Полный текст (395 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الدولة.
[كامل]
همَّ الزمانُ بها فمنذ كفلتها ... أضحى يوالي نصرها ويوالي
وأجبتَ عاديةَ الفرنج بديهةً ... قبل الروية بارتحال رجالِ
قدمت الفرنج الديار المصرية على زمان وزارته.
أطفأت جمْرتَها بإخوتك الأولى ... يتسنّمون غواربَ الأهوالِ
لم أدرِ والتشبيهُ يقصر عنهمُ ... أغيوثُ نُزلٍ أم ليوث نِزالِ
طالت بأيديهم قِصارُ صوارمٍ ... باتت بها الأعمارُ غيرَ طوالِ
وخلطتم أنصاركم بنفوسكم ... فالناسُ من مولى لكم وموالِ
يا صاحبي وفي السؤال شفاء ما ... استخبرتُ عنه إن أجيبَ سؤالي
هل للوزارة حاجة أو حجة ... ترجو تتمة نقصها بكمالِ
стр. 72
هذا الذي مازال طرفُكِ دائماً ... يرنو إليه في الزمان الخالي
هذا الذي عضلوكِ عنه لتخرجي ... من عدةٍ حرُمتْ ومن إحلالِ
ولحقُّ من وزر الخلافةَ من نشأ ... في حضرة الإعظام والإجلالِ
واختص بالخلفاء وانكشفتْ له ... أسرارُها بقرائن الأحوالِ
وتصرف الوزراءُ عن آرائه ... كتصرُّف الأسماء بالأفعال
يا ابن الأئمة والثناء عليكم ... يختال بين مفصَّلِ وطُوالِ
ما تخجل الدنيا وأنت إمامها ... ووزيرك الهادي أبو الأشبالِ
وذكر لي المهذب ابن الزبير أنه متغير علي ومضمر شراً بسبب قولي في شاور وبني رزيك: [بسيط]
فمذ وقعتَ وقوعَ النسر خانهمُ ... من كان مجتمعاً من ذلك الرخَمِ
وبسبب ما كان بيني وبين الظَّهير مرتفع الثائر عليه من أكيد
стр. 73
الصحبة وذكر المهذب فيما حكى لي عنه أن ضرغاماً قال غلِط معي عمارة يوماً غلطة في شهر رمضان الذي قُتل فيه الصالح أنا أحفظها عليه وهي أني قلت له أخرج معي إلى الهدف الذي على باب البرقية فقال أنا أكرهُ أن أرى البرقية ومرتفع في الاعتقال ومذ قبض عليه الصالح لم أجز بالبرقية ولعمري لقد جرى مني هذا القول ولم أعلم ما تؤول إليه الحال ولا ما في نفس بعضهم من بعض ولما داخلني الخوف من ضرغام انقطعت إلى أخيه همام ولم يكن ذلك إلا في آخر مدته ولما جاء شاور من دمشق بالغزشغل عني وعن نفسه ولما جازوا برأسه على الخليج وكنت أسكن صفَّ الخليج بالقاهرة قلت ارتجالاً: [وافر]
أرى حنكَ الوزارة صار سيفاً ... يجدُ يحده صيد الرقابِ
كأنك رائدُ البلوى وإلا ... بشيرٌ بالمنية والمُصابِ
стр. 74
وزارة شاور الثانية وفيها تكشفت صفحاته، وأحرقت لفحاته، وأغرقت نفحاته، وغضه الدهر وعضه، وأوجعه الثكل وامضّه، وبان غمره وثماده، وجمره ورماده، ولم يجف من الأنكاد لبده، ولا صفا من الأقذاء ورده، وما هو إلا أن تسلمها بالراحة، وسلمت له الهموم عوضاً عن الراحة، وفي أول ليلة دخل القاهرة ارتحل أسد الدين طالباً بلبيس فأقام بها ثم عاد إلى القاهرة فكسر الناس يوم التاج وأسر أخوه صبح وأصيب على باب القنطرة بحجر كاد ن يموت به وتعقب ذلك تثقيل القتال على القاهرة حتى دخلت من الثغرة ثم تبع هذا مجيء الفرنج وعمل البرج وحصار بلبيس ثم تلا ذلك قيام يحيى بن الخياط طالباً للوزارة ثم تلا ذلك نفاق لواتة ومن ضامها من قيس وخروج أخيه نجم وابنه سليمن وجماعة من غلمانه لحربهم ثم خروج ابنه الكامل في بقية
стр. 75
العسكر وفي أثناء هذه المدة قبضه على الأثير بن جلب راغب وقتله وأسر معاني بن فريح ثم قتله واتصل إليه الخبر من قدوم أسد لدين إلى إطفيح بأم النوائب الكبر ووافق مجيء الغز قدوم الإفرنج ناصرين للدولة وتوجهوا من مصر في البر الشرقي تابعين للغز ثم لاحت الفرصة للإفرنج فعادوا إلى مصر وافترحوا من المال، ما تنقطع دونه الآمال، وخيموا على ساحل المقسم وأظهروا رجوعهم إلى الشأم فتجهز الكامل للمسير صحبة الإفرنج حدثني القاضي الأجل الفاضل عب الرحيم ابن علي البيساني قال أنا أذكر وقد خلونا في خيمة وليس معنا أحد إنما هو شاور وابنه الكامل وأخوه نجم فعزم الكامل على النهوض مع الفرنج وعزم نجم على التعزيب إلى سليم وما وراءها قال شاور لكني لا أبرح أقاتل بمن صفا معي حتى
стр. 76
أموت فنحن في ذلك حتى وصل إلينا الداعي ابن عبد القوي وصنيعة الملك جوهر وعز الأستاذ وقد التزموا المال وتفرع على هذا الأصل مقام الغز بالجيزة ونوبة البابين وحصار الإسكندرية وانصراف الغز راجعين والفرنج بعدهم فما هو غلا أن توهم شاور أن الدهر قد نام وغفا، وصفح عن عادته معه وعفا، وإذا الأيام لا تخطب إلا زواله وفوته، ولا تريد إلا انتقاله وموته، فكان من قدوم الإفرنج إلى بلبيس وقتل من فيها واسرهم بأسرهم ما أوجب حريق مصر ومكاتبة نور الدين ابن القسيم وإنجاده كلمة الإسلام باسد الدين ومن معه من المسلمين الذين قلت فيهم وقد ربط الإفرنج الطريق عليهم.
