← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9247

المنهج المقترح لفهم المصطلح

حاتم العوني

Полный текст (278 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المَنْهَجُ المُقْتَرَحُ لِفَهْمِ المُصْطَلَحِ دراسة تأريخية تأصيلية لمصطلح الحديث (وهي مقدمة تمهيدية لكتابي: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) تأليف الشريف حاتم بن عارف العوني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن علوم السنة المشرفة من أجل العلوم أو أجلها، وأحقها بالتعلم والتعليم، وأولاها بكل اهتمام وعناية. فهي العوم التي عرفنا بها معاني كتاب الله، وبيان مجمل آياته، وتفسير حكمه وعظاته. وهي العوم التي أدت لنا أحاديث النبي ﷺ ، وأسمعتنا ... منيرحروفها، وأرتنا مواقع العبر، وبصرتنا معالم الاقتداء، ومثلت لنا في فيها الأسوة الحية في شخصه ﷺ . وهي العوم التي حرست الدين، وحمت الشريعة، من كذب الكاذبين، وافتراء المبطلين، وجهل المسلمين وهذه العلوم الشريفة ـ كشرف ما تخدمه من سنة النبي ﷺ قام بإنشائها وبنائها وإبداعها وإتمامها = علماء أمة محمد ﷺ عبر

стр. 3

العصور، وأئمة المسلمين على مر الدهور. فهم أصحاب تلك المفخرة، وبناة ذلك الصرح الخالد، وملاك مفاتيح قصوره. وكيف لا؟ وهم ورثة الأنبياء، ورسل الرسل، وحملة الشريعة، وأمناء المِلّة، وحرّاس الدين، والموقعين عن رب العالم، والموقعين عن رب العالمين!! فخرجت علوم السنة من عصارة تلك العقول، ومن نتائج تلك الأفكار، علوماً عميقة، بعيدة الغور، دقيقة المسالك، فليس من السهل فهمُها، ولا من المتيسر إدراكها. وعبّر عن ذلك قائلهم، بنوع من الطّرافة، فقال: ((الحديث ذكر، يحبه ذكور الرجال، ويكرهه مؤنثوهم)) (١) . وكان قد بدأ مع نشأة هذه العلوم استخدام ألقاب وأوصاف للأحوال المختلفة للراوي والمروي، هي المسماة بمصطلح الحديث. وكانت تلك المصطلحات حية المدلول العرفي بين المحدثين حقبة من الزمن، فلم تكن تغمض عليهم معانيها، ولا يستشكل عليهم مفادها. فلما تناقص العلماء، وتفانى أصحاب الحديث، واجتالت علومهم عوامل الضعف والتغير؛ بدا علم الحديث غريباً بين أهله، بعيداً بين أقربائه. فانبرى لذلك البقية المتبقية من علماء الحديث ونقاده، إلى شرح مصطلحه وبيان أصوله وضوابطه. لكن (وعلى مر الأزمان) تعددت المناهج في فهم مصطلح الحديث، فاختلفت الأقوال في تفسيره؛ وتباعدت الطرائق في دراسة أصوله، فتباينت المذاهب في وضع قواعده وتحديد ضوابطه. وتأثرت كتب علوم الحديث بعقائد مؤلفيها ومذاهبهم،

стр. 4

وبعلوم أجنبية عنها، تشبع بها أولئك المصنفون. فلما بلغ الأمر إلى هذا العصر، وقد قربت الساعة، وقل أهل السنة والجماعة، فكم هم؟ وأين هم؟ ازدادت غربت علوم السنة، وبعدت أفهام كثير من طلبة العلم من أهل عصري عن إدراك معاني مصطلحاتها. وصار كثير منهم إذا ابتغى الحق في مسائل علوم الحديث أخطأ طريقه، ورام غير سبيله، وهو صادق النية في ابتغائه بسبب عدم العم بنشأة العم الذي يبحث فيه، وكيفية تطور مصطلحه عبر العصور، وبأسباب قوته في قرونه الأولى، وعوامل ضعفه بعد ذلك. ثم بسبب الجهل بمناهج المصنفات في علوم الحديث، وبالمؤثرات المؤدية إلى اختلاف تلك المناهج، وبالتعامل المنصف السليم مع كل واحد منها، وإنزال الأقوال والتنظير المبني عليه منزلة أصله ومنبعه. وأخيراً بسبب عدم وضوح الخطة التي يجب السير عليها لفهم المصطلح، وبخطواتها على التفصيل، حتى يمكن اقتفاؤها، وأسباب أخيار هذه الخطة دونما سواها على علوم السنة وبعد إذ حباني الله تعالى ـ له الحمد والمنة ـ بأن كنت من طلبة علم الحديث الشريف، وممن له شغف واشتغال به منذ نعومة أظفاري، وقطفت معه زهرة شبابي، وأنا خلال ذلك ويعلم الله ـ منكب على قراءته ودرسه، منصرف عن غيره به، عازف عن استعجال التصنيف فيه قبل أوان التصنيف، مع ما أراه من أبناء عصري وإخوان جيلي من التسارع إلى ذلك. وكنت أثناء تعلمي ـ ولم أزل في تلك الأثناء، لا خرجت منها ـ قد وقفت على ذلك البحر المتلاطم، واخضم المتلاحم، من تلك الاختلافات في علوم الحديث، وذلك التباين في فهم مصطلحه،

стр. 5

وما جر هذا من تناقض التطبيق مع التقعيد، وتضاد الأقوال والمناهج أيضاً فهالني الأمر جداً، وبقيت زماناً متحيزاً بين تلك الموارد، متردداً بين تيك المشارب وكم كنت أسمع شيوخنا الأفاضل وأساتذتنا الأماثل عند أخذنا منهم لهذا العم، يرددون عبارة خطيرة المضمون، لكنها كانت تخرج منهم وتمر علينا دون أن نقدرها قدرها فقد كانوا يقولون عند شرحهم لبعض المصطلحات: ((معنى المصطلح: (كذا) ، عند المتأخرين، وليس معناه كذلك عند المتقدمين)) . فكنت أعجب من ذلك غاية العجب، وأستغرب من دواعي هذا الاختلاف، ومن فائدة هذا الفهم المغاير لفهم أصحاب الأصول من أهل الاصطلاح، الذين: منهم، وإليهم، وفيهم، وعنهم: يدور الكلام في علم الحديث وما زلت أستغرب ذلك حتى استنكرته، وحين استنكرته وضح لي الطريق، وتبينت المنهج، والله الحمد كله وعندها لاحت لي أخطار جمة تحدق بعلوم السنة، لا يسعني السكوت عنها. فجردت القلم للدفاع عن السنة، وفي بيان (المنهج المقترح لفهم المصطلح) ، وفي التحذير من المناهج ذات النتائج المدمرة لعلم الحديث. وليس يخفى علي أن بعضاً من أهل عصري لن يرضى عن هذا الطرح، ولن يعجبه ذلك المنهج المقترح، لا لشيء، إلا لأن لسان حاله يقول: ((يا ابن أخي لا خير لك فيما لم يبلغه علمي)) لله أبوك ... فلاخير إذن في جل الحق !!! لو كان جهل هؤلاء جهل من يدري بأنه لا يدري، لكان الخطب كلا خطب، فإنما شفاء العي السؤال. لكن جهلهم جهل من لا يدري بأنه لا يدري، فقتلوا العلم، قتلهم الله

