Полный текст (3 079 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ قَدْ جَاءَنِي مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَلَمْ يَجِئْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَيْنٌ أَوْ عِدَّةٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً وَقَالَ: عُدَّهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٥٠٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ كَتَبَ أَنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ فَهُوَ مَا حَكَمَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَرَآهُ الْمُؤْمِنُونَ عَدْلًا، مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» ، فَرَضَ الْأَعْطِيَةَ وَعَقَدَ لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ ذِمَّةً بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمْسٍ وَلَا مَغْنَمٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ وَأَيْضًا فِيهِ انْقِطَاعٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَالْمَرْفُوعُ مِنْهُ مُرْسَلٌ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ» أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَفِيهِ مَقَالٌ مَشْهُورٌ قَدْ تَقَدَّمَ
ــ
[نيل الأوطار]
قَوْلُهُ: (فَأَعْطَى الْآهِلَ) أَيْ مَنْ لَهُ أَهْلٌ يَعْنِي زَوْجَةً.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَطَاءُ عَلَى مِقْدَارِ أَتْبَاعِ الرَّجُلِ الَّذِي يَلْزَمُ نَفَقَتَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ، إذْ غَيْرُ الزَّوْجَةِ مِثْلُهَا فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى الْمُؤْنَةِ قَوْلُهُ: (مَا أُعْطِيكُمْ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْوِيضِ وَأَنَّ النَّفْعَ لَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِأَحَدٍ سِوَى اللَّهِ ﷻ . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ " إمَّا الْأَمْرُ الْإِلْهَامِيُّ أَوْ الْأَمْرُ الَّذِي طَرِيقُهُ الْوَحْيُ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْفَيْءَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (عَطَاءُ الْمُحَرَّرِينَ) جَمْعُ مُحَرَّرٍ: وَهُوَ الَّذِي صَارَ حُرًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَبْدًا.
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ نَصِيبٍ لَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي تَأْتِي إلَى الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا نَصِيبُهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِظَبْيَةِ فِيهَا خَرَزٌ فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ» ، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبِي يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ ". قَوْلُهُ: (بَدَأَ بِالْمُحَرَّرِينَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةَ بِهِمْ وَتَقْدِيمِهِمْ عِنْدَ الْقِسْمَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ
قَوْلُهُ: (مَالُ الْبَحْرَيْنِ) هُوَ مِنْ الْجِزْيَةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخُمْسِ أَوْ مِنْ الْفَيْءِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا: أَيْ بِجِزْيَةِ أَهْلِهَا، وَكَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُمْ إذْ ذَاكَ مَجُوسٌ» وَقَدْ تَرْجَمَ النَّسَائِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ " بَابُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ " وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بِالْجِعْرَانَةِ أَرْسَلَ الْعَلَاءَ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى عَامِلِ الْفُرْسِ عَلَى الْبَحْرَيْنِ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَصَالَحَ مَجُوسَ تِلْكَ الْبِلَادِ عَلَى الْجِزْيَةِ» قَوْلُهُ: (أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا يُنَادِي) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِلَالًا قَوْلُهُ: (فَحَثَى لِي) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ قَوْلُهُ: (حَثْيَةً. . . إلَخْ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فَحَثَى لِي ثَلَاثًا " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " وَجَعَلَ سُفْيَانُ يَحْثُو بِكَفَّيْهِ " وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَثْيَةَ مَا يُؤْخَذُ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا، وَاَلَّذِي قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْحَثْيَةَ مَا تَمْلَأُ الْكَفَّ، وَالْحَفْنَةَ مَا تَمْلَأ الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْحَثْيَةَ وَالْحَفْنَةَ بِمَعْنًى، وَالْحَثْيَةُ مِنْ حَثَى يَحْثِي وَيَجُوزُ حَثْوَةً مِنْ حَثَا يَحْثُو وَهُمَا لُغَتَانِ قَوْلُ: (جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ) فِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمُسٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْجِزْيَةِ،
стр. 2802
٣٥٠٩ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَحْلِفُ عَلَى أَيْمَانٍ ثَلَاثٍ: وَاَللَّهِ مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا أَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، وَوَاللَّهِ مَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ إلَّا عَبْدًا مَمْلُوكًا، وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَسْمِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ وَغَنَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ، وَوَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لَأُوتَيَنَّ الرَّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ) .
٣٥١٠ - (وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَابِيَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي خَازِنًا لِهَذَا الْمَالِ وَقَاسِمًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ اللَّهُ قَاسِمُهُ. وَأَنَا بَادِئٌ بِأَهْلِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَشْرَفِهِمْ، فَفَرَضَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَةَ آلَافٍ إلَّا جَوَيْرِيَةَ وَصْفِيَّةَ وَمَيْمُونَةَ، «فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَنَا» ، فَعَدَلَ بَيْنَهُنَّ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي بَادِئٌ بِأَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَإِنَّا أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ثُمَّ أَشْرَفِهِمْ، فَفَرَضَ لِأَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَلِمَنْ كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَفَرَضَ لِمَنْ شَهِدَ أُحُدًا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، قَالَ: وَمَنْ أَسْرَعَ فِي الْهِجْرَةِ أُسْرِعَ بِهِ فِي الْعَطَاءِ، وَمَنْ أَبْطَأَ فِي الْهِجْرَةِ أُبْطِئَ بِهِ فِي الْعَطَاءِ، فَلَا يَلُومَنَّ رَجُلٌ إلَّا مُنَاخَ رَاحِلَتِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ) . الْأَثَرُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ.
وَالْأَثَرُ الْآخَرُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ، وَالْأَثَرَانِ فِيهِمَا أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُفَاضِلُ فِي الْعَطَاءِ عَلَى حَسَبِ الْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقِدَمِ فِيهِ وَالْغَنَاءِ وَالْحَاجَةِ، وَيُفَضِّلُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ أُحُدًا وَمَنْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا ذَهَبَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْقِسْمَةِ، وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يُفَضِّلُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَالُ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِدَّةٌ فَلْيَأْتِ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْقِسْمَةِ، وَفِي تَفْضِيلِ عُمَرَ النَّاسَ عَنْ مَرَاتِبِهِمْ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " أَتَتْ عَلِيًّا امْرَأَتَانِ " فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا: " إنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَمْ أَرَ فَضْلًا لِوَلَدِ إسْمَاعِيلَ عَلَى وَلَدِ إِسْحَاقَ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ
ــ
[نيل الأوطار]
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فِي الْفِقْهِ
стр. 2803
عُثْمَانَ أَيْضًا " أَنَّهُ كَانَ يُفَاضِل بَيْنَ النَّاسِ كَمَا كَانَ عُمَرُ يُفَاضِلُ " قَوْلُهُ: (وَمَا أَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ كَسَائِرِ النَّاسِ لَا فَضْلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي تَقْدِيمٍ وَلَا تَوْفِيرِ نَصِيبٍ
٣٥١١ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ) .
٣٥١٢ - (وَعَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ فَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَفَرَضَ لِابْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَلِمَ
ــ
[نيل الأوطار]
قَوْلُهُ: (إلَّا عَبْدًا مَمْلُوكًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا نَصِيبَ لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ فِي الْمَالِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمَ قَرِيبًا الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِظَبْيَةٍ فِيهَا خَرَزٌ فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ» وَقَوْلُ عَائِشَةَ: " إنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ لَا تُعَارِضُ الْمَرْفُوعَ، فَمَنْعُ الْعَبِيدِ اجْتِهَادٌ مِنْ عُمَرَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَعْطَى الْأَمَةَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَبْدِ، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعْطِي الْعَبِيدَ. قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَقَسْمِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) - فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ التَّفْضِيلَ لَمْ يَقَعْ مِنْ عُمَرَ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِهَادِ، وَأَنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَغَنَاؤُهُ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْكِفَايَةُ، فَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ فِي الْقِيَامِ بِبَعْضِ الْأُمُورِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلتَّفْضِيلِ قَوْلُهُ: (لَئِنْ بَقِيتُ لَأُوتَيَنَّ الرَّاعِيَ) فِيهِ مُبَالَغَةٌ حَسَنَةٌ لِأَنَّ الرَّاعِيَ السَّاكِنَ فِي جَبَلٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ الْحَيِّ فِي مَكَان بَعِيدٍ إذَا نَالَ نَصِيبَهُ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَنَالَهُ الْقَرِيبُ مِنْ الْمُتَوَلِّي لِلْقِسْمَةِ وَمَنْ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ النَّاسِ وَمُخَالِطًا لَهُمْ قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْجَابِيَةِ) بِالْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ: وَهِيَ مَوْضِعٌ بِدِمَشْقَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ: (فَإِنَّا أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا) هُوَ تَعْلِيلٌ لِلْبَدَاءَةِ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، وَلِهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ قَرِينًا لِقَتْلِ الْأَنْفُسِ، وَكَذَلِكَ فِي بُعْدِ الْعَهْدِ بِالْأَوْطَانِ مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَشَقَّةِ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِهَا، وَالْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ قَدْ أُصِيبُوا بِالْمَشَقَّتَيْنِ فَكَانُوا أَقْدَمَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ: " وَمَنْ أَسْرَعَ فِي الْهِجْرَةِ أُسْرِعَ بِهِ فِي الْعَطَاءِ. . . إلَخْ " وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " فَلَا يَلُومَنَّ رَجُلٌ إلَّا مُنَاخَ رَاحِلَتِهِ " الْبَيَانُ لِمَنْ تَأَخَّرَ فِي الْعَطَاءِ بِأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ حَيْثُ تَأَخَّرَ عَنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْهِجْرَةِ وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَلَمْ يُهَاجِرْ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّهُ كَنَّى بِالْمُنَاخِ عَنْ الْقُعُودِ عَنْ السَّفَرِ إلَى الْهِجْرَةِ، وَالْمُنَاخُ بِضَمِّ الْمِيمِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
٣٥١١ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ) .
٣٥١٢ - (وَعَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ فَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَفَرَضَ لِابْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَلِمَ
стр. 2804
نَقَصْتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ؟ قَالَ: إنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ، يَقُولُ: هُوَ لَيْسَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ) .
٣٥١٣ - (وَعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى السُّوقِ، فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا، وَاَللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا وَلَا لَهُمْ زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ، وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمْ الضَّبُعُ وَأَنَا ابْنَةُ خُفَافِ بْنِ إيمَاءٍ الْغِفَارِيِّ، وَقَدْ شَهِدَ أَبِي الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَقَفَ مَعَهَا عَمَرُ وَلَمْ يَمْضِ وَقَالَ: مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ غَرَارَتَيْنِ مَلَأَهُمَا طَعَامًا، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا، ثُمَّ نَاوَلَهَا خِطَامَهُ، فَقَالَ: اقْتَادِيهِ فَلَنْ يَفْنَى هَذَا حَتَّى يَأْتِيَكُمْ اللَّهُ بِخَيْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرْتَ لَهَا، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ فَأَصْبَحْنَا نَسْتَفِئُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ أَخْرَجَهُنَّ الْبُخَارِيُّ) .
٣٥١٤ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ قَالَ: بِمَنْ تَرَوْنَ أَبْدَأُ؟ قِيلَ لَهُ: ابْدَأْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِكَ، قَالَ: بَلْ أَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) .
أَبْوَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ بَابُ مَا يَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ
ــ
[نيل الأوطار]
نَقَصْتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ؟ قَالَ: إنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ، يَقُولُ: هُوَ لَيْسَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ) .
٣٥١٣ - (وَعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى السُّوقِ، فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا، وَاَللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا وَلَا لَهُمْ زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ، وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمْ الضَّبُعُ وَأَنَا ابْنَةُ خُفَافِ بْنِ إيمَاءٍ الْغِفَارِيِّ، وَقَدْ شَهِدَ أَبِي الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَقَفَ مَعَهَا عَمَرُ وَلَمْ يَمْضِ وَقَالَ: مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ غَرَارَتَيْنِ مَلَأَهُمَا طَعَامًا، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا، ثُمَّ نَاوَلَهَا خِطَامَهُ، فَقَالَ: اقْتَادِيهِ فَلَنْ يَفْنَى هَذَا حَتَّى يَأْتِيَكُمْ اللَّهُ بِخَيْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرْتَ لَهَا، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ فَأَصْبَحْنَا نَسْتَفِئُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ أَخْرَجَهُنَّ الْبُخَارِيُّ) .
٣٥١٤ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ قَالَ: بِمَنْ تَرَوْنَ أَبْدَأُ؟ قِيلَ لَهُ: ابْدَأْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِكَ، قَالَ: بَلْ أَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) . قَوْلُهُ: (لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ) فِيهِ إشْعَارٌ بِمَزِيَّةِ الْبَدْرِيِّينَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ عَدَاهُمْ وَإِنْ هَاجَرَ وَنَصَرَ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَشَرْحُهُ قَوْلُهُ: (إنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا كَمَالَ أَجْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا هِيَ الَّتِي تَكُونُ بِاخْتِيَارٍ وَقَصْدٍ لَا مُجَرَّدِ الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَكَانِ إلَى الْمَكَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هِجْرَةً فِي الصُّورَةِ وَالْحَقِيقَةِ لَكِنَّ كَمَالَ الْأَجْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا. وَلِهَذَا جَعَلَ عُمَرُ هِجْرَةَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ كَلَا هِجْرَةَ.
وَقَالَ: إنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مُمَيِّزًا وَقْتَ الْهِجْرَةِ قَوْلُهُ: (مَا يُنْضِجُونَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ جِيمٍ: أَيْ لَمْ يَبْلُغُوا إلَى سِنِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الطَّبْخِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسُوا بِأَهْلِ أَمْوَالٍ يَسْتَغْنُونَ بِغَلَّتِهَا، وَلَا أَهْلِ مَوَاشٍ يَعِيشُونَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَدْهَانِهَا وَأَصْوَافِهَا قَوْلُهُ: (وَالضَّبُعُ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا هِيَ مُؤَنَّثَةٌ: اسْمٌ لِسَبْعٍ كَالذِّئْبِ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، إنَّمَا الْمُرَادُ السَّنَةُ الْمُجْدِبَةُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالضَّبُعُ كَالرَّجُلِ السَّنَةُ الْمُجْدِبَةُ قَوْلُهُ: (خِفَافٌ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، وَإِيمَاءٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَالْكَسْرُ أَشْهُرُ وَسُكُونُ الْيَاءِ قَوْلُهُ: (فَوَقَفَ مَعَهَا عُمَرُ)
стр. 2805
٣٥١٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنُ مَاجَهْ " أَوْ نَصْلٍ ") .
