكمتها يكفها عن التقدم، وهو ﷺ ينوه باسمه يقول: (أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب (.
ثم أمر العباس، وكان جهير الصوت، أن ينادي: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب الشجرة، يا معشر أصحاب السمرة، فلما سمعه المسلمون وهم فارون كروا وأجابوه: لبيك لبيك، وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يثني بعيره لكثرة المنهزمين، نزل عن بعيره وأخذ درعه فلبسها، وأخذ سيفه وترسه، ويرجع راجلاً إلى رسول الله ﷺ ، حتى إذا اجتمع حوله عصابة منهم نحو المائة، استقبلوا هوزان فا جتلدوا هم وإياهم، واشتدت الحرب، وألقى الله في قلوب هوازن الرعب حين رجعوا، فلم يملكوا أنفسهم، ورماهم ﷺ بقبضة حصى بيده، فلم يبقى منهم أحد إلا ناله منها، وفسر قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ بذلك.
وعندي في ذلك نظر، لأن الآية نزلت في قصة بدر كما تقدم.
وتفر هوازن بين يدي المسلمين، ويتبعونهم يقتلون ويأسرون، فلم يرجع آخر الصحابة إلى رسول الله ﷺ إلا والآسارى بين يده، وحاز ﷺ أموالهم وعيالهم.
وانحازت طوائف من هوازن إلى أوطاس، فبعث ﷺ إليهم أبا عامر
стр. 128
الأشعري واسمه عبيد ومعه ابن أخيه أبو موسى الأشعري حاملا راية المسلمين في جماعة من المسلمين، فقتلوا منهم خلقاً.
وقتل أمير المسلمين أبو عامر، رماه رجل فأصاب ركبته، وكان منها حتفه، فقتل أبو موسى قاتله، وقيل: بل أسلم قاتله بعد ذلك، وكان أحد إخوة عشرة قتل أبو عامر التسعة قبله، فالله أعلم.
ولما أخبر أبو موسى رسول الله ﷺ بذلك استغفر ﷺ لأبي عامر.
وكان أبو عامر رابع أربعة استشهدوا يوم حنين، والثاني أيمن بن أم أيمن، والثالث يزيد بن زمعة بن الأسود، والرابع سراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان من الأنصار ﵃.
وأما المشركون فقتل منهم خلق كثير (نحو الأربعين (
وفي هذه الغزوة قال ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سلبه» في قصة أبي قتادة ﵁.
فصل ـ غزوة الطائف ـ
وأما ملك هوازن وهو مالك بن عوف النصري فإنه حين انهزم جيشه دخل مع ثقيف حصن الطائف.
ورجع ﷺ من حنين فلم يدخل مكة حتى أتى الطائف فحاصرهم، فقيل: بضع وعشرون ليلة، وقيل:
بضعة عشرة ليلة.
قال
стр. 129
ابن حزم وهو الصحيح بلا شك.
قلت: ما أدري من أين صحح هذا؟ بل كأنه أخذه من قوله ﷺ لهوازن حين أتوه مسلمين بعد ذلك: «لقد كنت استأنيت بكم عشرين ليلة» وفي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: فحاصرناهم أربعين يوماً ـ يعني ثقيفاً ـ فاستعصوا وتمنعوا، وقتلوا جماعة من المسلمين بالنبل وغيره.
وقد خرب ﷺ كثيراً من أموالهم الظاهرة وقطع أعنابهم، ولم ينل منهم كبيرهم شيء، فرجع عنهم فأتى الجعرانة، فأتاه وفد هوازن هنالك مسلمين، وذلك قبل أن يقسم الغنائم، فخيرهم ﷺ بين ذراريهم وبين أموالهم، فاختاروا الذرية، فقال ﷺ : «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» ، قال المهاجرون والأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ .
وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وقومهما حتى أرضاهما وعوضهما ﷺ .
وأراد العباس بن مرداس السلمي أن يفعل كفعلهما، فلم توافقه بنو سليم، بل طيبوا ما كان لهم لرسول الله ﷺ ، فردت الذرية على هوازن، وكانوا ستة آلاف، فيهم الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بن هوزان، وهي أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فأكرمها وأعطاها، ورجعت إلى بلادها مختارةً لذلك، وقيل: كانت هوازن متوا إلى رسول الله ﷺ برضاعتهم إياه.
