← Адаб

Адаб · id 9248

النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية

عمارة اليمني

Полный текст (395 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إن أحسنت فلاجل إحسان سرت ... آمالها في ضوءه المتألّقِ لولا ندى ماء السماحة ماغدا ... ماء الفصاحة مهرقاً في مهرقِ فكتب لي على يدي كتاباً فلمّا عله صاحبُ عدن اسقط عنّي الآلاف الثلاثة وأبرأني منها فكتبتُ إلى الملك الصالح من عدن إلى مصر أشكره على ذلك قصيدة أولها. [طويل] لياليّ بالفسطاط من شاطئي مصرِ ... سقى عهدك الماضي عهاداً من القطرِ منها في شكر الصالح ومدحه لقد غمرتني من نداه مواهبٌ ... أضافت إلى عزّ الغنى شرفَ القدرِ قصدتُ الجناب الصالحي تفاؤلاً ... وقد فسدت حالي فأصلحني دهري

стр. 37

ولم يرض لي معروفه دون جاهه ... فسيّر كتباً كالكتائب في أمري كأن يدي في جانبي عدنِ بها ... تهزّ على الأيام ألوية النصرِ وما فارقتني نعمةٌ صالحيّة ... كأني من مصرٍ رحلتُ إلى مصرِ فلما وصلت إليه هذه القصيدة قال قد فرّطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا وقد كان الواجب للخدمة والصحبة وأعود إلى تأريخ انفصالي عنه سنة خمسين ثم سافرت من مصر في شوّال سنة خمسين وأدركت الحجّ والزيارة في بقيّة سنة خمسين وورد أمر الخليفة ببغداد وهو المقتفي إلى أمير الحرمين قاسم بن هاشم يأمره أن يركب على باب الكعبة المكرّمة الشريفة باب ساج جديد قد ألبس جميع خشبه فضّةً وطلي بذهب وأن يأخذ أمير الحرمين حلية الباب القديم لنفسه وأن يسير إليه خشب الباب القديم مجردّاً ليجعله تابوتاً يدفن فيه عند موته فلمّا قدمت من الزيارة سألني أمير الحرمين أن أبيع له الفضّة التي أخذها من على الباب في اليمن ومبلغ وزنها خمسة عشر ألف درهم فتوجهت إلى زبيد وعدن من مكّة حرسها الله تعالى في صفر سنة إحدى وخمسين وحججتُ في الموسم منها فدفعت لأمير الحرمين ماله وهممت بالرجوع إلى اليمن فالزمني

стр. 38

أمير الحرمين بالترسل عنه إلى الملك الصالح بسبب جناية جناها خدمه علي حاج مصر والشأم وهو مال أخذ منهم بمكة فخرج الأمر من عند الصالح إلى الوالي بقّوص أن يعوقني بقوص ولا يأذن لي في الرجوع ولا في القدوم إلى باب السلطان حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من مال التجار وقيل ذلك ما نقل إلى الصالح عني أني طعنت في مذهب الإمامية وكان المتشدد في ذلك صهره الأمير سيف الدين حسين بن أبي الهيجان ثم أذن لي الصالح في القدوم إلى الباب فكتبت إليه من مصر. [طويل] . ولي تحت دار الملك يومان لم تلح ... لعيني علامات الكرامة والبشرِ وقد أخذت أيام قوصَ نصيبها ... فهل نقلتْ تلك السجايا إلى مصرِ فخرج أمره بإنزالي وإكرامي وأيصالي إليه فأنشدتّه عند السلام عليه قصيدة أصف فيها وقعة العريش مع الإفرنج وأشرت فيها إلى البراءة مما نسب إلى من القول في مذهبه منها. [كامل]

