Полный текст (395 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الثانية أرسل إلى منزلي ذهباً وغلة وغنماً ثم اتصل افتقاده وكسواته ولما ولى لحبرة استدعاني بكتاب واستأذن الصالح في انحداري إليه فوصلني بعين وثياب وغلة وغنام ودواب وفرس تزيد قيمة الصلة عل خمس مائة دينار ولم أقم عنده سوى ليال ثلاث وهو بكوم شريكٍ وعمل شعرا في الصالح يسئل الصرف وسيره على يدي وتكدر صفوه وتقاصر بره بميلي إلى فارس المسلمين وبسبب بعض أهل الأدب كان تغيره علي ولما بعد قدومه من دلجة وراح شاور إلى الواحات استأذنت الناصر رزيك في السلام عليه فقال والي الآن لم تسلم عليه وله في جزيرة الذهب ثلاثة أيام فمضيت إليه وعاتبني على انقباضي عنه ثم قال ما الذي أعددت لي من ضيافة قلت حسن الظن فيك وأليقه بكرمك فقال تناول ما تحت المخدة فوجدت خمسين ديناراً ثم قال
стр. 107
لي إني كنت سيرت إلى كل واحد من الجلساء على يد وكيلي بصلة وأغفلتك قاصداً لعتبي عليك في انقطاع مديحك عني ثمانية عشر شهراً قلت له لم أزرك إلى البحيرة إلا بكتابك فلو فعلت ذلك زرتك قال حديثنا في غير هذا ثم أتيت إليه بعد دخول القاهرة بقصيدة فقال أوقفني عليها قبل أن يسمعها غيري فإن كانت جيدة فقد أعددت لها جائزة جيدة قلت لا تسمعها إلا مني ثم أنشدته قول البحتري: [كامل]
اسمعه من قوالةٍ تزددْ به ... عجباً فحسنُ الورد في أغصانه
ثم أنشدته القصيدة فملأ يدي ذهباً ولم تلبث أيامهم أن زالت ولما عاد من دمنهور في نوبة طرخان تذاكرنا أحوال من تسمو نفسه إلى الوزارة فقال لي ما أخاف على ملكنا إلا من شاور لا غير وكانت دعابته كثيرة الودك لا يغسلها الاعتذار وكانت نفسه ملوكية الرئاسة تنمو وتسمو تهب الكثير وتحتقره
стр. 108
يحذو على مثال الصالح في ارتياض النفس بالمعارف ومحبة أهلها فما قلت فيه أشكره [بسيط]
يا سائلي عن فروض الجود أو سننهْ ... وعن مناقب من يمشي على سننهْ
إن المظفَّر عزّ الدين أكرمُ من ... عرفتُ في الزمن الماضي وفي زمنِهْ
وما مدحتُ أنا الماضي مجازفةً ... لكن شهدتُّ بما شاهجتُّ من مننِهْ
لم يستفد عاذلوه بالملام له ... فأطلقوا جودَه يمشي على رسنهْ
تفيض بالبذل عند العذل راحتُه ... كأنّ راحته تصغي إلى أذُنِهْ
وقت أشكره: [بسيط]
إني غنيتُ بعزّ الدين عن نفرٍ ... خطي المديح إليهم من خطاياهُ
أغرَّ تندى قوافي الشعر إن ذكرتْ ... أخلاقه الغُرُّ فيها أو عطاياهُ
فلو لمستَ القوافي أو أشرتَ إلى ... ألفاظها قطرتْ منها سجاياهُ
стр. 109
ولما ثار طرخان من الإسكندرية يطلب الوزارة ندبه الصالح وورداً غلام الصالح ليهجما عليه في البحيرة قبل أن يعدى إلى الغربية في غلمانهما فسارا من البحيرة صلوة العصر أو بعيدها وهما على طرخان بدمنهور في زقت صلوة العصر من اليوم الثاني فكسراه وهرب تحت الليل فقلت أمدحه وأذكر الحال من قصيدة أولها [كامل]
بهرت مناقب مجدك الأوهاما ... واستبعدت حسناتك الأفهاما
ونصرت ألوية الهدى بوقائعٍ ... أصبحت فيها يا حسامُ حساما
ألونْ بطرخانٍ بوادرك التي ... سبقت غليه الظنَّ والأوهاما
لولا الفرار وساتر من ظلمة ... قسماته منها أشد ظلاما
لجعلته للبيض أول مغنم ... وقسمته بشفارها أقساما
وخلقت من صمّ الصعاد لرأسه ... جسما يزيد على الجسوم تماماً
стр. 110
رام الوزارة خاطباً فأجبته ... بفوارس أسلته عما راما
قد كان هام بها فلما عقته ... عن وصلها ركبَ الفرار وهاما
ولقيته حين استدعاني إلى البحيرة بقصيدة أولها [كامل]
أنسيم عرفك أم شميم عرارِ ... وسقيم طرفك أم سفيحُ غرارِ
جادت محلك بالغميم غمامةٌ ... تخلى بوادر دمعي المدرارِ
لا تبعثي طيف الخيال مذكراً ... فهواك يغنيني عن التذكارِ
منها:
وإلى البحيرة لا إلى صوب الحيا ... طارت بنا العزمات كل مطارِ
لبيك من داعٍ أتيتُ ملبياً ... لما دعا والثغر فيه شعاري
وردتْ أوامره على فمذ اتا ني أمرهُ لم يستقرَّ قراري
فارقتُ في قصدي لبابك حضرةً ... شرفتْ بها مصر على الأمصارِ
متيقنا أني بقصدك لم أغب ... عنها ولا عن مجلس السمارِ
لك من بني رزيك بيتٌ خلقتْ ... أقداره بقوادم الأقدارِ
стр. 111
إن أيدوك وأيدوا بك ملكهم ... فلكم يمين أيدت بيسار
لما غدوتَ أبا المهند عندهم ... سِرَّ الضمير وفارس المضمارِ
عقدوا عليك خناصرَ الثقة التي ... تزهتَ صافيها عن الأكدارِ
منها
لنا وليتَ على البحيرة أصبحت ... حرماً رخيص الأمنْ والأسعارِ
أمنتها حتى توهمَ أهلها ... أن لا يروعَ ليلهم بنهارِ
وحميت قطريها فليس بجوها ... ريحٌ تهبّ ولا خيالٌ سارِ
من مبلغٌ عني العواذلَ أنني ... ضيفٌ لرحب الباعِ رحبِ الدارِ