ثم قسم ﷺ بقيته على المسلمين، وتألف جماعةً من سادات قريش وغيرهم، فجعل يعطي الرجل المائة بعير، والخمسين، ونحو ذلك.
стр. 130
وفي صحيح مسلم عن الزهري أن رسول الله ﷺ أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل.
وعتب بعض الأنصار، فبلغه، فخطبهم وحدهم، وامتن عليهم بما أكرمهم الله من الإيمان به، وبما أغناهم الله به بعد فقرهم، وألف بينهم بعد العداوة التامة، فرضوا وطابت أنفسهم ﵃ وأرضاهم.
وطعن ذو الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص ـ فيما قيل ـ على النبي ﷺ في قسمته تلك، وصفح عنه ﷺ وحلم، بعد ما قال له بعض الأمراء: ألا نضرب عنقه؟ فقال: لا.
ثم قال: «إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» .
واستعمل ﷺ مالك بن عوف النصري على من أسلم من قومه، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وامتدح رسول الله ﷺ في قصيدة ذكرها ابن إسحاق.
واعتمر ﷺ من الجعرانة ودخل مكة، فلما قضى عمرته ارتحل إلى المدينة، وأقام للناس الحج عامئذ عتاب بن أسيد ﵁، فكان أول من حج بالناس من أمراء المسلمين.
стр. 131
فصل ـ غزوة تبوك
ولما أنزل الله على رسول ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ندب رسول الله ﷺ أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب إلى الجهاد، وأعلمهم بغزو الروم، وذلك في رجب من سنة تسع، وكان لا يريد غزوة إلا ورى بغيرها، إلا غزوته هذه، فإنه صرح لهم بها ليتأهبوا، لشدة عدوهم وكثرته، وذلك حين طابت الثمار، وكان ذلك في سنة مجدبة، فتأهب المسلمون لذلك.
وأنفق عثمان بن عفان ﵁ على هذا الجيش وهو جيش العسرة مالاً جزيلاً فقيل: ألف دينار.
وقال بعضهم: إنه حمل على ألف بعير ومائة فرس وجهزها أتم جهاز حتى لم يفقدوا عقالاً وخطاماً، ﵁.
ونهض ﷺ في نحو من ثلاثين ألفاً، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة وقيل: سباع بن عر فطة: وقيل: علي بن أبي طالب ﵁.
والصحيح أن علياً كان خليفة له على النساء والذرية، ولهذا لما آذاه المنافقون فقالوا: تركه على النساء والذرية، لحق رسول الله ﷺ فشكا إليه ذلك، فقال: «ألا ترضى
стр. 132
أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي» وقد خرج معه عبد الله بن أبي رأس النفاق، ثم رجع من أثناء الطريق.
وتخلف عن رسول الله ﷺ النساء والذرية، ومن عذره الله من الرجال ممن لا يجد ظهراً يركبه أو نفقة تكفيه، فمنهم البكاؤون، وكانوا سبعة: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمر بن الحمام، وعبد الله بن المغفل المزني، وهرمي بن عبد الله وعرباض بن سارية الفزازي، ﵃.
وتخلف منافقون كفراً وعناداً وكانوا نحوالثمانين رجلاً.
وتخلف عصاة مثل: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية.
ثم تاب الله عليهم بعد قدومه ﷺ بخمسين ليلة.
فسار ﷺ فمر في طريقه بالحجر، فأمرهم أن لا يدخلوا عليهم بيوتهم إلا أن يكونوا باكين، وأن لا يشربوا إلا من بئر الناقة، وما كانوا عجنوا به من غيره فليطعموه للإبل.
وجازها ﷺ مقنعاً.
فبلغ ﷺ تبوك وفيها عين تبض بشيء من ماء قليل، فكثرت ببركته، مع ما شوهد من بركة دعائه في هذه الغزوة، من تكثير الطعام الذي كان حاصل الجيش جميعه منه مقدار العنز الباركة، فدعا الله فأكلوا منه وملؤوا كل وعاء كان في ذلك الجيش، وكذا لما عطشوا دعا الله تعالى فجاءت سحابة
стр. 133
فأمطرت، فشربوا حتى رووا واحتملوا، ثم وجدوها لم تجاوز الجيش.
ومن آيات أخر كثيرة احتاجوا إليها في ذلك الوقت.
