Полный текст (3 079 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
٣٦٢١ - (عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا قَوْمٌ نَرْمِي فَمَا يَحِلُّ لَنَا؟ قَالَ: يَحِلُّ لَكُمْ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذَكَرْتُمْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَخَزَقْتُمْ فَكُلُوا مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا قَتَلَهُ السَّهْمُ بِثِقَلِهِ لَا يَحِلُّ) .
٣٦٢٢ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتَنْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا عِنْدَهُمْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَقْدَحْ فِي حِلِّ الْأَكْلِ. وَمِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ إيقَافُ الْإِذْنِ فِي الْأَكْلِ عَلَيْهَا، وَالْمُعَلَّقُ بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ، وَالشَّرْطُ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ، وَيَتَأَكَّدُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ وَمَا أُذِنَ فِيهِ مِنْهَا تُرَاعَى صِفَتُهُ فَالْمُسَمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْفَ، وَغَيْرُ الْمُسَمَّيْ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ. وَاخْتَلَفُوا إذَا تَرَكَهَا نَاسِيًا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ الْقَاسِمِيَّةُ وَالنَّاصِرُ أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الذَّاكِرِ، فَيَجُوزُ أَكْلُ مَا تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ سَهْوًا لَا عَمْدًا.
وَذَهَبَ دَاوُد وَالشَّعْبِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهَا شَرْطٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمْ تُفَصِّلْ. وَاخْتَلَفَ الْأَوَّلُونَ فِي الْعَمْدِ هَلْ يُحَرَّمُ الصَّيْدُ وَنَحْوُهُ أَمْ يُكْرَهُ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَحْرُمُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْعَمْدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ، وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى. وَقِيلَ يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ وَلَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَحْمَدَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ، فَذَهَبَ فِي الذَّبِيحَةِ إلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ. وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ مُطْلَقًا مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الذَّبْحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِكَ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ الصَّيْدَ مَيْتًا وَمَعَ كَلْبِهِ كَلْبٌ آخَرُ وَحَصَلَ اللَّبْسُ عَلَيْهِ أَيُّهُمَا الْقَاتِلُ لَهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ إلَّا عَلَى كَلْبِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا فَإِنَّهُ يُذَكِّيهِ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ بِالتَّذْكِيَةِ. وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي الصَّيْدِ إذَا غَابَ، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ حُصُولُ اللَّبْسِ الْمَذْكُورِ هُنَا. قَوْلُهُ: (عَلَى أَنَّهُ أَوْحَاهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى أَنْهَاهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَلَيْسَ لِأَوْجَاهُ بِالْجِيمِ هُنَا مَعْنَى. .
стр. 2872
(وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّيْدِ قَالَ: إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّهْمَ إذَا أَوْحَاهُ أُبِيحَ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ سَهْمَهُ قَتَلَهُ) .
٣٦٢٤ - (وَعَنْ عَدِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنَّا نَرْمِي الصَّيْدَ فَنَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ثُمَّ نَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: يَأْكُلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
٣٦٢٥ - (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: إنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ صَيْدٍ فَيَرْمِي أَحَدُنَا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَيَجِدُهُ وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: إذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِهِ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
٣٦٢٦ - (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ سَهْمِي مِنْ الْغَدِ، قَالَ: إذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الصَّيْدِ بِالْقَوْسِ وَحُكْمُ الرَّمْيَةِ إذَا غَابَتْ أَوْ وَقَعَتْ فِي مَرْمَى]
حَدِيثُ عَدِيٍّ الْأَوَّلُ لَهُ طُرُقٌ هَذِهِ أَحَدُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ أَخْرَجَهَا أَيْضًا أَبُو دَاوُد. قَوْلُهُ: (يَحِلُّ لَكُمْ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذَكَرْتُمْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَاجِبَةٌ لِتَعْلِيقِ الْحِلِّ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ. قَوْلُهُ: (فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتَنْ) جَعَلَ الْغَايَةَ أَنْ يَنْتَنَ الصَّيْدُ، فَلَوْ وَجَدَهُ فِي دُونِهَا مَثَلًا بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَمْ يَنْتَنْ حَلَّ، فَلَوْ وَجَدَهُ دُونَهَا وَقَدْ أَنْتَنَ فَلَا، هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِهِ إذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ، وَظَاهِرُ التَّحْرِيمِ وَلَكِنَّهُ سَيَأْتِي فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي السَّمَكِ أَنَّ الْجَيْشَ أَكَلُوا مِنْ الْحُوتِ الَّتِي أَلْقَاهَا الْبَحْرُ نِصْفَ شَهْرٍ وَأَهْدَوْا عِنْدَ قُدُومِهِمْ
стр. 2873
بَابُ النَّهْيِ عَنْ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
ــ
[نيل الأوطار]
النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ، وَاللَّحْمُ لَا يَبْقَى فِي الْغَالِبِ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِلَا نَتْنٍ لَا سِيَّمَا فِي الْحِجَازِ مَعَ شِدَّةِ الْحَرِّ فَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا مَلَّحُوهُ وَقَدَّدُوهُ فَلَمْ يَدْخُلْهُ النَّتْنُ.
وَقَدْ حَرَّمَتْ الْمَالِكِيَّةُ الْمُنْتِنَ مُطْلَقًا وَهُوَ الظَّاهِرُ قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ) وَجْهُهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ حِينَئِذٍ التَّرَدُّدُ هَلْ قَتَلَهُ السَّهْمُ أَوْ الْغَرَقُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ السَّهْمَ أَصَابَهُ فَمَاتَ فَلَمْ يَقَعْ فِي الْمَاءِ إلَّا بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُ السَّهْمُ حَلَّ أَكْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إذَا وَجَدَ الصَّيْدَ فِي الْمَاءِ غَرِيقًا حُرِّمَ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ مَحِلَّهُ مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْدُ بِتِلْكَ الْجِرَاحَةِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَإِنْ انْتَهَى إلَيْهَا كَقَطْعِ الْحُلْقُومِ مَثَلًا فَقَدْ تَمَّتْ ذَكَاتُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ سَهْمَهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ. قَوْلُهُ: (إذَا أَوْحَاهُ) قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا قَوْلُهُ: (لَيْسَ بِهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ وُجِدَ فِيهِ أَثَرٌ غَيْرُ سَهْمِهِ لَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلْبِ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيمَا إذَا خَالَطَ الْكَلْبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّائِدُ كَلْبٌ آخَرُ، لَكِنَّ التَّفْصِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلْبِ فِيمَا إذَا شَارَكَ الْكَلْبَ فِي قَتْلِهِ كَلْبٌ آخَرُ، وَهُنَا الْأَثَرُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ سَهْمِ الرَّامِي أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَثَرَ سَهْمِ رَامٍ آخَرَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْقَاتِلَةِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ، وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ زِيَادَةٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآخِرَةِ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ «وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ» قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُؤْخَذْ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْحِلُّ أَصَحُّ دَلِيلًا. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا أَصَمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ. مَعْنَى مَا أَصَمَيْت: مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ وَأَنْتَ تَرَاهُ وَمَا أَنْمَيْت: مَا غَابَ عَنْك مَقْتَلُهُ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدِي غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ فَيَسْقُطُ كُلُّ شَيْءٍ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَقُومُ مَعَهُ رَأْيٌ وَلَا قِيَاسٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَرُ: يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْبَابِ عَلَى أَنَّ الرَّامِيَ لَوْ أَخَّرَ طَلَبَ الصَّيْدِ عَقِبَ الرَّمْيِ إلَى أَنْ يَجِدَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِفْصَالٍ عَنْ سَبَبِ غَيْبَتِهِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ) بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ قَافٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ ثُمَّ فَاءٍ: أَيْ يَتْبَعُ قَفَاهُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ " بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْآخِرَةِ " فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ ".
стр. 2874
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ: إنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٢٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: أَنْ تَذْبَحَهُ وَلَا تَأْخُذَ بِعُنُقِهِ فَتَقْطَعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ)
٣٦٢٩ - (وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَزَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْزِقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقَةِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ مُرْسَلٌ. إبْرَاهِيمُ لَمْ يَلْقَ عَدِيًّا) .
بَابُ الذَّبْحِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ النَّهْيِ عَنْ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِصُهَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي مَنْفَعَةً» وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ. وَحَدِيثُ عَدِيٍّ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا كَمَا ذَكَرَهُ لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنْ عَدِيٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ الْخَذْفِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ فَاءٌ وَهُوَ الرَّمْيُ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ أَوْ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ أَوْ عَلَى ظَاهِرِ الْوُسْطَى وَبَاطِنِ الْإِبْهَامِ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: خَذَفْتُ الْحَصَاةَ: رَمَيْتُهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ. وَقِيلَ فِي حَصَا الْخَذْفِ أَنْ تَجْعَلَ الْحَصَاةَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ مِنْ الْيُمْنَى وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيُسْرَى ثُمَّ تَقْذِفُهَا بِالسَّبَّابَةِ مِنْ الْيُمْنَى. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِفُ، قَالَ: وَالْمِخْذَفَةُ: الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الْحَجَرُ وَيُرْمَى بِهَا الطَّيْرُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمِقْلَاعِ أَيْضًا قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
وَالْمُرَادُ بِالْبُنْدُقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ هِيَ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْ طِينٍ وَتَيْبَسُ فَيُرْمَى بِهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ: تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ. وَكَرِهَهُ سَالِمٌ وَالْقَاسِمُ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
стр. 2875
٣٦٣٠ - (عَنْ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ) .
٣٦٣١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا، قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ
ــ
[نيل الأوطار]
وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ الْبُنْدُقَةَ إلَّا مَا أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ. قَوْلُهُ: (إنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا) قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَبَاحَ اللَّهُ الصَّيْدَ عَلَى صِفَةٍ فَقَالَ: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وَلَيْسَ الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذُ. وَأَطْلَقَ الشَّارِعُ أَنَّ الْخَذْفَ لَا يُصَادُ بِهِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ إلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَةُ وَالْحَجَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ بِقُوَّةٍ رَامِيَةٍ لَا بِحَدِّهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا) قَالَ عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَبِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْأَشْهَرُ بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: لَا تَنْكَأُ بِفَتْحِ الْكَافِ مَهْمُوزًا وَرُوِيَ لَا تَنْكِي بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ نَكَأَتْ الْقُرْحَةُ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ فَإِنَّهُ مِنْ النِّكَايَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْعَيْنِ: نَكَأَهُ لُغَةٌ فِي نَكَيْتَ، فَعَلَى هَذَا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَذَى. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: نَكَى الْعَدُوَّ نِكَايَةً: أَصَابَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: نَكَأْتُ الْعَدُوَّ أَنْكَؤُهُمْ: لُغَةً فِي نَكَيْتُهُمْ، فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةٌ وَلَا مَعْنَى لِتَخْطِئَتِهَا. وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْهَمْزِ أَصْلًا بَلْ شَرَحَهُ عَلَى الَّتِي بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ثُمَّ قَالَ: وَنَكَأَتْ الْقُرْحَةُ بِالْهَمْزِ قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ) أَيْ الرَّمْيَةَ، وَأَطْلَقَ السِّنَّ لِيَشْمَلَ سِنَّ الْمَرْمَى وَغَيْرَهُ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ) قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ وَأَطْلَقَ الْعَيْنَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي السِّنِّ. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ حَقِّهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الْعُصْفُورِ وَمَا شَاكَلَهُ لِمُجَرَّدِ الْعَبَثِ وَعَلَى غَيْرِ الْهَيْئَهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَنَّ تَعْذِيبَ الْحَيَوَانِ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ. قَوْلُهُ: (فَخَزَقْتَ فَكُلْ) فِيهِ أَنَّ الْخَزْقَ شَرْطُ الْحِلِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمِعْرَاضِ.
стр. 2876
وَالْأَفْعَالَ تُحْمَلُ عَلَى حَالِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ إلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ الْفَسَادِ) .
٣٦٣٢ - (وَعَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: يُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ بِحَجَرٍ) .
٣٦٣٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ ذِئْبًا نَيَّبَ فِي شَاةٍ فَذَبَحُوهَا بِمَرْوَةِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَكْلِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٦٣٤ - (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَصِيدُ فَلَا نَجِدُ سِكِّينًا إلَّا الظِّرَارَ وَشِقَّةَ الْعَصَا، فَقَالَ: أَمِرَّ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّه عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الذَّبْحِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ]
حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا حَاضِرَ بْنَ الْمُهَاجِرِ فَقِيلَ هُوَ مَجْهُولٌ، وَقِيلَ: مَقْبُولٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ مَعْنَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ، وَمَدَارُهُ عَلَى سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُرِّيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ أَوْ الصَّلِيبِ أَوْ لِمُوسَى أَوْ لِعِيسَى ﵉ أَوْ لِلْكَعْبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ وَلَا تَحِلُّ هَذِهِ الذَّبِيحَةُ سَوَاءٌ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا) . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ الْمَذْبُوحِ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِبَادَةُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، فَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا. وَذَكَرَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ أَفْتَى أَهْلُ بُخَارَى بِتَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا إنَّمَا يَذْبَحُونَهُ اسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ فَهُوَ كَذَبْحِ الْعَقِيقَةِ لِوِلَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (مُحْدِثًا) بِكَسْرِ الدَّالِ هُوَ مَنْ يَأْتِي لِمَا فِيهِ فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ مِنْ جِنَايَةٍ عَلَى غَيْرهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمُؤَدِّي لَهُ: الْمَانِعُ لَهُ مِنْ الْقِصَاصِ وَنَحْوِهِ.
