(قال الشافعي:) فتبين انكساره)) (١)
أي لعمري! يتبين انكساره، وانكسار عامة الأصوليين، بل والمحققين منهم، الذين ردحوا أن (العدد الكثير) في (المتواتر) لا يحد بعدد معين، وردوا على كل من اشترط عدداً معيناً! فهذا الإمام الشافعي يرد عليهم أيضاً، فيتبين انكاسرهم!!
وهذا ذكرني بعبارةٍ لأحد أئمة الحديث وأئمة الشافعية أيضاً، هو أبو بكر محمد بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) ، حيث قال في كتابه (شروط الأئمة الخمسة) : ((وإثبات التواتر في الأحاديث عسر جداً، سيما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده)) (٢) .
وأما قول الإمام الشافعي لخصمه: ((أو تعرفه فلا تظهره، لما يدخل عليك)) ، ففيه إيماء إلى أن (المتواتر) الذي يفيد العلم بتلك الشروط، لا ما رواه أربعة، ولا أربعون! بل ما رواه جيل عن جيل، هذا هو الذي يفيد العلم باستحالة وقوع الكذب ولغلط من نقلته! وهذا هو (خبر العامة عن العامة) الذي زعم قائل (المتواتر) أنه سواه!!
ولما كان (المتواتر) بتلك الصورة لا وجود له في الأحاديث النبوية، سكت ذلك الخصم عن إظهار ما يخفيه، لأن مآل مقالته حينها: أنه لا يحتج بشيءٍ من الأحاديث النبوية، لأنه ليس فيها شيء يفيد العلم بزعمه وعلى شروطه!!!
وهكذا يرد الإمام الشافعي على القائل بـ (المتواتر) شروطه التي وضعها له، قائلاً له: إنها بين شرطٍ لا فائدة في اشتراطه،
стр. 107
وشرطٍ لا وجود لخبرٍ تحقق فيه، فكيف تقسم الأخبار باعبتاره؟!
فلا يقال بعد هذا: إن الإمام الشافعي ممن قسم الأ؛ اديث إلى (متواتر و (آحاد) ! أو أنه كان راضياً عن (المتواتر) بشروطه عن الأصوليين!!
كيف؟! وهو الهاجر لاسمه، الناقض لشروطه، المجانب لاعتباره!!!
وهنا أكون قد انتهيت من ذكر الأدلة القواطع والبراهين السواطع على أن الإمام الشافعي ليس ممن قسم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، بل إنه كان يرد هذا التقسيم ويعيبه كما رأيت.
وعلى هذا فما جاء في كلام الشافعي، مما سيأتي ذكر بعضه إن شاء الله تعالى (١) ، من تقسيم السنن إلى: (خبر عامةٍ عن عامة) أو (سنةٍ مجتمع عليها) ، ويقابل هذا القسم (خبر الخاصة = فإنه لا يعني به التقسيم المشهور عن الأصوليين، يس القسم الأول عنده هو (المتواتر) ، ولا الثاني هو (الآحاد) عندهم.
ومن ثم فليس حكم (خبر العامة عن العامة) هو حكم (المواتر) ، ولا حم (خبر الخاصة) هو حكم (خبر الآحاد) نفسه عن الأصوليين!
لكن الحكم سوف نعود إليه مستقبلاً بالتفصيل، ويهمنا هنا معرفة التقسيم الذي كان يرد في كلام الشافعي، ما هو؟ لأنه هو التقسيم الذي كان معتبراً عند علماء الأمة في أزهى عصورها وأقواها تمسكاً بسنة النبي ﷺ .
стр. 108
لكن تأكيداً لما سبق، من أن تقسم الإمام الشافعي ليس هو تقسيم الأصوليين، ومدخلاً لبيان تقسيم الشافعي وشرحه =
أقول:
إنه إن بقي من يزعم أن (خبر العامة) عند الشافعي هو (المتواتر) ، بعد هذا كله، فما عليه إن أتم النظر فيما يلي:
هذا الإمام أحمد بن أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ) ، الذي نصر المذهب الشافعي بما لم ينصره أحد مثله، حتى قيل: ((ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منه، إلا البيهقي؛ فإنه له على الشافعي منه، لتصانيفه في نصرته لمذهبه واقاويله)) (١) .
هذا الإمام الذي هو أولى الناس بمعرفة أقوال الشافعي وفهماها، نقل عن إمامه (الشافعي) تقسيمه الأخبار إلى (خبر عامة) و (خبر خاصة) ، وذلك في مقدمة كتابه (دلائل النبوة) (٢) .
وبعد هذال النقل، وفي هذه المقدمة ذاتها، يقول البيهقي: ((ومما يجب معرفته في هذا الباب: أن تعلم أن (الأخبار الخاصة) المروية على ثلاثة أنواع:
نوع اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مروياً من أوجهٍ كثيرةٍ، وطرق شتى، حتى دخل في حد الاشتهار، وبعد من توهم الخطأ فيه، أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه.
стр. 109
فهذا الضرب من الحديث يحصل به العلم المكتسب، وذلك مثل الأحاديث التي رويت في القدر والرؤية والحوض ...
(إلى أن قال:) والضرب الثاني: أن يكون مروياً من جهة (الآحاد) ، ويكون مستعملاً في الدعوات والترغيب والترهيب والأحكام..)) (١) .
فانظر ـ حفظك الله ـ كيف قسم (أخبار الخاصة) : إلى ما يسمى بـ (المتواتر) ، وما سماه هو بـ (الآحاد) ؛ فـ (خبر الخاصة) عنده شامل لكلا القسمين
ولن أدخل في مناقشة هذا التقسيم الآن، وبيان منزعه القائد إليه، فهذا مما سيأتي ـ إن شاء ربي ـ ذكره (٢) . لكن الغرض من ذكر هذا النقل عن البيهقي، حتى تعلم كيف فهم أئمة الشافعية كلام إمامهم.
ولم يتفرد البيهقي دون بقية الشافعية بهذا الفهم لكلام إمامه، بل هو مسبوق إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير
حيث إن تقسيم الشافعي (دون البيهقي) هو التقسيم الحديثي الحقيقي للسنن، وهو التقسيم الذي يوافقه عليه كل من له ممارسة لعلم الحديث، ممن لم يتأثر بذلك التقسيم الغريب على علوم السنة، النابع منت علمٍ دخيل على معارف الأمة وحضارتها.
ولذلك تجد حافظاً من كبار أئمة الحديث ونقادهم، وهو شافعي معتز بشافعيته (٣)
أيضاً، وله علم واسع كذلك بـ (علم
стр. 110
الكلام) (١) وهو ابن حبان (ت ٣٥٤هـ) = يقول في مقدمة (صحيحه) : ((فأما الأخبار، فإنها كلها أخبار آحاد. لأنه ليس يوجد عن النبي ﷺ خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . فلما استحال هذا، وبطل، ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد. وأن من تنكب عن قبول أخبار الأحاد، فقد عمد إلى ترك السنن كلها، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد)) (٢) .
ويوافق ابن حبان على ذلك إمام آخر، هو أيضاً من أئمة الحديث، ومن أئمة الشافعية، وهو أبو بكر محمد بين موسى الحازمي (ت٥٨٤هـ) . حيث قال عقب نقله لكلام ابن حبان، في كتابه (شروط الأئمة الخمسة) : ((ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب)) (٣) . ثم قال بعد ذلك: ((ثم الحديث الواحد لا يخلو إما أن يكون من قبيل التواتر، أو من قبيل الآحاد. وإثبات التواتر في الآحاد عسر
стр. 111
جداً، سيما على مذهب من لم يعبر العدد في تحديده. وأما الآحاد: فعند أكثر الفقهاء توجب العمل دون العلم، فلا تعويل على مذهب الكوفيين في ذلك، وقد ذهب بعض أهل الحديث على أنه يوجب العلم. وتفاصيل مذاهب الكل مذكورة في كتب أصول الفقه، وعلى الجملة فقد اتفقوا أنه لا يشترط في قبول الآحاد العدد قل أو كثر، والله أعلم)) (١)
فانظر إلى هذا الكلام، ولا حظ مشاربه المختلفة، ودقق في ألفاظه لا ستخراج خفايا معانية.