ولما انتهى إلى هناك لم يلق غزواً، ورأى أن دخولهم إلى أرض الشام بهذه السنة يشق عليهم، فعزم على الرجوع.
وصالح ﷺ يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، وبعث خالداً إلى أكيدر دومة، فجيء به فصالحه أيضاً، ورده، ثم رجع ﷺ وبعد رجوعه أمر بهدم مسجد الضرار، وكان قد أخرج من دار خزام بن خالد، وهدمه بأمر رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم أخو بني سالم، أحد رجال بدر، وآخر معه اختلف فيه، وهو المسجد الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه أبداً.
وكان رجوعه من هذه الغزاة في رمضان من سنة تسع، وأنزل فيها عامة سورة التوبة، وعاتب الله من تخلف عنه ﷺ ، فقال : ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ الآية والتي تليها، ثم قال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا
стр. 134
رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ ، فبان لك من هذا واتضح ما اختلف فيه، وهو أن طائفة النافرة هم الذين يتفقهون في الدين بصحبتهم رسول الله ﷺ في هذه الغزوة، وإذا رجعوا أنذروا قومهم ليحذروا مما تجدد بعدهم من الدين، والله أعلم.
فصل ـ قدوم وفد ثقيف
وقدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ في رمضان هذه السنة فأسلموا، وكان سبب ذلك أن عروة بن مسعود سيدهم كان قد جاء رسول الله ﷺ منصرفه من حنين والطائف وقبل وصوله إلى المدينة، فأسلم وحسن إسلامه واستأذن رسول الله ﷺ في الرجوع إلى قومه ليدعوهم إلى الله ، فأذن له وهو يخشى عليه، فلما رجع إليهم ودعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل فقتلوه.
ثم إنهم ندموا ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ، فبعثوا وفدهم إليه في رمضان كما قدمنا، وكانوا ستة، فأول من بصر بهم المغيرة بن شعبة الثقفي، وكان يرعى، فترك ذلك وأقبل بهم على رسول الله ﷺ ، وعلمهم في الطريق كيف يسلمون عليه، وسبق أبو بكر الصديق ﵁ المغيرة وبشر رسول الله ﷺ بقدومهم.
стр. 135
فأنزلهم ﵊ في المسجد وضرب لهم فيه قبة، وكان السفير بينهم وبينه خالد بن سعيد بن العاص.
وكان الطعام يأتيهم من عند النبي ﷺ فلا يأكونه حتى يأكل خالد قبلهم، فأسلموا واشترطوا أن تبقى عندهم طاغيتهم اللات، وأن لا تهدم، فلم يجيبهم ﷺ إلى ذلك.
وسألوا أن يخفف عنهم بعض الصلوات فلم يجبهم إلى ذلك.
فسألوا أن لا يهدموا بأيديهم طاغيتهم، فأجابهم إليه.
وبعث معهم أبا سفيان صخر بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها فهدمها.
وعظم ذلك على نساء ثقيف، واعتقدوا أن يصيبهم منها سوء، وقد طنز بهم المغيرة بن شعبة حين هدمها فخر صريعاً، وذلك بتواطؤ منه ومن أبي سفيان، ليوهمهم أن ذلك منها، ثم قام يبكتهم ويقرعهم ﵁.
فأسلموا وحسن إسلامهم.
وجعل ﷺ إمامهم أحد الستة الذين قدموا عليه وهو عثمان بن أبي العاص، وكان أحدثهم سناً، لما رأى من حرصه على قراءة القرآن وتعلمه الفرائض وأمره أن يتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً، وأن يقتدي بأضعفهم.
стр. 136
فصل ـ حجة الصديق وتواتر الوفود وبعث الرسل
وبعث ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ أميراً على الحج هذه السنة، وأردفه علياً ﵁ بسورة براءة: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وينبذ إليهم عهودهم إلا من كان ذا عهد مقدر فعهده إلى مدته.
وتواترت الوفود هذه السنة وما بعدها على رسول الله ﷺ مذعنة بالإسلام وداخلين في دين الله أفواجاً كما قال تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ .
وبعث ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن ومعه أبو موسى الأشعري ﵄، وبعث الرسل إلى ملوك الأقطار يدعوهم إلى الإسلام.
وانتشرت الدعوة، وعلت الكلمة، وجاء الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً.