стр. 39

فأعلمْ وأنت بما أريدُ مقاله ... منّى ومن كل البرية أعلمُ إني حُسدت على كرامتك التي ... من أجلها في كل ارض أكرمُ وبدون ما أسديته من نعمة ... سدَّىً الرجالُ الحاسدون وألحموا إن كان ما قالوا وليس بكائن ... فأنا امرؤ ممن سعى بي آلامُ عذرٌ كما اختار الحسود وموقفٌ ... ألزمتُ نفسي فيه ما لا يلزمُ كذبٌ وحقك لو حلمتُ بذكره ... أقسمتُ أني بعده لا أحلمُ راجعْ جميلَ الرأي في بنظرة ... تُضحى عواطفها تسحُّ وتسجمُ فالليلُ إن أقبلتَ صبحٌ مسفرٌ ... والصجُ إن أعرضتَ ليلٌ مظلمُ بدأتْ صنائعُك الجميلُ ومثلُها ... بأجلَّ من تلك البداية تختمُ فزال ما كان عنده وعاد إلى أفضل عوائده وأمر لي بمائة دينار وخرج أمره إلى الأمير عز الدين حسام باستخراج ما تأخر لي من رسوم الضيافة من بيت المال ففعل وأمني بملازمة الخدمة في المجالسة والمواكلة والمدح له وتأكدت الحرمة وتضاعفت المزية والاختصاص وكانت تجرى بحضرته مسائل ومذاكرات

стр. 40

ويأمرني بالخوض مع الجماعة فيها وأنا بمعزل عن ذلك أنطق بحرف واحد حتى جرى من بعض الأمراء الحاضرين في مجلس السمر من ذكر السلف ما اعتمدت عند ذكره وسماعه قول الله فلا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ونهضت فخرجت فادركوني وانقطعت في منزلي أياماً ثلاثة ورسوله في كل يوم والطبيب معه ثم ركبت بت النهار فوجدته في البستان المعروف بالمختص في خلوة من الجلساء فاستوحش من غيبتي وقال خيراً فقلت إني لم يكن بس وجع وإنما كرهت ما جرى في حق السلف وأنا حاضر فإن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت وإلا فلا وكان لي في الأرض سعة وفي الملوك كثرة فعجب من هذا وقال سألتك بالله ما الذي تعتقده في أبي بكر وعمر قلت اعتقد أنه لولا هما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم وأنه ما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه ثم قرأت قول الله

стр. 41

تعالى ومن يرغب عن ملذة ابراهيم إلا من سغنه نفسه فضحك وكان مرتاضاً حصيفاً قد لقى في ولاياته فقهاء السنّة وسمع كلامهم ومما يلتحق بهذا الفصل أني لم أشعر في بعض الأيام حتى جاءتني منه رقعة فيها أبيات بخطّه ومعها ثلاثة أكياس ذهباً والأبيات قوله. [كامل] قل للفقيه عمارةٍ يا خير من ... أضحى يؤلف خطبةً وخطابَا أقبلْ نصيحةَ من دعاك إلى الهدىْ ... قل حطةُ زادخلْ إلينا البابا تلقَ الأئمة شافعين ولا تجد ... إلا لدينا سنة وكتابَا وعلى أن يعلو محلك في الورى ... وإذا شفعتَ إلى كنتَ مجابَا وتعجلَّ الآلاف وهي ثلاثة ... صلةٌ وحقِكَ لا تُعدُ ثوابَا فأجبته مع رسوله بهذه الأبيات [كامل] حاشاك من هذا الخطاب خطاباً ... يا خير أملاك الزمان نصاباً

стр. 42

لكن إذا ما أفسدت علماؤكم ... معمور معتقدي وصار خراباً ودعوتم فكري إلى أقوالكم ... من بعد ذاك أطاعكم وأجابا فأشدد يديك على صفا محبّتي ... وأمنن على وسدّ هذا البابا وهذه نكت من مواقع استحسانه لجيد الشعر نافق بهرام الغزي أحد غلمانه وتوجّه يد الصعيدي فأدركه العسكر فقتل أخوه وجماعة من الغزّ ودخل بهرام أسيراً على جمل ومن معه من الغزّ وخليهم قلائع مجنوبه تحت الجمال وكان الصالح يكرر استحسانه بيت قلته من قصيدة ثابتة في الديوان وهو قولي. [بسيط] تسموا إبلاً تتلو قلائعهم ... ياعزة السرج ذرقى ذلّة القتيبِ وكان يستحسن قولي في طرخان سليطٍ حين صلب