ثم وازنه بقول ابن الصلاح من بعد في (معرفة أنواع علم الحديث) عن المتواتر: ((ولا يكاد يوجد في رواياتهم.. ومن سئل عن إبراز مثالٍ لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه ... نعم، حديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) نراه مثالاً لذلك ... )) (٢) .
وهذا من ابن الصلاح بعد تقريره أن (المتواتر) من اصطلاحات أصول الفقه، ومن إضافات الأصوليين على علوم الحديث، كما سبق نقله عنه.
بل يقول ابن أبي الدم الشافعي (ت ٦٤٢هـ) : ((ومن رام من المحدثين وغيرهم ذكر حديثٍ عن النبي ﷺ (متواتر) ، وجدت فيه شروط (المتواتر) الآتي ذكرها، فقد رام محالاً ... (ثم قال بعد ذكر شروط المتواتر (ومثل هذا لا يقع في الأحاديث النبوية)) (٣) .
стр. 112
وقبل هؤلاء كلهم، ذكرنا فيما سبق كلاماً نفيساً للإمام عثمان بن سعيد الدارمي، منقولاً من كتابه (الرد على بشر بن غياث المريسي) . وكان ذلك الكلام عبارة ً عن مناظرةٍ بين الدارمي والمريسي، حول تقسيم المريسي أحاديث النبي ﷺ إلى مفيدٍ للعلم وغير مفيدٍ له، وأن المريسي لا يحتج إلا بالقسم الأول: المفيد للعلم، وهو (المتواتر) . فقال الدارمي له أثناء رده عليه: ((قد أبطلت بدعواك هذه جميع الآثار التي تروى عن النبي ﷺ ، ما احتججت منها لضلالك، وما لم تحتج)) (١)
لقد صرح المريسي بأنه يحتج بـ (المتواتر) ، فلم يكون قوله هذا مبطلاً إلا حتجاج بالأحاديث كلها؟
الجواب عن هذا السؤال: هو لأن (المتواتر) صورة خيالية، لا وجود لها في واقع الروايات الحديثية. ومعنى ذلك: أن جميع الأحاديث النبوية ليست إلا (أخبار آحاد) ، وليس فيها (خبر متواتر) . لذلك كان القول بعدم الاحتجاج إلا بـ (المتواتر) مبطلاً الاحتجاج بالأحاديث كلها، لأنه ليس في الأحاديث كلها خبر (متواتر) أصلاً
ثم بعد هؤلاء كلهم يقول الحافظ ابن حجر (أحمد بن علي بن محمد الكناني، العسقلاني أصلاً المصري، المتوفى سنة ٨٥٢هـ) في كتابه (نزهة النظر) ، بعد ذكره لكلام ابن الصلاح الآنف الذكر: ((وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم. لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤوا
стр. 113
على الكذب أو يحصل منهم اتفاقاً ... )) (١) . ثم ذكر الحافظ دليله على إمكان وجود (المتواتر) وجود كثرة، فيما يقوله هو
فما أدري هل يوصف الدارمي وابن حبان والحازمي وابن الصلاح وابن أبي الدم بقلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال؟
ولن أدخل بين هؤلاء الإمام الشافعي، الذي رفض (المتواتر) ونقض شروطه
بالله عليك أنصف
ثم الحافظ ابن حجر هو القائل قبيل كلامه السابق في (نزهة النظر) : ((وإنما أبهمت شروط التواتر في الأصل (يعني النخبة) ، لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد. إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة
الحديث أو ضعفه، ليعمل به أو يترك، من حيث: صفات الرجال، وصيغ الأداء. والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث)) (٢) .
فأولاً: الحافظ نفسه يعترف أن (المتواتر) ليس من مباحث (علم الإسناد) ، و (علم الإسناد) هو علم الحديث و (مصطلح أهل الأثر) الذي صنف له الحافظ كتابه (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) .
فهذا قول جديد لإمام آخر ينص فيه على أن تقسيم الأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ليس من عمل المحدثين، ولا ألقاب هذا التقسيم من مصطلحاتهم
стр. 114
وثانياً: ينص الحافظ أيضاً أن (المتواتر) لا علاقة له بالأسانيد ولا بأحوال الرجال، وهو كذلك عند الأصوليين أيضاً ز فهل يصح بعد ذلك تفسيره لسبب قول ابن الصلاح بعزة (المتواتر) ولقول ابن حبان وغيره بعدم وجوده، بأنه ناشئ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم؟
لقد قرر الحافظ فيما سبق أنه لا علاقة لـ (المتواتر) بالطرق وأحوال رواتها، بل قرر قبل ذلك أن ((العلم بالتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر، كالعامي)) (١) ،
فكيف يكون قول أولئك الأئمة ممن نفى وجود (المتواتر) ناشئاً عن قلة الاطلاع على الطرق وأحوال الرواة؟ سلمنا أنهم كذلك فهل ينزلون عن درجة (العامي) ؟
ولذلك تعقب الحافظ ابن حجر أحد تلامذته، وهو قاسم بن قطلوبغا (ت٧٨٩هـ) في حاشيته على (نخبة الفكر) ، المسماة (القول المبتكر على شرح نخبة الفكر) ، فقال: ((تقدم أن (التواتر) ليس من مباحث علم الإسناد، وأنه لا يبحث عن رجاله؛ وحينئذٍ فلو سلم قلة اطلاع من ذكرهم المصنف على أحوال الرجال وصفاتهم لم يوجب ما ذكره)) (٢) .
ثم لم اطلع السخاوي (محمد بن عبد الرحمن بن محمد القاهري الشافعي، المتوفى سنة ٩٠٢هـ)) على هذا الانتقاد لكلام شيخه الحافظ ابن حجر، أجاب بجواب ضعيف، يعود بالنقض على شيخه أيضاً، وعلى عامة الأئمة قبله كذلك
قال السخاوي في (فتح المغيث) : ((وقد توقف بعض
стр. 115
الآخذين عنه من الحنفية، في أول مقالته هذه، مع ما سلف من أنه لا دخل لصفات الخبرين في (المتواتر) . وهو واضح الاليام، فما هنا بالنظر إلى كون أهل هذه الطبقة مثلاً تبعد العادة لجلالتهم تواطؤ ثلاثةٍ منهم على الكذب أو الغلط، وكون غيرها لا نحطاط أهلها عن هؤلاء لا يحصل ذلك إلا بعشرةٍ مثلاً، وغيرها لعدم اتصفاف أهلها بالعدالة وعرفتهم بالفسق ونحوه لا يحصل إلا بمزيد كثيرٍ من العدد. نعم يمكن بالنظر لما أشرت إليه أن يكون المتواتر من مباحثنا)) (١) .
رأيت؟ عاد به الأمر إلى أن (المتواتر) من مباحث علم الإسناد
مع أن السخاوي نفسه قال قبل ذلك في (فتح المغيث) عن (المتواتر) : ((وليس من مباحث هذا الفن، فإنه لا يبحث عن رجاله، لكونه لا دخل لصفات المخبرين فيه)) (٢) .
والسخاوي نفسه أيضاً قال في (الغاية شرح الهداية) : ((إذا علم هذا، فإنما لم يفرد ابن الصلاح لـ (المتواتر) نوعاً خاصاً، لأنه ليس من مباحث الإسناد ... )) (٣) .
