← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9247

المنهج المقترح لفهم المصطلح

حاتم العوني

Полный текст (278 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

علمت مدى قوة العلاقة بينهما. فإن الذي يرسل الحديث،: انه أطلق روايته، فانبعثت دون قيد أو ظابط، فلا يمكن لذلك الوقوف منها على يقين، أو الاحتجاج بها. والذي يجزم بأن معنى ٠ الترك والإطلاق والتخلية) هو المعنى الملحوظ في مصطلح (الإرسال) ، عند أئمة التابعين، هذا النقل الآتي عن الزهري. فعن عتبة بن أبي حكيم: ((أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة، وعنده الزهري. قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ . فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة! ما أجرأك على الله !! ألا تسند حديثك؟! ألا تسند حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة (١) أرأيت قول الزهري: ((ليس لها خطب ولا أزمة)) في وصف (مراسيل) ابن أبي فروة، هذا هو (الإطلاق والتخلية) . وهذا صريح في بيان المعنى اللغوي المراد في مصطلح (الإرسال) ، وفي بيان العلاقة القوية بين المعنيين: اللغوي والاصطلاحي، كما تقدم. وفي الحقيقة، فإن قوة علاقة المعاني اللغوية بالمعاني الاصطلاحي في مصطلحات الحديث، لا يحتاج على كل هذا الاستدلال. إذ يكفي للدلالة على ذلك، شيوع تلك الألفاظ بمعانيها الاصطلاحية، بين نقلة الحديث وعلمائه، دون اجتماع واتفاق سابق بينهم على استخدامها بتلك المعاني الجديدة؛ ودون غيرها منت الألفاظ، التي كان من الممكن أن تؤدي الغرض نفسه أو بعض الغرض. مما يؤكد أن تلك الألفاظ التي اصطلح على استخدامها بتلك المعاني، لها من معناها اللغوي، أقوى علاقة

стр. 37

بالمعنى الجديد، لذلك كانت أقرب لفظٍ سبق إلى ألسنة علماء الفن، للتعبير به عن ذلك المعنى الحادث. غير أن التنبة إلى قوة العلاقة بين المعاني اللغوية والاصطلاحية في علم الحديث، له أثر كبير في فهم مدلولات المصطلحات، وفي الترجيح بين الأقوال المختلفة فيها. لذلك أحببت التأكيد عليها، بعد إقرارها والاتفاق عليها. وننتقل الآن إلى تأريخ مصطلح الحديث، في عصر أتباع التابعين.

стр. 38

الفصل الثالث في عصر أتباع التابعين فإذا بلغ بنا الحديث عصر أتباع التابعين، فإننا قد دخلنا في آخر القرون المفضلة، التي لم يفش الكذب إلا بعد هابها. وفي هذا الجيل لم تعد تسمع من يقول: سمعت النبي ﷺ ، بل أعلى ما يقع لهم من الرواية، حديث التابعي عن الصحابي. بل كثير ما كانت تزيد الوسائط عن ذلك، خاصة في طبقة صغار أتباع التابعين. وطول الأسانيد سبب لتشعبها، ولصعوبة حصرها، مع ما ينشأ عن ذلك أيضاً من كثرة العلل، واختلاف الرواة في المتن والإسناد. لذل بدأ تدوين السنة في هذا العهد يدخل مرحلة جديدة، لا بانتشار التدوين أكثر من ذي قبل فحسب، حتى عاد أمراً مألوفاً؛ بل وفي طريقة التصنيف، وذلك مواجهة ً لبداية انتشار أسانيد السنن، وخوفاً من تفلت شيءٍ من متونها. فبدأ لذلك التصنيف المرتب لسنن والآثار. فصنف عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح (ت ١٥٠هـ) : كتاب (السنن) ، و (الطهارة) ، (والصلاة) ، و (التفسير) ، و (الجامع) (١) . وصنف محمد بن إسحاق بن يسار (ت ١٥٣هـ) : (السنن) ، و (المغازي) . وصنف معمر بن راشد (ت ١٥٣هـ) : (الجامع) .

стр. 39

وصنف محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة المشهور بابن أبي ذئب (ت ١٥٦هـ) : (الموطأ) ، و (السنن) . وصنف سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١هـ) : (التفسير) ، و (الجامع الكبير) ، و (الجامع الصغير) ، و (الفرائض) ، و (الاعتقاد) . وصنف زائدة بن قدامة (ت ١٦١هـ) : (السنن) ، و (الزهد) ، و (التفسير) ، و (القراءات) ، و (المناقب) . وصنف حماد بن سلمة (ت ١٦٨هـ) : (السنن) . وصنف مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ) : (الموطأ) . وصنف عبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ) : (المسند) ، و (الزهد) , و (الجهاد) وصنف هشيم بن بشير (ت ١٨٣هـ) : (السنن في الفقه) ، و (المغازي) . وصنف أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري (ت١٨٦هـ) : (السير) (١) . وغيرهم كثير، مما بلغنا، وما لم يبلغنا فهو الأكثر.

стр. 40

فإذا كان تدوين السنة قد بلغ هذا المبلغ مت التطور، إلى درجة التدوين المرتب المصنف موضوعياً، فضلاً عن شيوعه بين العامة من أهل العلم حينها = فإن مصطلح الحديث لا بد وأنه واكبه في هذا التطور، ورافقه في هذه المرحلة الزاخرة بالمستجدات. ففي هذا العصر ـ عصر أتباع التابعين ـ يقل أن تجد مصطلحاً من مصطلحات الحديث، إلا وقد تداوله العلماء من أهل هذا العصر، ودار على ألسنتهم، في التعبير عن أحوال الرواية المختلفة، وعن مراتب الرواة قبولاً ورداً. وإذا تذكرنا أن هذا العصر، هو عصر: شعبة بن الحجاج (ت ١٦٠هـ) ، ومالك بن أنس (ت١٦٧ هـ) ، وسفيان الثوري (ت ١٦١هـ) ، وحماد بن سلمة (ت ١٦٧هـ) ، والليث بن سعد (ت ١٧٥هـ) ، وعبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ) ، وهشيم بن بشير (ت ١٨٣هـ) ، وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨هـ) ، وعبد الله بن وهب (ت ١٩٧هـ) ، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧هـ) ، ومحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤هـ) ، ويزيد بن هارون الواسطي (ت ٢٠٦هـ) ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ) . بل وفي هذا العصر: الإمامان الجبلان: يحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨هـ) . إذا تذكرت ذلك (يا من له اطلاع على هذا العلم) علمت المدى الذي بلغته علوم الحديث في هذا العصر. ولا يبقى لديك شك في أن جل أنواع علوم الحديث وأجلها، تكلم عنه علماء هذا العصر، باسمه الذي صار علماً عليه ن ومصطلحاً له دلالته العرفية بين أهل الفن.