стр. 2877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَلَعْنُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَتُخُومُ الْأَرْضِ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ: وَهِيَ الْحُدُودُ وَالْمَعَالِمُ، وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: مَعَالِمُ الْحَرَمِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: فِي الْأَمْلَاكِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْمَعَالِمَ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الطُّرُقَاتِ. قَوْلُهُ: (إنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمْ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا، فَلَمَّا نَابَتْ تَسْمِيَتُهُمْ عَنْ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبْحِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنُوبُ عَنْ فَرْضٍ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا كَانَا يَصِيدَانِ عَلَى مَذْهَبِ الْجَاهِلِيَّةِ فَعَلَّمَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَمْرَ الصَّيْدِ وَالذَّبْحِ فَرْضَهُ وَمَنْدُوبَهُ لِئَلَّا يُوَافِقَا شُبْهَةً فِي ذَلِكَ وَلِيَأْخُذَا بِأَكْمَلِ الْأُمُورِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْ هَذِهِ الذَّبَائِحِ فَإِنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ أَمْرٍ قَدْ وَقَعَ لِغَيْرِهِمْ فَعَرَّفَهُمْ بِأَصْلِ الْحِلِّ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ التَّسْمِيَةُ هُنَا عِنْدَ الْأَكْلِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيُّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ عَلَى ذَبْحٍ تَوَلَّاهُ غَيْرُهُمْ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الصِّحَّةِ إذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ تَسْمِيَتَكُمْ الْآنَ تَسْتَبِيحُونَ بِهَا كُلَّ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ إذَا كَانَ الذَّابِحُ مِمَّنْ تَصِحُّ ذَبِيحَتُهُ إذَا سَمَّى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا يُوجَدَ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَكَذَا مَا ذَبَحَهُ أَعْرَابُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا التَّسْمِيَةَ، وَبِهَذَا الْأَخِيرِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: إنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ يُؤْكَلُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمَّى؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُظَنُّ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا الْخَيْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَعَكَسَ هَذَا الْخَطَّابِيِّ فَقَالَ فِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحْ الذَّبِيحَةُ بِالْأَمْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كَمَا لَوْ عَرَضَ الشَّكُّ فِي نَفْسِ الذَّبِيحَةِ فَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ وَقَعَتْ الذَّكَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ أَمْ لَا.
وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ حَيْثُ وَقَعَ الْجَوَابُ فِيهِ سَمُّوا أَنْتُمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لَا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ بَلْ الَّذِي يُهِمُّكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَتَأْكُلُوا، وَهَذَا مِنْ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الطَّيِّبِي. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَأَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ فِي أَنَّهُمْ سَمُّوا أَمْ لَا قَوْلُهُ: (وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ) فِي رِوَايَةٍ لِمَالِكٍ " وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ " وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ قَوْمٌ فَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ: وَهُوَ تَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ مَا يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ كَانَتْ نَزَلَتْ بِالْأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَنْعَامَ مَكِّيَّةٌ وَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ جَرَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّ الْأَعْرَابَ الْمُشَارَ إلَيْهِمْ فِي الْحَدِيثِ هُمْ بَادِيَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: (جَارِيَةٌ) فِي رِوَايَةٍ " أَمَةٌ " وَفِي رِوَايَةٍ " امْرَأَةٌ " وَلَا تَنَافٍ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّ
стр. 2878
٣٦٣٥ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) .
٣٦٣٦ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ
ــ
[نيل الأوطار]
الرِّوَايَةَ الْأَخِيرَةَ أَعَمُّ فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ صِفَةٌ وَهِيَ كَوْنُهَا أَمَةً قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْمَرْأَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَقَدْ نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتَهُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُهُ.
وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يُكْرَهُ ذَبْحُ الْمَرْأَةِ الْأُضْحِيَّةَ.
وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ: لَا بَأْسَ إذَا أَطَاقَ الذَّبِيحَةَ وَحَفِظَ التَّسْمِيَةَ.
وَفِيهِ جَوَازُ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ وَإِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ. وَيَدُلُّ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ «الشَّاةِ الَّتِي ذَبَحَتْهَا الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا، فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَكْلِهَا لَكِنَّهُ قَالَ: أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى» وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُذَكَّاةً لَمَا أَمَرَ بِإِطْعَامِ الْأُسَارَى لِأَنَّهُ لَا يُبِيحُ لَهُمْ إلَّا مَا يَحِلُّ. قَوْلُهُ: (فَذَبَحُوهَا بِمَرْوَةِ) أَيْ بِحَجَرٍ أَبْيَضَ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي تُقْدَحُ مِنْهُ النَّارُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الظِّرَارَ) بِالْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءَانِ مُهْمَلَتَانِ بَيْنَهُمَا أَلْفٌ جَمْعُ ظُرَرٍ: وَهِيَ الْحِجَارَةُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الظِّرُّ بِالْكَسْرِ وَالظُّرَرُ الظُّرَرَةُ: الْحَجَرُ أَوْ الْمُدَوَّرُ الْمُحَدَّدُ مِنْهُ الْجَمْعُ ظِرَارٌ وَأَظِرَّةٌ. قَالَ: وَالْمَظِرَّةُ بِالْكَسْرِ الْحَجَرُ يُقْدَحُ بِهِ النَّارُ، وَبِالْفَتْحِ: كَسْرُ الْحَجَرِ ذِي الْحَدِّ قَوْلُهُ: (وَشِقَّةُ الْعَصَا) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ مَا يُشَقُّ مِنْهَا وَيَكُونُ مُحَدَّدًا. قَوْلُهُ: (أَمِرَّ الدَّمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ مُخَفَّفَةً مِنْ أَمَارَ الشَّيْءَ وَمَارَ: إذَا جَرَى، وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مِنْ مَرَّى الضَّرْعَ: إذَا مَسَحَهُ لِيَدِرَّ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْمُحَدِّثُونَ يَرْوُونَهُ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ خَطَأٌ إنَّمَا هُوَ بِتَخْفِيفِهَا مِنْ مَرَيْتُ النَّاقَةَ إذَا حَلَبْتُهَا، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَيُرْوَى أَمْرِرْ بِرَاءَيْنِ مُظْهَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ إدْغَامٍ، وَكَذَا فِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ بِرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ. قَالَ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّثْقِيلَ لِكَوْنِهِ أَدْغَمَ إحْدَى الرَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى
стр. 2879
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٦٣٧ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وَأَنْ تُوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ، وَقَالَ: إذَا ذَبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجْهِزْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٦٣٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُدَيْلُ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى: أَلَا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي إسْنَادِهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إسْنَادِهِ سَعِيدُ بْنُ سَلَامٍ الْعَطَّارُ، قَالَ أَحْمَدُ: كَذَّابٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَشْهَدُ لَهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ قَوْلُهُ: (إنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا) لَعَلَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ بِخَبَرٍ أَوْ بِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى) بِضَمِّ الْمِيمِ مُخَفَّفٌ مَقْصُورٌ جَمْعُ مُدْيَةٍ بِسُكُونِ الدَّالِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ، وَهِيَ السِّكِّينُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ مَدَى الْحَيَوَانِ: أَيْ عُمَرَهُ، وَالرَّابِطُ بَيْنَ قَوْلِهِ: " نَلْقَى الْعَدُوَّ وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُمْ إذَا لَقُوا الْعَدُوَّ صَارُوا بِصَدَدِ أَنْ يَغْنَمُوا مِنْهُمْ مَا يَذْبَحُونَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَبْحِ مَا يَأْكُلُونَهُ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ إذَا لَقُوهُ.
قَوْلُهُ: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أَيْ أَسَالَهُ وَصَبَّهُ بِكَثْرَةٍ، شَبَّهَهُ بِجَرْيِ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ، قَالَ عِيَاضٌ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ بِالرَّاءِ، وَذَكَرَهُ أَبُو ذَرٍّ بِالزَّايِ وَقَالَ: النَّهْرُ بِمَعْنَى الدَّفْعِ وَهُوَ غَرِيبٌ، وَمَا مَوْصُولَةٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهَا فَكُلُوا، وَالتَّقْدِيرُ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَهُوَ حَلَالٌ فَكُلُوا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ عَنْ الثَّوْرِيِّ " كُلُّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ذَكَاةٌ " وَمَا فِي هَذَا مَوْصُوفَةٌ قَوْلُهُ: (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِذْنَ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَهُمَا الْإِنْهَارُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى شَيْئَيْنِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَسَأُحَدِّثُكُمْ) اُخْتُلِفَ فِي هَذَا هَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرْفُوعِ أَوْ مُدْرَجٌ. قَوْلُهُ: (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ قِيَاسٌ حُذِفَتْ مِنْهُ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ، وَالتَّقْدِيرُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَكُلُّ عَظْمٍ لَا يَحِلُّ الذَّبْحُ بِهِ، وَطَوَى النَّتِيجَةَ لِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِ الْوَسِيطِ: هَذَا يَدُلُّ
стр. 2880
٣٦٣٩ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الْجِلْدُ وَلَا تُفْرَى الْأَوْدَاجُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَى أَنَّهُ ﵊ كَانَ قَدْ قَرَّرَ كَوْنَ الذَّكَاةِ لَا تَحْصُلُ بِالْعَظْمِ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ فَعَظْمٌ. قَالَ: وَلَمْ أَرَ بَعْدَ الْبَحْثِ مِنْ نَقْلٍ لِلْمَنْعِ مِنْ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ مَعْنًى يُعْقَلُ، وَكَذَا وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَذْبَحُوا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهَا تُنَجَّسُ بِالدَّمِ. وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ تَنْجِيسِهَا لِأَنَّهَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُشْكِلِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ بِالْعَظْمِ كَانَ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُجْزِئ وَقَرَّرَهُمْ الشَّارِعُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) أَيْ وَهُمْ كُفَّارٌ. وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ. وَقِيلَ: نَهَى عَنْهُمَا لِأَنَّ الذَّبْحَ بِهِمَا تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَلَا يَقَعُ بِهِ غَالِبًا إلَّا الْخَنْقُ الَّذِي هُوَ عَلَى صُورَةِ الذَّبْحِ. وَاعْتَرَضَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ الذَّبْحُ بِالسِّكِّينِ وَسَائِرِ مَا يَذْبَحُ بِهِ الْكُفَّارُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الذَّبْحَ بِالسِّكِّينِ هُوَ الْأَصْلُ. وَأَمَّا مَا يَلْتَحِقُ بِهَا فَهُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّشَبُّهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ جَوَازِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ السِّكِّينِ وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السِّنُّ إنَّمَا يُذَكَّى بِهَا إذَا كَانَتْ مُنْتَزَعَةً، فَأَمَّا وَهِيَ ثَابِتَةٌ فَلَوْ ذُبِحَ بِهَا لَكَانَتْ مُنْخَنِقَةً، يَعْنِي فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّذْكِيَةِ بِالسِّنِّ الْمُنْتَزِعَةِ بِخِلَافِ مَا نُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ جَوَازِهِ بِالسِّنِّ الْمُنْفَصِلَةِ.
قَالَ: وَأَمَّا الظُّفْرُ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ظُفْرَ الْإِنْسَانِ لَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ فِي السِّنِّ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الظُّفْرَ الَّذِي هُوَ طَيِّبٌ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ لَا يُقَوِّي فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْخَنْقِ. قَوْلُهُ: (فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ وَالْحَالَةُ. قَوْلُهُ: (فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ أَوْ أَكْثَرِهَا " فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ " بِفَتْحِ الذَّالِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي بَعْضِهَا " الذِّبْحَةَ " بِكَسْرِ الذَّالِ وَبِالْهَاءِ كَالْقِتْلَةِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ وَالْحَالَةُ. قَوْلُهُ: (وَلْيُحِدَّ) بِضَمِّ الْيَاءِ يُقَالُ: أَحَدَّ السِّكِّينَ وَحَدَّدَهَا وَاسْتَحَدَّهَا بِمَعْنَى " وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " بِإِحْدَادِ السِّكِّينِ وَتَعْجِيلِ إمْرَارِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ تُوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُحِدَّ السِّكِّينَ بِحَضْرَةِ الذَّبِيحَةِ وَأَنْ لَا يَذْبَحَ وَاحِدَةً بِحَضْرَةِ أُخْرَى وَلَا يَجُرَّهَا إلَى مَذْبَحِهَا. قَوْلُهُ: (فَلْيُجْهِزْ) بِالْجِيمِ وَالزَّايِ: أَيْ يُسْرِعْ فِي الذَّبْحِ قَوْلُهُ: (وَاللَّبَّةِ) هِيَ الْمَنْحَرُ مِنْ الْبَهَائِمِ وَهِيَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ: (وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تُزْهَقَ) بِزَايٍ: أَيْ لَا تَشْرَعُوا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذَّبِيحَةِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ.
