← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9247

المنهج المقترح لفهم المصطلح

حاتم العوني

Полный текст (278 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وذلك فيه بعض النقاقض، والذي قادهما إليه التزام صناعة الحدود المنطقية!! ويستمر هذا النظر، بالانتقاد نفسه، إلى الحافظ ابن حجر. فعندما ذكر الحافظ تعريف الخطابي للحديث الحسن، وما وجه إليه من انتقاد، ذكر جواباً عن ذلك الانتقاد للحافظ العلائي (خليل بن كيكلدي، الموفى سنة ٧٦١هـ) . فقال الحافظ ابن حجر، مشيراً إلى جواب العلائي: ((وعلى تقدير تسليم هذا الجواب، فهذا القدر غير منضبط، فيصح ما قال القشيري (يعني ابن دقيق العيد) : أنه على غير صناعة الحدود والتعريفات)) (١) . فالانتقاد المتوجه على تعريف الخطابي للحديث الحسن، عند الحافظ ابن حجر: أنه على غير صناعة الحدود المنطقية! ثم يهاجم علامة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير (ت ١١٨٢هـ) الحافظ ابن حجر، فيقول في (توضيح الأفكار) : ((ويقال للحافظ: وكذلك تعريفك (الحسن) في النخبة وشرحها بقولك: (فإن خف: أي قل الضبط، مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح فحسن لذاته) = غير منضبطًٍ أيضاً، فإن خفة الضبط أمر مجهول)) (٢) . ثم أخذ الأمير في بيان العموم والخصوص المذكور بين (الصحيح) و (الحسن) ، وتوسع غاية التوسع في شرح (العموم) و (الخصوص) عند الأصوليين (٣) ، حتى إن الناظر في كلامه ليعجب من هذا المبحث الأصولي البحت، ما الذي جاء به إلى مبحث (الحديث الحسن) ؟

стр. 212

ثم ينتقل الأمير إلى علم المنطق الخالص: إلى الكلام عن الحدود والرسوم، والفرق بينهما، وعلاقتهما بالمعرفات.. وغير ذلك من علم المنطق الصرف (١) ؛ وهذا كله في مبحث (الحديث الحسن) وخلال كلام الأمير هذا، جاءت كلمة ابن الوزير الفاصلة، والقول الحق، الذي كنا قد ذكرناه سابقاً، وهو قوله: ((وذكر الحدود المحققة أمر أجنبي عن هذا الفن، فلا حاجة إلى التطويل فيه)) (٢) وأكتفي بهذا القدر اليسير في حجمه، العظيم في دلالته، من الكلام عن منهج من جاء بعد ابن الصلاح، لنقف عند تحولٍ جديد وأعمق في هذا العلم. ونحن في هذه الوقفة، عند هذا التحول في منهج التصنيف في علوم الحديث، لنرى (فكرة تطوير المصطلحات) ماثلةً أمام أعيننا، ونمسك أثر علوم المنطق وأصول الفقه متجسداً في أحد تصانيف هذا العلم. أعني بهذا كتاب (نزهة النظر (٣) في توضيح نخبة الفكر) ، كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . و (النخبة) وشرحها هذان، من حين ما صنفا، احتلاً مكان الصدارة في كتب علوم الحديث، (فلا يحصى كم ناظمٍ لها

стр. 213

ومختصر، ومستدرك عليها ومقتصر، ومعارضٍ لها ومنتصر) (١) . لذلك كان للمنهج الذي سار عليه الحافظ فيهما أكبر الأثر فيمن جاء بعده، إلى عصري هذا وقبل دخولي في بيان المؤخذات على (نزهة النظر) ، أحيل القارىء الكريم إلى كلامٍ سابقٍ لي، اعتذرت فيه عن تكرير ديباجة الاعتذار عند كل نقدٍ علمي موضوعي (٢) ، فلا تأثم - لا أثمت - بسوء النية قبل الوقوف عليها أقول هذا لما لـ (تزهة النظر) من قدسيةٍ لا تنال عند أهل عصري، وكأنها كتاب ناطق أو سنة ماضية وليس عندي - بحمد الله - لغير كتاب الله وصحيح سنة رسول الله ﷺ وما أرشدا إليه قدسية، فالكتاب وحده الذي اختص بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الثابتة وحدها المعصوم صاحبها ﷺ ، وما أرشدا إليه وحده هو شرع الله العظيم الكامل التام. وليس عندي أيضاً ـ بحمد الله ـ أدنى شك في أهمية كتاب (نزهة النظر) ، وفي كثيرٍ من مباحثه الجليلة العظيمة النفع. كل ما في الأمر أني رأيت لـ (نزهة النظر) في بعض مباحثه منهجاً غريباً على علوم السنة، وغاية أغرب في تفسير مصطلحاتها. وأحسب هذا المنهج والغاية خطيرين على السنة النبوية وعلومها، فلم أر الأمر يسعني بالسكوت عن ذلك. وإياك إياك أن تتفرس الأسطر، وتقرأ ما بينها (بزعمك) ،

стр. 214

لتقول علي ما لم أقل، وتنسب 'لي ما لا علاقة لي به. فمرادي هو المنطوق دون المفهوم ولازم مذهبي بلازم والله يعينني وإياك على طريق الحق وقبوله وأقول هذا، لنه قد بلغ الأمر على درجة أن الناظر في (نزهة النظر) يحسب أن الحافظ يصنف في بيان مصطلحه الخاص به، أو أن للحافظ الحق في التحكم بمصطلحات المحدثين، بتصويب هذا وتخطيء ذاك، وباختيار مدلول دون آخر، وبابتداع فروق وقيود جديدة على المصطلحات ومعانيها بل لقد قيل لي مرة، عندما عرضت رأيي من هذه المسألة، وهوجم ـ بالطبع للدفاع عن (النزهة) ، قيل لي: لا مشاحة في الاصطلاح، والحافظ حر فيما يقول ويصطلح فقلت جواباً عن هذا ـ ولا حاجة لهذا إلى جواب، بعد بيان خطر (فكرة تطوير المصطلحات) وخططها (١) ـ: لقد سمى الحافظ كتابه بـ (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) ، ولم يقل: في (مصطلح) أما أدلة هذا الهجوم (عند من لا يعرفني مع الحافظ والنزهة) ، والبيان والتوضيح للحق (عند من يعرفني معها) ، فالآتي: حيث يبدأ عمق التأثر بعلم المنطق بالوضوح، من حيث النظر في ترتيب (النزهة) ، الترتيب المغاير لكل الكتب السابقة في علوم الحديث.

стр. 215

فالكتاب مبني في ترتيبه على أساس (التقسيم العقلي) (١) . عند المناطقة، أو ما يشبه (السبر والتقسيم) (٢) المعروف عند الأصوليين في مسالك العلة من باب القياس. وليس في هذا الترتيب مؤاخذة على الحافظ، لكن ذلك يدل على تغلغل أثر (علم المنطق) وتعمق (الأصول) في فكر الحافظ ومنهجيته،، إلى درجة بناء الكتاب في ترتيبه على أساسها. ثم أول ما يبدأ به الكتاب: تقسيم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، وقد خطا الحافظ في هذا التقسيم خطوةً جديدة، دالةً على مزيد تأثره بأصول الفقه على ابن الصلاح. وقد سبق ذكر بعض ما يتعلق بذلك (٣) ، وقي أشياء لا أطيل بها وفي أثناء هذا التقسيم، وعند كلامه عن أقسام (الآحاد) ، حصر الحافظ (العزيز) فيما لم يروه أقل من أثنين عن اثنين (٤) ، و (المشهور) فيما رواه ثلاثة فصاعداً، ما لم يبلغ حد التواتر (٥) . مع أن الذي قرره أبو عبد الله ابن منده (ت ٣٠١هـ) ، وهو من (أهل الاصطلاح) ، وتابعه ابن الصلاح: أن (العزيز) ما رواه