ملكٌ عيبَ عيبَ بأنه ... عاري المناكب من ثيابٌّ العارِ
قد قلتُ من حسن الثناءِ قصائدٌ ... ركبتْ إلى التيار في التيارِ
قد قلتُ إذ قالوا أجدت مديحه ... شكرُ الرياض يقلُّ للأمطارِ
مختارُ قيسٍ حاز مختارَ الثنا ... ما أحسنَ المختارَ في المختارِ
стр. 112
وهي طويلة فخلع على بدلة مذهبة ووصلني بمال وناب عني وقد جرى ذكري فقال خيراً وأخبرني الشيخ الجليس أبو المعالي ابن الحباب بذلك فقلت أمدحه وأشكره من قصيدة طويلة منها [طويل]
وقدمك السعيُ الحميدُ إلى العُلى ... ومن لم تقدمه المساعي تأخراً
أقول لمن أطرى على الجود حاتماً ... وكعبا ويوم البأس عمراً وعنتراً
أما وأبي الماضي لقد قال مجده ... دعِ الخبر الماضي وحدث بما ترى
لئن أحسنتْ فيه القوافي فإنه ... رآني بعين لا يراني بها الورى
أضاف إلى الجود الكرامة واستوت ... نيابته عني مغيباً ومخضراً
وألبسني الموشى من حبراته ... فألبسته وشى الثناءِ محبراً
وحالفني فالجود منه مكرر ... ومني له المدح الذي ما تكررا
وإني وإن أهديتُ من حسناته ... إلى سمعه القول الذي ليس يفترا
стр. 113
أذمُّ إليه خاطراً كلما جرى ... إلى شكر ما أولى من الجود قصراً
ولو بلغتني ما أريد بلاغتي ... نظمت له نثر الكواكب جوهراً
ولما خيم على جزيرة الذهب من الجيزة بعد نوبة ولجة ورجوع شاور إلى واحات عديت إليه بعد العشاء الأخرة والمشاعل قد كشفت الأشخاص من بعد والناس عنده على السماط فقالوا له هذا شخص واصل من المعادي فقال ما زيه قالوا زي القضاة قال هو فلان لأنه لم يبق أحد ن أهل القاهرة ومصر حتى جاءني إلا هو قالوا هوهو ثم قال لورد عش الناس وقام من السماط إلى الخيمة فجلس لي حتى سلمت عليه وكان أبوه نائماً في الخيمة فقال له ادع لنا الخيمة نتفسح أنا وفلان ثم قال هات حدثني بأي عين عندكم ولا تجاملني قلت له أنت الأمير عز الدين حسام قال لا غير قلت لا غير وكأنه أراد مني أكثر من ذلك فقال الله ولولا أنا ودفاعي لشاور لعز على صاحبك فارس المسلمين شرب النبيذ على الأغاني في مناظر الخليج ثم قال لي ما ألفت من مناصحتك في المشورة فإني
стр. 114
أشكر لك مشورات كثيرة قلت كم في ركابك من الغلمان قال خلق كثير قلت ومن السودان الذين يحملون السلاح قال جماعة فيها كثيرة قلت فإني أرى لك ألا تركب ومعك من السودان ا؛ د ولا من الركابية أكثر من عشرة ولا تتشبه بخالك إلى نزق الشبيبة عزة الملك وسوء التخيل منك والأجلان بدر وحسين جليساه وبينك وبينهم ما تعلم والشاعر يقول: [طويل]
متى يفلحُ الإنسانُ فيما يرومه ... وأعداؤه عند الأمير جلوسُ
قال نصحتني ولم يلبث أن دخل القاهرة فأنشدته قصيدة أعاتبه فيها وأمدحه أولها: [طويل]
قليل لك المدحُ الذي أنت فخرهُ ... ولو كان من نظم الكواكب نثرهُ
فسامحْ فما في مادحيك بأسرهم ... فتىً فكَّ من ربقِ انتقادك أسرهُ
فأنت الذي أغنى عن المسك نشرهُ ... ثناءً وأحيا ميتَ الجود نشرهُ
стр. 115
منها العتاب والاستماحة
فيا بحرَ جود طبق الأرض مدُّه ... ولم يك إلا دون أرضي جزرهُ
ويا وابلا بم يحظَ روضى بطله ... وقد عمَّ أقطارَ البسيطة قطرهُ
فأنعمْ بما عودتني من كرامة ... فوجهك معروفٌ نداه زبشرهُ
وليس بمثلي ثروةٌ تستفيدها ... ولكن به بعد الكرامة حقرهُ
ولي سابقاتٌ من وداد وخدمة ... يسرك سرُّ العبد فيها وجهرهُ
عمارتكم عمارُ بيتكمُ الذي ... به طل باعُ للثناء وعمرهُ
تخيركم دون الملوك فقد غدا ... إلى جودكم يعزى غناه وفقرهُ
وأنت الذي لا يعتريني نقيصةً ... إذا مر ذكري في القوافي وذكرهُ
وعندي من الشعر الملوكيّ ينتقى ... من اللؤلؤ المكنون باسمك درهُ
ومنها في ذكر رجوعه إلى الصعيد
وما الدهرُ شيء غيرُ ما أنت فاعل ... وإلا فما الليل البهيم وفجرهُ
فأوصِ بنا صرفيه خيراً فإنه ... إليك انتهى نهُى الزمان وأمرهُ
فإن يفعل الحسنى فأنت دللته ... عليها وإن يذنبْ فإنك عذرهُ
стр. 116
فقال لي أحسنت ولكن القصيدة ما يتوجه فيه الانتقاد على حزمك وعلى أدبك فأما الحزم فلو وقعت القصيدة في يد عدو لك آنذاك عند زريك وأما الطعن عليك من حيث الأدب فإنك أفرغت وسعك في المدح ولم تترك بيني وبين الخليفة والوزير غاية ترقيني إليها قلت أما التعرض للخطر مع السلطان فأنا واثق بك أنها لا تصل إليه وأما قولك أني لم أترك للخلافة والوزارة غاية من المدح إلا وقد مدحتني بها فدعني من قولك والله لو نثرت عليك عقد الجوزاء لاعتقدت أن حقك فوق ذلك فضحك وكان هذا آخر شعر لقيته به لأنه لم يبلغ إلى الصعيد إلا وقد توجه شاور من واحات يطلب البحيرة فذكر الله أيامهم بحمد لا يكل نشاطه، ولا يطوى بساطه، فقد وجدت فقدهم، وهنت بعدهم.