стр. 43

[وافر] وأتى دليل الحق أقوالهم ... ودعوت فكري عند ذاك أجابا أراد عل منزلة وقدر ... فأصبح فوق جذع وهو عالِ ومدّ على صليب الجذه منه ... يميناً لا تطول على الشمالِ ونكّس رأسه لعتاب قلبٍ ... دعاه إلى الغواية والضلالِ ويستحسن [طويل] ولو لم يكن أدرى بما جهل الورى ... من الفضل لم تنفق عليه الفضائلُ لئن كان منّا قاب قوسٍ فبيننا ... فراسخ من إجلاله ومراحلُ ومن هذا النمط [وافر] أزال حجابه عني وعيني ... تراه من الجلالة في حجابِ وقربني تفضّله ولكن ... بعدتُ مهابةً عند اقترابي وهو شيء كثير في الديوان ولم تكن مجالس أنسه تنقطع

стр. 44

إلا بالمذاكرة في انواع من العلوم الشرعية والادبية وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته وكانت أحواله طوراً له وتارة عليه فمّما هو عليه فرط العصبية في المذهب ولو شرحت هذه الواحدة لكثرت وطالت واتسعت وعالت ومنها جمع المال واحتجانه وهذه هي غرامه وأشجانه ومنها الميل على جانب الجند وأضعافهم والقصّ من أطرافهم وأما التي له فكانت مرتاضاً قد شمّ أطراف المعارك وتميز على أجلاف الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجرّدة وكان شاعراً محب الأدب وأهله ويكرم جليسه ويبسط أنيسه. وكان كرمه أقرب إلى الجزيل من الهزيل، ودخلت إليه ليلة السادس عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مائة قبل أن يموت بثلاث ليال بعد قيامه من السماط ولم أكن رأيته من أول الشهر بليل فأمر لي بذهب وقال لا تبرح ودخل ثم خرج إلى وفى يده قرطاس قد كتب

стр. 45

فيه بيتين من شعره عملهما في تلك الساعة وهما: [خفيف] نحن في غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنامُ قد رحلنا إلى الحِمام سنيناً ... ليت شعري متى يكون الحِمامُ ثم قال لي تأملهما وأصلحهما إن كان فيهما شيء قلت هما صالحان وكان آخر عهدي به لأنه مات بعد هذا بثلاثة أيام. ومن عجيب الاتفاق أني أنشدت ابنه مجد الإسلام في دار سعيد السعداء ليلة السادس عشر من شهر رمضان أو السابع عشر قصيدة أقول فيها: [طويل] أبوك الذي سطو الليالي بحده ... وأنت يمينٌ إن سطا وشمالٌ لرتبته العظمى وإن طال عُمره ... إليك مصيرٌ واجبٌ ومآلُ تخالَك اللحظُ المصون ودونها ... حجاب شريف لا انقضى وحجالُ فانتقل المُلك بعد ثلاث ليال إليه ومما رثيته به وإن

стр. 46

كان كثيراً قولي: [طويل] أفي أهل ذا النادي عليمٌ أسائلهُ ... فإني لما بي ذاهبُ اللب ذاهلُهْ سمعتُ حديثاً أحسدُ الصُّمَّ عنده ... ويذهل واعيه ويخرس قائلُهْ فقد رابني من شاهد الحال أنني ... أرى الدست منصوباً وما فيه كافلُهْ وإني أرى فوق الوجوه كآبةً ... تدل على أن الوجوه ثواكله دعوني فما هذا بوقت بكائه ... سيأتيكم ظلُّ البكاء ووابله ولِمْ لا نبكيه ونندب فقده ... وأولادنا أيتامه وأرملُهْ فيا ليت شعري بعد حسن فعاله ... وقد غاب عنّا ما بنا الدهرُ فاعلُهْ أيُكرَم مثوى ضيفكم وغريبكم ... فيسكن أو تطوى ببينٍ مراحلُهْ وقلت فيه من قصيدة: [طويل]

