← Сира

Сира · id 9241

الفصول في سيرة الرسول

ابن كثير

Полный текст (262 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلما حصل الوجع، تربصوا لينظروا ما يكون من أمره ﷺ وقد صلى ﵊ خلف الصديق جالساً. وقبض ﷺ ضحى يوم الإثنين من ربيع الأول، فالمشهور أنه الثاني عشر منه، وقيل مستهله. وقيل: ثانية، وقيل: غير ذلك. وقال السهيلي ما زعم أنه لم يسبق إليه: من أنه لا يمكن أن تكون وقفته يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، ثم تكون وفاته يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول بعده، سواء حسبت الشهور كاملة أم ناقصة، أم بعضها كاملاً وبعضها ناقصاً. وقد حصل له جواب صحيح في غاية الصحة ولله الحمد، أفردته مع غيره من الأجوبة، وهو أن هذا إنما وقع بحسب اختلاف رؤية هلال ذي الحجة في مكة والمدينة، فرآه أهل مكة قبل أولئك بيوم، وعلى هذا يتم القول المشهور ولله الحمد والمنة. وكان عمره يوم مات ﷺ ثلاثاً وستين سنة، على الصحيح، قالوا: ولها مات أبو بكر وعمر وعلي وعائشة ﵃، ذكره أبو زكريا النووي في تهذيبه وصححه، وفي بعضه نظر. وقيل: كان ستين، وقيل: خمساً وستين وهذه الأقوال الثلاثة في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄.

стр. 142

فاشتدت الرزية بموته ﷺ ، وعظم الخطب وجل الأمر، وأصيب المسلمون بنبيهم، وأنكر عمر بن الخطاب ﵁ ذلك، وقال: إنه لم يمت، وإنه سيعود كما عاد موسى لقومه. وماج الناس، وجاء الصديق المؤيد المنصور ﵁ أولا وآخراً وظاهراً وباطناً، فأقام الأود، وصدع بالحق، وخطب الناس وتلا عليهم: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ ، فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من أحد إلا يتلوها. ثم ذهب المسلمون به إلى سقيفه بني ساعدة وقد اجتمعوا على إمرة سعد بن عبادة، فصدهم عن ذلك وردهم، وأشار عليهم بعمر بن الخطاب أو بأبي عبيدة بن الجراح، فأبيا ذلك والمسلمون، وأبى الله ذلك أيضاً، فبايعه المسلمون ﵃ هناك، ثم جاء فبايعه الناس البيعة العامة على المنبر. ثم شرعوا في جهاز رسول الله ﷺ ، فغسلوه في قميصه، وكان الذي تولى ذلك عمه العباس، وابنه قثم، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وشقران ـ مولياه ـ يصبان الماء، وساعد في ذلك أوس بن خولي الأنصاري البدري، ﵃ أجمعين.

стр. 143

وكفنوه في ثلاثة أثواب قطن سحولية بيض ليس فيها قميص. وصلوا عليه أفراداً واحداً واحداً، لحديث جاء في ذلك رواه البزار ـ والله أعلم بصحته ـ أنه ﷺ أمرهم بذلك. وقال الشافعي: إنما صلوا عليه مرة بعد مرة أفذاذاً لعظم قدره، ولمنافستهم أن يؤمهم عليه أحد. قال الحاكم أبو أحمد فكان أولهم عليه صلاة العباس عمه، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس، فلما فرغ الرجال صلى الصبيان ثم النساء.

стр. 144

ودفن ﷺ يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء سحراً، في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة، لحديث رواه الترمذي عن أبي بكر ﵁، وهذا هو المتواتر تواتراً ضرورياً معلوماً من الدفن الذي هو اليوم داخل مسجد المدينة. أخر الجزء الأول من الترجمة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. ويتلوه الذي يليه.

стр. 145

الجزء الثاني أحواله ﷺ وشمائله وخصائصه

стр. 146

فصل ـ حجه واعتماره ﷺ لم يحج ﷺ بعدما هاجر إلا حجته هذه، وهي حجة الإسلام وحجة الوداع، وكان فرض الحج في السنة السادسة في قول بعض العلماء، وفي التاسعة في قول آخرين منهم، وقيل: سنة عشر، وهو غريب وأغرب منه ماحكاه إمام الحرمين في النهاية وجهاً لبعض الأصحاب: أن فرض الحج كان قبل الهجرة وأما عمره فكن أربعاً: الحديبية التي صد عنها، وعمرة القضاء بعدها، ثم عمرة الجعرانة، ثم عمرته التي مع حجته. وقد حج ﷺ قبل الهجرة مرة، وقيل: أكثر. وهو الأظهر، لأنه كان ﷺ يخرج ليالي الموسم يدعو الناس إلى الله تعالى، ﷺ تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين.