[طويل]
أخذتم على الإفرنج كل ثنية ... وقلتم لأيدي الخيل مرئ على مرئ
لئن نصبوا في البر جسراً فإنكم ... عبرتم ببحر من حديد على الجسر
فقضى قدوم الغز برحيل الإفرنج عن البلاد المصرية
стр. 77
ولم يلبث شاور أن مات قتيلاً بعد قدوم الغز بثمانية عشر يوماً وهذه السنوات التي وزر فيها شاور وزارته الثانية كثيرة الوقائع والنوازل زفيها ما هو عليه أكثر مما هو له وربما شرحت من ذلك في مواضعه من هذا المجموع ما يشهد النظم بصحة دعواه، وصدق نجواه، فمن ذلك أن طيا ولده قتل في يوم الجمعة الثامن وعشرين من شهر رمضان وأدرك ثأره في يوم الجمعة الثامن وعشرين من جمادى الآخرة فيكون بينهما تسعة أشهر وقلت في ذلك من قصيدة: [كامل]
ونزعت مُلكَك من رجال نازعوا ... فيه وكنتَ به أحق وأقعدا
جذبوا رداءك غاصبين فلم تزل ... حتى كسوتَ القوم أردية الردى
وبردت قلبك من حرارة حرقة ... أمرت نسيمَ الليل أن لا يبردَا
تأريخُ دينٍ نلتَه في مثله ... يوماً بيوم عِبرةً لمن اعتدَى
حملتْ به الأيام تسعةَ أشهر=حتى جعلن له جمادى مولدَا
стр. 78
وكان لا يزال يستعيدها ولما عاد من حصار بلبيس هنيته بقصيدة اذكر فيها الحال أولها: [كامل]
اسمع بذا الفتح المبين وأبصرِ ... وأقصرْ عليه خُطا الهناء وأقصِرِ
فتحٌ أضاء به الزمانَ كأنه ... وجه البشير وغرة المستشبرِ
فتحٌ يذكِرنا وإن لم ننسه ... ما كان من فتح الوصي لخيبرِ
فتحٌ تولَّد يُسره من عسرة ... طالت وأيُّ ولادة لم تعسُرِ
حملتْ به الأيام إلا أنها ... وضعته تِماً عن ثلاثة أشهرِ
وهي القصيدة التي أقول منها:
تلقاه أولَ فارس إن قدمتْ ... خيلٌ وأولَ راجل في العسكرِ
هانت عليه النفسُ حتى أنه ... باع الحياة فلم يجد من يشتري
ضجر لحديدُ من الحديد وشاورٌ ... في نصر آل محمدٍ لم يضجرِ
حَلَف الزمانُ ليأتين بمثلهِ ... حنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ
يا فاتحاً شرق البلاد وغربَها ... يُهنئْك أنك وارث الإسكندرِ
стр. 79
وكانت هذه الأبيات من أحد الأسباب التي قوت عزمي على الاستعفاء من عمل الشعر لأن الناس فيما تقدم كانوا يغنون الشعراء بما ليس يفوقها في الجودة وقلت من قصيدة اذكر نوبة بلبيس ووزارته الأولى: [كامل]
إن بات من عدد الملوك فإنه ... لا يستوي نار الغَضا ودُخانُهَا
جُمعتْ لك الأمم الثلاث فستَها ... حتى كان لم تختلف أديانُهَا
خلّصتَ كلَّ قبيلة من ضدها ... لما التوتْ وتعقدت أشطانُهَا
إن السعادة قد أظلّ زمانُها ... وافتر من ثغر الهناء أوانُهَا
وأفاك أولُ عامها بمسرة ... لا الفِطرُ أهداها ولا رمضانُهَا
стр. 80
لما رأيتَ بطانَها متضايقاً ... وسعتَ منها حين ضاق بِطانُهَا
رأى حقنتَ به دماء خلائقٍ ... ظنتْ بأن دروعها أكفانُهَا
أشبهتَ نُوحاً مدةً وهدايةً ... في أمة متزايدٍ طُغيانُها
فكأنما البرجُ المنيفُ سفينةٌ ... والنيلُ يومَ كسرتَه طوفانُهَا
منها:
كانت وزارتك القديمة مشرعاً ... صفْواً ولكن كُدرتْ غُدرانهَا
غَصَبتْ رجالٌ تاجَه وسريره ... من بعد ما سجدتْ له تيجانُهَا
أخلى لهم دستَ الوزارة عالماً ... أن سوف ينزع بينهم شيطانُهَا
قد كان أودع في الرقاب صنائعاً ... كفرتْ بها فأبادها كفرانُهَا
هجرَ الوزارة إذ تنكر عرفُها ... وكذا النبوة إذ نبت أوطانُهَا
ومن قصيدة: [طويل]
لك المعجزاتُ الخمسُ لم يفتخر بها ... سواك ولم تخفِق عليه بنودُهَا
стр. 81
فمنها بنو رزيك حين أزلتهم ... وحمرُ المنايا في يديهم وسودُها
ومنهن صنعُ الله عندك في بني ... سوارٍ وما جرت عليها حقودُها
ومنها رجوعُ الغز عن مصرَ بعد ما ... أبيح بهم أغوارها ونجودُهَا
ومنهن أنّا ما رأينا وزارةً ... لغيرك عادت بعد ما صدَّ جيدُهَا
ومن أخرى: [بسيط]
أُثني عليه ولولا الفضل قال لنا ... كُفأ فإني بمدح السيف أقتنعُ
في كل يوم له نصرٌ ومعجزةٌ ... يقتضّها سيفُه بِكْراً ويقترعُ
لله درك موتوراً أقضَّ به ... دستٌ وسرج وأجفان ومضطجعُ
ما غِبْتَ إلا يسيرا ثم لُختَ لنا ... والثأرُ مستدركٌ والملكُ مرتجَعُ
قضيةٌ لم ينلْ منها ابن ذي يزنٍ ... إلا كما نلتَ والآثارُ تتبعُ
فافخر على الحي من قيسٍ ومن يمنٍ ... أبا شجاعٍ فليس الحقُ يندفع
واسمعْ مديحي ولا تسمعْ سواه فما ... يشكُ فضلك أن الناس لي تبَعُ