стр. 2881
٣٦٤٠ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٤١ - (وَعَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ قَالَ: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخْذِهَا لَأَجْزَأَكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَهَذَا فِيمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ) .
٣٦٤٢ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إبِلِ الْقَوْمِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) .
بَابُ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَحَدِيثُ أَبِي الْعَشْرَاءِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لِأَبِي الْعَشْرَاءِ عَنْ أَبِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّ رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ، وَأَبُو الْعَشْرَاءِ لَا يُدْرَى مَنْ أَبُوهُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَقَدْ تَفَرَّدَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، يَعْنِي أَبَا الْعَشْرَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ. قَوْلُهُ: (عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ) أَيْ ذَبِيحَتِهِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ، وَالتَّفْسِيرُ لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ بَلْ زِيَادَةٌ رَوَاهَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى أَحَدُ رُوَاتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: شَرِيطَةُ الشَّيْطَانِ قِيلَ هِيَ الذَّبِيحَةُ الَّتِي لَا يُقْطَعُ أَوْدَاجُهَا وَلَا يُسْتَقْصَى ذَبْحُهَا وَهُوَ مِنْ شَرْطِ الْحَجَّامِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ بَعْضَ حَلْقِهَا وَيَتْرُكُونَهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَحَسَّنَ هَذَا الْفِعْلَ لَدَيْهِمْ وَسَوَّلَهُ لَهُمْ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْعَشْرَاءِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ أَبُو دَاوُد وَاسْمُهُ عُطَارِدُ بْنُ بَكْرَةَ وَيُقَالُ: ابْنُ قَهْطَمٍ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ عُطَارِدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قَهْطَمٍ قَوْلُهُ: (لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا
стр. 2882
٣٦٤٣ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْجَنِينِ: ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينُ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُ؟ قَالَ: كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)
ــ
[نيل الأوطار]
إلَخْ) قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ: هَذَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالتَّرَدِّي فِي الْبِئْرِ وَأَشْبَاهِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد بَعْدَ إخْرَاجِهِ: هَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّافِرَةِ وَالْمُتَوَحِّشَةِ. قَوْلُهُ: (نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا) فِيهِ أَنَّ النَّحْرَ يُجْزِئُ فِي الْخَيْلِ كَمَا يُجْزِئُ فِي الْإِبِلِ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْأَصْلُ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ، وَفِي الشَّاةِ وَنَحْوِهَا الذَّبْحُ. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ نَحْرِهَا. وَاخْتُلِفَ فِي ذَبْحِ مَا يُنْحَرُ وَنَحَرَ مَا يُذْبَحُ، فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: (فَنَدَّ بَعِيرٌ) أَيْ نَفَرَ، وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ قَوْلُهُ: (فَحَبَسَهُ) أَيْ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَوَقَفَ. قَوْلُهُ: (أَوَابِدَ) جَمْعُ آبِدَةٍ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ: أَيْ غَرِيبَةٍ يُقَالُ: جَاءَ فُلَانُ بِآبِدَةٍ: أَيْ بِكَلِمَةٍ أَوْ فَعْلَةٍ مُنَفِّرَةٍ يُقَالُ: أَبَدَتْ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ تَأْبُدُ بِضَمِّهَا وَيَجُوزُ الْكَسْرُ، وَيُقَالُ: تَأَبَّدَتْ: أَيْ تَوَحَّشَتْ، وَالْمُرَادُ أَنَّ لَهَا تَوَحُّشًا.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ مَا رُمِيَ بِالسَّهْمِ فَجُرِحَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَحْشِيَّا أَوْ مُتَوَحِّشَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْأَكْلُ لِمَا تَوَحَّشَ إلَّا بِتَذْكِيَةٍ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَبَّتِهِ.
[بَابُ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، وَضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَقَالَ: لَا يُحْتَجُّ بِأَسَانِيدِهِ كُلِّهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي بَعْضِهَا مُجَالِدًا، وَلَكِنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ، مُجَالِدٌ لَيْسَ إلَّا فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ لَيْسَ فِيهَا ضَعِيفٌ، وَالْحَاكِمُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا عَطِيَّةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَطِيَّةُ فِيهِ لِينٌ. وَقَدْ صَحَّحَهُ مَعَ ابْنِ حِبَّانَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَالْبَرَاءِ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَزَادَ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَمُوسَى بْنُ عُمَرَ الْكُوفِيُّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا
стр. 2883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
أَحْمَدَ بْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ الصَّامِتِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ جِدَّا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْعَنَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَفِي بَعْضِهَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ وَهُوَ أَصَحُّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي إسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ الْقَدَّاحُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَالْقَدَّاحُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخَرُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءَ فَأَخْرَجَهُمَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي إسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بِأَنَّهَا ذَكَاةُ أُمِّهِ فَيَحِلُّ بِهَا كَمَا تَحِلُّ الْأُمُّ بِهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَذْكِيَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَيْضًا مَالِكٌ وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْعَرَ مَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ «إذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَأَيْضًا قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مَرْفُوعًا «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ» وَفِيهِ ضَعْفٌ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. وَأَيْضًا قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ قَالَ: " أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ " وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى تَحْرِيمِ الْجَنِينِ إذَا خَرَجَ مَيِّتَا، وَأَنَّهَا لَا تُغْنِي تَذْكِيَةُ الْأُمِّ عَنْ تَذْكِيَتِهِ مُحْتَجِّينَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَهُوَ مِنْ تَرْجِيحِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ بُطْلَانُهُ، وَلَكِنَّهُمْ اعْتَذَرُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِمَا لَا يُغْنِي شَيْئًا، فَقَالُوا: الْمُرَادُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالرِّوَايَةُ بِالرَّفْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ رُوِيَ بِلَفْظِ " ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ " أَيْ كَائِنَةٌ أَوْ حَاصِلَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ.
وَرُوِيَ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ» وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَنِينَ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِاسْتِئْنَافِ الذَّكَاةِ فِيهِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِذَكَاةِ الْأُمِّ الْجَنِينَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ خَرَجَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَالتَّفْصِيلُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
стр. 2884
بَابُ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتَةٌ
٣٦٤٤ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا قُطِعَ مِنْ بَهِيمَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
٣٦٤٥ - (وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَبِهَا نَاسٌ يَعْمِدُونَ إلَى أَلَيَّاتِ الْغَنَمِ وَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ يَجُبُّونَهَا، فَقَالَ: مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُد مِنْهُ الْكَلَامُ النَّبَوِيُّ فَقَطْ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتَةٌ]
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْهُ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الْمُرْسَلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِيهَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَحَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ الصَّلْتِ وَخَالَفَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ فَقَالَ: عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَابَعَ الْمِسْوَرُ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ خَارِجَةَ بْنَ مُصْعَبٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ. قَوْلُهُ: (فَمَا قُطِعَ مِنْهَا) الْمَجِيءُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ وَإِلَّا فَقَدْ أَغْنَى عَنْهَا مَا قَبْلَهَا. قَوْلُهُ: (فَهُوَ مَيْتَةٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَائِنَ مِنْ الْحَيِّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيْتَةِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَنَجَاسَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ وَمَذَاهِبُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. قَوْلُهُ: (إلَى أَلَيَّاتِ) جَمْعُ أَلْيَةٍ، وَالْجَبُّ: الْقَطْعُ، وَالْأَسْنِمَةُ جَمْعُ سَنَامٍ.
стр. 2885
بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَحَيَوَانِ الْبَحْرِ قَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ " هُوَ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ".
٣٦٤٦ - (عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ) .
٣٦٤٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيْتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، أَطْعِمُونَا إنْ كَانَ مَعَكُمْ، فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ فَأَكَلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٤٨ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيِّتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ، قَالَ: أَحْمَدُ: ابْنُ الْمَدِينِيِّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ ضَعِيفٌ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ) .
٣٦٤٩ - (وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ ذَبَحَ مَا فِي الْبَحْرِ لِبَنِي آدَمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ مَوْقُوفًا. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: الطَّافِي حَلَالٌ) .
٣٦٥٠ - (وَعَنْ عُمَرَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] قَالَ: صَيْدُهُ مَا اُصْطِيدَ وَطَعَامُهُ مَا رَمَى بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَيْتَتُهُ إلَّا مَا قَدَرْت مِنْهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ صَيْدِ يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ مَجُوسِيٍّ، وَرَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلَابِ الْمَاءِ ذَكَرَهُنَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَحَيَوَانِ الْبَحْرِ]
الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ. الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ قَدْ سَبَقَ هُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ فِي كِتَابِهِ هَذَا، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَوْقُوفًا وَقَالَ: هُوَ أَصَحُّ.
وَكَذَا صَحَّحَ الْمَوْقُوفَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ ضَعِيفٌ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُهُ هَذَا مُنْكَرٌ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَوْلَادُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأُسَامَةُ وَقَدْ ضَعَّفَهُمْ ابْنُ مَعِينٍ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُوَثِّقُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَدِينِيِّ. قَالَ الْحَافِظُ: قُلْت: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: الْحَدِيثُ يَدُورُ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ تَابَعَهُمْ شَخْصٌ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُمْ وَهُوَ أَبُو هَاشِمٍ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُبُلِّيُّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِلَفْظِ «يَحِلُّ مِنْ الْمَيْتَةِ اثْنَانِ وَمِنْ الدَّمِ اثْنَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمُ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» وَرَوَاهُ الْمِسْوَرُ بْنُ الصَّلْتِ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ لَكِنَّهُ خَالَفَ فِي إسْنَادِهِ. قَالَ: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ، وَالْمِسْوَرُ كَذَّابٌ، نَعَمْ الرِّوَايَةُ الْمَوْقُوفَةُ الَّتِي صَحَّحَهَا أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ هِيَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ أُحِلَّ لَنَا كَذَا وَحُرِّمَ عَلَيْنَا كَذَا مِثْلَ قَوْلُهُ: أُمِرْنَا بِكَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا فَيَحْصُلُ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَرْفُوعِ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ. قَوْلُهُ: (سَبْعَ غَزَوَاتٍ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " أَوْ سِتًّا " وَوَقَعَ فِي تَوْضِيحِ ابْنِ مَالِكٍ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ ثَمَانِي، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: الْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ: أَوْ ثَمَانِيًا بِالتَّنْوِينِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ ثَمَانِي وَإِنْ كَانَ كَلَفْظِ جِوَارِي فِي أَنَّ ثَالِثَ حُرُوفِهِ أَلْفٌ بَعْدَهَا حَرْفَانِ ثَانِيهِمَا يَاءٌ فَهُوَ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ جِوَارِي جَمْعٌ وَثَمَانِيَ لَيْسَ بِجَمْعِ.
وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَجَّهَ تَرْكَ التَّنْوِينِ بِتَوْجِيهَاتٍ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ حَذَفَ الْمُضَافَ إلَيْهِ وَأَبْقَى الْمُضَافَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَذْفِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ أَرَ لَفْظَ ثَمَانِي فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، قَالَ: وَهَذَا الشَّكُّ فِي عَدَدِ الْغَزَوَاتِ مِنْ شُعْبَةَ. قَوْلُهُ: (نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّدُ الْغَزْوِ دُونَ مَا تَبِعَهُ مِنْ أَكْلِ الْجَرَادِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَعَ أَكْلِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ بِلَفْظٍ " وَيَأْكُلُهُ مَعَنَا " وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الصَّيْمَرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ عَافَهُ كَمَا عَافَ الضَّبَّ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ " وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَلِابْنِ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتِ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَسُئِلَ عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ» قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا لَيْسَ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ ثَابِتًا قَالَ فِيهِ النَّسَائِيّ:
стр. 2887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَيْسَ بِثِقَةٍ.
وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى حِلِّ أَكْلِ الْجَرَادِ. وَفَصَّلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَيْنَ جَرَادِ الْحِجَازِ وَجَرَادِ الْأَنْدَلُسِ، فَقَالَ فِي جَرَادِ الْأَنْدَلُسِ: لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَهَذَا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَضُرُّ آكِلَهُ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ سُمِّيَّةٌ تَخُصُّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ جَرَادِ الْبِلَادِ تَعَيَّنَ اسْتِثْنَاؤُهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى حِلِّ أَكْلِ الْجَرَادِ وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اشْتِرَاطُ التَّذْكِيَةِ، وَهِيَ: هُنَا أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ آدَمِيٍّ، إمَّا بِأَنْ يَقْطَعَ رَأْسَهُ أَوْ بَعْضَهُ أَوْ يُسْلَقَ أَوْ يُلْقَى فِي النَّارِ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ فِي وِعَاءٍ لَمْ يَحِلَّ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ. وَلَفْظِ الْجَرَادِ جِنْسٌ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَيُمَيَّزُ وَاحِدُهُ بِالتَّاءِ، وَسُمِّيَ جَرَادًا لِأَنَّهُ يُجَرِّدُ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَجْرَدُ: أَيْ أَمْلَسُ، وَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ بَحْرِيَّا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: إنَّهُ بَحْرِيٌّ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَاسْتَقْبَلَنَا رَجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِنِعَالِنَا وَأَسْوَاطِنَا، فَقَالَ ﷺ : كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو الْمُهَزِّمِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ حُوتٍ مِنْ الْبَحْرِ» أَيْ عَطْسَتُهُ، قَوْلُهُ: (الْخَبَطِ) بِالتَّحْرِيكِ: هُوَ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْوَرَقِ عِنْدَ خَبْطِ الشَّجَرِ. قَوْلُهُ: (فَأَكَلَهُ) بِهَذَا تَتِمُّ الدَّلَالَةُ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدِ أَكْلِ الصَّحَابَةِ مِنْهُ وَهُمْ فِي حَالِ الْمَجَاعَةِ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَلِاضْطِرَارِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ " وَقَدْ اُضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا " قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَحَاصِلُ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ بُنِيَ أَوَّلًا عَلَى عُمُومِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَخْصِيصَ الْمُضْطَرِّ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهَا إذَا كَانَ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، وَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ آخِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ حَمْلَهُ كَوْنُهَا حَلَالًا لَيْسَ لِسَبَبِ الِاضْطِرَارِ بَلْ لِكَوْنِهَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ لِأَكْلِهِ ﷺ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى إبَاحَةِ مَيْتَةِ الْبَحْرِ سَوَاءٌ مَاتَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ مَاتَتْ بِالِاصْطِيَادِ. وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْهَادِي وَالْقَاسِمِ وَالْإِمَامِ يَحْيَى وَالْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا مَا مَاتَ بِسَبَبِ آدَمِيٍّ أَوْ بِإِلْقَاءِ الْمَاءِ لَهُ أَوْ جَزْرِهِ عَنْهُ. وَأَمَّا مَا مَاتَ أَوْ قَتَلَهُ حَيَوَانٌ غَيْرُ آدَمِيٍّ فَلَا يَحِلُّ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَقَدْ أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَيُرْوَى عَنْ جَابِرٍ خِلَافُهُ، انْتَهَى. وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ
стр. 2888
بَابُ الْمَيْتَةُ لِلْمُضْطَرِّ
ــ
[نيل الأوطار]
بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: إذَا حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ فَحَدِيثُهُ حَسَنٌ، وَإِذَا حَدَّثَ حِفْظًا فَفِي حَدِيثِهِ مَا يُعْرَفُ وَيُنْكَرُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: كَانَ يُخْطِئُ وَقَدْ تُوبِعَ عَلَى رَفْعِهِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ مَرْفُوعًا لَكِنْ قَالَ: خَالَفَهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ فَوَقَفُوهُ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ. قَالَ الْحَافِظُ: وَإِذَا لَمْ يَصِحُّ إلَّا مَوْقُوفًا فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَيُّوبُ وَحَمَّادُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ أُسْنِدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا: وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي حِلَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ لَأُكِلَ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ، وَلَوْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَمَاتَ لَأُكِلَ، فَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ وَهُوَ فِي الْبَحْرِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حِلِّ السَّمَكِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانِ الْبَرِّ كَالْآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُحَرَّمُ، وَالْأَصَحُّ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ الْحِلُّ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، إلَّا الْخِنْزِيرَ فِي رِوَايَةٍ. وَحُجَّتُهُمْ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وَحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا أَنَّهُ يَحِلُّ مَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ، وَمَا لَا فَلَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَاسْتَثْنَتْ الشَّافِعِيَّةُ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَهُوَ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ مَا وَرَدَ فِي مَنْعِ أَكْلِهِ شَيْءٌ يَخُصُّهُ كَالضُّفْدَعِ، وَكَذَا اسْتَثْنَاهُ أَحْمَدُ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَاصِمٍ وَآخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَزَادَ " فَإِنَّ نَقِيقَهَا تَسْبِيحٌ ". وَذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ الضُّفْدَعَ نَوْعَانِ: بَرِّيٌّ، وَبَحْرِيٌّ، وَمِنْ الْمُسْتَثْنَى التِّمْسَاحُ وَالْقِرْشُ وَالثُّعْبَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالسَّرَطَانُ وَالسُّلَحْفَاةُ لَلِاسْتِخْبَاثِ وَالضَّرَرِ اللَّاحِقِ مِنْ السُّمِّ.
النَّوْعُ الثَّانِي مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَانِعٌ فَيَحِلُّ لَكِنْ بِشَرْطِ التَّذْكِيَةِ كَالْبَطِّ وَطَيْرِ الْمَاءِ. قَوْلُهُ: «إنَّ اللَّهَ ذَبَحَ مَا فِي الْبَحْرِ لِبَنِي آدَمَ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ «كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ مَذْبُوحٌ» وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا. قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: سَمِعْت شَيْخًا كَبِيرًا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا فِي الْبَحْرِ دَابَّةٌ إلَّا قَدْ ذَبَحَهَا اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ رَفَعَهُ «إنَّ اللَّهَ قَدْ ذَبَحَ كُلَّ مَا فِي الْبَحْرِ لِبَنِي آدَمَ» وَفِي سَنَدِهِ ضَعِيفٌ. وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَرَفَعَهُ نَحْوُهُ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدَيْنِ جَيِّدَيْنِ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ
стр. 2889
٣٦٥١ - (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا مَخْمَصَةٌ فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: إذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَعْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٣٦٥٢ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ كَانُوا. بِالْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ قَالَ: فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَكْلِهَا، قَالَ: فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ أَوْ سَنَتِهِمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ: «أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّةَ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ نَاقَةً لِي ضَلَّتْ فَإِنْ وَجَدَتْهَا فَأَمْسِكْهَا، فَوَجَدَهَا فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَمَرِضَتْ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: انْحَرْهَا، فَأَبَى فَنَفَقَتْ، فَقَالَتْ: اُسْلُخْهَا حَتَّى نَقْدُرَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَكُلُوهُ، قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: هَلَّا كُنْت نَحَرْتَهَا؟ قَالَ: اسْتَحَيْتُ مِنْكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى إمْسَاكِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ «الْحُوتُ ذَكِيٌّ كُلُّهُ» قَالَ عَطَاءٌ: أَمَّا الطَّيْرُ فَأَرَى أَنْ تَذْبَحَهُ قَوْلُهُ: (الطَّافِي حَلَالٌ) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ٢٤٥٧٠ وَالطَّافِي بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنْ طَفَا يَطْفُو: إذَا عَلَا عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَرْسُبْ قَوْلُهُ: (صَيْدُهُ مَا اُصْطِيدَ، وَطَعَامُهُ مَا رُمِيَ بِهِ) وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَوْلُهُ: (طَعَامُهُ مَيْتَةٌ إلَّا مَا قَذِرْت) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ. قَوْلُهُ: (كُلْ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ صَيْدُ يَهُودِيٍّ. . . إلَخْ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَفْهُومُهُ أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ لَا يُؤْكَلُ إنْ صَادَهُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ قَوْمٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَرَاهِيَةَ صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ. وَأُخْرِجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ مِثْلُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَرَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى سَرْجٍ) قِيلَ إنَّهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ الْبَصْرِيُّ. وَالْمُرَادُ أَنَّ السَّرْجَ مُتَّخَذٌ مِنْ جُلُودِ الْكِلَابِ الْمَعْرُوفَةِ بِكِلَابِ الْمَاءِ الَّتِي فِي الْبَحْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ. .
[بَاب الْمَيْتَةُ لِلْمُضْطَرِّ]
حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ انْتَهَى.
стр. 2890
بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامُ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ إذْنِهِ
ــ
[نيل الأوطار]
وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَلَيْسَ فِي إسْنَادِهِ مَطْعَنٌ لِأَنَّ أَبَا دَاوُد رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ الْفُجَيْعِ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةَ؟ قَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قُلْنَا: نَغْتَبِقُ وَنَصْطَبِحُ» قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَهُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: فَسَّرَهُ لِي عُقْبَةُ قَدَحٌ غَدْوَةً وَقَدَحٌ عَشِيَّةً " قَالَ ذَاكَ وَأَبَى الْجُوعَ، فَأَحَلَّ لَهُمْ الْمَيْتَةَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ " قَالَ أَبُو دَاوُد: الْغَبُوقُ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، وَالصَّبُوحُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَفِي إسْنَادِهِ عُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ الْعَامِرِيُّ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: صَالِحٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ، فَقَالَ: مَا كَانَ ذَاكَ فَيَدْرِي مَا هَذَا الْأَمْرُ وَلَا كَانَ شَأْنُهُ الْحَدِيثُ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: الِاصْطِبَاحُ هَهُنَا أَكْلُ الصَّبُوحِ وَهُوَ الْغَدَاءُ، وَالْغَبُوقُ: أَكْلُ الْعَشَاءِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّبُوحِ وَالْغَبُوقِ وَهُمَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا، وَالْأَوَّلُ شُرْبُ اللَّبَنِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَالثَّانِي شُرْبُ اللَّبَنِ آخِرَ النَّهَارِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَا فِي الْأَكْلِ لِلْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ وَعَلَيْهِمَا يُحْمَلُ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ الْمَذْكُورِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمَا فِي حَدِيثِ الْفُجَيْعِ مُجَرَّدُ شُرْبِ اللَّبَنِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِمَا أَكْلَ الطَّعَامِ فِي الْوَقْتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ مَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ " ذَاكَ وَأَبَى الْجُوعَ " إذْ لَا جُوعَ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلًا) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقُ بَيْنَهُمَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَبَعْدَهُمَا فَاءٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ مِنْ الْحَفَاءِ وَهُوَ الْبُرْدِيِّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ: نَوْعٌ مِنْ جَيِّدِ التَّمْرِ. وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْبُرْدِيَّ لَيْسَ مِنْ الْبُقُولِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ أَصْلُ الْبُرْدِيِّ الْأَبْيَضِ الرُّطَبُ وَقَدْ يُؤْكَلُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَصْطَبِحُوا وَتَغْتَبِقُوا وَتَجْمَعُوهُمَا مَعَ الْمَيْتَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَدْ أُنْكِرَ هَذَا عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَفُسِّرَ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا لَمْ تَجِدُوا أَلْبِنَةً تَصْطَبِحُونَهَا أَوْ شَرَابًا تَغْتَبِقُونَهُ وَلَمْ تَجِدُوا بَعْدَ عَدَمِ الصَّبُوحِ وَالْغَبُوقِ بَقْلَةً تَأْكُلُونَهَا حُلَّتْ لَكُمْ الْمَيِّتَةُ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْقَدَحُ مِنْ اللَّبَنِ بِالْغَدَاةِ، وَالْقَدَحُ بِالْعَشِيِّ يُمْسِكُ الرَّمَقَ وَيُقِيمُ النَّفْسَ وَإِنْ كَانَ لَا يَغْذُو الْبَدَنَ وَلَا يُشْبِعُ الشِّبَعَ التَّامَّ، وَقَدْ أَبَاحَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ الْمَيْتَةَ فَكَانَ دَلَالَتُهُ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْمَيْتَةَ إلَى أَنْ تَأْخُذَ النَّفْسُ حَاجَتَهَا مِنْ الْقُوتِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَالْهَادَوِيَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيك " إذَا كَانَ يُقَالُ لِمَنْ وَجَدَ سَدَّ رَمَقِهِ مُسْتَغْنِيًا لُغَةً أَوْ شَرْعًا.
وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْغِنَى وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَاسْتَثْنَى مَا وَقَعَ الِاضْطِرَارُ إلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ،
стр. 2891
٣٦٥٣ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَيُنْتَثَلُ طَعَامُهُ وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٥٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ قَالَ: «شَهِدْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى، وَكَانَ
ــ
[نيل الأوطار]
وَلَا شَكَّ أَنَّ سَدَّ الرَّمَقِ يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ، وَقِيلَ إنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ الْمُعْتَادِ لِلْمُضْطَرِّ فِي أَيَّامِ عَدَمِ الِاضْطِرَارِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ الرَّاجِحُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْوَصْفُ بِالِاضْطِرَارِ وَيُبَاحُ عِنْدَهَا الْأَكْلُ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا الْحَالَةُ الَّتِي يَصِلُ بِهِ الْجُوعُ فِيهَا إلَى حَدِّ الْهَلَاكِ أَوْ إلَى مَرَضٍ يُفْضِي إلَيْهِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي الْمَيْتَةِ سُمِّيَّةٌ شَدِيدَةً، فَلَوْ أَكَلَهَا ابْتِدَاءً لَأَهْلَكَتْهُ، فَشُرِعَ لَهُ أَنْ يَجُوعَ لِيَصِيرَ فِي بَدَنِهِ بِالْجُوعِ سُمِّيَّةٌ هِيَ أَشَدُّ مِنْ سُمِّيَّةٌ الْمَيْتَةِ قَوْلُهُ: (كَانُوا بِالْحَرَّةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ - مُهْمَلَتَيْنِ - أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ. قَوْلُهُ: (فَنَفَقَتْ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ وَالْقَافِ: أَيْ مَاتَتْ يُقَالُ: نَفَقَتْ الدَّابَّةُ نُفُوقًا مِثْلُ قَعَدَتْ الْمَرْأَةُ قُعُودًا: إذَا مَاتَتْ. قَوْلُهُ: (حَتَّى نَقْدُرَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ، هَكَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ، يُقَالُ قَدَرَ اللَّحْمَ يَقْدُرهُ: طَبَخَهُ فِي الْقِدْرِ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد " نُقَدِّدُ اللَّحْمَ " بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ مَكَانَ الرَّاءِ وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَ ابْنُ رَسْلَانَ فَإِنَّهُ قَالَ: أَيْ نَجْعَلُهُ قَدِيدًا. قَوْلُهُ: (غِنًى يُغْنِيك) أَيْ تَسْتَغْنِي بِهِ يَكْفِيك وَيَكْفِي أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ: (اسْتَحْيَيْت مِنْك) بِيَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ تَحْتُ. وَلُغَةُ تَمِيمٍ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ: اسْتَحَيْتُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَحَذْفِ إحْدَى الْيَاءَيْنِ. وَقَدْ دَلَّتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا يَكْفِيهِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي مِقْدَارِ مَا يَتَنَاوَلُهُ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْجَوَازِ وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الْمَيْتَةِ حِفْظًا لِنَفْسِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: يَجِبُ لِوُجُوبِ دَفْعِ الضَّرَرِ وَلَا يَجِبُ إيثَارًا لِلْوَرَعِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَقِيلَ: أَيْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ وَلَا مُجَاوِزٍ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَقِيلَ: أَيْ غَيْرَ عَاصٍ فَمَنَعُوا الْعَاصِيَ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ.
وَحَكَى الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا مِنْ الْبَغْيِ الْعِصْيَانَ، قَالُوا: وَطَرِيقُهُ أَنْ يَتُوبَ ثُمَّ يَأْكُلَ قَالَ: وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ مُطْلَقَا، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِالْبَعْضِ الْقَائِلَ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ.
стр. 2892
فِيمَا خَطَبَ، أَنْ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ لَقِيتُ فِي مَوْضِعٍ غَنَمَ ابْنِ عَمِّي فَأَخَذْتُ مِنْهَا شَاةً فَاجْتَزَرْتُهَا هَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: إنْ لَقِيتَهَا نَعْجَةً تَحْمِلُ شَفْرَةً وَأَزْنَادًا فَلَا تَمَسَّهَا» ) .
٣٦٥٥ - (وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: «أَقْبَلْتُ مَعَ سَادَتِي نُرِيدُ الْهِجْرَةَ حَتَّى إذَا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ: فَدَخَلُوا وَخَلَّفُونِي فِي ظَهْرِهِمْ، فَأَصَابَتْنِي مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَمَرَّ بِي بَعْضُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَأَصَبْتَ مِنْ تَمْرِ حَوَائِطِهَا، قَالَ: فَدَخَلْتُ حَائِطًا فَقَطَعْتُ مِنْهُ قِنْوَيْنِ، فَأَتَانِي صَاحِبُ الْحَائِطِ وَأَتَى بِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ خَبَرِي وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ، فَقَالَ لِي: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَشَرْتُ إلَى أَحَدِهِمَا، فَقَالَ: خُذْهُ وَأَعْطِ صَاحِبَ الْحَائِطِ الْآخَرَ، فَخَلَّى سَبِيلِي» . رَوَاهُمَا أَحْمَدُ) .
بَابُ مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ لِابْنِ السَّبِيلِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِطٌ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً
ــ
[نيل الأوطار]
[بَاب النَّهْيِ أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامُ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْيَثْرِبِيِّ فِي إسْنَادِهِ حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَفِيهِ خِلَافٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَارِي، فَإِنْ يَكُنْ هُوَ الْكُوفِيَّ النَّخَعِيّ فَضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ وَإِلَّا فَلَيْسَ مِنْ رِجَالِ الْأُمَّهَاتِ.
وَحَدِيثُ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ قَالَ الْعِجْلِيّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَنَحْوُهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: حَدِيثُ عُمَيْرٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِي الْآخَرِ أَبُو بَكْرِ بْنُ زَيْدٍ الْمُهَاجِرُ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ جَرْحًا وَلَا تَعْدِيلًا، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ قَوْلُهُ:
(مَشْرُبَتُهُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْمَشْرَبَةُ وَتَضُمُّ الرَّاءُ: أَرْضٌ لَيِّنَةٌ دَائِمَةُ النَّبَاتِ وَالْغُرْفَةُ وَالْعِلِّيَّةُ وَالصُّفَّةُ وَالْمَشْرَعَةُ انْتَهَى. وَالْمُرَادُ هُنَا الْغُرْفَةُ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامُ، شَبَّهَ ﷺ ضُرُوعَ الْمَوَاشِي فِي حِفْظِهَا مَا فِيهَا مِنْ اللَّبَنِ بِالْمَشْرُبَةِ فِي حِفْظِهَا مَا فِيهَا مِنْ الطَّعَامِ، فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ يَحْفَظُ فِيهَا الْإِنْسَانُ طَعَامَهُ فَتِلْكَ تَحْفَظُ لَهُ شَرَابَهُ وَهُوَ لَبَنُ مَاشِيَتِهِ، وَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَكْرَهُ دُخُولَ غَيْرِهِ إلَى مَشْرُبَتِهِ لِأَخْذِ طَعَامِهِ كَذَلِكَ يَكْرَهُ حَلْبَ غَيْرِهِ مَاشِيَتَهُ فَلَا يَحِلُّ الْجَمِيعُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ. قَوْلُهُ: (فَيُنْتَثَلُ طَعَامُهُ) النَّثْلُ: الِاسْتِخْرَاجُ: أَيْ فَيُسْتَخْرَجُ طَعَامُهُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: نَثَلَ الرَّكِيَّةَ يَنْثِلُهَا: اسْتَخْرَجَ تُرَابَهَا وَهِيَ النَّثِيلَةُ وَالنُّثَالَةُ وَالْكِنَانَةُ اسْتَخْرَجَ نَبْلَهَا وَنَثَرَهَا، وَدِرْعُهُ أَلْقَاهَا عَنْهُ، وَاللَّحْمُ فِي الْقِدْرِ وَضَعَهُ فِيهَا مُقَطَّعًا، وَامْرَأَةٌ نَثُولٌ: تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَعَلَيْهِ دِرْعُهُ: صَبَّهَا
стр. 2893
٣٦٥٦ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٦٥٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَائِطَ، فَقَالَ: يَأْكُلُ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٣٦٥٨ - (وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ) .
٣٦٥٩ - (وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَائِطًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْحَائِطِ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا فَلْيَأْكُلْ، وَإِذَا
ــ
[نيل الأوطار]
انْتَهَى قَوْلُهُ: (فَاجْتَزَرْتُهَا) بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ قَوْلُهُ: (إنْ لَقِيتَهَا نَعْجَةً تَحْمِلُ شَفْرَةً وَأَزْنَادًا) هَذَا فِيهِ مُبَالَغَةٌ مِنْ الْمَنْعِ فِي أَخْذِ مُلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى حَالٍ مُشْعِرَةٍ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَاشِيَةَ مُعَدَّةٌ لِلذَّبْحِ حَامِلَةً لِمَا تَصْلُحُ بِهِ مِنْ آلَةِ الذَّبْحِ وَهِيَ الشَّفْرَةُ، وَآلَةُ الطَّبْخِ وَهُوَ الْأَزْنَادُ وَهِيَ جَمْعُ زَنْدٍ: وَهُوَ الْعُودُ الَّذِي يُقْدَحُ بِهِ النَّارَ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْجَمْعُ زِنَادٌ وَأَزْنُدُ وَأَزْنَادٌ. وَنَعْجَةً مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَالِ: أَيْ لَقِيتَهَا حَالَ كَوْنِهَا نَعْجَةً حَامِلَةً لِشَفْرَةٍ وَأَزْنَادٍ قَوْلُهُ: (مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّ آبِي اللَّحْمِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَبَى يَأْبَى فَهُوَ آبٍ قَوْلُهُ: (فِي ظَهْرِهِمْ) أَيْ فِي دَوَابِّهِمْ الَّتِي يُسَافِرُونَ بِهَا وَيَحْمِلُونَ عَلَيْهَا أَمْتِعَتَهُمْ (قَوْلُهُ وَأَعْطِ صَاحِبَ الْحَائِطِ الْآخَرَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَغْرِيمِ السَّارِقِ قِيمَةَ مَا أَخَذَهُ مِمَّا لَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَعَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تُبِيحُ الْإِقْدَامَ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ مَعَ وُجُودِ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ وَلَوْ كَانَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَةُ الْإِنْسَانِ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُنَا أَخَذَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِ النَّخْلِ.
стр. 2894
مَرَّ أَحَدُكُمْ بِإِبِلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْإِبِلِ أَوْ يَا رَاعِيَ الْإِبِلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا فَلْيَشْرَبْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الضِّيَافَةِ
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ لِابْنِ السَّبِيلِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِطٌ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً]
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي هُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُمَا هَكَذَا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ فِي الْبُيُوعِ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَحَدِيثُ سَمُرَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ: حَدِيثُ سَمُرَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَقَالُوا: إنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ صَحِيفَةِ سَمُرَةَ انْتَهَى.
وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْمَقْدِسِيُّ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ رَافِعٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد قَالَ: «كُنْتُ أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ فَأَخَذُونِي فَذَهَبُوا بِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَافِعُ لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ؟ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْجُوعُ، قَالَ: لَا تَرْمِ وَكُلْ مَا وَقَعَ أَشْبَعَك اللَّهُ وَأَرْوَاكَ» وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبَّادٍ فِي قِصَّةٍ مِثْلِ قِصَّةِ رَافِعٍ، وَفِيهَا «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: مَا عَلَّمْتَ إذْ كَانَ جَاهِلًا، وَلَا أَطْعَمْتَ إذْ كَانَ جَائِعًا» قَوْلُهُ: (فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِطٌ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحَائِطُ: الْبُسْتَانُ مِنْ النَّخِيلِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَهُوَ الْجِدَارُ.
وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ مُخَالِفٌ لِمَا قَيَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِطٌ " أَيْ جِدَارٌ يَمْنَعُ الدُّخُولَ إلَيْهِ بِحِرْزِهِ طُرُقُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِشْعَارِ بِعَدَمِ الرِّضَا، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ الْأَحَادِيثَ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا مَلْجَأَ إلَى هَذَا بَلْ الظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ: وَهِيَ مَا تَحْمِلُهُ فِي حِضْنِكَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَهَذَا الْإِطْلَاقُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَمْرِ بِالنِّدَاءِ ثَلَاثًا.
وَحَدِيثُ سَمُرَةَ فِي الْمَاشِيَةِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِئْذَانِ بِدُونِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَاشِيَةِ إلَّا مُجَرَّدَ النِّدَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ ثَلَاثًا. وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْ حَائِطِ الْغَيْرِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَاشِيَتِهِ بَعْدَ النِّدَاءِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إلَى الْأَكْلِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ: إذَا دَخَلَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْأَكْلَ بِحَدٍّ وَلَا خَصَّهُ بِوَقْتٍ، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ تَنَاوُلِ الْكِفَايَةِ، وَالْمَمْنُوعُ إنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُقْبِلِيُّ فِي الْأَبْحَاثِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا لَفْظُهُ: وَفِي مَعْنَاهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ تَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ. وَوَجْهُ مُوَافَقَتِهِ لِلْقَانُونِ الشَّرْعِيِّ ظَاهِرٌ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الضِّيَافَةِ كَابْنِ السَّبِيلِ وَفِي ذِي الْحَاجَةِ مُطْلَقًا، وَسِيَاقَاتُ الْحَدِيثِ تُشْعِرُ بِالِاخْتِصَاصِ بِمَنْ هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ.
стр. 2895
٣٦٦٠ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تَبْعَثُنِي فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ: إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» ) .
٣٦٦١ - (وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأُخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) .