стр. 6

وأمثل لك حالهم: هم ممن حدا العجز بهم إلى الرضى بالكسل والخمول، وفرحوا بالشهادات، ورضوا بالألقاب. ثم هداهم جهلهم إلى التشبث بقول من الأقوال، فلم يروا سواه، ((وأجرأ الناس على الفتيا أجهلهم بالخلاف)) . فلا كان الحق والصواب عندهم معيار الاختيار، ولا الباطل والخطأ سبب الرفض! وأنى لهم ذلك؟!! وقد قيدوا أنفسهم بمختصرات في علوم الحديث، إن زادوا زادوا عليها حواشيها وشروحها، فإن توسعوا اكتفوا بفهم خطأ وتأويل بعيدٍ لكلام أهل الاصطلاح. وهم خلال ذلك قد حصنوا أنفسهم بلقاح (إجلال العلماء) ، وسوغوا للناس ذلك بجرعة (عظيم أقدار الأئمة) ، وهي كلمات حق يراد بها باطل!!! فلا أجل العلماء، من قلد أحدهم غير ناظر إلى من عداه من العلماء؛ ولا عرف أقدار الأئمة، من رضي قولاً لواحدٍ منهم دون دليله، من غير اعتبارٍ لما سواه، وكأنه كلام ما قيل! أرأيت وقد قالوا عن الباطل: كيف وقد قيل؟ !! ومع ذلك كله: فوالذي نفسي بيده! لو لم يكن الأمر من أجل السنة، وفي سبيل السنة، وعن منهاج السنة = لخطبت ودهم، ولسعيت إلى رضاهم. فلا رضي أبعدهم إذا كان العلم يسخطه، ولا قرت عينه إذا كان نور الحق يعشيه!! وسوف ألفظ ذكرهم، بعد أن ضقت بهم، وكرهت معناهم ولفظهم! أما بحثي هذا، فقد كان في صورته الأولى مقدمة مختصرة لكتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس: دراسة نظرية وتطبيقية على مرويات الحسن البصري) . جعلتها له مقدمة تأصيلية، أساساً أبني عليها، وقاضياً أحتكم إليها، فيما يعترضني من اختلافات ومذاهب.

стр. 7

ثم شاء الله تعالى، ولأسبابٍ لا أحب ذكرها، أن أفصل هذه المقدمة عن ذلك الكتاب. وكان ذلك خيراً (بحمد الله تعالى) ، حيث توسعت في هذه المعدمة، بما أرجو أن يكون أدعى لوضوحها وقبولها من القارئ الكريم. ولعلي أعود إليها بتوسع أكبر، وخاصة في بعض أبوابها، وفصولها، فيما إذا اضطررت إلى ذلك! ثم إني إذ أكتب هذا البحث ن مسطراً فيه ما أحسبه الحق الصراح؛ إلا أني لا أشك أن الخطأ حليف بني آدم، والنسيان من خلقة الإنسان. لكني أطلب من القارئ الإنصاف، وأسأله أن يجتهد في طلب العدل، كما أطالب نفسي بذلك. فإن وقف أحد على خطأ، أو اتضح له زلل، أو خالفني في شيءٍ من هذا البحث = فالنقد العلمي سبيل التصحيح، والنصيحة الأخوية سبب القبول، والعدل في موازنة الحسنات بالسيئات نهج للحق واضح. إن أحب نشر ذلك: فبها ونعمت، وإن أحب أن يخصني بشيء منه: فهو حسن (١)

стр. 8

الباب الأول: تاريخ نشأة علوم الحديث وتطور مصطلحه الفصل الأول: في عصر النبي ﷺ وأصحابه ﵃. الفصل الثاني: في عصر التابعين. الفصل الثالث: في عصر أتباع التابعين. الفصل الرابع: العصر الذهبي للسنة. الفصل الخامس: في القرن الرابع الهجري.

стр. 9

الفصل الأول: في عصر النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لا شك أن نشوء علوم الحديث قديم قدم بدء الوحي على النبي ﷺ ! فأول علم نشأ منها علم الرواية، وأول رواية من هذا العلم سماع ورواية خديجة أم المؤمنين ﵂ لحديث بدء الوحي وقصة مجيء جبريل ﵇ بأوائل سورة (أقرأ) إلى النبي ﷺ في غار حراء (١) . هذا أول حديث من وحي السنة، فهو أول ما نشا من علومها. ومن ذلك الحين، حين إنباء النبي ﷺ وإرساله، وإسلام السابقين الأولين، بزغ نور السنة مع القرآن، وسطعت شمس الإسلام بالآيات والحكمة (٢) ، وبدأت ملحمة الصلاع بين الحق والباطل.

стр. 10

وخلال هذه الفترة، فترة سنوات البعثة المحمدية (على صاحبها أفضل صلاةٍ وأتم تسليم) التي امتدت لثلاثةٍ وعشرين عاماً = كانت السنة النبوية ق أنزلت منزلتها في مصادر التشريع الإلهي. وعلم من ذلك الحين أنه لا سبيل إلى رضى الله ، وإلى الفوز بسعادة الدارين، إلا بكلام الله تعالى المنزل، وبيانه من سنة النبي ﷺ : القولية والفعلية والتقريرية. ولن أطيل في ذكر عظيم حرص الصحابة ﵃ على الاقتباس من نور الملازمتهم للنبي ﷺ ، وإصغائهم إليه بالألباب قبل الأسماع، ومد القلوب للنظر قبل الأبصار، واحتفافهم به ﷺ بالأرواح قبل الأجساد. فما تركوا من أقواله قولاً إلا وفي القلوب نقشوه، ولا فعلاً إلا وضبطوه، ولا تقريراً إلا وأحاطوا به علماً. علموا أنه رسول الله فتتلمذوا عليه، وأيقنوا أنه وحي بجسده وروحه ﷺ فاقتدوا به، وأدركوا أنه سيد ولد آدم فلم يفوتوا فرصة حياته (طاب حياً وميتاً بأبي هو وأمي ﷺ ، وآمنوا أن حبه أحب الأشياء إليهم ـ بعد حب الله تعالى ـ فتفانوا وبذلوا حتى ﵃ وأرضاهم. فلله درهم ولم يزل النور متصلاً بالوحي من السماء حياته ﷺ ن فلقلوب بالإيمان تزخر، والنفوس بالخير تزكو، والعقول بالعلم تثقف ن والبصيرة بالنور السني تنفذ ن والجوارح بالقدوة تتطهر، والأرواح إلى الجنات ورضى الله تتسابق ز فلما كمل الدين ن وتمت النعمة، ورضي الله لنا الإسلام ديناً، وبلغ النبي ﷺ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة،

