Полный текст (3 079 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
قَوْلُهُ: «وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ» فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ " وَرَجَّحَهَا الدَّاوُدِيُّ وَاسْتَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى وَزْنَ نَوَاةٍ. قَالَ الْحَافِظُ: وَاسْتِنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ قَالَ عِيَاضٌ: لَا وَهْمَ فِي الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ نَوَاةَ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ لِلنَّوَاةِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ صَحَّ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَزْنُ نَوَاةٍ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَاحِدَةُ نَوَى التَّمْرِ، وَإِنَّ الْقِيمَةَ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ كَانَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَقِيلَ: كَانَ قَدْرُهَا يَوْمَئِذٍ رُبْعَ دِينَارٍ. وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْرِ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِعْيَارًا لِمَا يُوزَنُ بِهِ. وَقِيلَ: لَفْظُ النَّوَاةِ مِنْ ذَهَبٍ عِبَارَةٌ عَمَّا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيِّ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَقِيلَ: وَزْنُهَا مِنْ الذَّهَبِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ فَارِسٍ وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ الظَّاهِرَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: قُوِّمَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَرُبْعٌ. وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: النَّوَاةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: قَالَ أَنَسٌ: حَزَرْنَاهَا رُبْعَ دِينَارٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّوَاةُ: رُبْعُ النَّشِّ، وَالنَّشُّ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا
فَتَكُونُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ دَفَعَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَهِيَ تُسَمَّى نَوَاةً كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ: أُوقِيَّةً، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ وَآخَرُونَ. وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ شَيْئًا حَقِيرًا كَالنَّعْلَيْنِ وَالْمُدِّ مِنْ الطَّعَامِ وَوَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ الَّذِي لَا يَتَمَوَّلُ وَلَا لَهُ قِيمَةٌ لَا يَكُونُ صَدَاقًا وَلَا يَحِلُّ بِهِ النِّكَاحُ، فَإِنْ ثَبَتَ نَقْلُهُ فَقَدْ خَرَقَ هَذَا الْإِجْمَاعَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ: يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ كَانَ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ. وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ
الْكَافَّةُ قَوْلُهُ ﷺ : «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ التَّقْلِيلِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَاتَمَ مِنْ الْحَدِيدِ لَهُ قِيمَةٌ وَهُوَ أَعْلَى خَطَرًا مِنْ النَّوَاةِ وَحَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ.
وَكَذَلِكَ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَسْمِيَةُ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي أَقَلِّ الصَّدَاقِ، لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَذَكَرَ مِنْهَا حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَحَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْبَابِ، وَحَدِيثَ لَبِيبَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «مَنْ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمٍ فِي النِّكَاحِ فَقَدْ اسْتَحَلَّ» .
وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِي الْمَهْرِ: «وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ مِنْ أَرَاكٍ» قَالَ: وَأَقْوَى شَيْءٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ «كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنْ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْبَيْهَقِيّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَقَلِّ الْمَهْرِ فَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ جَمِيعًا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
стр. 2172
٢٧٣٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٧٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ أَوَاقٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَحْمَدُ وَزَادَ: «وَطَبَّقَ بِيَدِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ» .
ــ
[نيل الأوطار]
أَنَّ أَقَلَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُوَازِيهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: «لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُعَارِضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ دُونَهَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فَإِنَّ فِي إسْنَادِهِ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ، وَقَدْ اشْتَهَرَ حَجَّاجٌ بِالتَّدْلِيسِ، وَمُبَشِّرٌ مَتْرُوكٌ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَحْمَدُ: رَوَى عَنْهُ بَقِيَّةُ أَحَادِيثَ كَذِبٍ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عَنْ عَلِيٍّ ﵇، وَفِي إسْنَادِهِ دَاوُد الْأَوْدِيِّ، وَهَذَا الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا: دَاوُد بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالثَّانِي: دَاوُد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمِنْهَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِمُرَّةَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵇ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، فَهَذِهِ طُرُقٌ ضَعِيفَةٌ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهَا يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا فَهِيَ لَا تَبْلُغُ بِذَلِكَ إلَى حَدِّ الِاعْتِبَارِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَارَضَهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ حَدِيثِ الْخَاتَمِ الَّذِي سَيَأْتِي وَحَدِيثِ نَوَاةِ الذَّهَبِ وَسَائِرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ أَقَلَّهُ مَا يَصِحُّ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً، وَهَذَا مَذْهَبٌ رَاجِحٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَقَلُّهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَقَالَ النَّخَعِيّ: أَرْبَعُونَ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَقَالَ مَالِكٌ: رُبْعُ دِينَارٍ، وَلَيْسَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَقَلَّ هُوَ أَحَدُهَا لَا دُونَهُ وَمُجَرَّدُ مُوَافَقَةِ مَهْرٍ مِنْ الْمُهُورِ الْوَاقِعَةِ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا كَحَدِيثِ النَّوَاةِ مِنْ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَلِقَوْلِ مَالِكٍ، عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهَا، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُجْزِئُ دُونَهُ إلَّا مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ دُونَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَلَا تَصْرِيحَ فَلَاحَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ قِيمَةٌ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جَعْلِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا زِيَادَةُ تَحْقِيقِ الْمَقَامِ.
٢٧٣٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٧٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ أَوَاقٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَحْمَدُ وَزَادَ: «وَطَبَّقَ بِيَدِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ»
٢٧٣٤ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٌّ، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ) .
٢٧٣٥ - (وَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ قَالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا تُغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الْآخِرَةِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ. وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
٢٧٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَظَرْتَ إلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إلَيْهَا، قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ» .
٢٧٣٧ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 2173
٢٧٣٤ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٌّ، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ) .
٢٧٣٥ - (وَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ قَالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا تُغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الْآخِرَةِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ. وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
٢٧٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَظَرْتَ إلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إلَيْهَا، قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ» .
٢٧٣٧ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.)
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ: «أَخَفُّ النِّسَاءِ صَدَاقًا أَعْظَمُهُنَّ بَرَكَةً» وَفِي إسْنَادِهِ الْحَارِثُ بْنُ شِبْلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِنَحْوِهِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:
стр. 2174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ. وَحَدِيثُ أَبِي الْعَجْفَاءِ صَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَأَبُو الْعَجْفَاءِ اسْمُهُ هَرِمُ بْنُ نَسِيبٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ: حَدِيثُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ.
وَحَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ: «إنَّهُ زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَمْهَرهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَبَعَثَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا: «أَنَّ النَّجَّاشِيَّ زَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدَاقِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَقِيلَ: بِمِائَتَيْ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ النِّكَاحِ مَعَ قِلَّةِ الْمَهْرِ، وَأَنَّ الزَّوَاجَ بِمَهْرٍ قَلِيلٍ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ إذَا كَانَ قَلِيلًا لَمْ يَسْتَصْعِبْ النِّكَاحَ مَنْ يُرِيدُهُ فَيَكْثُرُ الزَّوَاجُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ الْفُقَرَاءُ وَيَكْثُرُ النَّسْلُ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ مَطَالِبِ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ كَثِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ، فَيَكُونُ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ هُمْ الْأَكْثَرُ فِي الْغَالِبِ غَيْرَ مُزَوَّجِينَ فَلَا تَحْصُلُ الْمُكَاثَرَةُ الَّتِي أَرْشَدَ إلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا سَلَفَ فِي أَوَّلِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ) أَيْ دِرْهَمٍ لِأَنَّ الْأُوقِيَّةَ كَانَتْ قَدِيمًا عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. قَوْلُهُ: (كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ كُلَّهُنَّ كَانَ صَدَاقُهُنَّ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ، فَإِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْمِقْدَارَ الْمُتَقَدِّمَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: «أَصْدَقَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِهِ. وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَصَفِيَّةُ كَانَ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا، وَخَدِيجَةُ وَجُوَيْرِيَةُ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ.
قَوْلُهُ: (وَنَشٌّ) بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَقَعَ مَرْفُوعًا فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَالصَّوَابُ: وَنَشًّا، بِالنَّصْبِ مَعَ وُجُودِ لَفْظِ: كَانَ، كَمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، أَوْ الرَّفْعِ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد. قَوْلُهُ: (لَا تُغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ. . . إلَخْ) . ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تُغَالُوا فِي مَهْرِ النِّسَاءِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَك يَا عُمَرُ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] مِنْ ذَهَبٍ كَمَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ " وَأَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ بِلَفْظِ: " امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مُطَوَّلًا. وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ بَاطِلَةً لِلْآيَةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقِنْطَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: هُوَ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا.
وَقَالَ مُعَاذٌ: أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا. وَقِيلَ: سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ رَطْلٍ ذَهَبًا
стр. 2175
بَابُ جَعْلِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا
٢٧٣٨ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إيَّاهُ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ جَلَسْتَ لَا إزَارَ لَك فَالْتَمِسْ شَيْئًا فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ يُسَمِّيهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا: «فَصَعَّدَ فِيهَا النَّظْرَ وَصَوَّبَهُ» ) .
٢٧٣٩ - (وَعَنْ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: «زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَك مَهْرًا» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَهُوَ مُرْسَلٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
قَوْلُهُ: (زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ مِنْ الزَّوْجِ لِمَنْ يَقْبَلُ عَنْهُ النِّكَاحَ، وَكَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ الْمَذْكُورَةُ مُهَاجِرَةً بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَمَاتَ بِتِلْكَ الْأَرْضِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأُمُّ حَبِيبَةَ هِيَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي مِقْدَارِ صَدَاقِهَا.
[بَابُ جَعْلِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا]
حَدِيثُ أَبِي النُّعْمَانِ مَعَ إرْسَالِهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ وَأَبِي عُمَرَ بْنِ حَيَّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ. وَعَنْ ضُمَيْرَةَ جَدِّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ تَمَّامٍ فِي فَوَائِدِهِ. وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) قَالَ الْحَافِظُ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا. وَوَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ الطَّلَّاعِ أَنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ، وَهَذَا نَقْلٌ مِنْ اسْمِ الْوَاهِبَةِ الْوَارِدِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﷺ ، وَلَكِنْ هَذِهِ غَيْرُهَا. قَوْلُهُ: (وَهَبْتُ نَفْسِي) هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ أَمْرَ نَفْسِي؛ لِأَنَّ
стр. 2176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
رَقَبَةَ الْحُرِّ لَا تُمْلَكُ. قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَجُلٌ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: " فَقَامَ رَجُلٌ أَحْسِبُهُ مِنْ الْأَنْصَارِ ". قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَاتَمًا) فِي رِوَايَةٍ: " وَلَوْ خَاتَمٌ " بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرٍ حَصَلَ. وَلَوْ فِي قَوْلِهِ: " وَلَوْ خَاتَمًا " تَعْلِيلِيَّةٌ. قَالَ عِيَاضٌ: وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ خِلَافَ ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ: «زَوَّجَ رَجُلًا بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ فَصُّهُ فِضَّةٌ» . قَوْلُهُ: (هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟) الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ هُنَا: الْحِفْظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: " أَتَقْرَؤُهُنَّ عَلَى ظَهْرِ قَلْبِكَ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " مَعِي سُورَةُ كَذَا وَمَعِي سُورَةُ كَذَا " وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: " قَالَ: عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
قَوْلُهُ: (سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " سُورَةُ الْبَقَرَةِ أَوْ الَّتِي تَلِيهَا " كَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " نَعَمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ " وَفِي حَدِيثِ ضُمَيْرَةَ: «زَوَّجَ ﷺ رَجُلًا عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: «زَوَّجَ ﷺ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ جَعَلَهَا مَهْرًا وَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلِّمْهَا» ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ» ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أُزَوِّجُهَا مِنْك عَلَى أَنْ تُعَلِّمَهَا أَرْبَعَ أَوْ خَمْسَ سُوَرٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ: «هَلْ تَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، قَالَ: أَصْدِقْهَا إيَّاهَا» .