وممن يرتفع عن الأمراء بأبوة الوزراء حسان الدين محمود بن المأمون وإني لم أشعر في غداة عيد الفطر سنة إحدى وخمسين حتى وصلتني منه بدلة من ثياب الملوك وخاصة ما يستعمل لهم ويلبسونه في المواسم من غير معرفة لي به ولا مكاثرة له ولا معاشرة ومع الغلام الواصل بها رقعة منه كتبت
стр. 117
على ظهرها ارتجالاً مع رسوله [خفيف]
قد آتتني تلك اليد البيضاء ... والأماني مصونةُ والرجاءُ
منة لا يلوح منُّ عليها ... وابتداءُ لا ينتديه ابتداء
فتقبلتها وقبلت منها ... موضعا مسَّه الندى والسخاء
وتخيرت في المكافاة عنها ... فإذا خيرُ ما ملكتُ الثناءُ
فبعثتُ المديح يشكر عنّي ... منةً تركُ شُكرها فخشاءُ
وعلى أنني وإن كنتُ متن ... تتحلَّى بشعره الجوزاءُ
فيدُ الشكر والمحامد أرضٌ ... ويدُ الفضل والجميل سَماءُ
ومن آل رزيك الأجل سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح كانت الأخبار قد ترامي إليه بخبر وصولي إلى عيذابَ وقوصَ فلما وصلت إلى العدوية تركت العشارى بها وركبت حماراً وأتيت على بئر الدرج والقرافة واجتمعت به في خزانته من دار الوزارة عند المغرب وأنا ضاربٌ لثاما ومخففٌ عمامتي ومجرس صوتي فقلت له أنا رسول الرسول إليك وجميع حاجته أن تحمل عنه مؤونة السجود عند السلام
стр. 118
على الخليفة والوزير فقال أما السجود للوزير فأنا أحمله عنه وأما الخليفة فأنا أجتهد في تخفيف الحال وأما رفعها بالجملة فلا أقدر ثم قال لي وما الذي يحسن هذا الرجل قلت هو فقيه وعنده طرف من الأدب فقال تعني شاعراً قلت نعم قال هذه نقيصة في حقه ثم دعته وركبت الحمار وخرجت من القاهرة ليلاً فبت مصر ولما اجتمعت بسيف الدين في اليوم الثاني قال لي اجتمع بي كاتبك البارحة فأما السلام على السلطان فيكون في هذه الساعة فلما استدعى للغذاء عند السلطان قال عندي رسول صاحب مكة وكنت أظنه عاقلاً وإذا هو ناقص قال له الصالح وبأي شيء عرفت نقصه قال لكونه يحسن شيئاً من هذا السُّحت الذي تعلمته أنت والجليس وابن الزبير قال الصالح لعله شاعر قال نعم قال الصالح هاته هاتِ الرجل ثم انشد الصالحُ [بسيط]
إن الذي تكرهون منه ... ذاك الذي يشتهيه قلبي
стр. 119
وبالغ سيف الدين في إكرامي وقضاء حوائجي ومن مجلسه عرفت أعيان الأمراء وتوجهت إلى الحجاز واليمن وأنا من أشكر الناس له وأكثرهم ثناءً عليه ولمّا حججت سنة وهمسن لقيت بمكة قوماً من أصحابه في المذهب ولا علم لي بهم فجرى بيني وبين رجال منهم مذاكرة في مسألة كنت فيها مستظهراً عليه وخرجت من مكة إلى اليمن وعاد ذلك الرجل إلى سيف الدين فنسبوا إلى القول في مذهبهم ما غير نية سيف الدين ورجعت إلى مكة حاجاً في الموسم الثاني فوجهني أمير الحرمين ثانيةً إلى الصالح أعتذر عنه في مال تناوله خدمةً من التجار فلما قدمت قوصَ كتب سيف الدين ملطفاً إلى عز الدين طرخان وإلى الصعيد الأعلى بأن يعوقني عن الانحدار وعن الرجوع إلى اليمن والحجاز وأن يقطع عني رسم الضيافة حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من أموال التجار ولما وصلت إلى مصر كتبت إلى الصالح بخبر قدومي فاعترض سيف الدين
стр. 120
وتقدم إلى أصحاب الديوان ودار الضيافة أن لا ينزلوني ولا يطلقوا لي رسم الضيافة ومرضت شهراً ثم عوفيت فلقيت سيف الدين بقصيدة زال بها ما عنده وعاد إلى أفضل عاداته وضاعت القصيدة فيما نهب لي عند حريق القاهرة وقتل ضرغام ثم قلت فيه قصيدة أخرى أشكره على ما تجدد من جميل رأيه أولها وعرضت به في الغزل.