وقال السخاوي نفسه أخيراً في كتابه (التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر) : ((وليس (التواتر) المعروف في الفقه وأصوله من مباحثنا)) (٤) .
فانظر ـ رعاك الله ـ إلى تدرج أثر أصول الفقه على مصنفات علوم الحديث، عبر العصور، وعلى الإمام الواحد أيضاً
ولست أريد الدخول في معمعة التعقبات على الحافظ ابن حجر، والردود عليها، والردود على هذه الردود، الواردة في حواشي (النزهة) وشروحها، وفي كتب علوم الحديث المتأخرة عن الحافظ ابن حجر، حول هذه المسألة. لكني اكتفيت بما يدل على أن (المتواتر) ليس من مباحث علوم الحديث، ولا وجود له في واقع الروايات الحديثية. وذلك قادني إلى ذكر كلام الحافظ ابن حجر الآنف الذكر، وإلى ما نقلته عن كلامه من تعقب ورد.
غير أننا استفدنا من ذلك فائدةً بينةً، وهي تعمق أثر أصول الفقه على
стр. 116
مصنفات علوم الحديث، عبر العصور المتلاحقة.
ونعود الآن إلى التقسيم الذي وعدنا ببيانه.
إذن: ما هو التقسيم الذي ذكره الإمام الشافعي، والذي يرضاه المحدثون ولا يردونه؟
لقد قسم الإمام الشافعي (السنة) إلى قسمين، هما:
الأول: السنة المجتمع عليها، وهي نقل العامة عن العامة، جيلاً بعد جيل وأمةً بعد أمة. من أمثال: عدد ركعات الفروض، وأوقات الصلوات إجمالاً، ونحو ذلك من جمل الفرائض وغيرها. فهذا وأمثاله، مما لم يرد في كتاب الله تعالى، هو القسم الأول من السنن.
وهو أعلى من (الإجماع) ، إذ (الإجماع) هو: اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمرٍ من أمور الدين بعد وفاته (١) .
стр. 117
وأما (خبر العامة عن العامة) فهو إجماع على إجماع
ثم هو أيضاً غير (الإجماع) ، لأنه أعلى منه أولاً، ولأن الإجماع لا يجوز الجزم بنسبته إلى النبي ﷺ دائماً (١) ، أما (خبر العامة عن العامة) فهو (سنة مجتمع عليها) . ثم أيضاً قد فرق بينهما الإمام الشافعي، وهو صاحب هذا التقسيم (٢) .
وبعبارة أخرى: كل (خبر عامة عن عامة) (إجماع) من وجه، وليس كل (إجماع) (خبر عامة عن عامة) .
ثم هذا القسم من السنن ليس هو من عمل المحدثين، ولا من متعلقات علمهم، ولا هو الذي نقله حملة الآثار؛ فهذا تنقله الأمة جيلاً بعد جيل. بل هذا القسم لا يختص به العلماء دون العامة من العقلاء، فيستوي في العلم به جميعهم. كما سبق أن نقلنا عن الشافعي قوله: ((علم العامة: على ما وصفت، لا تلقى أحداً من المسلمين إلا وجدت علمه عنده، ولا يرد منها أحدً شيئاً على أحدٍ فيه..)) (٣) .
لذلك فليس هذا القسم قسماً من أقسام الأحاديث المسندة، ولا يحوز هذا القسم جزءاً من الأحاديث الموجودة في دواوين السنة، ولا يصح أن نقسم الآثار المروية بالأسانيد إلى (خبرعامة) و (خبر خاصة) .
(٢) ولا تظنن أن الشافعي قسم الأحاديث المسندة إلى (خبر عامة) و (خبر خاصة) ، إنما قسم الحجة الشرعية إلى أقسام، كان منها القسم الأول الذي ذكر فيه: كتاب الله، و (خبر العامة عن
стр. 118
العامة) . (١)
وبذلك يفترق (خبر العامة) عن (المتواتر) عند الأصوليين، بوجه آخر. فـ (المتواتر) عندهم يقتسم مع (خبر الآحاد) الأحاديث المسندة في كتب السنة، وليس كذلك (خبر العامة) ، كما قدمنا ذكره.
ومن لازم ذلك: أن لا تقول: ((إن هذا الحديث (خبر عامة) لأنه رواه كذا من الصحابة وأخرجه فلان وفلان)) ؛ لأنه لو لم يروه فلان وفلان، فقد تناقلته الأمة. وأنت بقولك ((رواه فلان وفلان)) على (خبر العامة) ، كمن يثبت البحر أمامه بغرفاتٍ منه
ولا أقول إن إخراج الأحاديث التي فيها ما ثبت بـ (خبر العامة) لا فائدة فيه؛ لكنك لا تخالفني في أن عقد باب ـ مثلاً ـ في: إثبات أن صلاة المغرب بين العصر والعشاء = أنه لا فائدة من هذا التبويب لكن الفائدة تحصل بما في الأحاديث التي فيه من الفوائد والأحكام الأخرى.
ومن ذلك كله، تعلم لم قال ابن حبان: ((إن الأخبار كلها أخبار آحاد)) ، لأنه لا قسيم لها في الدواوين المسندة
ومن لازم هذا كله أيضاً: أنه لا يوجد حديث من (خبر العامة) منقول بألفاظه وحروفه عن النبي ﷺ
نعم.. ولا حديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))
لكن تحريم الكذب على النبي ﷺ : (خبر عامةٍ عن عامة) ،
стр. 119
لأنه مما تناقلته الأمة جيلاً بعد جيل، يستوي في العلم بذلك عالمهم وعاميهم.
فيقال لي: إذن رجعت إلى أن (المتواتر المعنوي) هو (خبر العامة) عن العامة) .
فأقول: كلا، بل بعض (المتواتر المعنوي) من (خبر العامة عن العامة) ، وبعضه ليس منه. فليس (المتواتر المعنوي) هو (خبر العامة عن العامة) ، وإلا لو كان هو لتطابق.
والدليل على أن بعض (المتواتر المعنوي) لا يدخل في حد (خبر العامة عن العامة) ، هو: أولاً أنهم يتوسعون في (المتواتر المعنوي) توسعاً يدل على أنه عندهم غير (خبر العامة عن العامة) (١) ، بل ربما ذكروا ما اختلف في وضعه وكذبه أنه (متواتر تواتراً معنوياً) (٢) . ولم يكن هذا عن خطأ منهم في التمثيل، لا يتناول التقعيد. بل هذا هو (المتواتر المعنوي) عندهم، تقعديداً وتأصيلاً، بالدليل التالي:
وثانياً: أنهم ذكروا (المتواتر المعنوي) في مقابل (المتواتر اللفظي) ، وذكروا لهما الشروط نفسها والتعريف نفسه. فلو روى أربعة عندهم حديثاً بألفاظٍ مختلفة ومعنى واحدٍ، واستحال تواطؤهم على الكذب، ونقل إلينا خبرهم في جميع الطبقات على ما وصفنا = فهذا عندهم (متواتر المعنى) ؛ وهذا عندنا ليس هو (خبر العامة عن العامة) .
стр. 120
فليس (المتواتر المعنوي) هو (خبر العامة عن العامة) ، هذا شيء وذاك شيء آخر.
إذن فـ (السنة المجتمع عليها) أو (خبر العامة عن العامة) هو القسم الأول من أقسام (السنن) ؛ كذا بإطلاق (السنة) ، بلا قيد (المسندة) . فإن قيدتها بإنها (السنن المسندة) فليس (خبر العامة) قسماً من أقسامها، كما تقدم.
أما القسم الثاني (عند المحدثين كما ذكره الشافعي) : فهو (خبر الخاصة) وهو (الآحاد) ، وهو كل ما سوى (خبر العامة عن العامة) ، وهو ـ أيضاً ـ كل الأ×بار المسندة بألفاظها، وكل الآثار المروية بحروفها.