стр. 137
فصل ـ حجة الوداع
نذكر فيه ملخص حجة الوداع وكيفيتها بعون الله ومنه وحسن توفيقه وهدايته، فنقول وبالله التوفيق:
صلى رسول الله ﷺ الظهر يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة من سنة عشر بالمدينة، ثم خرج منها بمن معه من المسلمين من أهل المدينة ومن تجمع من الأعراب، فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، وبات بها.
وأتاه آت من ربه في ذلك الموضع ـ وهو وادي العقيق ـ يأمره عن ربه أن يقول في حجته هذه: حجة في عمرة.
ومعنى هذا أن الله أمره أن يقرن الحج مع العمرة، فأصبح ﷺ فأخبر الناس بذلك، فطاف على نسائه يومئذ بغسل واحد، وهن تسع، وقيل: إحدى عشرة.
ثم اغتسل وصلى في المسجد ركعتين، وأهل بحجة وعمرة معاً.
هذا الذي رواه بلفظه ومعناه عنه ﷺ ستة عشر صحابياً، منهم خادمه أنس بن مالك ﵁، وقد رواه عنه
стр. 138
صلى الله عليه وسلم ستة عشر تابعياً، وهو صريح لا يحتمل التأويل، إلا أن يكون بعيداً، وما عدا ذلك مما جاء من الأحاديث الموهمة التمتع أو ما يدل على الإفراد، فلها محل غير هذا تذكر فيه.
والقران في الحج عند أبي حنيفة هو الأفضل، وروي فيه عن الإمام أحمد بن حنبل قول، وعن الإمام أبي عبد الله الشافعي، وقد نصره جماعة من محققي أصحابه، وهو الذي يحصل به الجمع بين الأحاديث كلها.
ومن العلماء من أوجبه، والله أعلم.
وساق ﷺ الهدي من ذي الحليفة، وأمر من كان معه هدي أن يهل كما أهل ﷺ .
وسار ﷺ والناس بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله أمماً لا يحصون كثرة، كلهم قدم ليأتم به ﷺ .
فلما قدم ﷺ مكة طاف للقدوم، ثم سعى بين الصفا والمروة، وأمر الذين لم يسوقوا هدياً أن يفسخوا حجهم إلى عمرة ويتحللوا حلاً تاماً، ثم يهلوا بالحج وقت خروجهمم إلى منى، ثم قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» فدلك هذا أنه لم يكن متمتعاً قطعاً، خلافاً لزاعمي ذلك من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وقدم علي ﵁ من اليمن فقال ﷺ : «بم أهللت؟ قال: بإهلال كإهلال النبي ﷺ .
فقال له النبي ﷺ : إني سقت الهدي وقرنت» .
روى هذا اللفظ أبو داود وغيره من الأئمة بإسناد صحيح، فهذا صريح في القران، وقدم
стр. 139
علي ﵁ من اليمن هدياً، وأشركه ﷺ في هديه أيضاً، وكان حاصلها مائة بدنة.
ثم خرج ﷺ إلى منى فبات بها وكانت ليلة الجمعة التاسع من ذي الحجة.
ثم أصبح فسار إلى عرفة وخطب تحت سمرة خطبة عظيمة، شهدها من أصحابه نحو من أربعين ألفاً ﵃ أجمعين، وجمع بين الظهر والعصر ثم وقف بعرفة.
ثم بات بالمزدلقة، وجمع بين المغرب والعشاء ليلتئذ، ثم أصبح فصلى الفجر في أول وقتها.
ثم سار قبل طلوع الشمس إلى منى، فرمى جمرة العقبة، ونحر، وحلق.
ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الفرض وهو طواف الزيارة، واختلف أين صلى الظهر يومئذ، وقد أشكل ذلك على كثير من الحفاظ.
ثم حل من كل شيء حرم منه ﷺ .
وخطب ثاني يوم النحر خطبة عظيمة أيضاً، ووصى وحذر وأنذر
стр. 140
وأشهدهم على أنفسهم أنه بلغ الرسالة.
فنحن نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة ﷺ تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين.
ثم أقبل ﷺ منصرفاً إلى المدينة، وقد أكمل الله له دينه.