[بسيط]
تيقنوا أن قلبي منهم يجب ... فاستعذبوا من عذابي فوق ما يجب
وأعرضوا ووجوه الودّ مقبلةٌ ... وللمكلَّفٌّ قلبٌ ليس ينقلبُ
ولو قدرتُ لاسلاني عقوقهم ... وكم عقوقٍ سلتْ أمٌ به وأبُ
إن م يكن ذلك الإعراضُ عم مللٍ ... فسوف ترضيهم العتبى إذا عتبوا
وإن تكدّر صافٍ من مودتهم ... فالشمس تشرق أحياناً وتحتجبُ
منها:
لم ترضَ عيذابُ أني مسني نصبُ ... من أهلها وجرى لي منهم شغبُ
حتى لقيتُ بقوصٍ لا سقتْ أبداً ... أكنلفَ قوصٍ ولا من حلَّها السحتُ
стр. 121
عوارضاً كشفَ المريخُ صفحته ... فيهمنَ والمشتري عنهن مختجبٌ
وكان إعراض سيف الدين أكبرَ ما ... لقيتُ والبحرُ تنسى عنده القلبُ
أتيتُ من مأمني فيه وفاجأني ... ما لم تكن أعينُ الآمال ترتقبُ
وأرجف الناس حتى قال قائلهم ... يا رائد الحيّ لا ماءٌ ولا عشبُ
فقلت هل أقفر الوادي أم افترق الس ... نادي أم انحلّ ذاك العقدُ والكربُ
فقيل بل جملةُ الأحوال حالية ... ومعقلُ العزّ معمورُ القنا أشبُ
وإنما المجلسُ السيفيُّ منحرف ... فإن تعذَّر مأمولٌ فلا عجبُ
وكيف لا تعرضُ الدنيا متابعةً ... لرأيه وهو في إقبالها السبُ
لولا شفاعته الحسنى ونائله ال ... أسنس لما أنجح المسعى ولا الطلبُ
يا جامع العزّ والتقوى وبينهما ... بونٌ بعيدُ المرامي ليس يقتربُ
قد بان لي منك أمرٌ كنتُ أجهله ... وغامضُ العلم بالتدريج يكتسبُ
بأنكِّ المرءُ في أهل وفي وطنٍ ... لكنه بالسجايا البيض مغتربُ
ضافي المروءة لولا فضلُ نخوته ... ودينه أدرك الواشون ما طلبوا
وكيف ينفقُ زورٌ عند مجلسيه ... والغالبان عليه الدين والحسبُ
стр. 122
وعاد معي إلى أفضل ما كان عليه من الانبساط وسماع الفضيلة والنادرة والضحك فكنت لا أجتمع به إلا إذا حجب الناس وقام فإني أقعد عنده حتى يقوم فأتحدث معه بما يخف عليه من أنواع المحاضرة والمذاكرة فأذكر يوماً أنه توضأ ومسح رجليه ولم يغسلهما فتناولت الإبريق فسكبت الماء على رجله فجذبها وهو يضحك فقلت له إن كان الحق معكم في مسح الرجلين يوم القيامة فما نُعطى ولا نعاقب على غسلهما وإن كان الحق معنا في غسل الرجلين خرجتم من الدنيا بلا صلاة لأنكم تتركون غسل الرجلين وهو فرض فكان يقول لي بعد ذلك الله لقد ادخلت على قلبي الشك والوسواس بكلامك في مسألة الوضوء وقال لي يوماً ونحن على خلوة أعلمت أن الصالح طمع فيك أن تصير مؤمناً من يوم دخل الأشتر بن ذي الرئاستين في المذهب ولولا طعمه فيك أن ترجع إلى مذهبه ما سامح ابن ذي الرئاستين بدرهم
стр. 123
فأنشدته قولي: [مجتث]
مجالس الأنس تطوى ... على الذي كان فيها
فقال قل ولا حرج قلت لو لم أكن على بصيرة من مذهبي لمنعتني النخوة من التنفل فكان بعد ذلك يقول للصالح ما لكم فيه طمع فاتركوه.
وأما طي بن شاور فإن جميع ما قلته فيه نهب من دار الخليج ولم تطل مدته بل كان لي مكرماً وإلى محسناً هو الذي زادني في الراتب خمسة عشر ديناراً إقامة وأطلق لي في القوت مائة اردب وستين وأطلق لي رسم الشعير لخيلي ورتب لي عشرين اردباً من القمح في كل شهر وعشرة شعيراً ورتب لي من خريطته خارجاً عن راتبي وهو أربعة وعشرين ديناراً وخلع على ثلث مرات وحملني على مهرة دهماء وبرذون وأطلق
إذني عليه وقبل شفاعتي إليه ... وأذكر ليلة أنه استدعاني وقد
نمت فركبت ومعي مشعل من عنده فوجدته في دار عباس بالصاغة وقد كاد الشراب أن يغلبه فأفاض على ثيابا سنية
стр. 124
ودفع لي خمسين ديناراً وقال الله لو ملاك لك هذه الفسقية ما قضيت حقك لقولك في أبى؛ [طويل]
ولله في واحات أيامك التي ... تزيد على مر الدهور شهورها
أقمت بها تلوي حبالَ مكيدة ... لوى عنقَ الدنيا إليك مريرها
وقد زعموا أنّ الملوك مناهلٌ ... فإن صح ما قالوا فأنتم بحورها
ودخلت إليه يوماً وفي يده تفاحة كبيرة مذهبة فدفعها لي فوجدتها ثقيلة فقال لي هبها لجواريك وبقيت في كمي ولما قمت قال لمن لحقني قل له أن فيها أربعين ديناراً ورباعية فدفعتها للجواري كما أمر هذا في اليوم السابع والعشرين منه سير إلى
стр. 125
منزلي من الفطرة معتصمين كبيرين وسدًى من الحلاوة وعشرين ديناراً برسم العيد وفي اليوم الثامن والعشرين منه جاز رأسه على رمح تحت الطيقان والنساء يكبرن تلك الفطرة بأرجلهن ويولولن بالصراخ وكانت فيهن واحدة تحفظ قولي في الصالح [طويل]
