Полный текст (3 079 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
مِنْ حَدِيثِ سَبْرَةَ وَمِنْهَا فِي خَيْبَرَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَمِنْهَا عَامَ الْفَتْحِ كَمَا فِي حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْمَذْكُورِ أَيْضًا وَمِنْهَا يَوْمَ حُنَيْنٌ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ الْحَافِظُ: وَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ عَنْ خَيْبَرَ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ حُنَيْنٌ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فِي عَامِ أَوْطَاسٍ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَامَ الْفَتْحِ فَإِنَّهُمَا كَانَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَمِنْهَا فِي تَبُوكَ، رَوَاهُ الْحَازِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبِحْهَا لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ هُنَالِكَ، فَإِنَّ لَفْظَ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْحَازِمِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتَّى إذَا كُنَّا عِنْدَ الثَّنِيَّةِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ جَاءَتْنَا نِسْوَةٌ تَمَتَّعْنَا بِهِنَّ يَطُفْنَ بِرِحَالِنَا، فَسَأَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُنَّ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَغَضِبَ وَقَامَ فِينَا خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَنَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ، فَتَوَادَعْنَا يَوْمَئِذٍ وَلَمْ نَعُدْ وَلَا نَعُودُ فِيهَا أَبَدًا، فَلِهَذَا سُمِّيَتْ ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ» قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا إسْنَادٌ ضَعِيفٌ، لَكِنْ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا وَأُجِيبَ بِمَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ رِوَايَاتِ الْإِذْنِ بِالْمُتْعَةِ شَيْءٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ إلَّا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَمَرَاسِيلُهُ ضَعِيفَةٌ
لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَيَّامَ خَيْبَرَ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَأَوْطَاسَ فَإِنَّهُمَا فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَقَعَ الْإِذْنُ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي أَيَّامِ الْفَتْحِ قَبْلَهَا فَإِنَّهَا حُرِّمَتْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَطَرِيقُ تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً وَلَكِنَّهُ قَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ " يَوْمَ خَيْبَرَ " يَتَعَلَّقُ بِالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَا بِالْمُتْعَةِ
وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَامَ خَيْبَرَ، وَعَنْ الْمُتْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ» انْتَهَى وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْحُمَيْدِيِّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّهْيَ زَمَنَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَكَانَ فِي غَيْرِ يَوْمِ خَيْبَرَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ النَّاسِ
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: مَعْنَى حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَسَكَتَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ انْتَهَى. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْحَامِلُ لِهَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِيهَا بَعْدَ زَمَنِ خَيْبَرَ كَمَا أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى كَلَامِ هَؤُلَاءِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِلَفْظِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٌ فَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْأَصْلُ خَيْبَرَ، وَعَلَى فَرْضِ عَدَمِ ذَلِكَ التَّصْحِيفِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ لِكَوْنِهَا هِيَ وَحُنَيْنٍ وَاحِدَةً وَأَمَّا فِي
стр. 2137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ ﷺ إذْنٌ بِالِاسْتِمْتَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْإِذْنُ الْوَاقِعُ مِنْهُ ﷺ بِالْمُتْعَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْهَا الْمُؤَبَّدِ كَمَا فِي حَدِيثِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ وَهَكَذَا لَوْ فُرِضَ وُقُوعُ الْإِذْنِ مِنْهُ ﷺ بِهَا فِي مَوْطِنٍ مِنْ الْمَوَاطِنِ قَبْلَ يَوْمِ الْفَتْحِ كَانَ نَهْيُهُ عَنْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ نَاسِخًا لَهُ
وَأَمَّا رِوَايَةُ النَّهْيِ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ اخْتِلَافٌ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ بِأَنَّ النَّهْيَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ إعَادَةَ النَّهْيِ لِيَشِيعَ وَيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ سَبْرَةَ مِنْ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ «جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنْ الدَّقِيقِ وَالتَّمْرِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا عُمَرُ» ، فِي شَأْنِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَجْهَلَ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ النَّهْيَ الْمُؤَبَّدَ الصَّادِرَ عَنْهُ ﷺ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ حَيَاتَهُ ﷺ وَبَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى يَنْهَاهُمْ عَنْهَا عُمَرُ، وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا بِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ حَتَّى نَهَى عَنْهَا عُمَرَ وَاعْتَقَدَ أَنَّ النَّاسَ بَاقُونَ عَلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ النَّاقِلِ، وَكَذَلِكَ يُحْمَلُ فِعْلُ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِذَا سَاغَ لِعُمَرَ أَنْ يَنْهَى وَلَهُمْ الْمُوَافَقَةُ
وَهَذَا الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ وَلَكِنَّهُ أَوْجَبَ الْمَصِيرَ إلَيْهِ حَدِيثُ سَبْرَةَ الصَّحِيحُ الْمُصَرِّحُ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَنَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِمَا بَلَغَنَا عَنْ الشَّارِعِ وَقَدْ صَحَّ لَنَا عَنْهُ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ، وَمُخَالَفَةُ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَهُ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي حُجِّيَّتِهِ وَلَا قَائِمَةٍ لَنَا بِالْمَعْذِرَةِ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ كَيْفَ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ حَفِظُوا التَّحْرِيمَ وَعَمِلُوا بِهِ وَرَوَوْهُ لَنَا حَتَّى قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ» .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «هَدَمَ الْمُتْعَةَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ حَسَنًا كَوْنُ فِي إسْنَادِهِ مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ لَا يُخْرِجُ حَدِيثَهُ عَنْ حَدِّ الْحَسَنِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ الشَّوَاهِدِ مَا يُقَوِّيهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ
وَأَمَّا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ تَحْلِيلَ الْمُتْعَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ قَطْعِيٌّ، وَتَحْرِيمُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ ظَنِّيٌّ وَالظَّنِّيُّ لَا يَنْسَخُ الْقَطْعِيَّ، فَيُجَابُ عَنْهُ أَوَّلًا بِمَنْعِ هَذِهِ الدَّعْوَى، أَعْنِي كَوْنَ الْقَطْعِيِّ لَا يَنْسَخُهُ الظَّنِّيُّ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهَا؟ وَمُجَرَّدُ كَوْنِهَا مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ غَيْرُ مُقْنِعٍ لِمَنْ قَامَ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ يُسَائِلُ خَصْمَهُ عَنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَثَانِيًا: بِأَنَّ النَّسْخَ بِذَلِكَ الظَّنِّيِّ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِمْرَارِ الْحِلِّ لَا لِنَفْسِ الْحِلِّ، وَالِاسْتِمْرَارُ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ
وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلَيْسَتْ
стр. 2138
بَابُ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ
٢٦٩١ - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلَهُ) .
٢٦٩٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)
ــ
[نيل الأوطار]
بِقُرْآنٍ عِنْدَ مُشْتَرِطِي التَّوَاتُرِ وَلَا سُنَّةٍ لِأَجْلِ رِوَايَتِهَا قُرْآنًا فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّوَاتُرَ فَلَا مَانِعَ مِنْ نَسْخِ ظَنِّيِّ الْقُرْآنِ بِظَنِّيِّ السُّنَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ
[بَابُ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ]
حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَطَرِيقٌ ثَالِثَةٌ أَخْرَجَهَا إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ صَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَأَعَلَّهُ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ: رَوَى مُجَالِدٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ وَهْمٌ انْتَهَى وَفِي إسْنَادِهِ مُجَالِدٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ
وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالْإِرْسَالِ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ اسْتَنْكَرَهُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ذَكَرْتُهُ لِيَحْيَى بْنِ بُكَيْر فَأَنْكَرَهُ إنْكَارًا شَدِيدًا، وَسِيَاقُ إسْنَادِهِ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ هَكَذَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: قَالَ لِي مِشْرَحٍ بْنُ هَاعَانَ: قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ فَذَكَرَهُ وَيَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ضَعِيفٌ وَمِشْرَحٌ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَفِي إسْنَادِهِ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالْبَزَّارِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ وَالتِّرْمِذِيِّ فِي الْعِلَلِ وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ
وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّحْلِيلِ لِأَنَّ اللَّعْنَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى ذَنْبٍ كَبِيرٍ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ إذَا شَرَطَ الزَّوْجُ أَنَّهُ إذَا نَكَحَهَا بَانَتْ مِنْهُ، أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إطْلَاقَهُ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَغَيْرَهَا، لَكِنْ رَوَى الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ عَنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ لِيُحِلَّهَا لِأَخِيهِ هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟
стр. 2139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَ: لَا، إلَّا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَيْسَ الْحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مُحَلِّلٍ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ وَاهِبٍ وَبَائِعٍ وَمُزَوِّجٍ، فَصَحَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الْمُحَلِّلِينَ، وَهُوَ مَنْ أَحَلَّ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِلَا حُجَّةٍ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَنْ شَرَطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَنْوِ تَحْلِيلَهَا لِلْأَوَّلِ وَنَوَتْ هِيَ، أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي اللَّعْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الشَّرْطُ، انْتَهَى
وَمِنْ الْمُجَوِّزِينَ لِلتَّحْلِيلِ بِلَا شَرْطٍ أَبُو ثَوْرٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَالْهَادَوِيَّةُ، وَحَمَلُوا أَحَادِيثَ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ أَنَّهُ نِكَاحُ تَحْلِيلٍ قَالُوا: وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ امْرَأَةً أَرْسَلَتْ إلَى رَجُلٍ فَزَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُقِيمَ مَعَهَا وَلَا يُطَلِّقَهَا، وَأَوْعَدَهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ إنْ طَلَّقَهَا فَصَحَّحَ نِكَاحَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنَافِهِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالتَّحْلِيلِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً مُحَلِّلًا ثُمَّ رَغِبَ فِيهَا فَأَمْسَكَهَا، قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا بَأْسَ بِالتَّحْلِيلِ إذَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الزَّوْجُ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ فَارَقَهَا فَتَرْجِعُ إلَى زَوْجِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: الْمُحَلِّلُ الَّذِي يَفْسُدُ نِكَاحُهُ هُوَ مَنْ تَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَعَقْدُهُ صَحِيحٌ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ سَوَاءٌ شُرِطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ لَمْ يُشْرَطْ، نَوَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: وَهُوَ مَأْجُورٌ
وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ هَذَا سَوَاءً وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا نَوَى الثَّانِي وَالْمَرْأَةُ التَّحْلِيلَ لِلْأَوَّلِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِذَلِكَ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ زُفَرَ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ شُرِطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَنَّهُ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَعَهَا فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَهَذَا زَوْجٌ قَدْ عَقَدَ بِمَهْرٍ وَوَلِيٍّ وَرِضَاهَا وَخُلُوِّهَا عَنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ رَاغِبٌ فِي رَدِّهَا إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، فَيَدْخُلُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ " وَهَذَا نِكَاحُ رَغْبَةٍ فِي تَحْلِيلِهَا لِلْمُسْلِمِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا شَرَطَ فِي عَوْدِهَا إلَى الْأَوَّلِ مُجَرَّدَ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ بَيْنَهُمَا، فَالْعُسَيْلَةُ حَلَّتْ لَهُ بِالنَّصِّ
وَأَمَّا لَعْنُهُ ﷺ لِلْمُحَلِّلِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ كُلَّ مُحَلِّلٍ وَمُحَلَّلٍ لَهُ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ مُحَلِّلٌ لِمَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَ الْعَقْدِ، وَالْحَاكِمَ الْمُزَوِّجَ مُحَلِّلٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَالْبَائِعَ أَمَتَهُ مُحَلِّلٌ لِلْمُشْتَرِي وَطْأَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: الْعَامُّ إذَا خُصِّصَ صَارَ مُجْمَلًا، فَلَا احْتِجَاجَ بِالْحَدِيثِ وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ فِيمَا
стр. 2140
بَابُ نِكَاحِ الشِّغَارِ
٢٦٩٣ - (عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ، وَأَبُو دَاوُد جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا) .
