← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9247

المنهج المقترح لفهم المصطلح

حاتم العوني

Полный текст (278 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والفارق بين كل تقسيم وآخر أن الواجب على صاحب كل تقسيم أن يستوعب أقسامه، دون أمثلته، وهذا ما وقع للشافعي. فعندما تكلم عن الحجة، من حيث الحكم المستنبط منها، هل هو قطعي أم ظني؛ استوعب هذين القسمين. فمثل للحجة المفيدة لحكم قطعي: بنص الكتاب ونص السنة المجتمع عليها، لأنهما جمعا قطعية الثبوت والدلالة. ومثل لحجة المفيدة لحكم ظني: بخبر خاصةٍ محتملٍ للتأويل لا يعرف إلا من جهة راوٍ واحد (حديث غريب) ، يشير بذلك إلى أنه ظني الدلالة والثبوت. فواضح من تمثيله أنه ترك: قطعي الثبوت ظني الدلالة، وقطعي الدلالة ظني الثبوت، وهما في الحقيقة مثالاان من أمثلة القسم الثاني عند الشافعي وهو الحجة المفيدة لحكمٍ غير مقطوع به. إذن فلا يعني تقسيم الشافعي ذاك أن كل خبر خاصةٍ (آحادٍ) يفيد عنده (الظن) ، لأنه لم يقل ذلك، ولم يقل ما يدل على ذلك. وقد تعقب ابن قيم الجوزية كلام الشافعي هذا بنحو ما ذكرنا، فقال في (الصواعق المرسلة) : ((فهذا نصه في خبرٍ يحتمل التأويل، ليس معه غير كونه خبر واحد، وهذا لا تنازع فيه، فإنه يحتمل سنداً ومتناً)) (١) . الوقفة الثانية: أن (خبر الخاصة) عند الشافعي، كما عند جميع المحدثين، هو أحاديث النبي ﷺ كلها، ما سماه الأصوليون بـ (المتواتر) وما سموه بـ (الآحاد) . كما سبق إثباته

стр. 142

بتوسع (١) ، وكما نقلناه من تفسير البيهقي أيضاً لكالم الشافعي (٢) . وإذا كان الأصوليون يستفيدون من بعض (خبر الخاصة) علماً، فأهل الحديث (والشافعي على رأسهم) أولى بذلك وبما فوقه. ولا يعقل أن يكون الشافعي لا يستفيد علماً من كل أحاديث النبي ﷺ ، ويستفيد العلم من كثيرٍ منها الجهلاء بالسنة من أهل الكلام!! الوقفة الثالثة: أن الشافعي لم يطلق على (خبر الخاصة) أنه يفيد (الظن المودب للعمل دون العلم) ، ولم يتلفظ بهذه الألفاظ. أما حكم الشافعي على (خبر الخاصة) ، كما في النقل الثاني عنه، فهو أنه يفيد (الحق في الظاهر) . والحق في اللغة: نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره (٣) . فأين (الحق من (الظن) ؟!! وأما أنه (لا يفيد العلم) ، فيكيف؟! والشافعي يقول في فاتحة كلامه: (( (العلم) من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر)) . ويؤكد الشافعي أن (خبر الواحد) مفيد للعلم في كتابٍ آخر له، هو كتاب (اختلافه ومالك) . حيث ذكر مناظرةً له مع من لم

стр. 143

يقبل خبر الواحد فيما إذا خالفته فتوى بعض الصحابة، فقال الشافعي: ((أرأيت إن قال لك قائل: أتهم جميع ما رويت (يعني ما فتاوى الصحابة) عمن رويته عنه، فأخاف غلط كل محدثٍ منهم عمن حدث عنه، إذا روي عن النبي ﷺ خلافه. قال: لا يجوز أن يتهم حديث أهل الثقة. قلت: فهل رواه عن أحدٍ منهم إلا واحد عن واحد؟ قال: نعم. قلت: رواه عن النبي ﷺ واحد عن واحد؟ قال: نعم. قلت: وعلمنا بأن النبي ﷺ قاله، علمنا بأن من سمينا قاله؟ قال: نعم. قلت: فإذا استوى العلمان من خبر الصادقين، أيهما كان أولى بنا أن نصير إليه؟ آلخبر عن رسول الله ﷺ أولى بأن نأخذ به؟ أم الخبر عمن دون؟ قال: بل الخبر عن رسول الله ﷺ إن ثبت. قلت: ثبوتهما واحد. قال: فالخبر عن رسول الله ﷺ أولى أن يصار إليه. وإن أدخلتم على المخبرين عنه أنهم يمكن فيهم الغلط،

стр. 144

دخل عليكم في كل حديثٍ روي مخالفٍ الحديث الذي جاء عن رسول الله ﷺ . فإن قلتم: ثبت بخبر الصادقين، قلنا: فما ثبت عن النبي ﷺ أولى عندنا أن يؤخذ أن يؤخذ به)) (١) قال ابن قيم الجوزية معلقاًً على كلام الشافعي هذا، في (الصواعق المرسلة) : ((فقد نص ـ كما ترى ـ بأنه إذا رواه واحد عن واحد عن النبي ﷺ يعلم أن النبي ﷺ قال، بصدق الراوي عندنا. ولا يناقض هذا نصه في (الرسالة) ، فإنه نفى هناك أن يكون العلم المستفاد منه مساوياً للعلم المستفاد من نص الكتاب وخبر التواتر، وهذا حق، فإن العلم يتفاوت في القوة والضعف)) (٢) . الوقفة الرابعة: أنه على افتراض أن قوله (حق في الظاهر) تساوي (الظن الموجب للعمل دون العلم) عند الأصوليين، فإن هذا يكون حكم (خبر الخاصة) بنفسه دون احتفافه بالقرائن. وهذا هو الواجب أن نصير إليه، فيمالو أطلق الإمام الشافعي على (خبر الخاصة) أنه يفيد (الظن) ، فضلاً عن إطلاقه عليه أنه يفيد (الحق في الظاهر) . لأنه لو أطلق على (خبر الخاصة) غير المحتف بالقرائن، ولا يجوز غير هذا المحمل. لأنه كما قدمنا في الوقفة الثانية: أن من (خبر الخاصة) (المتواتر) و (خبر الواحد) المحتف بالقرائن، وهما عند الأصوليين يفيدان العلم، فأنى لا يفيدانه للشافعي؟! ونرجع حينها إلى الفرق بين العبارتين المتحدتين في

стр. 145

المعنى، في تعظيم السنة، وحياطة حرمتها: (حق في الظاهر) ، و (ظن يوجب العمل دون العلم) !! بل يقول الشافعي عن الخبر المحتمل للتأويل والغريب في إسناده: ((فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصاً منه)) ، كما سبق في النقل الأول عنه. فلاحظ الفرق بين العبارات في الأدب والتعظيم والإجلال للسن!!! الوقفة الخامسة: أن الإمام الشافعي لا يقيس (خبر الواحد العدل) على (شهادة العدلين) عند القضاة. وقد نص الإمام الشافعي على ذلك، عندما بدأ حجاجه في إثبات حجية خبر الواحد، طلب خصم الشافعي منه أن يوضح له حجية (خبر الواحد) بقياسه على أمرٍ معروف عندهما. فقال له الشافعي: ((أتريد أن أخبرك بشيء يكون هذا قياساً عليه؟ قال: نعم! (قال الشافعي:) قلت: هذا أصل في نفسه، فلا يكون قياساً على غيره، لأن القياس أضعف من الأصل)) (١) . ثم بعد ذلك بين الشافعي لخصمه ما تختلف فيها الشههادا عن (خبر الواحد) ، وما يتفقان فيه. فقال في باب بيان وجوه الاختلاف: ((ثم يكون بشر كلهم تجوز شهادته، ولا أقبل حديثه، من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الإحالة وإزالة بعض المعاني)) (٢) .