ومن (خبر الخاصة) : ما يرويه الواحد، وما يرويه الاثنان، والثلاثة، والعشرة.. والمائة مثل حديث ((من كذب علي متعمداً..)) فمن (خبر الخاصة) : (الفرد) ، و (الغريب) ، و (العزيز) ، و (المشهور) ، و (المستفيض) ، بل و (المتواتر) عند عامة الأصوليين والمصنفين في علوم الحديث، وكما قدمناه من تفسير البيهقي لـ (خبر الخاصة) (١)
ولذلك قال ابن حبان عبارته القاطعة: ((إن الأخبار كلها أخبار آحاد)) (٢)
هذا هو التقسيم الذي ذكره الإمام الشافعي، والذي لا يخالفه عليه المحدثون ولا غيرهم، لأنه مما لا يختلف أحد على اعتباره منطوقاً أو ضمناً
وكان يكفي ذكر هذا المبحث الطويل، حول تقسيم
стр. 121
الأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ، لبيان أثر اصول الفقه على علوم الحديث، ولإظهار كيف تدرج هذا التأثير، حتى طغى على كلام أهل الفن (المحدثين) ، فردت أقوال، وتؤولت أخرى، ونزل كلام على غير مراد قائله؛ حتى انطمست ـ أو كادت ـ معالم الحق والصواب
لكن بعد تقرير التقسيم الآنف الذكر ـ وهو التقسيم الذي رضيه المحدثون ـ تبين أن كل الأحاديث المسندة (أخبار آحاد) . و (خبر الواحد) العدل عند الأصوليين لا يفيد ـ بذاته ـ إلا الظن، فهل هذا الحكم لـ (خبر الواحد) هو نفسه حكم المحدثين عليه أيضاً؟
لذلك كان واجباً علي بيان حكم (خبر الواحد) العدل عند المحدثين.
فأقول: أولاً: لست أريد استيعاب كل ما يتعلق بهذه المسألة، فهذا أمر عظيم، لكنه ليس بحثي. لذلك فسأتجوز في هذه المسألة ما استطعت ذلك.
وثانياً: أنه مع أن الأحاديث النبوية عند أهل الحديث قسم واحد، فكلها (خبر آحاد) ، كما سبق تقريره = إلا أن المحدثين أعرف الناس بتفاوت مراتبها في الصحة، وأدراهم باختلاف درجاتها في القوة، وألحظهم لدقيق فروق ثبوتها. ولهم في ذلك صولات وجولات، لها في علمهم ساحات مباركات، لا تخفى على من نخاطبه ويدري الخطاب
لكن عدم اعتبار المحدثين لهذا التفاوت ولتلك الفروق في درجات الصحة والقوة مسوغاً لتقسيم الأحاديث على أساسه، يدل دلالةً واضحةً على أن تلك الفروق في درجات الثبوت لم تبلغ درجة التأثير على حجية الأخبار، فجميعها يشملها حكم واحد
стр. 122
يستفاد منها، لكن تتفاوت مراتب هذا الحكم الواحد.
وعندها نقول: إذا استفاد اليقين و (العلم) من بعض الأحاديث النبوية المتكلمون والجهلاء بالسنة وبعض من أعدائها وبعض من تأثر بهم في مثل ما أسموه بـ (المتواتر) وهو عند المحدثين من (الآحاد) ، وفي بعض (الآحاد) أيضاً إذا احتفت به القرائن عند المحققين في أصول الفقه (١) = إذا استفادوا (العلم) من بعضها، فالمحدثون الذين هم حملة الآثار وأمناء الوحي وورثة النبوة أولى بما يربو على ذلك ويزيد
فكل ما يفيد (العلم) عند الأصوليين يفيده عند المحدثين من باب أولى.
لكن بقي ما قال الأصوليون إنه يفيد (الظن الموجب للعمل دون العلم) بذاته، وهو (الآحاد) عندهم. غير أن المحققين منهم قالوا بإفادة (الآحاد) لـ (العلم) إذا احتفت به قرائن تقوية، و (العلم) حينها نظري عندهم، كما سبق آنفاً.
فنقول لهم: رضينا بهذا القدر منكم، فاثبتوا عليه
والحمد لله أن الأصوليين لم يتدخلوا في تحديق القرائن؛ إنما ضربوا أمثلةً عليها
стр. 123
قال بدر الدين الزركشي (محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي، المتوفى سنة ٧٩٤هـ) في كتابه (البحر المحيط في أصول الفقه) : ((لم يتعرضوا لضابط القرائن، وقال المازري: لا يمكن أن يشار إليها بعبارة تضبطها. قلت (القائل الزركشي) : ويمكن أن يقال: هي ما لا يبقى معها احتمال، وتسكن النفس عنده، مثل مكونها إلى الخبر المتواتر أو قريباً منه)) (١) .
قلت: وكل هذا يرضاه المحدثون من الأصوليين
فإن صحح المحدثون حديثاً، مما تفرد بروايته راوٍ واحد، وهم (أعني المحدثين) أهل هذه الصنعة، وأعرف الناس بقواعدها وجزئياتها، وأخبرهم بأصولها وفروعها؛ ثم تصحيحهم ذلك الحديث معناه أنه انتفت عنه كل: العلل الظاهرة (من طعن في الرواة أو سقط في الإسناد) والعلل الباطنة (من شذوذ وتفرد من لا يحتمل التفرد بمثل ما تفرد به) ، وقف عند العلل الباطنة، وقلب وجوهها ومعانيها عند المحدثين؛ لتعلم بعد ذلك كله، أنه إذا صحح المحدثون حديثاً (غريباً) (فرداً) = أنه أفاد العلم عندهم، لأنه استحال عندهم بعد النظر والاستدلال احتمال الكذب والغلط، ولاحت قرائن تفيد اليقين بذلك
ولا يعترض على المحدثين: بأن الأصوليين أو الفقهاء (غير المحدثين) لا يستفيدون (العلم) من ذلك الخبر، لأن عدم استفادتهم منه (العلم) لا ينفي أن غيرهم ممن الشأن شأنهم والفن فنهم والعلم علمهم = قد استفاد منه العلم
ولئن كان (المتواتر) منه ما هو عام يعرفه العامة، ومنه ما
стр. 124
هو خاص لا يعرفه إلا الخاصة من أهل العلم (١) . فكذلك القرائن: منها ماه وعام يعرفها الأصوليون والمحدثون، ومنها ما هو خاص لا يعرفه إلا المحدثون.
وما أشبه ذلك بـ (المتواتر) أيضاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (علم الحديث) : ((وعلماء الحديث يتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم، لكونهم سمعوا ما لم يسمع به غيرهم، وعلموا من أحوال النبي ﷺ ما لم يعلم غيرهم)) (٢) .
يقول ابن قيم الجوزية في (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) : ((وكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم، فضلاً أن يتواتر عندهم= فأهل الحديث: لشدة
عنايتهم بسنة نبيهم ﷺ وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله، يعلمون من ذلك علماً لا يكون فيه، مما لا شعور لغيرهم به البتة)) (٣) .
وكان قد قال ﵀ قل ذلك: ((وخصومهم ـ يعني خصوم أهل الحديث ـ إما أن ينكروا حصول (العمل) لأنفسهم، أو لأهل الحديث. فإن أنكروا حصوله لأنفسهم، لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم. وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث، كانوا مكابرين لهم على ما يعملونه من نفوسهم، بمنزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه وخوفه وحبه. والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق فيها فائدة، وينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله من المباهلة)) (٤)
стр. 125
واسمع الإمام مسلماً وهو يقول في كتابه (التمييز) : ((واعلم ـ رحمك الله ـ أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون بها دون غيرهم. إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر، من لدن النبي ﷺ إلى عصرنا هذا. فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم في المذهب، إلى: معرفة الحديث، ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار من نقال الأخبار وحمال الآثار. وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم، حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح)) (١) .
