Полный текст (3 079 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَاللَّغْوُ عَامٌّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْبَاطِلُ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَالْآيَةُ خَارِجَةٌ مَخْرَجَ الْمَدْحِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ حَدِيثُ «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ: مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيُهُ عَنْ قَوْسِهِ» قَالَ الْغَزَالِيُّ: قُلْنَا قَوْلَهُ ﷺ " فَهُوَ بَاطِلٌ " لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَائِدَةٍ انْتَهَى.
وَهُوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ. عَلَى أَنَّ التَّلَهِّيَ بِالنَّظَرِ إلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَرْقُصُونَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ خَارِجٌ عَنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ. وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ فِي زَمَّارَةِ الرَّاعِي بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ سَمَاعُهُ حَرَامًا لَمَا أَبَاحَهُ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ وَلَا ابْنُ عُمَرَ لِنَافِعٍ وَلَنَهَى عَنْهُ وَأَمَرَهُ بِكَسْرِ الْآلَةِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا سَدُّهُ ﷺ لِسَمْعِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَجَنَّبَهُ كَمَا كَانَ يَتَجَنَّبُ كَثِيرًا مِنْ الْمُبَاحَاتِ كَمَا تَجَنَّبَ أَنْ يَبِيتَ فِي بَيْتِهِ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. لَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَرْكَهُ ﷺ لِلْإِنْكَارِ عَلَى الرَّاعِي إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: ابْنُ عُمَرَ إنَّمَا صَاحَبَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَقُوَّتِهِ، فَتَرْكُ الْإِنْكَارِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الطَّيِّبَاتِ جَمْعٌ مُحَلًّى بِاللَّامِ فَيَشْمَلُ كُلَّ طَيِّبٍ، وَالطَّيِّبُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ الْمُسْتَلَذِّ وَهُوَ الْأَكْثَرُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ، وَيُطْلَقُ بِإِزَاءِ الظَّاهِرِ وَالْحَلَالِ، وَصِيغَةُ الْعُمُومِ كُلِّيَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَتَدْخُلُ أَفْرَادُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ كُلُّهَا، وَلَوْ قَصَرْنَا الْعَامَّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ لَكَانَ قَصْرُهُ عَلَى الْمُتَبَادَرِ هُوَ الظَّاهِرَ.
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي دَلَائِلِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ بِالطَّيِّبَاتِ: الْمُسْتَلَذَّاتُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُجَوِّزُونَ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَهُ الْمُجَوِّزُونَ أَنَّا لَوْ حَكَمْنَا بِتَحْرِيمِ اللَّهْوِ لِكَوْنِهِ لَهْوًا لَكَانَ جَمِيعُ مَا فِي الدُّنْيَا مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ لَهْوٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى اللَّهْوِ لِكَوْنِهِ لَهْوًا، بَلْ الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِ لَهْوٍ خَاصٍّ وَهُوَ لَهْوُ الْحَدِيثِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنَّهُ لَمَّا عَلَّلَ فِي الْآيَةِ بِعِلَّةِ الْإِضْلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَنْتَهِضْ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَإِذَا تَقَرَّرَ جَمِيعُ مَا حَرَّرْنَاهُ مِنْ حُجَجِ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إذَا خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْحَرَامِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دَائِرَةِ الِاشْتِبَاهِ وَالْمُؤْمِنُونَ وَقَّافُونَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِعَرْضِهِ وَدِينِهِ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ الْقُدُودِ وَالْخُدُودِ وَالْجَمَالِ وَالدَّلَالِ وَالْهَجْرِ وَالْوِصَالِ وَمُعَاقَرَةِ الْعَقَارِ وَخَلْعِ الْعِذَارِ وَالْوَقَارِ، فَإِنَّ
стр. 2837
بَابُ ضَرْبِ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ لِقُدُومِ الْغَائِبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
٣٥٦٦ - (عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إنْ رَدَّك اللَّهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنِ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى قَالَ لَهَا: إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَّا فَلَا، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتْ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتْ الدُّفَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
سَامِعَ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ بَلِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّصَلُّبِ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَلَى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ الْوَصْفُ، وَكَمْ لِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ قَتِيلٍ دَمُهُ مَطْلُولٌ، وَأَسِيرٌ بِهُمُومِ غَرَامِهِ وَهُيَامِهِ مَكْبُولٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّدَادَ وَالثَّبَاتَ.
وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ لِلْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَعَلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ الَّتِي سَمَّيْتُهَا: إبْطَالُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّمَاعِ.
[بَابُ ضَرْبِ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ لِقُدُومِ الْغَائِبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الْفَاكِهَانِيِّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ الْغَيْبَةِ.
وَالْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ يَخُصُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَنْعِ. وَأَمَّا الْمُجَوِّزُونَ فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْجَوَازِ لِمَا سَلَفَ. وَقَدْ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَالْإِذْنُ مِنْهُ ﷺ لَهَذِهِ الْمَرْأَةِ بِالضَّرْبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْطِنِ.
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: " أَوْفِي بِنَذْرِكِ " وَمِنْ جُمْلَةِ مَوَاطِنِ التَّخْصِيصِ لِلَّهْوِ فِي الْعُرْسَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ. وَمِنْ مَوَاطِنِ التَّخْصِيصِ أَيْضًا فِي الْأَعْيَادِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جِوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِنِي بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدٌ وَهَذَا عِيدُنَا» .
وَرَوَى الْمُبَرِّدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ دَاخِلًا فِيهِ بَيْتُهُ تَرَنَّمَ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ. وَرَوَاهُ الْمُعَافَى النَّهْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْجَلِيسِ وَالْأَنِيسِ وَابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ فِي تَرْجَمَةِ أَسْلَمَ الْحَادِي وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ: حَرِّكْ بِالْقَوْمِ فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ» .
стр. 2838
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ بَابٌ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَى أَنْ يَرِدْ مَنْعٌ أَوْ إلْزَامٌ
٣٥٦٧ - (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» ) .
٣٥٦٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكَتْكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَاذَا أَمَرَتْكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) .
٣٥٦٩ - (وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفَرَاءِ، فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا لَكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٣٥٧٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ] [بَابٌ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَى أَنْ يَرِدَ مَنْعٌ أَوْ إلْزَامٌ]
حَدِيثُ سَلْمَانَ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ شَطْرًا مِنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: " الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ. . . إلَخْ " وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى التِّرْمِذِيِّ بَلْ بَيَّضَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ عَزَاهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ إلَى التِّرْمِذِيِّ
стр. 2839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
كَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَبَوَّبَ لَهُ بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ الْفَرَاءِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ سَيْفُ بْنُ هَارُونَ الْبُرْجُمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ، وَصُورَةُ إسْنَادِهِ فِي التِّرْمِذِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَهُ. قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَاسْمُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ انْتَهَى. وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ سَاقَهَا الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ: مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَقَالَ: سَنَدُهُ صَالِحٌ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ بِلَفْظِ «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنْ اللَّهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا، وَتَلَا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] » .
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا. وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ: " كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ " الْحَدِيثَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا» . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الْآيَةَ، كُنَّا قَدْ اتَّقَيْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ ﷺ " الْحَدِيثَ.
وَالرَّاجِحُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ عَمَّا كَانَ وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنْ الْغَافِلِينَ مَنْعَ السُّؤَالِ عَنْ النَّوَازِلِ إلَى أَنْ تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا تَقَعُ الْمَسَاءَةُ فِي جَوَابِهِ، وَمَسَائِلُ النَّوَازِلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَهَا اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِزَمَانِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سَعْدٍ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَمِنَ مِنْ وُقُوعِ التَّحْرِيمِ لِأَجْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ الِاخْتِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاءَةَ مُجَوَّزَةٌ فِي السُّؤَالِ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ لَمْ يَقَعْ. وَأَمَّا مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ وُقُوعِ الْمَسَائِلِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْآيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُهُ كَبَيَانِ مَا أُجْمِلَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَتْ عَنْهُ الْمَسَائِلُ. وَقَدْ وَرَدَتْ عَنْ الصَّحَابَةِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ سَاقَهَا الدَّارِمِيُّ فِي أَوَائِلِ مُسْنَدِهِ، مِنْهَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ الشَّيْءِ يَقُولُ: هَلْ كَانَ هَذَا؟ فَإِنْ قِيلَ لَا، قَالَ: دَعُوهُ حَتَّى يَكُونَ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبَحْثَ عَمَّا
стр. 2840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَا يُوجَدُ فِيهِ نَصٌّ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْحَثَ عَنْ دُخُولِهِ فِي دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهَا فَهَذَا مَطْلُوبٌ لَا مَكْرُوهٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ فَرْضًا عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. ثَانِيهِمَا: أَنْ يُدَقِّقَ النَّظَرَ فِي وُجُوهِ الْفَرْقِ فَيُفَرِّقَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ بِفَرْقٍ لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ مَعَ وُجُودِ وَصْفِ الْجَمْعِ، أَوْ بِالْعَكْسِ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُفْتَرِقَيْنِ لِوَصْفٍ طَرْدِيِّ مَثَلًا، فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَرَأَوْا أَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ الزَّمَانِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَمِثْلُهُ الْإِكْثَارُ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى مَسْأَلَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا الْإِجْمَاعِ، وَهِيَ نَادِرَةُ الْوُقُوعِ جِدًّا فَيَصْرِفُ فِيهَا زَمَانًا كَانَ صَرْفًا فِي غَيْرِهَا أَوْلَى، وَلَا سِيَّمَا إنْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَالِ التَّوَسُّعُ فِي بَيَانِ مَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فِي كَثْرَةِ السُّؤَالِ الْبَحْثُ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ وَرَدَّ الشَّرْعُ بِالْإِيمَانٍ بِهَا مَعَ تَرْكِ كَيْفِيَّتِهَا.
وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي عَالَمِ الْحِسِّ كَالسُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ وَعَنْ الرُّوحِ وَعَنْ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالنَّقْلِ، وَالْكَثِيرُ مِنْهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ. وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ كَثْرَةُ الْبَحْثِ عَنْهُ فِي الشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ كَمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ» قَالَ الْحَافِظُ: فَمَنْ سَدَّ بَابَ الْمَسَائِلِ حَتَّى فَاتَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا فَإِنَّهُ يَقِلُّ فَهْمُهُ وَعِلْمُهُ، وَمَنْ تَوَسَّعْ فِي تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ وَتَوْلِيدِهَا، وَلَا سِيَّمَا فِيمَا يَقِلُّ وُقُوعُهُ أَوْ يَنْدُرُ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَالْمُغَالَبَةَ فَإِنَّهُ يُذَمُّ فِعْلُهُ، وَهُوَ عَيْنُ الَّذِي كَرِهَهُ السَّلَفُ. وَمُذْ أُمْعِنَ الْبَحْثُ عَنْ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَافَظًا عَلَى مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَحَصَلَ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ، وَعَنْ مَعَانِي السُّنَّةِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ مُقْتَصَرًا عَلَى مَا يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ فِيهَا، فَإِنَّهُ الَّذِي يُحْمَدُ وَيَنْفَعُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ عَمَلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، حَتَّى حَدَثَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَعَارَضَتْهَا الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَكَثُرَ بَيْنَهُمْ الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ وَتَوَلَّدَتْ الْبَغْضَاءُ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ وَالْوَسَطُ هُوَ الْمُعْتَدِلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ: «فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ يَجُرُّ إلَى عَدَمِ الِانْقِيَادِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ حَيْثُ تَقْسِيمُ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَالتَّشَاغُلُ بِهِ، فَقَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي أَيِّهِمَا أَوْلَى: يَعْنِي هَلْ الْعِلْمُ أَوْ الْعَمَلُ وَالْإِنْصَافُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَا زَادَ عَلَى مَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ فَرْضُ عَيْنٍ. فَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَنْ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَى الْفَهْمِ وَالتَّحْرِيرِ فَتَشَاغُلُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إعْرَاضِهِ عَنْهُ وَتَشَاغُلُهُ بِالْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي، وَمَنْ وَجَدَ مِنْ نَفَسِهِ قُصُورًا
стр. 2841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
فَإِقْبَالُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى بِهِ لِعُسْرِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَوْ تَرَكَ الْعِلْمَ لَأَوْشَكَ عَلَى أَنْ يُضَيِّعَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ بِإِعْرَاضِهِ. وَالثَّانِي لَوْ أَقْبَلَ عَلَى الْعِلْمِ وَتَرَكَ الْعِبَادَةَ فَاتَهُ الْأَمْرَانِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْأَوَّلِ لَهُ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ الثَّانِي انْتَهَى
قَوْلُهُ: (إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ. . . إلَخْ) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ " إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا " قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ عَظِيمًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ جُرْمًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ نَفْسُهُ جُرْمٌ، قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ: أَيْ فِي حَقِّهِمْ. قَوْلُهُ: (فَحُرِّمَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الْمُهَلَّبِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَتَمَسَّكُ بِهِ الْقَدَرِيَّةُ فِي أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ أَجْلِ شَيْءٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَهُوَ فَاعِلُ السَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِمَّا ذَكَرَ فَعَظَّمَ جُرْمَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْكَارِهِينَ لِفِعْلِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُنْكِرُونَ إمْكَانَ التَّعْلِيلِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ وُجُوبَهُ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُرْمَةُ إنْ سُئِلَ عَنْهُ فَقَدْ سَبَقَ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّ السُّؤَالَ عِلَّةٌ لِلتَّحْرِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ الْجُرْمُ اللَّاحِقُ بِهِ إلْحَاقُ الْمُسْلِمِينَ الْمَضَرَّةَ لِسُؤَالِهِ، وَهِيَ مَنْعُهُمْ التَّصَرُّفَ فِيمَا كَانَ حَلَالًا قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِالْجُرْمِ هُنَا الْحَدَثُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِثْمِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ مُبَاحًا، وَلِهَذَا قَالَ: " سَلُونِي " وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ.
وَالصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيِّ وَالتَّيْمِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُرْمِ: الْإِثْمُ، وَالذَّنْبُ حَمَلُوهُ عَلَى مَنْ سَأَلَ تَكَلُّفًا وَتَعَنُّتًا فِيمَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ إلَيْهِ، وَسَبَبُ تَخْصِيصِهِ ثُبُوتُ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] فَمَنْ سَأَلَ عَنْ نَازِلَةٍ وَقَعَتْ لَهُ لِضَرُورَتِهِ إلَيْهَا فَهُوَ مَعْذُورٌ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا عَتَبَ، فَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ مَخْصُوصٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ الْأُخْرَى. قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا أَضَرَّ بِهِ غَيْرَهُ كَانَ آثِمًا. وَأَوْرَدَ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى الْحَدِيثِ سُؤَالًا فَقَالَ: السُّؤَالُ لَيْسَ بِجَرِيمَةٍ، وَلَئِنْ كَانَ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وَلَئِنْ كَانَ فَلَيْسَ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. وَأَجَابَ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الشَّيْء بِحَيْثُ يَصِيرُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مُبَاحٍ هُوَ أَعْظَمُ الْجُرْمِ لِأَنَّهُ صَارَ سَبَبًا لِتَضْيِيقِ الْأَمْرِ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، فَالْقَتْلُ مَثَلًا كَبِيرَةٌ وَلَكِنْ مَضَرَّتُهُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَقْتُولِ وَحْدَهُ أَوْ إلَى مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ بِخِلَافِ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ فَضَرَرُهَا عَامٌّ لِلْجَمِيعِ انْتَهَى.
وَقَدْ رُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي زَمَنِهِ ﷺ مِنْ الْمَسَائِلِ مَا كَانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ. أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الشَّيْءِ مِنْ الْأَمْرِ فَيَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ حَلَالٌ، فَلَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ» قَوْلُهُ: (ذَرُونِي) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " دَعُونِي " وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ قَوْلُهُ: (مَا تَرَكَتْكُمْ) أَيْ مُدَّةُ تَرْكِي إيَّاكُمْ بِغَيْرِ أَمْرٍ بِشَيْءٍ وَلَا نَهْيٍ عَنْ شَيْءٍ. قَالَ ابْنُ فَرَجٍ: مَعْنَاهُ لَا تُكْثِرُوا مِنْ
стр. 2842
بَابُ مَا يُبَاحُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ
ــ
[نيل الأوطار]
الِاسْتِفْصَالِ عَنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَكُونُ مُفِيدَةً لِوَجْهِ مَا ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ صَالِحَةً لِغَيْرِهِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: " حَجُّوا " وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لِلتَّكْرَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَهُوَ الْمَرَّةُ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ وَلَا يَكْثُرُ التَّعَنُّتُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى مِثْلِ مَا وَقَعَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْبَقَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتِلَافُهُمْ) يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالْجَرُّ. قَوْلُهُ: (فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ) هَذَا النَّهْيُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَنَاهِي، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا يُكْرَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَ قَوْمٌ فَتَمَسَّكُوا بِالْعُمُومِ فَقَالُوا: الْإِكْرَاهُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ لَا يُبِيحُهَا. قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أَيْ اجْعَلُوهُ قَدْرَ اسْتَطَاعَتِكُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْهَا أَوْ شَرْطٍ فَيَأْتِي بِالْمَقْدُورِ، وَكَذَا الْوُضُوءُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَحِفْظُ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ، وَإِخْرَاجُ بَعْضِ زَكَاةِ الْفِطْرِ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكُلِّ وَالْإِمْسَاكُ فِي رَمَضَانَ لِمَنْ أَفْطَرَ بِالْعُذْرِ ثُمَّ قَدَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَطُولُ شَرْحُهَا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إنْ أُمِرَ بِشَيْءٍ فَعَجَزَ عَنْ بَعْضِهِ فَفَعَلَ الْمَقْدُورَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ الْمُزَنِيّ عَلَى أَنَّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ فَوْقَ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الِاجْتِنَابَ فِي الْمَنْهِيَّاتِ وَلَوْ مَعَ الْمَشَقَّةِ فِي التَّرْكِ، وَقَيَّدَ فِي الْمَأْمُورَاتِ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي النَّهْيِ أَيْضًا إذْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. فَجَوَابُهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ، كَذَا قِيلَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ فِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِطَاعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى مِنْ الِاعْتِبَارِ، بَلْ هُوَ مِنْ جِهَةِ الْكَفِّ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ قَادِرٌ عَلَى الْكَفِّ لَوْلَا دَاعِيَةُ الشُّهْرَةِ مَثَلًا فَلَا يُتَصَوَّرُ عَدَمٌ مِنْ الْكَفِّ بَلْ كُلُّ مُكَلَّفٍ قَادِرٌ عَلَى التَّرْكِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنْ تَعَاطِيهِ مَحْسُوسٌ، فَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ فِي الْأَمْرِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ دُونَ النَّهْيِ، قَالَ ابْنُ فَرَجٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ: إنَّ الْأَمْرَ بِالِاجْتِنَابِ عَلَى إطْلَاقِهِ حَتَّى يُوجَدَ مَا يُبِيحُهُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ جَوَازُ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إذَا كَانَ الْقَلْبُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَيْسَ مَنْهِيًّا فِي تِلْكَ الْحَالِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْكَفَّ عَنْ الْمَعَاصِي تَرْكٌ وَهُوَ سَهْلٌ، وَعَمَلُ الطَّاعَةِ فِعْلٌ وَهُوَ شَاقٌّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُبِحْ ارْتِكَابَ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ مَعَ الْعُذْرِ لِأَنَّهُ تَرْكٌ، وَالتَّرْكُ لَا يَعْجَزُ الْمَعْذُورُ عَنْهُ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] يَتَنَاوَلُ امْتِثَالَ الْمَأْمُورِ وَاجْتِنَابَ الْمَنْهِيِّ، وَقَدْ قُيِّدَ بِالِاسْتِطَاعَةِ فَاسْتَوَيَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي تَقْيِيدِ الْحَدِيثِ بِالِاسْتِطَاعَةِ فِي جَانِبِ الْأَمْرِ دُونَ النَّهْيِ أَنَّ الْعَجْزَ يَكْثُرُ تَصَوُّرُهُ فِي الْأَمْرِ بِخِلَافِ
стр. 2843
٣٥٧١ - (عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ لِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد.
وَفِي لَفْظِ: «أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَفِي لَفْظِ: «سَافَرْنَا، يَعْنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَشْرَبُ أَلْبَانَهَا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) .
٣٥٧٢ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ فَأَكَلْنَاهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُ أَحْمَدَ: «ذَبَحْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ نَحْنُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ» ) .
٣٥٧٣ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
النَّهْي، فَإِنَّ تَصَوُّرَ الْعَجْزِ فِيهِ مَحْصُورٌ فِي الِاضْطِرَارِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَهُوَ مُضْطَرٌّ، وَلَا يُرَدُّ الْإِكْرَاهُ لِأَنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي الِاضْطِرَارِ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ الْحَافِظُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا نَسْخَ بَلْ الْمُرَادُ بِحِقِّ تُقَاتِهِ: امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا مَعَ الْعَجْزِ قَوْلُهُ: (الْفَرَاءُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مَهْمُوزٌ: حِمَارُ الْوَحْشِ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ، وَلَكِنْ تَبْوِيبُ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِرَاءَ بِكَسْرِ الْفَاءِ جَمْعُ فَرْوٍ قَوْلُهُ: (الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. . . إلَخْ) الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ هُوَ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ أَوْ الْإِشَارَةِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ لِحَدِيثِ «إنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَلِيٍّ. . . إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ إلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ. .
[بَابُ مَا يُبَاحُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ]
قَوْلُهُ: (نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِحِلِّ أَكْلِهَا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى كَرَاهَةِ أَكْلِ الْخَيْلِ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَغَيْرُهُمَا.
وَاحْتَجُّوا بِالْأَخْبَارِ
стр. 2844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْمُتَوَاتِرَةِ فِي حِلِّهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ لَمَا كَانَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَرْقٌ، وَلَكِنَّ الْآثَارَ إذَا صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى أَنْ نَقُولَ بِهَا مِمَّا يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ جَابِرٌ أَنَّهُ ﷺ «أَبَاحَ لَهُمْ لُحُومَ الْخَيْلِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي مَنَعَهُمْ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ نَقَلَ الْحِلَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدٍ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ جُرَيْجٍ: لَمْ يَزَلْ سَلَفُكَ يَأْكُلُونَهُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت: أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَأَمَّا مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ كَرَاهَتِهَا فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ لِحِلِّ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ، وَذَلِكَ يُقَوِّي أَنَّهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْحِلِّ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْهُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَمَرَ بِلُحُومِ الْخَيْلِ» قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَصَحَّ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَمَالِكٍ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ التَّحْرِيمُ، قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْكَرَاهَةُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقَّقِينَ مِنْهُمْ التَّحْرِيمُ، وَقَدْ صَحَّحَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْهِدَايَةِ وَالذَّخِيرَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ التَّحْرِيمَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ كَمَا حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ، وَلَكِنَّهُ حَكَى الْحِلَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ» .
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: أَهْلُ الْحَدِيثِ يُضَعِّفُونَ عِكْرِمَةَ بْنَ عَمَّارٍ، قَالَ الْحَافِظُ: لَا سِيَّمَا فِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فَإِنَّ عِكْرِمَةَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي تَوْثِيقِهِ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، لَكِنْ إنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: أَحَادِيثُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ضَعِيفَةٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدِيثُهُ عَنْ يَحْيَى مُضْطَرِبٌ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ إلَّا فِي يَحْيَى. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُهُ مِنْ غَيْرِ إيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ مُضْطَرِبٌ. وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى عِكْرِمَةَ فِيهَا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ لَيْسَ فِيهِ لِلْخَيْلِ ذِكْرٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي زَادَهُ حَفِظَهُ، فَالرِّوَايَاتُ الْمُتَنَوِّعَةُ عَنْ جَابِرٍ الْمُفَصِّلَةُ بَيْنُ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ فِي الْحُكْمِ أَظْهَرُ اتِّصَالًا وَأَتْقَنُ رِجَالًا وَأَكْثَرُ عَدَدًا.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ» .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ شَاذٌّ مُنْكَرٌ لِأَنَّ فِي سِيَاقِهِ أَنَّهُ شَهِدَ خَيْبَرَ وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ إلَّا بَعْدَهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ خَالِدٍ وَفِيهَا مَجْهُولٌ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ جَابِرَ أَيْضًا لَمْ يَشْهَدْ خَيْبَرَ كَمَا أَعَلَّ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. إلَّا أَنَّنَا نَقُولُ:
стр. 2845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
ذَلِكَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِحُضُورِهِ، فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْعَمَهُمْ لُحُومَ الْخَيْلِ» وَفِي الْأُخْرَى " أَنَّهُمْ سَافَرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ " فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَرَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ فَرَضْنَا ثُبُوتَ حَدِيثِ خَالِدٍ وَسَلَامَتَهُ عَنْ الْعِلَلِ لَمْ يَنْتَهِضْ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَسْمَاءَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ ضَعَّفَ حَدِيثَ خَالِدٍ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَآخَرُونَ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَا أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ، وَقَرَّرُوا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ لِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ تُفِيدُ الْحَصْرَ، فَإِبَاحَةُ أَكْلِهَا تَقْتَضِي خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْ الْآيَةِ، وَقَرَّرُوهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْعَطْفَ يُشْعِرُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ، وَبِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ مَسَاقَ الِامْتِنَانِ، فَلَوْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْأَكْلِ لَكَانَ الِامْتِنَانُ بِهِ أَعْظَمَ. وَأُجِيبَ إجْمَالًا بِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ اتِّفَاقًا، وَالْإِذْنُ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأَيْضًا لَيْسَتْ نَصًّا فِي مَنْعِ الْأَكْلِ، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الْحِلِّ.