٢٦٩٤ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
٢٦٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٢٦٩٦ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
ــ
[نيل الأوطار]
عَدَا مَحَلَّ التَّخْصِيصِ، فَذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ، وَلَسْنَا نَدْرِي الْمُحَلِّلَ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا النَّصِّ، أَهُوَ الَّذِي نَوَى التَّحْلِيلَ أَوْ شَرَطَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ شَرَطَهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، أَوْ الَّذِي أَحَلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، وَوَجَدْنَا كُلَّ مَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا فَإِنَّهُ مُحَلِّلٌ، وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّحْلِيلُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ فَإِنَّ الْحِلَّ حَصَلَ بِوَطْئِهِ وَعَقْدِهِ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّصِّ، فَعُلِمَ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَنْ أَحَلَّ الْحَرَامَ بِفِعْلِهِ أَوْ عَقْدِهِ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ أَهْلٌ لِلَّعْنَةِ
وَأَمَّا مَنْ قَصَدَ الْإِحْسَانَ إلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَرَغِبَ فِي جَمْعِ شَمْلِهِ بِزَوْجَتِهِ وَلَمِّ شَعَثِهِ وَشَعَثِ أَوْلَادِهِ وَعِيَالِهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَلْحَقَهُمْ لَعْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ الصَّوَابِ، بَلْ هُوَ مِنْ الْمُجَادَلَةِ بِالْبَاطِلِ الْبَحْتِ وَدَفْعُهُ لَا يَخْفَى عَلَى عَارِفٍ
стр. 2141
أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ، وَقَدْ كَانَا جَعَلَاهُ صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٢٦٩٧ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ نِكَاحِ الشِّغَارِ]
حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا نُهِيَ عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ تُنْكَحَ هَذِهِ بِهَذِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا «لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أُخْتَهُ بِأُخْتِهِ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُشَاغَرَةِ، وَالْمُشَاغَرَةُ: أَنْ يَقُولَ: زَوِّجْ هَذَا مِنْ هَذِهِ، وَهَذِهِ مِنْ هَذَا بِلَا مَهْرٍ» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا «لَا شِغَارَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الشِّغَارُ؟ قَالَ: إنْكَاحُ الْمَرْأَةِ بِالْمَرْأَةِ لَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا» قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ
قَوْلُهُ: (الشِّغَارُ) بِمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ قَوْلُهُ: (وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ. . . إلَخْ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَدْرِي التَّفْسِيرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَوْ عَنْ نَافِعٍ أَوْ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ الْخَطِيبُ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ الْخَطِيبِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ الْمَقْصُودُ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَمَقْبُولٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ وَلِلشِّغَارِ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ خُلُوُّ بُضْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الصَّدَاقِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْرِطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلِيَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ اعْتَبَرَ الْأُولَى فَقَطْ فَمَنَعَهَا دُونَ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدُ تَرْكِ ذِكْرِ الصَّدَاقِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَتِهِ، بَلْ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ جَعْلُ الْبُضْعِ صَدَاقًا وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الْبُضْعِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ الصِّحَّةُ
قَالَ الْقَفَّالُ: الْعِلَّةُ فِي الْبُطْلَانِ التَّعْلِيقُ وَالتَّوْقِيفُ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ لَك نِكَاحُ ابْنَتِي حَتَّى يَنْعَقِدَ لِي نِكَاحُ
стр. 2142
بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهَا
٢٦٩٨ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) .
٢٦٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، أَوْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا أَوْ إنَائِهَا، فَإِنَّمَا رِزْقُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ: «نَهَى أَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا» .
٢٧٠٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ أَنْ تُنْكَحَ امْرَأَةٌ بِطَلَاقِ أُخْرَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
ــ
[نيل الأوطار]
ابْنَتِكَ وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: كَانَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَيَسْتَثْنِي عُضْوًا مِنْهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي فَسَادِهِ قَالَ الْحَافِظُ: وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ وَيَسْتَثْنِي بُضْعَهُ حَيْثُ يَجْعَلُهُ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ: الْعِلَّةُ كَوْنُ الْبُضْعِ صَارَ مِلْكًا لِلْأُخْرَى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْبُطْلَانِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ: يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ
وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى صِحَّتِهِ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، هَكَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ: وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ، لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: النِّسَاءُ مُحَرَّمَاتٌ إلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ، فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحٍ تَأَكَّدَ التَّحْرِيمُ انْتَهَى. وَظَاهِرُ مَا فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ أَنَّ الشِّغَارَ حَرَامٌ بَاطِلٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبَنَاتِ مِنْ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَغَيْرِهِنَّ كَالْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى
وَتَفْسِيرُ الْجَلَبِ وَالْجَنَبِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهَا]
قَوْلُهُ: (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ» وَفِي أُخْرَى لَهُ: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ» قَوْلُهُ: (مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ
стр. 2143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْفُرُوجَ) أَيْ أَحَقُّ الشُّرُوطِ بِالْوَفَاءِ شُرُوطُ النِّكَاحِ لِأَنَّ أَمْرَهُ أَحْوَطُ وَبَابَهُ أَضْيَقُ قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهَا: مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ اتِّفَاقًا وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ وَمِنْهَا: مَا لَا يُوَفَّى بِهِ اتِّفَاقًا كَسُؤَالِ الْمَرْأَةِ طَلَاقَ أُخْتِهَا
وَمِنْهَا: مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ لَا يَنْقُلَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا إلَى مَنْزِلِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى الصَّدَاقِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ وَمَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْهُ فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ قَوْلُهُ: (نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ قَوْلُهُ: (أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ قَوْلُهُ: (وَلَا تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) ظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ يُجَوِّزُ ذَلِكَ لِرِيبَةٍ فِي الْمَرْأَةِ لَا يَنْبَغِي مَعَهَا أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّصِيحَةِ الْمَحْضَةِ أَوْ لِضَرَرٍ يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجِ مِنْهَا، أَوْ يَكُونُ سُؤَالُهَا ذَلِكَ تَفْوِيضًا وَلِلزَّوْجِ رَغْبَةٌ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَالْخُلْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْمُخْتَلِفَةِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: حَمَلَ الْعُلَمَاءُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى النَّدْبِ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَفْسَخْ النِّكَاحَ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ نَفْيَ الْحِلِّ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّغْلِيظُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْأَلَ طَلَاقَ الْأُخْرَى وَلْتَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا، وَالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الْحِلِّ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ، وَوَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَوْلُهُ: (لِتَكْتَفِئَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الْكَافِ مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ: إذَا قَلَبْتُهُ وَأَفْرَغْتُ مَا فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " لِتَسْتَفْرِغَ مَا فِي صَحْفَتِهَا " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " تَكَفَّأَ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِلَفْظِ: «لَا يَصْلُحُ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَشْتَرِطَ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ إنَاءَهَا» وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَقَالَ: " لِتَكْتَفِئَ " وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَبِالْهَمْزَةِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " لِتُكْفِئَ " بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مِنْ أَكْفَأَتْهُ بِمَعْنَى أَمَالَتْهُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مَا فِي صَحْفَتِهَا " مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى " أَوْ إنَائِهَا " قَوْلُهُ: (طَلَاقَ أُخْتِهَا) قَالَ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَنْ تَسْأَلَ رَجُلًا طَلَاقَ زَوْجَتِهِ وَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا هِيَ، فَيَصِيرَ لَهَا مِنْ نَفَقَتِهِ وَمَعُونَتِهِ وَمُعَاشَرَتِهِ مَا كَانَ لِلْمُطَلَّقَةِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " لِتُكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا " وَالْمُرَادُ بِأُخْتِهَا: غَيْرُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ أُخْتَهَا مِنْ النَّسَبِ أَوْ الرَّضَاعِ أَوْ الدِّينِ وَحَمَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْأُخْتَ هُنَا عَلَى الضَّرَّةِ وَمِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النِّكَاحِ وَمَقَاصِدِهِ: شَرْطُهَا عَلَيْهِ الْعِشْرَةَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِنْفَاقَ وَالْكِسْوَةَ وَالسُّكْنَى وَأَنْ لَا يُقَصِّرَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَقِّهَا مِنْ قِسْمَةٍ وَنَحْوِهَا، وَشَرْطُهُ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا وَلَا تَتَصَرَّفَ فِي مَتَاعِهِ إلَّا بِرِضَاهُ
стр. 2144
بَابُ نِكَاحِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ
٢٧٠١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الزَّانِي الْمَجْلُودُ لَا يَنْكِحُ إلَّا مِثْلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَأَنْ تَشْرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْسِمَ لِضَرَّتِهَا أَوْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى، أَوْ يُطَلِّقَ مَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ؛ فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ بَطَلَ النِّكَاحُ وَقَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ: يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشُّرُوطِ مُطْلَقًا وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النِّكَاحِ وَقَالَ: تِلْكَ الْأُمُورُ لَا تُؤَثِّرُ الشُّرُوطُ فِي إيجَادِهَا، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِهَا، وَالشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُسْتَوِيَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا يُخْرِجُهَا زَوْجُهَا مِنْ بَلَدِهَا فَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَمِنْهُمْ عُمَرُ، أَنَّهُ يَلْزَمُ، قَالَ: وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: " أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَشُرِطَ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا، فَارْتَفَعُوا إلَى عُمَرَ فَوَضَعَ الشَّرْطَ وَقَالَ: الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تَضَادَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: سَبَقَ شَرْطُ اللَّهِ شَرْطَهَا، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ عُمَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمِنْ التَّابِعِينَ طَاوُسٌ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ اللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْجُمْهُورُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، حَتَّى لَوْ كَانَ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِائَةً مَثَلًا فَرَضِيَتْ بِخَمْسِينَ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا فَلَهُ إخْرَاجُهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْمُسَمَّى وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا نَقَصَتْ لَهُ مِنْ الصَّدَاقِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيُلْغَى الشَّرْطُ وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ وَتَسْتَحِقُّ الْكُلَّ، كَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَاَلَّذِي نَأْخُذُ بِهِ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالْوَفَاءِ بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَوْ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَمِمَّا يُقَوِّي حَمْلَ حَدِيثِ عُقْبَةَ عَلَى النَّدْبِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ الْمُتَقَدِّمُ بِلَفْظِ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا حَدِيثُ: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ أُمَّ مُبَشِّرٍ بِنْتَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالَتْ: إنِّي شَرَطْتُ لِزَوْجِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ بَعْدَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ»
стр. 2145
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ مَهْزُولٍ كَانَتْ تُسَافِحُ، وَتَشْتَرِطُ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَوْ ذَكَرَ لَهُ أَمْرَهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] » رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٧٠٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الْأُسَارَى بِمَكَّةَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ، يُقَالُ لَهَا: عَنَاقٌ، وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ، قَالَ: فَجِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عَنَاقًا؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي فَنَزَلَتْ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ نِكَاحِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ]