стр. 47

تنكد بعد الصالح الدهر فاغتدتْ ... مجالسُ أيتامى وهنّ غُيوبُ أيُجدِب خدّي من ربيع مدامعي ... وربعي من نُعمَي يديه خصيبُ وهل عنده أن الدخيل من الجوى ... مقيمٌ بقلبي ما أقام عَسيبُ وإن برقتْ سِنّي لذكر حكايةٍ ... فإنّ فؤادي ما حييتُ كئيبُ ورثيته بقصيدة أولها: [خفيف] طمَعُ المرء في الحياة غُرورُ ... وطويلُ الآمال فيها قصيرُ ولكم قدّر الفتى فأتته ... نُوَبٌ لم يُحِطْ بها التقديرُ منها: فَضَّ ختمَ الحياة عنك حِمامٌ ... لا يراعى أذناً ولا يستشيرُ ما تَخَطَّى إلى جلالك إلا ... قدرٌ أَمرُه علينا قديرُ بذّرتْ عمرَك الليالي سَفاهاً=فسيعَلمنَ ما جنى التبذيرُ

стр. 48

يا أمير الجيوش هل لك علمٌ ... أن حَرَ الأسى علينا أميرُ إن قبراً حللتَهُ لغنىٌ ... إنّ دهراً فارقتَه لفقيرُ وبعيدٌ عنك السُّلُوُّ بشيء ... ولك الفكرُ موطنٌ والضميرُ منها في صفة ابنه: لا يقولنّ جاهلٌ بالقوافي ... ذهب الناقدُ السميع البصيرُ فالمرَّجى أبو شُجاعٍ عليمٌ ... بمقادير هلهنّ خبيرُ كنتُ أخشى بأن يقول المنادى ... أيُّها الضيف جفَّ عنك الغديرُ فابتداني بفضله قائلاً لي ... لك في ظلّيَ المحلُ الأثيرُ ثم أسدى اليدَ التي كل خِلٍّ ... حاسدٌ لي من أجلها وغيورُ ملكَ القلب واللسان فهذا ... مضمِرٌ حبَّه وهذا شكورُ أخبار الملك الناصر بن الملك الصالح فأما أخبار الملك

стр. 49

الناصر العادل رزيك بن الصالح فإن الله لم يمهله إلا مديدةٌ يسيرة وكانت أفعال الخير فيها كثيرة وذلك أنه سامح الناس بالبواقي والحسبانات القديمة، وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين وسيّر على يد الأمير شمس الخلافة إما خمسة عشر الفا أو دونها إلى أمير الحرمين عيسى بن أبي هاشم برسم إطلاق الحاج وظفر بقتلة أبيه ظفراً عجيباً بعد تشتيتهم في البلاد وكان زفاف أخته إلى الخليفة العاضد في وزارته ونُقل تابوت أبيه من القاهرة إلى مشهد بني له في القرافة كل ذلك في وزارته وحفر سرداباً تحت الأرض يوصل فيه من دار الوزارة إلى دار سعيد السعداء ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها بل هي الحسنة التي لا توازي، واليد البيضاء التي لا تجازى، خروج أمره إلى وإلى الإسكندرية بتسيير القاضي الأجلّ الفاضل أبي على عبد الرحيم بن علي البيساني إلى الباب واستخدامه

стр. 50

بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش فإنه غرس منه للدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النما، أصلها ثابت وفرعها في السما، تؤتى أكلها كل حينٍ بإذن ربها وحمل إلى الخليفة في زفاف أخته بيوت مال أقلها قناطير الذهب وترامت في أيامه الحال بالأمير عز الدين حسام قريبه وعظم صيته واستولى على تدبير كثير من أموره عمه فارس المسلمين وصهره سيف الدين وعظم غلمان أبيه عن الوقوف عند أوامره وفي أيامه قُتل الخارجي ابن نزار وقُتل أيضاً في أيامه المعظم بن قوام الدولة فإما فراسته فكان فارساً يُطلق بعدة من القنطاريات ولم يُشهر له من البأس إلا خروجه بعد عمه وسيف الدين في نوبة غارة الإفرنج على أعمال الحوف فإنه أغذَّ السير خلف الإفرنج إلى أبي عروق