٣٥١٦ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْخَيْلِ فَأُرْسِلَتْ الَّتِي ضَمُرَتْ مِنْهَا، وَأَمَدُهَا الْحَفْيَاءُ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَاَلَّتِي لَمْ تَضْمُرْ أَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ بَيْنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةَ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةً. وَلِلْبُخَارِيِّ قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
أَيْ لَمْ يُجَاوِزْ الْمَكَانَ الَّذِي سَأَلَتْهُ وَهُوَ فِيهِ. بَلْ وَقَفَ حَتَّى سَمِعَ مِنْهَا ثُمَّ انْصَرَفَ بَعْدَ ذَلِكَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا.
وَالْمُرَادُ بِالنَّسَبِ الْقَرِيبِ: الَّذِي يَعْرِفُهُ السَّامِعُ بِلَا سَرْدٍ لِكَثِيرٍ مِنْ الْآبَاءِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَشْرَافِ الْمَشَاهِيرِ قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً) أَيْ دَرَاهِمَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّفَقَةُ مَا تُنْفِقُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الثُّكْلُ بِالضَّمِّ: الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ وَفِقْدَانُ الْحَبِيبِ أَوْ الْوَلَدِ وَيُحَرَّكُ، وَقَدْ ثَكِلَهُ كَفَرِحَ فَهُوَ ثَاكِلٌ وَثَكْلَانُ وَهِيَ ثَاكِلٌ وَثَكْلَانَةٌ قَلِيلَةٌ وَثَكُولٌ وَأَثْكَلَتْ لَزِمَهَا الثُّكْلُ فَهِيَ مُثْكَلٌ مِنْ مَثَاكِيلَ انْتَهَى قَوْلُهُ: (نَسْتَفِئُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ نَأْخُذُهَا لِأَنْفُسِنَا وَنَقْتَسِمُهَا قَوْلُهُ: (بَلْ أَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْبُدَاءَةِ بِقَرَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَتَقْدِيمِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ
[أَبْوَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ]
[بَابُ مَا يَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ]
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِالْوَقْفِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: (لَا سَبَقَ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَفْتُوحَةً أَيْضًا: مَا يُجْعَلُ لِلسَّابِقِ عَلَى مَنْ سَبَقَهُ مِنْ جَعْلٍ، قَالَهُ الْخَطَّابِيِّ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَحَكَى
стр. 2806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَصْدَرٌ وَبِفَتْحِهَا: الْجَعْلُ وَهُوَ الثَّابِتُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُ: " فِي خُفٍّ " كِنَايَةٌ عَنْ الْإِبِلِ وَالْحَافِرِ عَنْ الْخَيْلِ.
وَالنَّصْلِ عَنْ السَّهْمِ أَيْ ذِي خُفٍّ أَوْ ذِي حَافِرٍ أَوْ ذِي نَصْلٍ، وَالنَّصْلُ: حَدِيدَةُ السَّهْمِ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السِّبَاقِ عَلَى جَعْلٍ، فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَسَابِقِينَ كَالْإِمَامِ يَجْعَلُهُ لِلسَّابِقِ فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِ الْمُتَسَابِقِينَ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا حَكَاهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ مُحَلِّلٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا لِيَخْرُجَ الْعَقْدُ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَبَقًا، فَمَنْ غَلَبَ أَخَذَ السَّبَقَيْنِ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَنْعِهِ كَمَا حَكَاهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي الْمُحَلِّلِ أَنْ لَا يَكُونَ يَتَحَقَّقُ السَّبَقُ، وَهَكَذَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابِقَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَكِنْ قَصَرَهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ وَالنَّصْلِ، وَخَصَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْخَيْلِ، وَأَجَازَهُ عَطَاءٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَدْ حَكَى فِي الْبَحْرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَقْدَ الْمُسَابَقَةِ عَلَى مَالٍ بَاطِلٍ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ.
وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَابْنِ خَيْرَانِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَذْلُ الْمَالِ مِنْ جِهَتهِمَا وَإِنْ دَخَلَ الْمُحَلِّلُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّبَقُ عَلَى الْفِيَلَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ يَحْيَى وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْأَقْدَامِ مَعَ الْعِوَضِ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ شُرُوطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا. الثَّانِي: كَوْنُ الْمُسَابَقَةِ مَعْلُومَةَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ. الثَّالِثُ: كَوْنُ السَّبْقِ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَعْلُومًا، يَعْنِي الْمِقْدَارَ الَّذِي يَكُونُ مَنْ سَبَقَ بِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْجَعْلِ. الرَّابِعُ: تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِينَ. الْخَامِسُ: إمْكَانُ سَبْقِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَوْ عُلِمَ عَجْزُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ إذْ الْقَصْدُ الْخِبْرَةُ قَوْلُهُ: (ضَمُرَتْ) لَفْظُ الْبُخَارِيِّ " الَّتِي أُضْمِرَتْ " وَاَلَّتِي لَمْ تُضْمَرْ بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ تُعْلَفَ الْخَيْلُ حَتَّى تَسْمَنَ وَتَقْوَى ثُمَّ يُقَلَّلَ عَلَفُهَا بِقَدْرِ الْقُوتِ وَتُدْخَلَ بَيْتًا وَتُغَشَّى بِالْجَلَّالِ حَتَّى تُحْمَى فَتَعْرَقَ، فَإِذَا جَفَّ عِرْقُهَا خَفَّ لَحْمُهَا وَقَوِيَتْ عَلَى الْجَرْيِ، هَكَذَا فِي الْفَتْحِ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَاهُ فِي النِّهَايَةِ، وَزَادَ فِي الصِّحَاحِ: وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَوْلُهُ: (الْحَفْيَاءُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ. وَحَكَى الْحَازِمِيُّ تَقْدِيمَ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْفَاءِ.
وَحَكَى عِيَاضٌ ضَمَّ أَوَّلِهِ وَخَطَّأَهُ. قَوْلُهُ: (ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ) هِيَ قَرِيبٌ مِنْ الْمَدِينَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوَدِّعِينَ يَمْشُونَ مَعَ حَاجِّ الْمَدِينَةِ إلَيْهَا قَوْلُهُ: (زُرَيْقٌ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ. وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُسَابَقَةِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْعَبَثِ بَلْ مِنْ الرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ فِي الْغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِبَاحَةِ بِحَسَبِ الْبَاعِثِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ
стр. 2807
٣٥١٧ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّقَ بِالْخَيْلِ وَرَاهَنَ» وَفِي لَفْظٍ: سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَأَعْطَى السَّابِقَ. رَوَاهُمَا أَحْمَدُ)
٣٥١٨ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٣٥١٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ وَقِيلَ لَهُ: «أَكُنْتُمْ تُرَاهِنُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرَاهِنُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ لَقَدْ رَاهَنَ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهُ سَبْحَةٌ، فَسَبَقَ النَّاسَ فَبَهَشَ لِذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٣٥٢٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: سُبِقَتْ الْعَضْبَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُحَلِّلِ وَآدَابِ السَّبَقَ
ــ
[نيل الأوطار]
الدَّوَابِّ وَعَلَى الْأَقْدَامِ، وَكَذَا الرَّمْيُ بِالسِّهَامِ وَاسْتِعْمَالُ الْأَسْلِحَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّدَرُّبِ عَلَى الْجَرْيِ، وَفِيهِ جَوَازُ تَضْمِيرِ الْخَيْلِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَشَقَّةِ سُوقِهَا، وَلَا يَخْفَى اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ لِلْغَزْوِ.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِعْلَامِ بِالِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ عِنْدَ الْمُسَابَقَةِ..
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَقَوَّى إسْنَادَهُ الْحَافِظُ وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادَيْنِ رِجَالُ أَحَدِهِمَا ثِقَاتٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا سَبَقًا» وَفِي إسْنَادِهِ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ رَأْيُ ابْنِ حِبَّانَ فَصَحَّحَ حَدِيثَهُ تَارَةً، وَقَالَ فِي الضُّعَفَاءِ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَقَالَ فِي الثِّقَاتِ: يُخْطِئُ وَيُخَالِفُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ الْأَوَّلُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي لَبِيَدٍ قَالَ: " أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ
стр. 2808
٣٥٢١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا بَأْسَ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ آمِنٌ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ)
ــ
[نيل الأوطار]
مَالِكٍ " وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَزْمٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُتْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: «كُنَّا فِي الْحِجْرِ بَعْدَمَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ، فَلَمَّا أَسْفَرْنَا إذَا فِينَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَجَعَلَ يَسْتَقْرِينَا رَجُلًا رَجُلًا وَيَقُولُ: صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ صَلَّيْتَ يَا أَبَا عُبَيْدٍ؟ فَقُلْت: هَهُنَا، فَقَالَ بَخٍ بَخٍ مَا يُعْلَمُ صَلَاةٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَسَأَلُوهُ: أَكُنْتُمْ تُرَاهِنُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَقَدْ رَاهَنَ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهَا سَبْحَةُ فَجَاءَتْ سَابِقَةً» .
قَوْلُهُ: (سَبَّقَ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا قَافٌ قَوْلُهُ: (وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ) بِالْقَافِ مَضْمُومَةٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ قَارِحٍ: وَهُوَ مَا كَمُلَتْ سِنَّهُ كَالْبَازِلِ مِنْ الْإِبِلِ.
قَوْلُهُ: (سَبْحَةٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ سَبَّاحٌ: إذَا كَانَ حَسَنَ مَدِّ الْيَدَيْنِ فِي الْجَرْيِ قَوْلُهُ: (فَبَهَشَ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: هَشَّ وَفَرِحَ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ قَوْلُهُ: (تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَمَدِّ الْيَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَتَفْسِيرُهَا غَيْرَ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ) زَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ حُمَيْدٍ: أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ شَكٌّ مِنْهُ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِإِسْنَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ: (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الشَّدِيدِ قَوْلُهُ
(عَلَى قَعُودٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَهُوَ مَا اسْتَحَقَّ الرُّكُوبَ مِنْ الْإِبِلِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْبِكْرُ حَتَّى يُرْكَبَ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ابْنَ سَنَتَيْنِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّادِسَةِ فَيُسَمَّى جَمَلًا. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: لَا يُقَالُ إلَّا لِلذَّكَرِ وَلَا يُقَالُ لِلْأُنْثَى قَعُودَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا قَلُوصٌ. وَقَدْ حَكَى الْكِسَائِيُّ فِي النَّوَادِرِ قَعُودَةً لِلْقَلُوصِ، وَكَلَامُ الْأَكْثَرِ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْقَعُودَةُ مِنْ الْإِبِلِ: مَا يَقْتَعِدُهُ الرَّاعِي لِحَمْلِ مَتَاعِهِ وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا،. . . إلَخْ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ «أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْءٌ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا» وَفِي الْحَدِيثِ اتِّخَاذُ الْإِبِلِ لِلرُّكُوبِ وَالْمُسَابَقَةِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ التَّزْهِيدُ فِي الدُّنْيَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا لَا يَرْتَفِعُ إلَّا اتَّضَعَ، وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوَاضُعُهُ.
стр. 2809
٣٥٢٢ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَرَسٌ يَرْبِطُهُ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَثَمَنُهُ أَجْرٌ، وَرُكُوبُهُ أَجْرٌ، وَعَارِيَّتُهُ أَجْرٌ، وَعَلَفُهُ أَجْرٌ. وَفَرَسٌ يُغَالِقُ فِيهِ الرَّجُلُ وَيُرَاهِنُ فَثَمَنُهُ وِزْرٌ وَعَلَفُهُ وِزْرٌ وَرُكُوبُهُ وِزْرٌ. وَفَرَسٌ لِلْبَطْنَةِ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ سَدَادًا مِنْ الْفَقْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ» )
٣٥٢٣ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فَاَلَّذِي يَرْتَبِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ فَاَلَّذِي يُقَامِرُ، أَوْ يُرَاهِنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الْإِنْسَانِ فَالْفَرَسُ يَرْتَبِطُهُ الْإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا فَهِيَ سِتْرُ فَقْرٍ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَيُحْمَلَانِ عَلَى الْمُرَاهَنَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُحَلِّلِ وَآدَابِ السَّبَقَ]
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ وَصَحَّحَهُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ: تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ الْوَلِيدُ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد عَنْ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الْوَلِيدِ لَكِنَّهُ أَبْدَلَ قَتَادَةَ بِالزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَسُفْيَانُ ضَعِيفٌ فِي الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَشُعَيْبٌ وَعُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ عِنْدَنَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدٍ مِنْ قَوْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَعِينٍ فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ وَضَرَبَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالصَّوَابُ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ كَمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ. وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ شَرِيكٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا. فَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامٍ عَنْهُ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ. قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ رَوَاهُ عَبْدَانُ عَنْ هِشَامٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِثْلُ مَا قَالَ عُبَيْدٌ، وَقَالَ: إنَّهُ غَلَطٌ، قَالَ: فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْغَلَطَ فِيهِ مِنْ هِشَامٍ وَذَلِكَ بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الرَّجُلِ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: إنَّ حَدِيثَ الرَّجُلِ مِنْ الْأَنْصَارِ،
стр. 2810
٣٥٢٤ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ يَوْمَ الرِّهَانِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٣٥٢٥ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٣٥٢٦ - (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا عَلِيُّ قَدْ جَعَلْتُ إلَيْكَ هَذِهِ السُّبْقَةَ بَيْنَ النَّاسِ» ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَدَعَا سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إنِّي قَدْ جَعَلْتُ إلَيْكَ مَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عُنُقِي مِنْ هَذِهِ السُّبْقَةِ فِي عُنُقِك، فَإِذَا أَتَيْتَ
ــ
[نيل الأوطار]
رِجَالُ أَحْمَدَ فِيهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَيْضًا: رِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَشْهَدُ لَهُمَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَلِّلِ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَقِّقَ السَّبَقِ وَإِلَّا كَانَ قِمَارًا.
وَقِيلَ إنَّ الْغَرَضَ الَّذِي شُرِعَ لَهُ السِّبَاقُ هُوَ مَعْرِفَةُ الْخَيْلِ السَّابِقِ مِنْهَا وَالْمَسْبُوقِ، فَإِذَا كَانَ السَّابِقُ مَعْلُومًا فَاتَ الْغَرَضُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ قَوْلُهُ: (الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ. . . إلَخْ) قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ وَشَرْحُ مَا بَعْدَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَقَوْلُهُ " يُغَالِقُ " بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مِنْ الْمُغَالَقَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمُغَالَقَةُ: الْمُرَاهَنَةُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَيُرَاهِنُ " عَطْفُ بَيَانٍ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُرَاهَنَةِ الْمُحَرَّمَةِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ قَوْلُهُ: (وَفَرَسٌ لِلْبَطْنَةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَبْطَنَ الْبَعِيرُ شَدَّ بِطَانَهُ كَبَطْنِهِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا الْفَرَسُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلرُّكُوبِ.
وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. تَقْسِيمُ الْخَيْلِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا: الْخَيْلُ الْمُعَدَّةُ لِلْجِهَادِ وَهِيَ الْأَجْرُ، وَمِنْهَا: الْخَيْلُ الْمُتَّخَذَةُ أَشَرًا وَبَطَرًا وَهِيَ الْوِزْرُ، وَمِنْهَا: الْخَيْلُ الْمُتَّخَذَةُ تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا وَهِيَ السِّتْرُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَرَسِ الَّتِي لِلْبَطْنَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا هُوَ الْمُتَّخَذُ لِلتَّكَرُّمِ وَالتَّجَمُّلِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ. وَأَمَّا فَرَسُ الْإِنْسَانِ فَالْفَرَسُ الَّذِي يَرْتَبِطُهُ الْإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْأَفْرَاسِ لِلنِّتَاجِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: رَجُلٌ ارْتَبَطَ فَرَسًا لِيَسْتَبْطِنَهَا: أَيْ يَطْلُبُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ النِّتَاجِ قَوْلُهُ: (فَاَلَّذِي يُقَامِرُ أَوْ يُرَاهِنُ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: قَامَرَهُ مُقَامَرَةً وَقِمَارًا فَقَمَرَهُ كَنَصَرَهُ، وَتَقَمَّرَهُ: رَاهَنَهُ فَغَلَبَهُ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ " أَوْ يُرَاهِنُ عَلَيْهِ " شَكًّا مِنْ الرَّاوِي، قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلَانِ عَلَى الْمُرَاهَنَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْجَعْلُ لِلسَّابِقِ مِنْ الْمَسْبُوقِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.
стр. 2811
الْمِيطَانَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَالْمِيطَانُ مُرْسِلُهَا مِنْ الْغَايَةِ، فَصُفَّ الْخَيْلَ ثُمَّ نَادِ هَلْ مِنْ مُصْلِحٍ لِلِجَامٍ أَوْ حَامِلٍ لِغُلَامٍ أَوْ طَارِحٍ لِجُلٍّ فَإِذَا لَمْ يُجِبْكَ أَحَدٌ فَكَبِّرْ ثَلَاثًا ثُمَّ خَلِّهَا عِنْدَ الثَّالِثَةِ يُسْعِدُ اللَّهُ بِسَبْقِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقْعُدُ عِنْدَ مُنْتَهَى الْغَايَةِ، وَيَخُطُّ خَطًّا وَيُقِيمُ رَجُلَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ عِنْدَ طَرَفِ الْخَطِّ طَرَفُهُ بَيْنَ إبْهَامَيْ أَرْجُلِهِمَا، وَتَمُرُّ الْخَيْلُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَيَقُولُ: إذَا خَرَجَ أَحَدُ الْفَرَسَيْنِ عَلَى صَاحِبهِ بِطَرَفِ أُذُنَيْهِ أَوْ أُذُنٍ أَوْ عِذَارٍ فَاجْعَلُوا السُّبْقَةَ لَهُ، فَإِنْ شَكَكْتُمَا فَاجْعَلَا سَبْقَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَرَنْتُمْ ثِنْتَيْنِ فَاجْعَلُوا الْغَايَةَ مِنْ غَايَةِ أَصْغَرِ الثِّنْتَيْنِ وَلَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) .
بَابُ الْحَثِّ عَلَى الرَّمْيِ
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَزِيَادَةُ يَوْمِ الرِّهَانِ انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُد وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هُوَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَبَيَانُ مَا فِي الْبَابِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي الزَّكَاةِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا حَدِيثٌ آخَرُ بِلَفْظِ «لَا جَلَبَ فِي الْإِسْلَامِ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ أَبُو شَيْبَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» وَتَقَدَّمَ أَيْضًا هُنَالِكَ تَفْسِيرُ الْجَلَبِ وَالْجَنَبِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَلَبِ فِي الرِّهَانِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَجُلٍ يَجْلُبُ عَلَى فَرَسِهِ: أَيْ يَصِيحُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْبِقَ وَالْجَنَبُ: أَنْ يَجْنُبَ فَرَسًا إلَى فَرَسِهِ حَتَّى إذَا فَتَرَ الْمَرْكُوبُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَجْنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لَهُ تَفْسِيرَانِ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنًى فِي الرِّهَانِ وَمَعْنًى فِي الزَّكَاةِ كَمَا سَلَفَ، وَتَبِعَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ. وَالرِّهَانُ: الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْخَيْلِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَالشِّغَارُ بِالشِّينِ وَالْغَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي النِّكَاحِ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: هَذَا إسْنَادٌ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (هَذِهِ السُّبْقَةُ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا قَافٌ: هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ الْمُتَسَابِقَانِ بَيْنَهُمَا يَأْخُذُهُ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: السُّبْقَةُ بِالضَّمِّ: الْخَطَرُ يُوضَعُ بَيْنَ أَهْلِ السِّبَاقِ، الْجَمْعُ أَسْبَاقٌ، قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَتَيْتَ الْمِيطَانَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْمِيطَانُ بِالْكَسْرِ: الْغَايَةُ. قَوْلُهُ: (فَصُفَّ الْخَيْلَ) هِيَ خَيْلُ الْحَلْبَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْحَلْبَةُ بِالْفَتْحِ: الدَّفْعَةُ مِنْ الْخَيْلِ فِي الرِّهَانِ، وَخَيْلٌ تَجْتَمِعُ لِلسِّبَاقِ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَرْتِيبُهَا الْمُجَلِّي، ثُمَّ الْمُصَلِّي، ثُمَّ الْمُسَلِّي، ثُمَّ التَّالِي، ثُمَّ الْعَاطِفُ. ثُمَّ الْمُرْتَاحُ، ثُمَّ الْمُؤَمَّلُ، ثُمَّ الْحَظِيُّ، ثُمَّ اللَّطِيمُ، ثُمَّ السُّكَيْتُ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَسُمِّيَ الْمُصَلِّي لِأَنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صِلَا السَّابِقِ: وَهُوَ مَا عَنْ يَمِينِ الذَّنَبِ وَشِمَالِهِ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: وَالسُّكَيْتُ مُخَفَّفٌ وَمُشَدَّدٌ وَهُوَ
стр. 2812
٣٥٢٧ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ بِالسُّوقِ، فَقَالَ: ارْمُوا يَا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا
ــ
[نيل الأوطار]
بِضَمِّ السِّينِ. قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَالْمَحْفُوظُ الْمُجَلِّي وَالْمُصَلِّي وَالسُّكَيْتُ، وَبَاقِي الْأَسْمَاءِ مُحْدَثَةٌ انْتَهَى. وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ لِضَبْطِهَا نَظْمًا فِي أَبْيَاتٍ مِنْهَا:
شَهِدْنَا الرِّهَانَ غَدَاةَ الرِّهَانِ ... بِمُجْمَعَةٍ ضَمَّهَا الْمَوْسِمُ
فَجَلَّى الْأَغَرُّ وَصَلَّى الْكُمَيْتُ ... وَسَلَّى فَلَمْ يَذْمُمْ الْأَدْهَمُ
وَجَاءَ اللَّطِيمُ لَهَا تَالِيًا ... وَمِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ يَلْطِمُ
وَغَابَ عَنِّي بَقِيَّةُ النَّظْمِ، وَضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
سَبَقَ الْمُجَلِّي وَالْمُصَلِّي بَعْدَهَ ... ثُمَّ الْمُسَلِّي بَعْدُ وَالْمُرْتَاحُ
وَلِعَاطِفٍ وَحَظِيِّهَا وَمُؤَمَّلٍ ... وَلَطِيمِهَا وَسُكَيْتِهَا إيضَاحُ
وَالْعَاشِرُ الْمَنْعُوتُ مِنْهَا فُسْكُلٌ ... فَافْهَمْ هُدِيتَ فَمَا عَلَيْكَ جُنَاحُ
وَجَمَعَهَا أَيْضًا الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ فَقَالَ:
مُجَلٍّ مُصَلٍّ مُسَلٍّ لَهَا ... وَمُرْتَاحُ عَاطِفُهَا وَالْحَظِيُّ
وَمُسْحَنْفَرٌ وَمُؤَمَّلُهَا وَبَعْ ... دَ اللَّطِيمِ السُّكَيْتُ الْبِطِي
قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَادِ. . . إلَخْ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّأَنِّي قَبْلَ إرْسَالِ خَيْلِ الْحَلْبَةِ وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى إصْلَاحِ مَا يَحْتَاجُ إلَى إصْلَاحِهِ، وَجَعَلَ عَلَامَةً عَلَى الْإِرْسَالِ مِنْ تَكْبِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَأْمِيرُ أَمِيرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (يُسْعِدُ اللَّهُ بِسَبْقِهِ. . . إلَخْ) فِيهِ أَنَّ السِّبَاقَ حَلَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَيَخُطُّ خَطًّا. . . إلَخْ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّحَرِّي فِي تَبْيِينِ الْغَايَةِ الَّتِي جُعِلَ السِّبَاقُ إلَيْهَا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالشِّقَاقِ وَالِافْتِرَاقِ قَوْلُهُ: (بِطَرَفِ أُذُنَيْهِ) . . . إلَخْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّبَقَ يَحْصُلُ بِمِقْدَارٍ يَسِيرٍ مِنْ الْفَرَسِ كَطَرْفِ الْأُذُنَيْنِ أَوْ طَرْفِ أُذُنٍ وَاحِدَةٍ قَوْلُهُ: (فَإِنْ شَكَكْتُمَا. . . إلَخْ) فِيهِ جَوَازُ قِسْمَةِ مَا يُرَاهِنُ عَلَيْهِ الْمُتَسَابِقُونَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي السَّابِقِ، قَوْلُهُ: (فَإِذَا قَرَنْتُمْ ثِنْتَيْنِ) أَيْ إذَا جُعِلَ الرِّهَانُ بَيْنَ فَرَسَيْنِ مِنْ جَانِبٍ وَفَرَسَيْنِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَلَا يُحْكَمْ لِأَحَدِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ بِالسَّبْقِ بِمُجَرَّدِ سَبْقِ أَكْبَرِ الْفَرَسَيْنِ إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا صُغْرَى وَالْأُخْرَى كُبْرَى بَلْ الِاعْتِبَارُ بِالصُّغْرَى.
стр. 2813
مَعَ بَنِي فُلَانٍ، قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْحَثِّ عَلَى الرَّمْيِ]
قَوْلُهُ: (يَنْتَضِلُونَ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ يَتَرَامَوْنَ
وَالنِّضَالُ: التَّرَامِي لِلسَّبَقِ وَنَضَلَ، فُلَانٌ فُلَانًا: إذَا غَلَبَهُ. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: نَضَلَهُ مُنَاضَلَةً وَنِضَالًا وَنِيضَالًا: بَارَاهُ فِي الرَّمْيِ وَنَضَلْتُهُ: سَبَقْتُهُ فِيهِ، قَوْلُهُ: (وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَالْبَزَّارِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ اوَاسْمُ ابْنِ الْأَدْرَعِ مِحْجَنٌ.
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " وَأَنَا مَعَ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ " وَقِيلَ اسْمُهُ سَلَمَةُ حَكَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ. قَالَ: وَالْأَدْرَعُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ قَوْلُهُ: (قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟) ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ: " بَيْنَا مِحْجَنُ بْنُ الْأَدْرَعِ يُنَاضِلُ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ نَضْلَةٌ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ " فَقَالَ نَضْلَةٌ: وَأَلْقَى قَوْسَهُ مِنْ يَدِهِ وَاَللَّهِ لَا أَرْمِي مَعَهُ وَأَنْتَ مَعَهُ " قَوْلُهُ: (وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ) بِكَسْرِ اللَّامُ تَأْكِيدٌ لَلضَّمِيرِ.
وَفِي رِوَايَةٍ " وَأَنَا مَعَ جَمَاعَتِكُمْ " وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ الْقَصْدِ إلَى الْخَيْرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَامَ مَقَامَ الْمُحَلِّلِ فَيَخْرُجُ السَّبَقُ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ لَا يَخْرُجُ، وَقَدْ خَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِمَامِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: " مَنْ كُنْت مَعَهُ فَقَدْ غَلَبَ " وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَهَذِهِ هِيَ عِلَّةُ الِامْتِنَاعِ.
وَفِي الْحَدِيثِ النَّدْبُ إلَى اتِّبَاعِ خِصَالِ الْآبَاءِ الْمَحْمُودَةِ وَالْعَمَلِ بِمِثْلِهَا، وَفِيهِ أَيْضًا حُسْنُ أَدَبِ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَحُسْنُ خُلُقِهِ وَالتَّنْوِيهُ بِفَضِيلَةِ الرَّمْيِ.
٣٥٢٨ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ « ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ) .
٣٥٢٩ - (وَعَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) . قَوْلُهُ: (أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّمَا فَسَّرَ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ وَإِنْ كَانَتْ الْقُوَّةُ تَظْهَرُ بِإِعْدَادِ غَيْرِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ لِكَوْنِ الرَّمْيِ أَشَدَّ نِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ وَأَسْهَلَ مُؤْنَةً لَهُ؛
стр. 2814
٣٥٣٠ - (وَعَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَاَلَّذِي يُجَهِّزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَقَالَ -: ارْمُوا وَارْكَبُوا، فَإِنْ تَرْمُوا خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، - وَقَالَ -: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلَاثًا: رَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
لِأَنَّهُ قَدْ يُرْمَى رَأْسُ الْكَتِيبَةِ فَيُصَابُ فَيَنْهَزِمُ مَنْ خَلْفَهُ اهـ.
وَكَرَّرَ ذَلِكَ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعَلُّمِهِ وَإِعْدَادِ آلَاتِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِتَعَلُّمِ آلَاتِ الْجِهَادِ وَالتَّمَرُّنِ فِيهَا وَالْعِنَايَةِ فِي إعْدَادِهَا لِيَتَمَرَّنَ بِذَلِكَ عَلَى الْجِهَادِ وَيَتَدَرَّبَ فِيهِ، وَيُرَوِّضَ أَعْضَاءَهُ قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ مِنَّا) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي مَوَاضِعَ.