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ: «أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْصُوا فِي النِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: غَرِّبْهَا، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي، قَالَ: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرِجَالُ إسْنَادِهِ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ وَاقِدٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بْنَ مُوسَى السِّينَانِيَّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ نُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِدٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي سُنَنِهِ: تَزْوِيجُ الزَّانِيَةِ وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُرْسَلَ فِيهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، تُعْطِي مِنْ مَالِهِ قُلْت: فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَقُولُ: مِنْ الْفُجُورِ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهَا تُعْطِي مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ لِيَأْمُرَهُ بِإِمْسَاكِهَا وَهِيَ تَفْجُرُ وَسُئِلَ عَنْهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ: مِنْ الْفُجُورِ وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: مَعْنَاهُ: الزَّانِيَةُ، وَأَنَّهَا مُطَاوِعَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا لَا تَرُدُّ يَدَهُ
стр. 2146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: (الزَّانِي الْمَجْلُودُ. . . إلَخْ) هَذَا الْوَصْفُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ بِاعْتِبَارِ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الزِّنَى وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الزِّنَى وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَنْ ظَهَرَ مِنْهَا الزِّنَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ فِي آخِرِهَا: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ
قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] هَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الذَّمِّ أَوْ مَخْرَجَ التَّحْرِيمِ، وَهَلِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ إلَى الزِّنَى أَوْ إلَى النِّكَاحِ؟ قَالَ: وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إلَى حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الذَّمِّ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالْعِتْرَةِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ الْمَرْأَةَ عَلَى مَنْ زَنَى بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ الْحَرَامُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ نِكَاحُ مَنْ زَنَى بِهَا وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ وَأَحْمَدَ إلَّا إذَا تَابَا لِارْتِفَاعِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْآيَةِ الزَّانِيَ الْمُشْرِكَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ مُشْرِكَةً قَالَ: وَهِيَ تُحَرَّمُ عَلَى الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَرَادَ أَيْضًا الزَّانِيَةَ الْمُشْرِكَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَوْ مُشْرِكٌ وَهُوَ يُحَرَّمُ عَلَى الْفَاسِقَةِ الْمُسْلِمَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الْمُرَادَ: الْمُشْرِكُ الزَّانِي وَالْمُشْرِكَةُ الزَّانِيَةُ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ فَائِدَةِ الْآيَةِ، إذْ مَنْعُ النِّكَاحِ مَعَ الشِّرْكِ وَالزِّنَى حَاصِلٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَيَسْتَلْزِمُ أَيْضًا امْتِنَاعَ عَطْفِ الْمُشْرِكِ وَالْمُشْرِكَةِ عَلَى الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ، إذْ قَدْ أَلْغَى خُصُوصِيَّةَ الزِّنَى، وَأَيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَأَمَّا نِكَاحُ الزَّانِيَةِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ نَكَحَهَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، فَهُوَ إمَّا أَنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَهُ تَعَالَى وَيَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ الْتَزَمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ وَخَالَفَهُ فَهُوَ زَانٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ فَقَالَ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] وَأَمَّا جَعْلُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: وَحُرِّمَ ذَلِكَ إلَى الزِّنَى فَضَعِيفٌ جِدًّا، إذْ يَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ: الزَّانِي لَا يَزْنِي إلَّا بِزَانِيَةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ، وَالزَّانِيَةُ لَا يَزْنِي بِهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْهُ الْقُرْآنُ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَانِ فَإِنَّهُمَا فِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى نِكَاحِ الزَّوْجَةِ الزَّانِيَةِ، وَالْآيَةُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى نِكَاحِ مَنْ زَنَتْ وَهِيَ تَحْتَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ
стр. 2147
بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَرَابَةِ
٢٧٠٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي رِوَايَةٍ: «نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيَّ وَلِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِثْلَ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
يَتَزَوَّجَ بِالزَّانِيَةِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُقْبِلِيُّ فِي الْمَنَارِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ لِقَوْلِهِ: " لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ " الزِّنَى، بَلْ عَدَمُ نُفُورِهَا عَنْ الرِّيبَةِ، فَقَصْرٌ لِلَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ عَلَى أَحَدِ الْمُحْتَمَلَاتِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يُنْزَلَ تَرْكُ اسْتِفْصَالِهِ ﷺ عَنْ مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ «لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ» مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَرَبَ تُكَنِّي بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ عَدَمِ الْعِفَّةِ وَالزِّنَى وَأَيْضًا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِ إمْسَاكِ الزَّانِيَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ. . . إلَخْ، فَتَفْسِيرُ حَدِيثِ: " لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ " بِغَيْرِ الزِّنَى لَا يَأْتِي بِفَائِدَةٍ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ النِّزَاعِ
وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْأَكْثَرِ أَنَّ مَنْ زَنَتْ لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ الْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ أَنَّهُ يَجِبُ تَطْلِيقُهَا مَا لَمْ تَتُبْ قَوْلُهُ: (أَنَّ مَرْثَدَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ وَالْغَنَوِيُّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ مَفْتُوحَةٌ نِسْبَةً إلَى غَنِيٍّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ النُّونِ، وَهُوَ غَنِيُّ بْنُ يَعْصُرَ، وَيُقَالُ: أَعْصَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ وَعَنَاقٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ قَافٌ قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْآيَةِ: الْقَوْلُ فِيهَا كَمَا قَالَ سَعِيدٌ إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّاسِخُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَدَخَلَتْ الزَّانِيَةُ فِي أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَالثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ هَهُنَا الْوَطْءُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الزَّانِيَ لَا يُطَاوِعُهُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُشَارِكُهُ فِي مُرَادِهِ إلَّا زَانِيَةٌ مِثْلُهُ أَوْ مُشْرِكَةٌ لَا تُحَرِّمُ الزِّنَى، وَتَمَامُ الْفَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] يَعْنِي الَّذِينَ امْتَثَلُوا الْأَوَامِرَ وَاجْتَنَبُوا النَّوَاهِيَ الثَّالِثُ: أَنَّ الزَّانِيَ الْمَجْلُودَ لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً مَجْلُودَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَكَذَلِكَ الزَّانِيَةُ
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا كَانَ فِي نِسْوَةٍ كَانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ إحْدَاهُنَّ عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ مِمَّا كَسَبَتْهُ مِنْ الزِّنَى، وَاحْتُجَّ بِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْخَامِسُ: أَنَّهُ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عَلَى الْعَفِيفِ وَالْعَفِيفِ عَلَى الزَّانِيَةِ انْتَهَى
стр. 2148
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةِ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ وَخُلْعٍ) .
٢٧٠٦ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ يُقَالُ لَهُ جَبَلَةُ: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةِ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَجَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا]
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَكْثَرُ طُرُقِهِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ إلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ لَا يُثْبِتُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ كَمَا قَالَ: قَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَا عَلَى إثْبَاتِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ عَاصِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَبَيَّنَ الِاخْتِلَافَ عَلَى الشَّعْبِيِّ فِيهِ، قَالَ: وَالْحُفَّاظُ يَرْوُونَ رِوَايَةَ عَاصِمٍ خَطَأً، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنِ عَوْنٍ وَدَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يُقْدَحْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ أَشْهَرُ بِجَابِرٍ مِنْهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَقَوْلُ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ تَضْعِيفَ حَدِيثِ جَابِرٍ مُعَارَضٌ بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا لَهُ، وَكَفَى بِتَخْرِيجِ الْبُخَارِيِّ لَهُ مَوْصُولًا قُوَّةً قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَعْنِي مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ قَالَ الْحَافِظُ: وَأَمَّا مَنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرِ هَذَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ: وَفِي الْبَابِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ مَسْعُودٍ وَلَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَلَا أَنَسًا وَزَادَ بَدَلَهُمْ أَبَا مُوسَى وَأَبَا أُمَامَةَ وَسَمُرَةَ قَالَ: وَوَقَعَ لِي أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَمِنْ حَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وَأَحَادِيثُهُمْ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَأَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ لَأَوْرَدْتُهَا مُفَصَّلَةً، قَالَ: لَكِنْ فِي لَفْظِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَبَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ وَالْخَالَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ
стр. 2149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
ابْنِ حِبَّانَ «نُهِيَ أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَقَالَ: إنَّكُنَّ إذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ» انْتَهَى
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى قَرَابَتِهَا مَخَافَةَ الْقَطِيعَةِ» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَأَخْرَجَ الْخَلَّالُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَرَابَةِ مَخَافَةَ الضَّغَائِنِ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَنْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى النَّهْيِ حَقِيقَةً، وَقَدْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ جَمِيعِ الْمُفْتِينَ وَقَالَ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَسْتُ أَعْلَمُ فِي مَنْعِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَهَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاعَ الْقُرْطُبِيُّ وَاسْتَثْنَى الْخَوَارِجَ قَالَ: وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ لِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِنْ الدِّينِ، وَهَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَمْ يَسْتَثْنِ وَنَقَلَهُ أَيْضًا ابْنُ حَزْمٍ وَاسْتَثْنَى عُثْمَانَ الْبَتِّيَّ
وَنَقَلَهُ أَيْضًا النَّوَوِيُّ وَاسْتَثْنَى طَائِفَةً مِنْ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُخَالِفَ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْأَكْثَرِ وَحُكِيَ الْخِلَافُ عَنْ الْبَتِّيِّ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَحَمَلُوا النَّهْيَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَقَطْ، وَجَعَلُوا الْقَرِينَةَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ التَّعْلِيلِ بِلَفْظِ: " فَإِنَّكُنَّ إذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ " وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ هَكَذَا بِلَفْظِ الْخِطَابِ لِلنِّسَاءِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ بِلَفْظِ الْخِطَابِ لِلرِّجَالِ
وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَهُمَا صَارَا مِنْ نِسَائِهِ كَأَرْحَامِهِ فَيَقْطَعُ بَيْنَهُمَا بِمَا يَنْشَأُ بَيْنَ الضَّرَائِرِ مِنْ التَّشَاحُنِ، فَنُسِبَ الْقَطْعُ إلَى الرَّجُلِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ وَأُضِيفَ إلَيْهِ الرَّحِمُ لِذَلِكَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْمُصَرِّحُ بِالْعِلَّةِ فِي إسْنَادِهِ أَبُو حُزَيْرٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الزَّايِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَلَكِنَّهُ قَدْ عَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ فَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ، وَيُقَوِّيهِ الْمُرْسَلُ الَّذِي ذَكَرْنَا
قَالُوا: وَلَا شَكَّ أَنَّ مُجَرَّدَ مَخَافَةِ الْقَطِيعَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ حُرْمَةَ النِّكَاحِ وَإِلَّا لَزِمَ حُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ بَنَاتِ عَمَّيْنِ وَخَالَيْنِ لِوُجُودِ عِلَّةِ النَّهْيِ فِي ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ كَمَا فِي مُرْسَلِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْقَرَابَاتِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ بِالِاتِّفَاقِ، فَمَا كَانَ مُفْضِيًا إلَيْهَا مِنْ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُحَرَّمًا، وَأَمَّا الْإِلْزَامُ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ سَائِرِ الْقَرَابَاتِ فَيَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ أَوْ لِقِيَاسِهَا وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَعُمُومٌ مُخَصَّصٌ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ
قَوْلُهُ: (وَجَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ) هَذَا وَصَلَهُ الْبَغَوِيّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَبِنْتُ عَلِيٍّ هِيَ زَيْنَبُ، وَامْرَأَتُهُ
стр. 2150
بَابُ الْعَدَدِ الْمُبَاحِ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَمَا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ
٢٧٠٧ - (عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ)
٢٧٠٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ، وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) .