стр. 51

وعاد ففرق في الجيش على بلبيس مالاً كثيراً وحمل وخلع على أعيان والموقف الثاني إدراكه لبهرام الغزى حين نافق طالباً للصعيد فإنه سرى فيمن خفَّ معه من الجيش حتى أدرك الغز عند الفجر فقتلهم وأسرهم وأما كرمه فلم يكن ببخيل وأبوه أكرم منه وأما فهمه فكان يعرف جيد الشعر ويستحسنه ويثيب عليه وما من هذه القضايا قضيةٌ إلا وهي مقيدة بأشعار لي ولغيري فمما قلت في غارته إلى أبي عروق في لتماس الإفرنج حين أغاروا على الحوف من قصيدة. [بسيط] أنت الذي يَعقد الإسلامُ خنْصَرَه ... عليه إن جلّ خَطْبٌ أو طرا وَطَرُ متوَّج تشرِق الدنيا بطَلْعته ... وتَخجل الشمسُ مهما لاح والقمَرُ كأن أخلاقه من حُسْنِ خِلْقته ... صيغت فقد راقت الأفعال والصُّوَرُ إذا أقامت على ثغرِ صوارمُه ... فللنوائب عن سُكّانه سَفَرُ

стр. 52

أغرتَ قبل أبي الغارات مقتحماً ... للهول تستصغر الجُلَّى وتَحتقِرُ فكان شمساً وكنتَ الفجرَ يقدمُها ... والفجرُ في الجو قبل الشمس ينتشرُ منها: وحين أبليتَ عذراً في اللحاق بهم ... والنصرُ يُقسم لا فاتوه والظفرُ وقال عزمُك لما أن ألحّ ولم ... يَلُح له منهم عينٌ ولا أثرُ إن ينجح منها أبو نصرٍ فعن قَدَرٍ ... نجا وكم قُدرةٍ قد عاقها القدرُ وعُدتَّ نحو مقرّ العزّ في عُصَب ... يَفْنَى بها الأكثران الرمْلُ والمطرُ

стр. 53

وبالصوارم في أجفانها أسفٌ ... تكاد من حرّه الأجفانُ تستعِرُ أيقنت منذ أرحتَ المُلْكَ من تَعَبٍ ... أن سوف يتعبُ في أوصافكَ الفِكرُ وخلع على ثياباً وأمر لي بغلّة وذهب فقلت أشكره من قصيدة: [كامل] من شاكرٌ عنّى نداه فإنني ... عن شكرِ ما أولاه ضاقَ نطاقي مننٌ تخفَ عليه إلا أنها ... ثقلت مؤونتُها على الأعناقِ وكان ينقم على قولي في عمه بدر الدين رزيك: [بسيط] يا ثانياً لأبي الغارات في شرف ... أمسى به ثامناً للسبعة الشُّهُبِ أنت الرديف له في رتبة سحبتْ ... أذيالها بكما عُجْبا على السُّحُبِ فاسترضيتُه بقصيدة منها: [كامل]

стр. 54

مولاي دعوةُ خادم ... أهملته بعد احتفالِكْ إن كان عن سبب فلا ... يذهبْ بحلمك واحتمالِك أو كان عن مَلَلٍ فما ... يَخشى وليُّك من ملالِكْ إن خفتُ دهري بعد ما ... أعلقتُ حبلى في حبالِكْ ومدحتُك المِدحَ التي ... عبّرتُ فيها عن فعالِكْ فالجوُّ مسدودُ الهوى ... والأرضُ ضيقة المسالِكْ ومما ذكرته في نوبة بهرْام الغُزّىّ قصيدة منها: [بسيط] لما تمردّ بهرامٌ وأُسرتُه ... بغياً وراموا قراعَ النبعْ بالغَرَب ظنوا الشجاعةَ تُنجيهم فقارعهم ... أبو شُجاعٍ قريمُ المجد والحَسَبِ أسرى إليهم ولو أسرى إلى الفلك الأ ... علىلخافت قلوبُ الأنجُم الشُّهُبِ في ليلة قدحتْ زُرقُ النّضال بها ... ناراً تُشبّ بأطرافْ القنا الأَشِبِ سما إليهم سُمُوَّ البدر تَصحبه ... كواكبٌ من سحاب النقع في حُجُبِ