قَالَ الْحَافِظُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْضٌ، أَوْ أَنَّ الْقِصَصَ مُتَعَدِّدَةٌ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْمَنْفَعَةِ صَدَاقًا وَلَوْ كَانَتْ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْوِيضِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي بِدِينَارٍ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى اللَّامِ عَلَى مَعْنَى تَكَرُّمِهِ لِكَوْنِهِ حَامِلًا لِلْقُرْآنِ لَصَارَتْ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى الْمَوْهُوبَةِ، وَالْمَوْهُوبَةُ خَاصَّةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِذَلِكَ الرَّجُلِ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْوَاهِبَةِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ إنْكَاحُهَا مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ. وَاحْتَجُّوا عَلَى هَذَا بِمُرْسَلِ أَبِي النُّعْمَانِ الْمَذْكُورِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: " لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا ". وَأُجِيبَ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إرْسَالِهِ وَجَهَالَةِ بَعْضِ رِجَالِ إسْنَادِهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ
، وَلَا حُجَّةَ فِي أَقْوَالِ التَّابِعِينَ. قَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: " بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ " وَجْهَيْنِ أَظْهَرْهُمَا: أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنْهُ وَيَكُونَ ذَلِكَ صَدَاقَهَا، وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنْ مَالِكٍ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ: فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَعَيَّنَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِقْدَارَ مَا يُعَلِّمُهَا وَهُوَ عِشْرُونَ آيَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى
стр. 2177
بَابُ مَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا
ــ
[نيل الأوطار]
اللَّامِ: أَيْ لِأَجْلِ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، فَأَكْرَمَهُ بِأَنْ زَوَّجَهُ الْمَرْأَةَ بِلَا مَهْرٍ، لِأَجْلِ كَوْنِهِ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ أَوْ لِبَعْضِهِ. وَنَظِيرُهُ قِصَّةُ أَبِي طَلْحَةَ مَعَ أُمِّ سُلَيْمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ كَافِرٌ وَأَنَا مُسْلِمَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرِي وَلَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا» . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ أَيْضًا نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا فُلَانُ هَلْ تَزَوَّجْت؟ قَالَ: لَا، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ قَالَ: أَلَيْسَ مَعَكَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» .
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَهَا إيَّاهُ لِأَجْلِ مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي حَفِظَهُ وَسَكَتَ عَنْ الْمَهْرِ فَيَكُونُ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ إذَا أَيْسَرَ كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: «فَإِذَا رَزَقَكَ اللَّهُ فَعَوِّضْهَا» قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ. وَأَجَابَ الْبَعْضُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَهُ لِأَجْلِ مَا حَفِظَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَأَصْدَقَ عَنْهُ كَمَا كَفَّرَ عَنْ الَّذِي وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيضِ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ وَالتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ أَهْلِهِ. وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِ التَّعْلِيمِ عِوَضًا.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ جَعْلِ الْمَنْفَعَةِ صَدَاقًا الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَبِهِ قَالَتْ الْعِتْرَةُ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْحُرِّ وَأَجَازُوهُ فِي الْعَبْدِ، إلَّا فِي الْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَمَنَعُوهُ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَهُمْ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا الْحَنَفِيَّةَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: زَوَّجَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا مِنْ الْقُرْآنِ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ إجَارَةً، وَهَذَا كَرِهَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ بِالتَّعْلِيمِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: " عَلِّمْهَا " نَصٌّ فِي الْأَمْرِ بِالتَّعْلِيمِ، وَالسِّيَاقُ يَشْهَدُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ النِّكَاحِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ إكْرَامًا لِلرَّجُلِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى اللَّامِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لُغَةً وَلَا مَسَاقًا.
وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ: مِنْهَا: ثُبُوتُ وِلَايَةِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا قَرِيبَ لَهَا، وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ فِي الْفَتْحِ، وَذَكَرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ فَائِدَةً، فَمَنْ أَحَبَّ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ.
стр. 2178
(عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: «أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، قَالَ: فَاخْتَلَفُوا إلَيْهِ فَقَالَ: أَرَى لَهَا مِثْلَ مَهْرِ نِسَائِهَا وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَشَهِدَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ ابْنَةِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ مَا قَضَى» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ مَهْدِيٍّ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَا مَغْمَزَ فِيهِ لِصِحَّةِ إسْنَادِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُ مِثْلَهُ، وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِرْوَعَ لَقُلْتُ بِهِ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ فِي رَاوِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا، فَرُوِيَ مَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَمُرَّةً عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ أَوْ نَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَدْ سُمِّيَ فِيهِ ابْنُ سِنَانٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ فِيهِ صَحِيحَةٌ.
وَفِي بَعْضِهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَشْجَعَ شَهِدُوا بِذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الَّذِي قَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ أَصَحُّ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إنْ صَحَّ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ قُلْت بِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: لَوْ حَضَرْتُ الشَّافِعِيَّ لَقُمْتُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَقُلْتُ: قَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَقُلْ بِهِ. وَلِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ امْرَأَةً رَجُلًا فَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقَهَا، فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ سَهْمِي بِخَيْبَرَ لَهَا» .
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ بِمَوْتِ زَوْجِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّدَاقِ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ دُخُولٌ وَلَا خَلْوَةٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْهَادِي وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا الْمِيرَاثَ فَقَطْ وَلَا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا وَلَا مُتْعَةً؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَمْ تَرِدْ إلَّا لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَهْرُ عِوَضٌ عَنْ الْوَطْءِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْ الزَّوْجِ.
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِالِاضْطِرَابِ. وَرُدَّ بِمَا سَلَفَ، قَالُوا: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَقْبَلُ قَوْلَ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ فِيمَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ سَلِمَ ثُبُوتُهُ فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِالْحَدِيثِ مَعْقِلٌ الْمَذْكُورُ، بَلْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ، بَلْ مَعَهُ الْجَرَّاحُ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَنَاسٍ
стр. 2179
بَابُ تَقْدِمَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِهِ
٢٧٤١ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْطِهَا شَيْئًا، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ؟ فَقَالَ لَهُ: أَعْطِهَا دِرْعَكَ الْحُطَمِيَّةَ، فَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِامْتِنَاعِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَقْبِضْ مَهْرَهَا) .
٢٧٤٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ)
ــ
[نيل الأوطار]
مِنْ أَشْجَعَ كَمَا سَلَفَ. وَأَيْضًا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إنَّمَا نَفَيَا مَهْرَ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْمَسِّ وَالْفَرْضِ لَا مَهْرَ مَنْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَأَحْكَامُ الْمَوْتِ غَيْرُ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ. قَوْلُهُ: (وَلَهَا الْمِيرَاثُ) هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّمَا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّهُ لِأَنَّهُ يَجِبُ لَهَا بِالْعَقْدِ إذْ هُوَ لَا سَبَبُهُ الْوَطْءُ. قَوْلُهُ: (بِرْوَعَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَجِرْوَلٍ وَلَا يُكْسَرُ، بِنْتِ وَاشِقٍ: صَحَابِيَّةٌ.
وَفِي الْمُغْنِي: بِفَتْحِ الْبَاءِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَكَسْرِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
[بَابُ تَقْدِمَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِهِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُ هِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقُلْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى.
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، إلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ: خَيْثَمَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ انْتَهَى.
وَفِي شَرِيكٍ مَقَالٌ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَصَلَهُ شَرِيكٌ وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يُسَلِّمَ الزَّوْجُ مَهْرَهَا، وَكَذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الِامْتِنَاعُ حَتَّى يُسَمِّيَ الزَّوْجُ مَهْرَهَا. وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ قَدْ رَضِيَتْ بِالْعَقْدِ بِلَا تَسْمِيَةٍ وَأَجَازَتْهُ فَقَدْ نَفَذَ وَتَعَيَّنَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الِامْتِنَاعُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِهِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ وَإِجَازَةٍ فَلَا عَقْدَ رَأْسًا فَضْلًا عَنْ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الِامْتِنَاعِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ حَتَّى يُعَيِّنَ الزَّوْجُ مَهْرَهَا ثُمَّ حَتَّى يُسَلِّمَهُ. قِيلَ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَهْرَ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى
стр. 2180
بَابُ حُكْمِ هَدَايَا الزَّوْجِ لِلْمَرْأَةِ وَأَوْلِيَائِهَا
٢٧٤٣ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَةٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا يُكْرَمُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْنَتُهُ وَأُخْتُهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) .
كِتَابُ الْوَلِيمَةِ وَالْبِنَاءِ عَلَى النِّسَاءِ وَعِشْرَتِهِنَّ بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوَلِيمَةِ بِالشَّاةِ فَأَكْثَرَ وَجَوَازِهَا بِدُونِهَا
ــ
[نيل الأوطار]
عِنْدَ الْعَقْدِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مُسَمًّى عِنْدَ الْعَقْدِ وَوَقَعَ التَّأْجِيلُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ مِنْهُ كَرَامَةً لِلْمَرْأَةِ وَتَأْنِيسًا. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ أَنْ يُسَلِّمَ الزَّوْجُ إلَى الْمَرْأَةِ مَهْرَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَا أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. قَوْلُهُ: (الْحُطَمِيَّةُ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْحُطَمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحَطِّمُ السُّيُوفَ، وَقِيلَ: مَنْسُوبَةٌ إلَى بَطْنٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ يُقَالُ لَهُ حُطَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ الدُّرُوعَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
[بَابُ حُكْمِ هَدَايَا الزَّوْجِ لِلْمَرْأَةِ وَأَوْلِيَائِهَا]
الْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد، وَأَشَارَ الْمُنْذِرِيّ إلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ هَذَا الشَّرْحِ، وَمَنْ دُونَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ثِقَاتٌ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَا يُذْكَرُ قَبْلَ الْعَقْدِ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ وَهُوَ الْعَطَاءُ أَوْ عِدَةٍ بِوَعْدٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَذْكُورًا لِغَيْرِهَا، وَمَا يُذْكَرُ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ جُعِلَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ وَلِيًّا أَوْ غَيْرَ وَلِيٍّ أَوْ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمَالِكٌ وَالْهَادَوِيَّةُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ ذَكَرَ قَبْلَ الْعَقْدِ لِغَيْرِهَا اسْتَحَقَّهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا سَمَّى لِغَيْرِهَا كَانَتْ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةً وَتَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَقَدْ وَهِمَ صَاحِبُ الْكَافِي فَقَالَ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إلَّا الْهَادِي، وَإِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا شَرَطَهُ الْوَلِيُّ لِنَفْسِهِ سَقَطَ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ السَّادَةِ وَالْفُقَهَاءِ. وَقَدْ عَرَفْتَ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَأَحَقُّ مَا يُكْرَمُ عَلَيْهِ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صِلَةِ أَقَارِبِ الزَّوْجَةِ وَإِكْرَامِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ لَهُمْ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الرُّسُومِ الْمُحَرَّمَةِ إلَّا أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ التَّزْوِيجِ إلَّا بِهِ.
стр. 2181
«قَالَ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» ) .
٢٧٤٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٢٧٤٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) .
٢٧٤٧ - (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا مُرْسَلًا) .
٢٧٤٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ وَلِيمَتَهَا التَّمْرَ وَالْأَقِطَ وَالسَّمْنَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبْنِي بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَتِهِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالْأَقِطُ وَالسَّمْنُ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الْوَلِيمَةِ وَالْبِنَاءِ عَلَى النِّسَاءِ وَعِشْرَتِهِنَّ] [ بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوَلِيمَةِ بِالشَّاةِ فَأَكْثَرَ وَجَوَازِهَا بِدُونِهَا]
حَدِيثُ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّدَاقِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ.
قَوْلُهُ: (أَوْلِمْ) قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْوَلِيمَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْوَلْمِ وَهُوَ الْجَمْعُ
стр. 2182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَصْلُهَا تَمَامُ الشَّيْءِ وَاجْتِمَاعُهُ، وَتَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ. وَتُسْتَعْمَلُ فِي وَلِيمَةِ الْأَعْرَاسِ بِلَا تَقْيِيدٍ وَفِي غَيْرِهَا مَعَ التَّقْيِيدِ، فَيُقَالُ مَثَلًا وَلِيمَةُ مَأْدُبَةٍ، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَحَكَاهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْخَلِيلِ وَثَعْلَبٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ، أَنَّ الْوَلِيمَةَ هِيَ الطَّعَامُ فِي الْعُرْسِ خَاصَّةً.
قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ وَأَعْلَمُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْوَلِيمَةُ فِي اللُّغَةِ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ فَقَطْ، وَفِي الشَّرْعِ لِلْوَلَائِمِ الْمَشْرُوعَةِ. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْوَلِيمَةُ طَعَامُ الْعُرْسِ أَوْ كُلُّ طَعَامٍ صُنِعَ لِدَعْوَةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَوْلَمَ: صَنَعَهَا. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْوَلِيمَةُ: طَعَامُ الْعُرْسِ وَالْإِمْلَاكِ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْوَلَائِمِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.