٣٦٦٢ - (وَعَنْ الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، إنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ» وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ
ــ
[نيل الأوطار]
وَأَمَّا الْغَنِيُّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ حَقُّ الضِّيَافَةِ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ فَيَبْقَى عَلَى الْمَنْعِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنْ صَحَّتْ إرَادَتُهُ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ كَقَضِيَّةٍ فِيهَا ذَلِكَ كَانَ مَقْبُولًا وَتَكُونُ مُنَاسَبَتُهُ مَا فِي اللَّبَنِ وَالْفَاكِهَةِ مِنْ النُّدْرَةِ إذْ لَا يُوجَدُ فِي كُلِّ حَالٍ مَعَ مُسَارَعَةِ النَّفْسِ إلَيْهَا وَالْعُرْفُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ حَتَّى أَنَّهُ يُذَمُّ مَنْ ضَنَّ بِهِمَا وَيَبْخَلُ وَهُوَ خَاصَّةُ الْوُجُوبِ فَهُوَ مِنْ حَقِّ الْمَالِ غَيْرِ الصَّدَقَةِ، وَهَذَا يُرَجِّحُ بَقَاءَ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، إذْ لَا مَعْنَى لِلِاقْتِصَارِ مَعَ ظُهُورِ الْعُمُومِ.
وَفِي الْمُنْتَهَى مِنْ فِقْهِ الْحَنَابِلَةِ: وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ لَا حَائِطَ عَلَيْهِ وَلَا نَاظِرَ فَلَهُ الْأَكْلُ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ مَجَّانًا، لَا صُعُودِ شَجَرَةٍ أَوْ رَمْيِهِ بِشَيْءٍ، وَلَا يَحْمِلُ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ مَجْنِيٍّ مَجْمُوعٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَكَذَا زَرْعٌ قَائِمٌ وَشُرْبُ لَبَنِ مَاشِيَةٍ، وَأَلْحَقَ جَمَاعَةٌ بِذَلِكَ بَاقِلَّا وَحِمَّصًا أَخْضَرَ مِنْ الْمُنْفَتِحِ وَهُوَ قَوِيٌّ اهـ.
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ مُخَصِّصَةٌ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَمُخَصِّصَةٌ أَيْضًا لِحَدِيثِ «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِهَا بِلَفْظِ «فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» بِدُونِ لَفْظِ لَيْسَ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُخَصِّصَاتِ لِحَدِيثِ «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» مَا وَرَدَ فِي الضِّيَافَةِ وَفِي سَدِّ رَمَقِ الْمُسْلِمِ، وَمِنْهَا ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
стр. 2896
يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٣٦٦٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي الضِّيَافَةِ]
حَدِيثُ الْمِقْدَامِ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَلَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيْلَةٍ مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ» قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ» .
وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى سَلْمَانَ فَدَعَا بِمَاءٍ كَانَ فِي الْبَيْتِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عَنْ التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ لَتَكَلَّفْتُ لَكُمْ» .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَشَارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ قَوْلُهُ: (لَا يَقْرُونَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ الْقِرَى: أَيْ لَا يُضَيِّفُونَا. قَوْلُهُ: (بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ) أَيْ مِنْ الْإِكْرَامِ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَمَا يَلْتَحِقُ بِهِمَا. قَوْلُهُ: (فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ. . . إلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ ﷺ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَأَرْزَاقُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ أَكْثَرُهُمْ: إنَّهُ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ كَانَتْ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ " جَائِزَتُهُ " كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، قَالُوا: وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ لَا وَاجِبٌ.
قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضِ مَنْ لَمْ يُضَيِّفْكُمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَذْكُرُوا لِلنَّاسِ لُؤْمَهُمْ وَالْعَيْبَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ كَمَا أَنَّ الْقَادِرَ الْمُمَاطِلَ بِالدَّيْنِ مُبَاحٌ عِرْضُهُ وَعُقُوبَتُهُ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً، فَلَمَّا اتَّسَعَ الْإِسْلَامُ نُسِخَ ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ قَائِلُهُ لَا يَعْرِفُ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَائِلِهِ قَرِيبًا، فَتَعْلِيلُ الضَّعْفِ أَوْ الْبُطْلَانِ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْقَائِلِ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ فِي ضَعْفِ هَذَا التَّأْوِيلِ هُوَ أَنَّ تَخْصِيصَ مَا شَرَعَهُ ﷺ لِأُمَّتِهِ بِزَمَنٍ مِنْ الْأَزْمَانِ أَوْ حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَقُمْ هَهُنَا دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِ هَذَا الْحُكْمِ بِزَمَنِ النُّبُوَّةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الضِّيَافَةِ بَعْدَ شِرْعَتِهَا قَدْ صَارَتْ لَازِمَةً لِلْمُضِيفِ لِكُلِّ نَازِلٍ عَلَيْهِ، فَلِلنَّازِلِ الْمُطَالَبَةُ بِهَذَا الْحَقِّ الثَّابِتِ شَرْعًا كَالْمُطَالَبَةِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِذَا أَسَاءَ إلَيْهِ وَاعْتَدَى
стр. 2897
بَابُ الْأَدْهَانُ تُصِيبُهَا النَّجَاسَةُ
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَيْهِ بِإِهْمَالِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ مُكَافَأَتُهُ بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ الشَّارِعُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ. . . إلَخْ) قِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ الْمُنْجِيَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الْمُوصِلِ إلَى رِضْوَانِهِ، وَيُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الْآخِرِ، اسْتَعَدَّ لَهُ وَاجْتَهَدَ فِي فِعْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أَهْوَالَهُ وَمَكَارِهَهُ، فَيَأْتَمِرُ بِمَا أَمَرَ بِهِ، وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَمَرَ بِهِ إكْرَامُ الضَّيْفِ وَهُوَ الْقَادِمُ مِنْ السَّفَرِ النَّازِلُ عِنْدَ الْمُقِيمِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَالضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الدِّينِ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ لَفْظُ جَائِزَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ الْجَائِزَةَ هِيَ الْعَطِيَّةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَصْلُهَا عَلَى النَّدْبِ، وَقَلَّمَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْوَاجِبِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ الِاهْتِمَامُ بِالضَّيْفِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَإِتْحَافًا بِمَا يُمْكِنُ مِنْ بِرٍّ وَأَلْطَافٍ انْتَهَى.
وَالْحَقُّ وُجُوبُ الضِّيَافَةِ لِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ: إبَاحَةُ الْعُقُوبَةِ بِأَخْذِ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ. وَالثَّانِي: التَّأْكِيدُ الْبَالِغُ يَجْعَلُ ذَلِكَ فَرْعَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيُفِيدُ أَنَّ فِعْلَ خِلَافِهِ فِعْلُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فُرُوعَ الْإِيمَانِ مَأْمُورٌ بِهَا ثُمَّ تَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالْإِكْرَامِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الضِّيَافَةِ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى لُزُومِهَا بِالْأَوْلَى. وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ: فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرُ صَدَقَةٍ بَلْ وَاجِبٌ شَرْعًا. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مَا اتَّسَعَ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَأَلْطَافٍ، وَيُقَدِّمُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَادَتِهِ، فَمَا جَاوَزَ الثَّلَاثَ فَهُوَ مَعْرُوفٌ وَصَدَقَةٌ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْجَائِزَةُ: الْعَطِيَّةُ. أَيْ يَقْرِي ضَيْفَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يُعْطِيه مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ : " لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ " فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْوُجُوبِ لَمْ يَأْتِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأْوِيلِهِ. وَالْخَامِسُ: قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ الَّذِي ذَكَرْنَا: " فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا وُجُوبُ النُّصْرَةِ، وَذَلِكَ فَرْعُ وُجُوبِ الضِّيَافَةِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَقَرَّرَ ضَعْفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَكَانَتْ أَحَادِيثُ الضِّيَافَةِ مُخَصِّصَةٌ لِأَحَادِيثِ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ إلَّا بِطِيبَةِ الْأَنْفُسِ، وَلِحَدِيثِ «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» . وَمِنْ التَّعَسُّفَاتِ حَمْلُ أَحَادِيثِ الضِّيَافَةِ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ، وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الْوُجُوبِ بِأَهْلِ الْوَبَرِ دُونَ أَهْلِ الْمُدُنِ اسْتِدْلَالًا بِمَا يُرْوَى أَنَّ الضِّيَافَةَ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ قَوْلُهُ: (أَنْ يَثْوِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ: أَيْ يُقِيمُ قَوْلُهُ: (حَتَّى يُحْرِجَهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ يُوقِعَهُ فِي الْحَرَجِ وَهُوَ الْإِثْمُ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَدِّرُهُ فَيَقُولُ: هَذَا
стр. 2898
٣٦٦٤ - (عَنْ مَيْمُونَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقَالَ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) .
٣٦٦٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ثُمَّ كُلُوا مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
بَابُ آدَابِ الْأَكْلِ
ــ
[نيل الأوطار]
الضَّيْفُ ثَقِيلٌ، أَوْ قَدْ ثَقُلَ عَلَيْنَا بِطُولِ إقَامَتِهِ، أَوْ يَتَعَرَّضُ لَهُ بِمَا يُؤْذِيه، أَوْ يَظُنُّ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَقَامَ بَعْدَ الثَّلَاثِ بِغَيْرِ اسْتِدْعَائِهِ، وَأَمَّا إذَا اسْتَدْعَاهُ وَطَلَبَ مِنْهُ إقَامَتَهُ أَوْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ مِنْهُ مَحَبَّةَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ عَدَمَ كَرَاهَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا جَاءَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ يُؤْثِمُهُ، فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِ الْمُضِيفِ هَلْ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وَيَلْحَقُهُ بِهَا حَرَجٌ أَمْ لَا؟ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (لَيْلَةَ الضَّيْفِ) أَيْ وَيَوْمَهُ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (بِفِنَائِهِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مَمْدُودًا: وَهُوَ الْمُتَّسَعُ أَمَامَ الدَّارِ. وَقِيلَ مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِ الدَّارِ جَمْعُهُ أَفْنِيَةٌ. قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ. . . إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أَيْ لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْضِهِمْ وَزَرْعِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الضِّيَافَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى دُونَ الْأَمْصَارِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَا هُوَ الْحَقُّ.
[بَابُ الْأَدْهَانِ تُصِيبُهَا النَّجَاسَةُ]
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مَحْفُوظٌ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ، يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: هَذَا خَطَأٌ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ، يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَجَزَمَ الذُّهْلِيُّ بِأَنَّ الطَّرِيقِينَ صَحِيحَتَانِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: قَالَ الْحَسَنُ: وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ خُشَيْشِ بْنِ أَصْرُمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ اللَّيْثَ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
стр. 2899
٣٦٦٦ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ الَّتِي زَادَهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فَصَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ: (فَمَاتَتْ) اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَائِعَ إذَا حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَا يُنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ: " وَمَا حَوْلَهَا " عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَامِدًا، قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَائِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَوْلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ مِنْ جَانِبٍ خَلَفَهُ غَيْرُهُ فِي الْحَالِ فَيَصِيرُ مِمَّا حَوْلَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى إلْقَائِهِ كُلِّهِ، فَمَا بَقِيَ إلَّا اعْتِبَارُ ضَابِطٍ كُلِّيٍّ فِي الْمَائِعِ وَهُوَ التَّغَيُّرُ. وَلَكِنَّهُ يَدْفَعُ هَذَا مَا فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ وَتَبْيِينِ حُكْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَضَابِطُ الْمَائِعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَتَرَادَّ بِسُرْعَةٍ إذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ " فَمَاتَتْ " عَلَى أَنَّ تَأْثِيرَهَا إنَّمَا يَكُونُ بِمَوْتِهَا فِيهِ، فَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ وَخَرَجَتْ بِلَا مَوْتٍ لَمْ يَضُرَّ، وَمَا عَدَا الْفَأْرَةَ مُلْحَقٌ بِهَا، وَكَذَلِكَ مَا يُشَابِهُ السَّمْنَ مُلْحَقٌ فَلَا عَمَلَ بِمَفْهُومِهِمَا.
وَجَمَدَ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى عَادَتِهِ قَالَ: فَلَوْ وَقَعَ غَيْرُ جِنْسِ الْفَأْرَةِ مِنْ الدَّوَابِّ فِي مَائِعٍ لَمْ يَنْجُسْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ تَقْدِيرُ مَا يُلْقَى. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ يَكُونُ قَدْرَ الْكَفِّ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ لَوْلَا إرْسَالُهُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا مِنْ التَّقْيِيدِ فِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ بِالْكَفَّيْنِ فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ ظَاهِرًا فِي الْمَائِعِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فِي الْمَائِعِ " فَلَا تَقْرَبُوهُ " عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي شَيْءٍ، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَجَازَ الِانْتِفَاعَ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ كَالشَّافِعِيَّةِ، أَوْ أَجَازَ بَيْعَهُ كَالْحَنَفِيَّةِ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِهِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ.
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِمَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: «إنْ كَانَ السَّمْنُ مَائِعًا انْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ» وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلُهُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي زَيْتٍ فَقَالَ: اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَادْهُنُوا بِهِ أُدْمَكُمْ» ، وَهَذَا السَّنَدُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْفَأْرَةَ طَاهِرَةُ الْعَيْنِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا نَجِسَةٌ.