стр. 146

فبين بهذا أنه يحتاط للرواية ما لا يحتاطه في الشهادة. بل وذكر الإمام الشافعي أمثلةً للقرائن التي ترفع إفادة (خبر الواحد) عن (شهادة العدلين) مما لا يتوفر مثلها إلا لـ (خبر الواحد) . فقال في (جماع العلم) : ((فإن كنت أمرت بذلك (يعني: تقديم الحكم الثابت بغير إحاطة على الثابت بإحاطة) على صدق الشاهدين في الظاهر، فقبلتهما على الظاهر، ولا يعلم الغيب إلا الله. وإنا لنظلب من المحدث أكثر مما نطلب من الشاهد، فنجيز شهادة بشرٍ لا نقبل حديث واحدٍ منهم. ونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ، وبالكتاب والسنة؛ ففي هذا دلالات، ولا يمكن هذا في الشهادات)) (١) . بهذا الكلام القاطع، يبين الإمام الشافعي قوة إفادة (خبر الواحد) العدل على إفادة (شهادة العدلين) مطلقاً، أي إفادة (خبر الواحد) نفسه دون القرائن. ثم أشار إلى بعض القرائن التي تحتف بـ (خبر الواحد) ـ ولا يمكن مثلها في (الشهادات) ـ فتقوي خبر الواحد، وتبلغه إلى درجة إفادة (العلم) في كثيرٍ من الأحيان. هذا مع أنه يكن أن تحتف بـ (الشهادة) قرائن ـ يمكن مثلها في (خبر الواحد) ـ فتقوي (الشهادة) لتفيد العلم كذلك! فليس حكم الشهادة أنها تفيد (الظن) مطلقاً أيضاً!! وعلى هذا، فلو قاس الإمام الشافعي ( خبر الواحد) على (الشهادة) ، لكان القياس من هذه الجهة مقبولاً. لكن الشافعي لم يقس، ولم يرض هذا القياس! ولك أن تتفكر في سبب ذلك!!!

стр. 147

الوقفة السادسة: أن الإمام الشافعي نص على أن (خبر الواحد) حق وحجة يلزم العالمين وأهل العلم منهم أن يصيروا إليه، هذا هو حكم (خبر الواحد) مطلقاً عند الشافعي. إذن: فهو حجة عنده في العقائد والأحكام، والأصول والفروع!! أولاً: بدلالة إطلاقه السابق ذكره. ثانياً: لعدم ذكره لهذا التقسيم في كتبه، ولعدم اعتباره في شيءٍ من كلامه الاعتبار الدال على ذلك التفريق: بين الأصول والفروع. ثالثاً: ولأن هذا التقسيم إلى أصول وفروع تقسيم مبتدع وقول باطل مستحدث، كما سبق بيانه (١) . فحاشا الشافعي أن يتلفت إليه! وكذب من زعم هذا عليه!! وبهذا ننتهي من وقفاتنا مع كلام الشافعي ﵀ ، بأن خرجنا منها بما دخلنا به، وهو أن الشافعي علم السنة وفقيه الملة!! وهنا ننتهي أيضاً من هذا المثال، الذي إنما سقناه لبيان تأثير (أصول الفقه) بما درسته من (علوم السنة) على (علوم السنة) وقد كان ـ بحمد الله ـ مثالاً حافلاً لما أردت التدليل به عليه، ودليلاً ماثلاً لما كنت ذهبت إليه.

стр. 148

المبحث الثالث: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الثانية للتأثير عليها وهذا هو المثال الثاني، وهو للنافذة الثانية لأصول الفقه في التأثير على علوم السنة، وهي النافذة غير المباشرة: من خلال المنهج الذي بثته في الأوساط العلمية، ومن خلال أثر المنطق اليوناني شبعت به أساليب التفكير والتأليف لدى العلماء. وتوضيح ذلك: لقد تقدم أن علاقة أصول الفقه بالمنطق علاقة فرع بأصل، وبناءٍ بأساس. إلى درجة أن كثيراً من كتب أصول الفقه تقدم بمقدمة في علم المنطق الخالص، ليساعد على فهم أصول الفقه بعده. وتقدم أيضاً أن علم أصول الفقه، بشرف موضوعه وغايته، فرض نفسه على الساحة العلمية، واحتوى بمسائله ومباحثه عقول عامة أهل العلم، من القرن الرابع، أو أواخره، ولم يزل اتساع ساحته واحتواؤه ونفوذه في ازدياد عبر القرون المتتابعة. وعلم هذه أهميته، وهذا سلطانه، وتلك مملكته، قائم على علم المنطق، ومنبثق منه، ومتشقق عليه؛ هل سيسمح لأحدٍ من أهل العلم أن ينجو من أن يطبع عليه بطابعه؟!

стр. 149

فبكل وضوح: إن غالب من يتعلم أصول الفقه، ويتعمق فيها، فهو إنما يتعمق في علم المنطق معها، ويتشرب منهجه وأسلوبه وتفكيره (وليس منهجه وأسلوبه وتفكيره محذوراً محظوراً دائماً) . وأوضح مثالٍ لتأثير العام لعلم المنطق على الأوساط العلمية، بفنونها المختلفة، تأثيره عليها بصناعة المعرفات المنطقية أو ما يسمى بالأقوال الشارحة: بحدودها ورسومها. فإنك لا تكاد تجد علماً من العلوم الإسلامية: شرعيةً، أو لغوية ً، أو غيرها، إلا ولصناعة الحدود والرسوم فيها أثر بارز، لا تخفى على أحدٍ ملامحه عليها وقسماته. وقد بينت فيما تقدم أني هنا لست أعادي علم المنطق لأنه علم المنطق، لكني هنا أعادي تسليط معاييره الأجنبية على كثيرٍ من العلوم الإسلامية عليها. أما علم المنطق، فقد سئل عنه ابن الصلاح وعن الفلسفة، وعن حكم استعمالها في إثبات الأحكام الشرعية بالاصطلاحات المنطقية؟ فقال ابن الصلاح، كما أنقله لك من (فتاويه) ، بعد أن ذم الفلسفة بمثل قوله عنها: ((رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة)) ؛ فقال عن المنطق: ((وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشرع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسف الصالحين، وسائر من يقتدى بهم من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها. وقد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه، وطهرهم من أوضاره. وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية: فمن المنكرات المستبشعة، والرقاعات المستحثة. وليست بالأحكام الشرعية ـ بحمد الله ـ افتقار إلى المنطق أصلاً.