стр. 41

فتكلموا ـ مثلاً ـ عن (الصحيح) (١) .، و (الضعيف) (٢) . و (المرفوع) (٣) . و (الموقوف) (٤) .، و (المرسل) (٥) ، و (المنقطع) (٦) ، و (المتصل) (٧) و (المنكر) (٨) ، و (الشاذ) (٩) ، و (المضطرب) (١٠) ، و (الباطل) (١١) ، و (ما لا أصل له) (١٢) ، و (التدليس) (١٣) ، و (التلقين) (١٤) , وحكمه، وغير ذلك: من طرق التحمل (١٥) ، وألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها (١٦) ، وغيرهما. بل بلغ الأمر إلى درجة التقعيد والتنظير، وذلك في أواخر هذا العصر، على يد الإمام الشافعي، بما سطره في كتابه العظيم (الرسالة) (١٧) ، من قواعد في علوم الحديث. لذلك فقد كان هذا العصر، بما وقع فيه من تطور عظيم

стр. 42

في علوم الحديث ومصطلحه، إرهاصاً واضحاً للعصر الذي تلاه: العصر الذهبي للسنة، وقاعدة راسخة أمكن عليها أن يتسق بناء هذا العلم بعد ذلك.

стр. 43

الفصل الرابع: العصر الذهبي للسنة القرن الثالث الهجري (٢٠٠هـ ـ ٣٠٠هـ) هو القرن الذي شهدت فيه علوم كثيرة تحولاً عظيماً، على يد علماء عاشوا في هذا القرن، كانوا أئمة العلم والدين، وقدوة في ذلك للأجيال من بعدهم. فإذا خصصت علوم السنة بالحديث، فهذا العصر الذهبي له. الذي ما إن يذكر حتى تتمثل في المخيلات: صورة الآلاف المؤلفة من طلاب الحديث وهم يلتفون حول أحد أعيانه (١) ، وازدحام بلدان الإسلام وعواصمه بالمحدثين وهم رائحون غادون من مسجدٍ إلى منزل إلى ساحةٍ، من عالم إلى عالم، معهم المحابر والأقلام والكاغد. وأحسب لو نظرت إلى الصحاري وطرق المسافرين ومنازل السفر، لرأيت الأحمال تحط وترحل، والقوافل متتابع نم إسبيجاب وبخارى، إلى قرطبة وإشبيلية، ومن القوقاز إلى صنعاء وعدن، في حركةٍ دؤوب، وموج تلو أمواج متتابعة ٍ، تحكي عجائب الرحلة في طلب الحديث! أما تدوين السنة، الذي جعلناه مقياساً لتطوير مصطلح

стр. 44

الحديث، فهذا العصر هو عصر أصول السنة وأمهات الدين، فهو عصر: مسند الإمام أحمد، والكتب الستة، ومنها الصحيحان!! وما أدراك ما الصحيحان؟!! قمة القمم، وإمام التأليف البشري: في شرف الغاية، وعمق الفكرة، وبعد النظرة، وعبقرية الخطة، وتفوق المنهج، وتكامل القدرات، وبذل الجهد، واسترخاص الدنيا، وروعة الأسلوب، وإتقان التنفيذ ... وغير ذلك /ن: خصائص التميز، ومواهب الإبداع، وتسديد التوفيق، ونفحات الرضى، وقواعد الخلود. بل هذا عصر أصول السنة، من مسانيد، وجوامع، وسنن، وعلل وتواريخ، وأجزاء، وغير ذلك: من وجوه التصنيف الأصلية في السنة، ومن المصنفات التي لا يحويها حصر، ولا يبلغها عد! فهي تكاد تكون بعدد الألوف المؤلفة، من طلبة الحديث، وحفاظه، والرحالين فيه، ممن حواهم هذا القرن! بل تفوق عددهم!! لأنه لا يخلو أن يكون لجمع منهم أكثر من مؤلف، بل ربما عشرات المؤلفات. بل ما انضى هذا القرن، إلا والسنة جميعها مدونة. ولم يبق من الروايات الشفهية غير المدونة في المصنفات ـ بعد هذا العصر ت شيء يذكر، إلا روايات الأفاكين وأحاديث المختلقين، أو أخبار المواهمين المخلطين. ولذلك اعتبر الإمام الذهبي (ت ٧٤٨هـ) رأس سنة ثلاثمائة الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين (١) ، ورأى بذلك أنه من

стр. 45

سنة ثلاثمائة: انقرض عهد الرواة الذين يروون ما لا يوجد في الدنيا مكتوباً إلا في محفوظ صدورهم، ولم يبق ـ بعد أولئك ـ إلا المحدثون المقيدون للسماعات على النسخ الحديثة (١) وتدوين السنة جميعها بانتهاء القرن الثالث، هو ما جعل الأئمة بعد ذلك يتخففون من شروط الراوي والرواية (أي في العدالة والضبط) ، لأن الغرض من الرواية أصبح الإبقاء على خصيصة الإسناد لهذه الأمة، وليس تقييدها بالكتابة وجمعها خوفاً من ضياع أو تفلت شيءٍ منها، إذ هذا ما ضمن عدم وقوعه بتمام تدوين السنة على رأس سنة ثلاثمائة. ومما يدل على صواب الفترة الزمنية لتمام تدوين السنة التي ذكرها الإمام الذهبي، وهي رأس سنة ثلاثمائة، هو أن أ؛ د حفاظ القرن الرابع الهجري، وهو أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) ، قد نص على ذلك التخفف في شروط العدالة والضبط، لأهل زمانه، بل لم يذكر في الضبط إلا ما يتعلق بضبط الكتاب (٢) . مما يدل على أن السنة قد تم تدوينها، قبل الجيل الذي عاصره الحاكم، وهو مولود سنة (٣٢١هـ) ، ومتوفي سنة (٤٠٥هـ) . وممن نص على ذلك التخفف في شروط العدالة والضبط ك الإمام البيهقي (ت ٤٥٨) ، وكلامه في ذلك كلام نفيس يلزم الوقوف عليه لمن أراد معرفة ضوابط ذلك التخفف (٣) . ويمتاز

стр. 46

كلامه بميزةٍ أخرى، وهو أنه وجه سبب ذلك التخفف، فنص على أنه: تمام تدوين السنة. ونقل ذلك عنه أبو عمرو ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) ، فمن جاء بعده، ووافقوه وأيدوه (١) . فقال ابن الصلاح في (معرفة أنواع علم الحديث) (٢) ، بعد ذكره لذل التخفف من شروط العدالة والضبط، نقلاً عن البيهقي، قال: ((ووجه ذلك بأن الأحاديث التي صحت، أو وقفت بين الصحة والسقم، قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم، لضمان صاحب الشريعة حفظها. قال ـ يعني البيهقي ـ: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره. والقصد من روايته والسماع منه: أن يصير الحديث مسلسلاً ب (حدثنا و (أخبرنا) ، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفاً لنبينا المصطفى ﷺ (٣) .