٢٧٠٩ - (وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ
ــ
[نيل الأوطار]
هِيَ لَيْلَى بِنْتُ مَسْعُودٍ النَّهْشَلِيَّةُ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ بِنْتَ عَلِيٍّ هِيَ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ فَاطِمَةَ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي زَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى مَعَ بَقَاءِ لَيْلَى فِي عِصْمَتِهِ وَقَدْ وَقَعَ مُبَيَّنًا عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، يَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَ زَوْجَةِ الرَّجُلِ وَبِنْتِهِ مِنْ غَيْرِهَا وَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالْأَثَرُ عَنْ الرَّجُلِ الَّذِي مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَابْنَتَهُ: أَيْ مِنْ غَيْرِهَا قَالَ أَيُّوبُ: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا وَقَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِمِصْرَ اسْمُهُ جَبَلَةُ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةِ رَجُلٍ وَبِنْتِهِ مِنْ غَيْرِهَا وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَهُ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَرِهَهُ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ وَاعْتَبَرَتْ الْهَادَوِيَّةُ فِي الْجَمْعِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَنْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا حُرِّمَ عَلَى الْآخَرِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَزَوْجَةُ الرَّجُلِ وَابْنَتُهُ مِنْ غَيْرِهَا التَّحْرِيمُ إنَّمَا هُوَ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا الْبِنْتَ رَجُلًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةُ أَبِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَرَضْنَا امْرَأَةَ الْأَبِ رَجُلًا فَإِنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْبِنْتِ ضَرُورَةً فَتَحِلُّ لَهُ وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ، وَكَرِهَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الْقَطِيعَةَ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
وَحُكِيَ فِي الْفَتْحِ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْطَلَ هَذَا النِّكَاحَ، قَالَ: وَكَانَ يُلْزِمُ مَنْ يَقُولُ بِدُخُولِ الْقِيَاسِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُحَرِّمَهُ
стр. 2151
الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إحْدَى عَشْرَةَ، قُلْتُ لِأَنَسٍ: وَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْعَدَدِ الْمُبَاحِ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَمَا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ]
حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيّ: وَلَا أَعْلَمُ لِلْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ: لَيْسَ لَهُ إلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَأْتِ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ لَمَّا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَالِكَ
وَفِي الْبَابِ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ «أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ الْأُخْرَى» وَفِي إسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَسْلَمْت فَذَكَرَهُ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَأَثَرُ عُمَرَ يُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمَاهِيرِ التَّابِعِينَ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ
قَوْلُهُ: (اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا) اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ وَذَهَبَتْ الظَّاهِرِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ تِسْعًا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ - إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْعَدْلِ - تِسْعٌ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْعِمْرَانِيِّ وَبَعْضِ الشِّيعَةِ وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ يَحْيَى الْحِكَايَةَ عَنْهُ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ وَقَوْمٍ مَجَاهِيلَ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَقَالِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ بِمَا سَيَأْتِي فِيهِ مِنْ الْمَقَالِ
وَكَذَلِكَ أَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ كَوْنِ فِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ، قَالُوا: وَمِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ تِسْعٍ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَأَمَّا دَعْوَى اخْتِصَاصِهِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فَالْوَاوُ فِيهِ لِلْجَمْعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ وَأَيْضًا لَفْظُ: مَثْنَى، مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ اثْنَيْنِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَنَاوُلِ مَا كَانَ مُتَّصِفًا مِنْ الْأَعْدَادِ بِصِفَةِ الِاثْنَيْنِيَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ الْبَالِغَةِ إلَى مَا فَوْقَ الْأُلُوفِ، فَإِنَّك تَقُولُ: جَاءَنِي الْقَوْمُ
стр. 2152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
مَثْنَى: أَيْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا ثُلَاثُ وَرُبَاعُ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ، فَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ بِأَصْلِ الْوَضْعِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ النِّسَاءِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَأَرْبَعًا أَرْبَعًا، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ لَا تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مِنْ الْعَدَدِ إلَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَصِحُّ لُغَةً وَعُرْفًا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأَلْفِ رَجُلٍ عِنْدَهُ: جَاءَنِي هَؤُلَاءِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، أَوْ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً فَحِينَئِذٍ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الزَّوَاجِ بِعَدَدٍ مِنْ النِّسَاءِ كَثِيرٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْجَمَاعَةِ بِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ بِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ النَّاسِ: انْكِحْ مَا طَابَ لَك مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، وَمَعَ هَذَا فَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ مُسْتَصْحَبَةٌ، وَهِيَ بِمُجَرَّدِهَا كَافِيَةٌ فِي الْحِلِّ حَتَّى يُوجَدَ نَاقِلٌ صَحِيحٌ يَنْقُلُ عَنْهَا
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَجْمُوعَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ لَا تَقْصُرُ عَنْ رُتْبَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ فَتَنْتَهِضُ بِمَجْمُوعِهَا لِلِاحْتِجَاجِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَخْلُو عَنْ مَقَالٍ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُ الْأَصْلِ فِي الْفُرُوجِ الْحُرْمَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطَّابِيِّ فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَيْضًا هَذَا الْخِلَافُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ الزِّيَادَةَ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُنَّ قَوْلُهُ: (يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ) قَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِحُجِّيَّتِهِ، نَعَمْ لَوْ صَحَّ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَسْلَفْنَا لَكَانَ دَلِيلًا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ
وَلَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَمُجَاهِدٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٍ وَالْقَاسِمِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا كَالْحُرِّ، حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْبَحْرِ، فَالْأَوْلَى الْجَزْمُ بِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وَالْحُكْمُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِمَا لِلْأَحْرَارِ وَعَلَيْهِمْ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ كَمَا فِي الْمَوَاضِعِ الْمَعْرُوفَةِ بِالتَّخَالُفِ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا قَوْلُهُ: (وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى عِدَّةِ الْأَمَةِ قَوْلُهُ: (تِسْعُ نِسْوَةٍ) هُنَّ: " عَائِشَةُ وَسَوْدَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَصْفِيَّةُ وَجُوَيْرِيَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَمَيْمُونَةُ " هَؤُلَاءِ الزَّوْجَاتُ اللَّاتِي مَاتَ عَنْهُنَّ
وَاخْتُلِفَ فِي رَيْحَانَةَ هَلْ كَانَتْ زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً، وَهَلْ مَاتَتْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ وَدَخَلَ أَيْضًا بِخَدِيجَةَ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَبِزَيْنَبِ أُمِّ الْمَسَاكِينِ وَمَاتَتْ فِي حَيَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ، وَمَنْ بَعْدَهَا، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «أَنَّهُ تَزَوَّجَ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً وَدَخَلَ مِنْهُنَّ بِإِحْدَى عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ» فَقَدْ
стр. 2153
بَابُ الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ
٢٧١٠ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ)
بَابُ الْخِيَارِ لِلْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ
٢٧١١ - (عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، فَلَمَّا أَعْتَقْتُهَا قَالَ
ــ
[نيل الأوطار]
قَوَّاهُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا فَضَبَطْنَا مِنْهُنَّ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ امْرَأَةً، وَقَدْ حَرَّرْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالتَّلْخِيصِ الْحِكْمَةَ فِي تَكْثِيرِ نِسَائِهِ ﷺ فَلْيُرَاجَعْ ذَلِكَ
[بَابُ الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ إنَّمَا هُوَ عَنْ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: «فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ» وَتَعَقَّبَهُ بِالتَّضْعِيفِ وَبِتَصْوِيبِ وَقْفِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي إسْنَادِهِ مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَصَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقْفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَنْ قَالَ: إنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَذَلِكَ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَاهِرٌ، وَالْعَاهِرُ: الزَّانِي، وَالزِّنَى بَاطِلٌ
وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: أَرَادَ أَنَّهُ كَالْعَاهِرِ وَلَيْسَ بِزَانٍ حَقِيقَةً لِاسْتِنَادِهِ إلَى عَقْدٍ قَالَ فِي الْبَحْرِ: قُلْت بَلْ زَانٍ إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَيُحَدُّ وَلَا مَهْرَ وَقَالَ دَاوُد: إنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عِنْدَهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَفُرُوضُ الْأَعْيَانِ لَا تَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ وَهُوَ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ مِنْ السَّيِّدِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى عَقْدِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ مَوْقُوفٌ يَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ وَقَالَ النَّاصِرُ وَالشَّافِعِيُّ: إنَّهُ لَا يَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ، وَالْإِجَازَةُ لَا تَلْحَقُ الْعُقُودَ الْبَاطِلَةَ
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْعَقْدَ نَافِذٌ وَلِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِنُفُوذِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : " بَاطِلٌ " كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَتْ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيُّ: وَلَا يُحْتَاجُ فِي بُطْلَانِهِ إلَى فَسْخٍ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ
стр. 2154
لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخْتَارِي فَإِنْ شِئْت أَنْ تَمْكُثِي تَحْتَ هَذَا الْعَبْدِ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تُفَارِقِيهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ) .
٢٧١٢ - (وَعَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ)
٢٧١٣ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٢٧١٤ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إنْ قَرَبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ تُطَأْ) .
٢٧١٥ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِي مُغِيرَةَ يَوْمَ أُعْتِقَتْ بَرِيرَةُ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي بِهِ فِي الْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا، وَإِنَّ دُمُوعَهُ لَتَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَرَضَّاهَا لِتَخْتَارَهُ فَلَمْ تَفْعَلْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ بِبَقَاءِ عُبُودِيَّتِهِ يَوْمَ الْعِتْقِ) .
٢٧١٦ - (وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا، فَلَمَّا أُعْتِقَتْ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ عَائِشَةُ عَمَّةُ الْقَاسِمِ وَخَالَةُ عُرْوَةَ فَرِوَايَتُهُمَا عَنْهَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ أَجْنَبِيٍّ يَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْخِيَارِ لِلْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ]
رِوَايَةُ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا ثَابِتَةٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ: " كَانَ
стр. 2155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا، وَفِي إسْنَادِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمِنْ طَرِيقِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ دَاوُد بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبَرِيرَةَ لَمَّا عَتَقَتْ: قَدْ عَتَقَ بُضْعُكِ مَعَكِ فَاخْتَارِي» وَوَصَلَ هَذَا الْمُرْسَلُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُطْلَقَةٌ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا أَوْ حُرًّا وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَدْرِي أَحُرٌّ أَمْ عَبْدٌ، وَهَذَا شَكٌّ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَاتِ الْجَزْمِ.
وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْمُطْلَقَةُ تُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الْمُقَيَّدَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَصْفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُمْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ وَعُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَمِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، وَرِوَايَةُ اثْنَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الْجَمْعِ، فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ مَعْلُولَةً بِالِانْقِطَاعِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مِنْ قَوْلِ الْحَكَمِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّهُ كَانَ عَبْدًا، أَصَحُّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَيْنَا عَنْ الْقَاسِمِ ابْنِ أَخِيهَا، وَعَنْ عَمْرَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعُرْوَةَ، كُلِّهِمْ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: إنْ شِئْت أَنْ تَتْوِي تَحْتَ الْعَبْدِ» .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إنَّ لَفْظَ: إنَّهُ كَانَ حُرًّا، مِنْ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْأَسْوَدِ فَتُطْرَحُ وَيُرْجَعُ إلَى رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ عَنْ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ مُتَعَارِضَةٌ لَيْسَ لِبَعْضِهَا مُرَجِّحٌ عَلَى بَعْضٍ كَانَ الرُّجُوعُ إلَى رِوَايَةِ غَيْرِهَا بَعْدَ إطْرَاحِ رِوَايَتِهَا وَقَدْ رَوَى غَيْرُهَا أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا عَلَى طَرِيقِ الْجَزْمِ فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ شَكٌّ فِي رُجْحَانِ عُبُودِيَّتِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا عَنْ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِذَاكَ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَرَوَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا رَوَى عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ أَصَحُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ عِمْرَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ حُرًّا، وَهُوَ وَهْمٌ فِي شَيْئَيْنِ: فِي قَوْلِهِ: كَانَ حُرًّا، وَفِي قَوْلِهِ: عَنْ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَكَذَا جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: إنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ: الْأَسْوَدُ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ فَأَمَّا الْأَسْوَدُ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَأَمَّا عُرْوَةُ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَانَ حُرًّا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَالثَّانِيَةُ الشَّكُّ انْتَهَى. وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَلَفَ مَا يُخَالِفُ هَذَا، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ مُتَعَارِضَةٌ فَيُرْجَعُ
стр. 2156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
إلَى رِوَايَةِ غَيْرِهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ عَبْدًا
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا هَلْ يَثْبُتُ لِلزَّوْجَةِ الْخِيَارُ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ وَجَعَلُوا الْعِلَّةَ فِي الْفَسْخِ عَدَمَ الْكَفَاءَةِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا صَارَتْ حُرَّةً وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا لَهَا وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ " وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا " وَلَكِنَّهُ قَدْ تُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ، وَبَيَّنَّهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ،.
وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهَا فَهُوَ اجْتِهَادٌ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ
وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، وَتَمَسَّكُوا أَوَّلًا بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا، وَقَدْ عَرَفْتَ عَدَمَ صَلَاحِيَّةِ ذَلِكَ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ وَمِمَّا يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «مَلَكْت نَفْسَكِ فَاخْتَارِي» فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي التَّخْيِيرِ هُوَ مِلْكُهَا لِنَفْسِهَا وَذَلِكَ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا اسْتَقَلَّتْ بِأَمْرِ النَّظَرِ فِي مَصَالِحِهَا مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ عَلَيْهَا مِنْ سَيِّدِهَا كَمَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ يُجْبِرُهَا سَيِّدُهَا عَلَى الزَّوْجِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْفَسْخِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا مَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا أَمَةٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَعَتَقَتْ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا زَوْجُهَا» .
وَفِي إسْنَادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «كَانَ لِعَائِشَةَ غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ، قَالَتْ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعْتِقَهُمَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ابْدَئِي بِالْغُلَامِ قَبْلَ الْجَارِيَةِ» قَالُوا: وَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّخْيِيرُ مُمْتَنِعًا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، لَمْ يَكُنْ لِلْبُدَاءَةِ بِعِتْقِ الْغُلَامِ فَائِدَةٌ، فَإِذَا بَدَأَتْ بِهِ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلَا يَكُونُ لَهَا اخْتِيَارٌ، وَفِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمَا كَانَا زَوْجَيْنِ وَلَوْ كَانَا زَوْجَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبُدَاءَةُ بِالرَّجُلِ لِفَضْلِ عِتْقِهِ عَلَى الْأُنْثَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
قَوْلُهُ: (وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَوَقَعَ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَجَزَمَ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ بِالْأَوَّلِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّ اسْمَهُ مِقْسَمٌ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَمَا أَظُنُّهُ إلَّا تَصْحِيفًا قَوْلُهُ: (إنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خِيَارَ مَنْ عَتَقَتْ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ إذَا مَكَّنَتْ الزَّوْجَ مِنْ نَفْسِهَا وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْهَادَوِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ: بِقِيَامِهَا مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَقِيلَ: مِنْ
стр. 2157
بَابُ مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا
٢٧١٧ - (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ؛ وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ وَحَقَّ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرَانِ؟» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد فَإِنَّمَا لَهُ مِنْهُ: «مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ» وَلِأَحْمَدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ جَدِيدٍ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ» )
٢٧١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا؛ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَأَبَا دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي لَفْظٍ: «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي لَفْظٍ: «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» : رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اصْطَفَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ وَخَيَّرَهَا أَنْ يَعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ يُلْحِقَهَا بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يَعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السَّبْيِّ يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الْكُفَّارِ إذَا كَانَ عَلَى دِينِهِ)
ــ
[نيل الأوطار]
مَجْلِسِهَا، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِإِطْلَاقِ التَّخْيِيرِ لَهَا إلَى غَايَةٍ هِيَ تَمْكِينُهَا مِنْ نَفْسِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ: «إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَلَا تَسْتَطِيعُ فِرَاقَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: «إذَا وَطِئَكِ فَلَا خِيَارَ لَك»
[بَابُ مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا]
حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَعْلِيمِ الْإِمَاءِ وَإِحْسَانِ تَأْدِيبِهِنَّ ثُمَّ إعْتَاقِهِنَّ وَالتَّزَوُّجِ بِهِنَّ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ بِهِ فَاعِلُهُ أَجْرَيْنِ، كَمَا أَنَّ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَسْتَحِقُّ أَجْرَيْنِ: أَجْرًا بِإِيمَانِهِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي كَانَ عَلَى دِينِهِ وَأَجْرًا بِإِيمَانِهِ بِنَبِيِّنَا ﷺ ، وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ يَسْتَحِقُّ أَجْرَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ الْعِتْقُ صَدَاقَ الْمُعْتَقَةِ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ
стр. 2158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْمَذْكُورُ لِقَوْلِهِ فِيهِ " مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا " وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ
وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُدَمَاءِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ فَقَالُوا: إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا صَحَّ الْعَقْدُ وَالْعِتْقُ وَالْمَهْرُ وَذَهَبَ مَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ مَهْرًا، وَلَمْ يُحْكَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْبَحْرِ إلَّا عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَحُكِيَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حُرَّةً فَلَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا إلَّا بِالْمَهْرِ وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَدَمَ صِحَّةِ جَعْلِ الْعِتْقِ مَهْرًا عَنْ الْجُمْهُورِ وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ ذَكَرَهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي: مِنْهَا: أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَوَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهَا وَكَانَتْ مَعْلُومَةً فَتَزَوَّجَهَا بِهَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَهْرَ نَفْسَ الْعِتْقِ لَا قِيمَةَ الْمُعْتَقَةِ
وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَ الْعِتْقِ مَهْرًا وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ دَعْوَى الِاخْتِصَاصِ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا " أَنَّهُ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا، فَقَالَ: " أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا " أَيْ لَمْ يُصْدِقْهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَمُ، وَلَمْ يَنْفِ نَفْسَ الصَّدَاقِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَأْتِيَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي مَقَامِ التَّبْلِيغِ وَيَكُونُ مُرِيدًا لِمَا ذَكَرْتُمْ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مِنْ بَابِ الْإِلْغَازِ وَالتَّعْمِيَةِ وَقَدْ أَيَّدُوا هَذَا التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ زَرِيبَةَ عَنْ أُمِّهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَأَمْهَرَهَا زَرِيبَةَ وَكَانَ أُتِيَ بِهَا سَبِيَّةً مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ» قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِ إسْنَادِهِ، وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ نَفْسِهَا قَالَتْ: «أَعْتَقَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي» قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ أَنَسًا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا ظَنَّهُ
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ فَلَزِمَهَا الْوَفَاءُ بِذَلِكَ وَيَكُونُ خَاصًّا بِهِ ﷺ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا تَعَسُّفٌ لَا مُلْجِئَ إلَيْهِ وَمِنْهَا مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ الْعِتْقَ حَلَّ مَحَلَّ الْمَهْرِ وَلَيْسَ بِمَهْرٍ قَالَ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: " الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ " وَجَعَلَ هَذَا أَقْرَبَ الْوُجُوهِ إلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَالْحَامِلُ لِمَنْ خَالَفَ الْحَدِيثَ عَلَى هَذِهِ التَّآوِيلِ ظَنُّ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْعَقْدَ إمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْلَ عِتْقِهَا وَهُوَ مَحَلٌّ لِتَنَاقُضِ حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ أَوْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهَا
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِذَا وَقَعَ مِنْهَا الِامْتِنَاعُ لَزِمَتْهَا السِّعَايَةُ بِقِيمَتِهَا وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالدَّلِيلُ قَدْ وَرَدَ بِهَذَا، وَمُجَرَّدُ الِاسْتِبْعَادِ لَا يَصْلُحُ لِإِبْطَالِ مَا صَحَّ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَالْأَقْيِسَةُ مُطْرَحَةٌ فِي مُقَابَلَةِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ فَلَيْسَ بِيَدِ الْمَانِعِ
стр. 2159
بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي رَدِّ الْمَنْكُوحَةِ بِالْعَيْبِ
٢٧١٩ - (عَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ يُقَالُ لَهُ: كَعْبُ بْنُ زَيْدٍ أَوْ زَيْدُ بْنُ كَعْبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَضَعَ ثَوْبَهُ وَقَعَدَ عَلَى الْفِرَاشِ أَبْصَرَ بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَانْحَازَ عَنْ الْفِرَاشِ ثُمَّ قَالَ: خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِمَّا آتَاهَا شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَلَمْ يَشُكَّ) .