стр. 150

وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والرهان: فقايع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن، لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية ... )) (١) ـ إلى آخر الفتوى. أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فله كتابه (نقض المنطق) ، الذي لو فعلت ما أحب، لنقلته كله! ومن ألطف ما قاله عن المنطق، وصفه له، بأن: ((فيه مواضع كثيرةً هي: لحم جمل غث، على رأس جبل وعرٍ، لا سهلٍ فيرتقى، ولا سمينٍ فينتقل)) (٢) . ومثله في اللطافة، قوله عنه ـ كما في (مجموع الفتاوى) ـ: ((البليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه)) (٣) . وقال أيضاً: ((ولهذا مازال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله، وينهون عنه وعن أهله. حتى رأيت للمتأخرين فتيا، فيها خطوط جماعةٍ من أعيان زمانهم، من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم، فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله)) (٤) . وقال أيضاً: ((وما العلوم الموروثة عن الأنبياء صرفاً، وإن كان الفقه وأصوله متصلاً بذلك، فهي أجل وأعظم من أن يظن أن لأهلها التفاتاً إلى علم المنطق. إذ ليس في القرون الثلاثة من

стр. 151

هذه الأمة، التي هي خير أمةٍ أخرجت للناس ـ وافضلها القرون الثلاثة ـ: من كان يلتفت إلى المنطق أو يعرج عليه ... (إلى أن قال:) بل إدخال صناعة المنطق في العلوم الصحيحة: يطول العبارة، ويبعد الإشارة، ويجعل القريب من العلم بعيداً، واليسير منه عسيراً. ولهذا تجد من أدخله في الخلاف والكلام وأصول الفقه وغير ذلك، لم يفد إلا كثرة الكلام والتشقيق، مع قلة العلم والتحقيق. فعلم أنه من أعظم حشو الكلام، وأبعد الأشياء عن طريقة ذوي الأحلام)) (١) . ثم عقد شيخ الإسلام فصلاً عن المعرفات (بحدودها ورسومها) ، فأبطل مزاعم المناطقة فيها، في شأن أنهم يفيدون منها تصور الحقائق، وكيفية ذلك، وغير ذلك من المزاعم؛ فأبطلها من ستة عشر وجهاً (٢) . وقال ﵀ في مقدمة ذلك: ((وكلامهم لا يخلو من تكلف: إما في العلم، وإما في القول. فإما أن يتكلفوا علم ما لا يعلمونه (٣) ، فيتكلمون بغير علم. أو يكون الشيء معلوماً فيتكلفون من بيانه ما هو زيادة حشوٍ وعناءٍ وتطويل طريق (٤) ؛ وهذا من المنكر المذموم في الشرع والعقل، قال تعلى: (قل مآ أسئلكم عليه من أجرٍ ومآ أنا من المتكلفين) (٥)) (٦)

стр. 152

وقال في (الوجه الثالث) من وجوه رد مزاعمهم حول المعرفات: ((إن المتكلمين بالحدود طائفة قليلة من بني آدم، لا سيما الصناعة المنطقية ... ومن المعلوم أن علوم بني آدم ـ عامتهم وخاصتهم ـ حاصلة بدون ذلك. فطل قولهم: إن المعرفة متوقفة عليها ... (إلى أن قال:) وكذلك الحدود التي يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة، وغير ذلك من معاني الأسماء المتداولة بينهم. وكذلك الحدود التي يتكلفها الناظرون في أصول الفقه، لمثل الخبر والقياس والعلم، وغير ذلك = لم يدخل فيها إلا من ليس بإمامٍ في الفن! وإلى الساعة لم يسلم لهم حد!!)) (١) . وقال بعد ذلك: ((فأما الأشياء المعلومة، التي ليس في زيادة وصفها إلا: كثرة الكلام، وتفيهق، وتشدق، وتكبر، والإفصاح بذكر الأشياء التي يستقبح ذكرها = فهذا مما نهي عنه، كما جاء في الحديث: ((إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها)) (٢) ... (إلى أن قال:) وعامة الحدود المنطقية هي في هذا الباب: حشو لكلام كثير، يبينون به الأشياء، وهي قبل بيانهم أبين منها بعد بيانهم. فهي مع كثرة ما فيها من تضييع الزمان وإتعاب الفكر واللسان، لا توجب إلا العمى والضلال، وتفتح باب المراء والجدال، إذ كل منهم يورد على حد الآخر من الأسئلة ما يفسد به، ويزعم سلامة حده ... )) (٣) .

стр. 153

ثم ختم شيخ الإسلام كتابه (نقض المنطق) بقوله: ((فإنه كان كثير من فضلاء المسلمين وعلمائهم يقولون: المنطق كالحساب ونحوه، مما لا يعلم به صحة الإسلام ولا فساده ولا ثبوته ولا انتفاؤه. فهذا كلام من رأى ظاهرة ... وإلا فالتحقيق: أنه مشتمل على أمورٍ فاسدةٍ، ودعاوى باطلةٍ كثيرةٍ، لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين)) (١) . فهذا كلام علماء الإسلام في المنطق، وفي صناعة المعرفات المنطقية، وأثرها على العلوم الإسلامية. وهذا ما منه أحذر! فإنه إن كانت صناعة المعرفات المنطقية بذاتها ليست جزماً لا يقترب، إلا أن التنطع والتكليف الذي بنيت عليه، لا يناسب كثيراً اليسر والسليقة العربية التي أنتجت مصطلحات العلوم الإسلامية، مثل مصطلح الحديث. تلك المصطلحات ذات المدلولات الواسعة الفضفاضة، المرتكزة على المعنى اللغوي الأصلي للكلمة، القريبة منه كل القرب، غير المجتثة منه: كما قد يحصل في العلوم المترجمة إلى اللغة العربية من الألسن الأخرى. وقد قرر ذلك أيضاً الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني (ت ٨٤٠هـ) في كتابه (تنقيح الأنظار) ، حيث قال في معرض ذكره للاختلاف في تعريف الحديث (الحسن) ، قال:

стр. 154

((وذكر الحدود المحققة أمر أجنبي عن هذا الفن، فلا حاجة إلى التطويل فيه)) (١) . فإذا كانت صناعة المعرفات المنطقية أجنبية عن مصطلح الحديث، وتباينه في نسبها (العربي) وسحنتها (اليسر والبعد عن التكلف) = فلن يكون في تسليط معاييرها عليه ـ في الغالب ـ إلا جور عليها: بتحجير واسعها، أو توسيع ضيقها. وفي أقل الأحوال: أن تطول الطريق إلى معرفة الصواب، بما أشار إليه شيخ الإسلام من كثرة الاعتراضات على المعرفات، وتسويد الصفحة والصفحات في ذلك. مع أنهم يزعمون أنهم يسعون للتعريف المختصر المحرر بالجمع والمنع، وينتقدون التعريف المطول بالشرح والمثل. فلو أنهم كتبوا تعريفاً في نصف صفحة، يقوم بالمقصود، ألم يكن خيراً من تلك الصفحة أو الصفحات من الاعتراضات، التي لا تخرج معها بطائل؟!! وهذا كله أمر خطير، خاصةً ما يقع خطأ دون قصدٍ من بعض المصنفين في بعض العلوم (كعلم الحديث) ، بسبب تأثرهم بصناعة المعرفات المنطقية: من تضييق الواسع من مدلولات المصطلحات، أو توسيع الضيق منها، كما قلناه آنفاً. لأن ذلك سوف ينعكس بتشويش ذلك العلم، الذي يتكون من تلك المصطلحات، تشويشاً قد يؤدي إلى استغلاق فهمه، أو فهمه على غير فهومه، أو ظهور تناقضٍ فيه، أو بانقلاب قواعده وضوابطه.. إلى غير ذلك، مما قد يصعب حله وتجاوزه، إلا بإعادة النظر في معاني تلك المصطلحات. لكن الأخطر من ذلك كله، والكارثة التي قد تدمر ذلك