стр. 11

وجاهد في الله حق جهاده = أتاه اليقين، ولحق بالرفيق الأعلى، وانقطع الوحي عندها ختم على السنة بما كان في صدور الصحابة ﵃، وفقدت الأسوة إلا بما تمثله الجيل الأول ﵁. فعلم الصحابة ﵃ عظم الأمانة التي عليهم للأمة عبر العصور، وأدركوا ثقل هذا الحمل الذي سيسائلهم الله تعالى عنه، ثم رغبوا أيضاً بالأجر العظيم الذي سينالونه إذا أدوا هذه الأمانة، وبالثواب الممتد الجزيل إذا حملوا ذلك الثقل الأجيال من بعدهم كما تحملوها هم، وعقلوا أن عليهم: من واجب نشر الدين، وتبليغ الدعوة ونصرة الإسلام، وانتشال العباد من عبادة العبباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة = من لن يكون إلا بينشر العلوم السنية، وتبليغ الآثار المصطفوية، وتأديب الخلق بالأخلاق المحمدية. لكنهم كانوا يعملون تمام العلم خطورة الأمر، وأنه تشريف وتكليف ـ وأي تكليف؟ ـ أن تكون الأمة إلى قيام الساعة، ليس لها طريق إلى العلم بدين الله، إلا عن طريق هذا الجيل، من تلامذة محمد ﷺ ورضي عنهم. ثم إن الله تعالى قد أدبهم ورسوله صلى الله، على التوثق في الأخبار، والتحري في قبول ناقليها. ومن ذلك قوله تعالى (يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا ... ) ] الحجرات: ٦ [وقوله سبحانه: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ . وقال ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم

стр. 12

ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً﴾ . (١) ومنه أيضاً قوله ﷺ ك ((كفى بالمرء كذباً] وفي رواية: إثماً [أن يحدث بكل ما سمع)) (١) ، وقوله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (٢) ، وقوله ﷺ : ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) (٣) . لذلك فقد اجتمع في هذا الجيل، من دوافع نشر السنة وتعليمها، ومن أسباب التوثق والتورع؛ ما جعله يقوم بأداء الأمانة خير أداء، من غير زيادةٍ ولا نقصان، على الوجه الذي تكفل بتحميل تلك الأمانة للأجيال من بعدهم، وإخلاء المسؤلية عنهم بعد ذلك الكمال والشمول والدقة المتناهية في التبليغ والأداء. وقد جاءت أخبار متكاثرة في بيان توثق الصحابة رضوان

стр. 13

الله عليهم في نقل السنة، في حياته ﷺ ، فضلاً عما بعد وفاته ﵊. ومن أمثلة توثق الصحابة ﵃ للسنة في حياته ﷺ ، ما ثبت في حديث عمر بن الخطاب ﵁، في اعتزال النبي ﷺ نساءه، وما شاع حينها بين الصحابة أنه ﷺ طلقهن، فجاءه عمر ﵁ يستأذن عليه، ليستثبته عن الخبر، فقال عمر للنبي ﷺ : ((أطلقت نساءك؟)) فقال ﷺ : ((لا)) ، فكبر عمر ﵁، وقال: ((يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال:، عم، إن شئت ... )) (١) . ومن ذلك أيضاً حديث أنس ﵁، في وفود ضمام بن ثعلبة ﵁ على النبي ﷺ ، ليتوثق من نقل الرسول الذي أرسله النبي ﷺ إلى قومه؛ حيث قال ضمام للنبي ﷺ : ((يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال ﷺ : الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال = آلله أرسلك؟ قال: نعم ... )) الحديث (٢) . أما بعد وفاته ﷺ ، فقد ازداد شعور الصحابة بالضرورة

стр. 14

القصوى للتوثق للسنة، إذ لم يمكنهم الرجوع إلى معدنها واصلها، بعد أن فقدوا شخص النبي ﷺ ، وواروه التراب!! ومن ذلك ما وقع للخلفية الثاني عمر بن الخطاب ﵁. فعن أبي سعيد الخدري، قال: ((كنا في مجلسٍ عند أبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً] وفي رواية: فزعاً أو مذعوراً [حتى وقف، فقال: أنشدكم الله! هل سمع أحدُ منكم رسول الله ﷺ يقول: (الا ستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع) ؟ قال أبي: وما ذاك؟ ! قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت. ثم جئت. ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلمت ثلاثاً، ثم انصرفت. قال: قد سمعناك، ونحن حينئذٍ في شغل، فلو استأذنت حتى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ . قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن شهد لك على هذا (١) . فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا صناً! قم يا أبا سعيد. فقمت حتى أتيت عمر، فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا)) (٢)

стр. 15

بل لقد كان عمر ﵁، كما سقول الإمام الذهبي: ((هو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل)) (١) . يعني: أنه حرص على إشاعة هذه السنة وتعليهما، وأخذ الرعية على التزامها، والتشديد في ذلك؛ وهي سنة التوثق والتحري للسنة. قال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: ((بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود، وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري،] وإلى أبي ذر [، فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله ﷺ !! فحبسهم بالمدينة (٢) ، حتى استشهد)) (٣)

стр. 16

وفي رواية أخرى لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: ((والله ما مات عمر حتى بعث إلى أصحاب رسول الله ﷺ ن فجمعهم جميعاً من الآفاق ك حذيفة، وابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعقبة بن عامر. فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله ﷺ في الآفاق؟! قالوا: أتتهمنا؟ !!! قال ك لا، ولكن أقيموا عندي، ولا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم بما نأخذ منكم وما نرد عليكم. فما فارقوه حتى مات، فما خرج ابن مسعود إلى الكوفة ببيعة عثمان، إلا من سجن عمر (١) .