стр. 216

اثنان أو ثلاثة (١) . فما حجة الحافظ في ذلك الحصر؟ وفي مخالفة أهل الاصطلاح؟ وفي أثناء ذلك المبحث أيضاً، بل في آخره، تعرض الحافظ لمصطلحي (المرسل) و (المنقطع) ، كما أنه تعرض لهذين المصطلحين في موضعهما من بيان أنواع السقط في الإسناد. وخلاصة ما ذهب إليه هو أن: (المرسل) : ما سقط من آخره من بعد التابعي (٢) . و (المنقطع) : ما سقط من أثنائه واحد، أو أكثر بشرط عدم التوالي (٣) . وقال: ((أكثر المحدثين على التغاير، لكنه عندإطلاق الاسم. وأما عند استعمل الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلاً أو منقطعاً. ومن ثم أطلق غير واحدٍ، ممن لم يلاحظ مواضع استعماله، على كثيرٍ من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع. وليس كذلك، لما حررناه)) (٤) . فالحافظ ـ بدءاً ـ يعترف بأن المغايرة بين (المرسل) و (المنقطع) ، ليس إجماعاً من المحدثين، وإنما ذلك ـ بزعمه ـ عند أكثر المحدثين. فربما قابلهم كثيرون لا يغايرون، أو قليلون

стр. 217

إذن فحصره المصطلح في أحد معانيه عند بعضهم دون بعضٍ تحكم لا دليل ولا مسوغ له، والواجب علي فهم أن في الاصطلاح اختلافاً في مدلوله بين المحدثين، حتى يمكنني تنزيل كلامهم منزلته وفهمه على وجهه. وأحسب أن الحافظ أراد بنقده (لمن لم يلاحظ مواضع الاستعمال) ـ كما قال ـ الخطيب البغدادي، حيث قال في (الكفاية) : ((أما (المرسل) : فهو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ) (١) . وكلام الخطيب هذا هو الصواب في تعريف (المرسل) ، وهو من بديع كلام الخطيب في شرح مصطلح الحديث. والتدلي على صوابه يكون بالرد على الحافظ ابن حجر! فالحافظ يزعم أن المغايرة بين (المرسل) و (المنقطع) تظهر في الاسم، دون الفعل المسشتق، كما سبق نقل كلامه. فأين الحافظ في زعمه هذا عن (المراسيل) لأبي داود؟ ! وفيه من رواية التابعي عمن لم يدركه من الصحابة روايات عدة (٢) . فهي عند الحافظ من (المنقطع) دون (المرسل) ، مع ذلك ذكرها أبو داود في (المراسيل) ، و (المراسيل) اسم لا فعل!! كلا.. لا (أين) ! فالحافظ كان عالماً برأي أبي داود هذا (٣) !! لكن يبدو أنه ألغاه من الاعتبار في شرح المصطلح،

стр. 218

لأنه من الكثيرين الذي خالفوا الأكثرين!!! أم كيف غاب عن الحافظ (المراسيل) لا بن أبي حاتم، وجله في الانقطاع قبل الصحابي؟!!! وفيه أقوال بالغة الكثرة لأئمة كثيرين من أهل الحديث، يعبرون فيها عن عدم سماع راوٍ من راوٍ بأنه (مرسل) ، كذا بالصيغة الاسمية!! ثم أخيراً: أين (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) للعلائي عن الحافظ؟! وهو على نمط سابقه!! وهذا كله في إطلاق (المرسل) بالصيغة الاسمية على (المنقطع) عند الحافظ، فماذا يقول؟!! وأما إطلاق (المنقطع) على (المرسل) ، فوارد في صريح كلام الإمام الشافعي في (الرسالة) ، حيث قال: ((المنقطع مختلف: فمن شاهد أصحاب النبي ﷺ ، فحدث حديثاً منقطعاً عن النبي= اعتبر عليه بأمور ... )) (١) .

стр. 219

هذا هو الكلام الذي نقل عن الحاكم، وفهم منه أن الحاكم يحصر مصطلح (المرسل) في الصورة التي ذكرها، وهي رواية التابعي عن النبي ﷺ . بل ظاهر كلام الحاكم، أن الإجماع منعقد على ذلك. لكن سبب الخطأ في فهم كلام الحاكم على ذلك أنه حذف منه أوله! حيث ابتدأ الحاكم هذا النوع بقوله: ((النوع الثامن من هذا العلم: معرفة المراسيل المختلف في الاحتجاج بها ... )) (١) . فالحاكم إذن لا يتكلم عن (المرسل) بإطلاق، إنما يتكلم عن (المرسل) الذي وقع الاختلاف في الاحتجاج به. هذا ظاهر كلام الحاكم، وصريح عبارته!! ثم يؤده إطلاق الحاكم في غير موطن من كتبه لفظ (المرسل) واشتقاقاته على غير ما حصر فيه. وذلك في مثل قوله عن حديثٍ للحسن البصري عن علي بن أبي طالب ﵁:

стр. 220

((إسناد صحيح الرواة، مرسل عن علي)) (١) ، وكقوله أيضاً على حديث آخر للحسن عن عائشة ﵂: ((هذا حديث صحيح إسناده، لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة)) (٢) . ونحو الحاكم في هذه المسألة الحافظ ابن عبد البر، وكلامه عن (المرسل) في كتابه (التمهيد) (٣) !! وأكتفي بهذه الإشارة والدلالة، عن التطويل في الإيضاح والبيان. وننتقل عن هذه المسألة إلى دليل آخر على تبني الحاغفظ لـ (فكرة تطوير المصطلحات) . ففي تعريف الحافظ لـ (العلة) في اللاصطلاح تغير لمدل المصطلح عند أهله، كما سبق بيانه فيما تقدم من هذا الباب (٤) . ثم نقف عند مصطلحي (المنكر) و (الشاذ) ، وما يقابلهما (المعروف) و (المحفوظ) . أما (المنكر) و (الشاذ) ، فقد فرق بينهما الحافظ، وقصر مدلوليهما وقده بوقوع مخالفة، فإن كانت مخالفة مقبول فهو (الشاذ) ، وإن كان ضعيفاً فهو (المنكر) (٥) مع أن ابن الصلاح قبله لم يفرق بين (المنكر) و (الشاذ) (٦) !

стр. 221

بل والحافظ نفسه يعترف بعدم انضباط هذا التعريف في استخدامات المحدثين، وأنهم يطلقونهما على مدلولات أوسع مما ضيقها فيها الحافظ (١) . ومما سبق ذكره، ويعرفه الحافظ، أن الإمام أحمد والنسائي يطلقان النكارة على مطلق التفرد (٢) . وقد سبق الكلام عن خطأ إغفال هذا الاستعمال في شرح مصطلح (المنكر) (٣) ، فضلاً عن غيره من استعمالاته واستعمالات (الشاذ) . ثم إن الحاكم أبا عبد الله، وهو من أهل الاصطلاح، عرف (الشاذ) ، وضرب له أمثلة. فلم لم يلتزم الحافظ تعريفه (٤) ؟! وأيضاً فقد عرف (المنكر) الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون بن روح الرديجي (ت ٣٠١هـ) ، وهو من أهل الاصطلاح. فبأي حق يخالفه الحافظ (٥) ؟! أما دعوى أن مقابل (الشاذ) (المحفوظ) ، وأن مقابل (المنكر) (المعروف) ، كذا قسمةً باتة= فأجزم أنها من كيس الحافظ، وانه لم يسبق إليها، ولا هناك ما يدل عليها!!! وكتب العلل مليئة بإطلاق (المحفوظ) و (المعروف) دون التفات إلى هذا التقسيم، أو اعتباره (٦) !! وقد نبه إلى ذلك ابن قطلوبغا في حاشيته على (نزهة) !