стр. 2900
فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَاب آدَاب الْأَكْل]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَقُلْ التِّرْمِذِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ إنَّمَا قَالَ: عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أُمُّ كُلْثُومٍ اللَّيْثِيَّةُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أُمَّ كُلْثُومٍ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يُؤَوِّلُ: «إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» .
وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ قَالَ: «كُنَّا إذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لَمْ يَضَعْ أَحَدُنَا يَدَهُ فِي الطَّعَامِ حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ طَعَامًا فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يَدْفَعُ، فَذَهَبَ لِيَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّمَا تَدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا وَقَالَ: إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلَّ الطَّعَامَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِيَدِهِ فَأَخَذْت بِيَدِهِ، وَجَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِيَدِهَا فَأَخَذَتْ بِيَدِهَا، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ أَيْدِيهِمَا» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَى لَكُمْ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ حِينَ يَذْكُرُ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ طَعَامًا جَدِيدًا وَيَمْنَعُ الْخَبِيثَ مِمَّا كَانَ يُصِيبُ مِنْهُ» . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَسَيَأْتِي، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ لِلْأَكْلِ، وَأَنَّ النَّاسِيَ يَقُولُ فِي أَثْنَائِهِ: بِسْمِ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَكَذَا التَّارِكُ لِلتَّسْمِيَةِ عَمْدًا يَشْرَعُ لَهُ التَّدَارُكُ فِي أَثْنَائِهِ. قَالَ فِي الْهَدْيِ: وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرُ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا إجْمَاعَ يُسَوِّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَتَارِكُهَا يُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ اهـ.
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَكْلَ الشَّيْطَانِ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ وَفِيهِمْ ذَكَرٌ وَأُنْثَى وَأَنَّهُ يَأْكُلُ حَقِيقَةً بِيَدِهِ إذَا لَمْ يُدْفَعْ. وَقِيلَ إنَّ أَكْلَهُمْ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَةِ. وَقِيلَ إنَّ أَكْلَهُمْ
стр. 2901
٣٦٦٧ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٣٦٦٨ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٣٦٦٩ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٧٠ - (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَالنَّسَائِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
شَمٌّ وَاسْتِرْوَاحٌ، وَلَا مَلْجَأَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» .
وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَّيَاطِينُ أَجْنَاسٌ، فَخَالِصُ الْجِنِّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَهُمْ رِيحٌ، وَمِنْهُمْ جِنْسٌ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَتَوَالَدُونَ وَهُمْ السَّعَالِي وَالْغِيلَانُ وَنَحْوُهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِشِمَالِهِ، وَالنَّهْيُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ الْكَرَاهَةِ فَقَطْ إلَّا مَجَازًا مَعَ قِيَامِ صَارِفٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرًا، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْأَكْلَ أَوْ الشُّرْبَ بِالْيَمِينِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الشِّمَالِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ. . . إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْعَالَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ: هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَمْ عَلَى الْمَجَازِ. قَوْلُهُ: (الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ) لَفْظُ أَبِي دَاوُد «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ وَلَكِنْ لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَكْلِ مِنْ جَوَانِبِ الطَّعَامِ قَبْلَ وَسَطِهِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ:
стр. 2902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَعْلَى الثَّرِيدِ وَوَسَطِ الْقَصْعَةِ، وَأَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِي أَكِيلَهُ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْفَوَاكِهِ. وَتَعَقَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ فِي الْأُمِّ: فَإِنْ أَكَلَ مِمَّا يَلِيهِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الطَّعَامِ أَثِمَ بِالْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَهُ إذَا كَانَ عَالِمًا، وَاسْتُدِلَّ بِالنَّهْيِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَشَارَ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَا لَا يَأْكُلُ مِنْ وَسَطِ الرَّغِيفِ بَلْ مِنْ اسْتِدَارَتِهِ إلَّا إذَا قَلَّ الْخُبْزُ فَلْيَكْسِرْ الْخُبْزَ. وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِ الْبَرَكَةِ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ قَوْلُهُ: (تَطِيشُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ: أَيْ تَتَحَرَّكُ وَتَمْتَدُّ إلَى نَوَاحِي الصَّحْفَةِ وَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّحْفَةُ دُونَ الْقَصْعَةِ: وَهِيَ مَا تَسَعُ مَا يُشْبِعُ خَمْسَةً، وَالْقَصْعَةُ تُشْبِعُ عَشْرَةً، كَذَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ. وَقِيلَ الصَّحْفَةُ كَالْقَصْعَةِ وَجَمْعُهَا صِحَافٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثُ سُنَنٍ مِنْ سُنَنِ الْأَكْلِ وَهِيَ: التَّسْمِيَةُ، وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا، وَالثَّالِثَةُ: الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ لِأَنَّ أَكْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مُرُوءَةٍ قَدْ يَتَقَذَّرُهُ صَاحِبُهُ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَشِبْهِهَا، وَهَذَا فِي الثَّرِيدِ وَالْأَمْرَاقِ وَشِبْهِهِمَا، فَإِنْ كَانَ تَمْرًا وَأَجْنَاسًا فَقَدْ نَقَلُوا إبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ وَنَحْوِهِ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيمُ النَّهْيِ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ مُخَصَّصٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا) سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: «أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةً فَجَثَى عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيُّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا عَنِيدًا» قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ مَلَكٌ لَمْ يَأْتِهِ قَبْلَهَا فَقَالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا أَوْ مَلِكًا نَبِيًّا، قَالَ: فَنَظَرَ إلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ: بَلْ عَبْدًا نَبِيًّا، فَمَا أَكَلَ مُتَّكِئًا» اهـ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «مَا رُئِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «مَا أَكَلَ ﷺ مُتَّكِئًا إلَّا مَرَّةً ثُمَّ نَزَعَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ» وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَرَّةَ الَّتِي فِي أَثَرِ مُجَاهِدٍ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِي نَاسِخِهِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ جِبْرِيلَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا فَنَهَاهُ» .
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَهَاهُ جِبْرِيلُ عَنْ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا بَعْدَ ذَلِكَ» وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ، فَقِيلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ فِي الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ
стр. 2903
٣٦٧١ - (وَعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا طَعِمَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ وَقَالَ: إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ وَقَالَ: إنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ
ــ
[نيل الأوطار]
صِفَةٍ كَانَ، وَقِيلَ: أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ الْأَرْضِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: يَحْسِبُ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْآكِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إنِّي أَذُمُّ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِرْ مِنْ الطَّعَامِ، فَإِنِّي لَا آكُلُ إلَّا الْبُلْغَةَ مِنْ الزَّادِ فَلِذَلِكَ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا» وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ» وَالْمُرَادُ الْجُلُوسُ عَلَى وَرِكَيْهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ» قَالَ مَالِكٌ: هُوَ نَوْعٌ مِنْ الِاتِّكَاءِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي هَذَا إشَارَةٌ مِنْ مَالِكٍ إلَى كَرَاهَةِ مَا يُعَدُّ الْآكِلُ فِيهِ مُتَّكِئًا وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا. وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِ الِاتِّكَاءِ بِأَنَّهُ الْمَيْلُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لَإِنْكَارِ الْخَطَّابِيِّ ذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ مَنْ فَسَّرَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلَا وَلَا يُسِيغُهُ لِي هَنِيئًا. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا، فَزَعَمَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ. وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ: يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمُتَعَظِّمِينَ وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ بِالْمَرْءِ مَانِعٌ لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ الْآكِلُ إلَّا مُتَّكِئًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَرَاهَةٌ
، ثُمَّ سَاقَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَكَلُوا كَذَلِكَ. وَأَشَارَ إلَى حَمْلِ ذَلِكَ عَنْهُمْ عَلَى الضَّرُورَةِ، وَفِي الْحَمْلِ نَظَرٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ جَوَازَ ذَلِكَ مُطْلَقًا. وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى فَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظُهُورِ قَدَمَيْهِ أَوْ يَنْصِبَ الرِّجْلَ الْيُمْنَى وَيَجْلِسَ عَلَى الْيُسْرَى. وَاسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ مِنْ كَرَاهَةِ الْأَكْلِ مُضْطَجِعًا أَكْلَ الْبَقْلِ. وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ، وَأَقْوَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا تُكَأَةً مَخَافَةَ أَنْ تَعْظُمَ بُطُونُهُمْ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ بَقِيَّةُ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَخْبَارِ. وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْأَثِيرِ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ.
стр. 2904
وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٣٦٧٢ - (وَعَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «ضِفْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، قَالَ: فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحْتَزُّ لِي بِهَا مِنْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٣٦٧٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ أُدُمٍ؟ قَالُوا: لَا إلَّا شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: هَاتُوهُ فَنِعْمَ الْأُدْمُ هُوَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد فِي بَابِ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ عَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «ضِفْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ، قَالَ: فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ: فَأَلْقَى السِّكِّينَ وَقَالَ: مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ، وَقَامَ يُصَلِّي» زَادَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ " وَكَانَ بِشَارِبِي وَفَاءٌ فَقَصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ أَوْ قَالَ: أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ " قَوْلُهُ: (لَعِقَ أَصَابِعَهُ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ مُحَافَظَةً عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ وَتَنْظِيفًا، وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا يَضُمُّ إلَيْهَا الرَّابِعَةَ وَالْخَامِسَةَ إلَّا لِعُذْرٍ بِأَنْ يَكُونَ مَرَقًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ بِثَلَاثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ قَوْلُهُ: (فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ أَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ بَعْدَ مَسْحِ أَذًى يُصِيبُهَا، هَذَا إذَا لَمْ تَقَعْ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا إنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَالَ النَّوَوِيُّ: أَطْعَمَهَا حَيَوَانًا وَلَا يَتْرُكُهَا لِلشَّيْطَانِ قَوْلُهُ: (أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ) قَالَ الْخَطَّابِيِّ: سَلْتُ الْقَصْعَةِ تَتَبُّعُ مَا يَبْقَى فِيهَا مِنْ الطَّعَامِ.
وَفِيهِ أَنَّ لَعْقَ الْقَصْعَةِ مَشْرُوعٌ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَقِبَهُ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِهِمْ الْبَرَكَةُ: أَيْ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي يَحْضُرُ الْإِنْسَانَ فِيهِ بَرَكَةٌ، وَلَا يُدْرَى هَلْ الْبَرَكَةُ فِيمَا أُكِلَ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعِهِ أَوْ فِيمَا بَقِيَ فِي أَسْفَلِ الْقَصْعَةِ أَوْ فِي اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ، وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ وَثُبُوتُ الْخَيْرِ وَالْإِمْتَاعُ بِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُرَادُ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا تَحْصُلُ بِهِ التَّغْذِيَةُ وَتَسْلَمُ
стр. 2905
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
عَاقِبَتُهُ مِنْ أَذًى وَيُقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ اسْتِغْفَارِ الْقَصْعَةِ قَرِيبًا وَهُوَ صَالِحٌ لِلتَّعْلِيلِ بِهِ قَوْلُهُ: (ضِفْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ ضَافَ يَضِيفُ مِثْلُ بَاعَ يَبِيعُ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذَا نَزَلْتُ بِهِ فِي ضِيَافَتِهِ. وَقَالَ فِي الضِّيَاءِ: إذَا تَعَرَّضَ بِهِ لِيُضِيفَهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَأَضَفْتُهُ إذَا أَنْزَلْتُهُ، وَتَضَيَّفْتُهُ إذَا نَزَلْتُ بِهِ قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحْتَزُّ لِي بِهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ، وَانْهَشُوهُ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» . وَيُؤَيِّدُ حَدِيثَ الْبَابِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ فِي إسْنَادِهِ أَبُو مَعْشَرٍ السِّنْدِيَّ الْمَدَنِيُّ وَاسْمُهُ نَجِيحٌ، كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ وَيَسْتَضْعِفُهُ جِدَّا وَيَضْحَكُ إذَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: أَبُو مَعْشَرٍ لَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ مِنْهَا هَذَا. وَمِنْهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ " وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: صَدُوقٌ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَا يُعَادِلُ مَا عَارَضَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَحَدِيثِ الْبَابِ. وَيُرْوَى عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَالَ: لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ قُرْصًا. . . إلَخْ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ عَلَى الطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ قَوْلُهُ: (هَلْ مِنْ أُدُمٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْإِدَامُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ: مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ، يُقَالُ أَدَّمَ الْخُبْزَ يَأْدِمُهُ بِكَسْرِ الدَّالِ، وَجَمْعُ الْإِدَامِ أُدُمٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ كَإِهَابٍ وَأُهُبٍ وَكِتَابِ وَكُتُبِ، وَالْأُدْمُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ مُفْرَدٌ كَالْإِدَامِ، كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَى الْحَدِيثِ مَدْحُ الِاقْتِصَارِ فِي الْمَأْكَلِ وَمَنْعُ النَّفْسِ عَنْ مَلَاذِ الْأَطْعِمَةِ تَقْدِيرُهُ ائْتَدِمُوا بِالْخَلِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَخِفُّ مُؤْنَتُهُ وَلَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَلَا تَتَأَنَّقُوا فِي الشَّهَوَاتِ فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلدِّينِ مُسْقِمَةٌ لِلْبَدَنِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ أَنَّهُ مَدْحٌ لِلْخَلِّ نَفْسِهِ. وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ فِي الْمَطْعَمِ وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ فَمَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدَ أُخَرَ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ جَابِرٍ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَهُوَ كَقَوْلِ أَنَسٍ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَدْحٌ لِلْخَلِّ نَفْسِهِ، وَقَدْ كَرَّرْنَا مَرَّاتٍ أَنَّ تَأْوِيلَ الرَّاوِي إذَا لَمْ يُخَالِفْ الظَّاهِرَ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَالْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَهَذَا كَذَلِكَ، بَلْ تَأْوِيلُ الرَّاوِي هُنَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَيَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ اهـ.