стр. 155

العلم: فيما لو أصبح ذلك الخطأ في تفسير المصطلحات عمداً، وفيما لو صار المصنفون في ذلك العلم يسعون إلى تغيير مدلولاتها قصداً، ثم إلى اختراع أسماءٍ جديدة (تضاهي المصطلحات) لمدلولاتٍ كانوا قد أخرجوها ـ هم ـ من مصطلحات العلم الأصلية! ليظن بعد ذلك أن تلك الأسماء من مصطلحات ذلك العلم، ولتبعد الشقة ـ بعدها ـ أكثر عن فهم تلك المصطلحات على وجهها، وليكون ـ أخيراً ـ ذلك العلم المركب من تلك المصطلحات لغزاً مستغلقاً، دون حله خنادق وحصون!! وهذا ما قد بدأ بالوقوع فعلاً في مصطلحات الحديث!!! وقد بدأ من قرون لكنه لم يزل ـ بحمد الله ـ في البداية!!! وهذا هو ما سميته ـ اصطلاحاً مني ـ بـ (فكرة تطوير المصطلحات) . وسميتها بهذا الاسم، لأن الساعي إلى ذلك التغيير لمعاني المصطلحات، مع أن سعيه هذا كان مقصوداً معتمداً، إلا أنه كان بنيةٍ حسنةٍ، ولغرضٍ جميلٍ (يحسبه) ! فهو يظن أنه يرقي ذلك العلم، بتطوير مصطلحاته، بجعل مدلولاتها غير متداخلةٍ (مثلاً) ، بإضافة قيودٍ ومحترزات عن بعضها الآخر. وهو ساهٍ أثناء فعله هذا، وغافل كل الغفلة، عن قاعدةٍ عريضة، ومثلٍ سائر، يقول: لا مشاحة في الاصطلاح. وقبل شرح خطر هذه الفكرة: (فكرة تطوير المصطلحات) ،

стр. 156

فأنا أعني بكفرة تطوير المصطلحات: (تغيير معاني المصطلحات عما كانت تعنيه عند أهل الاصطلاح، عمداً، لأي غرضٍ يظنه ذاك المغير حسناً) . و (أهل الاصطلاح) : هم الذين أنشؤوا ذلك العلم، ووضعوا قواعده وضوابطه، وتواضعوا على أسماءٍ لأفراده (هي المصطلحات) ، وتمموا بناء علمهم. فلم يبق لمن جاء بعدهم إلا تلقي هذا العلم عنهم، وأخذ معاني مصطلحاته منهم، لفهم علمهم ويعي قولهم. فإذا أقبل هذا الذي جاء بعدهم على علمهم بالتبديل، وبتغيير مدلولات المصطلحات، لا مع إعلان أن تلك المعاني الجديدة من عند نفسه وأنها اصطلاح خاص به، بل على أنها اصطلاح أهل الاصطلاح = فهل سيكون لنا طريق إلى فهم ذلك العلم، باعتماد كلام ذلك المبدل المغير؟! فأعود مؤكداًَ: (فكرة تطوير المصطلحات) متعلقة بتغيير المعاني، مهما كان ذلك التغيير يسيراً، ومهما كان الغرض منه حسناً عند القائل به. هذا الذي منه أحذر! أما (تطوير) حدود المصطلحات ورسومها، تطوير ألفاظٍ لتلك التعاريف، لا يصل إلى تغيير مدلول المصطلح = فليس على هذا محظور، ولا هو من (فكرة تطوير المصطلحات) التي أحذر منها، بل هذا التطوير الذي يقصد إلى تحرير التعريفات بالجمع والمنع، أمر حسن في حدود ما لم يبلغ بنا إلى درجة التنطع والتكلف الذي يعانيه المناطقة، ونحن عنه في غنى. وحتى إن بلغ درجة التنطع والتكلف، فليس من (فكرة تطوير المصطلحات)

стр. 157

في شيء، مادام أن الأمر لم يصل إلى محاولة تغيير معاني المصطلحات. باختصار: (فكرة تطوير المصطلحات) تختص بتطوير معاني المصطلحات، لا بتطوير ألفاظ تعاريف تلك المصطلحات. أقول هذا وأكرره، ليفهم عني ما أريد. فلا يقال لي بعد ذلك: إن علم (مصطلح الحديث) علم بشري، قابل للتطوير. فأقول: ومن قال إن (مصطلح الحديث) علم إلهي؟! وهل العلم البشري لا حرمة له؟! ومن حقنا أن ندمره؟!! أما أنه قابل للتطوير، فأحسب أنه يعني به تطويراً لا يتناول تغيير معاني المصطلحات، فضلاً عن قواعده وضوابطه. وأنه إنما يعني تطوير التعاريف لتكون أوضح وأصدق في: شرح المصطلحات، وبيان معانيها التي هي عليها، دون تدخل في هذه المعاني. فإن كان هذا هو قصده، فهذا قصد سليم، لكن ذلك يعني أنه لم يفهم مني ما هي (فكرة تطوير المصطلحات) ! وأما إن قصد بقابلية (مصطلح الحديث) للتطوير: تغيير معاني المصطلحات، عما كانت عليه في عصور السنة الزاهية = فهذه هي (فكرة تطوير المصطلحات) . وسوف نرجىء الرد عليه، إلى الفصل الآتي، الذي سنتناول فيه خلاصة ما سبق كله، مع بيان الوسيلة النظرية لتفسير مصطلحات الحديث التفسير الصحيح المبين لمعانيها الحقيقية. أما المثال الواقعي لذلك كله، فسوف يأتي ذكره ـ إن شاء الله تعالى ـ عند كلامنا على كتب علوم الحديث خلال طورها الثاني

стр. 158

(١) . لكننا بهذا نكون قد طرقنا خاتمة هذا الباب، باب: تأريخ تأثر العلوم النقلية (وعلوم السنة وخصوصاً) بالعلوم العقلية. وقد ذكرنا أن بداية هذا التأثر بدأت من أوائل القرن الرابع الهجري، وأن أول باب فتح للعلوم العقلية للتأثير منه على العلوم النقلية هو المذهب الأشعري بمنهجه الكلامي في الاستدلال. ذلك المنهج الذي صنفت عليه كتب أصول الفقه فيما بعد، لتؤثر هي بدورها التأثير الأكبر على علوم السنة، تأثيراً مباشراً بما درسته من علوم السنة في مصنفاتها، وتأثيراً غير مباشر من خلال علم المنطق الذي شبعت به الأوساط العلمية. هذا خلاصة ما سبق في هذا الباب! ونصل الآن إلى باب جديد:

стр. 159

الباب الثالث: المنهج النظري لفهم مصطلح الحديث (وبيان بطلان ما يخالفه)

стр. 160

المنهج النظري لفهم مصطلح الحديث وبيان بطلان ما يخالفه إن هذا الباب هو نتيجة واضحة لكل ما سبق، من تأريخ نشوء مصطلح الحديث على مدى القرون، ومن بيان قرون ارتقائه وقرون ضعفه، ومن بيان العوامل المؤثرة على ضعفه. لقد تقدم في عرضنا التاريخي ذاك، أن القرن الثالث الهجري كان هو أزهى قرون السنة، والعصر الذهبي لها. وأن هذا القرن هو الذي اكتمل فيه تدوني السنة تدويناً كاملاً، فلم يبق من الروايات الشفهية غير المدونة لما بعده من القرون غير روايات الكذابين أو الغالطين. وأن هذا القرن أيضاً حوى أئمة الحديث، وأشهر أعيانه، وأساتذة نقاده، وصيارفة أهله عبر القرون. وأخيراً: أن هذا القرن قد صنفت فيه أمهات السنة، وجوامع الحديث، وأصول الآثار، التي هي عمدة أهل الحديث بعدهم، ودستور من لحق بهم، ومرجع من اقتفى أثرهم. هذا مما سبق بسطه وبيانه (١) . لقد كان القرن الثالث الهجري القرن الذي فاز بقطف الثمرة، وبقصب السبق، لجهود متواصلة مضنية من علماء الأمة، عبر القرن الأول والثاني، في حياطة السنة وخدمتها.