وَفِي ذَلِكَ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَرَكَهُ كَانَ آثِمًا إثْمًا شَدِيدًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعِنَايَةِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْعِنَايَةِ بِأَمْرِ الْجِهَادِ، وَتَرْكَ الْعِنَايَةِ بِالْجِهَادِ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْعِنَايَةِ بِالدِّينِ لِكَوْنِهِ سَنَامَهُ وَبِهِ قَامَ.
٣٥٣١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَوْسٌ عَرَبِيَّةٌ، فَرَأَى رَجُلًا بِيَدِهِ قَوْسٌ فَارِسِيَّةٌ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ أَلْقِهَا وَعَلَيْك بِهَذِهِ وَأَشْبَاهِهَا وَرِمَاحِ الْقَنَا، فَإِنَّهُمَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِمَا فِي الدِّينِ، وَيُمَكِّنُ لَكُمْ فِي الْبِلَادِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
٣٥٣٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ عَدْلٌ مُحَرَّرٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ دَرَجَةٌ» وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَلَغَ الْعَدُوَّ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ» ) . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي إسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ أَوْ ابْنُ يَزِيدَ وَفِيهِ مَقَالٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ، وَزَادَ أَبُو دَاوُد " وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا " وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي إسْنَادِهِ أَشْعَثُ بْنُ
стр. 2815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
سَعِيدٍ السَّمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ النَّضْرِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الرَّمْيِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀. مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ «تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي عَلَى مَنْ سَعَى بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ مَشَى بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ» وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْكِتَابَةَ وَالسِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (يَدْخُلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي آلَاتِ الْجِهَادِ وَإِصْلَاحِهَا وَإِعْدَادِهَا كَالْجِهَادِ فِي اسْتِحْقَاقِ فَاعِلِهِ الْجَنَّةَ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَحْضِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ بِإِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ، وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ.
وَأَمَّا مَنْ يَصْنَعْ ذَلِكَ لِمَا يُعْطَاهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فَهُوَ مِنْ الْمَشْغُولِينَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا لَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، نَعَمْ يُثَابُ مَعَ صَلَاحِ النِّيَّةِ كَمَنْ يَعْمَلُ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ النَّاسِ أَوْ يَعُولُ بِهَا قَرَابَتَهُ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «إنَّ الرَّجُلَ يُؤْجَرُ حَتَّى عَلَى اللُّقْمَةِ يَضَعُهَا فِي فَمِ امْرَأَتِهِ» قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يُجَهِّزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ الَّذِي يُعْطِي السَّهْمَ مُجَاهِدًا يُجَاهِدُ بِهِ فِي سَبِيل اللَّه قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَرْمُوا خَيْرٌ لَكُمْ. . . إلَخْ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الرَّمْيَ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِشِدَّةِ نِكَايَتِهِ فِي الْعَدُوِّ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ يَقُومُ فِيهِ الْقِتَالُ، وَفِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بِخِلَافِ الْخَيْلِ فَإِنَّهَا لَا تُقَابِلُ إلَّا فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْجَوَلَانُ دُونَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا صُعُوبَةٌ لَا تَتَمَكَّنُ الْخَيْلُ مِنْ الْجَرَيَانِ فِيهَا.
وَكَذَلِكَ الْمَعَاقِلُ وَالْحُصُونُ قَوْلُهُ: (كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ. . . إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى اللَّهْوِ دَاخِلٌ حَيِّزَ الْبُطْلَانِ إلَّا تِلْكَ الثَّلَاثَةَ الْأُمُورَ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي صُورَةِ اللَّهْوِ فَهِيَ طَاعَاتٌ مُقَرِّبَةٌ إلَى اللَّهِ مَعَ الِالْتِفَاتِ إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ النَّفْعِ الدِّينِيِّ قَوْلُهُ: (مَا هَذِهِ؟ أَلْقِهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَوْسِ الْعَجَمِيَّةِ وَاسْتِحْبَابِ مُلَازَمَةِ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ﷺ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ بِهَا وَبِرِمَاحِ الْقَنَا الدِّينَ وَيُمَكِّنُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْبِلَادِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ فَتَحُوا أَرَاضِيَ الْعُجْمِ كَالرُّومِ وَفَارِسَ وَغَيْرِهِمَا وَمُعْظَمُ سِلَاحِهِمْ تِلْكَ السِّهَامُ وَالرِّمَاحُ قَوْلُهُ: (فَهُوَ عَدْلٌ مُحَرَّرٌ) أَيْ مُحَرَّرٌ مِنْ رِقِّ الْعَذَابِ الْوَاقِعِ عَلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ أَوْ عَدْلُ ثَوَابِ مُحَرِّرٍ مِنْ الرِّقِّ: أَيْ ثَوَابُ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا قَوْلُهُ: (بَلَغَ الْعَدُوَّ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ) فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لِمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ الرَّمْيِ سَوَاءٌ أَصَابَ بِذَلِكَ السَّهْمِ أَوْ لَمْ يُصِبْ، وَسَوَاءٌ بَلَغَ إلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ اللَّهِ ﷻ عَلَى عِبَادِهِ لِجَلَالَةِ هَذِهِ الْقُرْبَةِ الْعَظِيمَةِ الشَّأْنِ الَّتِي هِيَ لِأَصْلِ الْإِسْلَامِ أَعْظَمُ أُسٍّ وَبُنْيَانٍ.
стр. 2816
بَابُ النَّهْيُ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ وَإِخْصَائِهَا وَالتَّحْرِيشِ بَيْنَهَا وَوَسْمِهَا فِي الْوَجْهِ
٣٥٣٣ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» ) .
٣٥٣٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُصَبَّرَ الْبَهَائِمُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) .
٣٥٣٥ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ) .
٣٥٣٦ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إخْصَاءِ الْخَيْلِ وَالْبَهَائِمِ» ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهَا نَمَاءُ الْخَلْقِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٣٥٣٧ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٣٥٣٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ، وَعَنْ وَسْمِ الْوَجْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي لَفْظٍ: «مُرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ: مُرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّي لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِي وَجْهِهَا أَوْ ضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا» وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٣٥٣٩ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا مَوْسُومَ الْوَجْهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، قَالَ: فَوَاَللَّهِ لَا أَسِمُهُ إلَّا فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ، وَأَمَرَ بِحِمَارِهِ فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ» ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ وَإِخْصَائِهَا وَالتَّحْرِيشِ بَيْنَهَا وَوَسْمِهَا فِي الْوَجْهِ]
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ
стр. 2817
بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ مِنْ الْخَيْلِ وَاخْتِيَارِ تَكْثِيرِ نَسْلِهَا
ــ
[نيل الأوطار]
صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وَعَنْ إخْصَاءِ الْبَهَائِمِ نَهْيًا شَدِيدًا» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي فِي إسْنَادِهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (لُعِنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) الْغَرَضُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ: وَهُوَ الْمَنْصُوبُ لِلرَّمْيِ، وَاللَّعْنُ: دَلِيلُ التَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ: (أَنْ تُصَبَّرَ الْبَهَائِمُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ: أَيْ تُحْبَسَ لِتُرْمَى حَتَّى تَمُوتَ، وَأَصْلُ الصَّبْرِ: الْحَبْسُ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: صَبْرُ الْبَهَائِمِ أَنْ تُحْبَسَ وَهِيَ حَيَّةٌ لِتُقْتَلَ بِالرَّمْيِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ مَعْنَى «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» أَيْ لَا تَتَّخِذُوا الْحَيَوَانَ الْحَيَّ غَرَضًا تَرْمُونَ إلَيْهِ كَالْغَرَضِ مِنْ الْجُلُودِ وَغَيْرِهَا. وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ لَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَإِتْلَافِ نَفْسِهِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ التَّحْرِيمُ قَوْلُهُ: (دَجَاجَةً) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَالدَّجَاجَةُ مَعْرُوفٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَتُثَلَّثُ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِمَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ " نَصَبُوا طَيْرًا " قَوْلُهُ: (عَنْ إخْصَاءِ الْخَيْلِ) الْإِخْصَاءُ: سَلُّ الْخُصْيَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَخَصَاهُ خَصْيًا: سَلَّ خُصْيَتَهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ خَصْيِ الْحَيَوَانَاتِ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ " فِيهَا نَمَاءُ الْخَلْقِ " أَيْ زِيَادَتُهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْخَصْيَ مِمَّا تَنْمُو بِهِ الْحَيَوَانَاتُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ جَالِبًا لِنَفْعٍ يَكُونُ حَلَالًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ، وَإِيلَامُ الْحَيَوَانِ هَهُنَا مَانِعٌ لِأَنَّهُ إيلَامٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّارِعُ بَلْ نَهَى عَنْهُ قَوْلُهُ: (عَنْ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: التَّحْرِيشُ: الْإِغْرَاءُ بَيْنَ الْقَوْمِ أَوْ الْكِلَابِ اهـ. فَجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِبَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِغْرَاءَ بَيْنَ مَا عَدَا الْكِلَابَ مِنْ الْبَهَائِمِ يُقَالُ لَهُ تَحْرِيشٌ. وَوَجْهُ النَّهْيِ أَنَّهُ إيلَامٌ لِلْحَيَوَانَاتِ وَإِتْعَابٌ لَهَا بِدُونِ فَائِدَةٍ بَلْ مُجَرَّدُ عَبَثٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ وَسْمِ الْوَجْهِ) الْوَسْمُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَاتِ وَكُتُبِ الْحَدِيثِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ، وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ فَقَالَ بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْوَجْهِ وَبِالْمُعْجَمَةِ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ وَسْمِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَهُوَ مَعْنَى النَّهْيِ حَقِيقَةً وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ اللَّعْنُ الْوَارِدُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْعَنُ ﷺ إلَّا مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَكَذَلِكَ ضَرْبُ الْوَجْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا الضَّرْبُ فِي الْوَجْهِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَالْحَمِيرِ وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْغَنَمِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّهُ فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ مَعَ أَنَّهُ لَطِيفٌ يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الضَّرْبِ وَرُبَّمَا شَانَهُ وَرُبَّمَا آذَى بَعْضَ الْحَوَاسِّ.
قَالَ: وَأَمَّا الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ لِلْحَدِيثِ وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَوَسْمُهُ حَرَامٌ لِكَرَامَتِهِ وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ. وَأَمَّا غَيْرُ الْآدَمِيِّ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ فَأَشَارَ
стр. 2818
٣٥٤٠ - (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ الْأَرْثَمُ، ثُمَّ الْمُحَجَّلُ طُلُقُ الْيَمِينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
إلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ فَاعِلَهُ، وَاللَّعْنُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَأَمَّا وَسْمُ غَيْرِ الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ فِي نَعَمِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِهَا وَلَا يُنْهَى عَنْهُ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْوَسْمُ: أَثَرُ الْكَيَّةِ وَقَدْ وَسَمَهُ يَسِمُهُ وَسْمًا وَسِمَةً. وَالْمِيسَمُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَسِمُ بِهِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ وَجَمْعُهُ مَيَاسِيمُ وَمَوَاسِمُ وَأَصْلُهُ كُلُّهُ مِنْ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ مَوْسِمُ الْحَجِّ: أَيْ مَعْلَمٌ يَجْمَعُ النَّاسَ، وَفُلَانٌ مَوْسُومٌ بِالْخَيْرِ وَعَلَيْهِ سِمَةُ الْخَيْرِ: أَيْ عَلَامَتُهُ، وَتَوَسَّمْتُ فِيهِ كَذَا: أَيْ رَأَيْتُ فِيهِ عَلَامَتَهُ قَوْلُهُ: (فِي جَاعِرَتَيْهِ) بِالْجِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ. وَالْجَاعِرَتَانِ: حَرْفَا الْوَرِكِ الْمُشْرِفَانِ مِمَّا يَلِي الدُّبُرَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا الْقَائِلُ فَوَاَللَّهِ لَا أَسِمُهُ إلَّا فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي تَارِيخِهِ قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مُسْتَشْكِلٌ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْعَبَّاسِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ هُوَ بِظَاهِرٍ فِيهِ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ جَرَتْ لِلْعَبَّاسِ وَلِابْنِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسِمَ الْغَنَمَ فِي آذَانِهَا وَالْإِبِلَ وَالْبَقَرَ فِي أُصُولِ أَفْخَاذِهَا لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ صَلْبٌ فَيَقِلُّ الْأَلَمُ فِيهِ وَيَخِفُّ شَعْرُهُ فَيَظْهَرُ الْوَسْمُ.
وَفَائِدَةُ الْوَسْمِ تَمْيِيزُ الْحَيَوَانِ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي مَاشِيَةِ الْجِزْيَةِ جِزْيَةٌ أَوْ صِغَارٌ، وَفِي مَاشِيَةِ الزَّكَاةِ زَكَاةٌ أَوْ صَدَقَةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: يُسْتَحَبُّ كَوْنُ مِيسَمِ الْغَنَمِ أَلْطَفَ مِنْ مِيسَمِ الْبَقَرِ، وَالْبَقَرُ أَلْطَفَ مِنْ مِيسَمِ الْإِبِلِ. وَحَكَى الِاسْتِحْبَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَهُمْ. وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ وَمُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْمُثْلَةِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا، وَالْجَوَابُ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَالتَّعْذِيبِ أَنَّهُ عَامٌّ، وَحَدِيثُ الْوَسْمِ خَاصٌّ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ
стр. 2819
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُمْنُ الْخَيْلِ فِي شُقْرِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٣٥٤٢ - (وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد) .
٣٥٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنْ الْخَيْلِ» وَالشِّكَالُ أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى وَفِي رِجْلِهِ الْيُسْرَى رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد) .
٣٥٤٤ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدًا مَأْمُورًا مَا اخْتَصَّنَا بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ إلَّا بِثَلَاثٍ: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٣٥٤٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «أُهْدِيَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنْزَيْنَا الْحُمُرَ عَلَى خَيْلِنَا فَجَاءَتْنَا بِمِثْلِ هَذِهِ، فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٣٥٤٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : يَا عَلِيُّ «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ، وَلَا تَأْكُلْ الصَّدَقَةَ، وَلَا تُنْزِ الْحُمُرَ عَلَى الْإِبِلِ، وَلَا تُجَالِسْ أَصْحَابَ النُّجُومِ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ مِنْ الْخَيْلِ وَاخْتِيَارِ تَكْثِيرِ نَسْلِهَا]
حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ لَهُ طَرِيقَانِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: إحْدَاهُمَا فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَالثَّانِيَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ
стр. 2820
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَالْمُصَارَعَةِ وَاللَّعِبِ بِالْحِرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ــ
[نيل الأوطار]
إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ شَيْبَانُ.