стр. 147

فصل ـ عدد غزواته وبعوثه أما غزواته، فروى مسلم من حديث عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي عن أبيه قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهن، وعن زيد بن أرقم قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة كنت معه في سبع عشرة. وأما محمد بن إسحاق فقال: كانت غزواته التي خرج فيها بنفسه سبعاً وعشرين، وكانت بعوثه وسراياه ثما نياً وثلاثين، وزاد ابن هشام في البعوث على ابن إسحاق، والله أعلم. فصل ـ أعلام نبوته في أعلام نبوته ﷺ على سبيل الإجمال، لأن تفصيله يحتاج إلى مجلدات عديدة، وقد جمع الأئمة في ذلك ما زاد على ألف معجزة. فمن أبهرها وأعظمها القرآن العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإعجازه من جهة لفظه ومعناه: أما لفظه ففي أعلى غايات فصاحة الكلام وكل من ازدادت معرفته بهذا الشأن ازداد للقرآن تعظيماً في هذا الباب، وقد تحدى الفصحاء والبلغاء في زمانه

стр. 148

مع شدة عدواتهم له، وحرصهم على تكذيبه، بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله، أو بسورة، فعجزوا. وأخبرهم أنهم لا يطيقون ذلك أبداً، بل قد تحدى الجن والإنس قاطبة على أن يأتوا بمثله فعجزوا، وأخبرهم بذلك، فقال الله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ إلى غير ذلك من الوجوه المثبتة لإعجازه. وأما معناه فإنه في غاية التعاضد والحكمة، والرحمة والمصلحة، والعا قبة الحميدة والاتفاق، وتحصيل أعلى المقاصد، وتبطيل المفاسد، إلى غير ذلك مما يظهر لمن له لب وعقل صحيح خال من الشبه والأهواء، نعوذ بالله منها ونسأله الهدى. ومن ذلك أنه نشأ بين قوم يعرفون نسبه ومرباه ومدخله ومخرجه، يتيماً بين أظهرهم، أميناً صادقاً، باراً راشداً، كلمهم يعرف ذلك ولاينكره إلا من عاند وسفسط وكابر. وكان أمياً لا يحسن الكتابة ولا يعانيها ولا أهلها، وليس في بلادهم من علم الأولين، ولا من يعرف شيئاً من ذلك فجاءهم على رأس أربعين سنة من عمره يخبر بما مضى مفصلا مبيناً، يشهد له علماء الكتب المتقدمة البصيرون بها المهتدون بالصدق، بل أكثر الكتب المنزلة قبله قد دخلها

стр. 149

التحريف والتبديل، ويجيء ماأنزل الله عليه مبيناً عليه، دالاً على الحق منه، وهو مع ذلك في غاية الصدق والأمانة، والسمت الذي لم ير أولو الألباب مثله ﷺ ، والعبادة لله، والخشوع له، والذلة له، والدعاء إليه، والصبر على أذى من خالفه واحتماله، وزهده في الدنيا، وأخلاقه السنية الشريفة: من الكرم والشجاعة والحياء والبر، والصلة ﷺ ، إلى غير ذلك من الأخلاق التي لم تجتمع في بشر قبله ولا بعده، إلا فيه، فبالعقل يدرك أن هذا يستحيل أن يكذب على أدنى مخلوق بأدنى كذبة، فكيف يمكن أن يكون في مثل هذا قد كذب على الله رب العالمين، الذي قد أخبرهو بما لديه من أليم العقاب، وما لمن كذب عليه وافترى؟! هذا لايصدر إلا من شر عباد الله وأجرئهم وأخبثهم، ومثل هذا لا يخفى أمره على الصبيان في المكاتب، فكيف بأولي الأحلام والنهى، الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم وفارقوا أولادهم وأوطانهم وعشائرهم في حبه وطاعته؟ رضي الله تعالى عنهم، وصلى الله عليه وسلم في تعاقب الليل والنهار. ومن ذلك ما أخبر ﷺ به في هذا القرآن، وفيما صح عنه من الأحاديث، من الغيوب المستقبلة المطابقة لخبره حذو القذة بالقذة مما يطول استقصاؤه ها هنا. ومن ذلك ماأظهره الله تعالى على يديه من خوارق العادات الباهرة: فمن ذلك: ماأخبر الله عنه في كتابه العزيز من انشقاق القمر،

стр. 150

وذلك أن المشركين سألوه آية وكان ذلك ليلاً، فأشار إلى القمر، فصار فرقتين، فسألوا من حولهم من الأحياء، لئلا يكون قد سحرهم فأخبروهم بمثل ما رأوا، وهذا متواتر عنه عند أهل العلم بالأخبار، وقد رواه غير واحد من الصحابة ﵃ أجمعين. ومن ذلك ما ظهر ببركة دعائه في أماكن يطول بسطها، وتضيق مجلدات عديدة عن حصرها، وقد جمع الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى كتاباً شافياً في ذلك مقتدياً بمن تقدمه في ذلك، كما اقتدى به كثيرون بعده رحمهم الله تعالى: فمن ذلك أنه ﷺ دعا الله تعالى في السخلة التي كانت مع ابن مسعود في الرعي، وسمى الله وحلبها، فدرت عليه، فشرب وسقى أبا بكر، وكذلك فعل في شاة أم معبد.