ثم قف على هذا الفصل النوراني، وسأنقله لك على طوله من كلام الإمام أبي المظفر منصور بن محمد التميمي السمعاني الشافعي (ت ٤٨٩هـ) . يقول ﵀ في كتابه (الانتصار لأهل السنة) : ((واعلم أن الخبر وإن كان يحتمل الصدق والكذب والظن وللتجوز فيه مدخل، ولكن هذا الذي قلناه (يعني من إفادة خبر الواحد للعلم) لا يناله أحد، إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه مشتغلاً بالحديث، والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا العلم، وكنه معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر، والبحث عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها. ولقد كانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمةٍ واحدةٍ يتقولها على رسول الله ﷺ ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك. وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا كما أدى إليهم. وكانوا في صدق العناية
стр. 126
والاهتمام بهذا الشأن: ما يجل عن الوصف، ويقصر دونه الذكر. وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم، ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه.
والذي يزيد ما قلنا إيضاحاً: أن النبي ﷺ حين سئل عن الفرقة الناجية قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) (١) ، فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ واصحابه، وليس طريق معرفته
إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك. وقد قال النبي ﷺ : ((لا تنازعوا الأمر أهله)) (٢) ، بكما يرجع في معرفة مذاهب الفقهاء الذين صاروا قدوةً في هذه الأمة إلى أهل الققه، ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة، وفي النحو إلى أهل النحو= كذا يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه إلى أهل الرواية والنقل، لأنهم عنوا بهذا الشأن، واشتغلوا بحفظه والفحص عنه ونقله، ولولاهم لا ندرس علم النبي ﷺ ، ولم يقف أحد على سنته وطريقته!
فإن قالوا: فقد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلط عليهم؟
قلنا: ما اختلط إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها،
стр. 127
ويأخذون جيادها. ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث، فلا يروج ذلك على جهابذة الحديث ورتوت (١) . العلماء، حتى إنهم عدوا أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون. بل تراهم يعدون على كل واحدٍ منهم في كم حديث غلط، وفي كم حرفٍ حرف، وماذا صحف.
(إلى أن قال:) فتدبر ـ رحمك الله ـ أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثار النبي ﷺ شرقاً وغرباً، براً وبحراً، وارتحل في الحديث الواحد فراسخ؛ واتهم أباه وأدناه في خبر يرويه عن النبي ﷺ إذا كان موضع التهمة، ولم يحابه في مقال ولا خطاب، غضباً لله، وحميةً لدينه؛ ثم ألف الكتب في معرفة المحدثين: أسمائهم وأنسابهم، وقدر أعمارهم، وذكر أصارهم، وشمائلهم وأخبارهم؛ وفصل بين الرديء والجيد، والصحيح والسقيم، حباً لله ورسوله، وغيرةً على الإسلام والسنة؛ ثم استعمل آثاره كلها، حتى فيما عدا العبادات، من أكله وطعامه وشرابه ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ودخوله وخروجه، وجميع سيرته وسننه، حتى في خطواته ولحظاته؛ ثم دعا الناس إلى ذلك، وحثهم عليه، وندبهم إلى استعماله، وحبب إليهم ذلك بكل ما يمكنه، حتى في بذلك ماله ونفسه = كمن أفنى عمره في أتباع أهوائه وآرائه وخواطره وهواجسه؟!!! (٢)) .
إذن فالأصل في (خبر الآحاد) الذي يصححه المحدثون أنه يفيد (العلم) عندهم، لأن تصحيح الحديث يقتضي عندهم: ادتماع غلبة الظن بصدق الخبر، مع قرائن إثباته. لأن غلبة
стр. 128
الظن تحصل بمجرد صحة السند، أي بانتفاء العلل الظاهرة. أما انتفاء العلل الباطنة، فهو قرائن الإثبات وعلامات مطابقة الخبر لواقع الحال، وهو (العلم) .
إذا علمت ذلك، بعد قراءتك كلام أبي المظفر السمعاني الآنف الذكر، فلا بد أنك توافقه وتوافقني في أن المرجع في تمييز الثابت من المشكوك فيه من سنة النبي ﷺ هم المحدثون، وأنهم القضاة الذين يحتكم إليهم في ذلك، وأنه لا يحق لمن ليس منهم أن ينازعهم شأنهم وأمرهم.
فإن قفلت: فما القول فيما لو اختلفوا في تصحيح حديث، فضعفه بعضهم وصححه آخرون؟
قلت: كما لو اختلف الفقهاء! فإن كنت من أهل فنهم، وتفقه أصوله وضوابطه، ومارست علومه ودقائقه؛ فارجع إلى حجة كل، ووازن، فلعلك تخرج بيقين، وترى الشمس كما رآها بعض من سبقك. أما إن لم تكن ممن يفهم هذا العلم، فاتبع، أو قلد، واختر في ذلك أعلمهم علماً وأتقاهم ديناً!!
المهم في ذلك، أن لا يكون اختلافهم دليلاً عندك على عدم استفادتهم العلم من صحيح (خبر الآحاد) ، كما لم يكن اختلافهم في تواتر خبر دليلاً على عدم إفادة (المتواتر) للعلم. ((وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا، وجهلنا إن جهلنا، حجة على وجوب ضياع الدين. بل الحق ثابت معروف عند طائفة، وإن جهلته أخرى، والباطل كذلك أيضاً. كما يجهل قوم ما نعلمه نحن أيضاً، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء)) (١) .
ولئن كنا آنفاً نقلنا لك كلاماً نورانياً، فسننقل لك الآن
стр. 129
كلاماً على ضده، لتعلم أنه (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب) ، وإن كان إماماً في فنه علماً في علمه
يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في (البرهان) : ((ذهبت الحشوية من الحنابلة، وكتبة الحديث: إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم. وهذا خزي، لا يخفى مدركه على ذي لب.
فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطىء؟
فإن قالوا: لا، كان ذلك بهتاً، وهتكاً وخرقاً لحجاب الهيبة، ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه. والقول القريب فيه: أنه قد زل من الرواة الإثبات جمع لا يعدون كثرةً. ولو لم يكن الغلط متصوراً، لما رجع راوٍ عن روايته، والأمر بخلاف ما تخيلوه.
فإذا تبين إمكان الخطأ، فالقطع بالصدق مع ذلك محال.
ثم هذا في العدل في علم الله تعالى، ونحن لا نقطع بعدالة واحد، بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر. ولا متعلق إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع)) (١) .
هذا كلام الجويني كاملاً بنصه.
ويكفي كلامه هذا ضعفاً، أن مثلي (في ضعفه) يرد على مثله (في إمامته وجلالته في الفقه وأصوله)
أما نبزة للحنابلة بـ (الحشوية) ، فـ (شنشنة نعرفها من أخزم) ،
стр. 130
وما كان لمثله أن نعرفه بها. لكنه تاب ﵀ ، ومن تاب تاب الله عليه
وأما قوله: ((إن خبر الواحد العدل يوجب العلم)) نقلاً عن المحدثين، فليس هذا قولهم مطلقاً، ومن هنا أتي ودخل عليه الداخل
فالمحدثون يستفيدون (العلم) مما صح عندهم من (خبر الواحد العدل) ، كما تقدم. والصحيح عندهم: ما اجتمع فيه أمران: الأول: غلبة الظن بصدق الخبر، بثقة الناقلين واتصال السند بالخبر؛ والثاني: قرائن مفيدة العلم، وهي انتفاء الشذوذ وجميع العلل الخفية القادحة. وقد سبق ذكر ذلك، وأنه أحد خصائص من فقه في علمهم، ووفقه الله تعالى للتقوى والعمل.