وَقَدْ رَوَى الْقَوْلَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَالَ: مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ. وَرَوَى ابْنُ التِّينِ الْوُجُوبَ أَيْضًا عَنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، لَكِنَّ الَّذِي فِي الْمُغْنِي أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ الْوُجُوبُ عَنْ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ: إنَّهُ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ، وَنَقَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَحَكَاهُ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ؛ وَبِهَذَا يَظْهَرُ ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِي الْوُجُوبِ لَا كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَهَا. وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ رَفَعَهُ: «الْوَلِيمَةُ حَقٌّ» وَفِي مُسْلِمٍ «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ» ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ حَقٌّ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي الشَّيْخِ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ «الْوَلِيمَةُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ، فَمَنْ دُعِيَ إلَيْهَا فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَرُوسِ مِنْ وَلِيمَةٍ» . قَالَ الْحَافِظُ: وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلُهُ: " حَقٌّ " أَيْ لَيْسَتْ بِبَاطِلٍ بَلْ يُنْدَبُ إلَيْهَا وَهِيَ سُنَّةُ فَضِيلَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَقِّ: الْوُجُوبَ. وَأَيْضًا هُوَ طَعَامٌ لِسُرُورٍ حَادِثٍ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَلِكَوْنِهِ أَمَرَ بِشَاةٍ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ اتِّفَاقًا. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِهَا هَلْ هُوَ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ عَقِبَهُ، أَوْ عِنْدَ الدُّخُولِ أَوْ عَقِبَهُ، أَوْ يُوَسَّعُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ إلَى انْتِهَاءِ الدُّخُولِ؟ عَلَى أَقْوَالٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِحْبَابُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عِنْدَ الْعَقْدِ.
وَعَنْ ابْنِ جُنْدُبٍ عِنْدَ الْعَقْدِ وَبَعْدَ الدُّخُولِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالْمَنْقُولُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، انْتَهَى.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ لِقَوْلِهِ: «أَصْبَحَ عَرُوسًا بِزَيْنَبِ فَدَعَا الْقَوْمَ» . قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِشَاةٍ) لَوْ هَذِهِ لَيْسَتْ الِامْتِنَاعِيَّةَ، وَإِنَّمَا هِيَ
стр. 2183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لِلتَّقْلِيلِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُجْزِي فِي الْوَلِيمَةِ عَنْ الْمُوسِرِ، وَلَوْلَا ثُبُوتُ أَنَّهُ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِأَقَلَّ مِنْ الشَّاةِ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُجْزِي فِي الْوَلِيمَةِ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ خِطَابِ الْوَاحِدِ وَفِي تَنَاوُلِهِ لِغَيْرِهِ خِلَافٌ فِي الْأُصُولِ مَعْرُوفٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرَ مَا يُولَمُ بِهِ، وَأَمَّا أَقَلُّهُ فَكَذَلِكَ، وَمَهْمَا تَيَسَّرَ أَجْزَأَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ. قَوْلُهُ: (مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ. . . . . . إلَخْ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ عِلْمُ أَنَسٍ أَوْ لِمَا وَقَعَ مِنْ الْبَرَكَةِ فِي وَلِيمَتِهَا حَيْثُ أَشْبَعَ الْمُسْلِمِينَ خُبْزًا وَلَحْمًا مِنْ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ بِمَكَّةَ وَطَلَبَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَحْضُرُوا وَلِيمَتَهَا فَامْتَنَعُوا أَنْ يَكُونَ مَا أَوْلَمَ بِهِ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ شَاةٍ لِوُجُودِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ.
وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَتْحِهَا عَلَيْهِمْ هَكَذَا فِي الْفَتْحِ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ الظُّهُورِ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ كَوْنَهُ دَعَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ الْوَلِيمَةُ بِشَاةٍ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا طَعَامٌ كَثِيرٌ يَكْفِي مَنْ دَعَاهُمْ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي تِلْكَ الْحَالِ الطَّعَامُ الَّذِي دَعَاهُمْ إلَيْهِ قَلِيلًا وَلَكِنَّهُ يَكْفِي الْجَمِيعَ بِتَبْرِيكِهِ ﷺ عَلَيْهِ، فَلَا تَدُلُّ كَثْرَةُ الْمَدْعُوِّينَ عَلَى كَثْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مُسَافِرٌ، فَإِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ التَّوْسِعَةِ فِي الْوَلِيمَةِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ، فَيُعَارِضُ هَذَا مَظِنَّةَ التَّوْسِعَةِ لِكَوْنِ الْوَلِيمَةِ وَاقِعَةً بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يَقَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ الْقَصْدُ إلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضٍ، بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا اُتُّفِقَ وَأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الشَّاةَ فِي كُلٍّ مِنْهُنَّ لَأَوْلَمَ بِهَا لِأَنَّهُ كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَلَكِنْ كَانَ لَا يُبَالِغُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا فِي التَّأَنُّقِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَعَلَّ السَّبَبَ فِي تَفْضِيلِ زَيْنَبَ فِي الْوَلِيمَةِ عَلَى غَيْرِهَا كَانَ الشُّكْرَ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَزْوِيجِهِ إيَّاهَا بِالْوَحْيِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُؤْخَذُ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْوَلِيمَةِ جَوَازُ تَخْصِيصِ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ فِي الْإِتْحَافِ وَالْإِلْطَافِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) صَفِيَّةُ هَذِهِ لَيْسَتْ بِصَحَابِيَّةٍ، وَحَدِيثُهَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَعْضُ عَنْهَا عَنْ عَائِشَةَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ قَوْلَ مَنْ لَمْ يَقُلْ: عَنْ عَائِشَةَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّهَا قَالَتْ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " وَقَدْ ضَعَّفَ ذَلِكَ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِتَضْعِيفِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمْ حَتَّى قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ التَّهْذِيبِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا ضَعَّفَ أَبَانَ بْنَ صَالِحٍ. وَبِمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ صُحْبَتِهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنٍ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ» .
قَالَ الْمِزِّيُّ: هَذَا يُضَعِّفُ
стр. 2184
بَابُ إجَابَةِ الدَّاعِي
٢٧٤٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ تُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَتُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
٢٧٥٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ لَهَا» ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد
ــ
[نيل الأوطار]
قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهَا رُؤْيَةٌ، فَإِنَّ إسْنَادَهُ حَسَنٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، يَعْنِي مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهَا مَا حَضَرَتْ قِصَّةَ زَوَاجِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِمَكَّةَ طِفْلَةً أَوْ لَمْ تُولَدْ بَعْدُ وَالتَّزَوُّجُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: (عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ اسْمِهَا صَرِيحًا وَأَقْرَبُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ: أُمُّ سَلَمَةَ. فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْخِهِ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدِهِ إلَى «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا خَطَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ تَزْوِيجِهِ، قَالَتْ: فَأَدْخَلَنِي بَيْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ فَإِذَا جَرَّةٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شَعِيرٍ فَأَخَذْتُهُ فَطَحَنْتُهُ ثُمَّ عَصَدْتُهُ فِي الْبُرْمَةِ وَأَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ إهَالَةٍ فَأَدَمْتُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ فَذَكَرَتْ قِصَّةَ خِطْبَتِهَا وَتَزْوِيجِهَا وَقِصَّةَ الشَّعِيرِ. قَوْلُهُ: (يَبْنِي بِصَفِيَّةَ) أَصْلُهُ يَبْنِي خِبَاءً جَدِيدًا مَعَ صَفِيَّةَ أَوْ بِسَبَبِهَا ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ الْبِنَاءُ فِي الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ، يُقَالُ: بَنَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ: أَيْ دَخَلَ بِهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُؤْثَرُ الْمَرْأَةُ الْجَدِيدَةُ وَلَوْ فِي السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (التَّمْرُ وَالْأَقِطُ وَالسَّمْنُ) هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ إذَا خُلِطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ سُمِّيَتْ حَيْسًا. قَوْلُهُ: (بِالْأَنْطَاعِ) جَمْعُ نِطَعٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَعَ فَتْحِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِهَا أَفْصَحُهُنَّ كَسْرُ النُّونِ مَعَ فَتْحِ الطَّاءِ. وَالْأَقِطُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَقَدْ يُسَكَّنُ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الْفِطْرَةِ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحِجَابِ بِالْحَرَائِرِ مِنْ زَوْجَاتِهِ ﷺ ، لِجَعْلِ الصَّحَابَةِ ﵃ الْحِجَابَ أَمَارَةَ كَوْنِهَا حُرَّةً.
стр. 2185
وَزَادَ: «فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ» وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ: «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ» .
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ دُعِيَ إلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد) .
٢٧٥١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ فِيهِ: " وَهُوَ صَائِمٌ ") .
٢٧٥٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الطَّعَامِ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيُّ) .
٢٧٥٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الطَّعَامِ، فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَذَلِكَ لَهُ إذْنٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ إجَابَةِ الدَّاعِي]
الرِّوَايَةُ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ: «وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا» . . . إلَخْ فِي إسْنَادِهَا أَبَانُ بْنُ طَارِقٍ الْبَصْرِيُّ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ فَقَالَ: شَيْخٌ مَجْهُولٌ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ: وَأَبَانُ بْنُ طَارِقٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْكَرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَفِي إسْنَادِهِ أَيْضًا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَيُقَالُ: هُوَ دُرُسْتُ بْنُ حَمْزَةَ، وَقِيلَ: بَلْ هُمَا اثْنَانِ ضَعِيفَانِ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآخَرُ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ؛ لَكِنَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُد: يُقَالُ: قَتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي رَافِعٍ شَيْئًا. قَوْلُهُ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ» إنَّمَا سَمَّاهُ شَرًّا لِمَا ذَكَرَ عَقِبَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ الَّذِي شَأْنُهُ كَذَا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ فِي الْوَلِيمَةِ لِلْعَهْدِ إذْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَدْعُوا الْأَغْنِيَاءَ وَيَتْرُكُوا الْفُقَرَاءَ، وَقَوْلُهُ: " يُدْعَى ". . . إلَخْ، اسْتِئْنَافٌ وَبَيَانٌ لِكَوْنِهَا شَرَّ الطَّعَامِ. وَقَالَ
стр. 2186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْبَيْضَاوِيُّ: " مِنْ " مُقَدَّرَةٌ، كَمَا يُقَالُ: شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ: أَيْ مِنْ شَرِّهِمْ. قَوْلُهُ: (تُدْعَى. . . إلَخْ) الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إلَيْهِ الشَّبْعَانُ وَيُحْبَسُ عَنْهُ الْجَوْعَانُ» . قَوْلُهُ: (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى الْوَلِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعِصْيَانَ لَا يُطْلَقَ إلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ لِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ الْوُجُوبُ، وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ. وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِجَابَةَ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ مُسْتَحَبَّةٌ كَغَيْرِهَا، وَلَمْ يُحْكَ الْوُجُوبُ إلَّا عَنْ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، فَانْظُرْ كَمْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَحْكِهِ إلَّا عَنْ قَوْلٍ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ لِلْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بِالْإِجَابَةِ مِنْ غَيْرِ صَارِفٍ لَهَا عَنْ الْوُجُوبِ، وَلِجَعْلِ الَّذِي لَمْ يُجِبْ عَاصِيًا، وَهَذَا فِي وَلِيمَةِ النِّكَاحِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْوَلَائِمِ الْآتِيَةِ، فَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهَا اسْمُ الْوَلِيمَةِ شَرْعًا كَمَا سَلَفَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ كَانَتْ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا وَاجِبَةً.
لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي حَمْلُ مُطْلَقِ الْوَلِيمَةِ عَلَى الْوَلِيمَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْعُرْسِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ» . لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ غَيْرُ نَاتِجٍ لِلتَّقْيِيدِ لِمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَعَقِّبَةِ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ «مَنْ دُعِيَ إلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ» وَأَيْضًا قَوْلُهُ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ» يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى غَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَأَمَّا الدَّعْوَةُ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْوَلِيمَةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَضَمَّهَا قُطْرُبٌ فِي مُثَلَّثَاتِهِ وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ النَّوَوِيُّ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا فِي بَابٍ آخَرَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ فِي الدَّعْوَةِ لِلْعَهْدِ مِنْ الْوَلِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا. قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيمَةَ إذَا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَى طَعَامِ الْعُرْسِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْوَلَائِمِ فَإِنَّهَا تُقَيَّدُ، انْتَهَى. وَيُجَابُ أَوَّلًا بِأَنَّ هَذَا مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيمَةَ الْمُطْلَقَةَ هِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَثَانِيًا بِأَنَّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا يُشْعِرُ بِالْإِجَابَةِ إلَى كُلِّ دَعْوَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ فِيهِ مَا ادَّعَاهُ فِي الدَّعْوَةِ وَذَلِكَ نَحْوَ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: " مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «مَنْ دُعِيَ إلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ» وَقَدْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ مُطْلَقًا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ قَاضِي الْبَصْرَةِ. وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَجَزَمَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ، فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ. وَحَكَاهُ
стр. 2187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوَّلُونَ لِمَا عَرَفْتَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ أَنْ حَكَى وُجُوبَ الْإِجَابَةِ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ: إنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُكَلَّفًا حُرًّا رَشِيدًا، وَأَنْ لَا يَخُصَّ الْأَغْنِيَاءَ دُونَ الْفُقَرَاءِ، وَأَنْ لَا يُظْهِرَ قَصْدَ التَّوَدُّدِ لِشَخْصٍ لِرَغْبَةٍ فِيهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُسْلِمًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنْ يَخْتَصَّ بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَنْ لَا يُسْبَقَ، فَمَنْ سَبَقَ تَعَيَّنَتْ الْإِجَابَةُ لَهُ دُونَ الثَّانِي، وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مِنْ مُنْكَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْ أَدِلَّةِ هَذِهِ الْأُمُورِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَغَارَ يُغِيرُ: إذَا نَهَبَ مَالَ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ دُخُولَهُ عَلَى الطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ بِدُخُولِ السَّارِقِ الَّذِي يَدْخُلُ بِغَيْرِ إرَادَةِ الْمَالِكِ لِأَنَّهُ اخْتَفَى بَيْنَ الدَّاخِلِينَ، وَشَبَّهَ خُرُوجَهُ بِخُرُوجِ مَنْ نَهَبَ قَوْمًا وَخَرَجَ ظَاهِرًا بَعْدَمَا أَكَلَ، بِخِلَافِ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ دَخَلَ مُخْتَفِيًا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُمْنَعَ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ قَدْ قَضَى حَاجَتَهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى التَّسَتُّرِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ: أَيْ أَكَلَ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الْأَكْلِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَدْعُوِّ فِي عُرْسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الْحُضُورُ. وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ وُجُوبَ الْأَكْلِ وَرَجَّحَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَلَعَلَّ مُتَمَسَّكَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ: " وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ ". قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فِي آخِرِهِ " وَالصَّلَاةُ: الدُّعَاءُ " وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: «فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ» وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ فَلْيَشْتَغِلْ بِالصَّلَاةِ لِيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُهَا وَيَحْصُلَ لِأَهْلِ الْمَنْزِلِ وَالْحَاضِرِينَ بَرَكَتُهَا. وَيَرُدُّهُ أَيْضًا حَدِيثُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» .
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْحُضُورُ عَلَى الصَّائِمِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَلَكِنَّ هَذَا بَعْدَ أَنْ يَقُولَ لِلدَّاعِي: إنِّي صَائِمٌ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ عَذَرَهُ مِنْ الْحُضُورِ بِذَلِكَ وَإِلَّا حَضَرَ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إنْ كَانَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا؟ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ صَوْمُهُ فَالْأَفْضَلُ الْفِطْرُ وَإِلَّا فَالصَّوْمُ. وَأَطْلَقَ الرُّويَانِيُّ اسْتِحْبَابَ الْفِطْرِ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مِنْ يُجَوِّزُ الْخُرُوجَ مِنْ صَوْمِ النَّفْلِ. وَأَمَّا مَنْ يُوجِبُ الِاسْتِمْرَارَ فِيهِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ فَلَا يُجَوِّزُهُ.
قَوْلُهُ: (فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى الْمَدْعُوِّ إذَا كَانَ مَعَهُ رَسُولُ الدَّاعِي وَأَنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ.
стр. 2188
بَابُ مَا يُصْنَعُ إذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ
٢٧٥٤ - (عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا، فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٢٧٥٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ فَقَالَ: إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
بَابُ إجَابَةِ مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ اُدْعُ مَنْ لَقِيتَ وَحُكْمِ الْإِجَابَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ
٢٧٥٦ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبْتُ بِهِ، فَقَالَ: ضَعْهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَمَنْ لَقِيتَ، فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا يُصْنَعُ إذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ]
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي إسْنَادِهِ أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِالدَّالَانِيِّ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: فِي حَدِيثِهِ لِينٌ إلَّا أَنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَحُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مُرْجِئًا. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إنَّ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ بِهِ. وَقَدْ جَعَلَ الْحَافِظُ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ شَاهِدًا لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ إيثَارَ الْأَقْرَبِ بِالْهَدِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْأَبْعَدِ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهِ فَيَكُونُ أَحَقَّ مِنْهُ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ مَعَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا كَانَ أَوْلَى بِالْإِجَابَةِ مِنْ الْآخَرِ، سَوَاءٌ كَانَ السَّابِقُ هُوَ الْأَقْرَبُ أَوْ الْأَبْعَدُ، فَالْقُرْبُ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلْإِيثَارِ وَلَكِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ عَدَمِ السَّبْقِ، فَإِنْ وُجِدَ السَّبْقُ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْقُرْبِ، فَإِنْ وَقَعَ الِاسْتِوَاءُ فِي قُرْبِ الدَّارِ وَبُعْدِهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ فِي الدَّعْوَةِ، فَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مِنْ مُرَجِّحَاتِ الْإِجَابَةِ لِأَحَدِ الدَّاعِيَيْنِ كَوْنَهُ رَحِمًا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ الْوَرَعِ أَوْ الْقَرَابَةِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 2189
٢٧٥٧ - (وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ لَهُ: مَعْرُوفًا، وَأَثْنَى عَلَيْهِ. قَالَ قَتَادَةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ اسْمُهُ زُهَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ فَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالْيَوْمُ الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ إجَابَةِ مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ اُدْعُ مَنْ لَقِيتَ وَحُكْمِ الْإِجَابَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ]
قَوْلُهُ: (حَيْسًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْأَقِطِ وَالتَّمْرِ وَالسَّمْنِ، وَقَدْ يُجْعَلُ عِوَضَ الْأَقِطِ الدَّقِيقُ. قَوْلُهُ: (فِي تَوْرٍ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ: وَهُوَ إنَاءٌ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدَّعْوَةِ إلَى الطَّعَامِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا ﷺ مِنْ دُونِ تَعْيِينِ الْمَدْعُوِّ، وَفِيهِ جَوَازُ إرْسَالِ الصَّغِيرِ إلَى مَنْ يُرِيدُ الْمُرْسَلُ دَعْوَتَهُ إلَى طَعَامِهِ وَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمَشْرُوعِيَّةِ هَدِيَّةِ الطَّعَامِ.
وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ كَفَى جَمِيعَ مَنْ حَضَرَ إلَيْهِ وَكَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا مَعَ كَوْنِهِ شَيْئًا يَسِيرًا كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: " فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ " وَكَوْنُ الْحَامِلِ لَهُ ذَلِكَ الصَّغِيرَ.
٢٧٥٧ - (وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ لَهُ: مَعْرُوفًا، وَأَثْنَى عَلَيْهِ. قَالَ قَتَادَةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ اسْمُهُ زُهَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ فَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالْيَوْمُ الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَزَّارُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ فِيمَنْ اسْمُهُ زُهَيْرٌ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ، يُقَالُ لَهُ: إنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ فِي تَرْجَمَةِ زُهَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ وَقَالَ: لَا يَصِحُّ إسْنَادُهُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ. وَوَهِمَ ابْنُ قَانِعٍ فَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ فِيمَنْ اسْمُهُ مَعْرُوفٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ مَعْرُوفًا: أَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ اسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تَفَرَّدَ بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَزِيَادٌ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَسَمَاعُهُ عَنْ عَطَاءٍ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ النَّخَعِيّ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ الْحَافِظُ: ضَعِيفٌ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إسْنَادِهِ بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ، وَرَجَّحَا رِوَايَةَ مَنْ أَرْسَلَهُ عَنْ الْحَسَنِ.
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ كَذَلِكَ. الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ
стр. 2190
بَابُ مَنْ دُعِيَ فَرَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ وَإِلَّا فَلْيَرْجِعْ
٢٧٥٨ - (قَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» ) .
٢٧٥٩ - (وَعَنْ «عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: صَنَعْتُ طَعَامًا فَدَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ فَرَأَى فِي الْبَيْتِ تَصَاوِيرَ فَرَجَعَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
٢٧٦٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَطْعَمَيْنِ: عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ، وَأَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٢٧٦١ - (وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِإِزَارٍ، وَمَنْ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَدْخُلْ
ــ
[نيل الأوطار]
الْوَلِيمَةِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مِنْ مُتَمَسَّكَاتِ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ كَمَا سَلَفَ، وَعَدَمُ كَرَاهَتِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَالْمَعْرُوفُ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَكَرَاهَتُهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: إذَا أَوْلَمَ ثَلَاثًا فَالْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَكْرُوهَةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَا تَجِبُ قَطْعًا وَلَا يَكُونُ اسْتِحْبَابُهَا فِيهِ كَاسْتِحْبَابِهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ انْتَهَى.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى الْوُجُوبِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَبَعْضُهُمْ إلَى الْكَرَاهَةِ، وَإِلَى كَرَاهَةِ الْإِجَابَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْهَادَوِيَّةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: " لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي دَعَا الصَّحَابَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَنْصَارِ دَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَغَيْرَهُمَا، فَكَانَ أُبَيٌّ صَائِمًا، فَلَمَّا طَعِمُوا دَعَا أُبَيًّا " وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَقَالَ فِيهِ: " ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ". وَقَدْ ذَهَبَ إلَى اسْتِحْبَابِ الدَّعْوَةِ إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ الْمَالِكِيَّةُ كَمَا حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْهُمْ.
وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى تَرْجِيحِ هَذَا الْمَذْهَبِ فَقَالَ: بَابُ إجَابَةِ الْوَلِيمَةِ وَالدَّعْوَةِ، وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يُؤَقِّتْ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، فَتَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ بَعْدَ الْيَوْمَيْنِ مَكْرُوهَةٌ.
стр. 2191
الْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِرَ وَدَعَا حُذَيْفَةَ فَخَرَجَ، وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ صُورَةً فِي الْبَيْتِ فَرَجَعَ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَنْ دُعِيَ فَرَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ وَإِلَّا فَلْيَرْجِعْ]
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ خُطْبَةِ الْعِيدِ وَأَحْكَامِهَا مِنْ كِتَابِ الْعِيدَيْنِ. وَحَدِيثُ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَسِيَاقُهُ هَكَذَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَهُ. وَتَشْهَدُ لَهُ أَحَادِيثُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ حُكْمِ مَا فِيهِ صُورَةٌ مِنْ الثِّيَابِ مِنْ كِتَابِ اللِّبَاسِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ. وَقَدْ أَعَلَّ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ: وَلَكِنَّهُ قَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ جَابِرٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْحَافِظُ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَأَمَّا الطَّرِيقُ الْأُخْرَى الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا التِّرْمِذِيُّ فَإِسْنَادُهَا ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَحَدِيثُ عُمَرَ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ.
وَأَثَرُ أَبِي أَيُّوبَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مُعَلَّقًا بِلَفْظِ: وَدَعَا ابْنُ عُمَرَ أَبَا أَيُّوبَ فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْرًا فَقَالَ: غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ، فَقَالَ: مَنْ كُنْت أَخَشَى عَلَيْهِ فَلَمْ أَكُنْ أَخَشَى عَلَيْكَ، وَاَللَّهِ لَا أَطْعَمُ لَكُمْ طَعَامًا فَرَجَعَ " وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الْوَرَعِ وَمُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ.
وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ الْحَافِظُ: كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالْأَصِيلِيِّ وَالْقَابِسِيِّ.
وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَالْأَوَّلُ تَصْحِيفٌ فِيمَا أَظُنُّ فَإِنِّي لَمْ أَرَ الْأَثَرَ الْمُعَلَّقَ إلَّا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَخَالِدُ بْنُ سَعْدٍ هُوَ مَوْلَى أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رِوَايَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ قَالَ: " دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ بَيْتَ رَجُلٍ دَعَاهُ إلَى عُرْسٍ فَإِذَا بَيْتُهُ قَدْ سُتِرَ بِالْكُرُورِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا فُلَانُ مَتَى تَحَوَّلَتْ الْكَعْبَةُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ لِنَفَرٍ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ : لِيَهْتِكْ كُلُّ رَجُلٍ مَا يَلِيهِ ".
стр. 2192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ وَآثَارُهُ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الدَّعْوَةِ يَكُونُ فِيهَا مُنْكَرٌ مِمَّا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الرِّضَا بِهَا.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَحَاصِلُهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ وَقَدَرَ عَلَى إزَالَتِهِ فَأَزَالَهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَرْجِعْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فَلَا يُخْفِي الْوَرَعَ. وَقَالَ: وَقَدْ فَصَّلَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ لَهْوٌ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَيَجُوزُ الْحُضُورُ، وَالْأَوْلَى التَّرْكُ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حَرَامٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِمَّنْ إذَا حَضَرَ رُفِعَ لِأَجْلِهِ فَلْيَحْضُرْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْضُرُ وَيُنْكِرُ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْضُرَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ جَرَى الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ إذَا لَمْ يَكُنْ يُقْتَدَى بِهِ فَإِنْ كَانَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ فَلْيَخْرُجْ لِمَا فِيهِ مِنْ شَيْنِ الدِّينِ وَفَتْحِ بَابِ الْمَعْصِيَةِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَعَدَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ. قَالَ: هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْحُضُورِ، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: تَحْرِيمُ الْحُضُورِ لِأَنَّهُ كَالرِّضَا بِالْمُنْكَرِ، وَصَحَّحَهُ الْمَرْوَزِيِّ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَضَرَ فَلْيَنْهَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا فَلْيَخْرُجْ إلَّا إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الْحَنَابِلَةُ، وَكَذَا اعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ، وَكَذَلِكَ الْهَادَوِيَّةُ.
وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهَيْبَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَوْضِعًا فِيهِ لَهْوٌ أَصْلًا، وَيُؤَيِّدُ مَنْعَ الْحُضُورِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ. . . إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ كِتَابِ الْغُسْلِ. قَوْلُهُ: (فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِرَ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ سَتْرِ الْبُيُوتِ وَالْجُدْرَانِ فَجَزَمَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ. وَصَرَّحَ الشَّيْخُ نَصْرُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيَّ مِنْهُمْ بِالتَّحْرِيمِ.
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ، وَجَذَبَ السِّتْرَ حَتَّى هَتَكَهُ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ سَتْرِ الْجُدُرِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنْعَ كَانَ بِسَبَبِ الصُّورَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا فِيهِ نَفْيُ الْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَنَفْيُ الْأَمْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ النَّهْيِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ بِفِعْلِهِ ﷺ فِي هَتْكِهِ. وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ سَتْرِ الْجُدُرِ صَرِيحًا مِنْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: «لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ بِالثِّيَابِ» وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ أَنْكَرَ سَتْرَ الْبَيْتِ. وَقَالَ: " أَمَحْمُومٌ بَيْتُكُمْ وَتَحَوَّلَتْ الْكَعْبَةُ عِنْدَكُمْ؟ ثُمَّ
стр. 2193
بَابُ حُجَّةِ مَنْ كَرِهَ النِّثَارَ وَالِانْتِهَابَ مِنْهُ
٢٧٦٢ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْ النُّهْبَةِ وَالْخُلْسَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٧٦٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُثْلَةِ وَالنُّهْبَى» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
٢٧٦٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِثْلُهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَ: لَا أَدْخُلُهُ حَتَّى يُهْتَكَ " وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيَّ أَنَّهُ رَأَى بَيْتًا مَسْتُورًا فَقَعَدَ وَبَكَى، وَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ: «كَيْفَ بِكُمْ إذَا سَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ» الْحَدِيثَ وَأَصْلُهُ فِي النَّسَائِيّ.
[بَابُ حُجَّةِ مَنْ كَرِهَ النِّثَارَ وَالِانْتِهَابَ مِنْهُ]
حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ. وَحَدِيثُ عِمْرَانَ قَدْ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحِهِ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَى النِّثَارِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْهُ ثَابِتَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ انْتِهَابٍ. وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ انْتِهَابُ النِّثَارِ، وَلَمْ يَأْتِ مَا يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِهِ، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَوْرَدَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ النُّهْبَى، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَبَرِينَ حَتَّى قَالَ الْحَافِظُ: إنَّهُ لَا يُوجَدُ ضَعِيفًا فَضْلًا عَنْ صَحِيحٍ. وَالْجُوَيْنِيُّ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ أَنَسَةٌ بِعِلْمِ السُّنَّةِ وَاطِّلَاعٌ عَلَى مُؤَلَّفَاتِ هَؤُلَاءِ. وَلَفْظُ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَهُمْ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَرَ فِي إمْلَاكٍ فَأُتِيَ بِأَطْبَاقٍ فِيهَا جَوْزٌ وَلَوْزٌ فَنُثِرَتْ فَقَبَضْنَا أَيْدِيَنَا فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَأْخُذُونَ؟ فَقَالُوا: إنَّكَ نَهَيْتَ عَنْ النُّهْبَى، فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ خُذُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَتَجَاذَبْنَاهُ» وَلَكِنَّهُ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
стр. 2194
بَابُ مَا جَاءَ فِي إجَابَةِ دَعْوَةِ الْخِتَانِ
٢٧٦٥ - (عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ إلَى خِتَانٍ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «إنَّا كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نُدْعَى لَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مُنْقَطِعٍ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ مُعَاذٍ، وَفِيهِ بِشْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَفْلُوحُ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ عِنْدِي مِمَّنْ يَضَعُ الْحَدِيثَ، وَسَاقَهُ الْعُقَيْلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ثُمَّ قَالَ: لَا يَثْبُتُ فِي الْبَابِ شَيْءٌ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي إسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يَضَعُ الْحَدِيثَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَذَّابٌ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِهِ بَأْسًا.
وَأَخْرَجَ كَرَاهِيَتَهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَعِكْرِمَةَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَصْلٌ: وَالنِّثَارُ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا: مَا يُنْثَرُ فِي النِّكَاحِ أَوْ غَيْرِهِ.
مَسْأَلَةٌ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ثُمَّ الْقَاسِمُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مُبَاحٌ إذَا مَا نَثَرَهُ مَالِكُهُ إلَّا إبَاحَةً لَهُ. الْإِمَامُ يَحْيَى: وَلَا قَوْلَ لِلْهَادِي فِيهِ لَا نَصًّا وَلَا تَخْرِيجًا. عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ ثُمَّ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: بَلْ يُكْرَهُ لِمُنَافَاتِهِ الْمُرُوءَةَ وَالْوَقَارَ
الصَّيْمَرِيُّ: يُنْدَبُ وَيُكْرَهُ الِانْتِهَابُ لِذَلِكَ. قُلْت: الْأَقْرَبُ نَدْبُهُمَا لِخَبَرِ جَابِرٍ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ أَذِنَ فِي انْتِهَابِ أُضْحِيَّتِهِ مِنْ أَبْوَابِ الضَّحَايَا حَدِيثٌ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ حُجَّةً لِمَنْ رَخَّصَ فِي النِّثَارِ.
[بَابُ مَا جَاءَ فِي إجَابَةِ دَعْوَةِ الْخِتَانِ]
الْأَثَرُ هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ لَا مَطْعَنَ فِيهِ إلَّا أَنَّ فِيهِ ابْنَ إِسْحَاقَ وَهُوَ ثِقَةٌ وَلَكِنَّهُ مُدَلِّسٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِ أَحْمَدَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ فِيهِ حَمْزَةُ الْعَطَّارُ، وَثَّقَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ إجَابَةِ وَلِيمَةِ الْخِتَانِ لِقَوْلِهِ: «كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وُجُوبُ الْإِجَابَةِ إلَى سَائِرِ الْوَلَائِمِ.
وَهِيَ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ - ثَمَانٍ: الْأَعْذَارُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ لِلْخِتَانِ. وَالْعَقِيقَةُ لِلْوِلَادَةِ وَالْخُرْسُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا السِّينُ الْمُهْمَلَةُ لِسَلَامَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ الطَّلْقِ، وَقِيلَ: هُوَ طَعَامُ الْوِلَادَةِ. وَالْعَقِيقَةُ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ السَّابِعِ. وَالنَّقِيعَةُ لِقُدُومِ الْمُسَافِرِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ النَّقْعِ وَهُوَ الْغُبَارُ. وَالْوَكِيرَةُ لِلْمَسْكَنِ الْمُتَجَدِّدِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَكْرِ وَهُوَ الْمَأْوَى.
стр. 2195
بَابُ الدُّفِّ وَاللَّهْوِ فِي النِّكَاحِ
٢٧٦٦ - (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد) .
٢٧٦٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
٢٧٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا زَفَّتْ امْرَأَةً إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ لَهْوٍ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللَّهْوُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
٢٧٦٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ جَدِّهِ أَبِي حَسَنٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ نِكَاحَ السِّرِّ حَتَّى يُضْرَبَ بِدُفٍّ وَيُقَالَ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ) .
٢٧٧٠ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنْكَحَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَهْدَيْتُمْ الْفَتَاةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنِّي؟ قَالَتْ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهَا غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَالْمُسْتَقَرُّ، وَالْوَضِيمَةُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ: لِمَا يُتَّخَذُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. وَالْمَأْدُبَةُ: لِمَا يُتَّخَذُ بِلَا سَبَبٍ وَدَالُهَا مَضْمُومَةٌ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، انْتَهَى.
وَقَدْ زِيدَ وَلِيمَةُ الْإِمْلَاكِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ، وَوَلِيمَةُ الدُّخُولِ وَهُوَ الْعُرْسُ، وَقَلَّ مَنْ غَايَرَ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ الْوَلَائِمِ: الْإِحْذَاقُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ: الطَّعَامُ الَّذِي يُتَّخَذُ عِنْدَ حَذَاقِ الصَّبِيِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: هُوَ الَّذِي يُصْنَعُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ. وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْوَلَائِمِ: الْعَتِيرَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَكْسُورَةٍ: وَهِيَ شَاةٌ تُذْبَحُ فِي أَوَّلِ رَجَبٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْأُضْحِيَّةِ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهَا مَعَ الْوَلَائِمِ. قِيلَ: وَمِنْ جُمْلَةِ الْوَلَائِمِ تُحْفَةُ الزَّائِرِ.
стр. 2196
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ إحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولِي هَكَذَا وَقَوْلِي كَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَالنَّسَائِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الدُّفِّ وَاللَّهْوِ فِي النِّكَاحِ]
حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ: وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي إسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعِيسَى بْنُ مَيْمُونَ الْأَنْصَارِيُّ يُضَعِّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَعِيسَى بْنُ مَيْمُونَ الَّذِي يَرْوِي عَنْ أَبِي نَجِيحٍ هُوَ ثِقَةٌ انْتَهَى. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوَّلِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى سِيَاقُهُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ هَكَذَا، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا الْأَجْلَحُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ. وَالْأَجْلَحُ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ الْعِجْلِيّ وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيّ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِ الْإِسْنَادِ رِجَالُ الصَّحِيحِ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إسْنَادِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «دَخَلْت عَلَى قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي عُرْسٍ وَإِذَا جَوَارٍ يُغَنِّينَ، فَقُلْت: أَيْ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ بَدْرٍ يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ، فَقَالَا: اجْلِسْ إنْ شِئْت فَاسْتَمِعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْت فَاذْهَبْ، فَإِنَّهُ قَدْ رُخِّصَ لَنَا اللَّهْوُ عِنْدَ الْعُرْسِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ ". قَوْلُهُ: (الدُّفُّ وَالصَّوْتُ) أَيْ ضَرْبُ الدُّفِّ وَرَفْعُ الصَّوْتِ.
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ ضَرْبُ الْأَدْفَافِ وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ بِشَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ نَحْوَ:
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ
وَنَحْوِهِ، لَا بِالْأَغَانِي الْمُهَيِّجَةِ لِلشُّرُورِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى وَصْفِ الْجَمَالِ وَالْفُجُورِ وَمُعَاقَرَةِ الْخُمُورِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ فِي النِّكَاحِ كَمَا يَحْرُمُ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: الْأَكْثَرُ: وَمَا يَحْرُمُ مِنْ الْمَلَاهِي فِي غَيْرِ النِّكَاحِ يَحْرُمُ فِيهِ لِعُمُومِ النَّهْيِ. النَّخَعِيّ وَغَيْرُهُ: يُبَاحُ فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» فَيُقَاسُ الْمِزْمَارُ وَغَيْرُهُ.