стр. 222

قال ابن قطلوبغا عند تقسيم الحافظ وتعريفه لـ (المنكر) و (الشاذ) وما يقابلهما: ((وما ذكره في توجيهه ليس على حد ما عند القوم)) (١) . وقال ابن قطلوبغا أيضاً معلقاً على قول الحافظ ((وقد غفل من سوى بينهما)) ، قال: ((قد أطلقوا في غير موضع (النكارة) على رواية الثقة مخالفاً لغيره، من ذلك: حديث نزع الخاتم (٢) ، حيث قال أبو داود: ((هذا حديث منكر)) (٣) ، مع أنه من رواية همام بن يحيى، وهو ثقة احتج به أهل الصحيح. وفي عبارة النسائي، ما يفيد ـ في هذا الحديث بعينه ـ أنه (أي المنكر) يقابل (المحفوظ) (٤) . وكأن (المحفوظ) و (المعروف) ليسا بنوعين حقيقيين، تحتهما أفراد مخصوصة عندهم، وإنما هي ألفاظ تستعمل في التضعيف، فجعلها المؤلف أنواعاً، فلم توافق ما وقع عندهم)) (٥) . فانظر إلى هذا (الجديد) و (التطوير) لمعاني المصطلحات، وتنبه إلى نتائج ذلك وأخطاره!! ثم بعد ذلك في (النزهة) ، عند الكلام عن الأحاديث المقبولة المتعارضة، يقول الحافظ: ((فإن أمكن الجمع، فهو النوع

стр. 223

المسمى (مختلف الحديث) ... )) (١) . فقصر الحافظ (مختلف الحديث) في: (الحديث المقبول الذي عارضه مثله معارضةً ظاهريةً وأمكن الجمع) ، كذا بقيد إمكان الجمع، كما هو واضح في كلامه. أما ابن الصلاح قبله، فذكر في نوع (معرفة مختلف الحديث) : ما أمكن فيه الجمع، وما لم يمكن مما قيل فيه بالنسخ أو بالترجيح؛ وهذا كله في (مختلف الحديث) (٢) ! وهذا أيضاً هو صريح مقال وفعال الإمام الشافعي في كتابه (اختلاف الحديث) (٣) . ومثله ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦هـ) ، في كتابه (تأويل مختلف الحديث) (٤) . أما استاذي الدكتور أسامة بن عبد الله الخياط في كتابه (مختلف الحديث) ، فتوسط بين الحافظ وغيره، حيث مال إلى أن (مختلف الحديث) شامل لما أمكن فيه الجمع أو الترجيح، دون النسخ (٥) . على أني أعلن أن (مختلف الحديث) ليس من مصطلحات

стр. 224

أقسام الحديث، التي كان يعبر بها عن حال المروي كـ (الصحيح) و (الضعيف) ونحوهما. وإنما (مختلف الحديث) اسم لمصنفات في شرح أحاديث شملتها صفة واحدة، هي: وقوع اختلاف أو تناقض بينهما وبين غيرها من كتاب أو سنة أو عقل صحيح، لتزيل إشكال ذلك الاختلاف وحرج ذاك التناقض. ومثل (مختلف الحديث) في ذلك مثل (المتفق والمفترق) و (المؤتلف والمختلف) و (المتشابه في الرسم) والمزيد في متصل الأسانيد) ، وغيرها، من أسماء المصنفات، التي أدخلها ابن الصلاح في أنواع كتابه، فتطور الأمر بعده، فظنت أنها مصطلحات متداولة كـ (الصحيح) و (الضعيف) . ثم ننتقل إلى مسألة أخرى، قد أشبعتها بحثاً في نحو سبع مجلدات! إنها مسألة (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) . وما أريد ذكره هنا أن الحافظ صرح بأن السبب من تفريقه بين: (رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه) بتسميته (إرسالاً خفياً) ، و (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه) بحصر (التدليس) فيها؛ بين أن سبب هذا التفريق هو: ((لتتميز الأنواع)) (١) ، يعني من أجل (تطوير المصطلحات) !!! وفي هذه المسألة يتضح اعتناق الحافظ لـ (فكرة تطوير المصطلحات) ، وأنه كان مؤمناً بها، لا يرى فيها ما يدعو إلى عدم السعي لتحقيقها!! والوقوف على عجائب ذلك وغرائبه، يستلزم منك الوقوف على تلك الدراسة المطولة، المشار إليها آنفاً.

стр. 225

فإذا مضينا مع (النزهة) ، نقف عند أنواع الطعن في الراوي، ومسمى حديث من طعن فيه بأحدها (١) ؛ لتلمح (التطوير) والتحكم في ذلك من النظرة الأولى! فإذا فحصت عن ذلك ظهر لك تأكيد تلك الملامح!! فإذا عجلت المضي في (النزهة) ، يستوقفك قول الحافظ: ((فإن كان ذلك (يعني التغيير) بالنسبة إلى النقط: فـ (المصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل (٢) : فـ (المحرف) ..)) (٣) . وهذا التفريق تفريق حادث، واصطلاح خاص بالحافظ، لم يسبقه إليه أحد!! وقد أشار بعض شراح (النزهة) إلى أن هذا التفريق اصطلاح للحافظ دون غيره (٤) . وقال الإمام العلامة المحدث أحمد بن محمد شاكر بن

стр. 226

أحمد الشريف الحسيني المصري (١٣٧٧هـ) ، في حاشية تحقيقه لألفية الحديث للسيوطي، بعد ذكره لتفريق الحافظ بين (المصحف) و (المحرف) : ((وهو اصطلاح جديد، وأما المتقدمون فإن عباراتهم يفهم منها أن الكل يسمى بالاسمين، وأن التصحيف مأخوذ من النقل عن الصحف، وهو نفسه تحريف)) (١) . وتبعه على ذلك عبد الفتاح أبو غدة في تحقيقه لـ (قفو الأثر) (٢) . وقد كنت رددت تفريق الحافظ هذا في أصل هذا البحث بالأدلة، ثم طبع حديثاً كتاب (التصحيف وأثره في الحديث والفقه ودجهود المحدثين في مكافحته) للأستاذ أسطيري جمال. وقد أطال في رد هذا التفريق، وفي الاستدلال لنقضه، بما يكفي ويشفي. فاستغنيت عما كنت كتبته، بما أحيل إليه من ذلك الكتاب (٣) . والأعجب من ذلك كله، هو موقف بعض شراح (النزهة) . فبعد تقريرهم أن تفريق الحافظ اصطلاح خاص به، قالوا: ((ولا مشاحة في الاصطلاح)) !!! فأقول: لكن الذي فعله الحافظ هو (المشاحة) !! لأنه يتكلم عن مصطلح أهل الأثر، كما سمى كتابه، وليس يتكلم عن مصطلحه الخاص به!! وتفريقه ذاك مخالف لاصطلاح أهل الأثر، فيقال له هو: ((لا مشاحة في الاصطلاح)) !!! وهنا أنتهي من كلامي عن (نزهة النظر) ، بما أظهرت به أن

стр. 227

لـ (النزهة) ـ في مواضع منها ـ منهجاً غير سديد في فهم المصطلح، قائماً على (فكرة تطوير المصطلحات) التي كررنا التأكيد على خطرها وأثرها المدمر على علوم الحديث (١) . وأرجو ـ بعد ذلك ـ أن يكون مقصودي واضحاً، فلا يفسر على غير ما أردت. إذ إنه ليس غرضاً لي ـ ولم يكن ولن يكون غرضاً لي ـ الحط من كتاب كـ (نزهة النظر) . إنما أردت بيان فضل المنهج السليم في فهم مصطلح الحديث على المناهج الأخرى، وبيان من سار على ذلك المنهج أو تلك المناهج من المصنفين في علوم الحديث. فإذا عدنا إلى سياق كتب علوم الحديث، وتلمس مناهجها، بعد الحافظ ابن حجر، فأقول ـ مختصراً المقال: ـ إن اشهر الكتب في علوم الحديث بعد الحافظ ابن حجر، هي: (فتح المغيث شرح ألفية الحديث) للسخاوي (ت ٩٠٢هـ) ، و (تدريب الراوي شرح تقريب النواوي) للسيوطي (ت ٩١١هـ) ، و (توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الآثار) للأمير الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) . وقد اتخذت هذه الكتب، وغيرها مما وضع في عصرها أو بعده، من (نزهة النظر) للحافظ ابن حجر= أصلاً أصيلاً، ومصدراً أساسياً، في فهم مصطلح الحديث وتقرير قواعده. فتناقلت الكتب ما جاء في (النزهة) ، ونصرته، غالباً. ولقد كان السخاوي مثالاً للتلميذ المتعصب لشيخه: الحافظ ابن حجر، وحق له ـ والله ـ ذاك!! لكن الحافظ عندي إمام، وابن الصلاح إمام، والخطيب إمام، والحاكم إمام، وغيرهم من