стр. 82
ورأيته يوماً وقد انشرح صدره فقلت له إن لي مدة تنازعني النفس في الحديث معك في حاجة وقد عزمت أن أقولها لك فإن قضيتها وإلا كنت قد أبليت عند نفسي عذراً قال وما هي قلت تعفيني من عمل الشعر وتنقل الجاري على الخدمة راتباً على حكم الضيافة فإني أرى التكسب بالشعر والتظاهر به نقيصةً في حقي قال منعك أن تستعفى في أيام الصالح وابنه قلت كانت لي أسوة وسلوة بالشيخ بالشيخ الجليس ابن الحباب وبابني الزبير الرشيد والمهذب وقد انقرض الجيل والنظراء قال تعفى ثم أمر بإنشاء سجل بإعفائي وأخذ عليه خط الخليفة وخطه بذلك فقلت أشكره من قصيدة: [كامل]
تغدو مهابته حجاباً دونه ... ونداه عنا ليس بالمحجوب
سكنت محبته وهيبة بأسه ... منا سوادى ناظرٍ وقلوبِ
ومنها:
ومحوتَ عن وجهي مواسم صنعةٍ ... ومعيشةٍ كان اسمها يزرى بي
стр. 83
وجعلتني أحدوثةً تتلى بها ... أبداً صحائفُ أجرك المكتوبِ
فليفتخر بالشعر فيرى إنه ... حسبٌ لمثلى ليس بالمحسوبِ
أصبحتُ شاكرَ نعمةٍ لا خدمةٍ ... أقضي يد المفروض بالمندوبِ
ولما عاد من حصار الإسكندرية أكثر من سفك الدماء بغير حق وكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تُسحب القتلة إلى خارج الدار فسألي الجماعة أن أعمل قصيدة في هذا المعنى فقلت من قصيدة: [طويل]
ألا إن حدّ السيف لم يُبقَ خاطراً ... من الناس إلا حائراً يترددُ
ذعرتَ الورى حتى لقد خاف مصْلِحٌ ... على نفسه أضعافَ ما خاف مفسدُ
فأغمد شفارَ المشرقي وعدْ بنا ... إلى عادة الإحسان وهي التغمدُ
فإن بروق الماضيات وصوتَها ... رواعدُ منهنّ الفرائضُ تُرعدُ
وإن صليل السيف أفحشُ نغمةٍ ... تظلُّ تغنَّى في الطُّلى وتغردُ
تجاوز وإلا فالمقطَّمُ خِيفةً ... يذوب وماء النيل لاشكَّ يجْمُدُ
стр. 84
فقال قد كان من القتل ما كان وإن تجدد شيء لم يكن في الدار لأن القضاة وأرباب الخِرق قلوبهم ضعيفة عن رؤية السيف ومما هو عليه لا له ظلم إخوته وأولاده وعبيده ومن يلوذ به ولم يُربِ أحدٌ رجال الدولة مثل ما رباهم الصالح ولا أفنى أعيانهم مثل ضرغام ولا أتلف أموالهم مثل آل شاور وشاور وهو الذي أطمع الإفرنج والغز في الدولة حتى انتقلت عن أهلها وكانت لشاور واحدة مما هو عليه لا له وهي طاعته لوله الكامل وانقياده له وتسليمه الأمر إليه وهذه تعدل كل سيئة لغيره من الوزراء وتطمس نور كل حسنة له فإنها هي السبب من كل دخيلة على الناس من آل شاور وسبب كل دخيلة عليهم من الناس ولو أخذت أشرح يسيراً من هذه الجملة خرجت عن قصد الكتاب ومن كرم شاور أني بعد حريق داري على شط الخليج ونهب ما أبقت النار لزمني دين كثير فاداه عني وبقيتْ منه مائتا دينار فدفع لي
стр. 85
مائة دينار وأمر لي بمائة كبش بيعت مائة وعشرين فقلت أشكره على ذلك منها في ذكر وزارته: [كامل]
فنُصرتَ في الأولى برعبٍ زلزل الأ ... قدامَ وهي شديدة الإقدامِ
ونُصرتَ في الأخرى بضربٍ صادقٍ ... أضحى يطير به غرابُ الهامِ
أدركتَ ثأراً وارتجعتَ وزارةً ... نزعاً بسيفك من يدي ضرغامِ
منها بعد أبيات:
هذي وقائعك اختصرتُ حديثها ... حذراً عليها من قصور كلامي
وإذا أردتَّ على الحقيقة شرحَها ... فاسئل مضارب سيفك الصَّمامِ
فلقد روينا عن حسامك بعض ما ... يروى ويحفظ ألسنُ الأيام
فاسمعْ غرائبَ من مدائحك التي ... تُثنى السيوف على الأقلامِ
آنستني بالقرب منك تكرّما ... فتغايرَ الساداتُ في إكرامي
ورفعتَني حتى توهم جاهلٌ ... بالحال أني من ذوي الأرحامِ
وحملتَ عني ثقل دينٍ فادحٍ ... لولا عظيم نداك رضَّ عظامي
ولقد سلكت من السماح طريقةً ... مهجورةً ليست بذات زحامِ
стр. 86
وكان ضيق العطن عن سماع ما يروى له من الأخبار وكان على الطعام لا يكاد يرد سائلاً في حاجة وكان شديد النكال إذا عاقب وكان صاحب الديوان خاصة لدولة ابن دخان ربما نادني في الجاري فيبلغه عني ما يضيق به صدره فيعود معي إلى الملاطفة فأعود له إلى المكارمة إلى أن قال لشاور أما صُنتني من فلان وإلا أستعفيت فقال يا هذا استحي على نفسك من مناكدة رجل يأكل معي في إناء واحد كل يوم مرتين فما زلت من بعدها أعرف مكارمة ابن دخان والمسارعة إلى حوائجي وقبول شفاعتي فيما لا يسوغ فكنت أشكر ذلك من فعل شاور.