وَأُجِيبَ أَيْضًا تَفْصِيلًا بِأَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ اللَّامَ لِلْعِلَّةِ لَمْ نُسَلِّمْ إفَادَتَهُ الْحَصْرَ فِي الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالْخَيْلِ فِي غَيْرِهِمَا وَفِي غَيْرِ الْأَكْلِ اتِّفَاقًا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبَقَرَةِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّحِيحَيْنِ حِينَ خَاطَبَتْ رَاكِبَهَا فَقَالَتْ: إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أَصَرْحَ فِي الْحَصْرِ لِكَوْنِهِ بِإِنَّمَا مَعَ اللَّامِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْأَغْلَبُ مِنْ الْمَنَافِعِ وَهُوَ الرُّكُوبُ فِي الْخَيْلِ وَالتَّزَيُّنُ بِهَا وَالْحَرْثُ فِي الْبَقَرِ. وَأَيْضًا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بِالْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْعَطْفِ فَغَايَتُهُ دَلَالَةُ الِاقْتِرَانِ وَهِيَ مِنْ الضَّعْفِ بِمَكَانٍ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالِامْتِنَانِ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ الْمَنَافِعِ. قَوْلُهُ: (ذَبَحْنَا فَرَسًا) لَفْظُ الْبُخَارِيِّ " نَحَرْنَا فَرَسًا " وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ النَّحْرِ عَلَى الذَّبْحِ مَجَازًا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ قَوْلُهُ: (يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ) هُوَ اسْمُ جِنْسٍ مُثَلَّثِ الدَّالِ، ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَحْكِ النَّوَوِيُّ أَنَّ ذَلِكَ مُثَلَّثٌ، وَقِيلَ: إنَّ الضَّمَّ ضَعِيفٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: دَخَلَتْهَا التَّاءُ لِلْوَحْدَةِ مِثْلُ الْحَمَامَةِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: إنَّ الدَّجَاجَةَ بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْوَاحِدُ مِنْهَا دِيكٌ، وَبِالْفَتْحِ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكْرَانِ وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا وَفِي الْقَامُوسِ: وَالدَّجَاجَةُ مَعْرُوفٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَتُثَلَّثُ اهـ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ: وَهُوَ أَنَّ رَجُلًا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَأَفْتَاهُ أَبُو مُوسَى بِأَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَأْكُلُ وَقَصَّ لَهُ الْحَدِيث.
стр. 2846
بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . مُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَلَحْمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» .
٣٥٧٥ - (وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ نَضِيجًا وَنَيْئًا» ) .
٣٥٧٦ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) .
٣٥٧٧ - (وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
٣٥٧٨ - وَعَنْ زَاهِرٍ الْأَسْلَمِيِّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ قَالَ: «إنِّي لَأُوقِدُ تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إذْ نَادَى مُنَادٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» .
٣٥٧٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: «يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، قَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] » رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ) .
٣٥٨٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَالْمُجَثَّمَةَ وَالْحِمَارَ الْإِنْسِيَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٣٥٨١ - (وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2847
خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا، فَقَالَ نَاسٌ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَهَى عَنْهَا أَلْبَتَّةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وَقَدْ ذَكَرَا) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ]
قَوْلُهُ: (الْإِنْسِيَّةَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ مَنْسُوبَةٌ إلَى الْإِنْسِ، وَيُقَالُ فِيهِ أَنَسِيَةٌ بِفُتْحَتَيْنِ. وَزَعَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ فِي كَلَامِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ الْأَنَسَ بِفَتْحَتَيْنِ ضِدَّ الْوَحْشَةِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ مَعَ احْتِمَالِ جَوَازِهِ، نَعَمْ زَيَّفَ أَبُو مُوسَى الرِّوَايَةَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ثُمَّ السُّكُونِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: إنْ أَرَادَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ وَإِلَّا فَهُوَ ثَابِتٌ فِي اللُّغَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسِيَّةِ: الْأَهْلِيَّةُ كَمَا وَقَعَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِهَا جَوَازُ أَكْلِ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ يَأْتِي الْبَحْثُ عَنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: (إذْ نَادَى مُنَادِي) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الَّذِي نَادَى بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا بِلَالًا نَادَى بِذَلِكَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيّ أَنَّ الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَلَعَلَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ نَادَى أَوَّلًا بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نَادَى أَبُو طَلْحَةَ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: " فَإِنَّهَا رِجْسٌ " قَوْلُهُ: وَقَرَأَ ﴿قُلْ لا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ، هَذَا الِاسْتِدْلَال إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهَا.
وَأَمَّا الْحُمُرُ الْإِنْسِيَّةُ فَقَدْ تَوَاتَرَتْ النُّصُوصُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى التَّحْرِيمِ مُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْقِيَاسِ. وَأَيْضًا الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةِ مَخَافَةَ قِلَّةِ الظَّهْرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَرَدَّدَ هَلْ كَانَ النَّهْيُ لِمَعْنًى خَاصٍّ أَوْ لِلتَّأْبِيدِ؟ وَعَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، فَقَالَ نَاسٌ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ أَزَالَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ مِنْ كَوْنِهَا لَمْ تُخَمَّسْ أَوْ كَانَتْ جَلَّالَةً أَوْ غَيْرَهُمَا حَدِيثُ أَنَسٍ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ " فَإِنَّهَا رِجْسٌ " وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ انْتَهَى. وَالْحَدِيثَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي بَابِ نَجَاسَةِ لَحْمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ إذَا ذُبِحَ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي إنَّهَا رِجْسٌ عَائِدٌ عَلَى الْحُمُرِ لِأَنَّهَا الْمُتَحَدَّثُ عَنْهَا الْمَأْمُورُ بِإِكْفَائِهَا مِنْ الْقُدُورِ وَغَسْلِهَا، وَهَذَا حُكْمُ النَّجَسِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا لِعَيْنِهَا لَا لِمَعْنًى خَارِجٍ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَمْرُ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ ظَاهِرُ أَنَّهُ بِسَبَبِ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْحُمُرِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ وَرَدَتْ عِلَلٌ أُخَرُ إنْ صَحَّ رَفْعُ شَيْءٍ
стр. 2848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
مِنْهَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يُعَلَّلَ الْحُكْمُ بِأَكْثَرَ مِنْ عِلَّةٍ. وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ فَلَا مُعَدَّلَ عَنْهُ.
وَأُمَّا التَّعْلِيلُ بِخَشْيَةِ قِلَّةِ الظَّهْرِ فَأَجَابَ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ بِالْمُعَارَضَةِ بِالْخَيْلِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ النَّهْيَ عَنْ الْحُمُرِ وَالْإِذْنَ فِي الْخَيْلِ مَقْرُونَانِ، فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِأَجْلِ الْحُمُولَةِ لَكَانَتْ الْخَيْلُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِقِلَّتِهَا عِنْدَهُمْ وَعِزَّتِهَا وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا الْكَرَاهَةُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَدْ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ، قَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَالِّ الْقَرْيَةِ» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ جَمْعُ جَالَّةٍ، مِثْلُ سَوَامِّ جَمْعِ سَامَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهَوَامِّ جَمْعِ هَامَّةٍ: يَعْنِي الْجَلَّالَةَ وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. وَالْحَدِيثُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. قَالَ الْحَافِظُ: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ: وَالْمَتْنُ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ كَثِيرًا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلِيٌّ ﵇ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَمْرٍو وَجَابِرٌ وَالْبَرَاءُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَأَنَسٌ وَزَاهِرٌ الْأَسْلَمِيُّ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ. وَحَدِيثُ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ مَعَ مَا يُعَارِضُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُمْ فِي مَجَاعَتِهِمْ وَبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا الْمُطْلَقِ بِكَوْنِهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَاتِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ نَصْرٍ الْمُحَارِبِيَّةِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ: أَلَيْسَ تَرْعَى الْكَلَأَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: فَأَصِبْ مِنْ لُحُومِهَا» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ قَالَ: سَأَلْتُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. فَقَالَ الْحَافِظُ فِي السَّنَدَيْنِ مَقَالٌ، وَلَوْ ثَبَتَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَوْلَا تَوَاتُرُ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي حَلَّهَا، لِأَنَّ كُلَّ مَا حُرِّمَ مِنْ الْأَهْلِيِّ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ إذَا كَانَ وَحْشِيًّا كَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى حِلِّ الْوَحْشِيِّ فَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي حِلَّ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي نَظِيرِهِ الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ كَالْهِرِّ. قَوْلُهُ: (كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ قَوْلُهُ: (الْمُجَثَّمَةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَهِيَ كُلُّ حَيَوَانٍ يُنْصَبُ وَيُقْتَلُ، إلَّا إنَّهَا قَدْ كَثُرَتْ فِي الطَّيْرِ وَالْأَرْنَبِ وَمَا يَجْثُمُ فِي الْأَرْضِ: أَيْ يَلْزَمُهَا، وَالْجَثْمُ فِي الْأَصْلِ: لُزُومُ الْمَكَانِ أَوْ الْوُقُوعُ عَلَى الصَّدْرِ أَوْ التَّلَبُّدُ بِالْأَرْضِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، التَّجْثِيمُ نَوْعٌ مِنْ الْمُثْلَةِ. .
стр. 2849
بَابُ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَأَبَا دَاوُد) .
٣٥٨٣ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ) .
٣٥٨٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَلُحُومَ الْبِغَالِ وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٣٥٨٥ - (وَعَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْخُلْسَةَ وَالْمُجَثَّمَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: نَهَى بَدَلَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: الْمُجَثَّمَةَ: أَنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ فَيُرْمَى. وَالْخُلْسَةُ الذِّئْبُ أَوْ السَّبُعُ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، يَعْنِي الْفَرِيسَةَ، فَتَمُوتُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا) .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهِرِّ وَالْقُنْفُذِ
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ]
حَدِيثُ جَابِرٍ أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَلَفَ، وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ. قَوْلُهُ: (كُلَّ ذِي نَابٍ) النَّابُ: السِّنُّ الَّذِي خَلْفَ الرَّبَاعِيَّةِ جَمْعَهُ أَنْيَابٌ. قَالَ ابْنُ سِينَا: لَا يَجْتَمِعُ فِي حَيَوَانٍ وَاحِدٍ نَابٌ وَقَرْنٌ مَعًا. وَذُو النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنِّمْرِ وَالْفِيلِ وَالْقِرْدِ، وَكُلُّ مَا لَهُ نَابٌ يَتَقَوَّى بِهِ وَيَصْطَادُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ مَا يَفْتَرِسُ الْحَيَوَانَ وَيَأْكُلُ قَسْرًا كَالْأَسَدِ وَالنِّمْرِ وَالذِّئْبِ وَنَحْوِهَا.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالسَّبُعُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا: الْمُفْتَرِسُ مِنْ الْحَيَوَانِ انْتَهَى. وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي جِنْسِ السِّبَاعِ الْمُحَرَّمَةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا أَكَلَ اللَّحْمَ فَهُوَ سَبُعٌ حَتَّى الْفِيلِ وَالضَّبُعِ وَالْيَرْبُوعِ وَالسِّنَّوْرِ. قَالَ
стр. 2850
٣٥٨٦ - (عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٣٥٨٧ - (وَعَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنْت عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْقُنْفُذِ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَا قَالَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الضَّبِّ
ــ
[نيل الأوطار]
الشَّافِعِيُّ: يُحَرَّمُ مِنْ السِّبَاعِ مَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ كَالْأَسَدِ وَالنِّمْرِ وَالذِّئْبِ. وَأَمَّا الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ فَيَحِلَّانِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْدُوَانِ قَوْلُهُ: (وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ) الْمِخْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمِخْلَبُ لِلطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ بِمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ لِلْإِنْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمَشْهُورُ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، يَعْنِي عَدَمَ التَّحْرِيمِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، وَحَدِيثُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأَيْضًا هِيَ عَامَّةٌ وَالْأَحَادِيثُ خَاصَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ مُفَصَّلًا.
وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ آيَةَ الْأَنْعَامِ خَاصَّةً بِبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَهَا حِكَايَةٌ عَنْ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ مِنْ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ بِآرَائِهِمْ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ ﴿قُلْ لا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أَيْ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. قَوْلُهُ: (وَلُحُومَ الْبِغَالِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ. قَوْلُهُ: (وَالْخُلْسَةَ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، وَهِيَ مَا وَقَعَ التَّفْسِيرُ بِهِ فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُجَثَّمَةَ) قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَتَفْسِيرُهَا.
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهِرِّ وَالْقُنْفُذِ]
حَدِيثُ جَابِرٍ فِي إسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ زَيْدٍ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: لَا يُحْتَجُّ
стр. 2851
٣٥٨٨ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ «دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إلَى
ــ
[نيل الأوطار]
بِهِ. وَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَحَدِيثُ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَرَوَاهُ شَيْخٌ مَجْهُولٌ. وَقَالَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى تَحْرِيمِ أَكَلِ الْهِرِّ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ. وَيُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ أَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ فِي حِلِّ الْهِرِّ الْوَحْشِيِّ كَحِمَارِ الْوَحْشِ إذَا كَانَ وَحْشِيَّ الْأَصْلِ لَا إنْ كَانَ أَهْلِيًّا ثُمَّ تَوَحَّشَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ) بِضَمِّ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مُصَغَّرُ نَمْلَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ.
قَوْلُهُ: (الْقُنْفُذَ) هُوَ وَاحِدُ الْقَنَافِذِ وَالْأُنْثَى الْوَاحِدَةُ قُنْفُذَةٌ وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْفَاءُ. وَهُوَ نَوْعَانِ: قُنْفُذٌ يَكُونُ بِأَرْضِ مِصْرَ قَدْرَ الْفَأْرِ الْكَبِيرِ وَآخَرُ يَكُونُ بِأَرْضِ الشَّامِ فِي قَدْرِ الْكَلْبِ وَهُوَ مُولَعٌ بِأَكْلِ الْأَفَاعِي وَلَا يَتَأَلَّمُ بِهَا، كَذَا قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقُنْفُذِ لِأَنَّ الْخَبَائِثَ مُحَرَّمَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ كَمَا سَلَفَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ حَكَى التَّحْرِيمَ فِي الْبَحْرِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ وَالْإِمَامُ يَحْيَى. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ رَاوِيًا عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ: إنْ صَحَّ الْخَبَرُ فَهُوَ حَرَامٌ وَإِلَّا رَجَعْنَا إلَى الْعَرَبِ، وَالْمَنْقُولِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: الْقُنْفُذُ مَكْرُوهٌ، وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ ا. هـ. وَحُكِيَ الْكَرَاهَةُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ نَاهِضٌ يَنْقُلُ عَنْهُ أَوْ يَتَقَرَّرَ أَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فِي غَالِبِ الطِّبَاعِ. وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالْحِلِّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مِلْقَامِ بْنِ التَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «صَحِبْت النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ أَسْمَعْ لِحَشَرَاتِ الْأَرْضِ تَحْرِيمًا» وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْأَصْلَ وَإِنْ كَانَ عَدَمُ السَّمَاعِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُرُودِ دَلِيلٍ، وَلَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ إسْنَادَهُ غَيْرُ قَوِيٍّ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِلْقَامُ بْنُ التَّلِبِ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: إنَّ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالضَّبِّ وَالْقُنْفُذِ وَالْيَرْبُوعِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ.
стр. 2852
الضَّبِّ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، قُلْنَ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ فَلَمْ يَنْهَنِي» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) .
٣٥٨٩ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ: لَا آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُ نَاسٌ فِيهِمْ سَعْدٌ، فَأَتَوْا بِلَحْمِ ضَبٍّ، فَنَادَتْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ: إنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٣٥٩٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الضَّبِّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْهُ» وَإِنَّ عُمَرَ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٥٩١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَقَالَ: لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ» ) .
٣٥٩٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي فِي غَائِطٍ مُضِبَّةٍ وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي، قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ: إنَّ اللَّهَ لَعَنَ أَوْ غَضِبَ عَلَى سَبْطٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا فَلَمْ آكُلْهَا، وَلَا أَنْهَى عَنْهَا» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَم ذَلِكَ إلَّا بِوَحْيٍ، وَأَنَّ تَرَدُّدَهُ فِي الضَّبِّ كَانَ قَبْلَ الْوَحْيِ بِذَاكَ، وَالْحَدِيثُ يَرْوِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْقِرَدَةُ، قَالَ مِسْعَرٌ: وَأَرَاهُ قَالَ وَالْخَنَازِيرُ مِمَّا مُسِخَ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتْ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2853
وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَهْلِكْ أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلُ لَهُمْ نَسْلًا» رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الضَّبِّ]
قَوْلُهُ: (فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا) هُوَ دُوَيْبَّةٌ تُشْبِهُ الْجِرْذَوْنَ وَلَكِنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ قَلِيلًا، وَيُقَالُ الْأُنْثَى ضَبَّةٌ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: إنَّهُ يَعِيشُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَإِنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ وَيَبُولُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَةً، وَلَا يَسْقُطُ لَهُ سِنٌّ وَيُقَالُ: بَلْ أَسْنَانُهُ قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (مَحْنُوذًا) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مَضْمُومَةٍ وَآخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ: أَيْ مَشْوِيًّا بِالْحِجَارَةِ الْمُحْمَاةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ " بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ ". قَوْلُهُ: (أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ) بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَهَا فَاءٌ مُصَغَّرَةٌ قَوْلُهُ: (لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَقَالَ: إنَّ الضِّبَابَ مَوْجُودَةٌ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ تَكْذِيبَ الْخَبَرِ فَقَدْ كَذَبَ هُوَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَرُبَّمَا أَنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ، وَكَذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمَنْ تَبِعَهُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، بَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﷺ " بِأَرْضِ قَوْمِي قُرَيْشٌ فَقَطْ فَيَخْتَصُّ النَّفْيُ بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً بِسَائِرِ بِلَادِ الْحِجَازِ. قَوْلُهُ: (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) أَيْ أَكْرَهُ أَكْلَهُ، يُقَالُ: عِفْتُ الشَّيْءَ أَعَافُهُ. قَوْلُهُ: (فَاجْتَرَرْتُهُ) بِجِيمٍ وَرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُهَذَّبِ بِزَايٍ قَبْلَ الرَّاءِ وَقَدْ غَلَّطَهُ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) فِيهِ جَوَازُ أَكْلِ الضَّبِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبَّ حَلَالٌ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَرَاهَتِهِ، وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا هُوَ حَرَامٌ وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ، فَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَدٍ فَمَحْجُوجٌ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ اهـ. قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَأَيْنَ يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ كَرَاهَتَهَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ: كَرِهَ قَوْمٌ أَكْلَ الضَّبِّ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ.
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحُ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ.
وَحَدِيثُ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الشَّامِيِّينَ قَوِيٌّ، وَهَؤُلَاءِ شَامِيُّونَ ثِقَاتٌ، وَلَا يُغْتَرُّ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ. وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: فِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجْهُولُونَ. وَقَوْلُ الْبَيْهَقِيّ: تَفَرَّدَ بِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَا يَصِحُّ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَسَاهُلٌ لَا يَخْفَى، فَإِنَّ رِوَايَةَ إسْمَاعِيلَ عَنْ الشَّامِيِّينَ قَوِيَّةٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهَا.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّحَاوِيُّ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ
стр. 2854
بَابُ مَا جَاءَ فِي الضَّبُعِ وَالْأَرْنَبِ
ــ
[نيل الأوطار]
الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ " نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ " الْحَدِيثُ، وَفِيهِ " أَنَّهُمْ طَبَخُوا مِنْهَا، فَقَالَ ﷺ : " إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ، فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ، فَأَكْفِئُوهَا " وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْأَحَادِيثُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْحِلِّ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا نَصًّا وَتَقْرِيرًا فَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ حُمِلَ النَّهْيُ فِيهِ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ عِنْدَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا مُسِخَ. وَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ ثُمَّ تَوَقَّفَ فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ. وَحُمِلَ الْإِذْنُ فِيهِ عَلَى ثَانِي الْحَالِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَسْتَقْذِرُهُ فَلَا يَأْكُلُهُ وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ بِإِذْنِهِ فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ. وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنْزِيهِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرُهُ، وَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَنْ لَا يَتَقَذَّرُهُ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ «أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ضَبٌّ فَلَمْ يَأْكُلْهُ فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَائِلٌ، فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَتُعْطِينَهُ مَا لَا تَأْكُلِينَ؟» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ.
وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى كَرَاهَةِ التَّصَدُّقِ بِحَشَفِ التَّمْرِ، وَكَحَدِيثِ الْبَرَاءِ «كَانُوا يُحِبُّونَ الصَّدَقَةَ بِأَرْدَإِ تَمْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] » قَالَ: فَلِهَذَا الْمَعْنَى كَرِهَ لِعَائِشَةَ أَنْ تَصَدَّقَ بِالضَّبِّ لَا لِكَوْنِهِ حَرَامًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّحَاوِيَّ فَهِمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ. وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ. وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إلَى التَّحْرِيمِ. وَقَالَ: اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ الْمُتَقَدِّمِ فَرَجَّحْنَا جَانِبَ التَّحْرِيمِ، وَدَعْوَى التَّعَذُّرِ مَمْنُوعَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (فِي غَائِطٍ مُضَبَّةٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا فَتْحُ الْمِيمِ وَالضَّادِ، وَالثَّانِيَةُ ضَمُّ الْمِيمِ وَكَسْرُ الضَّادِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ، وَالْمُرَادُ ذَاتُ ضِبَابٍ كَثِيرَةٍ، وَالْغَائِطُ: الْأَرْضُ الْمُطَيَّنَةُ. قَوْلُهُ: (يَدِبُّونَ) بِكَسْرِ الدَّالِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ " إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا " فَلَمَّا أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ زَالَ التَّظَنُّنُ وَعُلِمَ أَنَّ الضَّبَّ لَيْسَ مِمَّا مُسِخَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ. وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُمْ: الْمَمْسُوخُ لَا نَسْلَ لَهُ، دَعْوَى فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْهُ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّبِّ مَمْسُوخًا فَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ آدَمِيًّا قَدْ زَالَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَكْلَ مِنْهُ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ كَمَا كَرِهَ الشُّرْبَ مِنْ مِيَاهِ ثَمُودَ اهـ.
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ ﷺ عَافَ الضَّبَّ، وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَيْبِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا صَنَعَهُ الْآدَمِيُّ لِئَلَّا يَنْكَسِرَ خَاطِرُهُ
стр. 2855
٣٥٩٣ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ قَالَ: «قَلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرٍ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: هِيَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» ) .
٣٥٩٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، وَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذِهَا فَقَبِلَهُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «صِدْتُ أَرْنَبًا فَشَوَيْتُهَا، فَبَعَثَ مَعِي أَبُو طَلْحَةَ بِعَجُزِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِهَا» .
٣٥٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا وَمَعَهَا صِنَابُهَا وَأُدْمُهَا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَأْكُلْ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
٣٥٩٦ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ: «أَنَّهُ صَادَ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحَهُمَا بِمِرْوَتَيْنِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَيُنْسَبُ إلَى التَّقْصِيرِ فِيهِ. وَأَمَّا الَّذِي خُلِقَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ نُفُورُ الطَّبْعِ مِنْهُ مُمْتَنِعًا. .
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الضَّبُعِ وَالْأَرْنَبِ]
حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ وَهِمَ، فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي الْفَتْحِ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا بَقِيَّةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: (الضَّبُعُ) هُوَ الْوَاحِدُ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى ضَبُعَانِ وَلَا يُقَالُ ضُبَعَةٌ. وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ
стр. 2856
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَلَّالَةِ
ــ
[نيل الأوطار]
أَنَّهُ يَكُونُ سَنَةً ذَكَرًا وَسَنَةً أُنْثَى فَيُلَقَّحُ فِي حَالِ الذُّكُورَةِ وَيَلِدُ فِي حَالِ الْأُنُوثَةِ، وَهُوَ مُولَعٌ بِنَبْشِ الْقُبُورِ لِشَهْوَتِهِ لِلُحُومِ بَنِي آدَمَ. قَوْلُهُ: (قَالَ نَعَمْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الضَّبُعِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا زَالَ النَّاسُ يَأْكُلُونَهَا وَيَبِيعُونَهَا بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَطِيبُهُ وَتَمْدَحُهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى التَّحْرِيمِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى حَدِيثِ كُلِّ ذِي نَابٍ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الضَّبُعِ، فَقَالَ: أَوْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟» وَفِيهِ رِوَايَةٌ: «وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» فَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ أُمَيَّةَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَالرَّاوِي عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الضَّبُعَ لَيْسَ لَهَا نَابٌ. وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ جَمِيعَ أَسْنَانِهَا عَظْمٌ وَاحِدٌ كَصَفِيحَةِ نَعْلِ الْفَرَسِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ. اهـ. قَوْلُهُ: (وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَبْشَ مِثْلُ الضَّبُعِ.
وَفِيهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمِثْلِيَّةِ. بِالتَّقْرِيبِ فِي الصُّورَةِ لَا فِي الْقِيمَةِ فَفِي الضَّبُعِ الْكَبْشُ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. قَوْلُهُ: (أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا) بَنُونٍ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَجِيمٍ سَاكِنَةٍ: أَيْ أَثَرْنَا: يُقَالُ نَفَجَ الْأَرْنَبُ: إذَا ثَارَ، وَأَنْفَجْتُهُ: أَيْ أَثَرْتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَيُقَالُ الِانْتِفَاجُ: الِاقْشِعْرَارُ وَارْتِفَاعُ الشَّعْرِ وَانْتِفَاشُهُ. وَالْأَرْنَبُ دُوَيْبَّةٌ مَعْرُوفَةٌ تُشْبِهُ الْعَنَاقَ لَكِنْ فِي رِجْلَيْهَا طُولٌ بِخِلَافِ يَدَيْهَا، وَالْأَرْنَبُ اسْمُ جِنْسٍ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. قَوْلُهُ: (بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) اسْمُ مَوْضِعٍ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ، وَالرَّاءُ مِنْ قَوْلِهِ بِمَرِّ مُشَدَّدَةٌ
قَوْلُهُ: (فَلَغِبُوا) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ: أَيْ تَعِبُوا وَزْنًا وَمَعْنًى قَوْلُهُ: (صِنَابُهَا) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ الصِّنَابُ كَكِتَابٍ. اهـ. وَهُوَ صِبْغٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْخَرْدَلِ وَالزَّبِيبِ وَيُؤْتَدَمُ بِهِ فَعَلَى هَذَا عَطَفَ أُدْمَهَا عَلَيْهِ لِلتَّفْسِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ قَوْلُهُ: (بِوَرِكِهَا) الْوَرِكُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: وَهُمَا وَرِكَانِ فَوْقَ الْفَخِذَيْنِ كَالْكَتِفَيْنِ فَوْقَ الْعَضُدَيْنِ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْأَرْنَبِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا جَاءَ فِي كَرَاهَتِهَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ التَّابِعِينَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا تَقُولُ فِي الْأَرْنَبِ؟ قَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ قُلْتُ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نُبِّئْت أَنَّهَا تُدْمِي» قَالَ الْحَافِظُ: وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِلَفْظِ «جِيءَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَأْكُلْهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا تَحِيضُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد
стр. 2857
٣٥٩٧ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٣٥٩٨ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٣٥٩٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنْ الْجَلَّالَةِ عَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لُحُومِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد) .
بَابُ مَا اُسْتُفِيدَ تَحْرِيمُهُ مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ أَوْ النَّهْي عَنْ قَتْلِهِ
ــ
[نيل الأوطار]
وَلَهُ شَاهِدُ أَيْضًا عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَهَذَا إذَا صَحَّ صَلُحَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو التَّحْرِيمُ كَمَا فِي شَرْحِ ابْنِ رَسْلَانَ لِلسُّنَنِ.
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَرَّمَهَا، وَغَلَّطَهُ النَّوَوِيُّ فِي النَّقْلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَدْ حَكَى فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ الْكَرَاهَةَ، يَعْنِي كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ.
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَلَّالَةِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَلَفْظُهُ «وَعَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَشُرْبِ أَلْبَانِهَا» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فَقِيلَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ، وَقِيلَ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا، وَقِيلَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ. فِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْجَلَّالَةِ: وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إسْنَادُهُ قَوِيٌّ. قَوْلُهُ: (عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ: وَهِيَ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَأْكُلُ الْعَذِرَةَ.
وَالْجَلَّةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ: هِيَ الْبَعْرَةُ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْجَلَّةُ: مُثَلَّثَةٌ الْبَعْرُ أَوْ الْبَعْرَةُ اهـ.، وَتُجْمَعُ عَلَى جَلَّالَاتٍ
стр. 2858
٣٦٠٠ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدَةِ، وَجَوَالٌ كَدَابَّةٍ وَدَوَابَّ، يُقَالُ: جَلَّتْ الدَّابَّةُ الْجَلَّةَ وَأَجَلَّتْهَا فَهِيَ جَالَّةٌ وَجَلَّالَةٌ. وَسَوَاءٌ فِي الْجَلَّالَةِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْإِبِلُ وَغَيْرُهَا كَالدَّجَاجِ وَالْأَوِزِّ وَغَيْرِهِمَا. وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهَا لَا تَقَعُ إلَّا عَلَى ذَاتِ الْأَرْبَعِ خَاصَّةً، ثُمَّ قِيلَ إنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ فَهِيَ جَلَّالَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ فَلَيْسَتْ جَلَّالَةً، وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيٌّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا اعْتِدَادَ بِالْكُثْرِ بَلْ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتِنِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ رِيحُ مَرَقِهَا أَوْ لَحْمِهَا أَوْ طَعْمِهَا أَوْ لَوْنِهَا فَهِيَ جَلَّالَةٌ، وَالنَّهْيُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ، فَأَحَادِيثُ الْبَابِ ظَاهِرُهَا تَحْرِيمُ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلَّالَةِ وَشُرْبِ لَبَنِهَا وَرُكُوبِهَا.
وَقَدْ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلَّالَةِ. وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقِيلَ يُكْرَهُ فَقَطْ كَمَا فِي اللَّحْمِ الْمُذَكَّى إذَا أَنْتَنَ. قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ غَذَّى شَاةً عَشْرَ سِنِينَ بِأَكْلٍ حَرَامٍ لَمْ يُحَرَّمْ أَكْلُهَا وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا أَحَدُ احْتِمَالَيْ الْبَغَوِيّ. وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ فَإِنْ عُلِفَتْ طَاهِرًا فَطَابَ لَحْمُهَا حَلَّ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ التَّغَيُّرُ وَقَدْ زَالَتْ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِيهِ الِاتِّفَاقَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَرِهَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالُوا: لَا تُؤْكَلُ حَتَّى تُحْبَسَ أَيَّامًا.
وَفِي حَدِيثِ «إنَّ الْبَقَرَ تُعْلَفُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يُؤْكَلُ لَحْمُهَا» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ ثَلَاثًا وَلَمْ يَرَ بِأَكْلِهَا بَأْسًا مَالِكٌ مِنْ دُونِ حَبْسٍ. اهـ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: وَلَيْسَ لِلْحَبْسِ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَفِي الْغَنَمِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ، وَفِي الدَّجَاجِ ثَلَاثَةٌ. وَاخْتَارَهُ فِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْرِيرِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ: فَإِنْ لَمْ تُحْبَسْ وَجَبَ غَسْلُ أَمْعَائِهَا مَا لَمْ يُسْتَحَلَّ مَا فِيهِ اسْتِحَالَةٌ تَامَّةٌ قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ) عِلَّةُ النَّهْيِ أَنْ تَعْرَقَ فَتُلَوِّثَ مَا عَلَيْهَا بِعَرَقِهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تُحْبَسْ، فَإِذَا حُبِسَتْ جَازَ رُكُوبُهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَنِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي طَهَارَةِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِهَا فَيَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ فِي أَعْضَاءِ الْحَيَوَانَاتِ لَحْمًا وَيَصِيرُ لَبَنًا.
стр. 2859
٣٦٠١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْهُ الْأَمْرُ بِقَتْلِهِ) .
٣٦٠٢ - (وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: وَكَانَ يَنْفُخُ عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇) .
٣٦٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ. وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَلِابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ) .
٣٦٠٤ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٦٠٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: «ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَوَاءً، وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَلُ فِيهِ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) .
٣٦٠٦ - (وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ إلَّا الْأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ، وَيَتْبَعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٠٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلَاثًا، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ") .
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا اُسْتُفِيدَ تَحْرِيمُهُ مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ أَوْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْحَافِظُ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ أَقْوَى مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَزَادَ فِيهِ " وَالضُّفْدَعَ " وَفِيهِ عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ الصُّرَدِ وَالضُّفْدَعِ وَالنَّمْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَفِي إسْنَادِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَوْقُوفًا «لَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّ نَقِيقَهَا تَسْبِيحٌ، وَلَا تَقْتُلُوا الْخُفَّاشَ فَإِنَّهُ لَمَّا خَرِبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَالَ: يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى الْبَحْرِ حَتَّى أُغْرِقَهُمْ» قَالَ الْبَيْهَقِيَّ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ الْحَافِظُ: وَإِنْ كَانَ إسْنَادُهُ صَحِيحًا لَكِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَأْخُذُ عَنْ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا نَهَى عَنْهُ قَتْلُ الْخُطَّافِ. أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْخَطَاطِيفِ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مُعْضَلًا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْعَنْكَبُوتِ.
وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ جُمَيْعُ وَهُوَ كَذَّابٌ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ وَفِيهِ حَمْزَةُ النَّصِيبِيُّ وَكَانَ يُرْمَى بِالْوَضْعِ. وَمِنْ ذَلِكَ الرَّخَمَةُ. أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلٍ الرَّخَمَةِ» .
وَفِي إسْنَادِهِ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَمِنْ ذَلِكَ الْعُصْفُورِ.
أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ إنْسَانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إلَّا سَأَلَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا قَالَ: يَذْبَحُهَا وَيَأْكُلُهَا وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا وَيَطْرَحُهَا» وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِصُهَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عُجَّ إلَى اللَّهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي مَنْفَعَةً» قَوْلُهُ: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ. . . إلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. قَوْلُهُ: أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ قَالَ: أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ مِنْ الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَاتِ وَجَمْعُهُ أَوْزَاغٍ وَسَامٌّ أَبْرَصُ جِنْسٌ مِنْهُ وَهُوَ كِبَارُهُ، وَتَسْمِيَتُهُ فُوَيْسِقًا كَتَسْمِيَةِ الْخَمْسِ فَوَاسِقَ، وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ، وَالْوَزَغُ وَالْخَمْسُ الْمَذْكُورَةُ خَرَجَتْ عَنْ خُلُقِ مُعْظَمِ الْحَشَرَاتِ وَنَحْوِهَا بِزِيَادَةِ الضُّرِّ وَالْأَذَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْفُخُ فِي إبْرَاهِيمَ) أَيْ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ لَمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ طَبْعُهَا مِنْ عَدَاوَةِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ. قَوْلُهُ: (فِي
стр. 2861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةِ) فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " سَبْعُونَ " قَالَ النَّوَوِيُّ: مَفْهُومُ الْعَدَدِ لَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ فَذِكْرُ سَبْعِينَ لَا يَمْنَعُ الْمِائَةَ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِالسَّبْعِينَ ثُمَّ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِالزِّيَادَةِ إلَى الْمِائَةِ فَأُعْلِمَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ حِين أُوحِيَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَاتِلِ الْوَزَغِ بِحَسْبِ نِيَّاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَكَمَالِ أَحْوَالِهِمْ لِتَكُونَ الْمِائَةُ لِلْكَامِلِ مِنْهُمْ وَالسَّبْعُونَ لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا سَبَبُ تَكْثِيرِ الثَّوَابِ فِي قَتْلِهِ بِأَوَّلِ ضَرْبَةٍ ثُمَّ مَا يَلِيهَا فَالْمَقْصُودُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِقَتْلِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ وَتَحْرِيضِ قَاتِلِهِ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ بِأَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرَبَاتٍ رُبَّمَا انْفَلَتَ وَفَاتَ قَتْلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالصُّرَدِ) هُوَ طَائِرٌ فَوْقَ الْعُصْفُورِ، وَأَجَازَ مَالِكٌ أَكْلَهَ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَشَاءَمُ بِهِ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِ لِيَزُولَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ اعْتِقَادِ التَّشَاؤُمِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَالِكِ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا قَتَلَهُ. وَأَمَّا النَّمْلُ فَلَعَلَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ فِي قَتْلِ النَّمْلِ الْمُرَادِ بِهِ السُّلَيْمَانِيُّ: أَيْ لِانْتِفَاءِ الْأَذَى مِنْهُ دُونَ الصَّغِيرِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا النَّحْلَةُ فَقَدْ رُوِيَ إبَاحَةُ أَكْلُهَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ. وَأَمَّا الْهُدْهُدُ فَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا حِلُّ أَكْلِهِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ يَلْزَمُ فِي قَتْلِهِ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ: (فَنَهَى عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا بَعْدَ تَسْلِيمٍ، أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْقَتْلِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الضِّفْدَعُ كَزِبْرَجٍ وَجُنْدَبٍ وَدِرْهَمٍ وَهَذَا أَقَلُّ أَوْ مَرْدُودٌ: دَابَّةٌ نَهْرِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ) هُوَ بِجِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ: وَهِيَ الْحَيَّاتُ جَمْعُ جَانٍّ وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، وَقِيلَ: الدَّقِيقَةُ الْخَفِيفَةُ، وَقِيلَ: الدَّقِيقَةُ الْبَيْضَاءُ قَوْلُهُ: (إلَّا الْأَبْتَرَ) هُوَ قَصِيرُ الذَّنَبِ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ هُوَ صِنْفٌ مِنْ الْحَيَّاتِ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ لَا تَنْظُرُ إلَيْهِ حَامِلٌ إلَّا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنهَا. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: " يَتْبَعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ " أَيْ يُسْقِطَانِ قَوْلُهُ: (وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ: وَهُمَا الْخَطَّانِ الْأَبْيَضَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ، وَأَصْلُ الطُّفْيَةِ: خُوصَةُ الْمُقْلِ وَجَمْعُهَا طُفَى، شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ عَلَى ظَهْرِهَا بِخُوصَتَيْ الْمُقْلِ.