стр. 228

نقاد الحديث أئمة أيضاً. فلا معنى للتعصب عندي لأحدهم دون الآخر!! لذلك رأيت الحق أولى ما ابتغي وسعي إليه، وأحق ما نصر وتعصب له!! أما السيوطي فأخف من غيره تعصباً للحافظ، خاصةً في (تدريب الراوي) ى. ولعل سبب ذلك أنه يشرح كتاباً للنووي في اختصار كتاب ابن الصلاح، ثم هو لم يتتلمذ على الحافظ ابن حجر. وأما الأمير الصنعاني فأبعدهم عن التعصب، لكنه لا يجري مجرى غيره في ممارسة علم الحديث تطبيقاً وعملاً، ثم يؤخذ عليه كثرة تعويله على كتب أصول الفقه وترجيح آراء اصحابها على آراء أصحاب الفن من المحدثين! غير أنه مما يميز هذه الكتب وأشباهها، أنها كتب موسعة، مليئة بالنقول والأمثلة. إضافةً إلى تحريراتٍ وفوائد وفرائد، لا يستغنى عنها إلا من استغنى عن هذا العلم. وبذلك أكون قد انتهيت من هذا العرض، لمناهج كتب علوم الحديث، وتمييز خصائها ومحاسنها من المؤخذات عليها. وقد حاولت جاهداً الاختصار، وإلا فالمجال واسع فسيح، بدراسة كل كتابٍ على حدة، دراسةً شاملةً وافيةً، من خلال الغاية التي سعيت إليها في هذا العرض. ومن هنا أنتقل إلى الباب الآتي.

стр. 229

الباب الخامس: كيف نفهم مصطلح الحديث؟ (ويتضمن الخطوات العملية لفهم مصطلح الحديث)

стр. 230

كيف نفهم مصطلح الحديث ؟ لقد كاد هذا العنوان (كيف نفهم مصطلح الحديث؟) يكون عنواناًلهذا البحث كله، وهو أهل لذلك، لأنه خاتمة المطاف، وخلاصة بحثنا، ونتيجة دراستنا كلها. وقد سبقت الإجابة عن بعض هذا السؤال، في فصل كلامنا عن المنهج النظري السليم في فهم مصطلح الحديث (١) . ونزيد الأمر هنا إيضاحاً، ونكمل الجواب، بما يكفي ـ إن شاء الله تعالى ـ لإيصالنا إلى الغاية المبتغاة والضالة المنشودة، وهي: فهم مصطلح الحديث! وسنسير في جوابنا على سؤالنا هذا على خطوزات: الخطوة الأولى: الاستقراء التام لكتب الحديث ومصنفات السنة، على اختلاف طرائق تصنيفها وأغراضها، وخاصةً كتب أهل الاصطلاح (وهم محدثو القرن الثالث فما قبله، وأئمة المحدثين في القرن الرابع) (٢) ، أو الكتب التي تعني بنقل كلام أهل الاصطلاح هؤلاء. ونقوم خلال هذا الاستقراء بجمع الألفاظ التي تتكرر على ألسنة أهل الاصطلاح وفي كتبهم، للتغبير بها عن حال الراوي أو

стр. 231

المروي. مع جمع مسائلهم الجزئية وصورها الفردية، التي استخدمت تلك الألفاظ في التعبير عن حالها وفي الحكم عليها. مثلاً: إن قال أحد الأئمة من أهل الاصطلاح عن حديثٍ ما: ((منكر)) ، قيدت هذا اللفظ، مع الحديث الذي أطلق به عليه أيضاً. ثم لهذا الاستقراء وجهان، لكل واحدٍ منهما دوائر متعددة. فالوجه الأول: استقراء الألفاظ كلها أو بعضها: وأوسع دوائر هذا الاستقراء: استقراء جميع مصطلحات وألقاب علم الحديث في عبارات أهل الاصطلاح. وهذه الدائرة لا يستطيع القيام بها فرد، بل ولا أفراد، ولا بد للقيام بها من تنظيمٍ يتكون من لجان متعددة الوظائف، متفرغة لمثل هذا العمل العظيم، لتقوم به خلال سنوات أو عقود! فمن يقوم بمثل هذا العمل العلمي الجبار؟!! وأضيق هذه الدوائر: استقراء مصطلح واحد في استخدامات أهل الاصطلاح. وهذه الدائرة يمكن لبعض ذوي القدرة العلمية والجلد في البحث والتفرغ لذلك، من القيام بها خلال بعض سنوات في أقل تقدير. وبين هذه وتلك: دوائر أخرى، تتسع وتضيق، بحسب سعة استقراء المصطلحات وضيق استقرائها. الوجه الثاني: استقراء المصطلحات في استخدامات جميع أهل الاصطلاح أو بعضهم: وأضيق دوائر هذا الاستقراء: استقراء مصطلح أو مصطلحات إمام واحدٍ من أهل الاصطلاح. ومن ميزة هذا الاستقراء أنه دقيق النتائج، خاصةً فيما لو كان لذلك الإمام اصطلاحات خاصة به. ومن عيوبه أنه قد لا تتضح فيه الرؤيا، بسبب قلة المسائل الجزئية التي أطلق عليها ذلك الإمام أحد الألقاب أو الأحكام، مما يصعب معه الجزم بمعنى تلك الألقاب أو الأحكام. وأوسع دوائر هذا الاستقراء: استقراء مصطلح أو

стр. 232

مصطلحات جميع أهل الاصطلاح. وهي تقوم في الحقيقة على احتواء أضيق الدوائر جميعها، بجمع مصطلح أو مصطلحات أحد الأئمة من أهل الاصطلاح وحده، وهكذا غيره، إلى أن تجمع الألفاظ المعنية بالدراسة في استخدامات جميع أهل الاصطلاح، مقسمةً على مستخدميها كل واحدٍ منهم وحده. وبعد دراسة ألفاظ كل إمام، نقوم بالجمع بين النتائج، لاستخلاص نتيجةٍ واحدة. وهذه الدائرة في ضخامتها وعظيم ما تحتاجه لتنفيذها، يمكن أن تتحد في مشروع واحدٍ جليلٍ تاريخي، مع الدائرة الأولى من الوجه الأول للاستقراء. وبين هذه الدائرة وتلك: دوائر أخرى، تتسع وتضيق، بحسب سعة الاستقراء للأئمة من أهل الاصطلاح في استخداماتهم، أو ضيقه كذلك. ويمكن أن تضبط هذه الدائرة الوسطى بضابط (الطبقة) ، وإن كانت (الطبقة) أيضاً يمكن أن تتسع وتضيق. لكن الانضباط بالطبقة، مهما كانت، أسلم في المنهج، وأدق في النتيجة. إذ من غير المعقول أن أجمع في دراسةٍ واحدةٍ مثلاً بين محمد بن سيرين من التابعين وابن حبان من علماء القرن الرابع، فما فائدة هذا الجمع حينها؟! وما مدى مصداقية نتائجه؟!

стр. 233

وأذكر هنا ما يقوم به غالب الدارسين في مرحلتي (الماجستير) و (الدكتوراه) ، من موازنة أقوال إمامٍ في الجرح والتعديل من أهل الاصطلاح مثل (شعبة بن الحجاج) ، بأقوال الحافظ ابن حجر في (التقريب) مثلاً. فلا أدري! ولست إخال أدري! كيف انطلى هذا المنهج (الذي لا ينطوي على منهج) على المجالس العلمية والأساتذة الأكادميين في جامعتنا الإسلامية؟!! فهل المنهج بين الإمامين واحد؟! وهل مصطلحهما واحد؟! وهل مصادر العلم وموارد المعرفة بين الإمامين وبين المعصرين واحدة أيضاً؟! ثم هل فهمنا ـ قطعاً ـ كل مصطلحات الحافظ؟ حتى نقيس عليها!! ثم هل يصح أن نجعل اجتهاد الحافظ مقياساً في الخطأ والصواب علم شعبة؟ مع ذلك الفارق الكبير والبون الشاسع بين الرجلين: في العصر، والاصطلاح، بل والعلم أيضاً!!! ولو تنبه القائمون بتلك الدراسات، إلى ميزة الاصتقراء في دائرة (الطبقة) ، لما رضوا عنها بديلاً!! إذ إن (المصطلح) ، غير المترجم عن علم متكامل، وهو النشىء من خلال التواضع والعارف، لا بد أن يمر بمراحل، قبل اكتمال ذلك العلم. وإن كانت هذه المراحل قد يكثر تتابعها وقد يقل، تطول المرحلة الواحة زمناً وقد تصر، وقد تنتهي المراحل من زمنٍ متقدمٍ باستقرار الصمطلح، وقد لا تنتهي إلا مع انتهاء تكامل ذلك العلم كله. ولما كان أهل الطبقة الواحدة (وكلما ضاقت كان ذلك أدق) يعيشون زمناً واحداً، ومرحلة ً معينة ً متفقةً من مراحل علمهم؛ ومصطلحه؛ ولما كان من غير المعقول أن يكون أحمد بن حنبل لا يعرف ابن معين، ومن غير المتصور أن علي بن