стр. 55

المشرِعون من المُران أرشيةٌ ... نابت قلوبُ أعاديها عن القلبِ والطاعنون الأعادي كل مزبدة ... كأنها كأسُ خمرٍ حاشَ بالحبَبِ تَرْوى الرماحُ الطوامي من مجاجتها ... فتنشنى وعليها نشوةُ الطَّرَبِ كأنَ لمع المواضى في أكفهمْ ... صواعقٌ في الوغى تنقض من سُحُبِ وقلت من قصيدة طويلة اذكر فيها مصاهرة الخليفة له: [طويل] خليليَّ قولاً للأجلّ نيابة ... فقد منعتني هيبةٌ وجلالُ أخالك لا ترضى الكواكبُ مغْشَرا ... وأنت لابناء الخلافة خالُ ستفخر غسانُ بكم ويزيدها ... عُلى أن آل المصطفى لك آلُ وقلت من قصيدة في ذكر بني رُزّبِك أُخاطب الخليفة واذكر الصهر: [كامل] ضموا بشملك شملهم فكأنكم ... من ألفةٍ ألفٌ تُضَمُّ ولام

стр. 56

وغدوتم كالخَمس في كف الهُدَى ... والدهرِ إلا أنك الإبهامُ رحلتْ من الكنف الذي مازال في ... أرجائه لبنى الرَّجاء زِحامُ كَنَفٌ يبيت العِلمُ في حُجراته ... يُتلى ويَخفق حوله الأعلامُ ولقيتها بكرامة من أجلها ... قعد الرجالُ الحاسدون وقامُوا وتبوأتْ من حسن رأيك منزلاً ... لم يَعْدُه كَرَمٌ ولا إكرامُ لم يُرضِك القصرُ الشريف وقد غدتْ ... شُرفاتُه بالنَّيرات تُقامُ فأحلها الإكرامَ خاطُرك الذي ... للوحي عنه رحلةٌ ومُقامُ تهنى أميرَ المؤمنين مسرةٌ ... //هنّاه عنها المُلكُ والإسلامُ لو لم يُسامح في الهناء عبيدَه ... لنهاهمُ الإجلالُ والإعظامُ ومن قصيدة في ذكر لظفر بالخارجي ابن نزار أخاطب الخليفة: [كامل] ولقد أعزَّ مرامَ بيعتك التي ... أضحى يناضل دونها ويرامي وكفاك أمرُ النائبات لعزمة ... خزمت أنوفَ عِداك بالإرغامِ

стр. 57

قُطعت رجاءُ الخارجي عليكم ... وصحابُها من سكرة الأحلامِ أذكى العيونَ على عدوك ضابطاً ... أنفاسه في يقظة ومنامِ حتى أتتك به السعادة راكباً ... متن الصباح وصهوة الإظلامِ ومما قلته في انعقاد الصهر بين الخليفة وبينه من قصيدة: [كامل] زُقت إلى حُرم الأمام عقيلةٌ ... عُقلت لها أيدي الثناء الشاردِ هي دُرّة لم يرضَ عالي قدرِها ... بحراً سوى كَنَفٌ الأمام العاضِد وقنيصةٌ لولا الخلافة لم تكن ... أبداً لتُغلق في حبال الصائد عربيةٌ الأنساب لكن لم تَقِدْ ... نيرانُها بالأَجرع المتقاوِدِ زارتك من خيس الضراغم لبوةٌ ... تُخمَى بأشبال الهِزَبْر اللابدِ لا يُسنَد المُران حول خِبائها ... إلا بجَنب مَراتبٍ ومَساندِ