قَالَ: قُلْنَا: هَذَا لَا يُنَافِي
стр. 2197
بَابُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْبِنَاءُ عَلَى النِّسَاءِ وَمَا يَقُولُ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ
٢٧٧٢ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ وَبَنَى بِي فِي
ــ
[نيل الأوطار]
عُمُومَ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ» الْخَبَرُ وَنَحْوُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى ضَرْبَةٍ غَيْرِ مُلْهِيَةٍ. قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: دُفُّ الْمَلَاهِي مُدَوَّرٌ جِلْدُهُ مِنْ رَقٍّ أَبْيَضَ نَاعِمٍ فِي عُرْضِهِ سَلَاسِلُ يُسَمَّى الطَّارُ، لَهُ صَوْتٌ يُطْرِبُ لِحَلَاوَةِ نَغْمَتِهِ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ فِي تَحْرِيمِهِ وَتَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ. وَأَمَّا دُفُّ الْعَرَبِ فَهُوَ عَلَى شَكْلِ الْغِرْبَالِ خَلَا أَنَّهُ لَا خُرُوقَ فِيهِ وَطُولُهُ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ، فَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ﷺ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ حَكَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ الْهَادِي أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَيْضًا إذْ هُوَ آلَةُ لَهْوٍ. وَحَكَى الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ عَنْ الْهَادِي أَنَّهُ يُكْرَهُ فَقَطْ وَهُوَ الَّذِي فِي الْأَحْكَامِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: بَلْ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْدُوبًا؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يُفِيدُهُ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ» الْحَدِيثَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ الْمَازِنِيِّ الْمَذْكُورِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ نِكَاحَ السِّرِّ حَتَّى يُضْرَبَ بِدُفٍّ» . قَوْلُهُ: مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ: «فَقَالَ: هَلْ بَعَثْتُمْ جَارِيَةً تَضْرِبُ بِالدُّفِّ وَتُغَنِّي؟ قُلْتُ: تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: تَقُولُ:
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ... فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ
وَلَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ ... وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ السَّمْرَاءُ مَا سَمِنَتْ عَذَارِيكُمْ
» قَوْلُهُ: (بُنِيَ عَلَيَّ) أَيْ تُزُوِّجَ بِي. قَوْلُهُ: (كَمَجْلِسِكَ) بِكَسْرِ اللَّامِ: أَيْ مَكَانِكَ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ أَوْ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ الْفِتْنَةِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَاَلَّذِي صَحَّ لَنَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ جَوَازَ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ: كَمَجْلَسِكَ، بِفَتْحِ اللَّامِ. قَوْلُهُ: (يَنْدُبْنَ) مِنْ النُّدْبَةِ بِضَمِّ النُّونِ: وَهِيَ ذِكْرُ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إعْلَانُ النِّكَاحِ بِالدُّفِّ وَبِالْغِنَاءِ الْمُبَاحِ، وَفِيهِ إقْبَالُ الْإِمَامِ إلَى الْعُرْسِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَهْوٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْمُبَاحِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْغِنَاءِ وَآلَاتِ الْمَلَاهِي مَبْسُوطًا فِي أَبْوَابِ السَّبْقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 2198
شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ نِسَاؤُهَا فِي شَوَّالٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ) .
٢٧٧٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفَادَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ) .
بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ تَزَيُّنِ النِّسَاءِ بِهِ وَمَا لَا يُكْرَهُ
٢٧٧٤ - (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا، وَإِنَّهُ أَصَابَهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْبِنَاءُ عَلَى النِّسَاءِ وَمَا يَقُولُ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ]
حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد، وَرِجَالُ إسْنَادِهِ إلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ثِقَاتٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَلَفْظُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ» وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا فَلْيَأْخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهِمَا» يَعْنِي الْمَرْأَةَ وَالْخَادِمَ وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ.
اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبِنَاءِ بِالْمَرْأَةِ فِي شَوَّالٍ وَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَدَ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِخُصُوصِيَّةٍ لَهُ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، لَا إذَا كَانَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ، وَكَوْنُهُ بَعْضَ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَقَدْ تَزَوَّجَ ﷺ بِنِسَائِهِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى حَسَبِ الِاتِّفَاقِ وَلَمْ يَتَحَرَّ وَقْتًا مَخْصُوصًا، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْوُقُوعِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ لَكَانَ كُلُّ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَزَوَّجَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ يُسْتَحَبُّ الْبِنَاءُ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي فِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ وَمِلْكِ الْخَادِمِ وَالدَّابَّةِ، وَهُوَ دُعَاءٌ جَامِعٌ لِأَنَّهُ إذَا لَقِيَ الْإِنْسَانُ الْخَيْرَ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ دَابَّتِهِ وَجُنِّبَ الشَّرَّ عَنْ تِلْكَ الْأُمُورِ كَانَ فِي ذَلِكَ جَلْبُ النَّفْعِ وَانْدِفَاعُ الضَّرَرِ. قَوْلُهُ: (إذَا أَفَادَ أَحَدُكُمْ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَفَدْتُ الْمَالَ: اسْتَفَدْتَهُ وَأَعْطَيْتَهُ، انْتَهَى. وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ.
стр. 2199
- ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمُتَّفَقٌ عَلَى مِثْلِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ) .
٢٧٧٥ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» ) .
٢٧٧٦ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ: مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) .
٢٧٧٧ -
(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ «أَنَّهُ قَالَ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ: إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ) .
٢٧٧٨ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ فِي شَعْرِهَا مِنْ شَعْرِ غَيْرِهَا فَإِنَّمَا تُدْخِلُهُ زُورًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَادَتْ فِي شَعْرِهَا شَعْرًا لَيْسَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ زُورٌ تَزِيدُ فِيهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَمَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٢٧٧٩ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ وَالْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ إلَّا مِنْ دَاءٍ» ) .
٢٧٨٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْعَنُ الْقَاشِرَةَ وَالْمَقْشُورَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمَوْشُومَةَ، وَالْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ» . رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. وَالنَّامِصَةُ: نَاتِفَةُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ. وَالْوَاشِرَةُ: الَّتِي تَشِرُ الْأَسْنَانَ حَتَّى تَكُونَ لَهَا أَشَرٌ: أَيْ تَحَدُّدٌ وَرِقَّةٌ تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ تَتَشَبَّهُ بِالْحَدِيثَةِ السِّنِّ. وَالْوَاشِمَةُ: الَّتِي تَغْرِزُ مِنْ الْيَدِ بِإِبْرَةٍ ظَهْرَ الْكَفِّ وَالْمِعْصَمِ، ثُمَّ تُحْشِي بِالْكُحْلِ أَوْ بِالنَّؤُورِ: وَهُوَ دُخَانُ الشَّحْمِ حَتَّى يَخْضَرَّ. وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْمُؤْتَشِرَةُ
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2200
وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: اللَّاتِي يُفْعَلُ بِهِنَّ ذَلِكَ بِإِذْنِهِنَّ. وَأَمَّا الْقَاشِرَةُ وَالْمَقْشُورَةُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: نُرَاهُ أَرَادَ هَذِهِ الْغَمْرَةَ الَّتِي يُعَالِجُ بِهَا النِّسَاءُ وُجُوهَهُنَّ حَتَّى يَنْسَحِقَ أَعْلَى الْجِلْدِ وَيَبْدُوَ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْبَشَرَةِ وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا جَاءَ فِي النَّامِصَةِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ تَزَيُّنِ النِّسَاءِ بِهِ وَمَا لَا يُكْرَهُ]
حَدِيثُ عَائِشَةَ الثَّانِي قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ مِنْ النِّسَاءِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ، وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ، وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ أَنْ تَصِلَ شَعْرَهَا بِشَيْءٍ» وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. قَوْلُهُ: (عُرَيِّسًا) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ تَصْغِيرُ عَرُوسٍ، وَالْعَرُوسُ يَقَعُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي وَقْتٍ الدُّخُولِ. قَوْلُهُ: (حَصْبَةٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيُقَالُ أَيْضًا بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ جَمَاعَةٌ، وَالْإِسْكَانُ أَشْهَرُ: وَهِيَ بَثْرٌ تَخْرُجُ فِي الْجِلْدِ تَقُولَ مِنْهُ: حَصِبَ جِلْدُهُ، بِكَسْرِ الصَّادِ يَحْصِبُ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَرَّقَ) بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى تَسَاقَطَ، هَكَذَا حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ، وَحُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ بِالزَّايِ. قَالَ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَى الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّعْرِ فِي حَالِ الْمَرَضِ. قَوْلُهُ: (الْوَاصِلَةُ) هِيَ الَّتِي تَصِلُ شَعْرَ امْرَأَةٍ بِشَعْرِ امْرَأَةٍ أُخْرَى لِتُكْثِرَ بِهِ شَعْرَ الْمَرْأَةِ. وَالْمُسْتَوْصِلَةُ: هِيَ الَّتِي تَسْتَدْعِي أَنْ يُفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهَا: مَوْصُولَةٌ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَالْوَاشِمَةُ: فَاعِلَةُ الْوَشْمِ: وَهُوَ أَنْ يُغْرَزَ فِي ظَهْرِ الْكَفِّ أَوْ الْمِعْصَمِ أَوْ الشَّفَةِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ ثُمَّ يُحْشَى ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِالْكُحْلِ أَوْ النَّؤُورِ فَيَخْضَرَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ وَهُوَ مِمَّا تَسْتَحْسِنُهُ الْفُسَّاقُ، وَالنَّؤُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَالَ فِي الْقَامُوسِ كَصَبُورٍ: وَهُوَ دُخَانُ الشَّحْمِ كَمَا ذُكِرَ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَشْيَاءَ أُخَرَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَشْمُ بِدَارَاتٍ وَنُقُوشٍ، وَقَدْ يَكْثُرُ وَقَدْ يَقِلُّ، وَالْوَصْلُ حَرَامٌ لِأَنَّ اللَّعْنَ لَا يَكُونُ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ قَالَ: وَقَدْ فَصَّلَهُ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: إنْ وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِشَعْرِ آدَمِيٍّ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ شَعْرَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَسَوَاءٌ، شَعْرُ الْمَحْرَمِ وَالزَّوْجِ وَغَيْرِهِمَا بِلَا خِلَافٍ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَعْرِ الْآدَمِيِّ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ لِكَرَامَتِهِ، بَلْ يُدْفَنُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ وَسَائِرُ أَجْزَائِهِ، وَإِنْ وَصَلَتْهُ بِشَعْرِ آدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ شَعْرًا نَجِسًا وَهُوَ شَعْرُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إذَا انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا لِلْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهَا حَمْلُ نَجَاسَةٍ فِي صَلَاتِهَا وَغَيْرِهَا عَمْدًا، وَسَوَاءٌ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ الْمُزَوَّجَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ
стр. 2201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَالرِّجَالِ. وَأَمَّا الشَّعْرُ الطَّاهِرُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالثَّانِي: يَجُوزُ، وَأَصَحُّهَا عِنْدَهُمْ: إنْ فَعَلَتْهُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ جَازَ وَإِلَّا فَهُوَ حَرَامٌ انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ: الْوَصْلُ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، سَوَاءٌ وَصَلَتْهُ بِشَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرَقٍ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ، وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِصُوفٍ وَخِرَقٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ: إنْ وُصِلَ شَعْرُ النِّسَاءِ. بِشَعْرِ الْغَنَمِ لَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهِ. وَيَرُدُّهُ عُمُومُ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَغَيْرِهَا. وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوَصْلُ مُطْلَقًا، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ عَنْهَا بَلْ الصَّحِيحُ عَنْهَا كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَأَمَّا رَبْطُ خُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَقْصُودِ الْوَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ، فَمَا هُوَ؟ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى جَوَازِ الْوَصْلِ بِشَعْرِ الْمَحْرَمِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ مُطْلَقِ الْوَصْلِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الْوَصْلِ بِشَعْرِ الْمَحْرَمِ.