стр. 17

وهذا قرظة بن كعب الأنصاري ﵁، يروي أن عمر بن الخطاب ﵁ شيعه وفداً خارجاً إلى الكوفة، فأوصى عمر الوفد وصية قال فيها: ((إنكم تأتون بلدة ً لها دوي بالقرآن، كدوي النحل. فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله ﷺ ] وفي رواية: فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ [، وأنا شريككم)) (١) ولهذا التشديد في رواية السنة، والتحذير من أي دواعي الخطأ فيها، خطب معاوية بن أبي سفيان ﵁ على منبر دمشق قائلاً: ((أيها الناس، إياكم وأحاديث رسول الله ﷺ ، إلا حديثاً كان يذكر على عهد عمر ﵁، فإن عمر كان يخيف الناس في الله ) (٢) . وقد علق الإمام الطحاوي ٠ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري ت ٣٢١هـ) ، على هذه الآثار عن عمر

стр. 18

رضي الله عنه، في كتابه (بيان مشكل أحاديث رسول الله ﷺ ، فقال: ((فقال قائل: فما وجه هذا الذي رويتموه عن عمر، وهو إمام راشد مهدي؟ ! وأنتم تعلمون أنه لا يقف الناس على ماكان رسول الله ﷺ ، إلا بما يحدثهم به أصحابه عنه، وفيما كان من عمر ما يقطعهم عن ذلك مما كان منه!! (قال الطحاوي:) فكان جوابنا له في ذلك: أن عمر كان مذهبه حياطة ما يروى عن رسول الله ﷺ ، وإن كان الذين رووه عدولاً. إذ كان على الأئمة تأمل ما يشهد به عندهم ممن قد ثبت عدله عندهم، فكان عمر فيما كان يحدث به عن رسول الله ﷺ مما لا يحفظه عنه كذلك أيضاً (١) . وكذلك فعل بأبي موسى مع عدله عنده فيما حدث به عنه، عن النبي ﷺ ، مما لم يكحن عنده في الارستئذان مما ذكرناه فيما تقدم من كتابنا هذا. وقد وقف على ذلك منه أبي بن كعب ومن سواه من أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين وقفوا على ذلك منه ولم ينكروه عليه، ولم يخالفوه فيه، فدل ذلك على موافقتهم إياه عليه. ولما كان ذلك كذلك: فعل في أمور الذين كان منه في حبسهم ـ مما كان فعله في ذلك ـ لهذا المعنى، لا لأن يقطعهم عن التبليغ عن رسول الله ﷺ الناس ما قد سمعوه منه. وكذلك كان أبو بكر ﵁ قبله في مثل هذا ... (إلى أن قال:) وقد يحتمل أن يكون ما كان من الذين حبسهم ـ فيما كان حبسهم فيه ـ لتجاوز ما كان ينبغي أن يكون من أمثالهم، حتى خاف أن يقطعوا الناس بذلك، ويشغلوهم به

стр. 19

عن كتاب الله ، وتأمله، والاستنباط للأشياء منه، مما فيه تعلو مرتبة المستنبطين على من سواهم ممن يقرؤه، بقوله : (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (١) ، ولذكره سواهم ممن يقرؤونه بما سوى ذلك، بقوله: (لا يعلمون الكتب إلا أماني) (٢) ، أي: إلا تلاوة، فلم يحمد ذلك منهم كما حمد أهل الاستنباط على الاستنباط)) (٣) . وقال ابن حبان (محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي: ت ٣٥٤هـ) ، في كتابه (معرفة المجروحين) : ((لم يكن عمر بن الخطاب ـ] بما [قد فعل ـ يتهم الصحابة بالتقول على النبي ﷺ ، ولا ردهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله ﷺ ، وقد علم أنه ﷺ قال: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) (٤) ، وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله ﷺ . ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله ﷺ ، لأنه ﵇ قال: ((إن الله ﵎ نزل الحق على لسان عمر وقلبه)) (٥) ، وقال: ((إن

стр. 20

يكن في هذه الأ/ة محدثون: فعمر منهم)) (١) .] فعمد عمر إلى الثقات [المتقنين، الذين شهدوا الوحي والتنزيل، فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبي ﷺ ، لئلا يجترئ من بعدهم، ممن ليس في الإسلام محله كمحلهم، فيكثر الرواية، فيزل فيها، أو يقول متعمداً عليه ﷺ لنوال الدنيا..)) (٢) . وقد علق الخطيب البغدادي على هذه الآثار عن عمر ﵁، بكلام نفيس، حيث قال: ((إن قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله ﷺ ، وتشديده عليهم في ذلك؟ قيل له: إنما فعل عمر ذلك احتياطاً للدين، وحسن نظر للمسلمين. لأنه خاف أن ينكلوا عن الأعمال، ويتكلوا على ظاهر الأخبار. وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها، ولا كل من سمعها عرف فقهها. فقد يرد الحديث مجملاً، ويستنبط معناه وتفسيره من غيره. فخشي عمر أن يحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحكم بخلاف ما أخذ به. وكذلك نهى عمر الصحابة أن يكثروا رواية الحديث، وفي تشديد عمر أيضاً على الصحابة في روايتهم = حفظ لحديث رسول الله ﷺ ، وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها؛ لأنه إذا رأى الصحابي المقبول القول، المشهور بصحبة النبي ﷺ ، قد تشدد عليه في الرواية، كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، ولما يلقي الشيطان في النفس من تحسين

стр. 21

الكذب أرهب)) (١) فانظر ـ رعاك الله ـ إلى هذا الحرص البالغ في التوقي للسنة، والتأكيد الشديد على وجوب التثبت لها، من عمر أمير المؤمنين ﵁! مع أنه ﵁ كان في جيل من أقرانه في الإيمان والعلم والسن، من أصحاب النبي ﷺ ، لم يكونوا بأقل منه شعوراً بعظم الأمانة، وثقل الحمل، وخطورة الأمر!! يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى ـ التابعي الكبير الثقة: ت ٨٣هـ ـ: ((أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ ] في المسجد [، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتي إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا)) (٢) . وقال عبد الله بن الزبير ﵄ لأبيه الزبير ﵁: ((إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان؟! فقال: أما إني لم أفارقه] منذ أسلمت [،] ولقد كان لي منه وجه ومنزلة [،] وأخاف أن أزيد أو أنقص [، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)) (٣)