стр. 47

وأنبه إلى أمرٍ لا يخفى على المتخصصين، وهو أن وقوفنا على ما يثبت من سنة النبي ﷺ في بعض مصنفات من جاؤوا بعد القرن الثالث، وعدم وقوفنا عليها في مصنفات ذلك القرن فما قبله، لا يعني أنه يعارض ما قررناه آنفاً، من تمام تدوين السنة خلال القرن الثالث، ذلك لأن كل المهتمين بالتراث العلمي، يعلم القدر العظيم والكم الهائل الذي فقدناه من نتاج علمائنا، وخاصة علماء القرن الثالث فما قبله. وهذا كله أذكره، تثبيتاً لما ذكرته آنفاً ن من أن السنة جميعها قد اكتمل تدوينها خلال القرن الثالث الهجري، لذلك كان هذا العصر بحق هو العصر الذهبي للسنة. فإذا كان تدوين السنة قد انتهى إلى هذه القمة، في هذا العصر، فكذلك كان شأن بقية علوم الحديث ومصطلحه خاصة. للترابط بين التدوين ومصطلح الحديث، الذي كنا قد قررناه سابقاً (١) . ولست أجدني مضطراً إلى ذكر بعض المصطلحات التي تداولها المحدثون في هذا العصر، لأن الأ/ر من السعة والوضوح ـ في آنٍ واحد ـ بما أغناني عن ذلك، واستبدلته بذكر بعض أسماء علماء هذا القرن وأنا إذ أنوي سياق أسماء بعض شموس هذا العصر، فلا يعزم لي هذه النية، إلا ثقتي التامة بأن مجرد النظر في تلك الأسماء، سوف يستدعي في الأذهان ما ارتبط بها: من علم جم، وجهدٍ عظيم في خدمة السنة، أثمر ذلك الكلام المبارك النفيس، في: التصحيح والتضعيف، وبيان علل الأسانيد

стр. 48

والمتون، والجرح والتعديل؛ حاوياً بين طياته مصطلحات القوم جميعها. لأدلل بذلك على أن هذا العصر كما أنه قد ختم فيه على تدوين السنة، فقد ختم فيه أيضاً على مصطلحاتها، وبلغت قمة تطورها. فقد افتتح هذا العصر بشيوخ الإسلام الثلاثة، وأئمة المحدثين قاطبة: الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤٢هـ) ، ويحيى بن معين (ت ٢٣٣هـ) ، وعلي بن المديني (ت ٢٣٤هـ) . وانفرط العقد عن انتظام نجوم وبدور وشموس، زينت ـ ولم تزل ـ سماء العلم وأفق المعرفة، من أمثال: الحميدي عبد الله بن الزبير (ت ٢١٩هـ) ، وسعيد بن منصور المروزي (ت ٢٢٧هـ) ، وأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤هـ) ، ومحمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ) ، وأبي خيثمة زهير بن حرب (ت ٢٣٤هـ) ، ومحمد بن عبد الله بن نمير (ت ٢٣٤هـ) ، وأبي بكر ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) ، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨هـ) ، وخليفة بن خياط العصفري (ت ٢٤٠هـ) ، ودحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي (ت ٢٤٥هـ) ، وأحمد بن صالح المصري (ت ٢٤٨هـ) ، وعمرو بن علي الفلاس (ت ٢٤٩هـ) وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت ٢٥٥هـ) ، ومحمد بن يحيى الذهلي (ت ٢٥٨هـ) . ثم قف عند الإمام الكبير، شيخ الصنعة: محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ) ، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت ٢٦٤هـ) ، والعجلي أحمد بن عبد الله بن صالح (ت ٢٦١هـ) ، وأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت ٢٧٧هـ) ، ومسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ) صاحب ثاني أصح كتاب بعد كتاب الله ، ويعقوب بن شيبة (ت ٢٦٢هـ) ،

стр. 49

وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ) ، وأبي عيسى الترمذي: محمد بن عيسى (ت ٢٧٩هـ) ومحمد بن يزيد ابن ماجه (ت ٢٧٥هـ) ، ويعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧هـ) ، وأحمد بن زهير بن حرب المعروف بابن أبي خيثمة (ت ٢٧٩هـ) . فأبي زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن عمرو (ت ٢٨١هـ) ، وابن أبي عاصم أحمد بن عمر النبيل (ت ٢٨٧هـ) ، وصالح بن محمد جزرة (ت ٢٩٣هـ) ، وأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (ت ٢٩٢هـ) ، ومحمد بن نصر المروزي (ت ٢٩٤هـ) ، وأبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (ت ٣١٧هـ) فأبي عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني (ت ٣١٦هـ) ، وأبي بكر أحمد بن هارون البرديجي (ـ ٣١٠هـ) ، ثم إمام العلل أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي (ت ٣٠٣هـ) ، وأبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي (ت ٣١٠هـ) ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١هـ) ، ومحمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) ، وأبي جعفر محمد بن عمرو العقيلي (ت ٣٢٠هـ) . وأختم هذه الطبقة بأبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس: ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) . فهؤلاء واقرانهم: عمدة الشريعة، الذين حفظ الله بهم الدين!! فهل بعد هذه الحروف المشعة، لأسماء أولئك الشموس، يختلف اثنان في أن علوم الحديث في هذا العصر قد توطد ملكها

стр. 50

وعلا عرشها؟! وأن مصطلحاته قد لهج بها المحدثون، وتحددت معالمها عندهم بما لا مبتغى بعده (١) ؟! بل إنها أصبحت في وضوح معناها الاصطلاحي، تغلب المعنى اللغوي لها، حتى يكاد ينسى عند أهل الفن. وهذا ما لا أحسب أحداً يخالفني فيه، إلا أن يكون من غير المتخصصين. وقبل أن أنهي حديثي عن القرن الثالث الهجري، وفي مجال التقرير لما بلغه مصطلح الحديث من قمة التطور فيه، أذكر أنه قد ظهرت في هذا العصر بعض الكتابات التنظيرية، لبعض علوم الحديث ومصطلحاته. ومن أوائل ذلك جزء صغير نفيس لأبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت ٢١٩هـ) ، رواه عنه بشر بن موسى بن صالح الأسدي (ت ٢٨٨هـ) . ونثره الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) في كتابه (الكفاية في علم الرواية) ، من روايته عن أبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠هـ) ، عن أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف (ت ٣٥٩هـ) ، عن بشر بن موسى، عن الحميدي (٢) . وكتب الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ) مقدمة لـ (الصحيح) ، عرض فيها لبعض قضايا علوم الحديث بقوةٍ ووضح. وكتب أيضاً الإمام أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ) ،

стр. 51

(رسالته إلى أهل مكة) ، متعرضاً فيها لمنهجه في كتابه ((السنن)) ، ولمسائل من علوم الحديث ز ثم كتب أيضاً الإمام الترمذي (ت ٢٧٩هـ) كتاباً سماه بـ (العلل) ، وعرف بعد ذلك بـ (العلل الصغير) . تكلم فيه عن بعض الاصطلاحات المهمة المشكلة، وعن بعض قواعد علوم الحديث، بكلام نفيس. مما حدا بالحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن بن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ) ، أن يعتني بشرحه، عقب شرحه لجامع الترمذي، وأصبح بعد ذلك من أهم مصادر (أصول الحديث) . وهكذا انتهى هذا القرن، وقد بلغت فيه مصطلحات الحديث قمة تطورها، مع باقي علوم الحديث. فم يبق علماء هذا القرن لمن جاء بعدهم، إلا واجب الحفاظ على ما خلفه لهم من سبقهم لأنه ما انتهى هذا القرن إلا والسنة نفسها قد تم تدوينها، مع ما واكب ذلك من القواعد والمصطلحات التي تخدمها، ويميز بها صحيحها من سقيمها.