стр. 234

المدني لا يفهم تعليل أحمد= لذلك كان لاستقراء مصطلح أهل طبقةٍ واحدة له ميزة عظمى، في قوة الدراسة التالية لذلك الاستقراء، وفي دقة نتائج هذه الدراسة بعد ذلك. وأومأ إلى ذلك إيماءةً لطيفة، الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم، في كتابه (الجرح والعديل) . حيث ذكر روايات مختلفة عن يحيى بن معين في تعديل المبارك بن فضالة وتجريحه، ثم علق على ذلك بقوله: ((اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في مبارك بن فضالة والربيع بن صبيح، وأولاهما أن يكون مقبولاً منهما محفوظاً عن يحيى، ما وافق أحمد وسائر نظرائه)) (١) !! وعلى كل حال، فإن الاستقراء في دائرة الطبقة له ميزات متعددة كثيرة، خاصةً إذا ضيقت الطبقة. أما إذا وسعت الطبقة، فيجب مراعاة الفروق المؤثرة بين افراد هذه الطبقة الواسعة. وربما بلغت مراعاة الفروق إلى فصل كل إمامٍ على حدة، لبالغ سعة الطبقة، والقيام بدراسة تشبه الدراسة التي ذكرناها في أوسع دوائر هذا الوجه من وجهي الاستقراء! هذه هي الخطوة الأولى. والخطوة الثانية: تفنيد كل لفظٍ على حدة، فيما لو كان استقرائي لأكثر من لفظ، أو تفنيد اللفظ الواحد الذي أقوم بدراسته عن بقية الألفاظ غير الداخلة في الدراسة. بدراسته عن بقية الألفاظ غير الداخلة في الدراسة. ويجب التنبه في خطوة التفنيد هذه، إلى ضرورة تنفيذها بدقة متناهية. فلا أعتبر الألفاظ المختلفة، ذات المعنى المترادف لغةً،

стр. 235

مجموعة واحدة. فلا أجمع ـ مثلاً ـ مصطلح (الصحيح) بـ (القوي) بـ (الثابت) بـ (الجيد) ، حتى يثبت عندي، بعد نهاية الخطوات في كل واحدٍ منها، أنها بمعنى واحد. ولا اقوم بفصل المصطلح المركب، كل لفظٍ منه مع نظرائه. مثل مصطلح (حسن صحيح) ، فلا أفصل فيه لفظ (حسن) عن (صحيح) ، وأضع كل لفظٍ منهما مع نظرائه المفردين. بل أدرس المصطلح المركب وحده، باعتباره مجموعة منفصلة فإذا اشتبه عندي مصلطح مكون من لفظين، هل هو مركب؟ أو لا؟ مثل (حين غريب) أو (صحيح شاذ) . فيجب علي أولاًُ أن أدرس المصطلحات التي جاءت مفردةً مما تركب منه هذا الإطلاق، فأدرس (الحسن) الذي أطلق مفرداً دون تركيب، وكذا (الغريب) . حتى إذا استقر عندي معناهما مفردين، درست ذلك المصطلح المجموع فيه اللفظان: مثل (حسن غريب) ؛ فإذا ظهر أن مدلول كل لفظٍ وحده لم يتغير بهذا التركيب، علمنا أن هذا المصطلح ليس مركباً، ويصح حينها فك تركيبه، ووضع كل لفظةٍ منه مع نظرائها. أما إن ظهر أن مدلول أحدهما أو كليهما تأثر بهذا التركيب، فحينها نعتبر هذا المصطلح مصطلحاً مركباً، ولا يصح حينها فك تركيبه، ولا دراسة كل لفظة منه مع نظرائها المفردات. ونحو ذلك كثير، خاصةً في ألفاظ الجرح والتعديل. مثل: (ثقة صدوق) ، و (صدوق فيه لين) و (صالح فيه ضعف) ، ونحوها كثير. أما إذا أيقنت إيقاناً تاماً أن المصطلحين ليسا مركبين، غير معتمدٍ في يقينك على إلفٍ سابق أو نشأةٍ علمية، فحينها لا بأس

стр. 236

بفك ذلك التركيب، ووضع كل لفظةٍ منه مع نظرائها. وذلك أمثلة (صحيح مرفوع) ، و (حافظ عابد) . ولا بد أيضاً في هذه الخطوة من أن تقسم المجموعة الواحدة المكونة من لفظٍ واح إلى مجموعات فرعيه، هذه المجموعات الفرعية مبنية في تقسيمها على اختلاف اشتقاق اللفظ الواحد، من أسم، وفعل، ومصدر. إذ قد يختلف معنى المصطلح، لا باختلاف لفظه، لكن باختلاف اشتقاقه؛ كما قالوا في (المنقطع) و (المقطوع) (١) ، وكما سبق عن الحافظ ابن حجر في (أرسل) و (مرسل) (٢) . لكن يجب عليك أن لا تدرس تلك المجموعات الفرعية المبنية على اختلاف الاشتقاق دراسةً منفصلةً لكل واحدةٍ منها، لأن احتمال اختلاف المعنى باختلاف الاشتقاق ليس كبيراً، ولأن ذلك قد يجعل عدد المسائل الجزئية في كل مجموعة ضئيلاً لا نخرج معه بنتيجة، ولأن في ذلك تعسيراً بالغاً لا طائل تحته. ويكفي في دراسة هذه المجموعات، أن تجعل كل اشتقاق تحت نظيره متوالياً، ثم الاشتقاق الآخر كذلك؛ وبعد ذلك تدرس المسائل الجزئية، فإذا ظهر لك أن لمجموعةٍ ما معنى مختلفاً عن غيرها، فصلته، وإلا بقي ضمن مجموعته الأساسية. وأعود أخرى مؤكداً إلى ضرورة الدقة المتناهية في هذه الخطوة: خطوة التفنيد، لأن الخطأ فيها قد يهدم النتيجة قبل الوصول إليها، ولأن الخطأ فيها أضر من التقصير في الاستقراء. فقد أصل إلى النتيجة الصحيحة مع نقص الاستقراء، في حين أنه

стр. 237

يبعد أن أصل إلى النتيجة الصحيحة فيما إذا خلطت بين الألفاظ ولم أتقن التفنيد. والخطوة الثالثة: دراسة المسائل الجزئية في المجموعة الواحدة، تحت الإطلاق الواحد. وتتم هذه الدراسة بفحص كل مسألة جزئية فحصاً دقيقاً، ليمكنني ـ فيما بعد ـ إيجاد رابطٍ واضح بين ذلك الإطلاق وتلك المسألة الجزئية التي أطلق عليها. فإن كانت المسألة الجزئية حديثاً: درست إسناده دراسةً وافية، وخرجته تخريجاً كافياً، وتظرت في أحكام الأئمة الأخرى على الحديث. وإن كنت المسألة الجزئية جرحاً أو تعديلاً: اجتهدت غاية الاجتهاد في معرفة المرتبة الدقيقة لذلك الراوي من مراتب الجرح والتعديل، وذلك من خلال دراسةٍ وافية كثيرة التشعبات دقيقة المسالك. وبعد أن أعرف الراجح في ذلك الراوي، أوازن الراجح فيه بالحكم الذي أصدره ذلك الإمام. وإن أضفت إلى ذلك أحكاماً لأئمة آخرين من طبقة الإمام الذي أدرس مصطلحه، كان ذلك أثرى وأوثق وآمن، لكن يجب أن يكونوا أئمةً عينتهم للدراسة كلها، فلا تختار لكل مسألة أئمة سوى من ذكرتهم في سابقتها. فلا أنتهي من هذه الخطوة، إلا وقد أنهيت دراسة المسائل الجزئية كلها، وحاولت إيجاد أوضح رابطٍ بين: كل مسالة ٍ، وكل إطلاق وصفت به أو حكم به عليها. والخطوة الرابعة: إيجاد الرابط العام والصفة الجامعة (القاسم المشترك) بين المسائل الجزئية كلها، التي جعلت الأئمة