стр. 22

فهذا يدل على أن الزبير بن العوام ﵁ كان يرى أن وعيد هذا الحديث ينال المخبر عن النبي ﷺ غير ما قال، سواء أكان ذلك عن خطأ أو عن عمد!! وعلى هذا المذهب أيضاً أنس بن مالك ﵁، حيث قال: ((لولا أني أخشى أن أخطئ، لحدّثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ . وذاك أني سمعته يقول: ((من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)) (١) . وهذا عبد الله بن مسعود وأبو الدرداء ﵄، وهما ممن حبس عمر ﵁ بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ للحديث كما سبق، كانا إذا أراد أحدهما الحديث عن رسول الله ﷺ : ارتعد فزعاً، واغرورقت عيناه، وقال: ((أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً منه، أو شبيهاً بذلك)) (٢) !! ورعاً ورهبة

стр. 23

من تبعة الزيادة أو النقصان!!! ثم يتشدد عمر ﵁ مع هؤلاء!!! ومع أمثال هؤلاء!!! هكذا بدأ أول عصر الصحابة ﵃، ومن وقت مبكرٍ جداً فيه، وقبل فتنة مقتل عثمان ﵁، بل قبل مقتل عمر ﵁ = على التشديد البالغ في رواية السنن، والترهيب من دواعي وقوع الخطأ فيها!! فإلى أي حس سوف ينتهي تثبتهم في الرواية، بل هل سيكون لتثبتهم حد؛ فيما إذا ظهرت بوادر الفتنة، وبدت دواعي الكذب؟!!! لاشك أن مقتل عثمان بن عفان ﵁ كان ثلمة في حصن الإسلام، فلم تجتمع الأمة بعده على خليفة إلى اليوم. وكان له من الآثار العظيمة، عقب الجريمة مباشرة، وبعدها.. إلى اليوم، ما يكاد يكون بها السبب الأول لما تلاه من نكبات وكبوات في تاريخ هذه الأمة. وكان من أكبر آثار فتنة مقتل عثمان ﵁، افتراق الأمة، وظهور بعض الأحزاب، لا سياسية فحسب، بل عقدية سياسية. عندها بدأت دواعي التقول على النبي ﷺ تظهر، نصرة للمذهب الاعتقادي الذي يتحزب له بعض مرضى النفوس والجهلة. لكن جيل الصحابة ﵃ كانوا ـ كما رأيت سابقاً ـ قد سبقوا ذلك بالتشديد في الرواية، فما أن لاحت بوادر الفتنة، حتى سابقوها أيضاً بالمبالغة في التشدد للرواية، وبتحصين السنة

стр. 24

بحصن آخر قبل مجيء العدو الضعيف. وبذلك اماتوا الكذب في صدور أصحابه، ولم يستشر داؤه، بل لم يوجد اصلاً إلا من آحادٍ هلكوا فهلك معهم. وقد أعلن عبد الله بن العباس ﵄ المنهج الذي بدأ يود ذلك العصر في تلقي السنة، عندما قال ﵁: ((إنا كنا إذا سمعنا رجلاً يقول: (قال رسول الله ﷺ ٩، ابتدرته أبصارنا، وأغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)) (١) لقد كان في ذلك التثبت إنشاء لعلم جديد من علوم الحديث، وهو علم الجرح والعديل، الذي كانت قد وضعت أسسه، وأصلت قواعده، في الأصلين: الكتاب والسنة، كما مر بيانه. فابن عباس ﵁، يعلن هنا عن بداية حقبةٍ جديدةٍ للرواية، تختلف عن الحقبة السابقة لها. حيث لم يكن يحدث عن رسول الله ﷺ في تلك الحقبة السابقة، إلا من زكاهم الله تعالى ورسوله ﷺ من الصحابة ﵃، الذين لم يكن يستلزم قبول ما يروونه إلا سماعه منهم. أما الحقبة التي يتكلم عنها ابن عباس ﵁، فقد بدأ من لم يكن له لقي بالنبي ﷺ ولا صحبة، بالحديث عنه ﷺ . وهؤلاء لم يلقوه، فحديثهم عنه ﷺ لا بد أن يكون لهم إليه

стр. 25

فيه واسطة؛ ثم إنهم هم أنفسهم ليس لهم شرف الصحبة، ولا نالهم تعديل من الله تعلى أو رسوله ﷺ ؛ ثم بعد أن دبت الفتنة، (وركب الناس الصعب والذلول) ، كان لا بد من معرفة الواسطة المحذوفة في مرسل ذلك التابعي، للتوثق من ثقة تلك الواسطة، وذلك ـ بالطبع ـ بعد التوثق من ثقة ذلك التابعي نفسه الذي أرسل الحديث أولاً. فكان هذا أول تطبيق عملي ظاهر لعلم الجرح والتعديل، وأول السؤال عن الإسناد، ورفض المراسيل. وذلك لظهور علتين اقتضت ذلك، هما علتا: رواية المجروح، والإرسال وعدم الإسناد (١) وفي الحقيقة، فإن علة الإرسال عائدة إلى العلة الأولى، لأن عدم قبول المرسل إنما كان، لا حتمال كون المحذوف مجروحاً. وقد أرخ بداية نشوء هذين العلمين (علم الإسناد وعلم الجرح والعديل) من علوم الحديث، أحد أئمة التابعين، وهو محمد بن سيرين (ت ١١٠هـ) ، عندما قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر على أهل البدع فلا يؤخذ

стр. 26

حديثهم (١) . ومن هنا يظهر أن الصحابة ﵃، كانوا هم أول من بدأ بإنشاء ما عرف بعد ب (علوم الحديث ومصطلحه) . ولا غرابة في ذلك، فإن الهدف واحد والغاية معلومة، لهذه الأمة عبر العصور، وهو: التوثق للسنة، وتأديتها للأجيال صافية، من غير نقص أو زيادة. فكل وسيلة تؤدي إلى هذا الهدف سيسلكه ذلك الجيل، وأي سبيل يحقق تلك الغاية فستطرقه الأمة، ولن تواجهها عقبة إلا وكان عندها من العلم والعزيمة ما يقتحم بها العقبات، ولا اعترضها عائق إلا واخترعت ما يجاوزها إياه.