стр. 151

ودعا للطفيل بن عمرو، فصارت آية في طرف سوطه، نور يلمع يرى من بعد. وكذلك حصل لأسيد بن الحضير وعباد بن بشر الأنصاري وقد خرجا من عنده في ليلة ظلماء. ودعا الله على السبعة الذي سخروا منه وهو يصلي، فقتلوا ببدر. ودعا على ابن أبي لهب، فسلط الله عليه السبع بالشام وفق دعائه ﵇. ودعا على سراقة فساخت يدا فرسه في الأرض، ثم دعا الله فأطلقها ورمى كفار قريش في بدر بقبضة من حصباء فأصاب كلا منهم شيء منها وهزمهم الله. وكذلك فعل يوم حنين سواء.

стр. 152

وأعطى يوم بدر لعكاشة بن محصن جذلاً من حطب فصار في يده سيفاً ماضياً. وأخبر عمه العباس ـ وهو أسير ـ بما دفن هو وأم الفضل من المال تحت عتبة بابهم، فأقرله بذلك. وأخبر عمير بن وهب بما جاء له من قتله معتذرا بأنه جاء في فداء أسارى بدر، فاعترف له بذلك، وأسلم من وقته ﵁. ورد يوم أحد عين قتادة بن النعمان الظفري بعد أن سالت على خده. وقيل: بعدما صارت في يده، فصارت أحسن عينيه، فلم تكن تعرف من الأخرى. وأطعم يوم الخندق الجم الغفير الذين يقاربون ألفاً: من سخلة وصاع شعير ببيت جابر. كما أطعم يومئذ من نزر يسير من تمر، جاءت به ابنة بشير.

стр. 153

وكذلك أطعم نحو الثمانين من طعام كادت تواريه يده المكرمة. وكذلك فعل يوم أصبح عروساً بزينب بنت جحش. وأما يوم تبوك، فكان أمراً هائلاً، أطعم الجيش وملؤوا كل وعاء معهم من قدر ربضة العنز طعاماً. وأعطى أبا هريرة ﵁ مزوداً فأكل منه دهره، وجهز منه في سبيل الله شيئاً كثيراً ولم يزل معه إلى أيام مقتل عثمان. وأشياء أخرى من هذا النمط يطول ذكرها مجردة، وسنفرد لذلك ـ إن شاء الله تعالى وبه الثقة ـ مصنفاً على حدة. ودعا الله تعالى لما قحطوا فلم ينزل عن المنبر حتى تحدرالماء على لحيته ﷺ من سقف المسجد، وقد كان قبله لا يرى في السماء سحابة ولا قزعة ولا قدر الكف، ثم لما استصحى لهم انجاب السحاب عن المدينة حتى صارت المدينة في مثل الإكليل.

стр. 154

ودعا الله على قريش فأصابهم من الجهد ما لا يعبر عنه، حتى استرحموه، فعطف عليهم فأفرج عنهم. وأتي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، فرغب إليه أقوام هناك أن يتوضؤوا معه فوضع يده في ذلك الإناء، فما وسعها، ثم دعا الله، فنبع الماء من بين أصابعه ﷺ . وكذلك فعل يوم الحديبية، وكان الجيش ألفاً وأربعمائة، قال جابر: ولو كنا مائة ألف لكفانا. وكذلك فعل في بعض أسفره بقطرة من ماء في سقاء، قال الراوي: لما أمرني أن أفرغها في الوعاء خشيت أن يشربها يابس القربة، فوضع يده فيها، ودعا الله تعالى، فنبع الماء من بين أصابعه لأصحابه، حتى توضؤوا وشربوا. وكذلك بعث سهمه إلى عين الحديبية فوضعت فيها فجاشت بالماء حتى

стр. 155

كفتهم. وكذلك فعل يوم ذات السطيحتين، سقى أصحابه وتوضؤوا، وأمر بعضهم فاغتسل من جنابة كانت عليه، ولم ينقص من تلك المزادتين اللتين للمرأة شيء، فذهبت إلى قومها، فقالت: رأيت اليوم أسحر أهل الأرض، أو إنه لنبي.. ! ثم أسلمت، وأسلم قومها، ﵃. في كثير من هذا النمط يطول بسطه، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى. فصل ـ الإخبار بالغيوب المستقبلة وقد أخبر بالغيوب المستقبلة المطابقة لخبره، كما أخبر الله في كتابه من إظهار دينه، وإعلاء كلمته، واستخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمته في الأرض، وكذلك كان. وأخبر بغلبة الروم فارس في بضع سنين، فكان كذلك. وأخبر ﷺ قومه الذين كانوا معه في الشعب أن الله قد سلط على الصحيفة الأرضة فأكلتها إلا ما كان من ذكر الله، وكان كذلك. وأخبر يوم بدر قبل الوقعة بيوم بمصارع القتلى واحداً واحداً، فكان كما أخبر سواء بسواء.