وقد سبق عن محققي الأصوليين، ومنهم إمام الحرمين: أن خبر الواحد يمكن أن يفيد العلم بالقرائن الشاهدة على صدقه (١)
فماذا ينكر إمام الحرمين من استفادة المحدثين للعلم من خبر الواحد المحتف بما يقوية؟
وعدم استفادة الأصوليين وغير المحدثين للعلم من قرائن استفاد المحدثون منها العلم، ليس دليلاً على عدم استفادة العلم من تلك القرائن مطلقاً. بل ليس أمراً مستنكراً ولا مستغرباً، بل هو المعروف المألوف، أن كل مختص بفن أعرف من غيره به، فـ (صاحب البيت أدرى بما فيه.. فلام النزاع؟
وقد قرر الأصوليون ذلك (٢)
стр. 131
يقول الآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام) : ((وبتقدير اتحاد الواقعة وقرائنها، لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص آخر، لتفاوتهم في قوة الإدراك والفهم للقرائن. إذ التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جداً: حتى إن منهم من له قوة فهم أدق المعاني واغمضها في أدنى دقيقة من غير كذ ولا تعب، ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا يدرك له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع اجد والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين؛ وهذا أمر واضح لا مراء فيه)) (١) .
ولعمري! إن مثل المحدثين وأهل الكلام مثل الأول والثاني في مقالة الآمدي المتقدمة!!!
وقد كان المحدثون وأئمة النقد منهم دائمي التصريح بأن خفايا علمهم ودقائق فنهم لا تبلغها كثير من الأفهام، ولا تعقلها غالب العقول.
يقول عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨هـ) : ((معرفة الحديث إلهام)) (٢) .
ويقول أيضاً: ((إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة)) (٣) .
ويقول أبو داود في (رسالته إلى أهل مكة) : ((وربما أتوقف عن مثل هذه ـ يعني إبراز العلل ـ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب
стр. 132
الحديث، لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا)) (١) .
ثم قال ابن مندة (أبو عبد الله محمد بن يحيى بن إبراهيم الأصبهاني الحافظ، المتوفى سنة ٣٠١هـ) : ((إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثيرٍ ممن يدعي علم الحديث، فأما سائر الناس: من يدعي كثرة كتابة الحديث، أو متفقه في علم الشافعي وأبي حنيفة ن أو متبع لكلام الحارث المحاسبي والجنيد وأهل الخواطر = فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحدث، إلا من أخذه عن أهله وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته)) (٢) .
فالذي يظهر بعد كل هذا: أن محل النزاع لم يحرر بين الأصوليين والمحدثين! فالأصوليون فهموا أن المحدثين يقولون بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً، ولا يقول ذل المحدثون؛ لكنهم يقولون: إن كل خبر صح عندنا فهو مفيد للعلم، والصحيح عندهم: خبر الواحد العدل المحتف بما يقويه من القرائن. لكن لجهل كثير من الأصوليين بعلم الحديث، ولعدم معرفة غالبهم بدقائق فنه، ظنوا أن المحدثين يكتفون بظاهر الإسناد، دون التدقيق في باطن علله،
ودون نقد المتون (٣) ! وهذا من خصائص علمهم التي لا يعلمها إلا العالمون!!
وليس أدل على نفي ما نسبه الأصوليون للمحدثين، من القول بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً: من تغليط المحدثين
стр. 133
للثاقات، وتوهيمهم العدول، وقولهم بشذوذ ما صح سنده أحياناً، وبتعليل ما ظاهره الثبوت أخرى، وترجح أحج المتعارضين من الأحاديث المقبولة كذلك! كل ذلك يكذب ما نسب إليهم، ويدفع ما ألصق عليهم!!!
وهذا كله حق واضح، وقول ناصح، بحمد الله تعالى. لذلك فمن قلة الإنصاف إطلاق الأصوليين القول: ((بعدم إفادة خبر الواحد العدل العلم)) ، وإن جاء بعد ذلك تقييد هذا الأطلاق بصفقة: غير المحف بالقرائن الشاهدة على صدقه!
فأولاً: لأن ذلك الحكم يوهم أنه هو الأصل الغالب في صحيح الأخبار، وليس كذلك بحمد الله تعالى. فالغالب في روايات العدول، عند المحدثين، الثبوت والصحة، بالقرائن الشاهدة على صدق خبرهم المشروحة سابقاً.
وأخيراً: لأن استثناء الأصوليين من ذلك الحكم العام: ما احتفت به القرائن، جاء وكأنه استثناء منقطع!! بدليل اعراضهم على المحدثين استفادتهم العلم بتلك القرائن من خبر الواحد العدل!!!
وثالثاً: حجة في العقائد والأحكام، عند السلف كلهم، وفيهم المحدثون.
وخالف في ذلك كثير من الأصوليين، من الأشاعرة والماتريدية، فقالوا: هو حجة في الفروع دون الأصول.
فأول ما يقال لهم: ومن فرق بين الأصول والفروع قبلكم؟! ومن إلى هذه البدعة سبقكم؟! وما ضابط الأصول والفروع عندكم؟!
стр. 134
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) على لسان أهل السنة والجماعة: ((قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره.
قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة = فهي باطلة عقلاً ... )) (١) ـ ثم أطال في رد ذلك ونقضه.
ولابن قيم الجوزية فصل بديع في هذا المعنى، عقده في كتابه (الصواعق المرسلة) (٢) ، حتم على كل مبتغٍ للحق في هذه المسألة أن يقرأه ويتدبره.
فإذا احتج المخالف للسلف بخبر الواحد العدل غير المفيد للعلم في الأحكام دون العقائد، بناءً على التفريق بينهما، ثم تبين له أن هذا التفريق باطل، فلا فرق أصلاً، ولا ظابط له = استلزم ذلك احتجاجه بخبر الواحد العدل مطلقاً، في الأصول والفروع! خاصةً وأن مآل الأحكام العملية عقائد علمية، بتضمن الحكم خبراً عن الله تعالى: أن هذا الفعل يرضيه، وأن ذلك يسخطه (٣) .
وثاني ما يقال لهم: إن الإجماع من الصحابة والتابعين وتابعيهم منعقد على وجوب الأخذ بخبر الواحد العدل مطلقاً، في العقائد والأحكام، ولم يكونوا يوجبون في أحاديث العقائد إلا
стр. 135
ما يوجبونه في أحاديث الأحكام من التثبت والتحري.
قال ابن عبد البر (أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري الأندلسي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ) في كتابه (التمهيد) : ((والذي نقول به: إنه (يعني: خبر الواحد) يوجب العمل دون العلم، كشهادة الشاهدين والأربعة سواء. وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة ولهم في الأحكام ما ذكرنا)) (١) .
وقال ابن قيم الجوزية في رده على من لم يحتج بخبر الآحاد في العقائد، في كتابه (الصواعق المرسلة) ، قال: ((وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى بها. فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرةٍ بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها
بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقها عنهم جميع التابعين، من أولهم إلى آخرهم ... )) (٢) .
إذن: فانعقد الإجماع، وانسد الباب، وقيل الحمد لله رب العالمين!
ورابعاً: أن كثيراً من مصطلحات هذا الباب مصطلحات غريبة على علوم الحديث، لا يعرفها سلف المحدثين، ولا يرضاها متقدموهم. كما سبق في التقسيم ذاته إلى (متواتر) و (آحاد) ، من أن أهل الحديث لم يكونوا قائليه ولا قابليه.
стр. 136
فبالأحرى أن يكون ما تفرع عن هذا التقسيم، ن حكم كل قسم ٍ (مثلاً) ، غير داخلٍ في مصطلح القوم، ولا بالذي يرضونه.