стр. 161

ثم ورث القرن الرابع ذلك الإرث العظيم والكبير عن القرن الثالث، فناء به كاهله، وضعف عنه قليلاً، مع بداية عوامل الضعف والمؤثرات الأجنبية على علوم السنة. لكن استثقال ذلك الإرث والضعف عنه لم يكن شاملاً لكل أهل هذا القرن حيث إن عوامل الضعف ومؤثراتها لم تغط الساحة العلمية بد. لذلك بقي أعيان أئمة الحديث في هذا القرن محافظين على ورثهم من القرن الثالث، وكأنهم امتداد لعلماء ذلك القرن المجيد. نعم.. لم يشهد هذا القرن تطوراً وارتقاءً، لكنه استطاع أن يكون وعاءً حافظاً لعطية القرن الثالث. ولا يلام علماء القرن الرابع على ذلك، لأن سلفهم بلغ بعلم الحديث القمة، وما بعد القمة إلا الانحدار أو الثبات. وهذا مما سبق شرحه وتوضيحه (١) . لكن الثبات على القمة لا يمكن أن يدوم، ولذلك بدأ الانحدار من القرن الخامس فما بعده. ولا يعني ذلك أن الأمة فقدت ذل الإرث العظيم بالكلية، حاشا وكلا لأن الانحادر غير الهوي في الهاوية ولا يعني ذلك أيضاً أن الأمة فرطت في تراثها المكتوب، بل حافظت عليه أعظم حفاظٍ عرفته البشرية عبر دهورها، مع كثرة الحوادث، وتتابع النوائب، وتعاقب الأزمان. أما السنة ذاتها، فهي محفوظة بحفظ القرآن، الذي تهد به منزله كل الذي وقع بسبب ذلك الانحدار عن قمة علوم السنة،

стр. 162

هو أننا غمضت علينا عبارات القوم، وتغبشت علينا مناهج علمهم، فأصبحنا في حاجةٍ إلى معرفة قواعد هذا العلم وضوابطه، وإلى من يرجم لنا معاني مصطلحاته؛ حتى يمكننا الاستفادة من هذا العلم، الذي لا غنى لنا دون الاستفادة منه، لأنه دين الله وملة الإسلام. ولذلك فإن التصنيف في (مصطلح الحديث) و (أصوله) لم يزل يزداد عبر القرون، لأن الشعور بالحاجة إليه لم يزل يزداد عبر القرون أيضاً ولهذا لم يبدأ التصنيف الجامع المفرد في (مصطلح الحديث) و (علومه) إلا في القرن الرابع الهجري، الذي بدأ فيه الضعف المشروح في محله. ثم ازداد في القرون المتتابعة بعده حتى هذا القرن فإذا سألتك بعد ذلك: من هم (أهل الاصطلاح) الذين إذا أردت فهم علوم الحديث وجب علي فهم اصطلاحهم؟ أو بصورة أوضح: أخبرني (بربك) عن هذه البدهية: ما رأس مال المحدث في كل عصر؟ أوليس هو: (العلل) : لابن المديني، وأحمد، وابن معين، و (تواريخهم) ، و (سؤالاتهم) ، و (طبقات) : ابن سعد، وخليفة، ومسلمٍ، و (تواريخ) : البخاري الثلاثة، و (الجرح والتعديل) ، و (العلل) ، و (المراسيل) : لابن أبي حاتم، و (العلل) : للترمذي، والدارقطني، و (المسند المعلل) : للبزار، ويعقوب بن شيبة، و (الكني) : للبخاري، ومسلم، والدولابي، والحاكم الكبير، و (الضعفاء) : للبخاري، والنسائي، وأبي زرعة، والجوزجاني، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، و (المجروحين) ، و (الثقات) : لابن حبان؟ أوليست هذه هي عمدة أهل الحديث في كل عصر؟

стр. 163

فإن استدركت علهيا، فلن تضيف إلا مصنفات تلك القرون أما دواوين السنة، وخزائن الأثر، فهل تجد أهلها إلا من سبق ذكرهم؟ فإن زدت عليهم، فلن تزيد إلا أقرانهم ومن عاش في عصرهم إذن: من هم (أهل الاصطلاح) ؟ الذين لا سبيل إلى فهم علوم السنة، وإلى تمييز صحيحها من سقيمها، إلا بفهم اصطلاحهم، ومعرفة أصول علمهم وقوانينه؟ إنهم أعيان ائمة الحديث من أهل القرن الرابع، وأئمته من أهل القرن الثالث، فمن قبلهم. هؤلاء هم (أهل الاصطلاح) الذين منهم بدأ وإليهم يعود، والذين حفظوا لنا السنن، وميزوا الثابت منها عن غير الثابت، ولم يدعوا سبيلاً يبلغ إلى ذلك إلا سلكوه، ولا طريقاً يسلك بهم إليه إلا عبدوه. ولم يتركوا لمن جاء بعدهم، ممن يريد معرفة مقبول السنة من مردودها، إلا أن يتبع نهجهم، ويقتفي أثرهم. فرضي الله عنهم، وغفر لهم، وجعل الجنة مدخلهم، ومقعد الصدق مقعدهم! لكن يصطدم مع هذه الحقيقة الواضحة (فكرة تطوير المصطلحات) ، السابق شرحها وشرح خلفيتها (١) . إذ إن تغيير مدلولات المصطلحات، بغرض (تطويرها) ، مهما كان ذلك التغيير يسيراً في نظر القائل بـ (التطوير) ؛ إلا أن

стр. 164

نتيجة ذلك النهائية ستكون عدم فهمنا لكلام (أهل الاصطلاح) ! وبالتالي: انقطاعاً عن علوم أئمة السنة وعن علومها في عصورها الزاهية، وانفصاماً رهيباً بيننا وبين تراثنا العظيم!!! وهذا الانقطاع والانفصام سيحول دون الحفاظ على السنة، ودون معرفة صحيحها من سقيمها!!! وإلا.. فلام نعتمد؟ إذا انفصمت عرى التواصل العلمي بيننا وبين نتاج علماء الاختصاص في أزهى عصور علمهم!!! وعلى أي شيءٍ ترتكز أي دراسةٍ مجتثةٍ عن أصولها؟!! وماذا أستفد؟ إذا تمايزت المصطلحات بإضافة قيود ومحترزاتٍ على مدلولاتها الأصلية أو بحذف مثلها، ثم استلغز علي كلام (أهل الاصطلاح) !!! وأي خسارةٍ نخسرها إذا وقعت هذه الكارثة؟!! وأي خطرٍ يهدد السنة إذا حلت بساحتها هذه الفاجعة؟ !! إذن.. فيا لضيعة ذلك العلم!! الذي أفنيت من أجله أعمار أجيالٍ متتابعة، ذات طاقاتٍ بشريةٍ جبارة، ونفوسٍ مؤمنةٍ مطمئنةٍ، وعبقريات فذة، ونظرٍ ثاقبٍ متفرسٍ موفق، وغير ذلك من صفات صناع التاريخ والحضارة! ثم قل لي أيضاً: ماذا أستفيد إذا (طورت المصطلح) ، على حساب فهمي لكلام: أحمد وابن معين وابن مديني.. فخفي علي معناه؟! وماذا عساني أعرف من السنة، إذا ميزت بين المصطلحات غير المتمايزة عند: أبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني؟! ثم كيف أميز صحيح السنة من ضعيفها، إذا لم أتبين معالم