стр. 156

وأخبر أن كنوز كسرى وقيصر ستنفق في سبيل الله، فكان كذلك. وبشر أمته بأن ملكهم سيمتد في طول الأرض، فكان كذلك. وأخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تقاتل أمته قوماً صغار الأعين ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة، وهذه حلية التتار، فكان كذلك. وأخبر بقتال الخوارج، ووصف لهم ذا التدية فوجد كما وصف سواء بسواء وأخبر أن الحسن بن علي ﵄ سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فكان كذلك. وأخبر بأن عماراً ستقتله الفئة الباغية، فقتل يوم صفين مع علي رضي الله عنهما

стр. 157

وأخبر بخروج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى، وكان ظهور هذه في سنة بضع وخمسين وستمائة، وتواتر أمرها، وأخبرت عمن شاهد إضاءة أعناق الإبل ببصرى، فصلى الله على رسوله كلما ذكره الذاكرون. وأخبر بجزيئات كانت وتكون بين يدي الساعة يطول بسطها، وفيما ذكرنا كفاية، إن شاء الله، وبه الثقة. فصل ـ بشارةالكتب السماوية المتقدمة برسول الله ﷺ وفي الكتب المتقدمة البشارة به، كما أخبر الله تعالى أن ذلك في التوراة والإنجيل مكتوب، وكما أخبر عن نبيه عيسى ﵇ أنه قال: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ ، وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه وجد صفته في التوراة ﷺ وذكرها. وفي التوراة اليوم التي يقر اليهود بصحتها في السفر الأول أن الله تعالى تجلى

стр. 158

لإبراهيم وقال له ما معناه: [فاسلك في الأرض طولاً وعرضاً لولدك تعظيماً] . ومعلوم أنه لم يملك مشارق الأرض ومغاربها إلا محمد ﷺ كما جاء في الصحيح عنه أنه قال: «إنه زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» . وفيه أيضاً: [إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن إسحاق يكون لك منه نسل وأما إسماعيل فإني باركته وكثرته وعظمته، وجعلت ذريته بنجوم السماء ... ] إلى أن قال: [وعظمته بماذ ماذ ـ أي بمحمد، وقيل: بأحمد ـ وقيل: جعلته عظيماً عظيماً وجعل حذاً] . وفيه: [إن الله وعد إبراهيم أن ولده إسماعيل تكون يده عالية على كل الأمم، فكل الأمم تحت يده، وبجميع مساكن إخوته يسكن] ، وقد علم أهل الكتاب وغيرهم أن إسماعيل لم يدخل قط الشام ولا علت يده على إخوته، وإنما كان هذا لولده محمد ﷺ ، ولا ملك الشام ومصر من العرب أحد قبل أمة محمد ﷺ ، فإن فتحهما كان في خلافة الصديق والفاروق ﵄. وفي السفر الرابع من التوراة التي بأيديهم اليوم ما معناه: [نبي أقيم لهم من أقاربهم من أخيهم مثلك يا موسى، أجعل نطقي بفيه] . ومعلوم لهم ولكل أحد أن الله لم يبعث من نسل إسماعيل سوى محمد ﷺ ، بل لم يكن في بني إسرائيل نبي يماثل موسى إلا عيسى ﵇، وهم لا يقرون بنبوته، ثم

стр. 159

ليس هو من إخوتهم، بل هو منتسب إليهم بأمه صلوات الله وسلامه عليه، فتعين ذلك في محمد ﷺ . ومن ذلك ما ختمت به التوراة في آخر السفر الخامس ما معناه: [جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلى من جبال فاران] . ومعنى هذا أن الله جاء شرعه ونوره من طور سيناء الذي كلم موسى عليه، وأشرق من ساعير وهو الجبل الذي ولد به عيسى ﵇ وبعث فيه، واستعلى من جبال فاران وهي مكة، بدليل أن الله أمر إبراهيم ﷺ أن يذهب بإسماعيل إلى جبال فاران. وقد استشهد بعض العلماء على صحة هذا بأن الله سبحانه أقسم بهذه الأماكن الثلاثة فترقى من الأدنى إلى الأعلى في قوله تعالى ﴿والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين﴾ ، ففي التوراة ذكرهن بحسب الوقوع، الأول فالأول، وبحسب ما ظهر فيهن من النور. وفي القرآن لما أقسم بهن ذكر منزل عيسى ثم موسى ثم محمد، صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين، لأن عادة العرب إذا أقسمت ترقت من الأدنى إلى الأعلى. وكذا زبور داود ﵇ والنبوءات الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب، فيها البشارات به ﷺ كما يخبر بذلك من أسلم منهم قديماً وحديثاً. وفي الإنجيل ذكر ـ الفارقليط ـ موصوفاً بصفات محمد ﷺ سواء بسواء.