стр. 52

الفصل الخامس: في القرن الرابع الهجري لقد دخل القرن الرابع الهجري، وهو بالغ الثراء بذلك الإرث العظيم الذي خلفه له القرن الثالث. لا في مجال تدوين السنة وحده، بل في مجال علوم الحديث، واستمرار شيوع مصطلحاته أيضاً. ولئن نوزع في اكتمال تدوين السنة جميعها في القرن الثالث، فلن ينازع في ذلك لهذا القرن قال ابن المرابط: أبو عمرو محمد بن أبي عمرو عثمان بن يحيى الغرناطي (ت ٧٥٢هـ) : ((قد دونت الأخبار، وما بقي للتجريح فائدة، بل انقطع على راس أربعمائة)) (١) . لكن القول السابق على هذا، وهو أن التدوين كان قد تم على راس سنة ثلاثمائة، هو الأرجح، الذي عليه جماعة من النقاد، والدليل قائم بإثباته، كما سبق. وقد تزين هذا القرن، وهو القرن الرابع الهجري، بأمثال: أبي علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري (ت ٣٤٩هـ) ، وأبي حاتم محمد بن حبان التستي (ت ٣٥٤هـ) ، وأبي القاسم سليمان

стр. 53

ابن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠هـ) ، وأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) ، وأبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت ٣٦٠هـ) ، وأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥هـ) ، وأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حيان الأصبهاني (ت ٣٦٩هـ) ، وأبي بكر أحمد بن إبراهيم إسماعيل لإسماعيلي (ت ٣٧١هـ) ، وأبي أحمد محمد بن محمد ابن أحمد الحاكم الكبير (ت ٣٧٨هـ) ، وحافظ الدنيا الناقد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) ، وأبي حفص عمر بن أحمد ابن شاهين (ت ٣٨٥هـ) ، وأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة (ت ٣٩٥هـ) ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيع النيسابوري الحاكم (ت ٤٠٥هـ) ، وعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري (ت ٤٠٩هـ) ، وأختم هذه الطبقة: بأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيؤ (ت ٤٣٠هـ) . ويبدو أن هذا العصر مع وجود أمثال هؤلاء الأئمة الكبار، ومع ازدهاره بالحديث وعلومه، ومع تحمله لتركه القرن السابق له = إلا أنه (وكما يحصل لغالب الموروثات ممن يرثها) بدت فيه بوادر ضعفٍ، يخشى أن تكون بداية ضياع ذلك التراث العظيم: أعني مصطلح الحديث، دون تدوينه. وقد أرخ الإمام الذهبي بداية نقص علوم السنة، وبداية ظهرو العلوم العقلية، وتناقص الاجتهاد، وظهور التقليد، في آخر الطبقة التاسعة من كتابه (تذكرة الحفاظ) . وهي طبقة كانت وفاة آخر من ذكر فيها: سنة (ؤ٢٨٢هـ) ، وهو أبو محمد الفضل بن محمد بن المسيب الشعراني (١) .

стр. 54

أي أن هذا الضعف قد بدأ من أواخر القرن الثالث، ولم يزل في زيادة أوائل القرن الرابع، فما بعده. ويصف لنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبي (ت ٣٨٧هـ) تزايد النقص في طلب العلم وصفاً معبراً، حيث يقول: ((كنا نحضر في مجلس أبي بكر النيسابوري (عبد الله بن محمد بن زياد: ت ٣٢٤هـ) لنسمع منه (الزيادات) (١) ، وكان يحزر أن في المجلس ثلاثين ألف محبرة. ومضى على هذا مدة يسرة، ثم حضرنا مجلسأبي بكر النجاد (أحمد بن سلمان بن الحسن الحنبلي: ت ٣٤٨هـ) ، وكان يحزر أن في مجلسه عشرة آلاف محبرة. فتعجب الناس من ذلك، وقالوا: في هذه المدة ذهب ثلثا الناس؟ )) (٢) وهذا الضعف الناشىء في هذا القرن، هو الذي جعل بعض أئمة هذا القرن يسارعون إلى تصنيف كتب جامعةٍ مفردةٍ في علوم الحديث ومصطلحه. وأجل ما كتب في علوم الحديث خلال هذا القرن: كتاب (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) للرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) و (معرفة علوم الحديث) للحكم (ت ٤٠٥هـ) . وكتب غير هذين الإمامين في هذا القرن في علوم الحديث أيضاً، لكنها كتابات غير مقصودة ٍ من كاتبيها بالأصالة، وإنما هي مقدمات لبعض كتبهم، كما سيأ تي بيانه إن شاء الله تعالى (٣) .

стр. 55

وقد أكد كل من الرامهرمزي والحاكم ما ذكرناه آنفاً، من أن هذا القرن كان قد شهد بداية الضعف في علوم الحديث. حيث ذكرا أن سبب تصنيفهما لكتابيهما هو: ظهور بعض ملامح اختلال في طريقة طلب العلم، ناشىء عن ترفٍ علمي (عهد مثله ممن ورث إرثاً عظمياً) ، أدى إلى بروز بعض القصور في علوم الحديث النبوي ومصطلحه، بين أوساط فئام من طلبة الحديث (١) ، خلال هذا العصر، الذي عاش فيه الرامهرمزي والحاكم رحمها الله تعالى. وأنا إذ أستدل بهذه المؤلفات الجامعة الجليلة في علوم الحديث، على بلوغ المصطلح أقصى غايات الشيوع والاستقرار في هذا العصر، إلى درجة التصنيف فيه وتقنينه = إلا أني أعبرها شهادة ـ لا تقبل الرد ـ للقرن الثالث الهجري خاصة = ببلوغ القمة في علوم الحديث ومصطلحه لأن النقطة التي تسبق بداية الانحدار ما هي إلا القمة، ولأن النكوص لا يكون إلا بعد بلوغ الغاية. وقد قررنا آنفاً أن القرن الرابع كان قد شهد أول بوادر الضعف في علوم الحديث، بل كان ذلك هو الداعي للتصنيف في علوم الحديث والتقعيد لها وشرح مصطلحاتها. ثم إني أقف هنا: أولاً: لأن غرضي من هذا العرض، لا التأريخ لمصطلح الحديث التأريخ المجرد، وإنما هو تقرير أمرٍ مقرر، ببيان أن مصطلح الحديث بلغ قمة تطوره خلال القرن الثالث الهجري: العصر الذهبي للسنة. وكان يكفي لتقرير ذلك

стр. 56

تذكر هذا الوصف: (العصر الذهبي للسنة) ، لكن عزمي على البناء على هذه القاعدة ن وانطلاقي من هذه المسلمة، الزمني ذكر ذلك كله، والاستدلال له. خوفاً من أن ترد نتيجة هذه المقدمة، بدعوى عدم ثبوت المقدمة، لندخل بعد ذلك في مراءٍ حول المسلمات، وما أثقل ذلك حينها واقف هنا: ثانياً: لأن القرون الآتية سيكون الكلام عنها شبيهاً ببعض: بأن كل قرن شهد نقصاً في علوم السنة، أكثر من القرن السابق له، ولم يزل الأمر كذلك، فلله الأمر من قبل ومن بعد مصداقاً لقول النبي ﷺ ك ((من أشراط الساعة: أن يظهر الجهل، ويقل العلم)) (١) . ثم يقول الإمام الذهبي، معبراً عن تناقص علم الحديث عبر العصور: ((فلقد تفانى أصحاب الحديث، وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة ويسخرون منهم. وصار علماء العصر ـ في الغالب ـ عاكفين على التقليد في الفروع، من غير تحرير لها، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين، من غير أن يتعقلوا أكثرها. فعم البلاء، واستحكمت الأهواء، ولاحت مبادىء رفع العلم وقبضه من الناس)) (٢) وبهذا نكون قد انتهينا من الباب الأول، وأشعرنا بمضمون الباب الثاني، الذي هو:

стр. 57

الباب الثاني: تأريخ وبيان لتأثير علوم السنة بالعلوم العقلية الفصل الأول: أثر المذاهب العقدية الكلامية على علوم السنة. الفصل الثاني: أثر أصول الفقه على علوم السنة. المبحث الأول: كتب أصول الفقه ونافذتاها للتأثير على علوم السنة. المبحث الثاني: مثال التأثر من خلال النافذة الأولى. المبحث الثالث: مثال التأثر من خلال النافذة الثانية.