стр. 165

المنهج الذي سار عليه: البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم؛ بسبب اختلاف معاني المصطلحات بيني وبينهم؟!! هذا هو خطر (فكرة تطوير المصطلحات) !!! فمن أصر بعد ذلك كله على تصويب (فكرة تطوير المصطلحات) ، فهو أحد رجلين: إما أنه الرجل الذي يريد هدم السنة وتعفية آثار الدين٠ اوانه الرجل الذي سيعوضنا عن ذلك التراث العظيم كله، ويكفينا عن تلك المصنفات التي خلفها لنا علما السنة في ازهي عصورها، لذلك فلا علينا ان لم نفهم تلك المصنفات، ولا ناسى على ذلك المنهج، بعدان جاءنا هذا الرجل بالمصنفات والمنهج الكفيل بالغاية نفسها!!! فالرجل الأول: من يصغي له؟! والرجل الثاني: من يصدق أنه سيكون؟! إذن.. فما السبيل إلى فهم مصطلح الحديث؟ فأقول: نصف الجواب على هذا السؤال، أن تعرف من هم أهل هذا المصطلح الذين تسأل عن معنى مصطلحاتهم. وقد سبق أن قلنا: إنهم علماء الحديث في القرن الثالث فما قبله، وأعيان أئمة الحديث في القرن الرابع، هؤلاء هم (أهل الاصطلاح) . أما النصف الثاني من الجواب: فالسبيل إلى فهم اصطلاح (أهل الاصطلاح) هو: الاستقراء التام لإطلاقات (أهل الاصطلاح) ، ثم نصنف هذه الإطلاقات: كل إطلاقٍ منها على حدة. ثم عقد الموازنات بين: كل إطلاق، والمسائل والصور الجزئية التي أطلق عليها، بغرض معرفة الصفة

стр. 166

الجامعة (القاسم المشترك) بين تلك المسائل والصور، لنعرف السبب الذي جعل (أهل الاصطلاح) يخصون تلك المسائل والصور بذلك الإطلاق المعين. مع الاهتمام البالغ بالمعنى اللغوي الأصلي لذلك الإطلاق، وملاحظة وجه علاقة المعنى اللغوي الأصلي بالمعنى الاصطلاحي اللحادث. وإن كان اتضح بعد هذه الدراسة والموازنة أن بين بعض الاصطلاحات تداخل وعدم تمايز، فيجب علي أن أرضى بهذه النتيجة، وأن أفهمها بما فيها من تداخل، لأتمكن من فهم كلام (أهل الاصطلاح) ومن الاستفادة من علومهم. فليس من حقي أن اضع نفسي في غير موضعها، بالتحكم على المصطلحات، بـ (التطوير) والتغيير لمدلولاتها، بعد أن قيل: لا مشاحة في الاصطلاح. والسخرية أن أغير معنى المصطلح، ثم أفهم كلام صاحب هذا المصطلح على تفسيري لمصطلحه، لا على مراده هو منه!! وأنبه هنا: أنه لا غضاضة على من وجد مسائل جزئية، غير داخلةٍ في مصطلح لـ (أهل الاصطلاح) ، وتجمعها صفةً واحدة= أن يختار لها اسماً، لمعناه اللغوي علاقة بتلك الصفة الجامعة. لكن مع إيضاح أن ذلك الاسم ليس من مصطلحات (أهل الاصطلاح) ، حتى لا يظن في يوم من الأيام أنه من مصطلحاتهم؛ فإذا ما ورد ذلك الاسم نفسه بعد ذلك في كلام (أهل الاصطلاح) بمعناه اللغوي، حمله من لا يعلم على المعنى المستنبط من تلك الصفة الجامعة. هذا هو المنهج النظري الصحيح لتفسير مصطلحات الحديث وفهم مدلولاتها، وما سواه إلا ظنون أو تخبط! لكن قد صنفت كتب كثيرة في (علوم الحديث)

стр. 167

و (مصطلحه) ، وللعلماء كلام طويل في شرح مصطلح الحديث. فهل سارت تلك الكتب على هذا المنهج الصحيح في فهم المصطلح؟ وهل ذلك الكلام الطويل للعلماء معتمد على تلك القواعد؟ الجواب عن ذلك في الباب الآتي:

стр. 168

الباب الرابع: كتب علوم الحديث ومناهجها في فهم مصطلحه الفصل الأول: الطور الأول لكتب علوم الحديث (طور ما قبل كتاب ابن الصلاح) . الفصل الثاني: الطور الثاني لكتب علوم الحديث (طور كتاب ابن الصلاح فما بعده) .

стр. 169

الفصل الأول: الطور الأول لكتب علوم الحديث لقد اعتاد الباحثون في علوم السنة تقسيم كتب علوم الحديث إلى قسمين: هما طور ما قبل كتاب ابن الصلاح، وطور كتابه فما بعده (١) . فإذا أردنا أن ندرس كتب علوم الحديث، وهل هي سائرة على المنهج الصحيح في فهم مصطلحات الحديث؟ فلندرسها بناءً على هذا التقسيم. الطور الأول: كتب علوم الحديث قبل كتاب ابن الصلاح: قد قدمنا في عرضنا التاريخي لعلوم الحديث، أن أول من نعلمه تكلم على بعض علومها كلام تقعيد وتأصيل، هو الإمام الشافعي في كتابه العظيم (الرسالة) (٢) ، ثم تبعه الحميدي في جزءٍ له عن أصول الرواية، ثم مسلم في (مقدمة صحيحه) ، وأبو داود في (رسالته إلى أهل مكة) ، والترمذي في (العلل الصغيرة) (٣) .

стр. 170

وهؤلاء ما بين القرن الثاني والثالث، فهم لب (أهل الاصطلاح) وقلبهم. فلا يقال عن هؤلاء: هل ساروا على المنهج الصحيح في فهم مصطلح الحديث؟ ولم نزل في حاجةٍ ماسةٍ إلى دراسة كلامهم، في تلك الرسائل والمقدمات، دراسة تفهم، بعمقٍ كبير، دون أن نسلط على كلامهم فهوم من جاء بعدهم من غير (أهل الاصطلاح) . وقد قدم الحافظ ابن رجب الحنبلي لذلك مثلاً رائعاً في شرحه لعلل الترمذي، غير أن شرحه هذا هو نفسه في حاجةٍ إلى دراسة ثم في القرن الرابع الهجري: كتب الإمام الناقد ابن حبان البستي مقدمة صحيحه: (التقاسيم والأنواع) ، ومقدمة (المجروحين) ، ومقدمة (الثقات) . وتعد هذه المقدمات ـ وخاصة مقدمة الصحيح والمجروحين ـ من أهم ما كتب في علوم الحديث، لأنها: أولاً لإمام من أعيان علماء السنة في القرن الرابع، فهو لهذا من (أهل الاصطلاح ٩. ثم لما حوته من مباحث مهمة، وقواعد لا يستغنى عن العلم بها. وفي القرن الرابع أيضاً: كتب الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (ت ٣٨٨هـ) مقدمة كتابه (معالم السنن ـ في شرح سنن أبي داود ـ) . ومع أن ما ذكره في تلك المقدمة كان قصيراً جداً، إلا أنه كان بها أول من قسم الحديث (من حيث القبول والرد) إلى ثلاثة أقسام صريحة: صحيح، وحسن، وضعيف. ثم كتب أيضاً الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي (ت ٤٠٣هـ) مقدمة لكتابه (مختصر الموطأ عن مالك) المعروف بـ (المخلص) ، تناول في هذه المقدمة: مسائل في