стр. 160

وأما كلام أشعيا وأرميا فظاهر جداً لكل من قرأه. ولله الحمد والمنة والحجة البالغة. فصل ـ أولاده تقدم ذكر أعمامه وعماته عند ذكر نسبه المطهر ﷺ . فأما أولاده فذكورهم وإناثهم من خديجة بنت خويلد ﵂، إلا إبراهيم فمن مارية القطبية، وهم: القاسم، وبه كان يكنى لأنه أكبر أولاده، ثم زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. ثم بعد النبوة: عبد الله، ويقال له: الطيب والطاهر، لأنه ولد في الإسلام. وقيل: الطاهر غير الطيب. وصحح ذلك بعض العلماء. ثم إبراهيم من مارية، ولد له ﷺ بالمدينة في السنة الثامنة، وتوفي عن

стр. 161

سنة وعشرة أشهر، فلهذا قال ﷺ : «أن له مرضعاً في الجنة» . وكلهم مات قبله، إلا فاطمة ﵂ فإنها توفيت بعده بيسير، قيل: ستة أشهر على المشهور. وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: سبعون يوماً، وقيل: خمسة وسبعون يوماً. وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل: مائة يوم. وقيل: غير ذلك. وصلى عليها علي، وقيل: أبو بكر. وهو قول غريب. وقد ورد في حديث أنها اغتسلت قبل موتها بيسير، وأوصت ألا تغسل بعد موتها، وهو غريب جداً، وروي أن علياً والعباس وأسماء بنت عميس زوجة الصديق وسلمى أم رافع وهي قابلتها غسلوها، وهذا هو الصحيح.

стр. 162

فصل ـ زوجاته في زوجاته ﵅: أول من تزوج ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂. فكانت وزير صدق له لما بعث، وهي أول من آمن به على الصحيح. وقيل: أبو بكر. وهو شاذ. ولم يتزوج في حياتها بسواها لجلالها وعظم محلها عنده. واختلف أيها أفضل هي أو عائشة ﵄؟ فرجح فضل خديجة جماعة من العلماء. وقد ماتت قبل الهجرة [بسنة ونصف] . ثم تزوج سودة بنت زمعة القرشية العامرية، بعد موت خديجة بمكة، ودخل بها هناك، ثم لما كبرت أراد ﷺ طلاقها، فصالحته على أن وهبت يومها لعائشة وقيل: له، فجعله لعائشة. وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وإن امرأة

стр. 163

خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾ الآية. وتوفيت في آخر أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وقيل: تزوج عائشة قبل سودة، ولكنه لم يبن بها إلا في شوال من السنة الثانية من الهجرة، ولم يتزوج بكراً سواها، [ولم يأته الوحي في لحاف امرأة من نسائه سواها] ولم يحب أحد من النساء مثلها، وقد كانت لها مآثر وخصائص ذكرت في القرآن والسنة، ولا يعلم في هذه الأمة امرأة بلغت من العلم مبلغها، وتوفيت سنة [سبع وقيل] ثمان وخمسين. ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ في السنة الثالثة من الهجرة، وقد طلقها ﷺ ، ثم راجعها، وتوفيت سنة إحدى وأربعين. وقيل: وخمسين. وقيل: سنة خمس وأربعين.

стр. 164

ثم أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية ـ واسمه حذيفة ـ ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية، بعد وفاة زوجها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم، مرجعه من بدر، فلما انقضت عدتها خطبها ﷺ ، وهذا يقتضي أن ذلك أول السنة الثالثة، وقد كان ولي عقدها ابنها عمر، كما رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة. وقد جمعت جزءاً في ذلك، وبينت أن عمر المقول له في هذا الحديث إنما هو عمر بن الخطاب رضي الله

стр. 165

عنه، لأنه كان الخاطب لها على رسول الله ﷺ ، وقد ذكر الوقدي وغيره أن وليها كان ابنها سلمة، وهو الصحيح إن شاء الله. وقد ذكر أنه ﷺ تزوجها بغير ولي، والله تعالى أعلم. قال الواقدي: توفيت سنة تسع وخمسين. وقال غيره في خلافة يزيد بن معاوية سنة اثنتين وستين. ثم تزوج زينب بنت جحش في سنة خمس من ذي القعدة، وقيل: سنة ثلاث، وهو ضعيف. وفي صبيحة عرسها نزل الحجاب، كما أخرجاه في الصحيحين عن أنس، وأنه حجبه حينئذ وقد كان عمره لما قدم رسول الله ﷺ المدينة عشراً، فدل على أنه كان قد استكمل خمس عشرة سنة،. والله أعلم. وقد كان وليها الله دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ وروى

стр. 166

البخاري في صحيحه بسند ثلاثي أنها كانت تفخر على نساء رسول الله ﷺ وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله في السماء، وكانت أول أزواج رسول الله ﷺ وفاة، قال الواقدي: توفيت سنة عشرين، وصلى عليها عمر بن الخطاب ﵁. ثم تزوج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، وذلك أنه لما غزا قومها في سنة ست، بالماء الذي يقال له: المريسيع، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وكاتبها، فجاءت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها فاشتراها وأعتقها وتزوجها. فقيل: إنها توفيت سنة خمسين. وقال الواقدي: سنة ست وخمسين. ثم تزوج صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية الهارونية النضرية ثم الخيبرية رضي الله تعالى عنها، وذلك أنه ﷺ اصطفاها من مغانم خيبر، وقد كانت في أوائل سنة سبع، فأعتقها وجعل ذلك صداقها، فلما حلت في أثناء الطريق بنى بها، وحجبها، فعلموا أنها من أمهات المؤمنين. قال الواقدي: توفيت سنة خمسين، وقال غيره: سنة ست وثلاثين، والله أعلم. وفي هذه السنة، وقيل: في التي قبلها ـ سنة ست ـ تزوج أم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية. خطبها عليه عمرو بن أمية الضمري، وكانت بالحبشة، وذلك حين توفي عنها زوجها عبيد الله بن جحش، فولي عقدها منه خالد بن سعيد بن العاص،