٢٧٢٠ - (وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ غُرَّ بِهَا رَجُلٌ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا وَصَدَاقُ الرَّجُلِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَفِي لَفْظٍ: قَضَى عُمَرُ فِي الْبَرْصَاءِ وَالْجَذْمَاءِ وَالْمَجْنُونَةِ إذَا دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا " وَالصَّدَاقُ لَهَا بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا وَهُوَ لَهُ عَلَى وَلِيِّهَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ)
ــ
[نيل الأوطار]
بُرْهَانٌ وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عِتْقَ جَوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةِ صَدَاقَهَا» وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ، وَقَدْ نَسَبَ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي سَلَمَةَ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ، وَأَطَالَ الْبَحْثَ فِي الْمَقَامِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ
[بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي رَدِّ الْمَنْكُوحَةِ بِالْعَيْبِ]
حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ زَيْدِ بْنِ كَعْبٍ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هَكَذَا، وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَقِيلَ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَدِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ وَمِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَجَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ الْمَذْكُورُ: هُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَأَثَرُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْهُ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ عَنْ يَحْيَى، قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَوْلُهُ: (امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ) قِيلَ: اسْمُهَا الْغَالِيَةُ، وَقِيلَ: أَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ، قَالَهُ الْحَاكِمُ، يَعْنِي الْجَوْنِيَّةَ وَقَالَ الْحَافِظُ: الْحَقُّ أَنَّهَا غَيْرُهَا
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِحَدِيثَيْ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْبَرَصَ وَالْجُنُونَ وَالْجُذَامَ عُيُوبٌ يُفْسَخُ بِهَا
стр. 2160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
النِّكَاحُ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ كَعْبٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْفَسْخِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ " وَفِي رِوَايَةٍ: " الْحَقِي بِأَهْلِكِ " يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةَ طَلَاقٍ وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى أَنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِالْعُيُوبِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيلِ ذَلِكَ وَفِي تَعْيِينِ الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ النِّسَاءُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ عُيُوبٍ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالدَّاءُ فِي الْفَرْجِ، وَخَالَفَ النَّاصِرُ فِي الْبَرَصِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ النِّكَاحُ، وَالرَّجُلُ يُشَارِكُ الْمَرْأَةَ فِي الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، وَتَفْسَخُهُ الْمَرْأَةُ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُرَدُّ بِكُلِّ عَيْبٍ تُرَدُّ بِهِ الْجَارِيَةُ فِي الْبَيْعِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَاحْتَجَّ لَهُ فِي الْهَدْيِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِكُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ: إنَّ الزَّوْجَ لَا يَرُدُّ الزَّوْجَةَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ وَالزَّوْجَةُ لَا تَرُدُّهُ بِشَيْءٍ إلَّا الْجَبَّ وَالْعُنَّةَ، وَزَادَ مُحَمَّدٌ: الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ، وَزَادَتْ الْهَادَوِيَّةُ عَلَى مَا سَلَفَ: الرِّقُّ وَعَدَمُ الْكَفَاءَةِ فِي الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ، وَالرَّتَقُ وَالْعَفَلُ وَالْقَرْنُ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْجَبُّ وَالْخِصَاءُ وَالسُّلُّ فِي الرَّجُلِ، وَالْكَلَامُ مَبْسُوطٌ عَلَى الْعُيُوبِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الرَّدُّ وَالْمِقْدَارُ الْمُعْتَبَرُ مِنْهَا وَتَعْدَادُهَا فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ
وَمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ لَمْ يَجِدْ فِي الْبَابِ مَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْفَسْخِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَمَّا حَدِيثُ كَعْبٍ فَلِمَا أَسْلَفْنَا مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ صَرِيحٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَلِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، نَعَمْ حَدِيثُ بَرِيرَةَ الَّذِي سَلَفَ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْفَسْخِ لِلرِّقِّ إذَا عَتَقَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَمُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: (وَصَدَاقُ الرَّجُلِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ) قَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَالْهَادَوِيَّةُ فَقَالُوا: إنَّهُ يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّرَ عَلَيْهِ بِأَنْ أَوْهَمَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا عَيْبَ فِيهَا فَانْكَشَفَ أَنَّهَا مَعِيبَةٌ بِأَحَدِ تِلْكَ الْعُيُوبِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الْعَيْبِ لَا إذَا جَهِلَ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِزَوْجٍ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْمَهْرُ بِالْمَسِيسِ
وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ: إنَّهُ يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِالْمَهْرِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ وَتَضْمِينُ الْغَيْرِ بِلَا دَلِيلٍ لَا يَحِلُّ، فَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ الْوَطْءِ فَقَدْ اسْتَوْفَى الزَّوْجُ مَا فِي مُقَابَلَةِ الْمَهْرِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوَطْءِ فَالرُّجُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهَا مَا فِي مُقَابَلَةِ الْمَهْرِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ الْهَادَوِيَّةِ لِأَنَّ الْفَسْخَ بِعَيْبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ وَلَا شَيْءَ لَهَا عِنْدَهُمْ فِيمَا كَانَ كَذَلِكَ
стр. 2161
أَبْوَابُ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ بَابُ ذِكْرِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهَا
٢٧٢١ - (عَنْ عُرْوَةَ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا وَنِكَاحٌ آخَرُ، كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ يُسَمَّى نِكَاحُ الِاسْتِبْضَاعِ وَنِكَاحٌ آخَرُ، يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ فَيُصِيبُونَهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، فَتَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، فَتُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيُلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُلُ وَنِكَاحٌ رَابِعٌ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ الرَّايَاتِ وَتَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ جَمَعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهَا الْقَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِاَلَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد)
ــ
[نيل الأوطار]
[أَبْوَابُ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ] [بَابُ ذِكْرِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهَا]
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ) جَمْعُ نَحْوٍ: أَيْ ضَرْبٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَيُطْلَقُ النَّحْوُ أَيْضًا عَلَى الْجِهَةِ وَالنَّوْعِ، وَعَلَى الْعَلَمِ الْمَعْرُوفِ اصْطِلَاحًا قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: بَقِيَ عَلَيْهَا أَنْحَاءٌ لَمْ تَذْكُرْهَا الْأَوَّلُ: نِكَاحُ الْخِدْنِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] كَانُوا يَقُولُونَ: مَا اسْتَتَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا ظَهَرَ فَهُوَ لَوْمٌ الثَّانِي: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ
الثَّالِثُ: نِكَاحُ الْبَدَلِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ الْبَدَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: انْزِلْ لِي عَنْ امْرَأَتِكَ وَأَنْزِلُ لَك عَنْ امْرَأَتِي وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَوَّلُ لَا يُرَدُّ لِأَنَّهَا أَرَادَتْ ذِكْرَ بَيَانِ نِكَاحِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ وَالثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُرَدَّ لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ كَوْنُهُ مُقَدَّرًا بِوَقْتٍ
стр. 2162
بَابُ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ
٢٧٢٢ - (عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُطَلِّقَ إحْدَاهُمَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ
ــ
[نيل الأوطار]
لَا أَنَّ عَدَمَ الْوَلِيِّ فِيهِ شَرْطٌ، وَعَدَمُ وُرُودِ الثَّالِثِ أَظْهَرُ مِنْ الْجَمِيعِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ) التَّخْيِيرُ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ قَوْلُهُ: (فَيُصْدِقُهَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (ثُمَّ يَنْكِحُهَا) أَيْ يُعَيِّنُ صَدَاقَهَا وَيُسَمِّي مِقْدَارَهُ ثَمَّ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: (مِنْ طَمْثِهَا) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ: أَيْ حَيْضِهَا، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُسْرِعَ عُلُوقُهَا مِنْهُ قَوْلُهُ: (فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ) بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ: أَيْ اُطْلُبِي مِنْهُ الْمُبَاضَعَةَ وَهُوَ الْجِمَاعُ
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ " اسْتَرْضِعِي " بِرَاءٍ بَدَلَ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَالْمَعْنَى: اُطْلُبِي الْجِمَاعَ مِنْهُ لِتَحْمِلِي، وَالْمُبَاضَعَةُ: الْمُجَامَعَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْبُضْعِ وَهُوَ الْفَرْجُ قَوْلُهُ: (فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي الشَّجَاعَةِ أَوْ الْكَرَمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ) هَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، أَوْ تَقُولُ: هِيَ ابْنَتُكَ إذَا كَانَتْ أُنْثَى قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ ذَكَرًا لِمَا عُرِفَ مِنْ كَرَاهَتِهِمْ فِي الْبِنْتِ، وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقْتُلُ ابْنَتَهُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ أَنَّهَا بِنْتَهُ فَضْلًا عَمَّنْ يَكُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ
قَوْلُهُ: (عَلَمًا) بِفَتْحِ اللَّامِ: أَيْ عَلَامَةً وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تَبَرَّزَ عُمَرُ بِأَجْيَادٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتَتْهُ أُمُّ مَهْزُولٍ وَهِيَ مِنْ الْبَغَايَا التِّسْعِ اللَّاتِي كُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَتْ: هَذَا مَاءٌ وَلَكِنَّهُ فِي إنَاءٍ لَمْ يُدْبَغْ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] هُنَّ بَغَايَا كُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْلُومَاتٍ، لَهُنَّ رَايَاتٌ يُعْرَفْنَ بِهَا وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عُرْوَةَ مِثْلُهُ، وَزَادَ: كَرَايَاتِ الْبَيْطَارِ
وَقَدْ سَاقَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ فِي كِتَابِ الْمَثَالِبِ أَسَامِي صَوَاحِبَاتِ الرَّايَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَمَّى مِنْهُنَّ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ نِسْوَةٍ مَشْهُورَاتٍ قَوْلُهُ: (الْقَافَةَ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ جَمْعُ قَائِفٍ: وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ شَبَهَ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ بِالْآثَارِ الْخَفِيَّةِ قَوْلُهُ: (فَالْتَاطَ بِهِ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ: أَيْ اسْتَلْحَقَهُ وَأَصْلُ اللَّوْطِ بِفَتْحِ اللَّامِ اللُّصُوقُ قَوْلُهُ: (إلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ) أَيْ الَّذِي بَدَأَتْ بِذِكْرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ فَتُزَوِّجَهُ وَقَدْ اُحْتُجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَائِشَةَ وَهِيَ الرَّاوِيَةُ كَانَتْ تُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِعْلَهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ
стр. 2163
اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْت " وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَسْلَمَ غَيْلَانُ الثَّقَفِيُّ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَقَالَ: إنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ، وَلَعَلَّكَ لَا تَمْكُثُ إلَّا قَلِيلًا، وَاَيْمُ اللَّهِ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ وَلَتُرَاجِعَنَّ مَالَكَ أَوْ لَأُوَرِّثَهُنَّ مِنْكَ وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ أَنْ يُرْجَمَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ قَوْلُهُ: لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَجْعِيًّا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَرِثُ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِي الْمَرَضِ وَإِلَّا فَنَفْسُ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لَا يَقْطَعُ لِيُتَّخَذَ حِيلَةً فِي الْمَرَضِ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ]
حَدِيثُ الضَّحَّاكِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: «أَنَّهَا عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا، فَقَالَ: لَا تَحِلُّ لِي» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ عَنْ الثِّقَةِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ قَالَ الْبَزَّارُ: جَوَّدَهُ مَعْمَرٌ بِالْبَصْرَةِ وَأَفْسَدَهُ بِالْيَمَنِ فَأَرْسَلَهُ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ:
وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأَرْجُمَنَّكَ " وَحَكَمَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ أَصَحُّ وَحَكَى الْحَاكِمُ عَنْ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا وَهِمَ فِيهِ مَعْمَرٌ بِالْبَصْرَةِ قَالَ: فَإِنْ رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَةٌ خَارِجَ الْبَصْرَةِ حَكَمْنَا لَهُ بِالصِّحَّةِ، وَقَدْ أَخَذَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِظَاهِرِ الْحُكْمِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَعْمَرٍ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ خُرَاسَانَ وَأَهْلِ الْيَمَامَةِ عَنْهُ قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ شَيْئًا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ إنَّمَا سَمِعُوا مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ؛ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْهُ بِغَيْرِهَا فَحَدِيثُهُ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ مُضْطَرِبٌ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ فِي بَلَدِهِ مِنْ كُتُبِهِ عَلَى الصِّحَّةِ؛ وَأَمَّا إذَا رَحَلَ فَحَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ بِأَشْيَاءَ وَهِمَ فِيهَا، اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ كَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَأَعَلَّهُ بِتَفَرُّدِ مَعْمَرٍ فِي وَصْلِهِ وَتَحْدِيثِهِ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: طُرُقُهُ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ وَقَدْ أَطَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ تَخْرِيجَ طُرُقِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ كَذَلِكَ، وَقَدْ وَافَقَ مَعْمَرًا عَلَى وَصْلِهِ بَحْرٌ كُنَيْزٌ السَّقَّاءُ عَنْ الزُّهْرِيِّ
стр. 2164
بَابُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ
ــ
[نيل الأوطار]
وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَكَذَا وَصَلَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ عَنْ مَالِكٍ، وَيَحْيَى ضَعِيفٌ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي رَوَاهَا أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ فَأَخْرَجَهَا أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَهَذَا الْمَوْقُوفُ عَلَى عُمَرَ هُوَ الَّذِي حَكَمَ الْبُخَارِيُّ بِصِحَّتِهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ أَوْ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ
، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعَدَدِ الْمُبَاحِ لِلْحُرِّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ هُنَالِكَ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ وَحَدِيثُ الضَّحَّاكِ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَلَا أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ أُجْبِرَ عَلَى تَطْلِيقِ إحْدَاهُمَا، وَفِي تَرْكِ اسْتِفْصَالِهِ عَنْ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ لِعُقُودِ الْكُفَّارِ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ تُوَافِقْ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا أَسْلَمُوا أَجْرَيْنَا عَلَيْهِمْ فِي الْأَنْكِحَةِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد
وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَرُّ مِنْ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ إلَّا مَا وَافَقَ الْإِسْلَامَ فَيَقُولُونَ: إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُ مَنْ تَأَخَّرَ عَقْدُهَا، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ تَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسٍ، أَمْسَكَ مَنْ تَقَدَّمَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مِنْهُنَّ وَأَرْسَلَ مَنْ تَأَخَّرَ عَقْدُهَا إذَا كَانَتْ خَامِسَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الْأُخْتَيْنِ أَوْ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ مَرَّةً وَاحِدَةً بَطَلَ وَأَمْسَكَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأُخْتَيْنِ وَأَرْسَلَ مَنْ شَاءَ وَأَمْسَكَ أَرْبَعًا مِنْ الزَّوْجَاتِ يَخْتَارُهُنَّ وَيُرْسِلُ الْبَاقِيَاتِ
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ لِتَرْكِهِ ﷺ لِلِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الضَّحَّاكِ وَحَدِيثِ غَيْلَانَ، وَلِمَا فِي قَوْلِهِ " اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا " قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي فَصْلِ الرَّاءِ مِنْ بَابِ اللَّامِ: وَأَبُو رِغَالٍ كَكِتَابٍ - فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ» الْحَدِيثَ وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: كَانَ دَلِيلًا لِلْحَبَشَةِ حِينَ تَوَجَّهُوا إلَى مَكَّةَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ. غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ سِيدَهْ: كَانَ عَبْدًا لِشُعَيْبٍ وَكَانَ عَشَّارًا جَائِرًا انْتَهَى. قَوْلُهُ: (لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمُرَاجَعَةِ: الْمُرَاجَعَةَ اللُّغَوِيَّةَ، أَعْنِي إرْجَاعَهُنَّ إلَى نِكَاحِهِ وَعَدَمَ الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ كَمَا ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ زَوْجَاتِهِ مُرِيدًا لِإِبْطَالِ مِيرَاثِهِنَّ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَصِحُّ
وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْمُنَاسِبِ، وَجَعَلُوا هَذِهِ الصُّورَةَ مِثَالًا لَهُ، وَالْمُصَنِّفُ ﵀ لَمَّا فَهِمَ أَنَّ الرَّجْعَةَ هِيَ الِاصْطِلَاحِيَّةُ، أَعْنِي الْوَقْعَةَ بَعْدَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ مُعْتَدٍّ بِهِ جَعَلَ ذَلِكَ الطَّلَاقَ الْوَاقِعَ مِنْهُ رَجْعِيًّا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَرِثُ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَأَرْدَفَ الْإِشْكَالَ بِإِشْكَالٍ.