стр. 58

الفصل الأول: أثر المذاهب العقدية الكلامية على علوم السنة . لقد سبق في حديثنا عن القرن الهجري الرابع، أنه من بداية هذا القرن ظهر تناقص الاهتمام بالعلوم النقلية (الكتاب والسنة) ، وتزايد الاهتمام بالعلوم العقلية (١) . ولا يخفى على الدارسين للعلوم الإسلامية، أن بداية الترجمة لعلوم الأوائل (الفلسفة) أقدم من التاريخ المذكور آنفاً. بل إن عصر المأمون الخليفة العباسي (ت ٢١٨هـ) ليعبر بحق: أقوى عصور الترجمة، وأكثرها مبالغة في ذلك (٢) . ولئن أثنى بعض المؤلفين على المأمون العباسي بذلك، واعتبروا قيامه بهذا الأمر أعظم منقبةٍ له، فقد ذمه آخرون بذلك، وعابوا عليه تصرفه هذا!! وهذا إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت ٤٧٨هـ) ، وهو من أئمة المتكلمين ومن علماء المسلمين بالفلسفة، يصف إقبال المأمون على ترجمة كتب الفلاسفة بـ (الهفوة والزلل والمخطل) ! ويحمله وزر هذه السنة

стр. 59

السيئة، فيقول: ((ولو قلت إنه مطالب بمغبات البدع واضلالات، في الموقف الأهول في العرصات، لم أكن مجازفاً)) (١) ومع أن ذلك الإقبال من الدولة العباسية في عهد المأمون على العلوم العقلية كان على ذلك القدر الكبير المسطور في كتب التاريخ والحضارة الإسلامية، ومع أن أحد آثار ذلك الاهتمام والمبالغة في تقديس علوم الأوائل تلك الفتنة العمياء التي هزت العالم الإسلامي حينها، بإجبار علماء الأمة على اعتناق عقيدةٍ تناقض نصوص الأصلين (الكتاب والسنة) ، والتي لمع فيها اسم الإمام أحمد بن حنبل رمزاً من رموز الدفاع عن السنة، والثبات على المبدأ، والتفاني من أجل الدين = إلا أن هذا كله لم يضعف علوم السنة، ولم يؤثر عليها بشيءٍ!! بل لقد كان هذا القرن (القرن الثالث الهجري) ، الذي افتتحه المأمون العباسي بذلك القهر العقدي ، كان العصر الذهبي للسنة، كما تقدم!!! وما ذالكم إلا لأن علوم السنة كانت ـ خلال هذا القرن ـ أغنى وأقوى وأرسخ في نفوس أهلها من علماء الملة، بل وفي نفوس عوام الناس حينها! من كل علمٍ طارىءٍ دخيل عليها!! وهناك أمر آخر لم يجعل للعلوم العقلية أثراً على العلوم النقلية في القرن الثالث الهجري، وهو وضوح التنافر بين العلمين (٢) ، من حيث: المصدر، والمبدأ، والأثر لكل من العلمين، والقائمين بكل علمٍ أنفسهم ديناً وخلقاً وقبولاً بين العامة. وهذا التنافر جعل العداء بين العلمين معلناً الهجوم

стр. 60

والحرب بينهما، ولا احتمال لوقوع هدنةٍ تؤدي إلى نوع من التقارب والتأثر! فهذان العائقان (قوة علوم السنة ورسوخها ووضوح التنافر بين علوم السنة والعلوم العقلية) هما بوابة حماية علوم السنة. وبينهما تلازم وتكامل في عوامل بقائهما، فإذا ضعف أحد هذين العائقين، فكلاهما، أمكن أن يلج علم غريب على علوم السنة، وأن يتطفل عليها من لا يحسنها. لكن لما دخل القرن الهجري الرابع، بدأ هذان العائقان بالضعف، مما فتح ثغرةً للعلوم العقلية بالتأثير على العلوم النقلية. ومن ذلك، ما سبق أن ذكرناه (١) ، من أن هذا القرن (الرابع) شهد تقهقراً في العلوم النقلية، ونقصاًَ في عدد ونوعية طلابها. مما فتح المجال للعلوم العقلية أن تجلب إليها طاقاتٍ معطلة أو شبه معطلة، ليكون ذلك بداية تقدم العلوم العقلية على تلقي العلوم النقلية. وهذا دوره أقرز تلك الظاهرة الغريبة على الوسط العلمي الإسلامي، وهي ظاهرة التمايز الواضح بين الفقهاء والمحدثين. مع أن الأمة قبل ذلك، لم تكن تعرف هذا التمايز الحاد، إنما كانت تعيش وسطاً علمياً طبعياً سليماً، يعترف باختلاف المواهب والقدرات، لكن مع قدر كبير ٍ من التمازج والشمول في تلقي العلوم الإسلامية. ويصف لنا الإمام الخطابي (أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم، المتوفي سنة ٣٨٨هـ) هذه الظاهرة، في مقدمة كتابه

стр. 61

(معالم) السنن) ، فيقول: ((ورأيت أهل العلم في زمننا (وهو القرن الرابع) قد حصلوا حزبين، وانقسموا فرقتين: أصحاب حديثٍ وأثر، وأهل فقهٍ ونظر. وكل واحدةٍ منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغيه والإرادة. (إلى أن قال:) ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه = إخواناً متهاجرين! وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين. فأما هذه الطبقة، الذين هم أهل الحديث والأثر: فإن الأكثرين منهم إنما وكدهم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب. لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني ... (إلى أن قال:) وأما الطبقة الأخرى، وهم أهل الفقه والنظر: فغن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه ن ولا يعرفون جيده من رديئه ... (إلى أن قال:) ولكن اقواماً استوعروا طريق الحق، واستطالوا المدة في درك الحظ، وأحبوا عجالة النيل، فاختصروا طريق العلم، واقتصروا على نتفٍ منتزعة ٍ عن معاني اصول الفقه، سموها عللاً، وجعلوها شعاراً لأنفسهم في الترسم برسم العلم، وجعلوها جنةً عند لقاء خصومهم، ونصبوها دريئةً للخوض والجدال ... (إلى أن قال:) هذا وقد دس لهم الشيطان حيلةًً لطيفة، وبلغ منهم مكيدة بليغة، فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علم قصير، وبضاعة مزجاة، لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية،