وَكَذَلِكَ عُمُومُ حَدِيثِ جَابِرٍ وَحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: إنَّمَا يَحْرُمُ غَيْرُ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِحَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْوَصْلَ فِيهِ لِلْعَرُوسِ وَلَمْ يُجِزْهُ ﷺ . وَأَمَّا الْوَشْمُ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وُشِمَ يَصِيرُ نَجِسًا، فَإِنْ أَمْكَنَ إزَالَتُهُ بِالْعِلَاجِ وَجَبَ إزَالَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْجَرْحِ، فَإِنْ خَافَتْ مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ فَوَاتَ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَتِهِ أَوْ شَيْئًا فَاحِشًا فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ، وَإِذَا تَابَتْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا إثْمٌ، وَإِنْ لَمْ تَخَفْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ لَزِمَهَا إزَالَتُهُ، وَتَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ. قَوْلُهُ: (" وَالْمُتَنَمِّصَاتُ ") بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ ثُمَّ النُّونِ ثُمَّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ مُتَنَمِّصَةٍ، وَهَذِهِ الَّتِي تَسْتَدْعِي نَتْفَ الشَّعْرِ مِنْ وَجْهِهَا، وَيُرْوَى بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلَى التَّاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمَشْهُورُ تَأْخِيرُهَا، وَالنَّامِصَةُ: الْمُزِيلَةُ لَهُ مِنْ نَفْسِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَهُوَ حَرَامٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إلَّا إذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَوَارِبُ فَلَا تَحْرُمُ إزَالَتُهَا بَلْ تُسْتَحَبُّ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ. لَا يَجُوزُ حَلْقُ لِحْيَتِهَا وَلَا عَنْفَقَتِهَا وَلَا شَارِبِهَا. قَوْلُهُ: (وَالْمُتَفَلِّجَاتُ ") بِالْفَاءِ وَالْجِيمِ جَمْعُ مُتَفَلِّجَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَبْرُدُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِ الثَّنَايَا وَالرَّبَاعِيَاتِ وَهُوَ مِنْ الْفَلَجِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ: وَهُوَ الْفُرْجَةُ بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرَّبَاعِيَاتِ، تَفْعَلُ ذَلِكَ الْعَجُوزُ وَمَنْ قَارَبَهَا فِي السِّنِّ إظْهَارًا لِلصِّغَرِ وَحُسْنِ الْأَسْنَانِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْفُرْجَةَ اللَّطِيفَةَ بَيْنَ الْأَسْنَانِ تَكُونُ لِلْبَنَاتِ الصَّغِيرَاتِ، فَإِذَا عَجَزَتْ الْمَرْأَةُ كَبِرَتْ سِنُّهَا فَتَبْرُدَهَا بِالْمِبْرَدِ لِتَصِيرَ لَطِيفَةً حَسَنَةَ الْمَنْظَرِ وَتُوهِمَ كَوْنَهَا صَغِيرَةً.
стр. 2202
٢٧٨١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ تَتَخَضَّبُ وَتَتَطَيَّبُ، فَتَرَكَتْهُ فَدَخَلَتْ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: أَمُشْهِدٌ أَمْ مُغِيبٌ؟ فَقَالَتْ: مُشْهِدٌ، قَالَتْ: عُثْمَانُ لَا يُرِيدُ الدُّنْيَا وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ تُؤْمِنُ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأُسْوَةٌ مَا لَك بِنَا» ) .
٢٧٨٢ - (وَعَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ هَمَّامٍ قَالَتْ: «دَخَلْت الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَأَخْلَوْهُ لِعَائِشَةَ فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ: مَا تَقُولِينَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحِنَّاءِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ حَبِيبِي ﷺ يُعْجِبُهُ
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُقَالُ لَهُ: الْوَشْرُ، وَهَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ عَلَى الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا. قَوْلُهُ: (" قُصَّةً ") بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّعْرِ مِنْ قَصَصْتُ الشَّعْرَ: أَيْ قَطَعْتُهُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ الْمُقْبِلِ عَلَى الْجَبْهَةِ. وَقِيلَ: شَعْرُ النَّاصِيَةِ
قَوْلُهُ: (" عَنْ مِثْلِ هَذِهِ ") أَيْ عَنْ التَّزَيُّنِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقُصَّةِ مِنْ الشَّعْرِ. قَوْلُهُ: (إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ. . . إلَخْ) هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِأَنَّ كَوْنَ مِثْلِ هَذَا الذَّنْبِ كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِ مِثْلِ تِلْكَ الْأُمَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ الذُّنُوبِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ فَعُوقِبُوا لِاسْتِعْمَالِهِ وَهَلَكُوا بِسَبَبِهِ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الْهَلَاكَ كَانَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِمَّا ارْتَكَبُوهُ مِنْ الْمَعَاصِي، فَعِنْدَ ظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِمْ هَلَكُوا، وَفِيهِ مُعَاقَبَةُ الْعَامَّةِ بِظُهُورِ الْمُنْكَرِ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (إلَّا مِنْ دَاءٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ لِقَصْدِ التَّحْسِينِ لَا لِدَاءٍ وَعِلَّةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: «الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ الْخِلْقَةِ عَنْ الصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْمَرْأَةَ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، الْتِمَاسًا لِلتَّحْسِينِ لِزَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهَا سِنٌّ زَائِدَةٌ أَوْ عُضْوٌ زَائِدٌ فَلَا يَجُوزُ لَهَا قَطْعُهُ وَلَا نَزْعُهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ لَهَا أَسْنَانٌ طِوَالٌ فَأَرَادَتْ تَقْطِيعَ أَطْرَافِهَا، وَهَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَزَادَ: إلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الزَّوَائِدُ مُؤْلِمَةً وَتَتَضَرَّرَ بِهَا فَلَا بَأْسَ بِنَزْعِهَا، قِيلَ: وَهَذَا إنَّمَا هُوَ التَّغْيِيرُ الَّذِي يَكُونُ بَاقِيًا، فَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ بَاقِيًا كَالْكُحْلِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْخِضَابَاتِ فَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ الْغَمْرَةَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ: طِلَاءٌ مِنْ الْوَرْسِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: فِي مَادَّةِ الْغَمْرِ، وَبِالضَّمِّ: الزَّعْفَرَانُ كَالْغُمْرَةِ.
стр. 2203
لَوْنُهُ، وَيَكْرَهُ رِيحَهُ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْكُنَّ بَيْنَ كُلِّ حَيْضَتَيْنِ أَوْ عِنْدَ كُلِّ حَيْضَةٍ» . رَوَاهُمَا أَحْمَدُ) .
٢٧٨٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فُلَانَةَ، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا» . رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
بَابُ التَّسْمِيَةِ وَالتَّسَتُّرِ عِنْدَ الْجِمَاعِ
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ هُنَا أَحَدُهَا. قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَأَسَانِيدُ أَحْمَدَ رِجَالُهَا ثِقَاتٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَشْهَدُ لَهُ أَوَّلَ كِتَابِ النِّكَاحِ. وَحَدِيثُهَا الثَّانِي أَيْضًا تَقَدَّمَ مَا يَشْهَدُ لَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمُشْهِدٌ أَمْ مُغِيبٌ) أَيْ أَزَوْجُكِ شَاهِدٌ أَمْ غَائِبٌ. وَالْمُرَادُ أَنَّ تَرْكَ الْخِضَابِ وَالطِّيبِ إنْ كَانَ لِأَجْلِ غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَذَاكَ، وَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ آخَرَ مَعَ حُضُورِهِ فَمَا هُوَ؟ فَأَخْبَرَتْهَا أَنَّ زَوْجَهَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِالنِّسَاءِ، فَهِيَ فِي حُكْمِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، وَاسْتِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَيْهَا تَرْكَ الْخِضَابِ وَالطِّيبِ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ يَحْسُنُ مِنْهُنَّ التَّزَيُّنُ لِلْأَزْوَاجِ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْكُنَّ بَيْنَ كُلِّ حَيْضَتَيْنِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالِاخْتِضَابِ بِالْحِنَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْخِضَابِ فِي الطَّهَارَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْخِضَابُ لِلنِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ التَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ، وَعَلَى النِّسَاءِ التَّشَبُّهُ بِالرِّجَالِ فِي الْكَلَامِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَشْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمُتَرَجِّلَاتُ مِنْ النِّسَاءِ: الْمُتَشَبِّهَاتُ بِالرِّجَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُخَنَّثِينَ ضَبْطًا وَتَفْسِيرًا وَذُكِرَ مَنْ أَخْرَجَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إلَى النَّقِيعِ - بِالنُّونِ - فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَقْتُلُهُ، فَقَالَ: إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْتُلَ الْمُصَلِّينَ» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْرَجَ مُخَنَّثًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ وَاحِدًا.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْرَجَ الْخُنَيْثَ» .
стр. 2204
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَلَدٌ لَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) .
٢٧٨٥ - (وَعَنْ عُتْبَةُ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلَا يَتَجَرَّدَا تَجَرُّدَ الْعِيرَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
٢٧٨٦ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّي فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ التَّسْمِيَةِ وَالتَّسَتُّرِ عِنْدَ الْجِمَاعِ]
زَادَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَدِيثُ عُتْبَةُ فِي إسْنَادِهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَذَلِكَ فِي إسْنَادِهِ الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ، وَلَكِنَّهُ قَدْ تَابَعَ رِشْدِينَ بْنَ سَعْدٍ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَدِيٍّ وَهُوَ ثِقَةٌ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثَيْنِ - حَدِيثُ عُتْبَةُ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْأَمْرِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ: مِنْهَا حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ: إنْ اسْتَطَعْت أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ لَا يَرَاهَا، قَالَ: قُلْت: إذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ» هَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالْإِذْنِ بِكَشْفِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلزَّوْجَاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ حَالَ الْجِمَاعِ، وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَى كَشْفِ الْمِقْدَارِ الَّذِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ حَالَ الْجِمَاعِ، وَلَا يَحِلُّ التَّجَرُّدُ كَمَا فِي حَدِيثِ عُتْبَةُ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَتَى أَهْلَهُ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: «حِينَ يُجَامِعُ أَهْلَهُ» وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقَوْلَ يَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: «إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ» وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الرِّوَايَاتِ
стр. 2205
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ
٢٧٨٧ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْهَنَا» .
٢٧٨٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمَتُنَا وَسَانِيَتُنَا فِي النَّخْلِ وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَيُحْمَلُ مَا عَدَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أَيْ إذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ.
قَوْلُهُ: (جَنِّبْنَا) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ بِالْإِفْرَادِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَلَدٌ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «فَإِنْ قَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمَا وَلَدًا» . قَوْلُهُ: (لَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ الشَّيْطَانُ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ: «لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ» وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ» وَاللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَحْمَدَ. وَاخْتُلِفَ فِي الضَّرَرِ الْمَنْفِيِّ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ فِي أَنْوَاعِ الضَّرَرِ عَلَى مَا نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْحَمْلِ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ مِنْ صِيغَةِ النَّفْيِ مَعَ التَّأْبِيدِ، وَكَأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الِاتِّفَاقِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي بَطْنِهِ حِينَ يُولَدُ إلَّا مَنْ اُسْتُثْنِيَ، فَإِنَّ هَذَا الطَّعْنَ نَوْعٌ مِنْ الضَّرَرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: الْمَعْنَى لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ بَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادِ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وَقِيلَ: الْمُرَادُ: لَمْ يَطْعَنْ فِي بَطْنِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِمُنَابَذَتِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَيْسَ تَخْصِيصُهُ بِأَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِ هَذَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: لَمْ يَصْرَعْهُ. وَقِيلَ: لَمْ يَضُرَّهُ فِي بَدَنِهِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضُرَّهُ فِي دِينِهِ أَيْضًا، وَلَكِنْ يُبْعِدُهُ انْتِفَاءُ الْعِصْمَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْأَنْبِيَاءِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اخْتِصَاصَ مَنْ خُصَّ بِالْعِصْمَةِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا بِطَرِيقِ الْجَوَازِ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يُوجَدَ مَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ عَمْدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى لَمْ يَضُرَّهُ: أَيْ لَمْ يَفْتِنْهُ عَنْ دِينِهِ إلَى الْكُفْرِ " وَلَيْسَ الْمُرَادُ عِصْمَتَهُ مِنْهُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ. وَقِيلَ: لَمْ يَضُرَّهُ بِمُشَارَكَةِ أَبِيهِ فِي جِمَاعِ أُمِّهِ كَمَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الَّذِي يُجَامِعُ وَلَا يُسَمِّي يَلْتَفُّ الشَّيْطَانُ عَلَى إحْلِيلِهِ فَيُجَامِعُ مَعَهُ.