стр. 238

يفون تلك المسائل الجزئية كلها ويخصونها بذلك الإطلاق المعين. وهذه الخطوة في الحقيقة تكاد تكون آخر الخطوات والثمرة المبتغاة. لذلك فهي حقيقة بالاهتمام كله، وبذلك الجهد كله، والتأني البالغ، والتفكير العميق. ولا بد في هذه الخطوة من أن تخرج بصفات متعددة، وربما كانت كثيرة، تجتمع كلها في المسائل الجزئية كلها أيضاً. وتأكد أنك كلما كثرت الصفات، ودققت في جمعها والتمييز بينها، كلما كان ذلك دليلاً على قرب فهمك الفهم الدقيق لذلك (المصطلح) . وتنبه بأن لا تستبعد شيئاً من الصفات، لظنك الأولي أنه لا علاقة لها بـ (المصطلح) المراد فهمه. فهذه خطوة أخرى، لا تتعجلها قبل انتهائك من عملك في خطوتك هذه. الخطوة الخامسة: ربط ما يمكن ربطه من الصفات الجامعة بالمعنى اللغوي الأصلي لـ (المصطلح) ، ولو بنوع من المجاز. بل لا بد أن يكون هناك تجوز ما، بين المعنى اللغوي للمصطلح والصفات الجامعة التي أمكن ربطها به. وهذه الخطوة يمكن أن تكون آخر الخطوات الحقيقية إذا لم يكن متاحاً لك سواها، مما يأتي ذكره. وفي هذه الخطوة يبدأ فرز الصفات الجامعة، وتنقيتها مما لا علاقة له بالمصطلح المدروس. وفي هذه الخطوة يظهر ما للمهارة العلمية، ولقدرة الفكرية، بل والثقافة الواسعة، من أثر في فهم المصطلح.

стр. 239

إنها أوان نضج الثمرة، للعمل المجهد الدؤوب، وربما كان أوان قطفها أيضاً. والسير في هذه الخطوة يحتاج إلى بالغ التأني، ونهاية الدقة، ورحابة النظرة، واصطياد الأوقات المناسبة للباحث من ناحية استعداده الجسدي والنفسي والفكري. وحذر كل الحذر، مما قد يلوح لك من خلال الخطوات السابقة، من معنى تحسبه هو معنى المصطلح، فتجعله هدفاً مسبقاً لك في هذه الخطوة. واعلم أنك قد تخرج بصفاتٍ جامعةٍ لها رابط واحد بالمعنى اللغوي للمصطلح، في المسائل الجزئية كلها= وعندها يكون المصطلح له معنى واحد وصورةٌ واحدة. وربما تخرج بأن هناك من المسائل الجزئية مسائل لها صفات جامعة خاصة بها برابطٍ خاص بها كذلك، يربطها بالمعنى اللغوي للمصطلح المدروس. وأن بقية المسائل الجزئية لذلك المصطلح، سوى المسائل السابقة، لها رابط آخر يربطها بالمعنى اللغوي للمصطلح= وعندها يكون للمصطلح معنيان مختلفان، محتملان في كل مرة يطلق فيها ذلك المصطلح، ولا يحدد المراد منهما ـ غالباًـ إلا دراسة المسألة الجزئية نفسها. وربما تعددت المجموعات من المسائل ذانمت نهع هى هرعت خمبملل نتلبهن تب الروابط المختلفة بالمعنى اللغوي، على الوجه المذكور آنفاً= فيكون المصطلح على ذلك متعدد المعاني، بعدد تلك الروابط. لكن تأكد في هذه الحالة من صحة تلك الروابط، بالتأكد من قوة علاقة الصفات الجامعة للمسائل الجزئية بالمعنى اللغوي للمصطلح. وتأكد أيضاً من وجود فروقٍ حقيقية، لا وهمية، بين تلك الروابط، لتبيح لك الفروق أن تدعي اختلاف معاني المصطلح. وأطالب بهذه التأكيدات، لأن دعوى تعدد معاني المصطلح دعوى صعبة القبول، إذ ربما آل الأمر بزعم تعدد معانية، والمبالغة في ذلك، إلى أن يكون المصطلح مستبهم المعنى ليس ذا فائدة، عديم النفع، لن المصطلح ـ بذلك ـ تنازعته معاني مختلفة، لا دليل ـ إلا بشق الأنفس ـ لمعرفة المقصود منها. وربما خرجت أيضاً بحالةٍ وسطٍ بين هذه وتلك! فتجد أن من الصفات الجامعة للمسائل الجزئية كلها ماله رابط واحد بالمعنى اللغوي للمصطلح؛ وتنفصل صفات جامعة أخرى ببعضٍ من المسائل الجزئية تلك، بأن يكون لها رابط آخر بالمعنى اللغوي للمصطلح؛ وتنفصل آخرى بأخرى كذلك، مع اجتماع الكل بأن لها رابطاً واحداً بالمعنى اللغوي، يجعلنا لا نستطيع ادعاء اختلاف معاني

стр. 240

المصطلح= وحينها يكون للمصطلح معنى عام ومعاني خاصة، فالمعنى العام يفهم من ذلك المصطلح بداءةً، أما المعاني الخاصة فلا بد من دلائل تحدد لنا أيها المراد. وهذه الحالة الوسط، من خلال دراستي لعلوم الحديث، أحسبها أكثر الحالات تحققاً في مصطلحها. إن المعنى اللغوي الأصلي لمصطلحات الحديث، الذي جعلته في هذه الخطوة قطب الرحى وخط الانطلاق، حقيق بأن يكون له هذه المكانة في فهم مصطلح الحديث، حقيق بأن يكون له هذه المكانة في فهم مصطلح الحديث، بأن نجعله حكماً في فرز الصفات الجامعة، لنعرف معنى المصطلح بعد ذلك عن طريق تحكيمه. وقد كنا بينا أهمية دراسة المعنى اللغوي للمصطلحات، وقوة علاقته بها القوة التي جعلت له هذه المكانة في دراسة مصطلح الحديث، في سابق بحثنا هذا، فانظرها إن

стр. 241

شئت (١) ومما ذكرته في سابق بحثي هناك، ومما عرفته من دراستي لمصطلح الحديث، أستطيع أن اضع قاعدةً عامة ً بهذا الخصوص، يمكن أن تجعلها مرشداً أولياً لك في فهم المصطلح، ووسيلةً سريعةً لتبليغك ذلك، فيما لو لم تستطع أو لم تجد الوقت للقيام بهذه الخطوات كلها. هذه القاعدة تقول: إن اقرب معنى للمصطلح، من المعاني المذكورة أو المظنونة له، إلى المعنى اللغوي الأصلي للفظ= هو أصوب تلك المعاني، أو أقربها للصواب في فهم المصطلح. المهم أن هذه الخطوة يمكن أن تكون الخطوة الأخيرة قبل صياغة معنى المصطلح، فيما لو لم يتح لنا القيام بالخطوات التالية الخطوة السادسة: التلقي التام والقبول المطلق لشرح أهل الاصطلاح لمصطلحهم، فيما لو وجدنا لهم في شرحه كلاماً. فكلهم أبناء بجدتها، وآباء عذرها، يتكلمون عن كلامهم، وترجمون لسانهم بلسانهم، فأنى يعترض عليهم؟! بل أنى ى يسلم لهم؟!! فكل فهم يخالف فهم أهل الاصطلاح لاصطلاحهم مرفوض تمام الرفض، لأنه في وجهه السافر: مشاحة في الاصطلاح، وقد أبيناها جميعاً بحمد الله تعالى! وكل فهم يخالف فهم أهل الاصطلاح لاصطلاحهم، فيه من الأخطار، ويترتب عليه من العواقب الوخيمة، ما قربنا فيه وبعدنا، بياناً لخطئه وخطله وخطره، في شرحنا لـ (فكرة تطوير