ووقعت الشمعة ليلة على طرف ثوبي فجمد عليه يسير من الشمع فلما رحت من مجلسه لحقني الفراش إلى داري ومعه عشر نصافيات رفيعة ولما كان من الغد قال للفراش ونحن على الغداء أنت تحب العشرة فقلت نعم هو يحبهم كأنه استفهمني عن المبلغ هل وصل إلي بكماله أم لا وقل أن يمضي ليلة من مجالس أنسه
стр. 87
إلا ويحمل إلى داري على الدائم في الأكثر الحلاوات الكثيرة ولم يكن تفقده في كل شهر ينقطع عني بالدنانير العشرين فما فوقها وكان يقول ما تركنا الزمان نفعل في حقك بعض ما يجب من حقك وكان يقول إذا غبت عن مجلس أنسه لعن الله مجلساً لا يحضره فلان وأمر بقتل أبي محمد ابن شعيب وعلي بن مفلح وقد وصلا من عدن أساؤوا العشرة على مبهج افتخار السعداء حين توجه مع الوجيه بن شعيب إلى اليمن سنة إحدى وستين فقلت لشاور إن الرجلين في منزلي من ثلاثة أيام وإنه لا سبيل إليهما فأمسك ملياً ثم قام ولم ينطق وأخذت أسامره بإخبار ملوك اليمن زبيد وعدن وأورد من محاسنهم وإخبارهم ما أزال ما عنده ثم أحضرت الكتب واستخبرت الجواب وأخذت لهما منه مائة دينار وقال لهما يوم الوداع والله لولا فلان لضربتُ رقابكما وقطعت ما بين الدولة وبين أهل عدن والزمني أن أترسل في الرسالة التي سار فيها حمائل إلى
стр. 88
دمشق فاعتذرته فأبى فتركت من قال له هذا صاحب بني رزيك وإذا وقعت الوجوه في الوجوه لم يستكمل الحجة في خدمتك ولم يؤد الأمانة فقال أو يكون بنو رزيك عنده أحبَّ مني ما أظن هذا فتركت من قال ذلك للكامل فأعفوني ومن جميل ما كان يوليني أن الداعي ابن عبد القوي والأجل الفاضل وشاور والكامل عزموا على أن يتبرعوا ابتداء بتسيير الدعوة لولدي صاحب عدن بعد موته ثم قال شاور أحضروا فلاناً وخذوا ما عنده ولم يبقَ في النوبة إلا صرمها فلما حضرت واعلموني منعتهم وقلت إن أهل اليمن إنما يبعثون لكم الهدايا والتحف والنجاوي ويتوالونكم لأجل الدعوة فإذا تبرعتم بها فقد هونتم حرمتها فرجع لجميع عما كانوا عليه وعزم على
стр. 89
أن يبعث الفقيه ابن غاز صاحب سيف الدين ونشئ الدولة أبا الحسن العابد رسولين إلى عدن فوصلاني وسألاني التلطف في حالهما معه فقلت له على خلوة إن كان قصدك نفعهما ورفعهما فسيرهما فإنه لا تبقى تحفه، ولا طرفه، إلا خدما بها وإن كان قصدك ضد ذلك فاتركهما فتركهما وله معي من الإحسان ما هو أشهر من هذا وأكثر ولكني اتركه لكثرته وما مثلي ومثل غيري معه إلا مثل رجلٍ قتل أبوه فقتل خيراً من أبيه ثم قال كان أبي لي جيداً وإن كان رديئاً عندكم قد أتيت على نبيذة يسيرة من الفقر العصرية، فيما شاهدتُ من أحوال الوزراء المصرية، وأنا ذاكر في هذا المختصر نتفاً جرت لي مع أقارب الوزرا، وأكابر الأمرا، فما منهم إلا من كاثرته، وعاشرته، وبلوت سمينهم وغثهم، وقويهم ورثّهم، وانكشف المصقول من الصدى، والجيد من الردى، فمنهم مجد الإسلام ابن الصالح في حياة أبيه ذكرني له سعد
стр. 90
الملك بختيار وعز الدين حسام وشكراً فعث خلفي ساعياً إلى هدف كان له في المقابر التي على باب النصر فدفع لي ثلاثين ديناراً من غير مدح ولا خدمة ثم واصلته فتضاعف بره وإيناسه حتى لم يكن يركب إلى متنزهاته من التاج والروضة والمختص وعين. شمي للصيد إلا وإنا معه ولم يزل لي مكرماً إلى أن خرج الملك الصالح إلى بلبيس خرجته الأولى وعمل فارس المسلمين بدر بن رزيك لأخيه الصالح ضيافةً مثله لمثله ثم خلع خلعاً كثيرة ووهب خيولاً وفرق مالاً على الجلساء فلما عدنا إلى القاهرة مرض فارس المسلمين وعوفي فدخلت أهنئه وليس معي شعر ولا بيني وبينه أنسه كثيرة لانقطاعي إلى رزيك فأمسكني عنده حتى خرج الناس ثم أفاض علي خلعاً سنيةً ودفع لي ذهباً وقال لا تنقطع عني فمدحته بقصيدة أذكر فيها ما فعل في بلبيس واشكره على الخلعة والبر منها: [كامل]
لم يبقِ نوعاً تقتضيه كرامةٌ ... حتى أتى منها بما لم يُعهدِ
стр. 91
أهدى مع الخلع النضارَ وما ارتضى ... بهما فجاد بكل نهدٍ أجرد
ورأت عيون الناس من نفحاته ... كرماً بخبر عنه من لم يولد
منها في ذكر الخلعة:
فأثابني عن حمده الخلع التي ... خلعت بحسرتها قلوبُ السد
رقت كما رق الهوى وتجسمت ... فلبست ذوب الماء لو لم يجمدِ
وأجلُّ ما في الأمر عندي أنه ... شرفٌ وبرٌ لمي كن عن موعدِ
مدتْ بهما يده إلى بدايةً ... منه ولا طرفي مددتُ ولا يدي
جاءت كما اختار السماح مصونة الإ ... حسان عن تسويف يومٍ أو غدٍ
منها:
ملك إذا قابلت غرة وجهه ... شفع الندى ببشاشة الوجه الندى
وأغِبُّ عن نادى نداه زيارتي ... خجلاً فيأبى أن يُغبَّ تفقدي
وحين وقف رزيك على هذه الحال لم توافقه وشرع في التقصير
стр. 92
عما الفتة وأخذ فارس المسلمين يتابع بالجميل عندي ويستدعيني للمؤانسة في كل يوم وليلة إلى أن انقطعت عن رزيك إلى فارس المسلمين وكتبت إليه في يوم عيد ولم يأتني من عنده أضحية.