أينسى وفي العينين صورةُ وجهه ... الكريم وعهدُ الانتقال قريبُ
فما زالت ٠تكرره حتى رأت ضرغام فتركت ذلك فرحم الله طياً وأما أخبار الكامل بن شاور فإني أفتح من ذكرها كنيفاً، وأسعها ذماً وتعنيفاً، لما ولى أبوه أعمال قوص قال لي قبل مسيره ساعدني عند فارس المسلمين أن يقرضني مالاً أدفعه للصالح قبل خروجي فما معنى أكثر من ألف وثلاثمائة
стр. 126
ديناراً فأخذتُ له من فارس المسلمين مائة دينار حتى حمل للصالح الفين وقال لي قبل مسيره إن العرب من العرب وقد أوصيت الكامل أن لا ينقطع عنك وعاهدني على ما أراد وتوجه فلم يكن الكامل ينقطع عن منلي في الأسبوع مراراً إما ثلاثاً أو أكثر وربما ظل النهار كله وبعض الليل وربما طرقني سحيراً وخرج عشياً فما وزر أبوه [طويل]
تكلَّف لي عند اللقاء بشاشتهً ... وأقبحُ ما استحسنتُ بشرُ التكلفِ
ثم لزم الحجاب والإعجاب فكأنه ما يعفني وهذا غاية اللوم ولقيته بقصيدة أولها [طويل]
إذا لم يسالمك الزمانُ فحارب ... وباعدْ إذا لم تنتفع بالأقاربِ
ولا تحتقرْ كيداً ضعيفاً فربما ... تموت الأفاعي من سمام العقارب
فقد هدَّ قدما عرشَ بلقيسَ هدهدٌ ... وأخربَ فأرٌ قبل ذا سد مأربِ
стр. 127
إذا كان رأسَ المال عمرك فاحتزرْ ... عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معركٌ ... يكرُّ علينا جيشُه بالعجائب
وما راعتني غدرُ الشباب لأنني ... أنستُ بهذا الخلق من كل صاحبِ
وغدرُ الفتى في عهده ووفائه ... وغدرُ المواضى في نُبوء المضارب
منها:
إذا كان هذا الدرُّ معدنه فمى ... فصونوه عن تقبيل راحة واهبِ
رأيتُ رجالاً أصبحتُ في مآدبِ ... لديكم وحالي وحدها في نوادبِ
تأخرتُ لما قومتهم عُلاكمُ ... على وتأبى الأسدُ سبق الثعالبِ
تُرى أين كانوا في مواطني التي ... غدوت لكم فيهن أكرمَ نائبِ
لياليَ أتلو ذكرَكم في مجالسٍ ... حديثُ الورى فيها بغمز الحواجبِ
فلم يفلح لما زالت أيامهم الأولى وصار هو وعمه صبح منقطعين إلى همام أخي ضرغام لقيت هماما بقصيدة أقول منها في حق آل شاور جريا على عاديت في حفظ من مضت
стр. 128
أيامه [بسيط]
مآثرٌ لو تركنا شرحَ جملتها ... غنيتُ فيها عن التفصيل بالجملِ
منها الجميلُ الذي أبقيتَ سيرته ... في آل شاورَ حتى سار كالمثلِ
ما زلت توسعهم بشراً وتكرمةٌ ... حتى كأنَ ليالي القوم لم تزلِ
ولستُ في هذه الدعوى بملتمسٍ ... شهادة ولسانُ الحال يشهدُ لي
سجيةٌ من وفاءٍ فيك لو خلقتْ ... في صبغة الشعرَ المسودَ لم تحلِ
فقال الكامل بعد قيام همام لا أماتني الله حتى أقدر على مكافاتك فقلت في نفسي ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ولم تمض إلا أيام قلائل حتى عادت الوزارة إلى أبيه وإليه فاستأنف طريقته الأولى وتضاعفت وكأن الأيام بالنكبة الأولى أغرته وأضرته على مساوي العشرة مع الخلق حتى مع أبيه فإنه كان يصل إلى داره فيحجب عنه.
стр. 129
وكتبت إليه من قصيدة: [طويل]
وسمتَ بنعماك الرقاب تبرعا ... وأجيادُ شعري ما عيهن ميسمُ
وأنسيتني حتى وقفتُ مذكراً ... بنفسي وقوفاً حقه لك يلزمُ
وألغيتني حتى رأيتُ غنيمةً ... دخولي مع الجم الغفير أسلمُ
كأنيَ لم أخدمكمُ في مواطنٍ ... أصرحُ فيها والرجالُ تجمجمُ
ولم أغشَ هذا البابَ لأيام لم تكن ... تضايقي فيه الرجالُ وتزخمُ
كذبتُ على نفسي إذا قمتُ شاكراً ... وليس لسانُ الحال عني يترجمُ
وقالوا يجملْ لا تخلّ بعادة ... عرفتَ بها فالطيرُ أولى وأحزمُ
وهل بعد عتادانَ تعلمُ قريةٌ ... كما قيل أو مثلُ ابن شاورَ يغلمُ
فلم يفلح وخاطبته بقصيدة أقول فيها: [وافر]
مضى بدرٌ فأغنى عنه طيٌ ... بما أولى من الكرم الجزيل
وقدماً ما كنتُ أمدحُ للعطايا ... فقد أصبحتُ أمدحُ للسبيلِ
لقد طلعتْ علىَّ الشمسُ لما ... عدمتُ وقايةَ الظلّ الظليلِ
ولي فيه أشعار كثيرة ثابتة في الديوان لا حاجة إلى إيرادها
стр. 130
وأما البخل فكان مفتوح البصيرة فيه [طويل]
تسمى بأسماء الشهور فكفه جمادى ... وما ضمت عليه المحرمُ
ولم تكن له إلا حسنةٌ واحدة ولست أظلمه حقه فيها وهي أنه كان يردع إخوة شاور عن كثير من الظلم فإنه لولا هيبته عليهم أهلكوا الناس.