فصل ـ وفاته ﷺ
فأقام بها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، ثم ابتدأ به ﷺ وجعه في بيت ميمونة يوم خميس، وكان وجعاً في رأسه الكريم، وكان أكثر ما يعتريه الصداع ﵊، فجعل مع هذا يدور على نسائه حتى شق عليه، فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة ﵂، فأذن له، فمكث وجعأاثني عشر يوماً.
وقيل: أربعة عشر يوماً.
والصديق ﵁ يصلي بالناس بنصه ﷺ عليه، واستثنائه له من جيش أسامة الذي كان قد جهزه ﷺ إلى الشام لغزو الروم.
стр. 141
فلما حصل الوجع، تربصوا لينظروا ما يكون من أمره ﷺ وقد صلى ﵊ خلف الصديق جالساً.
وقبض ﷺ ضحى يوم الإثنين من ربيع الأول، فالمشهور أنه الثاني عشر منه، وقيل مستهله.
وقيل: ثانية، وقيل: غير ذلك.
وقال السهيلي ما زعم أنه لم يسبق إليه: من أنه لا يمكن أن تكون وقفته يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، ثم تكون وفاته يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول بعده، سواء حسبت الشهور كاملة أم ناقصة، أم بعضها كاملاً وبعضها ناقصاً.
وقد حصل له جواب صحيح في غاية الصحة ولله الحمد، أفردته مع غيره من الأجوبة، وهو أن هذا إنما وقع بحسب اختلاف رؤية هلال ذي الحجة في مكة والمدينة، فرآه أهل مكة قبل أولئك بيوم، وعلى هذا يتم القول المشهور ولله الحمد والمنة.
وكان عمره يوم مات ﷺ ثلاثاً وستين سنة، على الصحيح، قالوا: ولها مات أبو بكر وعمر وعلي وعائشة ﵃، ذكره أبو زكريا النووي في تهذيبه وصححه، وفي بعضه نظر.
وقيل: كان ستين، وقيل: خمساً وستين وهذه الأقوال الثلاثة في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄.
стр. 142
فاشتدت الرزية بموته ﷺ ، وعظم الخطب وجل الأمر، وأصيب المسلمون بنبيهم، وأنكر عمر بن الخطاب ﵁ ذلك، وقال: إنه لم يمت، وإنه سيعود كما عاد موسى لقومه.
وماج الناس، وجاء الصديق المؤيد المنصور ﵁ أولا وآخراً وظاهراً وباطناً، فأقام الأود، وصدع بالحق، وخطب الناس وتلا عليهم: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ ، فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من أحد إلا يتلوها.
ثم ذهب المسلمون به إلى سقيفه بني ساعدة وقد اجتمعوا على إمرة سعد بن عبادة، فصدهم عن ذلك وردهم، وأشار عليهم بعمر بن الخطاب أو بأبي عبيدة بن الجراح، فأبيا ذلك والمسلمون، وأبى الله ذلك أيضاً، فبايعه المسلمون ﵃ هناك، ثم جاء فبايعه الناس البيعة العامة على المنبر.
ثم شرعوا في جهاز رسول الله ﷺ ، فغسلوه في قميصه، وكان الذي تولى ذلك عمه العباس، وابنه قثم، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وشقران ـ مولياه ـ يصبان الماء، وساعد في ذلك أوس بن خولي الأنصاري البدري، ﵃ أجمعين.
стр. 143
وكفنوه في ثلاثة أثواب قطن سحولية بيض ليس فيها قميص.
وصلوا عليه أفراداً واحداً واحداً، لحديث جاء في ذلك رواه البزار ـ والله أعلم بصحته ـ أنه ﷺ أمرهم بذلك.
وقال الشافعي: إنما صلوا عليه مرة بعد مرة أفذاذاً لعظم قدره، ولمنافستهم أن يؤمهم عليه أحد.
قال الحاكم أبو أحمد فكان أولهم عليه صلاة العباس عمه، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس، فلما فرغ الرجال صلى الصبيان ثم النساء.
стр. 144
ودفن ﷺ يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء سحراً، في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة، لحديث رواه الترمذي عن أبي بكر ﵁، وهذا هو المتواتر تواتراً ضرورياً معلوماً من الدفن الذي هو اليوم داخل مسجد المدينة.
أخر الجزء الأول من الترجمة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ويتلوه الذي يليه.
стр. 145
الجزء الثاني أحواله ﷺ وشمائله وخصائصه
следующие страницы →