стр. 2165
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: «رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ زَوْجِهَا بِنِكَاحِهَا الْأَوَّلِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يُحْدِثْ صَدَاقًا» رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ: «رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ إسْلَامُهَا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِيهِ: لَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ) .
٢٧٢٤ - (وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ أَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ) .
٢٧٢٥ - (وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ: «أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةَ كَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ الْإِسْلَامِ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَانًا وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ، فَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ بَيْنَ إسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إسْلَامِ زَوْجَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ. مُخْتَصَرٌ مِنْ الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ) .
٢٧٢٦ - (وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ: «أَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَى زَوْجِهَا بِالْيَمَنِ وَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَدِمَ
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2166
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعَهُ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إذَا قَدِمَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا رَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ: هُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ انْتَهَى. إلَّا أَنَّ حَدِيثَ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَسَخَهُ، وَقَدْ ضَعَّفَ أَمْرَهَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ.
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ، وَأَيْضًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَنْ الْعَرْزَمِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِمْ.
وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الْأَوَّلُ هُوَ مُرْسَلٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَحَدِيثُهُ الثَّانِي مُرْسَلٌ أَيْضًا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَيْضًا
وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ: «كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ الْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ وَكَانَ إذَا هَاجَرَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، وَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُنْكَحَ رُدَّتْ إلَيْهِ»
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ الْمَغَازِي وَغَيْرِهِمْ عَنْ عَدَدٍ مِثْلِهِمْ: «أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَامْرَأَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةُ كَافِرَةٌ بِمَكَّةَ، وَمَكَّةُ يَوْمَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ وَكَذَلِكَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَتَانِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ النِّكَاحَ» قَوْلُهُ: (بَعْدَ سَنَتَيْنِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ " بِسِتِّ سِنِينَ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: " بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ " وَأَشَارَ فِي الْفَتْحِ إلَى الْجَمْعِ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِالسِّتِّ مَا بَيْنَ هِجْرَةِ زَيْنَبَ وَإِسْلَامِهِ، وَبِالسَّنَتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثِ مَا بَيْنَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَقُدُومِهِ مُسْلِمًا فَإِنَّ بَيْنَهُمَا سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَجْهُهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ رَدَّهَا إلَيْهِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ بَعْدَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ مُشْكِلٌ لِاسْتِبْعَادِ أَنْ تَبْقَى فِي الْعِدَّةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ قَالَ: وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى جَوَازِ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمَةِ تَحْتَ الْمُشْرِكِ إذَا تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ عَنْ إسْلَامِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ قَالَ بِجَوَازِهِ، وَرَدَّهُ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ وَتُعُقِّبَ بِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيهِ قَدِيمًا، فَقَدْ أَخْرَجَهُ
стр. 2167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ بِطُرُقٍ قَوِيَّةٍ، وَأَفْتَى بِهِ حَمَّادٌ شَيْخُ أَبِي حَنِيفَةَ
وَأَجَابَ الْخَطَّابِيِّ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ بَقَاءَ الْعِدَّةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ مُمْكِنٌ وَإِنْ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ فِي الْغَالِبِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُدَّةُ إنَّمَا هِيَ سَنَتَانِ وَأَشْهُرٌ، فَإِنَّ الْحَيْضَ قَدْ يُبْطِئُ عَنْ ذَاتِ الْأَقْرَاءِ لِعَارِضٍ وَبِمِثْلِ هَذَا أَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ أَوْلَى مَا يُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي شَرْحِ السِّيرَةِ: إنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحَّ إسْنَادًا لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ كَانَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ: مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ وَلَمْ يُحْدِثْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ مِنْ شَرْطٍ وَلَا غَيْرِهِ انْتَهَى. وَقَدْ أَشَارَ إلَى مِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقِيلَ: إنَّ زَيْنَبَ لَمَّا أَسْلَمَتْ وَبَقِيَ زَوْجُهَا عَلَى الْكُفْرِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا ﷺ ، إذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكَافِرِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ، فَوَصَلَ أَبُو الْعَاصِ مُسْلِمًا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَقَرَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ تُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ.
وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِوُقُوعِ عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَالْأَخْذُ بِالصَّرِيحِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالْمُحْتَمَلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مُخَالَفَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا رَوَاهُ كَمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ: وَأَحْسَنُ الْمَسَالِكِ فِي تَقْرِيرِ الْحَدِيثَيْنِ تَرْجِيحُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَئِمَّةُ وَحَمْلُهُ عَلَى تَطَاوُلِ الْعِدَّةِ فِيمَا بَيْنَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ وَإِسْلَامِ أَبِي الْعَاصِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ: " رَدَّهَا إلَيْهِ بَعْدَ كَذَا " مُرَادُهُ: جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَإِسْلَامُ أَبِي الْعَاصِ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْمُشْرِكِ، هَكَذَا زَعَمَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّ إسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ مَا مُحَصَّلُهُ: إنَّ اعْتِبَارَ الْعِدَّةِ لَمْ يُعْرَفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُ الْمَرْأَةَ هَلْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ لَا، وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ بِمُجَرَّدِهِ فُرْقَةً لَكَانَتْ طَلْقَةً بَائِنَةً وَلَا رَجْعَةَ فِيهَا فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ أَحَقَّ بِهَا إذَا أَسْلَمَ، وَقَدْ دَلَّ حُكْمُهُ ﷺ أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ، وَإِنْ أَحَبَّتْ انْتَظَرَتْهُ، وَإِذَا أَسْلَمَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَجْدِيدِ نِكَاحٍ، قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَدَّدَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ نِكَاحَهُ أَلْبَتَّةَ، بَلْ كَانَ الْوَاقِعُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا افْتِرَاقُهُمَا وَنِكَاحُهَا غَيْرَهُ، وَإِمَّا بَقَاؤُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَأَمَّا تَنْجِيزُ الْفُرْقَةِ أَوْ مُرَاعَاةُ الْعِدَّةِ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي عَهْدِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْمَتَانَةِ.
قَالَ: وَهَذَا
стр. 2168
بَابُ الْمَرْأَةِ تُسْبَى وَزَوْجُهَا بِدَارِ الشِّرْكِ
٢٧٢٧ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٌ بَعَثَ جَيْشًا إلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ فِي آخِرِهِ بَعْدَ الْآيَةِ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ: «أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي قَوْمِهِنَّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] » .) .
ــ
[نيل الأوطار]
اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَأَبِي بَكْرٍ صَاحِبِهِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ حَزْمٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ عَدَّ آخَرِينَ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ زَوْجِهَا لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالثَّوْرِيُّ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ، وَشَرَطَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى زَوْجِهَا الْإِسْلَامُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيَمْتَنِعَ إنْ كَانَا مَعًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى مُضِيِّ الْعِدَّةِ كَسَائِرِ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ مَسْأَلَةُ: إذَا أَسْلَمَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ إجْمَاعًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ: الْمَذْهَبُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ: وَالْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ، إذْ الْعِلَّةُ: اخْتِلَافُ الدِّينِ، كَالرِّدَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: بَلْ طَلَاقٌ، حَيْثُ أَسْلَمَتْ وَأَبَى الزَّوْجُ، إذْ امْتِنَاعُهُ كَالطَّلَاقِ. قُلْنَا: بَلْ كَالرِّدَّةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ إسْلَامُهَا. . . إلَخْ) الْمُرَادُ بِإِسْلَامِهَا هُنَا: هِجْرَتُهَا، وَإِلَّا فَهِيَ لَمْ تَزَلْ مُسْلِمَةً مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَسَائِرِ بَنَاتِهِ ﷺ ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهَا بَعْدَ بَدْرٍ بِقَلِيلٍ وَبَدْرٌ فِي رَمَضَانَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ، وَتَحْرِيمُ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَيَكُونُ مُكْثُهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوًا مِنْ سَنَتَيْنِ، هَكَذَا قِيلَ، وَفِيهِ بَعْضُ مُخَالَفَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
стр. 2169
وَعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ وَطْءَ السَّبَايَا حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَهُوَ عَامٌّ فِي ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ وَغَيْرِهِنَّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْمَرْأَةِ تُسْبَى وَزَوْجُهَا بِدَارِ الشِّرْكِ]
حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ إذَا مُلِكَتْ مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ. وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا» وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ بِلَفْظِ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» وَسَيَأْتِي أَيْضًا هُنَالِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ الْمَنْعُ مِنْ وَطْءِ الْحَامِلِ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَأْتِي هُنَالِكَ مُسْتَوْفًى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّبَايَا حَلَالٌ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ وَغَيْرِهِنَّ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ فِيمَا أَعْلَمُ، وَلَكِنْ بَعْدَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يُرِيدُ: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ اللَّاتِي سُبِينَ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي دَارِ الْكُفْرِ فَهُنَّ حَلَالٌ لِغُزَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كُنَّ مُحْصَنَاتٍ.
وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
وَذَاتِ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ... حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تَطْلُقْ
стр. 2170
كِتَابُ الصَّدَاقِ
بَابُ جَوَازِ التَّزْوِيجِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَاسْتِحْبَابِ الْقَصْدِ فِيهِ
٢٧٢٩ - عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَضِيَتْ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٢٧٣٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى امْرَأَةً صَدَاقًا مِلْءَ يَدَيْهِ طَعَامًا كَانَتْ لَهُ حَلَالًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ) .