[بسيط]
يا منعماً بنداه يعدمُ العدمُ ... وينجلي بهداه الظلمُ والظلمُ
وقادراًَ أمطرَ الدنيا ندىً وردىً ... ففاض من راحتيه البأسُ والكرمُ
هنيتَ عيداً تخطتني سحائبه ... وقد سقى الخلق منها وابلٌ رذمُ
عجبتُ كيف تناساني نداك وقد ... ظلت ضحاياك بين الناس تقتسم
نسيانُ مثلي بعد الذكر مغضبة ... إن الغنيمة عندي ما هي الغنم
ونشبت بينه وبين عمه وأخذ الرشيد ابن الزبير والشيزري
стр. 93
يحرضان مجد الإسلام على قطيعتي ويوقولان له من صحبتي لعمه ما أوجب اعتذاري إليه بقصيدة طويلة منها: [طويل]
ولي حرمة الضيف الغريب وخدمةٍ ... جنيتُ بها من جودكم ثمرَ العلمِ
وأحضرتموني في صدور مجالسٍ ... سرتُ بعلاكم وهي أعلى من النجمِ
فهل أنت يا ذخر الأئمة مقبلٌ ... عليّ ومجزٍ لي على سابق الرسمِ
فإن ابتسام البرق ليس بنافع ... إذا لم يبتْ فوق الثرى صوبه يهمي
ومن عجبٍ أن مر حولٌ محرَّم ... كما ساءني من غير ذنب ولا جرمِ
أمورٌ غدتْ في النفس منها حزازةٌ ... وحظٌ يخزُ الدهرُ فيه إلى العظمِ
وما جاءني ن قلة الحزم حادثٌ ... وإني لمدلول على طرق الحزمِ
ولكنها الأقدارُ يمضي صروفها ... على المرء مختاراً لها وعلى الرغمِ
ومنها في مدحه ومدح عنه:
وكم من يدٍ مجديةٍ فارسيةٍ ... أتتني كما يأتي الشفاءُ إلى القسمِ
стр. 94
فقل لليالي قد حللتُ ببرزخ ... يحيط به بحران فضلهما يطمي
إذا اشتاق غيري ساحل اليم مورداً ... وجدتُ جهاتي كلها ساحلَ اليمِّ
وفي أي ظل منهما كنتُ نازلاً ... رأيت نزول المكرمات على حُكمي
واجتمع الصالح وأخوه وأبناه في مجلس في بعض الولائم فأمرني عز الدين أن ارتحل فيهم فقلت ارتجالاً.
[طويل]
إذا نزلتْ أبناءُ رزيكَ منزلاً ... تبتسم عن ثغر النباهة خاملُهُ
وخيّم في أرجائه المجدُ والعلى ... وجاد به طلُّ السماح ووابلُهْ
ملوكٌ لهم فضل بأبلج منهم ... محافله تُزهى به وجحافلُهْ
تزرُّ على الليث الغضنفَر درعُه ... وتُلوى على الطود المنيف حمائلُهْ
يفيضُ علينا كل يوم وليلة ... بلا سبب إفضالُه وفضائلُهْ
يُثيب على أقوالنا متبرعاً ... على أنها من بعض ما هو قائلهْ
بكم شرفَ الإسلامُ وانتصر الهدى ... وقامت قناة الدين واشتد كاهلُهْ
وأصبح منكم مجدُه وجلاله ... وفارسه يوم الهياج وكافلُهْ
يتلوه أخباري مع عمه فارس المسلمين أخبار بدر بن
стр. 95
رزيك فارس المسلمين أخي الملك الصالح اختصني بأنسه، واصطفاني لنفسه، واستغنى بي عمن ألفه، وسلا بي عمن عرفه، وساهمني في جميع أسراره، وغوامض أخباره، وكانت حاشيته تلوذ بي فيما يرجونه ويخشونه منه ووجدته سليم الصدر، من كدر الغدر، حمل إلي مهراً كميتاً بعدته فشكرته بقصيدة منها: [طويل]
فدى لبنى رزيكَ قومٌ رفعتُهم ... بمدحي ولما يرفعوا لثنا قدرا
لقد زهدتني في رجالا صلاتكم ... ومن شام نور الشمس لم يحمد الفجرَا
بعثتَ بطرفٍ يسبق الطرفَ عفوهُ ... وتغدو الرياح الهوجُ من خلفه حسرَى
حكى الوردَ والياقوتَ حسناً وحمرةً ... وتاهَ فلم يرضَ العقيقَ ولا الجمرا
وأرسلتُه في الحسن وثراً كأنني ... أطالب عند النائبات به وِثرا
نذِرْتُ ركوب البرق قبل وصوله ... فوفيتُ لما جاءني ذلك النَّذرا
زففتُ القوافي في عُلاك عرائساً ... فساق لها الإحسانُ في مهرها مهراً
стр. 96
ولما قتل لصالح هاجت، القاهرة وماجت، وذل الجرى، وخاف البري، فلم أشعر حتى وصلني أحد غلمانه بخمسين ديناراً وقال إنه قد جاءنا من هذا الأمر ما يشغلنا عنك وإنا لا ندري ما تكون العاقبة فانقل أهلك إلى مصر ورتب أحوالهم بهذا الذهب فانتقلت إلى مصر وصعدت إليه فوجدته في قاعة البحر وهو لا يوصل إليه لفرط الزحام عليه ثم بصر بي فأومى لي بيده أن أدور من ناحية أخرى ففتح الخريطة وقبض لي منها قبضة بلا عدد زادت على الثلاثين وقال اشترِ بهذه الدنانير على وجه العيد ما يحتاجه أهلك فإنا عنك مشاغيل فقلت من قصيدة أشكره على ذلك.