стр. 167

وقيل: النجاشي، والصحيح الأول. ولكن أمهرها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربعمائة دينار، وجهزها، وأرسل بها إليه ﵁. فأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار اليماني «عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن أبا سفيان لما أسلم قال في حديث لرسول الله ﷺ : عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكما..» الحديث. فقد استغرب ذلك من مسلم ﵀، كيف لم يتنبه لهذا؟ لأن أبا سفيان، إنما أسلم ليلة الفتح، وقد كانت بعد تزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بسنة وأكثر، وهذا مما لا خلاف فيه. وقد أشكل هذا على كثير من العلماء: فأما ابن حزم فزعم أنه موضوع وضعف عكرمة بن عمار، ولم يقل هذا أحد قبله ولا بعده. وأما محمد بن طاهر المقدسي فقال: أراد أبو سفيان أن يجدد العقد لئلا يكون تزوجها بغير إذنه غضاضة عليه، أو أنه توهم أن بإسلامه ينفسخ نكاح ابنته، وتبعه على هذا أبو عمرو بن الصلاح وأبو زكريا النووي في شرح مسلم، وهذا بعيد جداً، فإنه لو كان كذلك لم يقل: عندي أحن العرب وأجمله، إذ رآها رسول الله ﷺ منذ سنة فأكثر، وتوهم فسخ نكاحها بإسلامه بعيد جداً، والصحيح في هذا أن أبا سفيان لما رأى صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 168

شرفاً أحب أن يزوجه ابنته الأخرى وهي عزة، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، كما أخرجا في الصحيحين «عن أم حبيبة أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، قال: أوتحبين ذلك؟ قالت: نعم..» الحديث. وفي صحيح مسلم أنها قالت: يا رسول الله، انكح أختي عزة بنت أبي سفيان.. الحديث. وعلى هذا فيصح الحديث الأول، ويكون قد وقع الوهم من بعض الرواة في قوله: وعندي أحسن العرب وأجمله: أم حبيبة. وإنما قال: عزة. فاشتبه على الراوي، أو أنه قال الشيخ: يعني ابنته، فتوهم السامع أنها أم حبيبة، إذ لم يعرف سواها. ولهذا النوع من الغلط شواهد كثيرة قد أفردت سرد ذلك في جزء مفرد لهذا الحديث ولله الحمد والمنة. وتوفيت أم حبيبة ﵂ سنة أربع وأربعين فيما قاله أبو عبيد، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سنة تسع وخمسين قبل أخيها معاوية بسنة. ثم تزوج في ذي القعدة من هذه السنة ميمونة بنت الحارث الهلالية واختلف هل كان محرماً أو لا؟ فأخرج صاحبا الصحيح عن ابن عباس أنه كان

стр. 169

محرماً. فقيل: كان ذلك من خصائصه ﷺ لما رواه مسلم «عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» واعتمد أبو حنيفة على الأول، وحمل حديث عثمان على الكراهة، وقيل: بل كان حلالاً كما رواه مسلم عن ميمونة أنها قالت: تزوجها رسول الله ﷺ وهو حلال، وبنى بها وهو حلال. وقد قدم جمهور العلماء هذا الحديث على قول ابن عباس، لأنها صاحبة القصة فهي أعلم. وكذا أبو رافع أخبر بذلك كما رواه الترمذي عنه، وقد كان هو السفير بينهما. وقد أجيب عن حديث ابن عباس بأجوبة ليس هذا موضعها. وماتت بسرف حيث بنى بها رسول الله ﷺ منصرفه من عمرة القضاء، وكان موتها سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث، وقيل: ست وستين، وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس ﵄. فهؤلاء التسع بعد خديجة اللواتي جاء في الصحيحين أنه ﷺ مات عنهن وفي رواية في الصحيح أنه مات عن إحدى عشرة، والأول أصح.