стр. 62

فاستعينوا عليه بالكلام، وصلوه بمقطعاتٍ منه، واستظهروا بأصول المتكلمين = يتسع لكم مذهب الخوض ومجال النظر. فصدق عليهم ظنه، وأطاعه كثير منهم واتبعوه، إلا فريقاً من المؤمنين. فيا للرجال والعقول! أنى يذهب بهم؟! وأنى يختلهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم؟! والله المستعان)) (١) . وهكذا يصف لنا أحد أئمة هذا العصر الحالة العلمية الجديدة، التي بدأت في الظهور خلال القرن الرابع الهجري. وهو يبين أساب تعلق من اتجهوا للفقه دون علم بالسنة إلى علم الكلام، ويوقفنا إلى أن الجهل بالحديث جعل طاقاتٍ كثيرةً في أولئك المتفقهة معطلة، فدس إليهم الشيطان (على حد تعبير الخطابي) أن يفرغوا تلك الطاقات في علم الكلام، طريق التجهم والاعتزال. وذلك مما أمد الاعتزال بمددٍ جديد، وبوجهٍ جديد أيضاً، يظهر المعتزلة في صورة الفقهاء العلماء بالفروع، ثم بالأصول كذلك!! وهكذا بدوره أشعر المحدثين بضرورة مواجهة هذا المد الاعتزالي. فواجهه أئمة السنة، المتحققون بالحديث وعلومه (رواية ودراية) مواجهة قوية، بمثل كتب (السنة) و (التوحيد) و (العقيدة) ، وبالتحذير من علم الكالم وأهله، وبحث الناس على تعلم السنة، وعلى تمام التلقي لها على وجهها، وترك ذلك الترف العلمي في طريقة تلقيها الذي كان قد بدأ ظهوره في هذا القرن (الرابع) .

стр. 63

بل إن أول مصنفٍ جامع مفردٍ في علوم الحديث بلغنا، صنف بغرض مواجهة تلك الطعنات في علوم السنة، كما صرح بذلك مصنفه الرامهرمزي صاحب (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) . ولعل هذه التسمية وحدها كافية للإلماح بموضوع الكتاب، وبالغاية من تصنيفه (١) . إلا أن ذلك النقص الذي اعترى قسماً آخر من المحدثين، والذي ذكره الخطابي في كلامه المنقول عنه آنفاً، جعل هؤلاء المحدثين قاصرين عن مواجهة المد الاعتزالي بالسنة، لنقص علمهم بها. مما قادهم إلى إنعاش مذهبٍ كلامي قديم، هو مذهب ابن كلاب (عبد الله بن سعيد القطان البصري، المتوفي سنة ٢٤٥هـ) ، لأنه مذهب تجرد للرد على الجهمية والمعتزلة بعلم الكلام، في محاولة تقريب علم الكلام والاستفادة منه في تقرير عقيدة السلف. إلا أن مذهب ابن كلاب هذا، كما هي العادة فيمن أراد أن يمزج بين علمين متنافرين (علم الكتاب والسنة، وعلم فلاسفة اليونان!) ، لم يستطع التخلص من أوضار علم الكلام ومضارةفلا هو قرر عقيدة السلف، ولا هو قرر عقيدة المعتزلة، لكنه توسط (التوسط المذموم) بين العقيدتين. ولذلك حذر الإمام أحمد من مذهب ابن كلاب، وعابه وذمه (٢) ولما كانت السنة قوية راسخةً في عهد الإمام أحمد، لم يجد مذهب ابن كلاب هذا فرصةً للانتشار في صفوف علماء الأمة، وخاصة المحدثين. فبقي محصوراً في بعض من مالوا إلى

стр. 64

علم الكلام، ولم يتسع وجوده. لكن لما اعترى علوم السنة ما اعترها، مما سبق ذكره، وجد بعض المحدثين في مذهب ابن كلاب ملجأ لهم في مواجهة المعتزلة. وقد أرخ لنا بداية هذا التأثر، حادثة مشهرة، وقعت سنة (٣٠٩هـ) ، بين ابن خزيمة وبعض تلامذته ممن تأثر بمذهب ابن كلاب (١) . وبذلك بدأ العائق الثاني دون تأثير العلوم العقلية على العلوم النقلية بالضعف، وهو وضوح التنافر بين العلمين، بعد أن بدأ أيضاً العائق الأول (وهو قوة علوم السنة) بالضعف كذلك. فدخل علم الكلام على بعض المحدثين من هذا الباب: باب مواجهة المعتزلة (أعداء المحدثين الألداء) . وقد ذكر هذا السبب في دخول بعض المحدثين في علم الكلام، أحد علماء هذا العصر، وهو الإمام الخطابي. حيث قال في كتابه (الغنية عن الكلام وأهله) ، في مقدمته له: ((وقفت على مقالتك، وما وصفته من أمر ناحيتك، وظهور ما ظهر بها من مقالات أهل الكلام، وخوض الخائضين فيها، وميل بعض منتحلي السنة إليها، واغترارهم بها، واعتذارهم في ذلك بأن الكالم وقاية السنة، وجنة لها بذب به عنها، ويذاد بسلاحه عن حريمها (٢) . وفي هذه الأثناء، وفي نفس الفترة التي ظهر فيها تأثر جماعةٍ من المحدثين بابن كلاب، وهي سنة (٣٠٩هـ) = أعلن أبو

стр. 65

الحسن الأشعري (علي بن إسماعيل، المولود سنة ٢٦٠هـ والمتوفي سنة ٣٢٤هـ) رجوعه عن مذهب الاعتزال، وألف وناظر وجادل في نقضه، وقد كان رأساً في الاعتزال نحو أربعين سنة (١) ولئن كان أبو الحسن الأشعري أعلن رجوعه إلى عقيدة السلف، وأنه يتخذ من الإمام أحمد بن حنبل إماماً في باب العقيدة (٢) ؛ إلا أن نزعته إلى تقرير ذلك بعلم الكلام، لنشأته الفلسفية المغرقة، جعلته يخالف السلف في مسائل كثيرة، كما أنه وافقهم في مسائل كثيرة أيضاً ورد على المعتزلة فيها (٣) . فهو قد توسط بين مذهب السلف والاعتزال (٤) ، كما كان قد توسط بينهما ابن كلاب أيضاً. بل إن أبا الحسن الأشعري معدود في أصحاب مذهب ابن كلاب (٥) ، وهو على طريقتهم ولا شك. وعلى هذا المنهج نفسه الذي سار عليه الأشعري، وفي الوقت ذاته تقريباً أيضاً، ظهر مؤسس الماتريدية: أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمر قندي (ت ٣٣٣هـ) . وهو داخل في الكلابية أيضاً، وعلى منهجها في محاولة التوسط بين السلف والمعتزلة، باعتماد علم الكلام (٦) .