[طويل]
وفي كل يوم لا تزال صلاتُكم ... إلى منزلي تُبدي الندى وتعيدُ
وأعجبُ ما شاهدتُ إحسانُ كفّه ... إلى وقد عضَّ الحديدَ حديدُ
ولم تُلْهِه عن عادة الود مِخنةٌ ... بها الرمح غاوٍ والحسامُ رشيدُ
стр. 97
رآني لو رأت يابسَ الثرى ... لأينعَ مخضرٌ وورقَ عودُ
وما الجود إلا فطنةٌ وتيقُّظ ... وما البُخل إلا حيرةٌ وجمودُ
وأحسنُ من نُعماه عندي كرامةً ... صديقي عليها كاشحٌ وحسودُ
وخلع علي يوماً وحملني على حجر فقلت أشكره من قصيدة: [بسيط]
قد كثَّرتْ عدد الحُسّاد أنعمه ... عندي وما كثَّر الحسادَ كالنِعَمِ
كم رحتُ عنه أجرُّ الذيل من خلعٍ ... أعلامُها كرياض الحزن والسلَمِ
إن كنتَ أحسنتَ فالإحسانُ أنطقني ... والشكرُ من نفحات الروض للديمِ
سكرُ لقوافي على مقدار ما شربتْ ... من خمرة عُصرتْ من كرمة الكَرَمِ
وقال من قصيدة يذكر حريق منظرته على الخليج بعد نصف الليل ويذكر داره الأخرى وما فيها من الستور وتصاويرها وقاطعها.
[كامل]
стр. 98
وأرى السعودَ لها عليك وفادةٌ ... تصل الهواجرَ والمدياجرهَ والسُّرَى
فلو اقترحتَ على الزمانِ شبيبةً ... سلفَتْ أتاك بها المشيبُ مبشراً
لم تحترق دارُ الخليج وإنما ... شبتْ لمن يسرى بها نارَ القِرَى
طلبتْ يفاعَ الأرض دون وهادها ... فتوقدت في رأي شامخة الذرى
أو هل تزور النارُ ساحةَ جنةٍ ... أجريتَ فيها من نداك الكوثراَ
أنشأتَ فيها للعيون بدائعاً ... زفتْ فأذهل حُسنُها من أبصرا
فمن الرُّخام مسيَّراً ومسهَّماً ... ومنمنَماً ومدرْهَماً ومدنَراً
والعاجَ بين الآبنوس كأنه ... أرضٌ منالكافور تُنبت عنبراً
قد كان منظرها بهياً رائقاً ... فجعلتها بالوشى أبهى منظرَا
وكذاك جيدُ الظبي يُحسن عاطلاً ... ويرقك البيتُ الحرامُ مستَرَا
ألبستها بيضَ الستور وحمرَها ... فأتت كزهر الورد أبيضَ أحمراَ
فمجالسٌ كسيت رقيماً أبيضاً ... ومجالسٌ كسيتْ طميماً أصفرَا
لم يبقَ نوعٌ صامتٌ أو ناطقٌ ... إلا غدا فيها الجميعُ مصوَّرَا
فيها حدائقُ لم تجدها ديمةٌ ... أبداً ولا نبتت على وجه الثَّرَى
стр. 99
والطيرُ مذ وقعتْ على غصانها ... وثمارها لم تستطع أن تنفرَا
لا تعدمُ الأبصارُ بين مروجها ... ليثاً ولا ظبياً بوجرةِ أعْفَرَا
أِنستْ نوافر وحشها بسباعها ... فظباؤها لا تتقي أسدَ الشرَى
وبها زرافاتٌ كأن رقابها ... في الطول ألويةٌ تؤمُّ العسكرا
نوبيةُ المنشى تُريك من المها ... رَوْقا ومن بزل المهاري مشفَرَا
جُبلتْ على الإقعاء من إعجابها ... فتخالها للتيه تمشى القهقَرَا
يا أيها الملك الذي اعتصمتْ يدي ... منه بحبل غير منفصم العُرَى
اسمع جواهر خاطرٍ لو لم يَغُضْ ... في بحر جودك لم يقلْ ذا الجوهرَا
روَّى منابتَ كرْمها الكرَمُ الذي ... أضحى بينبوع النَّدى متفجرَا
واتفق حضوره ليلةً مجلس أخيه الصالح والشعراء تنشد المدائح في مجد الإسلام بسبب نوبة بهرام وليس له فيها ذكر وكان الفتح له ولضرغام وكنت لا أقدر أن أذكره في القصيدة خوفاً من رزيك لأن كل من كان من أصاب رزيك أخذ الإنعام ومن كان مع فارس المسلمين حرم حتى أن الأمر بلغ به أن سيرني إلى ضرغام أخطب واحدة من بنات أخويه ملهم أو همام لولده
стр. 100
العماد قصدا منه في الاعتضاد بهم وعمل القاضي الأعز في القضية شيئاً يظن قوم أنه شعر ذكر فارس المسلمين فيه فلما زرته من الغد قال فتحتي ولا أنت وأنت صاحبي قلت فأنى يمكنني أن أجعلك إضافةً في مديح غيرك قال فهاتِ ما عملت لي على الانفراد فلعله أن يزيل ما عندي من العتب عليك ولم أكن عملت شيئاً قلت له في غدٍ إن شاء الله ثم بت ساهراً ليلي كله حتى غدوت عليه بقصيدة أولا: [طويل]