وَحَدِيثُ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيَّ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ، وَقِيلَ ابْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ.
. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَهِمَ فِيهِ الثَّوْرِيُّ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الْأَوَّلُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُ إسْنَادِ أَبِي دَاوُد ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طُرُقٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَأَشَارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ فِي إسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَتَشْهَدُ لَهُ أَحَادِيثُ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَأَحَادِيثُ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْآلِ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ إنْزَاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ النَّهْيِ عَنْ إتْيَانِ الْمُنَجِّمِينَ فَإِنَّ الْمُجَالَسَةَ إتْيَانٌ وَزِيَادَةٌ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ مُنَجِّمًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ﷺ قَوْلُهُ: (الْأَدْهَمُ) هُوَ شَدِيدُ السَّوَادِ، ذَكَرَهُ فِي الضِّيَاءِ قَوْلُهُ: (الْأَقْرَحُ) هُوَ الَّذِي فِي جَبْهَتِهِ قُرْحَةٌ: وَهِيَ بَيَاضٌ يَسِيرٌ فِي وَسَطِهَا قَوْلُهُ: (الْأَرْثَمُ) هُوَ الَّذِي فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا بَيَاضٌ قَوْلُهُ: (طُلُقُ الْيَمِينِ) طُلُقُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَاللَّامِ أَيْ غَيْرُ مُحَجَّلِهَا، وَكَذَا فِي شَمْسِ الْعُلُومِ قَوْلُهُ: (فَكُمَيْتُ) هُوَ الَّذِي لَوْنُهُ أَحْمَرُ يُخَالِطُهُ سَوَادٌ وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَا يُقَالُ أَكْمَتُ وَلَا كَمْتَاءُ وَالْجَمْعُ كُمْتٌ، وَقِيلَ إنَّ الْكُمَيْتَ: مَا فِيهِ حُمْرَةٌ مُخَالِطَةٌ لِسَوَادٍ وَلَيْسَتْ سَوَادًا خَالِصًا وَلَا حُمْرَةً خَالِصَةً. وَيُقَالُ الْكُمَيْتُ أَشَدُّ الْخَيْلِ جُلُودًا وَأَصْلَبُهَا حَوَافِرَ
قَوْلُهُ: (عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الشِّيَةُ كُلُّ لَوْنٍ يُخَالِفُ مُعْظَمَ لَوْنِ الْفَرَسِ وَغَيْرِهِ وَأَصْلُهُ مِنْ الْوَشْيِ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنْ الْوَاوِ، يُقَالُ وَشَيْتُ الثَّوْبَ أَشِيهِ وَشْيًا وَشِيَةً، وَالْوَشْيُ: النَّقْشُ، أَرَادَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَهَذَا اللَّوْنِ مِنْ الْخَيْلِ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْمُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ ثُمَّ الْكُمَيْتُ قَوْلُهُ: (يُمْنُ الْخَيْلِ فِي شُقْرِهَا) الْيُمْنُ: الْبَرَكَةُ، وَالْأَشْقَرُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: هُوَ مِنْ الدَّوَابِّ الْأَحْمَرِ فِي مُغْرَةٍ حُمْرَةٍ يَحْمَرُّ مِنْهَا الْعُرْفُ وَالذَّنَبُ اهـ.
وَقِيلَ: الْأَشْقَرُ مِنْ الْخَيْلِ نَحْوُ الْكُمَيْتِ، إلَّا أَنَّ الْأَشْقَرَ أَحْمَرُ الذَّيْلِ وَالنَّاصِيَةِ وَالْعُرْفِ، وَالْكُمَيْتُ أَسْوَدُهَا، وَالْأَدْهَمُ: شَدِيدُ السَّوَادِ كَذَا فِي الضِّيَاءِ قَوْلُهُ: (بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ) فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد " عَلَيْكُمْ بِكُلِّ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ أَوْ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ " فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَالْأَغَرُّ: هُوَ مَا كَانَ لَهُ غُرَّةٌ فِي جَبْهَتِهِ بَيْضَاءُ فَوْقَ الدِّرْهَمِ قَوْلَهُ: (يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنْ الْخَيْلِ) هُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى أَوْ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ
стр. 2821
٣٥٤٧ - «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَابَقَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ فَسَبَقْتُهُ، فَلَبِثْنَا حَتَّى إذَا أَرْهَقَنِي اللَّحْمُ سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
٣٥٤٨ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ، فَقُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ذَرْنِي فَلْأُسَابِقْ الرَّجُلَ، قَالَ: إنْ شِئْتَ، قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إلَى الْمَدِينَةِ» مُخْتَصَرًا مِنْ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ) .
ــ
[نيل الأوطار]
الْيُسْرَى كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ. وَقِيلَ: إنَّ الشِّكَالَ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثُ قَوَائِمَ مُحَجَّلَةً وَوَاحِدَةٌ مُطْلَقَةً، أَوْ الثَّلَاثُ مُطْلَقَةً وَوَاحِدَةٌ مُحَجَّلَةً وَلَا يَكُونُ الشِّكَالُ إلَّا فِي رِجْلٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ يَكُونُ الشِّكَالُ ثَلَاثَ قَوَائِمَ مُطْلَقَةٍ وَوَاحِدَةٌ مُحَجَّلَةً، قَالَ: وَلَا تَكُونُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ الْمُحَجَّلَةِ إلَّا الرِّجْلُ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الشِّكَالُ أَنْ يَكُونَ مُحَجَّلًا مِنْ شِقٍّ وَاحِدِ فِي رِجْلِهِ وَيَدِهِ، فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قِيلَ شِكَالٌ مُخَالِفٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ أَبُو عُمَرَ: الشِّكَالُ: بَيَاضُ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَالْيَدِ الْيُمْنَى. وَقِيلَ: بَيَاضُ الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَالْيَدِ الْيُسْرَى. وَقِيلَ: بَيَاضُ الْيَدَيْنِ. وَقِيلَ: بَيَاضُ الرِّجْلَيْنِ. وَقِيلَ: بَيَاضُ الرِّجْلَيْنِ وَيَدٍ وَاحِدَةٍ. وَقِيلَ: بَيَاضُ الْيَدَيْنِ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ شِكَالًا تَشْبِيهًا بِالشِّكَالِ الَّذِي يُشَكَّلُ بِهِ الْخَيْلُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي ثَلَاثِ قَوَائِمَ غَالِبًا.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ الْعُلَمَاءُ: كُرِهَ لِأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْمَشْكُولِ.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ الْجِنْسَ فَلَمْ تَكُنْ فِيهِ نَجَابَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ أَغَرَّ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ لِزَوَالِ شَبَهِهِ لِلشِّكَالِ قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا نُنْزِيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ) قَالَ الْخَطَّابِيِّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِيهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحُمُرَ إذَا حُمِلَتْ عَلَى الْخَيْلِ قَلَّ عَدَدُهَا وَانْقَطَعَ نَمَاؤُهَا وَتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهَا، وَالْخَيْلُ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِلرُّكُوبِ وَالرَّكْضِ وَالطَّلَبِ وَالْجِهَادِ وَإِحْرَازِ الْغَنَائِمِ وَلَحْمُهَا مَأْكُولٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَلَيْسَ لِلْبَغْلِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ فَأَحَبَّ أَنْ يُكْثِرَ نَسْلَهَا لِيَكْثُرَ الِانْتِفَاعُ بِهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ
стр. 2822
(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رُكَانَةُ: «أَنَّ رُكَانَةُ صَارَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٣٥٥٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ فَأَهْوَى إلَى الْحَصْبَاءِ فَحَصَبَهُمْ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهُمْ يَا عُمَرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةٍ: فِي الْمَسْجِدِ) .
٣٥٥١ - (وَعَنْ أَنَسٍ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ لَعِبَتْ الْحَبَشَةُ لِقُدُومِهِ بِحِرَابِهِمْ فَرَحًا بِذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٥٥٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً، فَقَالَ: شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: " يَتْبَعُ شَيْطَانًا ")
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَالْمُصَارَعَةِ وَاللَّعِبِ بِالْحِرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ، فَقِيلَ هَكَذَا، وَقِيلَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا، وَقِيلَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رُكَانَةُ فِي إسْنَادِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْحَسَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ رُكَانَةُ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ، فَأَتَى عَلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ رُكَانَةُ أَوْ رُكَانَةُ بْنُ يَزِيدَ وَمَعَهُ عِيرٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ لَك أَنْ تُصَارِعَنِي؟ فَقَالَ: مَا تَسْبِقُنِي؟ قَالَ: شَاةً مِنْ غَنَمِي، فَصَارَعَهُ فَصَرَعَهُ، فَأَخَذَ الشَّاةَ، فَقَالَ رُكَانَةُ: هَلْ لَكَ فِي الْعَوْدَةِ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا وَضَعَ جَنْبِي أَحَدٌ إلَى الْأَرْضِ وَمَا أَنْتَ بِاَلَّذِي تَصْرَعُنِي، فَأَسْلَمَ وَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ غَنَمَهُ» قَالَ الْحَافِظُ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إلَّا أَنَّ سَعِيدًا لَمْ يُدْرِكْ رُكَانَةُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِيَ مَوْصُولًا.
وَفِي كِتَابِ السَّبْقِ لِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمِصْرِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مُطَوَّلًا وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ
стр. 2823
بَابُ تَحْرِيمِ الْقِمَارِ وَاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ
ــ
[نيل الأوطار]
مَعْمَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَأَحْسَبُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «صَارَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا رُكَانَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ شَدِيدًا، فَقَالَ: شَاةً بِشَاةٍ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: عَاوِدْنِي فِي أُخْرَى، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: عَاوِدْنِي، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ أَبُو رُكَانَةُ: مَاذَا أَقُولُ لِأَهْلِي؟ شَاةٌ أَكَلَهَا الذِّئْبُ، وَشَاةٌ نَشَزَتْ، فَمَا أَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا كُنَّا لِنُجْمِعَ عَلَيْكَ أَنْ نَصْرَعَكَ فَنُغَرِّمَكَ، خُذْ غَنَمَكَ» هَكَذَا وَقَعَ فِيهِ أَبُو رُكَانَةُ، وَالصَّوَابُ رُكَانَةُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّانِي فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ اسْتَشْهَدَ بِهِ مُسْلِمٌ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ مَرَّةً: مَا زَالَ النَّاسُ يَتَّقُونَ حَدِيثَهُ. وَقَالَ السَّعْدِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَغَمَزَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: سَأَلْتُ يَحْيَى الْقَطَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ كَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: تُرِيدُ الْعَفْوَ أَوْ تُشَدِّدُ؟ قُلْتُ: بَلْ أُشَدِّدُ، قَالَ: فَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ تُرِيدُ. قَوْلُهُ: (حَتَّى إذَا أَرْهَقَنِي اللَّحْمُ) أَيْ كَثُرَ لَحْمِي، قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَرْهَقَهُ طُغْيَانًا غَشَّاهُ إيَّاهُ، وَقَالَ: رَهِقَهُ كَفَرِحَ غَشِيَهُ.
وَفِي الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَرْجُلِ وَبَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْمَحَارِمُ وَأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْوَقَارَ وَالشَّرَفَ وَالْعِلْمَ وَالْفَضْلَ وَعُلُوَّ السِّنِّ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ عَائِشَةَ إلَّا بَعْدَ الْخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَلَاءِ وَالْمَلَأِ لِمَا فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رُكَانَةُ صَارَعَ النَّبِيَّ ﷺ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُصَارَعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَهَكَذَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَطْلُوبًا لَا طَالِبًا، وَكَانَ يَرْجُو حُصُولَ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ بِذَلِكَ أَوْ كَسْرَ سُورَةِ كِبْرِ مُتَكَبِّرٍ أَوْ وَضْعَ مُتَرَفِّعٍ بِإِظْهَارِ الْغَلَبِ لَهُ، وَكَمَا رُوِيَ مِنْ مُصَارَعَتِهِ ﷺ رُكَانَةُ رُوِيَ أَنَّهُ تَصَارَعَ هُوَ وَأَبُو جَهْلٍ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: مَا رُوِيَ مِنْ مُصَارَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَبَا جَهْلٍ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَحَدِيثُ رُكَانَةُ أَمْثَلُ مَا رُوِيَ فِي مُصَارَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: (يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِمْ) فِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْسُوخٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ» وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا فِي الْآيَةِ تَصْرِيحٌ بِمَا ادَّعَاهُ وَلَا عُرِفَ لِلتَّارِيخِ فَيَثْبُتُ النَّسْخُ وَحَكَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ " أَنَّ لَعِبَهُمْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي الْمَسْجِدِ "، وَهَذَا لَا يَثْبُتُ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا صُرِّحَ بِهِ فِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّعِبُ بِالْحِرَابِ لَيْسَ لَعِبًا مُجَرَّدًا بَلْ فِيهِ تَدْرِيبُ الشُّجْعَانِ عَلَى مَوَاقِعِ الْحُرُوبِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعَدُوِّ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمَسْجِدُ مَوْضُوعٌ لِأَمْرِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَمَا كَانَ مِنْ الْأَعْمَالِ يَجْمَعُ مَنْفَعَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ جَازَ فِيهِ، وَفِي الْحَدِيثِ
стр. 2824
٣٥٥٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٥٥٤ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد)
٣٥٥٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ) .
٣٥٥٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالْكِعَابِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
٣٥٥٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخِطْمِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالْقَيْحِ وَدَمِ
ــ
[نيل الأوطار]
جَوَازُ النَّظَرِ إلَى اللَّهْوِ الْمُبَاحِ. قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ عُمَرُ. . . إلَخْ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ رَآهُمْ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ رَآهُمْ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَمْنَعَهُمْ، وَهَذَا أَوْلَى لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ " يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنْكَارُهُ لِهَذِهِ شَبِيهًا لَإِنْكَارِهِ عَلَى الْمُغَنِّيَتَيْنِ وَكَانَ مِنْ شِدَّتِهِ فِي الدِّينِ يُنْكِرُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَالْجَدُّ فِي الْجُمْلَةِ أَوْلَى مِنْ اللَّعِبِ الْمُبَاحِ. وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَ بِصَدَدِ بَيَانِ الْجَوَازِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ شَيْطَانٌ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ اللَّعِبِ بِالْحَمَامِ وَأَنَّهُ مِنْ اللَّهْوِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ بِكَرَاهَتِهِ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَبْعُدُ عَلَى فَرْضِ انْتِهَاضِ الْحَدِيثِ تَحْرِيمُهُ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ فَاعِلِهِ شَيْطَانًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَتَسْمِيَةَ الْحَمَامَةِ شَيْطَانَةً إمَّا لِأَنَّهَا سَبَبُ اتِّبَاعِ الرَّجُلِ لَهَا أَوْ أَنَّهَا تَفْعَلُ فِعْلَ الشَّيْطَانِ حَيْثُ يَتَوَلَّعُ الْإِنْسَانُ بِمُتَابَعَتِهَا وَاللَّعِبِ بِهَا لِحُسْنِ صُورَتِهَا وَجَوْدَةِ نَغْمَتِهَا.