стр. 2206
٢٧٨٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ، فَسَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَا هُوَ خَالِقٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٢٧٩٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «قَالَتْ الْيَهُودُ: الْعَزْلُ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَذَبَتْ يَهُودُ، إنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَصْرِفَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٢٧٩١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فِي الْعَزْلِ: أَنْتَ تَخْلُقُهُ، أَنْتَ تَرْزُقُهُ، أَقِرَّهُ قَرَارَهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ الْقَدَرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٧٩٢ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي، أَعْزِلُ عَنْ امْرَأَتِي، فَقَالَ لَهُ ﷺ : لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كَانَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٢٧٩٣ - (وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ قَالَتْ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٢٧٩٤ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَلِكَ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ]
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ: وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
стр. 2207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَفِيهِ مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ وَقَدْ ضُعِّفَ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَزَمَ الطَّحَاوِيُّ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَعَكْسُهُ ابْنُ حَزْمٍ. وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نُهِيَ عَنْ عَزْلِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا» وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ وَابْنِ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنْ الْعَزْلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ أَهْرَقْتَهُ عَلَى صَخْرَةٍ لَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا» وَلَهُ شَاهِدَانِ فِي الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي الْأَوْسَطِ لَهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نَعْزِلُ) الْعَزْلُ: النَّزْعُ بَعْدَ الْإِيلَاجِ لَيَنْزِلَ خَارِجَ الْفَرْجِ. قَوْلُهُ: (وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ) فِيهِ جَوَازُ الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّقْرِيرِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَرَامًا لَمْ يُقَرِّرَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الْفَتْحِ إلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا أَضَافَ الْحُكْمَ إلَى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، قَالَ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِمْ إيَّاهُ عَنْ الْأَحْكَامِ، قَالَ: وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ طُرُقٍ تُصَرِّحُ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا» . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ الْإِذْنُ لَهُ بِالْعَزْلِ، فَقَالَ: «اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت» . قَوْلُهُ: (مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: " لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا " قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى النَّهْيِ.
وَحَكَى ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَكَانَ هَذَا زَجْرًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ هَؤُلَاءِ فَهِمُوا مِنْ لَا، النَّهْيَ عَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَعْزِلُوا وَعَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " وَعَلَيْكُمْ " إلَى آخِرِهِ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْرِيرِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا وَهُوَ الَّذِي يُسَاوِي أَنْ لَا تَفْعَلُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا: أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَفِيهِ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ عَدَمِ الْفِعْلِ، فَأَفْهَمَ ثُبُوتَ الْحَرَجِ فِي فِعْلِ الْعَزْلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ لَقَالَ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنْ لَا زَائِدَةٌ، فَيُقَالُ: الْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الْعَزْلِ، فَحُكِيَ فِي الْفَتْحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُعْزَلُ عَنْ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حَقِّهَا وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَيْسَ الْجِمَاعُ الْمَعْرُوفُ إلَّا مَا لَا يَلْحَقُهُ عَزْلٌ. قَالَ الْحَافِظُ: وَوَافَقَهُ فِي نَقْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ ابْنُ هُبَيْرَةَ. قَالَ: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ
стр. 2208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
فِي الْجِمَاعِ، وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ الْعَزْلُ عَنْ الْحُرَّةِ بِغَيْرِ إذْنِهَا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي كُتُبِ الْهَادَوِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِرِضَاهَا، وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِذْنِ مِنْ الْحُرَّةِ حَدِيثُ عَمْرٍو الْمَذْكُورُ وَلَكِنْ فِيهِ مَا سَلَفَ.
وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُرَّةِ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُعْتَبَرُ الْإِذْنُ مِنْهَا أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا وَإِنْ كَانَتْ سُرِّيَّةً فَقَالَ فِي الْفَتْحِ: يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ إلَّا فِي وَجْهٍ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْمَنْعِ مُطْلَقًا كَمَذْهَبِ ابْنِ حَزْمٍ، وَإِنْ كَانَتْ السُّرِّيَّةُ مُسْتَوْلَدَةً فَالرَّاجِحُ الْجَوَازُ فِيهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَاسِخَةً فِي الْفِرَاشِ. وَقِيلَ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ. قَوْلُهُ: (كَذَبَتْ يَهُودُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ، وَمِثْلُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَتْ لَنَا جَوَارٍ وَكُنَّا نَعْزِلُ، فَقَالَتْ الْيَهُودُ: إنَّ تِلْكَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَذَبَتْ الْيَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَهُ لَمْ يُسْتَطَعْ رَدُّهُ» وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنَّهُ يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ جُذَامَةَ الْمَذْكُورِ مِنْ تَصْرِيحِهِ ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ.
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ، فَحُمِلَ هَذَا عَلَى التَّنْزِيهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَيْهَقِيّ. وَمِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ حَدِيثَ جُذَامَةَ هَذَا لِمُعَارَضَتِهِ لِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ طُرُقًا. قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا دَفْعٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالتَّوَهُّمِ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَرُدَّ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ جُذَامَةَ عَلَى وَفْقِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَوَّلًا مِنْ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِالْحُكْمِ، فَكَذَّبَ الْيَهُودَ فِيمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا تَبَعًا لِلْيَهُودِ ثُمَّ يُصَرِّحُ بِتَكْذِيبِهِمْ فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ جُذَامَةَ بِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَضَعَّفَ مُقَابِلَهُ بِالِاخْتِلَافِ فِي إسْنَادِهِ وَالِاضْطِرَابِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْدَحُ فِي حَدِيثٍ، لَا فِيمَا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًا فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ. وَرَجَّحَ ابْنُ حَزْمٍ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ جُذَامَةَ بِأَنَّ أَحَادِيثَ غَيْرَهَا مُوَافِقَةٌ لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ. قَالَ: فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْدَ أَنْ مُنِعَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَهَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْمَنْعِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ وَأْدًا خَفِيًّا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا.
وَجَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَالَ: الَّذِي كَذَبَ فِيهِ ﷺ الْيَهُودُ هُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ الْعَزْلَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ الْحَمْلُ أَصْلًا وَجَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ النَّسْلِ بِالْوَأْدِ فَأَكْذَبَهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْحَمْلَ إذَا شَاءَ اللَّهُ خَلْقَهُ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْ خَلْقَهُ لَمْ يَكُنْ وَأْدًا حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وَأْدًا خَفِيًّا فِي حَدِيثِ جُذَامَةَ لِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يَعْزِلُ هَرَبًا مِنْ الْحَمْلِ فَأَجْرَى قَصْدَهُ لِذَلِكَ مُجْرَى الْوَأْدِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَأْدَ. ظَاهِرٌ بِالْمُبَاشَرَةِ اجْتَمَعَ فِيهِ الْقَصْدُ وَالْفِعْلُ، وَالْعَزْلُ يَتَعَلَّقُ بِالْقَصْدِ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ
стр. 2209
بَابُ نَهْيِ الزَّوْجَيْنِ عَنْ التَّحَدُّثِ بِمَا يَجْرِي حَالَ الْوِقَاعِ
٢٧٩٥ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إلَى الْمَرْأَةِ وَتُفْضِي إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٢٧٩٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَجَالِسَكُمْ، هَلْ مِنْكُمْ الرَّجُلُ إذَا أَتَى أَهْلَهُ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَرْخَى سِتْرَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُحَدِّثُ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا وَفَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا؟ فَسَكَتُوا، فَأَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ فَجَثَتْ فَتَاةٌ كَعَابٌ عَلَى إحْدَى رُكْبَتَيْهَا وَتَطَاوَلَتْ، لِيَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَسْمَعَ كَلَامَهَا، فَقَالَتْ: إي وَاَللَّهِ إنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيَتَحَدَّثْنَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ إنَّ مَثَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، مَثَلُ شَيْطَانٍ وَشَيْطَانَةٍ لَقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالسِّكَّةِ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) .
ــ
[نيل الأوطار]
خَفِيًّا وَهَذَا الْجَمْعُ قَوِيٌّ، وَقَدْ ضُعِّفَ أَيْضًا حَدِيثُ جُذَامَةَ، أَعْنِي الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي آخِرِهِ بِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ فَلَمْ يَذْكُرَاهَا، وَبِمُعَارَضَتِهَا لِجَمِيعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ حَذَفَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ، وَقَدْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ جُذَامَةَ هَذَا مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ مِنْ الْعَزْلِ كَابْنِ حِبَّانَ. قَوْلُهُ: (أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا) هَذَا أَحَدُ الْأُمُورِ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَى الْعَزْلِ. وَمِنْهَا الْفِرَارُ مِنْ كَثْرَةِ الْعِيَالِ وَالْفِرَارُ مِنْ حُصُولِهِمْ مِنْ الْأَصْلِ. وَمِنْهَا خَشْيَةُ عُلُوقِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ
لِئَلَّا
يَصِيرَ الْوَلَدُ رَقِيقًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُغْنِي شَيْئًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ الْحَمْلُ بِغَيْرِ الِاخْتِيَارِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا الْغَيَلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْيَاءِ، وَالْغِيَالُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ؛ وَالْمُرَادُ بِهَا أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هِيَ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ وَذَلِكَ لِمَا يَحْصُلُ عَلَى الرَّضِيعِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْحَبَلِ حَالَ إرْضَاعِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَمِّهِ ﷺ بِالنَّهْيِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْغِيلَةَ لَا تَضُرُّ فَارِسَ وَالرُّومَ تَرَكَ النَّهْيَ عَنْهَا.
[بَابُ نَهْيِ الزَّوْجَيْنِ عَنْ التَّحَدُّثِ بِمَا يَجْرِي حَالَ الْوِقَاعِ]
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَالَ: إلَّا أَنَّ الطُّفَاوِيَّ لَا
стр. 2210
بَابُ النَّهْيِ عَنْ إتْيَانِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا
٢٧٩٧ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .
ــ
[نيل الأوطار]
نَعْرِفُهُ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا نَعْرِفُ اسْمَهُ. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: وَالطُّفَاوِيُّ مَجْهُولٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِهِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ. قَوْلُهُ: (إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ) لَفْظُ مُسْلِمٍ " أَشَرِّ " قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَأَهْلُ النَّحْوِ يَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ أَشَرُّ وَأَخْيَرُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَشَرٌّ مِنْهُ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، وَهِيَ حُجَّةٌ فِي جَوَازِ الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: (كَعَابٌ) عَلَى وَزْنِ سَحَابٍ: وَهِيَ الْجَارِيَةُ الْمُكَعَّبُ. وَالْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى تَحْرِيمِ إفْشَاءِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ أُمُورِ الْجِمَاعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَوْنَ الْفَاعِلِ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ.
وَكَوْنَهُ بِمَنْزِلَةِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ نَشْرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْأَسْرَارِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَهُمَا الرَّاجِعَةِ إلَى الْوَطْءِ وَمُقَدَّمَاتِهِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ لَا يَصِيرُ بِهِ فَاعِلُهُ مِنْ الْأَشْرَارِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مِنْ شَرِّهِمْ.
وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ بِمَرْأًى مِنْ النَّاسِ لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الرَّجُلَ، فَجَعَلَ الزَّجْرَ الْمَذْكُورَ خَاصًّا بِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي الْغَالِبِ مِنْ الرِّجَالِ. قِيلَ: وَهَذَا التَّحْرِيمُ إنَّمَا هُوَ فِي نَشْرِ أُمُورِ الِاسْتِمْتَاعِ وَوَصْفِ التَّفَاصِيلِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْجِمَاعِ وَإِفْشَاءِ مَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ حَالَةَ الْوِقَاعِ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ ذِكْرِ نَفْسِ الْجِمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ وَلَا إلَيْهِ حَاجَةٌ فَمَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُرُوءَةِ وَمِنْ التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَعْنِي، «وَمِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» فَإِنْ كَانَ إلَيْهِ حَاجَةٌ أَوْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذِكْرِهِ وَذَلِكَ نَحْوَ أَنْ تُنْكِرَ الْمَرْأَةُ نِكَاحَ الزَّوْجِ لَهَا وَتَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْزَ عَنْ الْجِمَاعِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ الْعُنَّةَ قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الْأَدِيمِ " وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنِّي لَأَفْعَلُهُ أَنَا وَهَذِهِ» .
وَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: «أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَةَ» ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
следующие страницы →