ومن هذه المصطلحات: (العلم: الضروري، والنظري) ، و (الظن الموجب للعمل دون العلم) = فهي علم غريب وألقاب متطفلة على علوم الحديث ومصطلحه.
سال أبو بكر المروذي (أحمد بن محمد بن الحجاج، المتوفى سنة ٢٧٥هـ) الإمام أحمد، قائلاً: ((ها هنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً؟ قال: فعابه، وقال: ما أدري ما هذا؟!!)) (١) .
بعدم الرضى الصريح هذا يجيب إمام أهل الحديث ومقدمهم على هذه الألقاب الدخيلة.
وقد سبق أن المحدثين لا يجهلون أن (خبر الواحد) العدل بذاته لا يفيد اليقين، المستفاد مما احتفت به قرائن تقويه. لكن لما كان (خبر الواحد) العدل عند المحدثين حجة توجب الالتزام بطلبه وتصديق خبره مطلقاً، لم يروا هناك حاجةً إلى تلك الألقاب والتقسيمات، لأنه لا فائدة منها ولا طائل تحتها!
وبعد أن لم يكن لتلك الألقاب وتقسيمها معنى، انظاف إلى ذلك أنها ألقاب سوء وأسماء شؤم على السنة النبوية! فكيف يقال عن الحجة الملزمة: (ظن) ؟! وما العمل الذي يوجبه ما لا يفيد حتى العلم به؟!!!
وأضف إلى ذلك أن هذه الألقاب صدرت أول ما صدرت عن موردٍ مسموم، ونبعها مستنقع وخيم. فإنما خرجت (أولاً)
стр. 137
من فم جهمي، أو شفتي فيلسوف دهري. فما هي إلا نفثات ساحرٍ أثيم، أو فحيح ثعبان أرقم، أو وسوسة شيطان مارد= فمن يصغي لهؤلاء؟! أم من يقترب منهم؟!!
ومن زعم أن الإمام الشافعي يقول: إن (خبر الواحد) العدل يفيد الظن الموجب للعمل دون العلم، فقد أخطأ عليه خطأ بيناً!!
وسوف نقف مع الإمام الشافعي من هذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى.
أما الإمام أحمد الذي نقلنا عنه إنكاره لتلك الألقاب، فيقول: ((إذا كان الخبر عن رسول الله ﷺ صحيحاً ونقله الثقات فهو سنة، ويجب العمل به على من عقله وبلغه، ولا يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياس)) (١) .
وقال أيضاً: ((خبر الواحد صحيح إذا كان غسناده صحيحاً)) (٢) .
وقال أيضاً: ((من الناس من يحتج في رد خبر الواحد: بأن النبي ﷺ لم يقنع بقول ذي اليدين، وليس هذا شبيه ذاك، ذو اليدين أخبر بخلاف يقينه (أي: يقين النبي ﷺ . ونحن ليس عندنا علم نرده، وإنما هو علم يأتينا به)) (٣) .
انظر إلى أدب العبارة، وتعظيم الأثر، وشدة التسنن؛ في قوله عن (خبر الواحد) العدل: (سنة) ، و (صحيح) ، بل و (علم) ! أين هذا من قولهم: ظن يوجب عملاً ولا يوجب علماً؟!!
стр. 138
ولا تقل: الخلاف لفظي!
أولاً: لأنه ليس كل خلاف لفظي أمراً هيناً. فإن كان في هذا الخلاف اللفظي تعظيم للسنة وحفاظ على حرمتها، أو عدم تعظيم لها ولا حفاظ على حرمتها؛ فهل يكون الأمر هيناً؟!
وثانياً: أن قولهم بأن (خبر الواحد) العدل ظني الثبوت، مهد لهم هذا اللفظ السيء أن هذا الخبر لا يثبت اليقينيات (العقائد) ! فالخلاف من هذا الوجه ليس لفظياً، بل هو حقيقي معنوي (١) !!
أما الإمام الشافعي ودعوى قوله بإفادة (خبر الواحد) العدل للظن دون العلم، فغير صحيح عنه، بل هو خطأ بين عليه.
وقد تعرض الإمام الشافعي لهذه المسألة في مواطن من كتبه، فسأنقلها لك، لنعرف حكم الشافعي وقوله فيها.
قال الإمام الشافعي في (الرسالة) : ((فإن قال قائل: هل يفترق معنى قولك (حجة) ؟
قيل له إن شاء الله: نعم.
فإن قال: أبن لي؟
قلنا: أما ما كان نص كتابٍ بين أو سنةٍ مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منها، ومن امتنع من قبوله استتيب.
فأما ما كان من سنةٍ من خبر الخاصة، الذي قد يختلف الخبر فيه، فيكون الخبر محتملاً للتأويل، وجاء الخبر فيه من
стр. 139
طريق الانفراد= فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصاً منه، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله.
ولو شك في هذا شاك لم نقل له: تب، وقلنا: ليس لك ـ إن كنت عالماً ـ أن تشك، كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم)) (١) .
هذا أول تلك المواطن، وأقواها تمسكاً لمن نسب إلى الشافعي غير مراده.
لكني أكمله بنقل آخر، ثم نتبعهما بالبيان.
قال الإمام الشافعي في (الرسالة) أيضاً: ((العلم من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر.
فالإحاطة منه: ما كان نص حكم الله أو سنةٍ لرسول الله نقلها العامة عن العامة. فهذان السبيلان اللذان يشهد بهما فيما أحل أنه حلال، وفيما حرم أنه حرام. وهذا الذي لا يسع عندنا جهله ولا الشك فيه.
وعلم الخاصة سنةً من خبر الخاصة، يعرفها العلماء، ولم يكلفها غيرهم، وهي موجودة فيهم أو في بعضهم، بصدق الخاص المخبر عن رسول الله بها. وهذا اللازم لأهل العلم أن يصيروا إليه، وهو الحق في الظاهر. كما نقتل بشاهدين، وذلك حق في الظاهر، وقد يمكن في الشاهدين الغلط)) (٢) .
стр. 140
هذا كلام الشافعي، وله كلام في موطن آخر من (الرسالة) هذا يغني عنه (١) ، وله كلام في كتبه الأخرى عن هذه المسألة، سوف نذكره لك خلال بياننا لمعاني كلام الشافعي، إن شاء الله تعالى.
فأول ما أنبهك عليه في فهمنا لكلام الشافعي، أن تترك إلفك العلمي السابق، وما اعتدته من مباحث هذه المسألة عن أصول الفقه. ورجائي هذا ليس فيه تحكم ولا مصادرة، لكن أنت معي أن أولى ما حمل عليه كلام امرىءٍ هو كلامه نفسه، وما يتضمنه من معاني ألفاظه؛ وأن التحكم الحق والمصادرة الواقعة هي صرف كلام الرجل عن ظاهره ليوافق كلاماً لآخر. كيف إذا كان الحال بين الرجلين متبايناً؟! والجهة بينهما منقطعة؟! وهذا ما بيناه سابقاً (٢) ، من مفارقة (الرسالة) ومصنفها الإمام الشافعي، في العقيدة ومصادر التلقي والمنهج الفكري، عن كتب أصول الفقه بعده ومصنفيها (غالباً) .
ثم نقف مع كلام الشافعي وقفات:
الوقفة الأولى: مع النقل الأول عن الشافعي، بما يدل على أنه في غير محل النزاع، ببيان أنه قسم في ذلك النقل تقسيماً يختلف عن التقسيم الذي نبحث فيه.
فالإمام الشافعي إنما كان يقسم الحجة، كما صرح بذلك: ((فإن قال قائل: هل يفترق معنى قولك (حجة) ؟)) . أما نحن فنبحث في تقسيم أحاديث النبي ﷺ ، إلى (متواتر) و (آحاد) ، وفي حكم هذين القسمين.