стр. 171

الاتصال والانقطاع، وصيغ الأداء، والرفع وأنواعه، ونحوها. أصل في هذه القضايا تأصيلاً مهماً، يزيده أهمية أن صاحبه من (أهل الاصطلاح) . لكننا نقف مع إمامين من أئمة القرن الرابع، هما: الرامهرمزي، وأبو عبد الله الحاكم، لأن لهما كتابين منفردين جامعين رائدين في علم الحديث. أما الكتاب الأول: فهو (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) للرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) . وهو كتاب جليل، عظيم النفع. جمع مادة ضخمةً متنوعة في فنون الرواية وآدابها. غير أن هذا الكتاب في باب أقسام الحديث وشرح مصطلحاته فقير ن حيث لم يكن ذلك من أغراض مصنفه. فقد صنفه الرامهرمزي رداً على من وضع من شأن أهل الحديث، فأراد أن يبين له فضائل علمهم، ومحاسن آداب حملته. وصنفه أيضاً لطلاب الحديث في زمانه. حثاً لهم على التحلي بتلك الآداب، لنيل تيك الفضائل . ثم يذكر محدثي عصره بأن لا يأتوا ما شنع عليهم بسببه، من إفناء الأعماء في تتبع الطرق وتكثير الأسانيد دون فائدة، وتاطلب شواذ المتون، من غير أن يطلبوا أبواب العلم النافعة الأخرى (١) . ومع جليل قدر كتاب الرامهرمزي وعظيم نفعه، غلا أننا ونحن نؤرخ لمصطلح الحديث، لن نجد فيه مادةً واسعةً للكلام عنها. غير أن الكتاب في أبوابه الأخرى، معتمد الاعتماد كله على كلام أئمة النقد من أئمة الحديث في القرن الثالث الهجري. ليبين بذلك منهجه في مسائل علوم الحديث، وهو تقريرها على

стр. 172

ما كان عليه (أهل الاصطلاح) . أما الكتاب الثاني: فهو كتاب (معرفة علوم الحديث) لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) . فجاء كتاب الحاكم وكأنه مختص بما كان أهمله كتاب الرامهرمزي، من الاعتناء بمصطلح الحديث وشرح معناه وضرب الأمثلة له. فتناول بـ (نوع ... كذا) ، ذاكراً مصطلحه المسمى به. فتكلم الحاكم عن: (العالي) و (النازل) و (الموقوف) و (المرسل) و (المنقطع) و (المسلسل) و (المعنعن) و (المعضل) و (المدرج) و (الصحيح) و (السقيم) و (الغريب) ... وغير ذلك من الأنواع، التي بلغت عنده اثنين وخمسين نوعاً. وقد بين الحاكم سبب تصنيفه للكتاب في مقدمته، حيث أشار إلى خللٍ أصاب بعض طلال الحديث في طلبهم له، متعلقٍ بأسلوب التلقي وصرف الهمم. قال الحاكم: ((أما بعد فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها، على الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف ... )) (١) . أما منهج الحاكم في كتابه، في تقرير قواعد علوم الحديث وشرح مصطلحه؛ فلا تنس ـ حفظك الله ـ أن الحاكم داخل في أئمة الحديث من أهل القرن الرابع، فهو من (أهل الاصطلاح) .

стр. 173

ومع ذلك فالكتاب كله صريح بأنه ناقل لما عليه أئمة الحديث، من شيوخ الحاكم فمن قبلهم، وخاصة أئمة القرن الثالث الهجري. وسأضرب لذلك أمثلة: ففي تقريره لمعنى مصطلح (المسند) ، وما يدخل فيه، يستدل على ذلك بقوله: ((وكل ذلك مخرج في المسانيد)) (١) . وفي مصطلح (المرسل) يقول: ((فإن مشايخ الحديث لم يختلفوا في أن الحديث المرسل هو ... )) (٢) . وفي حكم الحديث (المعنعن) ينقل إجماع أئمة (أهل النقل) (٣) . وفي مصطلح (المعضل) ينقل تعريفه عن علي بن المديني (٤) . وفي باب (العدالة) ذكر أنه: ((يستشهد بأقاويل الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين)) (٥) . وفي مصطلح (الشاذ) يسند عن الإمام الشافعي شرحه له (٦) . وفي باب (التدليس) أسند عن العلماء في بيان حكمه وأمثلته (٧) .

стр. 174

وكذا في باب (امعلل) (١) . ومثله في حكم الرواية عن المبتدع، ثم قال بعد أن أكثر النقل أذى إليه الاجتهاد في الوقت من مذاهب المتقدمين، ولم يحتمل الاختصار أكثر منه. وفي القلب أن أذكر ـ بمشيئة الله ـ في غير هذا الكتاب، مذاهب المحدثين بعد هذه الطبقة، من شيوخ شيوخي)) (٢) . تمعن هذا الاختيار، فيمن ذكر مذاهبهم، ومن ينوي ذكر مذاهبهم! وفي نوعي التصحيف في الأسانيد والمتون نقل كامل (٣) . وفي نوع (معرفة أسامي المحديثين) يقول: ((وقد كفانا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ هذا النوع، فشفى بتصنيفه، وبين ولخص)) (٤) . ثم شرع بعد ذلك في أمثلةٍ، ضمنها نقولاً عن أئمة القرن الثالث (٥) . وفي نوع (الألقاب) نقل مخص، ثم قال: ((فأما الألقاب التي تعرف بها الرواة، فأكثر من أن يمكن ذكرها في هذا الموضع. وأصحاب التواريخ من أئمتنا ﵃ قد ذكروها، فأغنى ذلك عن ذكرها في هذا الموضع)) (٦) . وفي باب (الكنى) نقول كثيرة عن أئمة الحديث في القرن

стр. 175

الثالث أيضاً (١) . وفي نوع (رواية الأقران) يقول: ((منه الذي سماه مشايخنا (المدبج) (٢)) . وفي آخر أنواع علوم الحديث عنده، وهو نوع مختص بطرق التحمل، وبيان حكمها اعتمد اعتماداً كاملاً على نقوله عن أئمة الحديث في قرونه الأولى (٣) . وهكذا فالكتاب كله في شرح مصطلح أهل الحديث، على فهم أهل الحديث، على فهم أهل الحديث أنفسهم. لأن الحاكم يعلم أن: ((غير أهل هذا العلم)) و ((غير أهل الصنعة)) ، و ((غير المتبحر في صنعة الحديث)) و ((غير الفرسان نقاد الحديث)) (٤) = لا يفقه هذا العلم كما كان يعبر الحاكم بذلك كثيراً! وعلى هذا المنهج نفسه ـ في الأغلب ـ صنف الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (مستخرجه على معرفة علوم الحديث للحاكم) (٥) . لأن طبيعة المستخرجات تلزم بذلك (٦) . وهنا ننتهي من الكلام عن مصنفات علوم الحديث في (القرن الرابع) ، لندخل في (القرن الخامس الهجري) . وقد سبق في عرضنا التاريخي لمصطلح الحديث، وفي