стр. 170

وقد قال قتادة بن دعامة أنه ﷺ تزوج خمس عشرة امرأة، فدخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، ومات عن تسع. وقد روى الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي نحو هذا عن أنس في كتابه المختارة فهذا هو المشهور. وقد رأيت لبعض أئمة المتأخرين من المالكية وغيرهم في كتاب النكاح تعداد زوجات لم يدخل بهن مع اللواتي دخل بهن ما ينيف على العشرين. وقد كان له من السراري اثنتان. وهما: مارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم ولد رسول الله ﷺ ، أهداها له المقوقس صاحب إسكندرية ومصر، ومعها أختها شيرين وخصي يقال له مابور وبغلة يقال لها: الدلدل، فوهب ﷺ شيرين إلى حسان بن ثابت فولدت له

стр. 171

عبد الرحمن. وتوفيت مارية في محرم سنة ست عشرة، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يحشر الناس لجنازتها بنفسه، وصلى عليها ودفنها بالبقيع ﵂. وأما الثانية فريحانة بنت عمرو، وقيل: بنت زيد، اصطفاها من بني قريظة وتسرى بها، ويقال: إنه تزوجها، وقيل: بل تسرى بها، ثم أعتقها فلحقت بأهلها. وذكر بعض المتأخرين أنه تسرى أمتين أخريين، والله تعالى أعلم. فصل ـ مواليه في ذكر موالي رسول الله ﷺ على حروف المعجم ﵃ أجمعين، وذلك حسبما أورده الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه وهم: أحمر، ويكنى أبا عسيب، وأسود، وأفلح، وأنس، وأيمن بن أم أيمن، وباذام، وثوبان بن بجدد، وذكوان ـ وقيل: طهمان، وقبل: كيسان.

стр. 172

وقيل: مروان. وقيل: مهران ـ ورافع، ورباح، ورويفع، وزيد بن حارثة، وزيد جد هلال بن يسار، وسابق، وسالم، وسعيد وسفينة، وسلمان الفارسي، وسليم ـ ويكنى بأبي كبشة، ذكر فيمن شهد بدراً ـ وصالح [شقران] ، وضميرة بن أبي ضميرة، وعبيد الله بن أسلم، وعبيد، وعبيد أيضاً ـ ويكنى بأبي صفية ـ وفضالة اليماني، وقصير، وكركرة ـ بكسرهما، ويقال: بفتحهما ـ ومابور القبطي، ومدعم، وميمون، ونافع، ونبيل، وهرمز، وهشام، وواقد، ووردان، ويسار [نوبي] ، وأبو أثيلة، وأبو بكرة، وأبو الحمراء، وأبو رافع وأسمه أسلم ـ فيما قيل ـ وأبو عبيد. فهؤلاء الذين حررهم أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في أول كتابه تهذيب الأسماء واللغات، إلا أني رتبتهم على الحروف ليكون أسهل للكشف. وأما إماؤه: فأمية، وبركة ـ أم أيمن، وهي أم أسامة بن زيد ـ وخضرة، ورضوى، وريحانة، وسلمة ـ وهي أم رافع امرأة أبي رافع ـ وشيرين، وأختها مارية أم إبراهيم ﵇، وميمونة بنت سعد، وأم ضميرة، وأم عياش. قال أبو زكريا رحمه الله تعالى: ولم يكن ملكه ﷺ لهؤلاء في زمن واحد، بل في أوقات متفرقة.

стр. 173

فصل ـ خدمه وقد التزم جماعة من الصحابة ﵃ بخدمته، كما كان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه، إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم، وكان المغيرة بن شعبة سيافاً على رأسه. وعقبة بن عامر صاحب بغلته، يقود به في الأسفار. وأنس بن مالك، وربيعة بن كعب، وبلال، وذو مخبر، ويقال: ذو مخمر ـ ابن أخي النجاشي ملك الحبشة، ويقال: ابن أخته ـ وغيرهم. فصل ـ كتاب الوحي ـ أما كتاب الوحي: فقد كتب له أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن مسلمة، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبان بن سعيد بن العاص، وأخوه خالد، وثابت بن قيس، وحنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، وخالد بن الوليد

стр. 174

وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، والعلاء بن عتبة، والمغيرة بن شعبة، وشرحبيل بن حسنة، وقد أورد ذلك الحافظ أبو القاسم في كتابه أتم إيراد، وأسند ما أمكنه عن كل واحد من هؤلاء إلا شرحبيل بن حسنة، وذكر فيهم السجل، كما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ قال: هو كاتب كان للنبي ﷺ . وقد أنكر هذا الحديث الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسيره، وقال: لا يعرف في كتاب النبي ﷺ ، بل ولا في أصحابه أحد يسمى [سجلاً] . قلت: وقد أنكره أيضاً غير واحد من الحفاظ، وقد أفردت له جزءاً، وبينت طرقه وعلله، ومن تكلم فيه من الأئمة، ومن ذهب منهم إلى أنه حديث موضوع، والله تعالى أعلم.

стр. 175

فصل ـ المؤذنون ـ كان له ﷺ مؤذنون أربعة: بلال بن رباح، وعمرو بن أم مكتوم الأعمى ـ وقيل: اسمه عبد الله ـ وكانا في المدينة يتناوبان في الآذان. وسعد القرظ بقباء، وأبو محذورة بمكة، ﵃. فصل ـ نوقه وخيوله ـ وكان له ﷺ من النوق: العضباء، والجدعاء، والقصواء، وروي عن محمد ابن إبراهيم التيمي أنه قال: إنما كان له ناقة واحدة موصوفة بهذه الصفات الثلاث، وهذا غريب جداً، حكاه النووي.