стр. 66

فما هو معنى هذا التوجيه المتقارب إلى علم الكلام، وإلى مثل مذهب ابن كلاب خاصة، في أقطار إسلامية مختلقة، وفي وقت واحدٍ، دون سابق اتفاق وتواطؤ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تقدم ذكرها، وهي: ضعف تلقي علوم السنة، الذي أدى على اللجوء إلى علم الكلام للرد على الشبه الاعتزالية. ولا شك أن اكلابية: من أشعرية، وما تريدية، وغيرهم، قد نجحوا بما وافقوا فيه مذهب السلف في الرد على المعتزلة، مما زاد من اتساع مذهبهم، وتكثير عدد متبعيه. وخاصة أبو الحسن الأشعري، الذي كان في دار الخلافة (بغداد) ، وصاحب تآليف كثيرة، مع ما يتمتع به من سعة علمه بالكلام وقدرته على الجدل والمناظرة، ثم بما اشتهر عنه من رجوعه عن الاعتزال وقد كان رأساً فيه؛ كل ذلك ساعد على انتشار مذهبه، مع ما في مذهبه ذاته، وما في عصره من عوامل أخرى، أسهمت في ذلك أيضاً. ويذكر القاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي (ت ٥٤٤هـ) سبب ميل بعض المحدثين إلى عقيدة الأشعري، قائلاً في كتابه (ترتيب المدارك) عن الأشعري: ((فلما كثرت تواليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحدث والفقه ذبه عن السنن والدين، وتعلق بكتبه أهل السنة، وأخذوا عنه ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه، لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة (١) . اما شيخ الإسلام ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم بن عبد

стр. 67

السلام الحراني الدمشقي، المتوفي سنة ٧٢٨هـ) ، فبين أسباب انتشار مذهب الأشعري وغيره من الكلابية، فقال: ((ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثيراً من أهل الفقه والحديث والتصوف، لوجوه: أحدها: كثرة الحق الذي يقولونه، وظهور الأثارة النبوي عندهم. الثاني: لبسهم ذلك بمقاييس عقلية، بعضها موروث عن الصابئة، وبعضها مما ابتدع في الإسلام، واستيلاء ما في ذلك من الشبها ت عليهم، وظنهم أنه لن يمكن التمسك بالأثارة النبوية من أهل العقل والعلم، إلا على هذا الوجه. الثالث: ضعف الأثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات، الموضحة لسبيل الهدى عندهم. الرابع: العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث: تارة يروون ما لا يعلمون صحته، وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور)) (١) . هذه العوامل وغيرها كانت سبباً في انتشار المذهب الأشعري بين العلماء، وخاصة علماء الشافعية. حتى إنه مامضى على وفاة أبي الحسن الأشعري إلا أقل من ستين سنة حتى انتشر مذهبه في العراق كله، ثم انتقل إلى الشام (٢) . ومع أن أبا الحسن الأشعري قد مر بمراحل، من اعتزاليته إلى كلابيته إلى أن ألف كتابه (الإبانة) في أواخر حياته، وهو

стр. 68

أقرب كتبه إلى مذهب السلف؛ إلا أنه خلال ذلك كله كان إمام المتكلمين، يدافع عن علم الكلام، وله فيه مصنف: (رسالة استحسان الخوض في علم الكلام، والرد على من ظن الاشتغال بالكلام بدعة) (١) . غير أن موازنة سريعةً بين: مصنفات الأشعري كـ (الإنابة) و (مقالات الإسلاميين) ، ومصنفات متأخري المتكلمين (أشعرية وغيرهم) كـ (شرح المقاصد) للتفتازاني (سعد الدين مسعود بن عمر، المتوفي سنة ٧٩٣هـ) ، وقبله مؤلفات إمام الحرمين الجويني كـ (الشامل) و (لمع الأدلة) و (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) = مثل هذه الموازنة تظهر (من خلال النظرة الأولى) فرقاً واضحاً بين مؤسس المذهب وأتباعه من المتأخرين لا في المسائل المقررة فحسب، بل وفي منهج الاستدلال أيضاً من حيث إن كتب المتأخرين أغرقت بعيداً في علم الكلام، أكثر من الأشعري إمام المتكلمين في عصره ولقد كان لذلك من الأثر، أن كان للأشعرية في انسياقها لعلم الكلام اتجاهان؛ الاتجاه الأول: فيه اعتناء بإثبات مسائله بأدلة الكتاب والسنة، مع الاعتناء بعلم الكلام. وهذا يمثله الأشعرية المحدثون كالبيهقي (أحمد بن الحسين ن المتوفي سنة ٤٥٨هـ) . والاتجاه الثاني: مغرق في علم الكلام، قليل الاعتناء بأدلة الكتاب والسنة. ويمثل هذا الاتجاه الأشعرية الفقهاء، من أمثال أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣هـ) ، وإمام الحرمين الجويني قبل رجوعه إلى مذهب السلف قبيل وفاته (٢) .

стр. 69

إن هذه الصفحة القصيرة في تاريخ الفرق الكلامية (وخاصة الأشعرية) ، إنما ذكرتها لأبين: كيف أثر علم الكلام والعلوم العقلية على علوم السنة؟ وكيف دخلت العلوم العقلية هذه على المحدثين علماً طارئاً دخيلاً عليهم وعلى علومهم؟ وقد تبين ذلك ومع أننا ـ أساساً ـ إنما نؤرخ لمصطلح الحديث، ومع أن ذلك قد يبدو بعيداً عن مذهب عقدي كالأشعرية؛ إلا أن كلامنا عن بداية تغلغل هذا المهذب العقدي في الوسط العلمي، ذلك المذهب المعروف بمنهجه الكلامي في الاستدلال والمناظرة، وبتأثره الكبير بالفلسفة = يظهر (بالتلازم) بداية تغلغل هذا المنهج والأثر في كثير من الأوساط العلمية، بجميع فنونها وعلومها. وليس أدل على ذلك، من وجود أئمةٍ في الحديث.. أشاعرةٍ في الوقت نفسه مع أن ذلك (لولا هذا الواقع الذي أصبح مألوفاً) تناقض، كان من المفروض أن يكون مستحيلاً إلا أن تلك العوامل لوقوع مثل هذا التناقض، هي التي فسرت لنا أسباب وقوعه، ومن قبل: جعلت المستحيل غير مستحيل وإذا كان (الشافعية أسعد الناس بالحديث) ، وهي عبارة صادقة تعني أن أكثر المحدثين والمصنفين في الحديث وعلومه من الشافعية = فإن الأشعرية أيضاً (من وجه آخر) أسعد الناس بالشافعية. وهذا يبين لك: مقدار الأثر الذي سوف يكون لهذا المذهب العقدي على الحديث وعلومه. وإن كانا نخص (مصطلح الحديث) بالدراسة، فإنك إذا عرفت أن من أبرز سمات الأشعرية (كما تذكر ذلك دراسة جديدة قيمة) : ضرورة المقدمات المنطقية والعقلية لتحديد (المصطلحات) ، والإحالة عليه عند عرض ما يتعلق بها من

стр. 70

موضوعات العقيدة (١) = إذا عرفت هذا عرفت أيضاً: لم كان لهذا المذهب العقدي أثر على أصول الحديث ومصطلحاته وسوف يكون لنا ـ فيما نستقبل من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى ـ وقفة مع المعرفات المنطقية، وأثرها في علوم الحديث (٢) . إلا أنه مما يلزم التنبيه عليه: هو أن تأثير المذهب الأشعري وغيره من المذاهب الكلامية على العلوم الإسلامية، لم يكن على درجات متساوية، فليست (اصول الفقه) مثلاً في تأثرها بالعلوم العقلية مثل (أصول الحديث) . ومن أسباب هذا التفاوت: غلبة الأشعرية وغيرها من المذاهب الكلامية على علماء ذلك الفن أكثر من غيره، ثم طبيعة الفن نفسه في قابليته للتأثر بالعلوم العقلية أكثر من غيره من الفنون. ولا شك أن علماء الحديث وعلم الحديث، بناءً على الملاحظة النظرية لهذين السببين، من المفترض أن يكونا أقل تأثراً بالمذاهب الكلامية من غيرهما. ولا شك أن هذا صحيح، مع كل ما سبق. إلا أن عمق التأثر لم يزل يزداد على العلوم الإسلامية كلها، عبر العصور المتلاحقة، ومن بينها علوم الحديث. لكننا نستفيد من التقرير السابق: أن القرن الرابع الهجري، الذي بدأت فيه المذاهب الكلامية في استجلاب بعض المحدثين إليها (كما تقدم بيانه) ، لم تتعمق فيه آثار تلك المذاهب على علم الحديث ومصطلحه، عند من اتقد بها من محدثي هذا القرن.