وَقِيلَ وَهُوَ الصَّوَابُ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَفْضِيلٌ عَلَى اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَدْحٌ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي حَضَرَ فِيهَا، وَلَوْ حَضَرَ لَحْمٌ أَوْ لَبَنٌ لَكَانَ أَوْلَى بِالْمَدْحِ مِنْهُ.
стр. 2906
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ صَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَأَرْسَلَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ : ائْتِنِي أَنْتَ وَخَمْسَةٌ مَعَكَ، قَالَ: فَبَعَثَ إلَيْهِ: أَنْ ائْذَنْ لِي فِي السَّادِسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٣٦٧٥ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ.: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ فِيهِ: " بِالْمِنْدِيلِ ") .
٣٦٧٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: إنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٣٦٧٧ - (وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْخَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، ثُمَّ لَحِسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٣٦٧٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، فَقَالَ لَا، لَقَدْ كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ إلَّا قَلِيلًا، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إلَّا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا ثُمَّ نُصَلِّي وَلَا نَتَوَضَّأُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
٣٦٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ نُبَيْشَةَ الْخَيْرِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْمُعَلَّى بْنُ رَاشِدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أُمُّ عَاصِمٍ وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِسِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ وَنَحْنُ نَأْكُلُ فِي قَصْعَةٍ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ لَحِسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ الْمُعَلَّى بْنِ رَاشِدٍ، وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَنْ الْمُعَلَّى بْنِ رَاشِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ اهـ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَرِجَالُ إسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا، وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ
стр. 2907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ غَرِيبٌ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ: (فَبَعَثَ إلَيْهِ أَنْ ائْذَنْ لِي فِي السَّادِسِ) فِيهِ أَنَّ الْمَدْعُوَّ إذَا تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْذَنَ لَهُ وَلَا يَنْهَاهُ، وَإِذَا بَلَغَ بَابَ دَارِ صَاحِبِ الطَّعَامِ أَعْلَمَهُ بِهِ لِيَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ، وَأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ إنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى حُضُورهِ مَفْسَدَةٌ بِأَنْ يُؤْذِيَ الْحَاضِرِينَ أَوْ يُشِيعَ عَنْهُمْ مَا يَكْرَهُونَهُ أَوْ يَكُونَ جُلُوسُهُ مَعَهُمْ مُزْرِيًا بِهِمْ لِشُهْرَتِهِ بِالْفُسُوقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ خِيفَ مِنْ حُضُورِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَلَطَّفَ فِي رَدِّهِ وَلَوْ بِإِعْطَائِهِ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ إنْ كَانَ يَلِيقُ بِهِ لِيَكُونَ رَدًّا جَمِيلًا، كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: (فَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْيَدَ عَلَى الْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ " لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ " وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ بِلَفْظِ «يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْلِقَ عَلَى جَمِيعِ أَصَابِعِ الْيَدِ. لِأَنَّ الْغَالِبَ اتِّصَالُ شَيْءٍ مِنْ آثَارِ الطَّعَامِ بِجَمِيعِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْكَفِّ كُلِّهَا.
قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ الْأَوْلَى فَيَشْمَلُ الْحُكْمُ مَنْ أَكَلَ بِكَفِّهِ بِكُلِّهَا أَوْ بِأَصَابِعِهِ فَقَطْ أَوْ بِبَعْضِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: يَدُلُّ عَلَى الْأَكْلِ بِالْكَفِّ كُلِّهَا «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَعَرَّقُ الْعَظْمَ وَيَنْهَشُ اللَّحْمَ» وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ عَادَةً إلَّا بِالْكَفِّ كُلِّهَا، قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بِالثَّلَاثِ، سَلَّمْنَا لَكِنْ هُوَ مُمْسِكٌ بِكَفِّهِ كُلِّهَا لَا آكِلٌ بِهَا، سَلَّمْنَا لَكِنْ مَحِلُّ الضَّرُورَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ السُّنَّةَ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا جَائِزًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ إذَا أَكَلَ لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ. قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ الشَّرَهِ وَسُوءِ الْأَدَبِ وَتَكْبِيرُ اللُّقَمِ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى ذَلِكَ لَجَمْعِهِ اللُّقْمَةِ وَإِمْسَاكهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيفِهِ بِالثَّلَاثِ فَيَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ: (حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا) الْأَوَّلُ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ، وَالثَّانِي بِضَمِّهَا: أَيْ يُلْعِقَهَا زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ أَوْ خَادِمَهُ أَوْ وَلَدَهُ، وَكَذَا مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ كَتِلْمِيذٍ يَعْتَقِدُ الْبَرَكَةَ بِلَعْقِهَا. وَكَذَا لَوْ أَلْعَقَهَا شَاةً وَنَحْوَهَا.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ " أَوْ يُلْعِقَهَا " شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مَحْفُوظِينَ فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُلْعِقَهَا صَغِيرًا أَوْ مَنْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَتَقَذَّرُ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُلْعِقَ أُصْبُعَهُ فَمَهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى يَلْعَقُهَا فَتَكُونُ أَوْ لِلشَّكِّ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: جَاءَتْ عِلَّةُ هَذَا مُبَيِّنَةً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ، وَقَدْ يُعَلَّلُ أَنَّ مَسْحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ زِيَادَةُ تَلْوِيثٍ لِمَا يُمْسَحُ بِهِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالرِّيقِ، لَكِنْ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ بِالتَّعْلِيلِ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ، وَقَدْ عَرَفْتُ
стр. 2908
٣٦٨٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
٣٦٨١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ)
ــ
[نيل الأوطار]
أَنَّهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْبَابِ قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِيهِ بِالْمِنْدِيلِ) هُوَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ " فَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ " وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَادِيلُ، وَمَفْهُومُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَهُمْ مَنَادِيلُ لَمَسَحُوا بِهَا قَوْلُهُ: (اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ) فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْقِرَبِ الَّتِي يَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ اسْتِغْفَارَ الْقَصْعَةِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الْفِعْلِ مِمَّا يُثَابُ عَلَيْهِ الْفَاعِلُ قَوْلُهُ: (إلَّا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا) فِيهِ الْإِخْبَارُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃ مِنْ التَّقَلُّلِ مِنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيهَا وَالِانْتِفَاعِ بِالْأَكُفِّ وَالسَّوَاعِدِ كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُمْ بِالْمَنَادِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ قَوْلُهُ: (غَمَرَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ مَعًا: هُوَ رِيحٌ دَسِمُ اللَّحْمِ وَزُهُومَتُهُ كَالْوَضَرِ مِنْ السَّمْنِ، ذُكِرَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) إطْلَاقُهُ يَقْتَضِي حُصُولَ السُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ.
قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَالْأَوْلَى غَسْلُ الْيَدِ مِنْهُ بِالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا قَوْلُهُ: (وَأَصَابَهُ شَيْءٌ) فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ» أَيْ بَرَصٌ قَوْلُهُ: (فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ الَّذِي فَرَّطَ بِتَرْكِ الْغُسْلِ فَأَتَى الشَّيْطَانُ فَلَحِسَ يَدَهُ فَوَقَعَ بِهَا الْبَرَصُ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الشَّيْطَانَ حَسَّاسٌ لَحَّاسٌ فَاحْذَرُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ غَسْلِ الْيَدِ بِأَكْلِ اللَّحْمِ، فَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ اللُّحُومِ شَيْئًا فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ مِنْ رِيحِ وَضَرِهِ» .
стр. 2909
٣٦٨٢ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
٣٦٨٣ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ» ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِي مَكَانَ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ غَيْرَ اللَّبَنِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[أَفْضَل الطَّعَام وَالشَّرَاب]
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ، وَسَاقَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَقَدْ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ السُّلَمِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَقْبُرِيِّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَلَكِنْ لَفْظُ أَبِي دَاوُد: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِي مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَّا اللَّبَنَ» وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِي مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ» وَقَدْ حَسَّنَ هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَرْمَلَةَ، وَقَدْ ضَعَّفَ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ. وَعُمَرُ بْنُ حَرْمَلَةَ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ فَقَالَ: بَصْرِيُّ لَا أَعْرِفَهُ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: (إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ) قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ عَلَى خُوَانٍ قَطُّ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَالْمَائِدَةُ: هِيَ خُوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَنَسًا مَا رَأَى ذَلِكَ وَرَآهُ غَيْرُهُ وَالْمُثْبَتُ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَائِدَةُ وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ الطَّعَامِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أُكِلَ الطَّعَامُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ رُفِعَ قِيلَ رُفِعَتْ الْمَائِدَةُ قَوْلُهُ: (غَيْرَ مَكْفِيٍّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
стр. 2910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ، فَالْمَعْنَى غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَيْهِ إنْعَامُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكِفَايَةِ: أَيْ أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مَكْفِيٍّ رِزْقَ عِبَادِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِيهِمْ أَحَدٌ غَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَيْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى أَحَدٍ لَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْعِمُ عِبَادَهُ وَيَكْفِيهِمْ هَذَا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ. وَقَالَ الْقَزَّازُ: مَعْنَاهُ أَنَا غَيْرُ مُكْتَفٍ بِنَفْسِي عَنْ كِفَايَتِهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ لَمْ أَكْتَفِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ مَفْعُولًا بِمَعْنَى مُفْتَعَلٌ فِيهِ بُعْدٌ وَخُرُوجٌ عَنْ الظَّاهِرِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْحَمْدِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: الضَّمِيرُ لِلطَّعَامِ، وَمَكْفِيٌّ بِمَعْنَى مَقْلُوبٌ مِنْ الْإِكْفَاءِ وَهُوَ الْقَلْبُ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ غَيْرُ مُكَافَأٍ بِالْهَمْزِ: أَيْ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تَكَافَأَ اهـ. وَقَدْ ثَبَتَ هَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا لَفْظُ " كَفَانَا " الْوَاقِعُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ يَعُودُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلَا رَيْبٍ، إذْ هُوَ تَعَالَى هُوَ الْكَافِي لَا الْمَكْفِيُّ، وَكَفَانَا هُوَ مِنْ الْكِفَايَةِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَأَرْوَانَا عَلَى هَذَا مِنْ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ " وَآوَانَا " بِالْمَدِّ مِنْ الْإِيوَاءِ قَوْلُهُ: (وَلَا مُوَدَّعٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ الثَّقِيلَةِ: أَيْ غَيْرَ مَتْرُوكٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ الْقَائِلِ: أَيْ غَيْرَ تَارِكٍ قَوْلُهُ: (وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالتَّنْوِينِ قَوْلُهُ: (رَبُّنَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ هُوَ رَبُّنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ أَوْ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إضْمَارِ أَعْنِي.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى الْبَدَلِ مِنْ الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ " وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رَبَّنَا بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ مَعَ حَذْفِ أَدَاةِ النِّدَاءِ قَوْلُهُ: (وَلَا مَكْفُورٍ) أَيْ مَجْحُودٍ فَضْلُهُ وَنِعْمَتُهُ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ: (إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) لَفْظُ أَبِي دَاوُد " كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ " وَالْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنْ الطَّعَامِ وَسَقَى مِنْ الشَّرَابِ وَكَسَا مِنْ الْعُرْيِ وَهَدَى مِنْ الضَّلَالَةِ وَبَصَّرَ مِنْ الْعَمَى وَفَضَّلَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا» قَوْلُهُ: (وَزِدْنَا مِنْهُ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ خَيْرٌ مِنْ اللَّبَنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الْعَسَلِ الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ اللَّبَنَ بِاعْتِبَارِ التَّغَذِّي وَالرِّيِّ خَيْرٌ مِنْ الْعَسَلِ وَمُرَجَّحٌ عَلَيْهِ، وَالْعَسَلُ بِاعْتِبَارِ التَّدَاوِي مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَبِاعْتِبَارِ الْحَلَاوَةِ مُرَجَّحٌ عَلَى اللَّبَنِ، فَفِي كُلِّ مِنْهُمَا خُصُوصِيَّةٌ يَتَرَجَّحُ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ وَزِدْنَا لَبَنًا مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ لَبَنُ الْجَنَّةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَيْسَ يُجْزِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ الطَّعَامِ: أَيْ بَدَلَ الطَّعَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أَيْ بَدَلَهَا.
следующие страницы →