стр. 27

الفصل الثاني: في عصر التابعين بدأ عصر التابعين، بعد أن انتهى الجيل الأول، وذهب قرن الصحابة ﵃. فتحمل التابعون بإحسان عن الصحابة ﵃ العلم والإيمان، والشعور العميق بعظم المسؤولية الملقاة عليهم بتبليغ العلم والإيمان للاجيال من بعدهم، كما بلغتهم. لكن زاد الأمر خطورة، وتتابعت الفتن على الأمة، وتعبت الأحزاب، وخرج دعاتها يدعون الناس إلى باطلهم، لاجئين أحياناً إلأى الكذب الصريح، أو إلى أنواع من التلبيس و (التدليس) لإخفاء عيب رواياتهم. ومع ذلك فقد بدأ الإسناد يطول، وأصبحت لا تسمع حديثاً عن النبي ﷺ ، إلا بواسطةٍ فأكثر، خاصة بعد أن اخترم غالب جيل الصحابة، فأصبح التابعي يأخذ عن قرينه من التابعين ويروي عنه. وهذه الوسائط ـ حاشا الصحابي ـ يلزم لقبول ما ترويه: العلم من حالها ما يدل على عدالة وحسن نقل أصحابها، أي يلزم تمييز الثقات في النقل، من غير الثقات فيه، من أهل هذه الطبقة فمن بعدهم. وفي هذه الحقبة دوت صرخات من أئمة التابعين، لمواجهة

стр. 28

كل هذه الأخطار المحدقة بالسنة. وتجند لذلك الغرض: (الدفاع عن السنة) ، فئام عظيم من الأمة حينها، حريصون كل الحرص على نشر السنة، لكن بعد التأكد والتثبت والتامين الكاملين من أنها سنة نبوية حقاًَ. ومن هذه الصرخات، كلمة محمد بن سيرين، التي حفظتها الأجيال، وتناقلتها الأعقاب، وهي قوله: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)) (١) . لقد أصبحت هذه الكلمة، الدالة على وجوب التثبت في نقل السنة، شعاراً في ذلك العصر، وفيما بعده، إلى يوم الناس هذا، وإلى ما شاء الله، مادام في الناس من يهمه أمر الدين ويسعى لرضى ربه . ومع نشوء علم الإسناد، نشأت بعض علومه، الكفيلة بحفظ السنة في هذا الجيل، وبتبليغه للأجيال من بعده. وبدأ حملة الآثار في هذا العصر وأئمة التابعين، بالتعبير عن حال الرواية والراوي، وعن أوصافهما المختلفة، بألفاظٍ.. كثر استخدامهم لها بعد ذلك، حتى أصبحت مصطلحاتٍ ذات دلالة ٍ عرفية بين أهل الحديث. وهكذا أخذت الحاجة إلى حفظ السنة، وإلى أدائها

стр. 29

للأجيال، في بناء علم جديد، تمز به الإسلام، وتفرد به علماؤه. ألا وهو الإسناد وعلومه، التي أطلق عليها بعد ذلك: علوم الحديث وأصوله. وإن كنا نحن في بحثنا هذا، إنما نقصره على مصطلح الحديث خاصة، إلا أنه لا يسعنا إغفال تاريخ تدوينه ومراحل هذا التدوين. ذلك لأن مصطلح الحديث أخذ بالبروز والتبلور، هي هذا العصر وفي العصور اللاحقة له، مع حركة التدوين، مرافقة لها جنباً إلى جنب. ولا غرابة في ذلك، إذ إن تدوين السنة ذاته: (أصوله وآدابه) = من علوم الحديث، وله مصطلحاته الخاصة به. ولا غرابة في ذلك أيضاً، لأن حركة التدوين إنما كانت تنقل من مرحلةٍ إلى مرحلة ٍ أخرى أكثر ارتقاء، بناء على ما يستجد من دواعي الحفاظ على السنة، وما يظهر من أخطار عليها، تستلزم حماية معينة تجاهها. وحينها لا يعقل أن يرتقي تدوين السنة، دون باقي علومها، ودون نشوء مصطلحات واستقرار أخرى، في مواجهة تلك الدواعي والأخطار. خاصة إذا أدركنا أن من تلك الدواعي: انتشار السنة، وتشعب الأسانيد وطولها؛ وأن من تلك الأخطار: فشو الكذب بعد جيل أتباع التابعين، وافتراق الأمة قبل ذلك بكثير إلى شيع وأحزاب. وهذا الأمر ـ أعني: ترابط مراحل ارتقاء تدوين السنة بمراحل ارتقاء مصطلحاتها ـ من أوضح ما يكون عند المتخصصين في هذا العلم. بل كان يمكن أن نعكس القضية، فنقيس مراحل ارتقاء التدوين بمراحل ارتقاء المصطلح، بدلاً من ضد ذلك مما نزمع القيام به؛ لولا أن تدوين السنة قد درس وخدم تأريخه ومراحل تطوره من علماء الأمة، قديماً وحديثاً، بما

стр. 30

جعله أنفع لأن يكون هو الأصل الذي يقاس عليه، لزيادة وضوح الأمر الذي نريد أن نقيس عليه فيه. وبعد هذا التقرير، سنجعل أي إشارة إلى تطور تدوين السنة إشارة ايضاً إلى تطور مصطلحاتها، إلى أن تدون السنة كلها، ولا يبقى للروايات الشفهية غير المدونة ذكر، إلا الروايات المكذوبة والموهومة. فإذا عدنا إلى عصر التابعين، نقول: إنه كانت السنة قد بدئ تدوينها من زمن النبي ﷺ ، ثم في زمن الصحابة ﵃ (١) ؛ إلا أن تدوينها الرسمي، بأمرٍ عام من الدولة، إنما كان في أواخر عهد الصحابة، وذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ وبأمره (٢) ، وكانت

стр. 31

خلافته سنة (٩٩هـ) إلى سنة (١٠١هـ) حين وفاته ﵀ . وهذا الأمر الخارج من دار الخلافة إلى عمال الأمصار وعلماء الأمة بتدوين السنة، من أكبر الأدلة على أن السنة وعلومها بدأت طوراً جديداً، يقتضي نشوء علوم جديدة، كان منها هذا التدوين الرسمي. وكما ذكرنا آنفاً، إن مصطلحات الحديث كانت في نشوئها وتطورها مواكبة لحركة تدوين السنة. لذلك فإن أي علامةٍ من علامات انتعاش وارتقاء حركة التدوين، يدل ذلك ـ طرداً ـ على ظهور مصطلحات تخدم السنة واستقرار مدلولاتها. وهذا ما وقع بالفعل خلال هذا العصر. فهذا محمد بن سيرين ـ وهو أحد رواد هذا العلم ـ يستخدم مصطلح (الإسناد) (١) ، و (المرسل) (٢) ، ويتكلم في حكم الرواية عن أهل البدع (٣) ، بل لقد ذكره أهل العلم في الطبقة الأولى من علماء الجرح والتعديل (٤) ويذكر الإمام محمد بن مسلم الزهري (ت ١٢٥هـ) مصطلح (الإسناد) أيضاً، ويتكلم عن حكم الحديث (المرسل) (٥)