وأما الأوحد صبح أخو شاور فجاءني رسوله من سندفا بكسوة وغلة يستدعي المدح مني فكتبت إليه قصيدة منها: [كامل] لبيكَ تلبيةَ الحجيج إلى الصف=يا داعيَ الكرم المقيمَ بسندفا جودٌ تشوفَ ناظراه فزارني=كرماً ولم أكُ نحوه متشوفاً نزهتُه عن موعدٍ يغدو الندى=بنَجازه لي آملاً ومسوفاً وافي كبادرة الغمام إذا سرتْ=فتقدمت عن رعدها وتخلَّفاً قل لي فداك الأكرمُون ولا غدت=طيرُ المُنَى إلا ببابك عكَّفَا لأمِن السماحة أن تبيت مقدَّماً=بين المدائح قبلها وملَّفا وكتبتَ تسأل في قبول مثوبةٍ=منها ببابك منعماً ومشرِفَّا
стр. 131
وهي طويلة
أخبار ركن الإسلام نجم أخي شاور لم تكن لي به أنسة ولا معرفة حتى سمعني أنشد أخاه شاور بالليل قصيدة وفيها ذكر الكامل دون أهله فلما أصبح وجه إلى رسولا فحضرت إليه فقال لم تركت ذكرى وذكرت الكامل قلت إنما ذكرته تقربا إلى قلب أبيه فاعمل قلت حتى تعمل فضحك وأمر لي بعشرة دنانير فرددتها عليه وأقسمت لا صارت إلى ثم حملت له ما يوكل وعملت له مقطوعاً فغنى به عنده وتزايدت المعرفة عن الصحبة إلى المودة والمكاشفة فدفع لي إقطاعاً بمنية أبي اليسار من السمنودية وأطلق لي من خريطته في غرة كل شهر خمسة عشر ديناراً مدة ثلاث سنين فمن الشعر الذي قلته فيه على جهة الدعابة [متقارب]
أتيت إلى بابك المرتجى ... فالفيتهُ مغلقاً مرتجا
فقلت لبوابه سائلاً ... أيغلقُ باب الندى والحجى
стр. 132
فقال أراك كثيرَ الكلام ... وعندي من الرأي أن تخرجا
وإلا نتفتُ سبالَ المديح ... وأتبعتها بسبال الهجا
فضرب البواب وطرده عن بابه ولم يكن له ذنب وصرف من الغربية بالفلماط وشاور والروم على الإسكندرية فغضب وعاد إلى منية غمر فركبت إليه في البحر باستدعائه وأنشدته قولي [طويل]
ولما دنا علي ركابك هزني ... إليك اشتياق ضاع في جنبه صبري
وحين رأيت البرَ وعراً طريقه ... ركبت أخاك البحرَ شرقاً إلى البحر
وما أنا بالمجهول علم مسيره ... إليك ولا الخافيَّ حديثي ولا ذكري
ولا أنت بالمرغوب عن قصد بابه ... لقد جل عن زيد سؤالي وعن عمرو
стр. 133
ولا أنت ممن يرتجى لسوي الغنى ... ولا أنا من أهل الضرورة والفقرِ
سيسألني بعد القدوم جماعةٌ ... من الناس عماذا لقيت من الأمرِ
ولا بدَّ أن يجري الحديثُ بذكر ما ... فعلت معي فأخترْ بنا أشرفَ الذكرِ
ومن ينتجع أرض العراق وَجِلِق ... فمنيةُ غمرٍ مركزُ الكرم الغمرِ
ولي فيه من مقطوع [وافر]
ولا تسئلْ لجودِ يديه غيري ... فإنك قد سقطتَ على الخبيرِ
هو الركنُ الذي أسندتُ ظهري ... إليه فكان أقوى من ثبيرِ
ولستُ أخافُ أيامي ونجمٌ ... مجيري في زمان بني المجيرِ
حملتُ على نداه ثقل هميّ ... فقام وخفف عن ضمبري
واستشفع بي بعض أصحابه في حاجة فمكل بقضائها فقلت [طويل]
سأحمل نفسي عنك فعلَ مخُففٍ ... وأبقى على ودي وشكر لساني
стр. 134
تماطلني في حاجة لو بذلتها ... وأكرمتني أكرمتَ غيرَ مهانِ
وما أصنعُ المعروفَ إلا صنيعةُ ... يؤرخها شكري وفضلُ بياني
ولم يكن لسليمان بن شاور إلى من الإحسان ولا من التقصير ما يوجب ذكره.
ومن أماثل الأمراء وأعيانهم محمد بن شمس الخلافة كتبت إليه وقد انصرف من الإسكندرية أو من دمياط وقد سير إلى خمس منتخبات.