стр. 2825
الْخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ تَحْرِيمِ الْقِمَارِ وَاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ]
حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَوَّلُ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الثَّانِي قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخِطْمِيَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَهُ، وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَسَكَتَ عَنْهُ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: فِيهِ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخِطْمِيَّ وَلَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ) فِي الْأَمْرِ لِمَنْ حَلَفَ بِاَلْلَاتِ وَالْعُزَّى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَفَرَ بِذَلِكَ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَتَصَدَّقْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمُقَامَرَةِ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا كَفَّارَةٌ عَنْ الذَّنْبِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَقَامَرَهُ مُقَامَرَةً وَقِمَارًا فَقَمَرَهُ كَنَصَرَهُ وَتَقَمَّرَهُ رَاهَنَهُ فَغَلَبَهُ وَهُوَ التَّقَامُرُ ا. هـ، فَالْمُرَادُ بِالْقِمَارِ الْمَذْكُورِ هُنَا الْمَيْسِرُ وَنَحْوُهُ مِمَّا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْعَرَبُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] وَكُلُّ مَا لَا يَخْلُو اللَّاعِبُ فِيهِ مِنْ غَنَمٍ أَوْ غُرْمٍ فَهُوَ مَيْسِرٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِوُجُوبِ اجْتِنَابِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الْآيَةَ، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِتَحْرِيمِهِ السُّنَّةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. قَوْلُهُ: (مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: النَّرْدَشِيرُ هُوَ النَّرْدُ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَشِيرُ مَعْنَاهُ حُلْوٌ، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: هُوَ خَشَبَةٌ قَصِيرَةٌ ذَاتُ فُصُوصٍ يُلْعَبُ بِهَا. وَقِيلَ إنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ الِاسْمِ لِأَنَّ وَاضِعَهُ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابِكَ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: يُكْرَهُ وَلَا يُحَرَّمُ. قِيلَ: وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ أَنَّ وَضْعَهُ عَلَى هَيْئَةِ الْفَلَكِ بِصُورَةِ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَتَأْثِيرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَحْدُثُ عِنْدَ اقْتِرَانَاتِ أَوْضَاعِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَقْضِيَةَ الْأُمُورِ كُلِّهَا مُقَدَّرَةٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ لَيْسَ لِلْكَسْبِ فِيهَا مَدْخَلٌ، وَلِهَذَا يَنْتَظِرُ اللَّاعِبُ بِهِ مَا يُقْضَى لَهُ بِهِ وَالتَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ " فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ. . . إلَخْ " فِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ لِأَنَّ التَّلَوُّثَ بِالنَّجَاسَاتِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ. وَقَوْلُهُ: " فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ " تَصْرِيحٌ بِمَا يُفِيدُ التَّحْرِيمَ. قَوْلُهُ: (مَنْ لَعِبَ بِالْكِعَابِ) هِيَ فُصُوصُ النَّرْدِ، وَقَدْ كَرِهَهَا عَامَّةُ الصَّحَابَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهَا ابْنُ مُغَفَّلٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ عَلَى غَيْرِ قِمَارٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الشِّطْرَنْجِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: هُوَ حَرَامٌ، قَالَ مَالِكٌ: هُوَ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ وَأَلْهَى. وَرَوَى ابْنُ كَثِيرٍ فِي إرْشَادِهِ أَنَّ أَوَّلَ ظُهُورِ الشِّطْرَنْجِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَضَعَهُ رَجُلٌ هِنْدِيٌّ يُقَالُ لَهُ: صَصَّةُ قَالَ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ
стр. 2826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الشِّطْرَنْجِ: هُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ " قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ جَيِّدٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَحُكِيَ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ أَبَاحُوهُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي تَحْرِيمِهِ أَحَادِيثُ، أَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَثَمِائَةِ نَظْرَةٍ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَى صَاحِبِ الشَّاهِ» وَفِي لَفْظٍ «يَرْحَمُ بِهِ عِبَادَهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الشَّاهِ فِيهَا نَصِيبٌ» يَعْنِي الشِّطْرَنْجِ
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «أَلَا إنَّ أَصْحَابَ الشَّاهِ فِي النَّارِ الَّذِينَ يَقُولُونَ قَتَلْتُ وَاَللَّهِ شَاهَكَ» وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ «مَلْعُونٌ مَنْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ حَزْمٍ وَعَبْدَانُ «مَلْعُونٌ مَنْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ، وَالنَّاظِرُ إلَيْهِمْ كَالْآكِلِ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ» مِنْ حَدِيثِ جُمَيْعُ بْنِ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَلْعَبُونَ بِهَا، وَلَا يَلْعَبُ بِهَا إلَّا كُلُّ جَبَّارٍ، وَالْجَبَّارُ فِي النَّارِ»
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: " النَّرْدُ وَالشِّطْرَنْجُ مِنْ الْمَيْسِرِ ". وَأَخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: " الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الْعُجْمِ " وَأَخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُسَلَّمُ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدَشِيرِ وَالشِّطْرَنْجِ " قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِيهِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ظُهُورَهُ كَانَ فِي أَيَّامِ الصَّحَابَةِ، وَأَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو أَحَدُ اللَّاعِبَيْنِ مِنْ غُنْمٍ أَوْ غُرْمٍ فَهُوَ مِنْ الْقِمَارِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ أَنَّهُ مِنْ الْمَيْسِرِ وَالْمُجَوِّزُونَ لَهُ قَالُوا: إنَّ فِيهِ فَائِدَةً وَهِيَ مَعْرِفَةُ تَدْبِيرِ الْحُرُوبِ وَمَعْرِفَةُ الْمَكَايِدِ فَأَشْبَهَ السَّبْقَ وَالرَّمْيَ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ عَلَى عِوَضٍ فَهُوَ كَمَالِ الرِّهَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ وَلَا نِزَاعَ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ اللَّهْوِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إيغَارُ الصُّدُورِ وَتَتَأَثَّرُ عَنْهُ الْعَدَاوَاتُ، وَتَنْشَأُ مِنْهُ الْمُخَاصَمَاتُ، فَطَالِبُ النَّجَاةِ لِنَفْسِهِ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا هَذَا شَأْنُهُ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ، وَالْمُؤْمِنُونَ وَقَّافُونَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ.
وَفِي الشِّفَاءِ لِلْأَمِيرِ الْحُسَيْنِ قَبْلَ آخِرِ الْكِتَابِ بِنَحْوِ ثَلَاثِ وَرَقٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ أَمْرَ بِتَحْرِيقِ رُقْعَةِ الشِّطْرَنْجِ وَإِقَامَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَعِبَ بِهَا مَعْقُولًا عَلَى فَرْدِ رِجْلٍ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ غَيْرَ ذَلِكَ
стр. 2827
بَابُ مَا جَاءَ فِي آلَةِ اللَّهْوِ
٣٥٥٨ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي لَفْظٍ: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ وَلَمْ يَشُكَّ وَالْمَعَازِفُ: الْمَلَاهِي، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ) .
٣٥٥٩ - (وَعَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ صَوْتَ زَمَّارَةِ رَاعٍ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَعَدَلَ رَاحِلَتَهُ عَنْ الطَّرِيقِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَتَسْمَعُ؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَيَمْضِي حَتَّى قُلْتُ: لَا، فَرَفَعَ يَدَهُ وَعَدَلَ رَاحِلَتَهُ إلَى الطَّرِيقِ وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ زَمَّارَةَ رَاعٍ فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٥٦٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ وَالْغُبَيْرَاءَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْمِزْرَ وَالْكُوبَةَ وَالْقِنِّينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي آلَةِ اللَّهْوِ]
حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ ابْنُ مَاجَهْ هُوَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ السِّمْطِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ شَوَاهِدُ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَسَكَتَ عَنْهُ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهُوَ اللُّؤْلُؤِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُد يَقُولُ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَحَدِيثُهُ الثَّانِي سَكَتَ عَنْهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ أَيْضًا، وَفِي إسْنَادِهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدَةَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: هُوَ مَجْهُولٌ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ الْمِصْرِيِّينَ: إنَّهُ رَوَى عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إنَّ الْحَدِيثَ مَعْلُولٌ، وَلَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ وَسَيَأْتِي. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَوْلُهُ
(يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ) ضَبَطَهُ ابْنُ نَاصِرٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَالرَّاءِ الْخَفِيفَةِ: وَهُوَ الْفَرْجُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ
стр. 2828
٣٥٦١ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْكُوبَةُ: الطَّبْلُ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْكُوبَةُ: النَّرْدُ، وَقِيلَ الْبَرْبَطُ، وَالْقَنِينُ: هُوَ الطُّنْبُورُ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَالتَّقْنِينُ الضَّرْبُ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ غَيْرَهُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: إنَّهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا رَوَيْنَاهُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْفَرْجُ، وَالْمَعْنَى يَسْتَحِلُّونَ الزِّنَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ ارْتِكَابَ الْفَرْجِ لِغَيْرِ حِلِّهِ. وَحَكَى عِيَاضٌ فِيهِ تَشْدِيدَ الرَّاءِ وَالتَّخْفِيفُ هُوَ الصَّوَابُ. وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «يُوشِكُ أَنْ تَسْتَحِلَّ أُمَّتِي فُرُوجَ النِّسَاءِ وَالْحَرِيرَ» وَوَقَعَ عِنْدَ الدَّاوُدِيِّ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ لَبِسُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْإِعْجَامِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخَزُّ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَالتَّشْدِيدِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَالْأَقْوَى حِلُّهُ وَلَيْسَ فِيهِ وَعِيدٌ وَلَا عُقُوبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ قَوْلُهُ: (وَالْمَعَازِفَ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا فَاءٌ جَمْعُ مِعْزَفَةٍ بِفَتْحِ الزَّاي، وَهِيَ آلَاتُ الْمَلَاهِي. وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الْمَعَازِفَ: الْغِنَاءُ. وَاَلَّذِي فِي صِحَاحِهِ أَنَّهَا اللَّهْوُ، وَقِيلَ: صَوْتُ الْمَلَاهِي، وَفِي حَوَاشِي الدِّمْيَاطِيِّ: الْمَعَازِفُ: الدُّفُوفُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُضْرَبُ بِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْغِنَاءِ عَزْفٌ وَعَلَى كُلِّ لَعِبٍ عَزْفٌ قَوْلُهُ: (زَمَّارَةَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الزَّمَّارَةُ كَجَبَّانَةٍ: مَا بِهِ كَالْمِزْمَارِ قَوْلُهُ: (فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ لِمَنْ سَمِعَ الزَّمَّارَةَ أَنْ يَصْنَعَ كَذَلِكَ.
وَاسْتَشْكَلَ إذْنَ ابْنُ عُمَرَ لِنَافِعٍ بِالسَّمَاعِ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ إذْ ذَاكَ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَالْجَوَابُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَالْمَيْسِرَ) هُوَ الْقِمَارُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (وَالْكُوبَةَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، قِيلَ هِيَ الطَّبْلُ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ قَوْلُهُ: (وَالْغُبَيْرَاءَ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا فَقِيلَ: الطُّنْبُورُ، وَقِيلَ: الْعُودُ، وَقِيلَ: الْبَرْبَطُ، وَقِيلَ: مِزْرِيٌّ يُصْنَعُ مِنْ الذُّرَةِ أَوْ مِنْ الْقَمْحِ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: (وَالْمِزْرُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ نَبِيذُ الشَّعِيرِ قَوْلُهُ: (وَالْقِنِّينَ) هُوَ لُعْبَةٌ لِلرُّومِ يُقَامِرُونَ بِهَا، وَقِيلَ: هُوَ الطُّنْبُورُ بِالْحَبَشِيَّةِ، كَذَا فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ الْبَابَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 2829
٣٥٦٢ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا ظَهَرَتْ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)
٣٥٦٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «إذَا اُتُّخِذَ الْفَيْءُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتُعَلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ، وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتْ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتْ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ بَعْضُهُ بَعْضًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
٣٥٦٤ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَبِيتُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَتُبْعَثُ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَائِهِمْ رِيحٌ فَتَنْسِفُهُمْ كَمَا نُسِفَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاسْتِحْلَالِهِمْ الْخَمْرَ وَضَرْبِهِمْ بِالدُّفُوفِ وَاِتِّخَاذِهِمْ الْقَيْنَاتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: هُوَ ثِقَةٌ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ النَّاسُ) .
٣٥٦٥ - (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيرَ وَالْكَبَارَاتِ - يَعْنِي الْبَرَابِطَ - وَالْمَعَازِفَ وَالْأَوْثَانَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ ثِقَةٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ ضَعِيفٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، فِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] » إلَى آخِرِ الْآيَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ فِيهِ،
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2830
وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَلَفْظُهُ: «لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْمُغَنِّيَةِ وَلَا بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا وَلَا الِاسْتِمَاعُ إلَيْهَا» )
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُوفِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ عَنْ الْأَعْمَشِ. عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ عِمْرَانَ مَا لَفْظُهُ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابَاطٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ عَنْ الْمُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رُمَيْحٍ الْجُذَامِيِّ عَنْهُ مَا لَفْظُهُ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي سُنَنِهِ قَبْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ، وَفِيهِ: وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ، وَاُتُّخِذَتْ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ» وَقَالَ بَعْدَ تَعْدَادِ الْخِصَالِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ غَيْرُ الْفَرَجِ بْنِ فُضَالَةَ، وَالْفَرَجُ بْنُ فُضَالَةَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي قَدْ تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمَا. وَحَدِيثُهُ الثَّالِثُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ: إنَّمَا يُعْرَفُ مِثْلُ هَذَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ وَضَعَّفَهُ وَهُوَ شَامِيٌّ انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْوَاحِدِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: إنَّهُ صَاحِبُ كُلِّ مُعْضِلَةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ضَعِيفٌ. وَقَالَ مُرَّةُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: رَوَى مَوْضُوعَاتٍ عَنْ الْإِثْبَاتِ، وَإِذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ أَتَى بِالطَّامَّاتِ وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قَالَ: هُوَ وَاَللَّهِ الْغِنَاءُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَاهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " هُوَ الْغِنَاءُ وَأَشْبَاهُهُ " وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ» وَفِيهِ شَيْخٌ لَمْ يُسَمَّ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْقُوبَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ
стр. 2831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
إلَى قَيْنَةٍ يَسْمَعُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ» . وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَتَغَنَّى مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا صَلَاةَ لَهُ، لَا صَلَاةَ لَهُ، لَا صَلَاةَ لَهُ» .
وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي مَعْصِيَةٌ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِسْقٌ وَالتَّلَذُّذُ بِهَا كُفْرٌ» وَرَوَى ابْنُ غِيلَانَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ بِكَسْرِ الْمَزَامِيرِ» وَقَالَ ﷺ : «كَسْبُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ» وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «ثَمَنُ الْقَيْنَةِ سُحْتٌ وَغِنَاؤُهَا حَرَامٌ» وَأَخْرَجَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ضَرْبِ الدُّفِّ وَالطَّبْلِ وَصَوْتِ الزَّمَّارَةِ» .
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ وَضَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ وَلَكِنَّهُ ضَعَّفَهَا جَمِيعًا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّهُ لَا يَصِحّ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ أَبَدًا، وَكُلُّ مَا فِيهِ فَمَوْضُوعٌ. وَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مُنْقَطِعٌ فِيمَا بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَهِشَامٍ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى تَضْعِيفِ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَنْ سَيَأْتِي قَرِيبًا. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، يَعْنِي فِي دَعْوَى الِانْقِطَاعِ مِنْ وُجُوهٍ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْرُوفُ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ، وَالْبُخَارِيُّ قَدْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَشْفِي.
قَوْلُهُ: (الْكَبَارَاتِ) جَمْعُ الْكِبَارِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي مَادَّةِ ك ب ر: وَالطَّبْلُ جَمْعُ الْكِبَارِ وَأَكْبَارِ انْتَهَى. وَالْبَرْبَطُ: الْعُودُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْبَرْبَطُ كَجَعْفَرٍ مُعَرَّبٍ بَرْبَطٍ: أَيْ صَدْرُ الْإِوَزِّ لِأَنَّهُ يُشْبِهُهُ انْتَهَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْغِنَاءِ مَعَ آلَةٍ مِنْ آلَاتِ الْمَلَاهِي وَبِدُونِهَا. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى التَّحْرِيمِ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا سَلَفَ. وَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ إلَى التَّرْخِيصِ فِي السَّمَاعِ وَلَوْ مَعَ الْعُودِ وَالْيَرَاعِ. وَقَدْ حَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي مُؤَلَّفِهِ فِي السَّمَاعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ كَانَ لَا يَرَى بِالْغِنَاءِ بَأْسًا وَيَصُوغُ الْأَلْحَانَ لِجَوَارِيهِ وَيَسْمَعُهَا مِنْهُنَّ عَلَى أَوْتَارِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ وَحَكَى الْأُسْتَاذُ الْمَذْكُورُ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ الْقَاضِي شُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ وَابْنُ أَبِي الدَّمِ: نَقَلَ الْإِثْبَاتَ مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ لَهُ جِوَارٍ عَوَّادَاتٍ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِلَى جَنْبِهِ عُودٌ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَاوَلَهُ إيَّاهُ، فَتَأَمَّلَهُ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: هَذَا مِيزَانٌ شَامِيٌّ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: يُوزَنُ بِهِ الْعُقُولُ
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي رِسَالَتِهِ فِي السَّمَاعِ بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إنَّ رَجُلًا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِجَوَارٍ فَنَزَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَفِيهِنَّ جَارِيَةٌ تَضْرِبُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَاوَمَهُ فَلَمْ يَهْوَ مِنْهُنَّ شَيْئًا، قَالَ: انْطَلِقْ إلَى رَجُلٍ هُوَ أَمْثَلُ لَكَ بَيْعًا مِنْ هَذَا؟ قَالَ مَنْ هُوَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَعَرَضَهُنَّ عَلَيْهِ،
стр. 2832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
فَأَمَرَ جَارِيَةً مِنْهُنَّ فَقَالَ لَهَا: خُذِي الْعُودَ، فَأَخَذَتْهُ فَغَنَّتْ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ إلَى ابْنِ عُمَرَ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ وَرَوَى صَاحِبُ الْعِقْدِ الْعَلَّامَةُ الْأَدِيبُ أَبُو عُمَرَ الْأَنْدَلُسِيُّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ فَوَجَدَ عِنْدَهُ جَارِيَةً فِي حِجْرِهَا عُودٌ ثُمَّ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: هَلْ تَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُمْ سَمِعَا الْعُودَ عِنْدَ ابْنِ جَعْفَرٍ وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ سَمِعَ مِنْ عَزَّةَ الْمَيْلَاءِ الْغِنَاءَ بِالْمِزْهَرِ بِشِعْرٍ مِنْ شِعْرِهِ. وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَالْمِزْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْعُودُ وَذَكَرَ الْإِدْفَوِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدَ الْعَزِيزِ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ جَوَارِيهِ قَبْلَ الْخِلَافَةِ.
وَنَقَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ التَّرْخِيصَ عَنْ طَاوُسٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَصَاحِبُ الْإِمْتَاعِ عَنْ قَاضِي الْمَدِينَةِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ التَّابِعِينَ. وَنَقَلَهُ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ مُفْتِي الْمَدِينَةِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إبَاحَةُ الْغِنَاءِ بِالْمَعَازِفِ. وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَالْفُورَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ الْعُودِ. وَذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي قُوتِ الْقُلُوبِ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ طُنْبُورًا فِي بَيْتِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو الْمُحَدِّثِ الْمَشْهُورِ. وَحَكَى أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ فِي مُؤَلَّفِهِ فِي السَّمَاعِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي إبَاحَةِ الْعُودِ.
قَالَ ابْنُ النَّحْوِيِّ فِي الْعُمْدَةِ: قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: هُوَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الظَّاهِرِيَّةُ قَاطِبَةً. قَالَ الْأُدْفُوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ النَّقَلَةُ فِي نِسْبَةِ الضَّرْبِ إلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ، وَهُوَ مِمَّنْ أَخْرَجَ لَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ إبَاحَةَ الْعُودِ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَحَكَاهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَحَكَاهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَرَوَاهُ ابْنُ النَّحْوِيِّ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي الْعُمْدَةِ عَنْ ابْنِ طَاهِرٍ وَحَكَاهُ الْأُدْفُوِيُّ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْإِمْتَاعِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، وَجَزَمَ بِالْإِبَاحَةِ الْأُدْفُوِيُّ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا قَالُوا بِتَحْلِيلِ السَّمَاعِ مَعَ آلَةٍ مِنْ الْآلَاتِ الْمَعْرُوفَةِ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْغِنَاءِ مِنْ غَيْرِ آلَةٍ فَقَالَ الْأُدْفُوِيُّ فِي الْإِمْتَاعِ: إنَّ الْغَزَالِيَّ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ الْفِقْهِيَّةِ: نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى حِلِّهِ. وَنَقَلَ ابْنُ طَاهِرٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ ابْنُ طَاهِرٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ أَيْضًا إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْحِجَازِ يُرَخِّصُونَ فِيهِ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ الْمَأْمُورِ فِيهِ بِالْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ.
قَالَ ابْنُ النَّحْوِيِّ فِي الْعُمْدَةِ: وَقَدْ رُوِيَ الْغِنَاءُ وَسَمَاعُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ وَعُثْمَانُ كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجِرَاحِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ،
стр. 2833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَبِلَالٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ كَمَا الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، وَحَمْزَةُ كَمَا فِي الصَّحِيحِ، وَابْنُ عُمَرَ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ طَاهِرٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ وَحَسَّانُ كَمَا رَوَاهُ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ، وَقَرَظَةُ بْنُ بَكَّارَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ وَرَبَاحٌ الْمُعْتَرِفُ كَمَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْأَغَانِي، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ كَمَا حَكَاهُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ كَمَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَعَائِشَةُ وَالرَّبِيعُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ
وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمُ بْنُ عُمَرَ وَابْنُ حَسَّانَ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ وَأَمَّا تَابِعُوهُمْ فَخَلْقٌ لَا يُحْصُونَ، مِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ النَّحْوِيِّ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الْمُجَوِّزُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِهِ. قَالُوا: لِكَوْنِهِ يُرِقُّ الْقَلْبَ وَيُهَيِّجُ الْأَحْزَانَ وَالشَّوْقَ إلَى اللَّهِ.
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ: إنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا فِي مَعْقُولِهِمَا مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ مُجَرَّدِ سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ الطَّيِّبَةِ الْمَوْزُونَةِ مَعَ آلَةٍ مِنْ الْآلَاتِ. وَأَمَّا الْمَانِعُونَ مِنْ ذَلِكَ فَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةِ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ أَوْ أَبِي عَامِرٍ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ بِأَجْوِبَةٍ: الْأَوَّلُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ. وَالثَّانِي أَنَّ فِي إسْنَادِهِ صَدَقَةَ بْنَ خَالِدٍ وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْجُنَيْدِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعِينٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَرَوَى الْمِزِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ.
ثَالِثُهَا أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ سَنَدًا وَمَتْنًا أَمَّا الْإِسْنَادُ فَلِلتَّرَدُّدِ مِنْ الرَّاوِي فِي اسْمِ الصَّحَابِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا مَتْنًا فَلِأَنَّ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ يَسْتَحِلُّونَ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِهِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ «لَيَشَرْبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ» وَفِي رِوَايَةٍ الْحِرَ بِمُهْمَلَتَيْنِ، وَفِي أُخْرَى بِمُعْجَمَتَيْنِ كَمَا سَلَفَ. وَيُجَابُ عَنْ دَعْوَى الِاضْطِرَابِ فِي السَّنَدِ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ بِغَيْرِ شَكٍّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ دَاسَّةَ عَنْ أَبِي دَاوُد وَرِوَايَةُ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَامِرٍ وَأَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّيْنِ. فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَتِهِمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فِي الْمَتْنِ فَيُجَابُ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَتْرُكُ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ تَارَةً وَيَذْكُرُهَا أُخْرَى.
وَالرَّابِعُ أَنَّ لَفْظَةَ الْمَعَازِفِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ لَيْسَتْ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا غَيْرُهُ. وَثَبَتَتْ فِي الصَّحِيحِ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ. وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ أَيْضًا
стр. 2834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهُ فَقَالُوا: لَا نُسَلِّمُ دَلَالَتَهُ عَلَى التَّحْرِيمِ. وَأَسْنَدُوا هَذَا الْمَنْعَ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ لَفْظَةَ " يَسْتَحِلُّونَ " لَيْسَتْ نَصًّا فِي تَحْرِيمٍ، فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لِذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْنَى يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي اسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْأُمُورِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْوَعِيدَ عَلَى الِاعْتِقَادِ يُشْعِرُ بِتَحْرِيمِ الْمُلَابَسَةِ بِفَحْوَى الْخِطَابِ. وَأَمَّا دَعْوَى التَّجَوُّزِ فَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مُلْجِأَ إلَى الْخُرُوجِ عَنْهَا.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَعَازِفَ مُخْتَلَفٌ فِي مَدْلُولِهَا كَمَا سَلَفَ، وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَأَنْ يَكُونَ لِلْآلَةِ وَلِغَيْرِ الْآلَةِ لَمْ يَنْتَهِضْ لِلِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا وَالرَّاجِحُ التَّوَقُّفُ فِيهِ أَوْ حَقِيقَةً وَمَجَازًا وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَالظَّاهِرُ الْحَقِيقَةُ فِي الْكُلِّ مِنْ الْمَعَانِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُوضَعْ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ بَلْ وُضِعَ لِلْجَمِيعِ، عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ مَعَ عَدَمِ التَّضَادِّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَعَازِفُ الْمَنْصُوصُ عَلَى تَحْرِيمِهَا هِيَ الْمُقْتَرِنَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ «لِيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ تَرُوحُ عَلَيْهِمْ الْقِيَانُ وَتَغْدُو عَلَيْهِمْ الْمَعَازِفُ» .
وَيُجَابُ بِأَنَّ الِاقْتِرَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجَمْعُ فَقَطْ وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ الزِّنَا الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ لَا يُحَرَّمُ إلَّا عِنْدَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَعَازِفِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ. وَأَيْضًا يَلْزَمُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤]- أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ عَدَمَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْحَضِّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَإِنْ قِيلَ تَحْرِيمُ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِلْزَامِ قَدْ عُلِمَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. فَيُجَابُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمَعَازِفِ قَدْ عُلِمَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ أَيْضًا كَمَا سَلَفَ، عَلَى أَنَّهُ لَا مُلْجِأَ إلَى ذَلِكَ حَتَّى يُصَارَ إلَيْهِ.
وَرَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَسْتَحِلُّونَ مَجْمُوعَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْأُمُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَوْ الْوَعِيدِ عَلَى مَجْمُوعِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا. وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَاسْتَدَلُّوا ثَانِيًا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَأَجَابَ عَنْهَا الْمُجَوِّزُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ فِي أَسَانِيدِهَا. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ تَنْتَهِضُ بِمَجْمُوعِهَا وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ حَسُنَ بَعْضُهَا، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْقَيْنَاتِ الْمُغَنِّيَاتِ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا غَيْرُهُ.
وَقَدْ اسْتَوْفَيْت ذَلِكَ فِي رِسَالَةٍ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ «إنَّ الْغِنَاءَ يُنْبِتُ النِّفَاقَ» فَإِنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا وَبَعْضُهَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ صَصْرَى فِي أَمَالِيهِ. وَمِنْهُ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَمِنْهُ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ فِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالْمَقْدِسِيِّ.
стр. 2835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَابْنِ مَرْدُوَيْهِ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي السُّنَنِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إنَّمَا نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ لَهْوٌ وَلَعِبٌ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ، وَصَوْتٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ وَخَمْشُ وَجْهٍ وَشَقُّ جَيْبٍ وَرَنَّةُ شَيْطَانٍ» .
وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ صَوْتَ الْخَلْخَالِ كَمَا يُبْغِضُ الْغِنَاءَ» وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ قَدْ صَنَّفَ فِي جَمِيعِهَا جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ حَزْمٍ وَابْنِ طَاهِرٍ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنِ حَمْدَانَ الْإِرْبِلِيّ وَالذَّهَبِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ أَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ عَنْهَا بِأَنَّهُ قَدْ ضَعَّفَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامُ وَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ فِي التَّحْرِيمِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ النَّحْوِيِّ فِي الْعُمْدَةِ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَالْمُرَادُ مَا هُوَ مَرْفُوعٌ مِنْهَا، وَإِلَّا فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إنَّهُمْ لَوْ أَسْنَدُوا حَدِيثًا وَاحِدًا فَهُوَ إلَى غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَهُ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [لقمان: ٦] الْآيَةَ، أَنَّهُمَا فَسَّرَا اللَّهْوَ بِالْغِنَاءِ.
قَالَ: وَنَصُّ الْآيَةِ يُبْطِلُ احْتِجَاجَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] وَهَذِهِ صِفَةٌ مَنْ فَعَلَهَا كَانَ كَافِرًا، وَلَوْ أَنَّ شَخْصًا اشْتَرَى مُصْحَفًا لِيُضِلَّ بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا لَكَانَ كَافِرًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا ذَمَّ مَنْ اشْتَرَى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُرَوِّحَ بِهِ نَفْسَهُ لَا لِيُضِلَّ بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ انْتَهَى.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَمْ أَعْلَمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي السُّنَّةِ حَدِيثًا صَحِيحًا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِ الْمَلَاهِي، وَإِنَّمَا هِيَ ظَوَاهِرُ وَعُمُومَاتٌ يَتَأَنَّسُ بِهَا لَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ ابْنُ رُشْدٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] وَأَيُّ دَلِيلٍ فِي ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَلَاهِي وَالْغِنَاءِ، وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا، فَكَانَ الْيَهُودُ يَلْقَوْنَهُمْ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ فَيُعْرِضُونَ عَنْهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ أَسْلَمُوا فَكَانُوا إذَا سَمِعُوا مَا غَيَّرَهُ الْيَهُودُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَبَدَّلُوا مِنْ نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَتِهِ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَذَكَرُوا الْحَقَّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ إذَا سَمِعُوا الْبَاطِلَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا يَهُودًا وَلَا نَصَارَى وَكَانُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ، كَانُوا يَنْتَظِرُونَ بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَّا سَمِعُوا بِهِ بِمَكَّةَ أَتَوْهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَأَسْلَمُوا، وَكَانَ الْكُفَّارَ مِنْ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ لَهُمْ: أُفٍّ لَكُمْ اتَّبَعْتُمْ غُلَامًا كَرِهَهُ قَوْمُهُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ.
وَهَذَا الْأَخِيرُ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ، وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَقُومُ الدَّلِيلُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ انْتَهَى. وَيُجَابُ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ
стр. 2836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَاللَّغْوُ عَامٌّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْبَاطِلُ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَالْآيَةُ خَارِجَةٌ مَخْرَجَ الْمَدْحِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ حَدِيثُ «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ: مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيُهُ عَنْ قَوْسِهِ» قَالَ الْغَزَالِيُّ: قُلْنَا قَوْلَهُ ﷺ " فَهُوَ بَاطِلٌ " لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَائِدَةٍ انْتَهَى.
وَهُوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ. عَلَى أَنَّ التَّلَهِّيَ بِالنَّظَرِ إلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَرْقُصُونَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ خَارِجٌ عَنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ. وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ فِي زَمَّارَةِ الرَّاعِي بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ سَمَاعُهُ حَرَامًا لَمَا أَبَاحَهُ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ وَلَا ابْنُ عُمَرَ لِنَافِعٍ وَلَنَهَى عَنْهُ وَأَمَرَهُ بِكَسْرِ الْآلَةِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا سَدُّهُ ﷺ لِسَمْعِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَجَنَّبَهُ كَمَا كَانَ يَتَجَنَّبُ كَثِيرًا مِنْ الْمُبَاحَاتِ كَمَا تَجَنَّبَ أَنْ يَبِيتَ فِي بَيْتِهِ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. لَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَرْكَهُ ﷺ لِلْإِنْكَارِ عَلَى الرَّاعِي إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: ابْنُ عُمَرَ إنَّمَا صَاحَبَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَقُوَّتِهِ، فَتَرْكُ الْإِنْكَارِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الطَّيِّبَاتِ جَمْعٌ مُحَلًّى بِاللَّامِ فَيَشْمَلُ كُلَّ طَيِّبٍ، وَالطَّيِّبُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ الْمُسْتَلَذِّ وَهُوَ الْأَكْثَرُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ، وَيُطْلَقُ بِإِزَاءِ الظَّاهِرِ وَالْحَلَالِ، وَصِيغَةُ الْعُمُومِ كُلِّيَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَتَدْخُلُ أَفْرَادُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ كُلُّهَا، وَلَوْ قَصَرْنَا الْعَامَّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ لَكَانَ قَصْرُهُ عَلَى الْمُتَبَادَرِ هُوَ الظَّاهِرَ.
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي دَلَائِلِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ بِالطَّيِّبَاتِ: الْمُسْتَلَذَّاتُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُجَوِّزُونَ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَهُ الْمُجَوِّزُونَ أَنَّا لَوْ حَكَمْنَا بِتَحْرِيمِ اللَّهْوِ لِكَوْنِهِ لَهْوًا لَكَانَ جَمِيعُ مَا فِي الدُّنْيَا مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ لَهْوٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى اللَّهْوِ لِكَوْنِهِ لَهْوًا، بَلْ الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِ لَهْوٍ خَاصٍّ وَهُوَ لَهْوُ الْحَدِيثِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنَّهُ لَمَّا عَلَّلَ فِي الْآيَةِ بِعِلَّةِ الْإِضْلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَنْتَهِضْ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَإِذَا تَقَرَّرَ جَمِيعُ مَا حَرَّرْنَاهُ مِنْ حُجَجِ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إذَا خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْحَرَامِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دَائِرَةِ الِاشْتِبَاهِ وَالْمُؤْمِنُونَ وَقَّافُونَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِعَرْضِهِ وَدِينِهِ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ الْقُدُودِ وَالْخُدُودِ وَالْجَمَالِ وَالدَّلَالِ وَالْهَجْرِ وَالْوِصَالِ وَمُعَاقَرَةِ الْعَقَارِ وَخَلْعِ الْعِذَارِ وَالْوَقَارِ، فَإِنَّ
стр. 2837
بَابُ ضَرْبِ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ لِقُدُومِ الْغَائِبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
٣٥٦٦ - (عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إنْ رَدَّك اللَّهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنِ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى قَالَ لَهَا: إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَّا فَلَا، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتْ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتْ الدُّفَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
سَامِعَ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ بَلِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّصَلُّبِ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَلَى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ الْوَصْفُ، وَكَمْ لِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ قَتِيلٍ دَمُهُ مَطْلُولٌ، وَأَسِيرٌ بِهُمُومِ غَرَامِهِ وَهُيَامِهِ مَكْبُولٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّدَادَ وَالثَّبَاتَ.
وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ لِلْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَعَلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ الَّتِي سَمَّيْتُهَا: إبْطَالُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّمَاعِ.
[بَابُ ضَرْبِ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ لِقُدُومِ الْغَائِبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الْفَاكِهَانِيِّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ الْغَيْبَةِ.
وَالْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ يَخُصُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَنْعِ. وَأَمَّا الْمُجَوِّزُونَ فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْجَوَازِ لِمَا سَلَفَ. وَقَدْ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَالْإِذْنُ مِنْهُ ﷺ لَهَذِهِ الْمَرْأَةِ بِالضَّرْبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْطِنِ.
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: " أَوْفِي بِنَذْرِكِ " وَمِنْ جُمْلَةِ مَوَاطِنِ التَّخْصِيصِ لِلَّهْوِ فِي الْعُرْسَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ. وَمِنْ مَوَاطِنِ التَّخْصِيصِ أَيْضًا فِي الْأَعْيَادِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جِوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِنِي بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدٌ وَهَذَا عِيدُنَا» .
وَرَوَى الْمُبَرِّدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ دَاخِلًا فِيهِ بَيْتُهُ تَرَنَّمَ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ. وَرَوَاهُ الْمُعَافَى النَّهْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْجَلِيسِ وَالْأَنِيسِ وَابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ فِي تَرْجَمَةِ أَسْلَمَ الْحَادِي وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ: حَرِّكْ بِالْقَوْمِ فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ» .
стр. 2838
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ بَابٌ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَى أَنْ يَرِدْ مَنْعٌ أَوْ إلْزَامٌ
٣٥٦٧ - (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» ) .
٣٥٦٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكَتْكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَاذَا أَمَرَتْكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) .
٣٥٦٩ - (وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفَرَاءِ، فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا لَكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٣٥٧٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ] [بَابٌ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَى أَنْ يَرِدَ مَنْعٌ أَوْ إلْزَامٌ]
حَدِيثُ سَلْمَانَ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ شَطْرًا مِنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: " الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ. . . إلَخْ " وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى التِّرْمِذِيِّ بَلْ بَيَّضَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ عَزَاهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ إلَى التِّرْمِذِيِّ
стр. 2839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
كَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَبَوَّبَ لَهُ بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ الْفَرَاءِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ سَيْفُ بْنُ هَارُونَ الْبُرْجُمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ، وَصُورَةُ إسْنَادِهِ فِي التِّرْمِذِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَهُ. قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَاسْمُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ انْتَهَى. وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ سَاقَهَا الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ: مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَقَالَ: سَنَدُهُ صَالِحٌ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ بِلَفْظِ «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنْ اللَّهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا، وَتَلَا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] » .
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا. وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ: " كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ " الْحَدِيثَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا» . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الْآيَةَ، كُنَّا قَدْ اتَّقَيْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ ﷺ " الْحَدِيثَ.
وَالرَّاجِحُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ عَمَّا كَانَ وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنْ الْغَافِلِينَ مَنْعَ السُّؤَالِ عَنْ النَّوَازِلِ إلَى أَنْ تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا تَقَعُ الْمَسَاءَةُ فِي جَوَابِهِ، وَمَسَائِلُ النَّوَازِلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَهَا اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِزَمَانِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سَعْدٍ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَمِنَ مِنْ وُقُوعِ التَّحْرِيمِ لِأَجْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ الِاخْتِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاءَةَ مُجَوَّزَةٌ فِي السُّؤَالِ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ لَمْ يَقَعْ. وَأَمَّا مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ وُقُوعِ الْمَسَائِلِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْآيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُهُ كَبَيَانِ مَا أُجْمِلَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَتْ عَنْهُ الْمَسَائِلُ. وَقَدْ وَرَدَتْ عَنْ الصَّحَابَةِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ سَاقَهَا الدَّارِمِيُّ فِي أَوَائِلِ مُسْنَدِهِ، مِنْهَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ الشَّيْءِ يَقُولُ: هَلْ كَانَ هَذَا؟ فَإِنْ قِيلَ لَا، قَالَ: دَعُوهُ حَتَّى يَكُونَ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبَحْثَ عَمَّا
стр. 2840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَا يُوجَدُ فِيهِ نَصٌّ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْحَثَ عَنْ دُخُولِهِ فِي دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهَا فَهَذَا مَطْلُوبٌ لَا مَكْرُوهٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ فَرْضًا عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. ثَانِيهِمَا: أَنْ يُدَقِّقَ النَّظَرَ فِي وُجُوهِ الْفَرْقِ فَيُفَرِّقَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ بِفَرْقٍ لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ مَعَ وُجُودِ وَصْفِ الْجَمْعِ، أَوْ بِالْعَكْسِ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُفْتَرِقَيْنِ لِوَصْفٍ طَرْدِيِّ مَثَلًا، فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَرَأَوْا أَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ الزَّمَانِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَمِثْلُهُ الْإِكْثَارُ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى مَسْأَلَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا الْإِجْمَاعِ، وَهِيَ نَادِرَةُ الْوُقُوعِ جِدًّا فَيَصْرِفُ فِيهَا زَمَانًا كَانَ صَرْفًا فِي غَيْرِهَا أَوْلَى، وَلَا سِيَّمَا إنْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَالِ التَّوَسُّعُ فِي بَيَانِ مَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فِي كَثْرَةِ السُّؤَالِ الْبَحْثُ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ وَرَدَّ الشَّرْعُ بِالْإِيمَانٍ بِهَا مَعَ تَرْكِ كَيْفِيَّتِهَا.
وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي عَالَمِ الْحِسِّ كَالسُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ وَعَنْ الرُّوحِ وَعَنْ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالنَّقْلِ، وَالْكَثِيرُ مِنْهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ. وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ كَثْرَةُ الْبَحْثِ عَنْهُ فِي الشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ كَمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ» قَالَ الْحَافِظُ: فَمَنْ سَدَّ بَابَ الْمَسَائِلِ حَتَّى فَاتَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا فَإِنَّهُ يَقِلُّ فَهْمُهُ وَعِلْمُهُ، وَمَنْ تَوَسَّعْ فِي تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ وَتَوْلِيدِهَا، وَلَا سِيَّمَا فِيمَا يَقِلُّ وُقُوعُهُ أَوْ يَنْدُرُ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَالْمُغَالَبَةَ فَإِنَّهُ يُذَمُّ فِعْلُهُ، وَهُوَ عَيْنُ الَّذِي كَرِهَهُ السَّلَفُ. وَمُذْ أُمْعِنَ الْبَحْثُ عَنْ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَافَظًا عَلَى مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَحَصَلَ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ، وَعَنْ مَعَانِي السُّنَّةِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ مُقْتَصَرًا عَلَى مَا يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ فِيهَا، فَإِنَّهُ الَّذِي يُحْمَدُ وَيَنْفَعُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ عَمَلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، حَتَّى حَدَثَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَعَارَضَتْهَا الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَكَثُرَ بَيْنَهُمْ الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ وَتَوَلَّدَتْ الْبَغْضَاءُ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ وَالْوَسَطُ هُوَ الْمُعْتَدِلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ: «فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ يَجُرُّ إلَى عَدَمِ الِانْقِيَادِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ حَيْثُ تَقْسِيمُ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَالتَّشَاغُلُ بِهِ، فَقَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي أَيِّهِمَا أَوْلَى: يَعْنِي هَلْ الْعِلْمُ أَوْ الْعَمَلُ وَالْإِنْصَافُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَا زَادَ عَلَى مَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ فَرْضُ عَيْنٍ. فَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَنْ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَى الْفَهْمِ وَالتَّحْرِيرِ فَتَشَاغُلُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إعْرَاضِهِ عَنْهُ وَتَشَاغُلُهُ بِالْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي، وَمَنْ وَجَدَ مِنْ نَفَسِهِ قُصُورًا
следующие страницы →