стр. 58

صاهرتمُ من لا يزال رواقُها ال ... محروس قبْلة راكعٍ أو ساجدِ فُزتم بأبلجَ من سُلالةِ حَيْدَرِ ... وَرَثَ الإمامةَ راشداً عن راشدِ تَغدو قريش بالإضافة نجوَهم ... مثلَ الجداول في الخِضَم الراكدِ عن واحد وهو النبي تفرعوا ... وكذا الألوفُ تفرعتْ عن واحدِ عقدٌ غدا صلةً لغير قطيعة ... لكن كما اتصل الذراعُ بساعدِ لو كانت القصصُ الخوالي قبلنا ... مما يعود مع الزمان العائدِ خِلْنا شُعَيْبا والكليم تجسدتْ=لهما حقيقةُ غائب في شاهدِ وهي طويلة حصل لي على هذه القصيدة ثلاثُ صلات جزيلة من رزيك في إيوان القصر وقد ناب عن أبيه في الحضور مائةُ دينار على يد الأمير ابن شمس الخلافة وخرج عز الدين حسام من القصر إلى الصالح قبل كل أحد فقال له أنشد فلانٌ اليوم قصيدة من صفتها ومن شأنها فاستدعاني الصالح من ساعته إلى قاعة البحر من دار الوزارة فاستعادها ثم وصلني

стр. 59

بصلة جزيلة أُسيتُ مبلغَها ثم حضرنا للمجالسة تلك الليلة فأمر الصالح أهلَ الأدب من جلسائه أن يُنشده كلُّ واحد منهم ما عمله في القضية فأنشدوه وأمرني بالنشيد لها ففعلت ثم وصل الجماعة بمال وأجزل نصيبي أيضاً في تلك الليلة وأبنني بخير وعملتُ في نقله تابوتَ الصالح إلى القرافة قصيدة فيها ذكر المشهد والظفر بقاتليه وهي طويلة منها في التابوت. [كامل] خربتْ ربوعُ المكْرَمات لراحل ... عُمرتْ به الأجداثُ وهي قِفارُ نعشُ الجدود العاثراتِ مشيِّع ... عَميتْ برؤية نعشه الأبصارُ نعشٌ تودُّ بناتُ نعش لو غدت ... ونظامُها أَسَفاً عليه نِثارُ شخص الأنامُ إليه تحت جنازة ... خُفضتْ برفعة قدرها الأقدارُ

стр. 60

ومنها: وكأنها تابوتُ موسى أودعتْ ... في جانبيه سكينةٌ ووقارُ أوطنتَه دارَ الوزارة ريْثَ ما ... بُنيت لنُقْلته الكريمةِ دارُ وتغايَرَ الهَرمان والحَرمان في ... تابوته وعلى الكريم يُغارُ آثرتَ مصراً منه بالشرف الذي ... حسدتْ قَرافتَها له الأمصارُ غضب الإله على رجال أقدموا ... جهلاً عليه وآخرين اشرُوا لا تعجبْنْ لقُدارَ ناقةَ صالحٍ ... فلكل عصر صالحٌ وقُدارُ أُحلِلْتَ دارَ كرامةَ لا تنقضى ... أبداً وحلَّ بقاتليك بَوارُ وقع القصاصُ بهم وليسوا مُقْنِعاً ... يُرضى وأين من السماء غُبارُ ضاقت بهم سعةُ الفِجاج وربما ... نام الولي ولا ينام الثارُ

стр. 61

فتَهَنَّ بالأجر الجزيل وميتةٍ ... دَرَجتْ عليها قبلك الأخيارُ مات الوصىُّ بها وحمزةُ عمُّه ... وابنُ البَتول وجعفرُ الطيارُ وقلت قصيدة طويلة في ذكر ما حمله إلى أمير الحرمين عن حاج أهل المغرب ومصر. [طويل] ويسرتَ قصد البيت من بعد عُسره ... فضاقت بحارٌ بالورى وسُهوبُ فللفُلك في طامي العُباب تحدُّرُ ... وللعيس في بحر السراب رُسوبُ بذلتَ عن الوفد الحجيج تبرُّعاً ... مواهبَ لم يسمح بهنّ وهُوبُ وحُطَّتْ بها عن ذمة ابن فلُيْتةٍ ... وذمةِ أهل الأبْطَحَيْنِ ذنوبُ وابيتَها وقفاً على البر خالصاً ... وفي بر قوم خالصٌ ومشوبُ إذا جفَّ عودُ الزرع فهي مريعةٌ ... وإن جفَّ درُّ الضرع فهي حَلوب وقلت قصيدة طويلة هي في ديوان مدائحه اذكرُ فيها الظفر