стр. 176

وكان له من الخيل السكب ـ وكان أغر محجلاً طلق اليمين، وهو أول فرس غزا عليه ـ وسبحة، وهو الذي سابق عليه. وهو الذي اشتراه من الأعرابي، وشهد فيه خزيمة بن ثابت. وقال سهل بن سعد: كان له ثلاثة أفراس: لزاز والظرب، واللخيف، وقيل بالحاء المهملة، وقيل النحيف، فهذه ستة، وسابعة وهي الورد، أهداها له تميم الداري. وكانت له بغلة يقال لها الدلدل، أهداها له المقوقس، وحضر بها يوم حنين، وقد عاشت بعده ﷺ حتى كان يحسى لها الشعير لما سقطت أسنانها، وكانت عند علي، ثم بعده عند عبد الله بن جعفر. وكان له حمار يقال له: عفير، بالعين المهملة، وقيل بالمعجمة ـ قاله

стр. 177

عياض ـ قال النووي، واتفقوا على تغليطه في ذلك. قلت وأغرب من هذا كله رواية أبي القاسم السهيلي في روضه الحديث المشهور في قصة عفير أنه كلم النبي ﷺ ، وقال إنه من نسل سبعين حماراً كل منها ركبه نبي، وأن اسمه يزيد بن شهاب، وأنه كان يبعثه النبي ﷺ في الحاجات إلى أصحابه. فهذا شيء باطل لا أصل له من طريق صحيح ولا ضعيف إلا ما ذكره أبو محمد بن أبي حاتم من طريق منكر مردود، ولا شك أهل العلم بهذا الشأن أنه موضوع، وقد ذكر هذا أبو إسحاق الإسفراييني وإمام الحرمين، حتى ذكره القاضي عياض في كتابه الشفاء استطراداً، وكان الأولى ترك ذكره لأنه موضوع. سألت شيخنا أبا الحجاج عنه فقال: ليس له أصل وهو ضحكة. وكان له ﷺ في وقت عشرون لقحة، ومائة من الغنم.

стр. 178

فصل ـ سلاحه ـ وكان له من آلات الحرب: ثلاثة أرماح، وثلاث أقواس، وستة أسياف، منها ذو الفقار، تنفله يوم بدر، ودرع، وترس، وخاتم، وقدح غليظ من خشب، وراية سوداء مربعة، ولواء أبيض، وقيل: أسود. فصل ـ رسله إلى الملوك ـ في ذكر رسله إلى ملوك الآفاق. أرسل ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي بكتاب، فأسلم ﵁ ونور ضريحه. ودحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم، فقارب وكاد ولم يسلم، وقال بعضهم: بل أسلم، وقد روى سنيد بن داود في تفسيره حديثاً مرسلاً فيه ما يدل على إسلامه، وروى أبو عبيد في كتاب الأموال حديثاً مرسلاً

стр. 179

أيضاً فيه تصريح بعدم إسلامه. وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس، فتكبر ومزق كتابه ﷺ ، فمزقه الله وممالكه كل ممزق بدعوة رسول الله ﷺ عليه بذلك. وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية ومصر، فقارب ولم يذكر له إسلام، وبعث الهدايا إليه ﷺ والتحف. وعمرو بن العاص إلى ملكي عمان فأسلما، وخليا بين عمرو والصدقة والحكم بين الناس، ﵄. وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة. وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء من الشام. والمهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث الحميري. والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين فأسلم. وأرسل أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل كليهما إلى أهل اليمن فأسلم عامة ملوكهم وسوقتهم.

стр. 180

فصل ـ صفته الظاهرة في صفته الظاهرة، وقد صنف العلماء في هذا الباب، فأحسن من جمع في ذلك الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى، أعني كتاب الشمائل، وتبعه العلماء والأئمة. وقد استوعى ذلك بأسانيد، وشرحه مطولاً الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله تعالى، وشيخنا الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيب الكلام. وقد ذكر الشيخ أبو زكريا النووي في تهذيبه فصلاً مختصراً فيه قال: كان ﷺ ليس بالطويل البائن ولا القصير، ولا الأبيض الأمهق، ولا الآدم، ولا الجعد القطط ولا السبط. وتوفي وليس في رأسه عشرون شعرة بيضاء، وكان حسن الجسم بعيد ما بين المنكبين، له شعر إلى منكبيه، وفي وقت إلى شحمة أذنيه. وفي وقت إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين، أي غليظ الأصابع، ضخم الرأس والكراديس، في وجهه تدوير، أدعج العينين طويل أهدابهما، أحمر المآقي ذا مشربة، وهي الشعر الدقيق من الصدر إلى السرة، كالقضيب، إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب أي يمشي بقوة، والصبب: الحدور. يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، كان وجهه كالقمر، حسن الصوت، سهل الخدين، ضليع
следующие страницы →