стр. 141
والفارق بين كل تقسيم وآخر أن الواجب على صاحب كل تقسيم أن يستوعب أقسامه، دون أمثلته، وهذا ما وقع للشافعي.
فعندما تكلم عن الحجة، من حيث الحكم المستنبط منها، هل هو قطعي أم ظني؛ استوعب هذين القسمين. فمثل للحجة المفيدة لحكم قطعي: بنص الكتاب ونص السنة المجتمع عليها، لأنهما جمعا قطعية الثبوت
والدلالة. ومثل لحجة المفيدة لحكم ظني: بخبر خاصةٍ محتملٍ للتأويل لا يعرف إلا من جهة راوٍ واحد (حديث غريب) ، يشير بذلك إلى أنه ظني الدلالة والثبوت. فواضح من تمثيله أنه ترك: قطعي الثبوت ظني الدلالة، وقطعي الدلالة ظني الثبوت، وهما في الحقيقة مثالاان من أمثلة القسم الثاني عند الشافعي وهو الحجة المفيدة لحكمٍ غير مقطوع به.
إذن فلا يعني تقسيم الشافعي ذاك أن كل خبر خاصةٍ (آحادٍ) يفيد عنده (الظن) ، لأنه لم يقل ذلك، ولم يقل ما يدل على ذلك.
وقد تعقب ابن قيم الجوزية كلام الشافعي هذا بنحو ما ذكرنا، فقال في (الصواعق المرسلة) : ((فهذا نصه في خبرٍ يحتمل التأويل، ليس معه غير كونه خبر واحد، وهذا لا تنازع فيه، فإنه يحتمل سنداً ومتناً)) (١) .
الوقفة الثانية: أن (خبر الخاصة) عند الشافعي، كما عند جميع المحدثين، هو أحاديث النبي ﷺ كلها، ما سماه الأصوليون بـ (المتواتر) وما سموه بـ (الآحاد) . كما سبق إثباته
стр. 142
بتوسع (١) ، وكما نقلناه من تفسير البيهقي أيضاً لكالم الشافعي (٢) .
وإذا كان الأصوليون يستفيدون من بعض (خبر الخاصة) علماً، فأهل الحديث (والشافعي على رأسهم) أولى بذلك وبما فوقه. ولا يعقل أن يكون الشافعي لا يستفيد علماً من كل أحاديث النبي ﷺ ، ويستفيد العلم من كثيرٍ منها الجهلاء بالسنة من أهل الكلام!!
الوقفة الثالثة: أن الشافعي لم يطلق على (خبر الخاصة) أنه يفيد (الظن المودب للعمل دون العلم) ، ولم يتلفظ بهذه الألفاظ.
أما حكم الشافعي على (خبر الخاصة) ، كما في النقل الثاني عنه، فهو أنه يفيد (الحق في الظاهر) .
والحق في اللغة: نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره (٣) .
فأين (الحق من (الظن) ؟!!
وأما أنه (لا يفيد العلم) ، فيكيف؟! والشافعي يقول في فاتحة كلامه: (( (العلم) من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر)) .
ويؤكد الشافعي أن (خبر الواحد) مفيد للعلم في كتابٍ آخر له، هو كتاب (اختلافه ومالك) . حيث ذكر مناظرةً له مع من لم
стр. 143
يقبل خبر الواحد فيما إذا خالفته فتوى بعض الصحابة، فقال الشافعي: ((أرأيت إن قال لك قائل: أتهم جميع ما رويت (يعني ما فتاوى الصحابة) عمن رويته عنه، فأخاف غلط كل محدثٍ منهم عمن حدث عنه، إذا روي عن النبي ﷺ خلافه.
قال: لا يجوز أن يتهم حديث أهل الثقة.
قلت: فهل رواه عن أحدٍ منهم إلا واحد عن واحد؟
قال: نعم.
قلت: رواه عن النبي ﷺ واحد عن واحد؟
قال: نعم.
قلت: وعلمنا بأن النبي ﷺ قاله، علمنا بأن من سمينا قاله؟
قال: نعم.
قلت: فإذا استوى العلمان من خبر الصادقين، أيهما كان أولى بنا أن نصير إليه؟ آلخبر عن رسول الله ﷺ أولى بأن نأخذ به؟ أم الخبر عمن دون؟
قال: بل الخبر عن رسول الله ﷺ إن ثبت.
قلت: ثبوتهما واحد.
قال: فالخبر عن رسول الله ﷺ أولى أن يصار إليه.
وإن أدخلتم على المخبرين عنه أنهم يمكن فيهم الغلط،
стр. 144
دخل عليكم في كل حديثٍ روي مخالفٍ الحديث الذي جاء عن رسول الله ﷺ . فإن قلتم: ثبت بخبر الصادقين، قلنا: فما ثبت عن النبي ﷺ أولى عندنا أن يؤخذ أن يؤخذ به)) (١)
قال ابن قيم الجوزية معلقاًً على كلام الشافعي هذا، في (الصواعق المرسلة) : ((فقد نص ـ كما ترى ـ بأنه إذا رواه واحد عن واحد عن النبي ﷺ يعلم أن النبي ﷺ قال، بصدق الراوي عندنا. ولا يناقض هذا نصه في (الرسالة) ، فإنه نفى هناك أن يكون العلم المستفاد منه مساوياً للعلم المستفاد من نص الكتاب وخبر التواتر، وهذا حق، فإن العلم يتفاوت في القوة والضعف)) (٢) .
الوقفة الرابعة: أنه على افتراض أن قوله (حق في الظاهر) تساوي (الظن الموجب للعمل دون العلم) عند الأصوليين، فإن هذا يكون حكم (خبر الخاصة) بنفسه دون احتفافه بالقرائن.
وهذا هو الواجب أن نصير إليه، فيمالو أطلق الإمام الشافعي على (خبر الخاصة) أنه يفيد (الظن) ، فضلاً عن إطلاقه عليه أنه يفيد (الحق في الظاهر) . لأنه لو أطلق على (خبر الخاصة) غير المحتف بالقرائن، ولا يجوز غير هذا المحمل. لأنه كما قدمنا في الوقفة الثانية: أن من (خبر الخاصة) (المتواتر) و (خبر الواحد) المحتف بالقرائن، وهما عند الأصوليين يفيدان العلم، فأنى لا يفيدانه للشافعي؟!
ونرجع حينها إلى الفرق بين العبارتين المتحدتين في
стр. 145
المعنى، في تعظيم السنة، وحياطة حرمتها: (حق في الظاهر) ، و (ظن يوجب العمل دون العلم) !!
بل يقول الشافعي عن الخبر المحتمل للتأويل والغريب في إسناده: ((فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصاً منه)) ، كما سبق في النقل الأول عنه.
فلاحظ الفرق بين العبارات في الأدب والتعظيم والإجلال للسن!!!
الوقفة الخامسة: أن الإمام الشافعي لا يقيس (خبر الواحد العدل) على (شهادة العدلين) عند القضاة.
وقد نص الإمام الشافعي على ذلك، عندما بدأ حجاجه في إثبات حجية خبر الواحد، طلب خصم الشافعي منه أن يوضح له حجية (خبر الواحد) بقياسه على أمرٍ معروف عندهما. فقال له الشافعي: ((أتريد أن أخبرك بشيء يكون هذا قياساً عليه؟
قال: نعم!
(قال الشافعي:) قلت: هذا أصل في نفسه، فلا يكون قياساً على غيره، لأن القياس أضعف من الأصل)) (١) .
ثم بعد ذلك بين الشافعي لخصمه ما تختلف فيها الشههادا عن (خبر الواحد) ، وما يتفقان فيه. فقال في باب بيان وجوه الاختلاف: ((ثم يكون بشر كلهم تجوز شهادته، ولا أقبل حديثه، من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الإحالة وإزالة بعض المعاني)) (٢) .