نسيبٌ ولكن بالقنا والصوارم ... ومدحٌ ولكن للعلى والمكارمِ
ومقتضباتٌ من قوافٍ كأنها ... جواهرُ لم تعبث بها كفُّ ناظمِ
شغلتَ بأوصاف لمظفَّر خاطرا ... يرى مدحه إحدى الفروض اللوازم
إذا عرضتْ لي مقرباتُ جياده ... نسيتُ بها سرب الظباء النواعمِ
стр. 101
وإن بسمتْ يوماً بروقُ سيوفه ... ذهلتُ بها عن بارقات لمباسمِ
أراك إذا قارءتَ يا بدرُ خطةً ... من الدهر لم تقرع لها سنَّ نادمِ
ولله عزمٌ ليلةَ السبت أسفرتْ ... صبيحتُه عن مُسفِر الوجه باسِمِ
طويَ بساط الأرض في نصف ليلة ... كأنك طيفٌ زار أجفانَ نائمِ
كتمتَ السرَى حتى كأنك في الدُّجى ... خيالٌ ملمٌ أو سريرةُ كاتمِ
تخوفتَ منها أن تنمَ إليهمْ ... بمسراكما والريح أمُّ النمائمِ
توهم بهرامٌ أو يوسفُ ضلةَ ... من الرأي لم تخطر على وهم واهمِ
لقد قسم الرحمنُ بينهما البلا ... بما فعلا والله أعدلُ قاسمِ
فهذا له بالأسر فقرُ وذلّة ... وهذا له بالقتل حزُّ الغلاصمِ
ولم أورد منها هذه الأبيات إلا شاهداً للحال الجارية فرضى وتضاعف إكرامه وإنعامه واجتمع هو والصالح ورزيك في وليمة عنده وفيها عقدٌ للعماد ابنه بتقدمة زمّ أو شيءٍ أنسيته
стр. 102
قلت من قصيدة كلها جيدةٍ؛ [وافر]
فمن عثرتُ به قدمٌ فإني ... بمصرٍ قد عثرتُ على المرادِ
حللتُ بنيلها فوجدتُّ نيلاً ... كفاني منةَ الوَشْل الثِمادِ
ولما زاف عندي كلُّ نقد ... وميَّزْ بهرجَ الناس انتقادي
جعلت إلى بني رزيك قصدي ... فأولوني الجميلَ بلا اقتصادِ
بذلتُ لمجدهم غُرَّ القوافي ... بما بذلوه من غُرّ الأيادي
همُ جعلوا لساني بالعطايا ... خطيبَ نداهمُ في كل نادِ
منها في الصالح:
مطاعُ الأمر تقسَم من يديه ... على الآمال أرزاقُ العبادِ
واذكر يوماً أني كتبت غليه هذه الأبيات أسئلة أن يجعل جاريَّ فيما يستخلصه غلامه صابر الدولة من راتبه والشريف الجليس
стр. 103
يومئذ ناظر مع ابن دخان في الديوان وهي: [سريع]
قل لأبي النجم الذي منُّه ... كمنّة النجم على الساري
وحقِ نعمائك وهي التي ... أعدُّها من نعمة الباري
ما يَملك الخادم في وته الح ... اضر شيئاً غير دينارِ
والويل للشعر إذا لم يصل ... وأنت لي عونٌ إلى الجاري
وصابر الدولة أقوى على العُ ... صفور من ظفري ومنقاري
فوزن المبلغ من خريطته وأمر صابر الدولة باستخراجه وكنت قد شرعت في مرمة دار سعدٍ الافتخاري فكتبت ليه: [كامل]
يا سيدا أوصفُه ... درجُ المديح إلى الفخارِ
اسمعْ فديتُك قصتي ... متفضِلاً وأقلْ عِثاري
هي قصة نتفتْ سبا ... لَ الشعر بل سلبتْ شِعاري
стр. 104
لا أستجير حديثَها ... إلا بحُكم الاضطرارِ
أوقعتُ نفسي جاهلاً ... في دار سعدِ الافتخارِي
غلطتُ فيها غلظةُ ... أزرتْ بقدري واقتداري
ضرب الظَّهيرُ ببذلها ... منّى الفقارَ بذي الفقارِ
وظننتُ شرَ بليتي ... فيها يؤول إلى اختصارِ
وإذا العِمارة لا يليق ... بغير أرباب اليسارِ
وكفاك شراً أنني ... بِعتُ المُوطَأَ والبُخارِي
لم أدرِ أني عندها ... كمبحَّر في ألف خارِ
لما كشفتُ عيوبها ... أكسلتُ بعد الانتشارِ
دارٌ هممتُ بتركها ... ولو أنها دار القرارِ
وعلى نداك معونتي ... فيها فقد وقفتْ حمارِي
وتسابق فرس صالحي وفرس فارسي فسبق الفارسي فعز ذلك على الصالح وعلى ابنه ولما كان بالليل مجلس الأنس أعاد الجماعة
стр. 105
ذكر السبق فقلتُ ارتجالاً في المجلس.