قَوْلُهُ: (يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ) أَيْ يَطْمِسَانِهِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمَا إلَيْهِ لِخَاصِّيَّةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بَصَرِهِمَا إذَا وَقَعَ عَلَى بَصَرِ الْإِنْسَانِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَفِي الْحَيَّاتِ نَوْعٌ يُسَمَّى النَّاظِرُ إذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى عَيْنِ إنْسَانِ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. قَوْلُهُ: (فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلَاثًا) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ جِيمٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِنْذَارُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي: لَا تَقْتُلُوا حَيَّاتِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا بِإِنْذَارٍ كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَإِذَا أَنْذَرَهَا وَلَمْ تَنْصَرِفْ قَتَلَهَا. وَأَمَّا حَيَّاتُ غَيْرِ الْمَدِينَةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ وَالْبُيُوتِ فَيُنْدَبُ قَتْلُهَا مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
стр. 2862
أَبْوَابُ الصَّيْدِ بَابُ مَا يَجُوزُ فِيهِ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ وَقَتْلُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ
ــ
[نيل الأوطار]
فِي الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا، فَفِي الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: «اُقْتُلُوا الْحَيَّاتِ» وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
وَفِي حَدِيثِ الْحَيَّةِ الْخَارِجَةِ بِمِنًى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ إنْذَارًا وَلَا نُقِلَ أَنَّهُمْ أَنْذَرُوهَا، فَأَخَذَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي اسْتِحْبَابِ قَتْلِ الْحَيَّاتِ مُطْلَقًا، وَخُصَّتْ الْمَدِينَةُ بِالْإِنْذَارِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهَا. وَسَبَبُهُ مَا صُرِّحَ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ طَائِفَةٌ مِنْ الْجِنِّ بِهَا. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى عُمُومِ النَّهْيِ فِي حَيَّاتِ الْبُيُوتِ بِكُلِّ بَلَدٍ حَتَّى تُنْذَرَ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِي الْبُيُوتِ فَيُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ. قَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتٍ مُطْلَقًا مَخْصُوصٌ بِالنَّهْيِ عَنْ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ إلَّا الْأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي بُيُوتٍ أَمْ غَيْرِهَا وَإِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا بَعْدَ الْإِنْذَارِ. قَالُوا: وَيُخَصُّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ الْأَبْتَرِ وَذِي الطُّفْيَتَيْنِ. اهـ.، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَمَلُ الْأُصُولِيُّ فِي مِثْلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ أَرْجَحُ. وَأَمَّا صِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ فَقَالَ الْقَاضِي: رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: «أُنْشِدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد أَنْ تُؤْذِنَّنَا وَأَنْ تَظْهَرْنَ لَنَا» وَقَالَ مَالِكٌ: يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: أُحَرِّجُ عَلَيْك بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ لَا تَبْدُوَا لَنَا وَلَا تُؤْذِيَنَا.
وَلَعَلَّ مَالِكًا أَخَذَ لَفْظَ التَّحْرِيجِ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَتَبْوِيبُ الْمُصَنِّفِ فِي الْبَابِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَتْلِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ مِنْ أُصُولِ التَّحْرِيمِ قَالَ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ: أُصُولُ التَّحْرِيمِ إمَّا نَصُّ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْأَمْرُ بِقَتْلِهِ كَالْخَمْسَةِ وَمَا ضَرَّ مِنْ غَيْرِهَا فَمَقِيسٌ عَلَيْهَا أَوْ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِ كَالْهُدْهُدِ وَالْخُطَّافِ وَالنَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ وَالصُّرَدِ أَوْ اسْتِخْبَاثُ الْعَرَبِ إيَّاهُ كَالْخُنْفِسَاءِ وَالضُّفْدَعِ وَالْعِظَايَةِ وَالْوَزَغِ وَالْحِرْبَاءِ وَالْجِعْلَانِ وَكَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالزُّنْبُورِ وَالْقَمْلِ وَالْكَتَّانِ وَالنَّامِسِ وَالْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَهِيَ مُسْتَخْبَثَةٌ عِنْدَهُمْ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، فَكَانَ اسْتِخْبَاثُهُمْ طَرِيقَ تَحْرِيمٍ، فَإِنْ اسْتَخْبَثَهُ الْبَعْضُ اُعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ، وَالْعِبْرَةُ بِاسْتِطَابَةِ أَهْلِ السَّعَةِ لَا ذَوِي الْفَاقَةِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ وَالْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهَا قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا ثَبَتَ النَّاقِلُ عَنْ الْأَصْلِ الْمَعْلُومِ وَهُوَ أَحَدُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، فَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَاقِلٌ صَحِيحٌ فَالْحُكْمُ بِحِلِّهِ هُوَ الْحَقُّ كَائِنًا مَا كَانَ، وَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ التَّرَدُّدُ فَالْمُتَوَجِّهُ الْحُكْمُ بِالْحِلِّ لِأَنَّ النَّاقِلَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَ التَّرَدُّدِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَصَالَةَ الْحِلِّ بِالْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ اسْتِصْحَابُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. .
стр. 2863
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ اُنْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) .
٣٦٠٩ - (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يَعْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦١٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٣٦١١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
٣٦١٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ كُلِّ الْكِلَابِ حَتَّى إنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدُمُ مِنْ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[أَبْوَابُ الصَّيْدِ] [ بَابُ مَا يَجُوزُ فِيهِ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ وَقَتْلُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ]
قَوْلُهُ: (أَوْ زَرْعٍ) زِيَادَةُ الزَّرْعِ أَنْكَرَهَا ابْنُ عُمَرَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبُ زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا. وَيُقَالُ إنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ حِفْظِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ صَاحِبُ زَرْعٍ دُونَهُ، وَمَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ احْتَاجَ إلَى تَعَرُّفِ أَحْكَامِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي حَمْلُ الْكَلَامِ
стр. 2864
بَابُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالْبَازِي وَنَحْوِهِمَا
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَيْهِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: " أَوْ كَلْبُ حَرْثٍ "، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ وَقَدْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الزَّرْعِ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ قَوْلُهُ: (أَوْ مَاشِيَةٍ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ، وَهُوَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْكِلَابِ لِحِفْظِ الْمَاشِيَةِ عِنْدَ رَعْيِهَا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " وَلَا ضَرْعًا " الْمَاشِيَةُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ) أَيْ الْخَالِصِ السَّوَادِ وَالنُّقْطَتَانِ هُمَا الْكَائِنَتَانِ فَوْقَ الْعَيْنَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَكَذَلِكَ لِلزَّرْعِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ، وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ اتِّخَاذُهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ قِيَاسًا فَتَمْحَضُ كَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ وَامْتِنَاعِ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ إلَى الْبَيْتِ الَّذِي الْكِلَابُ فِيهِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ " أَيْ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ، وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا امْتَنَعَ اتِّخَاذُهُ عَلَى كُلِّ حَالِ سَوَاءٌ نَقَصَ الْأَجْرُ أَمْ لَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا: وَوَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَبَّدَ بِهَا فِي الْكِلَابِ مِنْ غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعًا لَا يَكَادُ يَقُومُ بِهَا الْمُكَلَّفُ وَلَا يَتَحَفَّظُ مِنْهَا، فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاِتِّخَاذِهَا مَا يُنْقِصُ أَجْرَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْمَنْصُورَ بِاَللَّهِ سَأَلَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَقَالَ الْمَنْصُورُ لِأَنَّهُ يَنْبَحُ الضَّيْفَ وَيُرَوِّعُ السَّائِلَ اهـ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ تَقَعُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاطٍ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنْ الْخَيْرِ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْ كَلْبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاتِّخَاذُ حَرَامًا. وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ: أَنَّ الْإِثْمَ الْحَاصِلَ بِاِتِّخَاذِهِ يُوَازِنُ قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرٍ فَيُنْتَقَصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُتَّخَذِ قَدْرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ بِاِتِّخَاذِهِ وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ، وَقِيلَ سَبَبُ النُّقْصَانِ امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ. أَوْ مَا يَلْحَقُ الْمَارِّينَ مِنْ الْأَذَى، أَوْ لِأَنَّ بَعْضَهَا شَيَاطِينُ، أَوْ عُقُوبَةٍ لِمُخَالَفَةِ النَّهْيِ، أَوْ لِوُلُوغِهَا فِي الْأَوَانِي عِنْدَ غَفْلَةِ صَاحِبِهَا فَرُبَّمَا يُنَجِّسُ الطَّاهِرَ مِنْهَا، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الطَّاهِرِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْهُ لَكَانَ عَمَلُهُ كَامِلًا، فَإِذَا اقْتَنَاهُ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ عَمَلٍ مَضَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَمَالِ كَعَمَلِ مَنْ لَمْ يَتَّخِذْ. اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ مُنَازَعٌ فِيهِ. فَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ اخْتِلَافًا فِي الْأَجْرِ هَلْ يُنْقِصُ مِنْ الْعَمَلِ الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ، وَفِي مَحِلِّ نُقْصَانِ الْقِيرَاطَيْنِ خِلَافٌ، فَقِيلَ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ قِيرَاطٌ وَمِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ آخَرُ، وَقِيلَ مِنْ الْفَرْضِ قِيرَاطٌ وَمِنْ النَّفْلِ آخَرُ. وَاخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقِيرَاطَيْنِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَالْقِيرَاطُ كَمَا فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ.
فَقِيلَ الْحُكْمُ لِلزَّائِدِ لِكَوْنِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ الْآخَرُ، أَوْ
стр. 2865
٣٦١٣ - (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا بِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ فَقَالَ: مَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» ) .
٣٦١٤ - (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ، قَالَ: إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، قُلْت: وَإِنْ قَتَلْنَ قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا، قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأَصِيدُ، قَالَ: إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ،
ــ
[نيل الأوطار]
أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَوَّلَا بِنَقْصِ قِيرَاطٍ وَاحِدٍ فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّلُ ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْنِ زِيَادَةً فِي التَّأْكِيدِ وَالتَّنْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ فَسَمِعَ الرَّاوِي الثَّانِي. وَقِيلَ يَنْزِلُ عَلَى حَالَيْنِ فَنَقْصُ الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْإِضْرَارِ بِاِتِّخَاذِهَا، وَنَقْصُ الْقِيرَاطِ بِاعْتِبَارِ قِلَّتِهِ. وَقِيلَ يَخْتَصُّ نَقْصُ الْقِيرَاطَيْنِ بِمَنْ اتَّخَذَهَا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ خَاصَّةً وَالْقِيرَاطُ بِمَا عَدَاهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا، هَلْ هُمَا كَالْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَاتِّبَاعِهَا؟ فَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَقِيلَ اللَّذَانِ فِي الْجِنَازَةِ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ وَاَللَّذَانِ هُنَا مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ، وَبَابُ الْفَضْلِ أَوْسَعُ مِنْ غَيْرِهِ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِحِفْظِ الدُّرُوبِ إلْحَاقًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ فِي اتِّخَاذِهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ الِاتِّفَاقُ عَلَى قَتْلِهِ وَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ. وَأَمَّا غَيْرُ الْعَقُورِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟
وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ بِاِتِّخَاذِهِ لِأَنَّ فِي مُلَابَسَتِهِ مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَالْإِذْنُ بِاِتِّخَاذِهِ إذْنٌ بِمُكَمِّلَاتِ مَقْصُودِهِ، كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ اتِّخَاذِهِ مُنَاسِبٌ لِلْمَنْعِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ لَا يُعَارِضُهُ إلَّا عُمُومُ الْخَبَرِ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيلُ. .