стр. 71

ذالك لأنه حتى من اعتقد المذهب الأشعري (مثلاً) من المحدثين في هذا العصر، فهو ـ غالباً إنما اعتقده لظنه أنه المنقذ أمام المد الاعتزالي، ولذلك كان بعضهم يزعم أن مذهبه الكلامي ذاك هو مذهب السلف، جهلاً منه بمذهب السلف. ومثل هذا الصنف من المحدثين، ممن عاش في القرن الرابع، لن يكون لاعتقاده الكلامي أثر ذو بالٍ على علوم السنة ومصطلحها، لأن تأثره في المعتقد، لم يبلغ إلى درجة أن يعمق فيه المنهج الكلامي، ليؤثر عليه ـ بعد ذلك ـ في علم الحديث، العلم السني ذي المناعة الذاتية من تلك العلوم الدخيلة (العوم العقلية) غير أن أثر تلك المذاهب أخذ في الظهور خلال اقرون اللاحقة، كما ذكرناه سابقاً. فالقرن الخامس زاد فيه أثر تلك المذاهب على علوم السنة عن القرن الرابع، وهو ـ مع ذلك أقل تأثراً من القرن السادس ... وهكذا. أما من لم يتبع مذهباً كلامياً، من علماء الحديث في القرن الرابع، وهم فئام كبير منهم = فهؤلاء بعيدون كل البعد عن التأثر بالعلوم العقلية، وبالمنهج الكلامي لتلك المذاهب، في تقرير قواعد علوم الحديث وشرح مصطلحاته وفي غير ذلك من العلوم الشرعية. وهؤلاء المحدثون في الحقيقة لم يزالوا على إرث سلفهم (علماء القرن الثالث) ، وكأنهم امتداد (وهم كذلك) لذلك الإرث ولألئك العلماء. ومن أمثال هؤلاء: بعض أعلام نقاد الحديث في القرن الرابع، كأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) . الذي كان يقول: ((ما في الدنيا شيء أبغض إلي من الكلام)) (١) ، فعلق

стр. 72

الإمام الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان، المتوفي سنة ٧٤٨هـ) على هذا بقوله: ((لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام، ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً (١) . إذن فالأشعرية وغيرها من المذاهب الكلامية لم تؤثر في علم الحديث، خلال القرن الرابع، إلا على ذكل القدر المشروح آنفاً. من أن أثرها إنما ينحصر في منم اعتقد بأحد المذاهب الكلامية من المحدثين، دون غيرهم، هذا إن كان لاعتقادهم ذاك أثر عليها، كما تقدم ذكره. وكان يمكن أن يستمر أثر المذاهب الكلامية محصوراً، على تلك الصورة المذكورة آنفاًَ، خلال القرون اللاحقة بعد القرن الرابع. إلا أن زيادة تعمق المذاهب الكلامية خلال القرون التالية للقرن الرابع، مع ما رافق ذلك من زيادة ضعف تلقي العلوم النقلية = أدى ذلك إلى ازدياد أثر المهج الكلامي على العلوم النقلية (ومنها علم الحديث) ، ازدياداً متدرجاً على مر القرون. مع ذلك أيضاً، كان من الممكن أن يبقى أثر المذاهب الكلامية خلال القرون اللاحقة للقرن الرابع محصوراً فيمن اعتقد بها، خاصة وأن مسائل العقيدة، والأسماء والصفات بالأخص، ظلت عند علماء السنة وأتباع الأثر مسائل مصيرية، لا يتهاونون في الدفاع عن مذهب السلف فيها، وينابذون كل ما خالفها، عبر العوهد المتلاحقة. أقول: كان من الممكن أن يبقى أثر المذاهب الكلامية على علوم السنة محصوراً في من اعتقد بها، لولا أن العلوم العقلية

стр. 73

والمنهج الكلامي فتح جبهةً جديدة للتأثير على علوم السنة. هذه الجبهة بعيدة كل البعد عن مسائل العقيدة ذا الحساسية البالغة عند المحدثين، إنها جبهة علم أصول الفقه وهذا هو الفصل التالي:

стр. 74

الفصل الثاني: أثر أصول الفقه على علوم السنة المبحث الأول: كتب أصول الفقه ونافذتها للتأثير على علوم السنة: وفي هذا المبحث أجد أني مضطر لاستباق نتيجته، بإعلان: إن الباب الذي فتح لعلم الكلام المجال على مصراعيه للتأثير في علوم السنة، هو: علم أصول الفقه !! ولتقرير هذا الأمر، ولإثبات هذه التهمة، ألقي بضوء سريع على نشأة أصول الققه، ومنهج التصنيف فيها. فإنه لمن إحدى المسلمات ـ عند المنصفين ـ: أن الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) هو أول من صنف في أصول الفقه، من خلال كتابه (الرسالة) وغيره من مصنفاته الأصولية الأخرى. و (الرسالة) للإمام الشافعي، كما أنه أحد أدلة إمامته وعبقريته في الفقه واصوله، فإنه أيضاً أحد أعظم أدلة إمامته في السنة وعلومها، وأنه علم من أعلامها. وعلى هذا، فلو بقيت كتب أصول الفقه على منهج (الرسالة) ، لما كانت لتؤثر أثراً على علوم السنة أقول: لو

стр. 75

فإنه لا خلاف بين المؤرخين لعلم الأصول (١) ، أن أصول علم الأصول، وجل اعتماد المصنفات فيه بعد (الرسالة) للشافعي، على المصنفات التالية: ١ـ (العهد) : للقاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (ت ٤١٥هـ) وهو شافعي المذهب في الفروع. ٢ـ (المعتمد) : لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي (ت ٤٣٦هـ) ، وهو ممن زعم أنه حنفي الفروع، ولا دليل على ذلك. ٣ـ (البرهان) : لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨هـ) ، وهو من أئمة الشافعية في الفروع، والأشعرية في الأصول غالب حياته. ٤ـ (المستصفى) : لإبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) ، وهو من أئمة الشافعية في الفروع، والأشعرية في الأصول إلى قبيل وفاته. ثم جمع شتات مصنفات الأصول من بعد هؤلاء: فخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت ٦٠٦هـ) الشافعي الأشعري، في كتابه (المحصول في علم الأصول) . وفعل نحوه أبو الحسن سيف الدين علي بن أبي علي محمد بن سالم الآمدي (ت ٦٣١هـ) ، وهو شافعي أشعري، في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) . إن أول ما يستوقفك في هذه الأسماء، أنها لمعتزلةٍ أولأً، ثم لأشاعرة وقف عند هذه الملاحضة طويلاً
следующие страницы →