стр. 176

تأريخ تأثر العلوم النقلية بالعلوم العقلية، ما ملخصه: أن هذا القرن هو أول القرون التي ظهر فيها أثر العلوم العقلية فيه على مصنفات علوم السنة. وإن كنا قد نبهنا هناك، أن هذا الأثر لم يكن عميقاًَ كما حصل للقرون اللاحقة لهذا القرن. مع ذلك فإن هذا التأثر أخرج محدثي هذا القرن، من أن يكونوا من (أهل الاصطلاح) . وما أن نلج هذا القرن (الخامس) ، حتى نجد أننا انقدنا إلى إمام المحدثين في عصره، ولمن جاء بعد عصره: الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) . الذي قال عنه ابن نقطة الحنبلي (محمد بن عبد الغني البغدادي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ) في كتابيه (التقييد لمعرفة راوة السنن والمسانيد) و (تكملة اٍلإكمال) : ((وله مصنفات في علوم الحديث لم يسبق إلى مثلها. ولا شبهة عند كل لبيب، أن أمتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب)) (١) . الخطيب البغدادي الذي ((قل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً)) (٢) كما يقول الحافظ ابن حجر، بحر من بحور الحديث، لا يستطيع باحث أن يتناوله بدراسةٍ شاملةٍ عميقةٍ لجميع جوانب حباته وعلومه ومصنفاته. بل كل كتابٍ من كتب هذا الإمام حقيق بدراسة مفردة، توقفنا على منهجه فيه. لكن أجل كتبه في قوانين الرواية هو (الكفاية في علم الروية) . ودراسة هذا الكتاب من جميع جوانبه غرض مهم جليل،

стр. 177

لكن بحثنا في هذا الطرح متجه إلى ناجيةٍ معينة، وباختصار في ذلك أيضاً. لذلك فسوف نتكلم عن (الكفاية) للخطيب، تحت العنوان الذي وضعناه لهذا الفصل. فهل سار الخطيب على المهج السليم في شرح مصطلح الحديث؟ يجيب عن ذلك الخطيب نفسه، في مقدمة كتابه الكفاية، من حين ذكره لسبب تصنيفه له، حيث يقول: ((وقد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها في كتب الحديث، والمثابرة على جمعه. من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين، وينظروا نظر السلف الماضين، في حال الراوي من المروي، وتمييز سبيل المرذول والمرضي)) (١) . فمن هذا السبب الذي صنف الخطيب من أجله الكتاب، يتبين لنا منهج الخطيب النظري الواجب عليه اتباعه في مواجهة ذلك السبب. إنه لا بد أن يكون سالكاً مسلك المتقدمين، وناظراً نظر السلف الماضين. لأن هذا المنهج هو الذي سيبلغ من انقطعت بهم الحبال دون علوم سلف المحدثين، وسيصلهم بإرثهم من المتقدمين. ثم صرح الخطيب بمنهجه في مقدمة كتابه أيضاً، تصريحاً واضحاً، حين قال: ((وأنا أذكر ـ بمشيئة الله تعالى وتوفيقه ـ في هذا الكتاب: ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من: بيان أصول علم الحديث وشرائطه، وأشرح من مذاهب سلف الرواة والنقلة في ذلك ما يكثر نفعه)) (٢) .

стр. 178

فهذا واضح من الكلام، صريح لا لبس فيه، من الخطيب نفسه، بأن غاية عمله في كتابه الكفاية هو: شرح مذاهب سلف الرواة والنقلة! هذا هو منهج الخطيب النظري الذي قرره في أول كتابه، وهو المنهج السليم لفهم مصطلح الحديث. لكن: هل تمسك الخطيب بهذا المنهج في كتابه؟ إن الخطيب البغدادي وهو من أهل القرن الخامس، وإن كان من أواحد عصره في علوم الحديث، إلا أنه لا يستطيع أن ينجو ـ تماماً ـ من أثر العلوم العقلية على علوم الحديث الذي توسع نطاقه في عصره، فهو ابن عصره! وقد كنا ذكرنا في عرضنا اللتاريخي لعوامل التأثير من العلوم العقلية على العلوم النقلية، أن علم (أصول الفقه) كان له نافذتان للتأثير على علوم الحديث. نافذة مباشرة: بما درسته أصول الفقه من مباحث علوم السنة، ونافذة غير مباشرة: بما بثته كتب أصول الفقه ذات المنهج الكلامي المعتمد على المنطق اليواناني من أثر هذا المنهج، الذي تبرز ملالمحه في صناعة المعرفات المنطقية. والخطيب البغدادي عرفناه من خلال كتابه (الفقيه والمتفقه) ، متأثراً بأصول الفقه. بل سائراً في كثيرٍ من مباحثه على خطى شيخه أبي إسحاق الشيرازي (إبراهيم بن علي بن يوسف الفيوزبادي الشافعي، المتوفى سنة ٤٧٦هـ) في كتابه (شرح اللمع) ، ناقلاً عنه صراحة (١) ، أو من غير تصريح

стр. 179

(١) . إلا أنه لا ئح أيضاً أن تأثرهبأصول الفقه ليس بليغاً، فالخطيب البغدادي المجدتهد في علم الحديث، ما أصدقه أن يكون مقلداً في أصول الفقه. لذلك فإن أثر أصول الفقه على الخطيب البغدادي اقتصر على نافذتها المباشرة: بما درسته كتب الأصول من مباحث علوم السنة. أقول ذلك، لأن (الكفاية) بعيدة كل البعد عن التأثر بصناعة المعرفات المنطقية مثلاً. فالمصطلاحات التي يشرحها الخطيب، يشرحها دون أن يلتزم بقواعد تلك الصناعات (٢) . أما تأثره بما درسته كتب أصول الفقه من مباحث في علوم السنة، فيظهر من الآتي: أولاً: إدخاله لمباحث أصولية غير معروفة في علوم الحديث قبله: مثل تقسيمه الحديث إلى متواتر وآحاد (٣) (وهذا سبق ذكره بتوسع) (٤) ، وما تبع ذلك من حكم خبر الواحد، الواحد، وأنه مفيد للضن الموجب للعمل، وأنه لا يحتج به في العقائد (٥) ، وما يصح فيه التعارض من الأخبار وما لا يصح (٦) . ثانياً: نقله وبثه لأقوال بعض الأصوليين، مثل: أبي بكر الباقلاني (٧)

стр. 180

وأبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري (١) . وهذا التأثر من الخطيب بأصول الفقه مع وضوحه، إلا أن إمامته في علم الحديث، وعدم تعمق أثر أصول الفقه عليه، مع وضوح المنهج السليم في دراسة علوم الحديث ومصطلحه عنده تمام الوضوح (كما سبق ذكره عنه) = جعل ذلك الأثر الأصولي على كتابه غير مخوفٍ منه، لأنه أثر مفضوح، لا يشتبه بعلوم الحديث ومسائله عند أهل الاصطلاح التي ملأ الخطيب غالب كتابه بها. وهذا هو الفرق بين: الخطيب وكتابه (الكفاية) ، ومن جاء بعده ممن كتب في علوم الحديث. فالفرق الأول: أن الخطيب لم يتأثر بأصول الفقه إلا من خلال نافذتها المباشرة. والفرق الثاني: أن ما نقله عن أصول الفقه مباحث واضحة وأقوال منسوبة، لا تختلط بكلام أهل الاصطلاح، ولا تذكر على أنها من كلامهم. فلا يفعل الخطيب ما يفعله المتأخرون من ذلك، فضلاً عن أن يفعل فعلهم في تأويل كلام أحد أئمة الحديث على غير ظاهره، وعلى غير مراد ذلك الإمام ليوافق كلام الأصوليين! ولنضرب لذلك مثلاً: (باب الكلام في الأخبار وتقسيمها) (٢) الذي قسم فيه الأخبار إلى متواتر وآحاد، و (باب الرد على من قال يجب القطع على خبر الواحد بأنه كذب إذا لم
следующие страницы →