стр. 2866
وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ الْكَلْبُ جَرْحًا أَوْ خَنْقًا) .
٣٦١٥ - (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، قُلْتَ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالْبَازِي وَنَحْوِهِمَا]
حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْآخَرُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ مُجَالِدٌ بِذِكْرِ الْبَازِ فِيهِ وَخَالَفَ الْحُفَّاظَ. قَوْلُهُ: (مَا صِدْت بِقَوْسِكَ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الصَّيْدِ بِالْقَوْسِ. قَوْلُهُ: (وَمَا صِدْت بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ) الْمُرَادُ بِالْمُعَلَّمِ الَّذِي إذَا أَغْرَاهُ صَاحِبُهُ عَلَى الصَّيْدِ طَلَبَهُ، وَإِذَا زَجَرَهُ انْزَجَرَ، وَإِذَا أَخَذَ الصَّيْدَ حَبَسَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَفِي اشْتِرَاطِ الثَّالِثِ خِلَافٌ. وَاخْتُلِفَ مَتَى يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ: أَقَلُّهُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ يَكْفِي مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لَا تَقْدِيرَ لِاضْطِرَابِ الْعُرْفِ وَاخْتِلَافِ طِبَاعِ الْجَوَارِحِ فَصَارَ الْمَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِيهِ اشْتِرَاطُ التَّسْمِيَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ الْأَسْوَدَ وَقَالَا: لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ بِهِ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ. وَنُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ) فِيهِ جَوَازُ أَكْلُ مَا أَمْسَكَهُ الْكَلْبُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا يُشَارِكُهُ كَلْبٌ آخَرُ فِي اصْطِيَادِهِ وَمَحِلُّهُ مَا إذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ حَلَّ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ إرْسَالُهُمَا مَعًا فَهُوَ لَهُمَا وَإِلَّا فَلِلْأَوَّلِ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ: «فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرْسِلَ لَوْ سَمَّى عَلَى الْكَلْبِ لَحَلَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ بَيَانٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ «وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ» فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَذَكَّاهُ حَلَّ، لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْإِبَاحَةِ عَلَى التَّذْكِيَةِ لَا عَلَى إمْسَاكِ الْكَلْبِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ «وَمَا صِدْت بِكَلْبِك غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» .
قَوْلُهُ: (بِالْمِعْرَاضِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ. قَالَ الْخَلِيلُ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ: هُوَ سَهْمٌ لَا رِيشَ لَهُ وَلَا نَصْلَ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ سِيدَهْ: هُوَ سَهْمٌ طَوِيلٌ لَهُ أَرْبَعُ قُذَذٍ رِقَاقًا فَإِذَا رَمَى بِهِ اعْتَرَضَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْمِعْرَاضُ: نَصْلٌ
стр. 2867
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ
ــ
[نيل الأوطار]
عَرِيضٌ لَهُ ثِقَلُ وَرَزَانَةٌ، وَقِيلَ عُودٌ رَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ غَلِيظُ الْوَسَطِ، وَقِيلَ: خَشَبَةٌ ثَقِيلَةٌ آخِرُهَا عَصًا مُحَدَّدٌ رَأْسُهَا وَقَدْ لَا يُحَدَّدُ، وَقَوَّى هَذَا الْأَخِيرَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّهُ مَشْهُورٌ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمِعْرَاضُ: عَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ يَرْمِي بِهَا الصَّائِدُ فَمَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَهُوَ ذَكِيٌّ فَيُؤْكَلُ، وَمَا أَصَابَ بِغَيْرِ حَدِّهِ فَهُوَ وَقِيذٌ
قَوْلُهُ: (فَخَزَقَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا قَافٌ: أَيْ نَفَذَ، يُقَالُ: سَهْمٌ خَازِقٌ: أَيْ نَافِذٌ، وَيُقَالُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلُ الزَّاي، وَقِيلَ الْخَزْقُ بِالزَّايِ وَقَدْ تُبَدَّلُ سِينًا: الْخَدْشُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّهْمَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إذَا أَصَابَ الصَّيْدَ حَلَّ وَكَانَتْ تِلْكَ ذَكَاتُهُ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَةِ أَوْ الْحَجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُثْقَلِ. قَوْلُهُ: (بِعَرْضِهِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ بِغَيْرِ طَرَفِهِ الْمُحَدَّدِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ.
وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ يَحِلُّ مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ بَسْطٍ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ وَلَوْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا. وَقَدْ عَلَّلَ فِي الْحَدِيثِ بِالْخَوْفِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَحِلُّ. وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ: أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا، فَقَالَ: كُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. قَالَ: وَسَلَكَ النَّاسُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ طُرُقًا مِنْهَا لِلْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ: الْأَوْلَى حَمْلُ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُ وَخَلَّاهُ ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهُ. وَالثَّانِيَةُ التَّرْجِيحُ. فَرِوَايَةُ عَدِيٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرِوَايَةُ الْأَعْرَابِيِّ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ وَمُخْتَلَفٌ فِي تَضْعِيفِهَا، وَأَيْضًا فَرِوَايَةُ عَدِيٍّ صَرِيحَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْلِيلِ الْمُنَاسِبِ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ خَوْفُ الْإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسِهِ مُتَأَيِّدَةٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَيْتَةِ التَّحْرِيمُ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ الْمُبِيحِ رَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ وَلِظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ الَّذِي تُمْسِكُهُ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ لَا يُبَاحُ، وَيَتَقَوَّى أَيْضًا بِالشَّوَاهِدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ «إذَا أَرْسَلْت الْكَلْبَ فَأَكَلَ الصَّيْدَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا أَرْسَلْتَهُ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ» وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْإِمْسَاكِ كَافِيًا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى زِيَادَةِ " عَلَيْكُمْ " فِي الْآيَةِ.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ فَحَمَلُوا حَدِيثَ عَدِيٍّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ. وَحَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ أَنَّ عَدِيًّا كَانَ مُوسِرًا فَاخْتِيرَ لَهُ الْحَمْلُ عَلَى الْأَوْلَى، بِخِلَافِ أَبِي ثَعْلَبَةَ فَإِنَّهُ كَانَ بِعَكْسِهِ، وَلَا يَخْفَى
стр. 2868
٣٦١٦ - (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
ضَعْفُ هَذَا التَّمَسُّكِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْلِيلِ فِي الْحَدِيثِ لِخَوْفِ الْإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى الَّذِي أَدْرَكَهُ مَيْتًا مِنْ شِدَّةِ الْعَدْوِ أَوْ مِنْ الصَّدْمَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ لِأَنَّهُ صَارَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِرْسَالُ وَالْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ " أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ غَيْرُ الْأَكْلِ دُونَ إرْسَالِ الصَّائِدِ لَهُ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَقْطُوعَةً عَمَّا قَبْلَهَا، وَلَا يَخْفَى تَعَسُّفُ هَذَا وَبُعْدُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: مُجَرَّدُ إرْسَالِنَا الْكَلْبَ إمْسَاكٌ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَا نِيَّةَ لَهُ وَإِنَّمَا يَتَصَيَّدُ بِالتَّعْلِيمِ، فَإِذَا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِأَنْ يُمْسِكَ عَلَيْنَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، وَاخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَتَمَيَّزَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ مَنْ لَهُ نِيَّةٌ وَهُوَ مُرْسِلُهُ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ فَقَدْ أَمْسَكَ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُرْسِلْهُ فَلَمْ يُمْسِكْ عَلَيْهِ، كَذَا قَالَ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَمُصَادَمَتُهُ لِسِيَاقِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] صِدْنَ لَكُمْ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ أَكْلَهُ مِنْهُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ لَا لِصَاحِبِهِ. فَلَا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «إنْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَا عَلِمْتَهُ» وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي أَكْلِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَعْلَمُ التَّعْلِيمَ الْمُشْتَرَطَ، وَسَلَكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ التَّرْجِيحَ فَقَالَ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ ذَكَرَهَا الشَّعْبِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهَا هَمَّامٌ، وَعَارَضَهَا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي ثَعْلَبَةَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا تَرْجِيحٌ مَرْدُودٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ إذَا أَخَذَهُ الْكَلْبُ بِفِيهِ وَهَمَّ بِأَكْلِهِ فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَا أَكَلَ مِنْهُ، لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ بِفِيهِ وَشُرُوعَهُ فِي أَكَلِهِ مِثْلُ الْأَكْلِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إمْسَاكَ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ بِمَنْزِلَةِ التَّذْكِيَةِ إذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الصَّائِدُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ لَا إذَا أَدْرَكَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَالتَّذْكِيَةُ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ» قَوْلُهُ: (فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَاصْطَادَ غَيْرَهُ حَلَّ لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: " مَا أَمْسَكَ عَلَيْك " وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْبُوَيْطِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ. .
стр. 2869
٣٦١٧ - (وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْتَ الْكَلْبَ فَأَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا أَرْسَلْتَهُ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٣٦١٨ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فِي صَيْدِ الْكَلْبِ: إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٣٦١٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ «أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا، قَالَ: إنْ كَانَتْ لَك كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَتْ عَلَيْك، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ، قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي قَوْسِي، قَالَ: كُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك قَوْسُكَ، قَالَ ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ، قَالَ: فَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي؟ قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْك مَا لَمْ يَصِلَّ - يَعْنِي يَتَغَيَّرْ - أَوْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِ سَهْمِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
بَابُ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ
٣٦٢٠ -
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ذِكْرُ طُرُقِهِ وَمَا يَشْهَدُ لَهُ.
وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْأَوَّلُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَافِظَ قَالَ: لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ انْتَهَى.
وَفِي إسْنَادِهِ دَاوُد بْنُ عَمْرٍو الْأَوْدِيِّ الدِّمَشْقِيُّ عَامِلُ وَاسِطَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ: هُوَ شَيْخٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ: ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا أَرَى بِرِوَايَاتِهِ بَأْسًا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ طُعِنَ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَدِيٍّ عَنْهُ ﷺ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ إذَا كَانَ الْكَلْبُ ضَارِيًا.
وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَمُّ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ بِمِثْلِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ حَدِيثِ عَدِيٍّ، يَعْنِي عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ.
وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ) قَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ عَنْ هَذَا وَمَا
стр. 2870
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّه إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، قَالَ: إنْ أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، قُلْت: إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ؟ قَالَ: فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِكِ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَوْحَاهُ أَحَدُهُمَا وَعَلِمَ بِعَيْنِهِ فَالْحُكْمُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ قَاتَلَهُ) .
بَابُ الصَّيْدِ بِالْقَوْسِ وَحُكْمُ الرَّمْيَةِ إذَا غَابَتْ أَوْ وَقَعَتْ فِي مَرْمَى الرَّمْيَةُ إذَا غَابَتْ أَوْ وَقَعَتْ فِي مَرْمَى
ــ
[نيل الأوطار]
عَارَضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمَذْكُورِ مَبْسُوطًا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ " وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك يَدُكَ " أَيْ كُلْ كُلَّ مَا صِدْتَهُ بِيَدِكَ لَا بِشَيْءٍ مِنْ الْجَوَارِحِ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: (كِلَابًا مُكَلَّبَةً) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْكَلْبِ بِسُكُونِ اللَّامِ اسْمُ الْعَيْنِ فَيَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ خَصَّ مَا صَادَهُ الْكَلْبُ بِالْحِلِّ إذَا وُجِدَ مَيْتًا دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ الْجَوَارِحِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْكَلَبِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّكْلِيبِ وَهُوَ التَّضْرِيَةُ، وَيُقَوِّي هَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فَإِنَّ الْجَوَارِحَ الْمُرَادَ بِهَا الْكَوَاسِبُ عَلَى أَهْلِهَا وَهُوَ عَامٌّ. قَوْلُهُ: (ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَا وُجِدَ مَيْتًا مِنْ صَيْدِ الْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا عَدَا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ السِّبَاعِ كَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ الطُّيُورُ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا مِثْلُ الْكِلَابِ. وَحَكَاهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ وَمِنْهُمْ مُجَاهِدٌ: لَا يَحِلُّ مَا صَادُوهُ غَيْرُ الْكَلْبِ إلَّا بِشَرْطِ إدْرَاكِ ذَكَاتِهِ، وَبَعْضُهُمْ خَصَّ الْبَازِيَ بِحِلِّ مَا قَتَلَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَصِلَّ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ: أَيْ يَتَغَيَّرُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِ سَهْمِكِ) سَيَأْتِي أَيْضًا الْكَلَامُ عَلَيْهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[بَابُ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ]
قَوْلُهُ: (وَسَمَّيْت) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ذَلِكَ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهَا شَرْطًا فِي حِلِّ الْأَكْلِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْقَاسِمِيَّةُ وَالنَّاصِرُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إلَى أَنَّهَا شَرْطٌ. وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَطَاوُسٌ
стр. 2871
٣٦٢١ - (عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا قَوْمٌ نَرْمِي فَمَا يَحِلُّ لَنَا؟ قَالَ: يَحِلُّ لَكُمْ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذَكَرْتُمْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَخَزَقْتُمْ فَكُلُوا مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا قَتَلَهُ السَّهْمُ بِثِقَلِهِ لَا يَحِلُّ) .