стр. 242

المصطلحات) (١) . ونحن في خطواتنا السابقة كلها، الجادة الجاهدة في فهم المصطلح، إنما نستلهم معنى المصطلح من تطبيقات أهل الاصطلاح، إنما نستلهم معنى المصطلح من تطبيقات أهل الاصطلاح ومن جاري عملهم في علمهم، فكيف نفرط بعد ذلك في صريح مقالهم في شرح مصطلحهم؟!!! بل حتى في مجال قواعد العلم، عليك بالمقياس التالي: إن وجدت قاعدةً من قواعد علوم الحديث المنصوص عليها في كتب علومه، تخالف تطبيقات أهل المصطلح، وتناقض صريح تصرفاتهم= فاعلم أن تلك القاعدة منسوفة من أساسها، مقتلعة من أصولها. لن ذاكر تلك القاعدة، إنما يذكرها على أنها مستنبطة من تطبيق الأئمة، فإذا وجدنا تطبيق الأئمة يناقضها، فقد قضي على استنباطه من قاعدة استنباطه! والكارثة حقاً أن تجد القضية عكوسة، كالفطرة المنكوسة حيث نسمع ونقرأ لمن ينتقد مثلاً أحاديث في الصحيحين، لأنها معنعنات بعض مشاهير المدلسين!!! فنقول لهذا المسكين، أو العالم المخطىء: علام اعتمدت في انتقادك لعنعنة المدلس؟ أوليس على قواعد مبثوثةٍ في كتب علوم الحديث؟! ثم أو ليست تلك القواعد إنما استنبطت من تطبيقات أئمة الحديث ونقاده في قرونه السوالف؟! فإذا وجدنا أن تلك القواعد منتقضة، أو منتقض بعضها، بمثل صريح تصرف صاحبي الصحيح= فكيف تنتقد بالمنتقد؟! وتبني على قاعدةٍ منسوفة؟!! إن هذه الخطوة: خطوة الاعتماد على شرح أهل الاصطلاح لاصطلاحهم، هي مقياس نجاح أو عدم نجاح الخطوة السابقة

стр. 243

ولخطوات السابقة كلها. فإذا ما انتهينا في الخطوة السابقة من تحديد الصفات الجامعة المرتبطة بالمعنى اللغوي للمصطلح، على ما شرحناه آنفاً، فنحن في الحقيقة وضعنا ـ أو كدنا أن نضع ـ عناصر تعريف المصطلح. فإذا ما فزنا بعد ذلك بكلامٍ لأهل الاصطلاح في شرح ذلك المصطلح، نظرنا في كلامهم نظر مستوعبٍ لمعناه (أولاً) ، ثم وزنا به ما توصلنا إليه من تطبيقاتهم العملية. فإن اتفق استنباطنا من تطبيقاتهم مع شرحهم أنفسهم لمصطلحهم، كان هذا دليل الفلاح والنجاح. أما إذا لم يتفق استنباطنا من تطبيقاتهم مع شرحهم لمص طلحهم، فالخطأ قطعاً من استنباطنا، لا من تطبيقاتهم، ولا من شرحهم. والواجب حينها تحديد وجوه الاتفاق ووجوه الافتراق بين استنباطنا وشرحهم لمصطلحهم، لتعيين سبب الخطأ في الاستنباط، ومحاولة استدراكه وإعادة تصويبه. هذا هو منهج العمل في هذه الخطوة إن أتيح لنا القيام بها، لأن أقوال أهل الاصطلاح في شرح مصطلحهم ليست متوفرةً توفراً يغطي جميع مصطلحاتهم، ولا المتوفر منها قريب التناول دائماً، فليس من السهل الوقوف عليه. إلا ما حواه كتاب (معرفة علوم الحديث) للحاكم فإنه ثروة من هذه الناحية، وكذا ما نقله الخطيب البغدادي عن أهل الاصطلاح في كتابه (الكفاية) . لكن تبقى أقوال أخرى لأهل الاصطلاح في كتابه (الكفاية) . لكن تبقى أقوال أخرى لأهل الاصطلاح في غير مظانها، ومنتشرة في كتب (العلل) و (الجرح والتعديل) ، و (السنن) ، وغيرها من مصنفات الحديث النبوي. قد ذكرنا بعضاً من مظان كلام أهل الاصطلاح في شرح مصطلحهم، عندما أرخنا لعلوم الحديث (١) ، وعندما تكلمنا عن

стр. 244

مناهج كتب علوم الحديث (١) أيضاً. غير أننا لن نستفيد من كلام أهل الاصطلاح الفائدة المطلوبة المتعينة، إلا إذا أحسنا تفهمه، حتى نستوعب معناه تماماً. ولن يتم ذلك إلا بعدم الغلو في تفسيره، وبعدم الجفاء عن فهمه، فإن الغلو أو الجفاء هما سبب انحراف كثيرٍ من المتأخرين عن فهم مصطلح الحديث، مع وقوفهم على كلامٍ لأهل الاصطلاح في شرحه (٢) ! حيث إن من وجوه الغلو في فهم كلام أهل الاصطلاح: التعامل معه وكأنه نص كتابٍ أو سنةٍ ثابتة، فيحتج بمفهومه كما يحتج بمنطوقه، ويقاس عليه! ولست أعني أن الاحتجاج بمفوهم كلامهم أو القياس عليه غلط مطلقاً، لكنه ـ أيضاً ـ ليس صواباً مطلقاً. إن عبارات أهل الاصطلاح في شرح مصطلحهم عبارات سهلة غير معقدةٍ، خرجت على السلفية العربية في يسرها وصفائها، وخرجت أيضاً وفق احتياج سائلٍ، أو بناءً على سياقٍ معين، أو تنبيهاً لأهل عصرهم. ولم يكن يخطر على بالهم أنهم يخاطبوننا، في فقرنا العلمي، وبعدنا عن إدراك علمهم، وتعاور المؤثرات على أساليب تفكيرنا والمعوقات دون فهم كلامهم. فربما عرفوا بمصطلحهم: بضرب مثالٍ له، أو بذكر أهم صوره، أو أكثرها وقوعاً وتحققاً، أو أخطرها في تمييز صحيح السنة من سقيمها. وربما جاء ما يفيد في تعريف المصطلح عرضاً في كلامهم، بذكر حكمه، أو بتفريقه عن مصطلح آخر، أو ببيان تفريعاته وأقسامه.

стр. 245

لذلك فإن من وجوه الغلو في تفسير كلام أهل الاصطلاح أيضاً: تسليط معايير علم المنطق عليه، ومحاسبة شرحهم للمصطلح بصناعة الحدود المنطقية. وكم جار هذا الغو على علم المصطلح! وكم ظلم عبارات أهل الاصطلاح!! إذ إن اعتبار شرح أهل المصطلح لمصطلحهم جارٍ على أصول المنطقيين، سوف يجعلنا نفهم ذلك الشرح ذا السهولة والسليقة العربية البعيدة عن التعقيد، لخوجها من أهل الاصطلاح على ذلك النحو الآنف الذكر= على غير مراد قائليه، وبما لم يخطر على بالهم!! ومثال ذلك: فيما لو قال أحد أهل الاصطلاح: ((الشاذ: أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس)) (١) ، فإننا بشرط (الجمع والمنع) المشترط في صناعة المعرفات المنطقية، سوف أفهم أن هذا هو الشاذ كله، ولا شاذ سواه. مع أن ذلك قد لا يكون خطر على بال قائله من أهل الاصطلاح، وإنما أراد التنبيه على أهم أنواع الشذوذ، أو على أشدها أثراً على قبول الحديث، أو على أكثرها وقوعاً، أو أشدها أثراً على قبول الحديث، أو وإن جاز وصف غيرها بذلك أيضاً.. أو غير ذلك من احتمالات معنى الشرح غير الجاري على أصول المناطقة. وليس معنى ذلك أن لا نفهم الكلام على ما يدل عليه ظاهر اللفظ ومنطوقه، بل نحن نطالب بذلك. فإن ظاهر اللفظ ومنطوقه في العبارة السابقة إنما يقول: عن مخالفة الثقة للناس شذوذ، ولم يقل إن كل ما سوى هذه الصورة ليس (شاذاً) ، ولا أن هذا هو الشذوذ وحده. ولا نريد أن نحمل الكلام غير هذا المنى، إلا إذا دل دليل خارجي على غيره.