стр. 32

ويتكل بعض أئمة التابعين عن بعض طرق التحمل، وعن استعمالات صيغ السماع (١) . وإذا دققت النظر في هذه العلوم والمصطلحات، التي نشأت في عصر التابعين، علمت أنها أصول علوم الحديث وأسس مصطلحه. ثم إذا دققت النظر فيها أكثر، علمت أنها كفيلة بحفظ السنة لذلك الجيل، الذي لم تظهر فيه العلل الحديثية التي كثرت في الأجيال التي بعده. وذلك لقصر الإسناد، وعدم فشو الكذب. لكن لا بد في هذا الجيل من بيان الوسيلة الصحيحة لتبليغ السنة: (طرق التحمل) ، ومن ذكر الألفاظ التي يعبر بها عن كل طريقة من طرق التحمل: (صيغ الأداء) . ثم إن بعض الرواة، كان قد اعتاد إرسال الحديث، منذ الفترة التي سبقت الفتنة، وكان الإرسال في تلك الفترة المتقدمة مقبولاً، لكن لما (ركب الناس الصعب والذلول) وجب إضهار مستند الراوي ومعتمده في النقل، وهو (الإسناد) . فالإرسال من أوائل العلل الحديثية ظهوراً ن لذلك فإن مصطلحه من أقدم المصطلحات، والكلام عن حكمه من أقدم أحكام أنواع علوم الحديث. و (الإرسال) دعا إلى المطالبة ب (الإسناد) ، والمطالبة ب (الإسناد) إنما كانت للنظر في الرواة (جرحاً وتعديلاً) . هذا، وبصورة سريعة، بعض ملامح نشأة علوم الحديث ومصطلحة وتطورها، في عهد التابعين (رحمهم الله تعالى) .

стр. 33

وأريد أن ألفت الانتباه هنا، إلى ملحظٍ مهم بخصوص نشأة المصطلحات، وهو علاقة تلك المصطلحات ومدلولاتها العرفية بالمعنى اللغوي الأصلي للكلمة. إن المنتبه باعتناء إلى هذا الملحظ، سوف يقف على قوة علاقة الدلالات الاصطلاحية للكلمة بالمعنى اللغوي الأصلي لها. وهذه العلاقة القوية، سوف تفسر له سبب اختيار أهل جيل واحد بأجمعهم لذلك اللفظ للتعبير به عن ذلك المعنى، دون اتفاقٍ بين أهل ذلك الجيل على هذه الاختيار، ثم يتداول ذلك اللفظ لذلك المعنى، بل يغلبه عند أهل الفن. ولو قمت بدراسة مصطلحي (الإسناد) و (الإرسال) ، من هذه الجهة، جهة علاقة معناهما الاصطلاحي بالمعنى اللغوي لهما، لاتضح ما ذكرته آنفاً تمام الوضوح. فالإسناد مأخوذ من مادة (سند) ، وهي كما يقول ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) : ((أصل واحد، يدل على انظمام الشيء)) (١) ثم قال ابن فارس: ((والسناد: الناقة القوية، كأنها أسندت من ظهرها إلى شيء قوي. والمسند: الدهر، لأن بعضه متضام. وفلان سند، أي: معتمد. والسند: ما أقبل عليك من الجيل، وذلك إذا علا عن السفح. والإسناد في الحديث: أن يسند إلى قائله، وهو ذلك القياس (٢) وقال الجوهري في (الصحاح) : ((السند: ماقابلك من

стр. 34

الجبل، وعلا عن السفح. وفلان سند، أي: معتمد ... والإسناد في الحديث: رفعه إلى قائله)) (١) . وذكر الزمخشري في (أساس البلاغة) معاني السند الأصلية، ثم ذكر المجازية، فقال فيها: ((وحديث مسند، والأسانيد: قوائم الحديث ن وهو حديث قوي السند)) (٢) . بل إن الزبيدي في (تاج العروس) اعتبر أن (السند) بمعنى: (معتمد الإنسان) ، اعتبره من المعاني المجازية للكلمة (٣) . وعلى هذا، فأصل معنى الكلمة له دلالتان، الثانية مبنية على الأولى. الأولى هي التي ذكرها ابن فارس: ((انظمام الشيء إلى الشيء)) ، والثانية: الاعتماد والتقوي بذلك. ثم إذا عرفت السند في اصطلاح المحدثين، بأنه: سلسلة رواة الحديث، أو طريق المتن. ظهر لك قوة علاقة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي، إلى درجة التوافق بين المعنيين إلى حد كبير. فالسند: فيه انظمام الشيء إلى الشيء، أي راوٍ إلى راوٍ ن وهذا الانظمام يقوي موقف الراوي باعتماده على غيره في روايته، ويلقي عهدة الحديث ـ سواء أكان صحيحاً أو غير صحيح ـ على ذلك الراوي الذي أسند الحديث إليه. وبهذا تظهر لك قوة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي، في كلمة (السند) ، وتعلم لم اختار علماء التابعين هذا اللفظ، دون غيره من الألفاظ القريبة في المعنى

стр. 35

منه، للتعبير بها عن (سلسلة رواة الحديث) . أما (المرسل) ، فأصل معناه اللغوي، كما يقول ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) : ((أصل واحد مطرد منقاس، يدل على الانبعاث والامتداد)) (١) . ويقول الراغب الأصبهاني في (المفردات في غريب القرآن) : ((أصل الرسل: الانبعاث على تؤده)) (٢) . أما المعاني المشتقة من هذا المعنى الأصلي للكلمة، فقد استوفى الحافظ العلائي منها ما له علاقة بالمعنى الاصطلاحي لكلمة (مرسل) ، وذلك في كتابه (جامع التحصيل) (٣) . وبعد دراسة المعاني الأربعة التي ذكرها العلائي، يظهر أن (الإرسال) بمعنى: الإطلاق والترك والتخلية وعدم المنع (٤) .، هو المعنى الملحوظ في اصطلاح (الإرسال) (٥) . فإذا وازنت بين هذا المعنى اللغوي ك الإطلاق والترك والتخلية، والمعنى الاصطلاحي، وهو كما قال الخطيب في (الكفاية) : ((ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه. إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال، من حيث الاستعمال، ما رواه التابعي عن النبي ﷺ (٦) . إذا وازنت بين هذين المعنيين: اللغوي والاصطلاحي،