٣٦٢٢ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتَنْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا عِنْدَهُمْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَقْدَحْ فِي حِلِّ الْأَكْلِ. وَمِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ إيقَافُ الْإِذْنِ فِي الْأَكْلِ عَلَيْهَا، وَالْمُعَلَّقُ بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ، وَالشَّرْطُ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ، وَيَتَأَكَّدُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ وَمَا أُذِنَ فِيهِ مِنْهَا تُرَاعَى صِفَتُهُ فَالْمُسَمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْفَ، وَغَيْرُ الْمُسَمَّيْ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ. وَاخْتَلَفُوا إذَا تَرَكَهَا نَاسِيًا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ الْقَاسِمِيَّةُ وَالنَّاصِرُ أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الذَّاكِرِ، فَيَجُوزُ أَكْلُ مَا تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ سَهْوًا لَا عَمْدًا.
وَذَهَبَ دَاوُد وَالشَّعْبِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهَا شَرْطٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمْ تُفَصِّلْ. وَاخْتَلَفَ الْأَوَّلُونَ فِي الْعَمْدِ هَلْ يُحَرَّمُ الصَّيْدُ وَنَحْوُهُ أَمْ يُكْرَهُ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَحْرُمُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْعَمْدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ، وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى. وَقِيلَ يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ وَلَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَحْمَدَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ، فَذَهَبَ فِي الذَّبِيحَةِ إلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ. وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ مُطْلَقًا مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الذَّبْحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِكَ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ الصَّيْدَ مَيْتًا وَمَعَ كَلْبِهِ كَلْبٌ آخَرُ وَحَصَلَ اللَّبْسُ عَلَيْهِ أَيُّهُمَا الْقَاتِلُ لَهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ إلَّا عَلَى كَلْبِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا فَإِنَّهُ يُذَكِّيهِ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ بِالتَّذْكِيَةِ. وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي الصَّيْدِ إذَا غَابَ، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ حُصُولُ اللَّبْسِ الْمَذْكُورِ هُنَا. قَوْلُهُ: (عَلَى أَنَّهُ أَوْحَاهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى أَنْهَاهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَلَيْسَ لِأَوْجَاهُ بِالْجِيمِ هُنَا مَعْنَى. .
стр. 2872
(وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّيْدِ قَالَ: إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّهْمَ إذَا أَوْحَاهُ أُبِيحَ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ سَهْمَهُ قَتَلَهُ) .
٣٦٢٤ - (وَعَنْ عَدِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنَّا نَرْمِي الصَّيْدَ فَنَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ثُمَّ نَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: يَأْكُلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
٣٦٢٥ - (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: إنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ صَيْدٍ فَيَرْمِي أَحَدُنَا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَيَجِدُهُ وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: إذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِهِ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
٣٦٢٦ - (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ سَهْمِي مِنْ الْغَدِ، قَالَ: إذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الصَّيْدِ بِالْقَوْسِ وَحُكْمُ الرَّمْيَةِ إذَا غَابَتْ أَوْ وَقَعَتْ فِي مَرْمَى]
حَدِيثُ عَدِيٍّ الْأَوَّلُ لَهُ طُرُقٌ هَذِهِ أَحَدُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ أَخْرَجَهَا أَيْضًا أَبُو دَاوُد. قَوْلُهُ: (يَحِلُّ لَكُمْ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذَكَرْتُمْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَاجِبَةٌ لِتَعْلِيقِ الْحِلِّ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ. قَوْلُهُ: (فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتَنْ) جَعَلَ الْغَايَةَ أَنْ يَنْتَنَ الصَّيْدُ، فَلَوْ وَجَدَهُ فِي دُونِهَا مَثَلًا بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَمْ يَنْتَنْ حَلَّ، فَلَوْ وَجَدَهُ دُونَهَا وَقَدْ أَنْتَنَ فَلَا، هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِهِ إذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ، وَظَاهِرُ التَّحْرِيمِ وَلَكِنَّهُ سَيَأْتِي فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي السَّمَكِ أَنَّ الْجَيْشَ أَكَلُوا مِنْ الْحُوتِ الَّتِي أَلْقَاهَا الْبَحْرُ نِصْفَ شَهْرٍ وَأَهْدَوْا عِنْدَ قُدُومِهِمْ
стр. 2873
بَابُ النَّهْيِ عَنْ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
ــ
[نيل الأوطار]
النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ، وَاللَّحْمُ لَا يَبْقَى فِي الْغَالِبِ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِلَا نَتْنٍ لَا سِيَّمَا فِي الْحِجَازِ مَعَ شِدَّةِ الْحَرِّ فَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا مَلَّحُوهُ وَقَدَّدُوهُ فَلَمْ يَدْخُلْهُ النَّتْنُ.
وَقَدْ حَرَّمَتْ الْمَالِكِيَّةُ الْمُنْتِنَ مُطْلَقًا وَهُوَ الظَّاهِرُ قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ) وَجْهُهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ حِينَئِذٍ التَّرَدُّدُ هَلْ قَتَلَهُ السَّهْمُ أَوْ الْغَرَقُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ السَّهْمَ أَصَابَهُ فَمَاتَ فَلَمْ يَقَعْ فِي الْمَاءِ إلَّا بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُ السَّهْمُ حَلَّ أَكْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إذَا وَجَدَ الصَّيْدَ فِي الْمَاءِ غَرِيقًا حُرِّمَ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ مَحِلَّهُ مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْدُ بِتِلْكَ الْجِرَاحَةِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَإِنْ انْتَهَى إلَيْهَا كَقَطْعِ الْحُلْقُومِ مَثَلًا فَقَدْ تَمَّتْ ذَكَاتُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ سَهْمَهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ. قَوْلُهُ: (إذَا أَوْحَاهُ) قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا قَوْلُهُ: (لَيْسَ بِهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ وُجِدَ فِيهِ أَثَرٌ غَيْرُ سَهْمِهِ لَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلْبِ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيمَا إذَا خَالَطَ الْكَلْبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّائِدُ كَلْبٌ آخَرُ، لَكِنَّ التَّفْصِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلْبِ فِيمَا إذَا شَارَكَ الْكَلْبَ فِي قَتْلِهِ كَلْبٌ آخَرُ، وَهُنَا الْأَثَرُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ سَهْمِ الرَّامِي أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَثَرَ سَهْمِ رَامٍ آخَرَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْقَاتِلَةِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ، وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ زِيَادَةٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآخِرَةِ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ «وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ» قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُؤْخَذْ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْحِلُّ أَصَحُّ دَلِيلًا. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا أَصَمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ. مَعْنَى مَا أَصَمَيْت: مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ وَأَنْتَ تَرَاهُ وَمَا أَنْمَيْت: مَا غَابَ عَنْك مَقْتَلُهُ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدِي غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ فَيَسْقُطُ كُلُّ شَيْءٍ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَقُومُ مَعَهُ رَأْيٌ وَلَا قِيَاسٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَرُ: يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْبَابِ عَلَى أَنَّ الرَّامِيَ لَوْ أَخَّرَ طَلَبَ الصَّيْدِ عَقِبَ الرَّمْيِ إلَى أَنْ يَجِدَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِفْصَالٍ عَنْ سَبَبِ غَيْبَتِهِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ) بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ قَافٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ ثُمَّ فَاءٍ: أَيْ يَتْبَعُ قَفَاهُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ " بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْآخِرَةِ " فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ ".
стр. 2874
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ: إنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٢٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: أَنْ تَذْبَحَهُ وَلَا تَأْخُذَ بِعُنُقِهِ فَتَقْطَعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ)
٣٦٢٩ - (وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَزَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْزِقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقَةِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ مُرْسَلٌ. إبْرَاهِيمُ لَمْ يَلْقَ عَدِيًّا) .
بَابُ الذَّبْحِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ النَّهْيِ عَنْ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِصُهَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي مَنْفَعَةً» وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ. وَحَدِيثُ عَدِيٍّ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا كَمَا ذَكَرَهُ لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنْ عَدِيٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ الْخَذْفِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ فَاءٌ وَهُوَ الرَّمْيُ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ أَوْ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ أَوْ عَلَى ظَاهِرِ الْوُسْطَى وَبَاطِنِ الْإِبْهَامِ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: خَذَفْتُ الْحَصَاةَ: رَمَيْتُهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ. وَقِيلَ فِي حَصَا الْخَذْفِ أَنْ تَجْعَلَ الْحَصَاةَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ مِنْ الْيُمْنَى وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيُسْرَى ثُمَّ تَقْذِفُهَا بِالسَّبَّابَةِ مِنْ الْيُمْنَى. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِفُ، قَالَ: وَالْمِخْذَفَةُ: الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الْحَجَرُ وَيُرْمَى بِهَا الطَّيْرُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمِقْلَاعِ أَيْضًا قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
وَالْمُرَادُ بِالْبُنْدُقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ هِيَ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْ طِينٍ وَتَيْبَسُ فَيُرْمَى بِهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ: تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ. وَكَرِهَهُ سَالِمٌ وَالْقَاسِمُ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
стр. 2875
٣٦٣٠ - (عَنْ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ) .
٣٦٣١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا، قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ
ــ
[نيل الأوطار]
وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ الْبُنْدُقَةَ إلَّا مَا أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ. قَوْلُهُ: (إنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا) قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَبَاحَ اللَّهُ الصَّيْدَ عَلَى صِفَةٍ فَقَالَ: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وَلَيْسَ الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذُ. وَأَطْلَقَ الشَّارِعُ أَنَّ الْخَذْفَ لَا يُصَادُ بِهِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ إلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَةُ وَالْحَجَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ بِقُوَّةٍ رَامِيَةٍ لَا بِحَدِّهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا) قَالَ عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَبِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْأَشْهَرُ بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: لَا تَنْكَأُ بِفَتْحِ الْكَافِ مَهْمُوزًا وَرُوِيَ لَا تَنْكِي بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ نَكَأَتْ الْقُرْحَةُ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ فَإِنَّهُ مِنْ النِّكَايَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْعَيْنِ: نَكَأَهُ لُغَةٌ فِي نَكَيْتَ، فَعَلَى هَذَا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَذَى. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: نَكَى الْعَدُوَّ نِكَايَةً: أَصَابَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: نَكَأْتُ الْعَدُوَّ أَنْكَؤُهُمْ: لُغَةً فِي نَكَيْتُهُمْ، فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةٌ وَلَا مَعْنَى لِتَخْطِئَتِهَا. وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْهَمْزِ أَصْلًا بَلْ شَرَحَهُ عَلَى الَّتِي بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ثُمَّ قَالَ: وَنَكَأَتْ الْقُرْحَةُ بِالْهَمْزِ قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ) أَيْ الرَّمْيَةَ، وَأَطْلَقَ السِّنَّ لِيَشْمَلَ سِنَّ الْمَرْمَى وَغَيْرَهُ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ) قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ وَأَطْلَقَ الْعَيْنَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي السِّنِّ. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ حَقِّهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الْعُصْفُورِ وَمَا شَاكَلَهُ لِمُجَرَّدِ الْعَبَثِ وَعَلَى غَيْرِ الْهَيْئَهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَنَّ تَعْذِيبَ الْحَيَوَانِ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ. قَوْلُهُ: (فَخَزَقْتَ فَكُلْ) فِيهِ أَنَّ الْخَزْقَ شَرْطُ الْحِلِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمِعْرَاضِ.
следующие страницы →