стр. 246

أما الجفاء عن فهم شرح أهل الاصطلاح لاصطلاحهم، فله وجوه متعددة، منها: تسليط فهوم المتأخرين من المحدثين والأصوليين للمصطلح على شرح أهله له!! وعندها يؤول شرح أهل الاصطلاح على غير ظاهره، ويبتسر نقله وفهمه، ويفصل عن دلالة سياقه: سباقة ولحاقة؛ كل ذلك من أجل أن يوافق كلام المتأخرين من المصنفين في علوم الحديث أو غيرهم من الفقهاء والأصوليين. مع أن الواجب عكس ذلك، والسير على ضد هذا المنهج، بتأويل كلام غير أهل الاصطلاح ـ ما أمكن ـ ليوافق كلام أهله، وإلا رفض كلام أولئك الذين عم ليسوا من أهل الاصطلاح لمناقضته كلام أهله!! ومن وجوه الجفاء في ذلك أيضاً: (فكرة تطوير المصطلحات) ، بعدم الرضى عن مدلول المصطلح المشروح بكلام أهله، لسعة ذلك المدلول، وتداخله مع مدلول مصطلح آخر. فيقود ذلك الشعور بعدم الرضى إلى المشاحة في الاصطلاح، السابق بيان أخطارها (١) . وعلى كل حال، فإن الخطأ في فهم كلام أهل الاصطلاح، لا بد أن يجتمع في أسبابه غلو وجفاء، وأحدهما قائد للآخر لا محالة!! فربما اجتمع عند المتأخرين من التعصب المذهبي ما يقودهم إلى الغلو في فهم كلام إمامهم ن وهذا الغلو يتجه في النهاية نحو الجفاء عنه ليوافق كلامه ما ظنه ذلك المتعصب صواباً من كلام غيره من الأصوليين والمتأثرين بهم من المحدثين. ومثال ذلك: ميل أتباع الإمام الشافعي إلى نصرة أقواله،

стр. 247

ذلك الميل الذي تحول مع مرور الزمان تعصباً. وضربت مثلاً بالشافعية، لأن (اسعد الناس بالحديث الشافعية) ، وغالب مصنفات علوم الحديث ومصطلحه لأئمةٍ شافعية: من الحاكم، إلى الخطيب، على ابن الصلاح، إلى النووي، إلى العراقي، على ابن حجر، إلى السخاوي، إلى السيوطي، وقبلهم وبعدهم، كل هؤلاء شافعية! والمثال الواقعي للغلو والجفاء في فهم الشافعية لكلام الإمام الشافعي في مصطلح الحديث: كلامه في مصطلح (الشاذ) ، السابق ذكره. وتفصيل هذا المثال فيه طول، أرجو أن تكون فيه فائدة، ولذلك سأطيل في تفصيله! قال الإمام الحاكم (الشافعي المذهب) في (معرفة علوم الحديث) : ((هذا النوع منه: معرفة (الشاذ) من الروايات. وهو غير (المعلول) ، فإن المعلول ما يوقف على علته: أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راوٍ أو أرسله واحد فوصله واهم. فأما الشاذ، فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث اصل متابع لذلك الثقة. سمعت أبا بكر أحمد بن محمد المتكلم الأشقر.. ـ فأسند إلى الشافعي أنه قال: ـ ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس، هذا الشاذ من الحديث)) (١) ـ ثم ذكر الحاكم بعد ذلك ثلاثة أمثلة للشاذ عنده. وعبارة الإمام الشافعي هذه جاءت عنه بألفاظٍ أخرى أكثر وضوحاً، فقال في بعضها: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي

стр. 248

الثقات حديثاً: على نص؛ ثم يرويه ثقة: خلافاً لروايتهم ز فهذا الذي يقال: شذ عنهم)) (١) . ثم قال تلميذ الحاكم أبو يعلى الخليلي في (الإرشاد) : ((أما (الشواذ) : فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: (الشاذ) عندنا: ما يرويه الثقات على لفظٍ واحدٍ، ويرويه ثقة خلافه، زائداً أو ناقصاً. والذي عليه حفاظ الحديث: (الشاذ) : ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك ك شيخ ثقة كان، أو غير ثقة؛ فما كان عن غير ثقة: فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة: يتوقف فيه، ولا يحتج به)) (٢) فواضح من تصرف الخليلي، أنه اعتبر كلام الإمام الشافعي ومن وافقه من أهل الحجاز مذهباً خاصاً بهم واصطلاحاً لهم، فلم يعترض على الاصطلاح بشيء. ولعل الحاكم يكون هذا هو موقفه، فيكون الخليلي قد ترجم لنا موقف شيخه الحاكم بعبارته الصريحة السابقة الذكر. وقبل أن أنتقل إلى مواقف المتأخرين من هذه المسألة، أشرح مذهب الحاكم والخليلي في تفسيرهما للشاذ. فظاهر أنهما اتفقا أن من شروط (الشذوذ) أن يتفرد به راوٍ، دون أن يكون له متابع. ثم قد يظن أنهما اختلفا في أمرين اثنين، هما:

стр. 249

الأول: أن الحاكم ذكر أن المتفرد بالشاذ ثقة، وأما الخليلي فالشاذ عنده ما تفرد به ثقة أو غير ثقة. وهذا إنما ظنناه اختلافاً بين الحاكم والخليلي (١) بتسليط معايير الحدود المنطقية على كلام الحاكم، باعتبار أن ما ذكره من شرحه للشاذ تعريفاً جامعاً منعاً. لكن لو عاملناه على غير ذلك، وأخذنا بمنطوقه دون مفهومه، لعرفنا أن الحاكم إنما ذكر أدق نوعي الشاذ، وأشدهما خفاءً، وأحوجهما إلى البيان. والدليل القاطع بأن الحاكم لا يعارض في تسمية تفرد غير الثقة بالشاذ، هو تصرفه وتطبيقه. ففي (المستدرك) أخرج حديثاً من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي الكوفي (ت ٢١٨هـ) ، وهو كذاب (٢) ، يرويه هذا من طريق جميع بن عمير التيمي الكوفي وهو مختلف فيه (٣) ، قال عنه الحافظ في (التقريب) : ((صدوق يخطىء ويتشيع)) (٤) . ثم قال الحاكم عقب هذا الإسناد: ((هذا حديث شاذ، والحمل فيه على جميع بن عمير، وبعده إسحاق بن بشر)) (٥) . فتعقبه الذهبي بقوله في (تلخيص المستدرك) : ((فلم يورد الموضوع هنا؟!!)) (٦) . فهذا تصرف قاطع على أن الحاكم يسمي تفرد غير الثقة شاذاً، كما يسميه به الخليلي أيضاً.

стр. 250

وبهذا تعلم جور تسليط معايير الحدود المنطقية على كلام أهل الاصطلاح وشرحهم لمصطلحهم، لأن كلامهم لم يوزن منهم بتلك المعايير! الأمر الثاني الذي يظن أن الحاكم والخليلي اختلفا فيه: هو أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من تصحيح الحديث، ويظن أن الخليلي يخالف الحاكم في ذلك، لأنه ذكر تفرد الشيخ الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به. أما أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من وصفه بالصحة، فذلك قد أخذوه من إطلاق الحاكم على تفرد الثقة بأنه شاذ (١) . وأصرح من ذلك كله في أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مناقضاً تصحيح الحديث والاحتجاج به أيضاً، هو أنه في كتابه (المدخل إلى الإكليل) ، ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه (٢) ، فقال في (القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه) : ((هذه الأحاديث الفراد والغرائب ن التي يرويها الثقات العدول، تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب ... )) (٣) ، ثم
следующие страницы →