٢٧٣١ - (وَعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبُو دَاوُد: بَارَكَ اللَّهُ لَك)
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الصَّدَاقِ] [بَابُ جَوَازِ التَّزْوِيجِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَاسْتِحْبَابِ الْقَصْدِ فِيهِ]
حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ بَعْدَ أَنْ حَكَى تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ لَهُ: إنَّهُ خُولِفَ فِي ذَلِكَ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي إسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، هَكَذَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيّ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فِي إسْنَادِهِ مُسْلِمُ بْنُ رُومَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا. قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ رُومَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنْ الطَّعَامِ " عَلَى مَعْنَى الْمُتْعَةِ، قَالَ: وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَلَى مَعْنَى أَبِي عَاصِمٍ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد مُعَلَّقًا قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ «جَابِرًا يَقُولُ: كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنْ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ صَارَ مَنْسُوخًا، فَإِنَّمَا فُسِخَ مِنْهُ شَرْطُ الْأَجَلِ، فَأَمَّا مَا يَجْعَلُونَهُ صَدَاقًا فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَسْخٌ
стр. 2171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
قَوْلُهُ: «وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ» فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ " وَرَجَّحَهَا الدَّاوُدِيُّ وَاسْتَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى وَزْنَ نَوَاةٍ. قَالَ الْحَافِظُ: وَاسْتِنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ قَالَ عِيَاضٌ: لَا وَهْمَ فِي الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ نَوَاةَ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ لِلنَّوَاةِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ صَحَّ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَزْنُ نَوَاةٍ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَاحِدَةُ نَوَى التَّمْرِ، وَإِنَّ الْقِيمَةَ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ كَانَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَقِيلَ: كَانَ قَدْرُهَا يَوْمَئِذٍ رُبْعَ دِينَارٍ. وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْرِ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِعْيَارًا لِمَا يُوزَنُ بِهِ. وَقِيلَ: لَفْظُ النَّوَاةِ مِنْ ذَهَبٍ عِبَارَةٌ عَمَّا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيِّ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَقِيلَ: وَزْنُهَا مِنْ الذَّهَبِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ فَارِسٍ وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ الظَّاهِرَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: قُوِّمَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَرُبْعٌ. وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: النَّوَاةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: قَالَ أَنَسٌ: حَزَرْنَاهَا رُبْعَ دِينَارٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّوَاةُ: رُبْعُ النَّشِّ، وَالنَّشُّ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا
فَتَكُونُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ دَفَعَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَهِيَ تُسَمَّى نَوَاةً كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ: أُوقِيَّةً، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ وَآخَرُونَ. وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ شَيْئًا حَقِيرًا كَالنَّعْلَيْنِ وَالْمُدِّ مِنْ الطَّعَامِ وَوَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ الَّذِي لَا يَتَمَوَّلُ وَلَا لَهُ قِيمَةٌ لَا يَكُونُ صَدَاقًا وَلَا يَحِلُّ بِهِ النِّكَاحُ، فَإِنْ ثَبَتَ نَقْلُهُ فَقَدْ خَرَقَ هَذَا الْإِجْمَاعَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ: يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ كَانَ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ. وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ
الْكَافَّةُ قَوْلُهُ ﷺ : «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ التَّقْلِيلِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَاتَمَ مِنْ الْحَدِيدِ لَهُ قِيمَةٌ وَهُوَ أَعْلَى خَطَرًا مِنْ النَّوَاةِ وَحَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ.
وَكَذَلِكَ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَسْمِيَةُ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي أَقَلِّ الصَّدَاقِ، لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَذَكَرَ مِنْهَا حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَحَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْبَابِ، وَحَدِيثَ لَبِيبَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «مَنْ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمٍ فِي النِّكَاحِ فَقَدْ اسْتَحَلَّ» .
وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِي الْمَهْرِ: «وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ مِنْ أَرَاكٍ» قَالَ: وَأَقْوَى شَيْءٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ «كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنْ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْبَيْهَقِيّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَقَلِّ الْمَهْرِ فَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ جَمِيعًا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
стр. 2172
٢٧٣٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٧٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ أَوَاقٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَحْمَدُ وَزَادَ: «وَطَبَّقَ بِيَدِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ» .
ــ
[نيل الأوطار]
أَنَّ أَقَلَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُوَازِيهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: «لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُعَارِضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ دُونَهَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فَإِنَّ فِي إسْنَادِهِ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ، وَقَدْ اشْتَهَرَ حَجَّاجٌ بِالتَّدْلِيسِ، وَمُبَشِّرٌ مَتْرُوكٌ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَحْمَدُ: رَوَى عَنْهُ بَقِيَّةُ أَحَادِيثَ كَذِبٍ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عَنْ عَلِيٍّ ﵇، وَفِي إسْنَادِهِ دَاوُد الْأَوْدِيِّ، وَهَذَا الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا: دَاوُد بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالثَّانِي: دَاوُد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمِنْهَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِمُرَّةَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵇ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، فَهَذِهِ طُرُقٌ ضَعِيفَةٌ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهَا يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا فَهِيَ لَا تَبْلُغُ بِذَلِكَ إلَى حَدِّ الِاعْتِبَارِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَارَضَهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ حَدِيثِ الْخَاتَمِ الَّذِي سَيَأْتِي وَحَدِيثِ نَوَاةِ الذَّهَبِ وَسَائِرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ أَقَلَّهُ مَا يَصِحُّ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً، وَهَذَا مَذْهَبٌ رَاجِحٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَقَلُّهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَقَالَ النَّخَعِيّ: أَرْبَعُونَ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَقَالَ مَالِكٌ: رُبْعُ دِينَارٍ، وَلَيْسَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَقَلَّ هُوَ أَحَدُهَا لَا دُونَهُ وَمُجَرَّدُ مُوَافَقَةِ مَهْرٍ مِنْ الْمُهُورِ الْوَاقِعَةِ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا كَحَدِيثِ النَّوَاةِ مِنْ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَلِقَوْلِ مَالِكٍ، عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهَا، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُجْزِئُ دُونَهُ إلَّا مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ دُونَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَلَا تَصْرِيحَ فَلَاحَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ قِيمَةٌ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جَعْلِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا زِيَادَةُ تَحْقِيقِ الْمَقَامِ.
٢٧٣٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٧٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ أَوَاقٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَحْمَدُ وَزَادَ: «وَطَبَّقَ بِيَدِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ»
٢٧٣٤ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٌّ، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ) .
٢٧٣٥ - (وَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ قَالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا تُغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الْآخِرَةِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ. وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
٢٧٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَظَرْتَ إلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إلَيْهَا، قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ» .
٢٧٣٧ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 2173
٢٧٣٤ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٌّ، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ) .
٢٧٣٥ - (وَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ قَالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا تُغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الْآخِرَةِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ. وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
٢٧٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَظَرْتَ إلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إلَيْهَا، قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ» .
٢٧٣٧ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.)
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ: «أَخَفُّ النِّسَاءِ صَدَاقًا أَعْظَمُهُنَّ بَرَكَةً» وَفِي إسْنَادِهِ الْحَارِثُ بْنُ شِبْلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِنَحْوِهِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:
стр. 2174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ. وَحَدِيثُ أَبِي الْعَجْفَاءِ صَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَأَبُو الْعَجْفَاءِ اسْمُهُ هَرِمُ بْنُ نَسِيبٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ: حَدِيثُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ.
وَحَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ: «إنَّهُ زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَمْهَرهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَبَعَثَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا: «أَنَّ النَّجَّاشِيَّ زَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدَاقِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَقِيلَ: بِمِائَتَيْ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ النِّكَاحِ مَعَ قِلَّةِ الْمَهْرِ، وَأَنَّ الزَّوَاجَ بِمَهْرٍ قَلِيلٍ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ إذَا كَانَ قَلِيلًا لَمْ يَسْتَصْعِبْ النِّكَاحَ مَنْ يُرِيدُهُ فَيَكْثُرُ الزَّوَاجُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ الْفُقَرَاءُ وَيَكْثُرُ النَّسْلُ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ مَطَالِبِ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ كَثِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ، فَيَكُونُ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ هُمْ الْأَكْثَرُ فِي الْغَالِبِ غَيْرَ مُزَوَّجِينَ فَلَا تَحْصُلُ الْمُكَاثَرَةُ الَّتِي أَرْشَدَ إلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا سَلَفَ فِي أَوَّلِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ) أَيْ دِرْهَمٍ لِأَنَّ الْأُوقِيَّةَ كَانَتْ قَدِيمًا عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. قَوْلُهُ: (كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ كُلَّهُنَّ كَانَ صَدَاقُهُنَّ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ، فَإِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْمِقْدَارَ الْمُتَقَدِّمَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: «أَصْدَقَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِهِ. وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَصَفِيَّةُ كَانَ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا، وَخَدِيجَةُ وَجُوَيْرِيَةُ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ.
قَوْلُهُ: (وَنَشٌّ) بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَقَعَ مَرْفُوعًا فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَالصَّوَابُ: وَنَشًّا، بِالنَّصْبِ مَعَ وُجُودِ لَفْظِ: كَانَ، كَمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، أَوْ الرَّفْعِ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد. قَوْلُهُ: (لَا تُغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ. . . إلَخْ) . ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تُغَالُوا فِي مَهْرِ النِّسَاءِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَك يَا عُمَرُ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] مِنْ ذَهَبٍ كَمَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ " وَأَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ بِلَفْظِ: " امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مُطَوَّلًا. وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ بَاطِلَةً لِلْآيَةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقِنْطَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: هُوَ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا.
وَقَالَ مُعَاذٌ: أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا. وَقِيلَ: سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ رَطْلٍ ذَهَبًا
стр. 2175
بَابُ جَعْلِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا
٢٧٣٨ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إيَّاهُ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ جَلَسْتَ لَا إزَارَ لَك فَالْتَمِسْ شَيْئًا فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ يُسَمِّيهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا: «فَصَعَّدَ فِيهَا النَّظْرَ وَصَوَّبَهُ» ) .
٢٧٣٩ - (وَعَنْ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: «زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَك مَهْرًا» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَهُوَ مُرْسَلٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
قَوْلُهُ: (زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ مِنْ الزَّوْجِ لِمَنْ يَقْبَلُ عَنْهُ النِّكَاحَ، وَكَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ الْمَذْكُورَةُ مُهَاجِرَةً بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَمَاتَ بِتِلْكَ الْأَرْضِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأُمُّ حَبِيبَةَ هِيَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي مِقْدَارِ صَدَاقِهَا.
[بَابُ جَعْلِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا]
حَدِيثُ أَبِي النُّعْمَانِ مَعَ إرْسَالِهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ وَأَبِي عُمَرَ بْنِ حَيَّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ. وَعَنْ ضُمَيْرَةَ جَدِّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ تَمَّامٍ فِي فَوَائِدِهِ. وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) قَالَ الْحَافِظُ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا. وَوَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ الطَّلَّاعِ أَنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ، وَهَذَا نَقْلٌ مِنْ اسْمِ الْوَاهِبَةِ الْوَارِدِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﷺ ، وَلَكِنْ هَذِهِ غَيْرُهَا. قَوْلُهُ: (وَهَبْتُ نَفْسِي) هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ أَمْرَ نَفْسِي؛ لِأَنَّ
следующие страницы →