[وافر]
أيا شمس الخلافة وهو نعتٌ ... يصدقه جبينك بالضياءِ
رأيتُ ندى بنانك وهو أندى ... على العافينَ من ماء السماءِ
أبي حبِّ الصحابة في الهدايا ... ودان بحب أصحاب الكساءِ
تشيع جودُ كفك في الهدايا ... وعهدي بالتشيُّع في الولاءِ
وقلت في المعنى [منسرح]
стр. 135
قل للخطير الذي مكارمُه ... قد عظمتْ في زمانه خطرَهْ
وأقسم المجدُ أنّ صاحبه ... لا يتقي شره ولا أشرهْ
ليت نداه في حقّ خادمه ... كلُّ محبٍ للخمسة البرره
وكتبت إليه وهو بدمياط أستهديه عمامة شرب جديدة قصيدة منه: [وافر]
رأيتك في المنام بعثتُ نحوي ... بحامله الحيَا وهي الغمامة
فأولتَ الحيَا حياك مني ... وصحفت الغمامةَ بالعمامةْ
فأنفذْ لي بأطولَ من حسابي ... إذا أحضرتُ في يوم القيامة
ولا تك يا خطيرُ فدتك نفسي ... قديمةَ مدة لحقت قدامهْ
وأرسلها وختمَ الشرب فيها ... كخودٍ فوق وجنتها عرامةْ
كأن بياضها وجه نقيٍّ ... وحسنَ الرقم فوق الخدّ شامةْ
ولا تبعث بقيمتها فإني ... أراه من التكلف والغرامةْ
стр. 136
وليس القصدُ إلا تاجَ فخر ... يطول قامةً ويصون هامةْ
وما هذا المديحُ سوى أذانٍ ... فقل لنداك حيَّ على الإقامةْ
فسير تلثيمة جديدة طولها اثنان وثلاثون ذراعاً
وممن لا أقيس أحداً من الأمراء الأكابر بمكارمه إلى وجميلة على الأمير الظهير مرتفع الثائر في أيام ضرغام من الإسكندرية يطلب الوزارة عرفته من مجلس سيف الدين حسين وكنت مجاوراً له في الصاغة بحارة الأمراء سنة إحدى وخمسين وحصلت بيني وبينه مودة أكيدة ففلما عزمت على الحج دفع لي عينا وكسوة ما ينيف على مائة وستين ديناراً وعمل لي أزواداً منها عشرون حملة دقيق وعشرون سلة حلاوة وكعك مطابق وكساء غلماني وأهدى على يدي إلى أمير الحرمين
стр. 137
بدلة مذهبة وثلاثين منتخبة وأهدى لي سرية جميلة وركب معي إلى مصر يودعني ومعه القطوري وصبح بن شاهانشاه وواليها تاج الملوك بدران ثم قال إن بت في هذه الليلة عندنا وتركت السفر حصلت لك مائة دينار قلت فإني أبيت فأنزلهم الوالي دار الطاؤوس وسير مرتفع غلامة اليّ وقال قل له يدخل الحمام فدخلت الحمام فقال لتاج الملوك عب للرجل بدلة يخرج فيها من الحمام فهو ضيف السلطان وضيف أخيك ففعل ثم أخذ منه ومن القطوري والمفضل وتاج الملوك مائة دينار ثم دفع لي ستين دينارً ثمن أستاذين من عدن وخمسين ديناراً ثمن لؤلؤ يشتري له ثم سافرت ولا والله ما قلت فيه بيتاً واحداً من الشعر فلما عدت في السفرة الثانية أخلى لي داراً له على ضفة الخليج وحمل لي الغلة والغنم والسكر ما كفاني سنة ثم جائتني رقعة منه بخمسين تليسا قبضت ثمنها قبل أن يقبض
стр. 138
عليه الصالح بيومين لأنها وأنا غني عنها ولما قبض عليه جاءتني رقعته من الاعتقال ومعها صندوق نحاس وديعة لم أدر ما فيه إلى أن خرج من الاعتقال في أيام رزيك فقال ما فعلت في الصندوق قلت هو مودع بمصر قال فاركب بنا حتى نأخذه فلما فتح الصندوق أخرج منه حلياً وسبع مائة دينار عيناً ثم قبض بيده قبضتين عزلهما لي ومبلغهما مائة وثلاثون ديناراً ثم سير لي من الشرقية من الغلة مائتي أردب قمحاً ولما خرج إلى الغربية في أيام رزيك وعاد إلى القاهرة بعد إصلاح ما تشعث من الغربية وعريانها لقيته مهنئاً بقصيدة أولها [متقارب]
قدومك أفرحَ قلبَ الهدى ... وآنسَ وحشَ عراضِ الندى
وبرد مني جوى لوعةٍ ... نهتْ نفسَ الليل أن يبردا
أرحتَ على الدجى أبيضاً ... وقد كان وجه الضحى أسوداً
منها
стр. 139
فدى للظهير لا أتق ... ملامةَ من لام أو فندا
رجالُ هم المبتدا في السماح ... بهم وهم خبرُ المبتدا
ينداي السماحُ على بابه ... هلموا فهذا مجيبُ الندا
أبا العزَ لو جاز أن تعبد الك ... رام لأفتيتُ أن تعبدا
رأيتك تسلف أهل المديحُ ... نووالك من قبل أن تخمدا
وغيرك يسدي جميل الثناءِ ... إليه فيذهب لغوا سدى
وكم لك عندي من منةٍ ... أطلتَ على الشكر فيهال المدى
وبرٍ تعودَ قصدي فلو ... سرى في الدجى وحده لاهتدى
أجدتَّ وعلمتني ما أقول ... فلا يشكرُ الشعرُ إن جودا
وحضرت معه يوماً عند عز الدين حسام في داره فلما فرغ الغذاء قام مرتفع فقال عز الدين ما في الأمراء أكرم من هذا الأحوال الأعرج ويتلوه مرتفع بن فحل قال ورد ما نرى
стр. 140
من كرمه شيئاً فأمر عز الدين من رده وقال له إن ولد فلان يعني ولدي محمداً عازم على السفر إلى زبيد يأخذ أهله ويجيء قال اكتب له غنى ما شئت إلى ابن ميسر من ثمن القند الذي لي عنده قال اكتب علامتك على هذه الورقة فكتب العلامة وخرج فقال عز الدين لورد كيف رأيت قال ورد والله لا كتب المبلغ غيرك يعني حساماً فكتب بمائة دينار وخمسين وسيرتها إلى مصر وتشاغلنا في الحديث والمذاكرة إلى اصفرار الشمس حتى جاء المبلغ بكامله فقبضته وأتيت به إلى الظهير وأعلمته الحال فقال وبقي له الزاد والحلاوة والدقيق وأربع شكائر ثم لم أشعر به يوماً بعد خروجه من الاعتقال حتى استدعاني فركبنا إلى شمس الخلافة فاشترى منه جارية حتى حملها إلىّ وقال إن زوجتي جرى بيني وبينها شر على هذه الجارية وقد وهبتها لك واحترق جميع ما قلت فيه من الأشعار
أخبار المكرم علىّ بن الزيد ... كان المذكور من الغلاة
стр. 141
المغتالين في مذهبه من غير علم وكان في الوفاء لبني رزيك نصيري الموالاة والعقيدة وحضر مع الصالح يوم قاعة الذهب فقاتل عنه أشد القتال ولم يزل يضرب بسيفه حتى انقطع من وسطه نصفين فلما لم يبق معه سيف ألقى نفسه على الصالح وهو طريح في دهليز السرداب ووقاه بنفسه فلم تزل السيوف تنحره حتى قام الصالح وتكاثر الناس وذكرته في قصيدة رثيت بها الصالح يوم نقل تابوته إلى القرافة منها في ذكر ابن الزبد.