стр. 36

علمت مدى قوة العلاقة بينهما. فإن الذي يرسل الحديث،: انه أطلق روايته، فانبعثت دون قيد أو ظابط، فلا يمكن لذلك الوقوف منها على يقين، أو الاحتجاج بها. والذي يجزم بأن معنى ٠ الترك والإطلاق والتخلية) هو المعنى الملحوظ في مصطلح (الإرسال) ، عند أئمة التابعين، هذا النقل الآتي عن الزهري. فعن عتبة بن أبي حكيم: ((أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة، وعنده الزهري. قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ . فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة! ما أجرأك على الله !! ألا تسند حديثك؟! ألا تسند حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة (١) أرأيت قول الزهري: ((ليس لها خطب ولا أزمة)) في وصف (مراسيل) ابن أبي فروة، هذا هو (الإطلاق والتخلية) . وهذا صريح في بيان المعنى اللغوي المراد في مصطلح (الإرسال) ، وفي بيان العلاقة القوية بين المعنيين: اللغوي والاصطلاحي، كما تقدم. وفي الحقيقة، فإن قوة علاقة المعاني اللغوية بالمعاني الاصطلاحي في مصطلحات الحديث، لا يحتاج على كل هذا الاستدلال. إذ يكفي للدلالة على ذلك، شيوع تلك الألفاظ بمعانيها الاصطلاحية، بين نقلة الحديث وعلمائه، دون اجتماع واتفاق سابق بينهم على استخدامها بتلك المعاني الجديدة؛ ودون غيرها منت الألفاظ، التي كان من الممكن أن تؤدي الغرض نفسه أو بعض الغرض. مما يؤكد أن تلك الألفاظ التي اصطلح على استخدامها بتلك المعاني، لها من معناها اللغوي، أقوى علاقة

стр. 37

بالمعنى الجديد، لذلك كانت أقرب لفظٍ سبق إلى ألسنة علماء الفن، للتعبير به عن ذلك المعنى الحادث. غير أن التنبة إلى قوة العلاقة بين المعاني اللغوية والاصطلاحية في علم الحديث، له أثر كبير في فهم مدلولات المصطلحات، وفي الترجيح بين الأقوال المختلفة فيها. لذلك أحببت التأكيد عليها، بعد إقرارها والاتفاق عليها. وننتقل الآن إلى تأريخ مصطلح الحديث، في عصر أتباع التابعين.

стр. 38

الفصل الثالث في عصر أتباع التابعين فإذا بلغ بنا الحديث عصر أتباع التابعين، فإننا قد دخلنا في آخر القرون المفضلة، التي لم يفش الكذب إلا بعد هابها. وفي هذا الجيل لم تعد تسمع من يقول: سمعت النبي ﷺ ، بل أعلى ما يقع لهم من الرواية، حديث التابعي عن الصحابي. بل كثير ما كانت تزيد الوسائط عن ذلك، خاصة في طبقة صغار أتباع التابعين. وطول الأسانيد سبب لتشعبها، ولصعوبة حصرها، مع ما ينشأ عن ذلك أيضاً من كثرة العلل، واختلاف الرواة في المتن والإسناد. لذل بدأ تدوين السنة في هذا العهد يدخل مرحلة جديدة، لا بانتشار التدوين أكثر من ذي قبل فحسب، حتى عاد أمراً مألوفاً؛ بل وفي طريقة التصنيف، وذلك مواجهة ً لبداية انتشار أسانيد السنن، وخوفاً من تفلت شيءٍ من متونها. فبدأ لذلك التصنيف المرتب لسنن والآثار. فصنف عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح (ت ١٥٠هـ) : كتاب (السنن) ، و (الطهارة) ، (والصلاة) ، و (التفسير) ، و (الجامع) (١) . وصنف محمد بن إسحاق بن يسار (ت ١٥٣هـ) : (السنن) ، و (المغازي) . وصنف معمر بن راشد (ت ١٥٣هـ) : (الجامع) .

стр. 39

وصنف محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة المشهور بابن أبي ذئب (ت ١٥٦هـ) : (الموطأ) ، و (السنن) . وصنف سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١هـ) : (التفسير) ، و (الجامع الكبير) ، و (الجامع الصغير) ، و (الفرائض) ، و (الاعتقاد) . وصنف زائدة بن قدامة (ت ١٦١هـ) : (السنن) ، و (الزهد) ، و (التفسير) ، و (القراءات) ، و (المناقب) . وصنف حماد بن سلمة (ت ١٦٨هـ) : (السنن) . وصنف مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ) : (الموطأ) . وصنف عبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ) : (المسند) ، و (الزهد) , و (الجهاد) وصنف هشيم بن بشير (ت ١٨٣هـ) : (السنن في الفقه) ، و (المغازي) . وصنف أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري (ت١٨٦هـ) : (السير) (١) . وغيرهم كثير، مما بلغنا، وما لم يبلغنا فهو الأكثر.

стр. 40

فإذا كان تدوين السنة قد بلغ هذا المبلغ مت التطور، إلى درجة التدوين المرتب المصنف موضوعياً، فضلاً عن شيوعه بين العامة من أهل العلم حينها = فإن مصطلح الحديث لا بد وأنه واكبه في هذا التطور، ورافقه في هذه المرحلة الزاخرة بالمستجدات. ففي هذا العصر ـ عصر أتباع التابعين ـ يقل أن تجد مصطلحاً من مصطلحات الحديث، إلا وقد تداوله العلماء من أهل هذا العصر، ودار على ألسنتهم، في التعبير عن أحوال الرواية المختلفة، وعن مراتب الرواة قبولاً ورداً. وإذا تذكرنا أن هذا العصر، هو عصر: شعبة بن الحجاج (ت ١٦٠هـ) ، ومالك بن أنس (ت١٦٧ هـ) ، وسفيان الثوري (ت ١٦١هـ) ، وحماد بن سلمة (ت ١٦٧هـ) ، والليث بن سعد (ت ١٧٥هـ) ، وعبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ) ، وهشيم بن بشير (ت ١٨٣هـ) ، وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨هـ) ، وعبد الله بن وهب (ت ١٩٧هـ) ، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧هـ) ، ومحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤هـ) ، ويزيد بن هارون الواسطي (ت ٢٠٦هـ) ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ) . بل وفي هذا العصر: الإمامان الجبلان: يحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨هـ) . إذا تذكرت ذلك (يا من له اطلاع على هذا العلم) علمت المدى الذي بلغته علوم الحديث في هذا العصر. ولا يبقى لديك شك في أن جل أنواع علوم الحديث وأجلها، تكلم عنه علماء هذا العصر، باسمه الذي صار علماً عليه ن ومصطلحاً له دلالته العرفية بين أهل الفن.
следующие страницы →