[طويل]
سأحكم في أمر السباق حكومةً ... تُبرهن عن فصل الخطاب وتنطقُ
رأيتُ الجواد الفارسيَّ وقد أتى ... أمام الجواد الصالحي يُحلّقُ
فقلتُ لقوم لا تظنوه سابقُ ... فما هو إلا حاجبٌ ومُطرِّقُ
جوادان كلٌّ منهما في رهانه ... بأخلاق مولاه غدا يتخلقُ
فقال الجماعة فتحت لنا باب لعذر بقولك حاجب ومطرق ثم اجتمعت بفارس المسلمين فأشرت عليه بحمل الفرس إلى أخيه ومحاسن المديح فيه تخجل من إحسانه أخبار الأمير عز الدين حسام وهو يضرب من خؤولة الصالح لأمة بسهم أغنته شهرته عن أبيه وعمه همته عصامية، وراحته غمامية، أول معرفتي به أني في سنة إحدى وخمسين أقبتُ رسولاً من أمير الحرمين ووجدته والياً بعض مراكز الصعيد وقد سمع بخبري عند ناصر الدولة بقوص فأعد لي ضيافة على ساحل النيل وصلت معي لكثرتها إلى القاهرة ثم لم يلبث أن صرف فتأكدت المعرفة والصحبة وحين قدمت في الطريق
стр. 106
الثانية أرسل إلى منزلي ذهباً وغلة وغنماً ثم اتصل افتقاده وكسواته ولما ولى لحبرة استدعاني بكتاب واستأذن الصالح في انحداري إليه فوصلني بعين وثياب وغلة وغنام ودواب وفرس تزيد قيمة الصلة عل خمس مائة دينار ولم أقم عنده سوى ليال ثلاث وهو بكوم شريكٍ وعمل شعرا في الصالح يسئل الصرف وسيره على يدي وتكدر صفوه وتقاصر بره بميلي إلى فارس المسلمين وبسبب بعض أهل الأدب كان تغيره علي ولما بعد قدومه من دلجة وراح شاور إلى الواحات استأذنت الناصر رزيك في السلام عليه فقال والي الآن لم تسلم عليه وله في جزيرة الذهب ثلاثة أيام فمضيت إليه وعاتبني على انقباضي عنه ثم قال ما الذي أعددت لي من ضيافة قلت حسن الظن فيك وأليقه بكرمك فقال تناول ما تحت المخدة فوجدت خمسين ديناراً ثم قال
стр. 107
لي إني كنت سيرت إلى كل واحد من الجلساء على يد وكيلي بصلة وأغفلتك قاصداً لعتبي عليك في انقطاع مديحك عني ثمانية عشر شهراً قلت له لم أزرك إلى البحيرة إلا بكتابك فلو فعلت ذلك زرتك قال حديثنا في غير هذا ثم أتيت إليه بعد دخول القاهرة بقصيدة فقال أوقفني عليها قبل أن يسمعها غيري فإن كانت جيدة فقد أعددت لها جائزة جيدة قلت لا تسمعها إلا مني ثم أنشدته قول البحتري: [كامل]
اسمعه من قوالةٍ تزددْ به ... عجباً فحسنُ الورد في أغصانه
ثم أنشدته القصيدة فملأ يدي ذهباً ولم تلبث أيامهم أن زالت ولما عاد من دمنهور في نوبة طرخان تذاكرنا أحوال من تسمو نفسه إلى الوزارة فقال لي ما أخاف على ملكنا إلا من شاور لا غير وكانت دعابته كثيرة الودك لا يغسلها الاعتذار وكانت نفسه ملوكية الرئاسة تنمو وتسمو تهب الكثير وتحتقره
стр. 108
يحذو على مثال الصالح في ارتياض النفس بالمعارف ومحبة أهلها فما قلت فيه أشكره [بسيط]
يا سائلي عن فروض الجود أو سننهْ ... وعن مناقب من يمشي على سننهْ
إن المظفَّر عزّ الدين أكرمُ من ... عرفتُ في الزمن الماضي وفي زمنِهْ
وما مدحتُ أنا الماضي مجازفةً ... لكن شهدتُّ بما شاهجتُّ من مننِهْ
لم يستفد عاذلوه بالملام له ... فأطلقوا جودَه يمشي على رسنهْ
تفيض بالبذل عند العذل راحتُه ... كأنّ راحته تصغي إلى أذُنِهْ
وقت أشكره: [بسيط]
إني غنيتُ بعزّ الدين عن نفرٍ ... خطي المديح إليهم من خطاياهُ
أغرَّ تندى قوافي الشعر إن ذكرتْ ... أخلاقه الغُرُّ فيها أو عطاياهُ
فلو لمستَ القوافي أو أشرتَ إلى ... ألفاظها قطرتْ منها سجاياهُ
стр. 109
ولما ثار طرخان من الإسكندرية يطلب الوزارة ندبه الصالح وورداً غلام الصالح ليهجما عليه في البحيرة قبل أن يعدى إلى الغربية في غلمانهما فسارا من البحيرة صلوة العصر أو بعيدها وهما على طرخان بدمنهور في زقت صلوة العصر من اليوم الثاني فكسراه وهرب تحت الليل فقلت أمدحه وأذكر الحال من قصيدة أولها [كامل]
بهرت مناقب مجدك الأوهاما ... واستبعدت حسناتك الأفهاما
ونصرت ألوية الهدى بوقائعٍ ... أصبحت فيها يا حسامُ حساما
ألونْ بطرخانٍ بوادرك التي ... سبقت غليه الظنَّ والأوهاما
لولا الفرار وساتر من ظلمة ... قسماته منها أشد ظلاما
لجعلته للبيض أول مغنم ... وقسمته بشفارها أقساما
وخلقت من صمّ الصعاد لرأسه ... جسما يزيد على الجسوم تماماً
стр. 110
رام الوزارة خاطباً فأجبته ... بفوارس أسلته عما راما
قد كان هام بها فلما عقته ... عن وصلها ركبَ الفرار وهاما
ولقيته حين استدعاني إلى البحيرة بقصيدة أولها [كامل]
أنسيم عرفك أم شميم عرارِ ... وسقيم طرفك أم سفيحُ غرارِ
جادت محلك بالغميم غمامةٌ ... تخلى بوادر دمعي المدرارِ
لا تبعثي طيف الخيال مذكراً ... فهواك يغنيني عن التذكارِ
منها:
وإلى البحيرة لا إلى صوب الحيا ... طارت بنا العزمات كل مطارِ
لبيك من داعٍ أتيتُ ملبياً ... لما دعا والثغر فيه شعاري
وردتْ أوامره على فمذ اتا ني أمرهُ لم يستقرَّ قراري
فارقتُ في قصدي لبابك حضرةً ... شرفتْ بها مصر على الأمصارِ
متيقنا أني بقصدك لم أغب ... عنها ولا عن مجلس السمارِ
لك من بني رزيك بيتٌ خلقتْ ... أقداره بقوادم الأقدارِ
следующие страницы →