[كامل]
أوفى أبو حسنٍ عند ما ... خذلت يمين أختها ويسار
لا تسئلا إلا مضارب سيفه ... فلقد تزيد وتنقص الأخبار
حتى إذا انقطع الحسام بكفه ... وانفلّ منه مضربٌ وغرارُ
منها
ألقى عليك وقاية لك نفسَه ... لما انتحتك صوارمٌ وشفارُ
إن لم يذق كأس الردى فبقلبه ... من خمرها أسفا عليك خمارُ
هي وقفةُ رزق المكرمُ حمدها ... وعلى رجال لؤمها والعار
стр. 142
وحضرنا ليلة عند رزيك في وزارته وقد جمع له كل واحد من أهل الأدب بين العزاء والهناء على عظيم الرزية، وجسيم العطية، فلما أنشدناه قال أنتم تعلمون أن الصالح لو قطع رأسه في القصر لم يصح لي ملك بعده ولولا بلاء على بن الزبد يومئذ لم يسلم رأس الصالح فمن كان منكم عاملاً شعرا فينا فليمدح ابن الزبد فعملت في ذلك قصيدة أولها: [بسيط]
أوجبتَ في ذمة الأشعار والخطبِ ... دنيا أبا حسن يبقى على الحقبِ
أيامك البيضُ لا تحْصى وأفضلها ... يومٌ خصصتَ به في قاعة الذهب
وفيتَ للصالح الهادي وقد غدرتْ ... به الصنائع من ناءٍ ومقترب
كان ضرغام يقول لو قلت لعدت كان أصلح من غدرت قلت إنما أردت مقابلة الوفاء بالغدر قال وعلى مقابلتك تنسبنا إلى الغدر.
فعلت فعلَ علىٍ علىُّ وقد ... فدى نبيَّ الهدى بل سيدَ العربِ
стр. 143
لما أتتك بنانُ الموت سائلةً ... وهبتَ روحكَ مختاراً ولم تهبِ
أقدمتَ وحدكَ إقدام الليوث على ... هول يمهدُ عذرَ الليث في الهربِ
آثار سيفك أجلى من روايتنا ... والسيف أصدقُ إنباءً من الكتبِ
أرهفته بيمين غير طائشة ... عند الضراب وعزمٍ غير مضطربِ
فهل بنانك أقوى أم جنانك إذ ... شطبت بالضرب متن السيف ذي الشطبِ
لولا حفاظك يوم القصر لاضطربت ... قواعد الملكِ واحتاجت إلى التعبِ
وحضر معي ضرغام دفن امرأة لي ماتت وكانت من أهل اليمن فقال أعندك حرة غيرها قلت لا قال فلا خير في دار ليست فيها حرة مهيبة ثم ذكر لي عدة نساء وقع الرأي على واحدة منهن قال ضرغام وعلى أن آخذ لك مهرها وكان حسن التأني في الحوائج عند السلطان فلم أشعر بعد يومين حتى جاءتني منه رقعة ومعها أربعون ديناراً لم أشعر ما الذي قال لرزيك حتى دفعها وسمع ابن الزبد بالحديث وكانت بينه وبين
стр. 144
ضرغام منافسة الضرائر فسير إلى ابن الزبد بثلاثين ديناراً وستة أباليج سكر وبدلة ثياب مذهبة ومعها ثوب ديباج أحمر بأزرار ذهب وخمس شمعات موكبية وعشرة أرؤس غنم ومعها رقعة بغير خطه فيها بيت للمتنبي وهو قوله: [كامل]
ليس الذي يعطيك تالدَ ماله ... مثل الذي يعطيك مال الناسِ
وولى المحلة فقلت أودعه: [كامل]
قل للمكرم والألقاب واقعةٌ ... على علاهُ وقوعَ النقش في الحجرِ
يا كعبةً للندى لو كنت ذا أملٍ ... غداً إلى بها حجي ومعتمري
إن كنت أزمعتَ مختاراً على سفرٍ ... فاللهُ يُحْمَدُ عقبى ذلك السفرِ
أين المحلة من والٍ محلته ... من المعالي محلُّ النور في البصرِ
أثنى عليه بما يبقى بما يبقى مناقبه ... مذكورةً بلسان الصارم الذكرِ
وسوف تنظم أشعاري وقد نظمتْ ... له من المدح عقدا فاخر الدررِ
стр. 145
لك الأمانةُ في ودي أبا حسنٍ ... محمولةٌ فأقمْ إن شئتَ أو فسرِ
فقد منحتك وداً مثل عرضك لا ... تسمو إلى صفوه الأيام بالكدرِ
وصادفت عند وداعه رسولا له كان بدمياط يستعمل شروباً فدفع لي ممل إليه في تلك الساعة شقة خزائني ولفافة وتلثيمة طولها ثلاثون دراعاً رقم الجميع نسجة واحدة كان استعملهم لنفسه فبما صرف هاداني بألطاف جزيلة منها بدلة ذهبية الثوب والعمامة
وأما أسدٌ الغاوي فغاو فسد موضع جسمه من الأرض، ومكان اسمه من جريدة العرض، هذا على أنه كان يوافق في المذاهب والاعتقاد، وينافق في الانتقاد.
وأما صبح بن شاهنشاه فرفق يلم الصحبة يلين لين الفتاة، ويبعد بعد الظبي في الفلاة، لا تعرف سمينه من غثه، ولا
следующие страницы →