стр. 62

بالخارجي الذي سيره عز الدين وكان يدعى الخلافة ويزعم الناس أنه من ولد نزار. [طويل] وفي لك خدُّ الجد والسيفُ غادرُ ... وأنهضك التأييدُ والدهرُ عاثِرُ وأغنتك عن سلّ المواضى سعادةٌ ... تدور بهابها فيمن عصاك الدوائرُ ليهنِك فتحٌ أنجبتْ لك أمة ... وأمُ العُلَى بالنصر والفتح عاقِرُ نصبتَ له فوق التُّراب وتحته ... حبائلَ كيدٍ ما لهنّ مرائرُ ومازال مرعيا من الصبح والدُّجى ... بعينِ رقيبٍ طرفُها لك ساهرُ فكان ورودُ النيل أقصى أمانة ... فحلَّ به من أمنه ما يُحاذرُ ثم دخلت قاعة السِّر من دار الوزارة وفيها طي بن شاوَرَ وضِرغامٌ وجماعة من الأمراء مثل عز الزمان ومُرتفع الظهير ورأسُ رزيك بن الصالح بين أيديهم في طَسْت فما هو غلا أن لمحتْه عيني ورددتُّ كمي على وجهي ورجعت على عقبي وما

стр. 63

ملأتُ عيني من صورة الرأس وما من هؤلاء الجماعة الذين كان الرأس بين أيديهم إلا من مات قتيلا وقُطعت رأسه عن جسده فأمر طيٌّ من ردني فقلتُ والله ما أدخل حتى تغيب الرأس عن عيني فرفع الطستُ وقال لي ضرغام لم رجعت قلت بالأمس وهو سلطان الوقت الذي نتقلب في نعمته قال لو ظفر رزيك بأمير الجيوش أو بنا ما أبقى علينا قلت لا خير في شيء يؤول الأمر بصاحبه من الدست إلى الطست ثم رجت وقلت: [كامل] أعزِز على أبا شُجاعٍ أن أرى ... ذاك الجبين مضرَّجاً بدمائهِ ما قلّبته سوى رجال قلّبوا ... أيديهم من قبلُ في نعمائهِ أيام أمير الجيوش شاورَ الأولى لما وصل شاورُ إلى الغربية وعدَّى من البحيرة أسرى ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء كاخوته مُلهم وهُمام وحُسام ويحيى بن الخياط وبني الحاجب من عسكر بني رزيك فلمّا اجتمعوا بشاور أسقط ما في أيدي

стр. 64

العسكر الباقي مع بني رزيك ولم يلبث الأمر إلا ريث ما عدّى شاور حتى زالت دولة بني رزيك وإنما زالت دولة مصر بزوالهم ولما جلس شاور في دار الذهب على شط الخليج انثالت عليه وعلى ولديه طي والكامل أموال بني ريك وودائعهم من عند الناس حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده وافترقت أمراء البرقية فضرغام ومن معه حزبٌ والظهير مرتفع وعين الزمان وابن الزبد ومن معهم حزبٌ فأما ضرغام فكان أظهر الحزبين لأنه نائب الباب ولأنه من نفسه وأخوته وأصهاره في جيش عظيم وما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور فكاثروه ولازموه إلى أن ما كان من خروج شاور إلى الشأم وقتل ولده طي ووزارة ضرغام فأما أخلاق شاور في الوزارة الأولى فكانت مستورة باستمرار السلامة والطاعة والاستقامة ولم يكن فيها أقبح من قتل الناصر بن الصالح فإنها سودت ما أبيض من عالي قدره، وأعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره،

стр. 65

وما من هذه الأحوال وغيرها إلا ما وسمته بشيء من النظم وأنا مورد منه ما يكون شاهداً لما ذكرته لما جلس شاور في دار الذهب قام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك وضرغام نائب الباب يحيى بن الخياط أسفهسلار العساكر وكانت بيني وبين شاور أنسة تامة مستحكمة فأنشدته قصيدة في اليوم الثاني من جلوسه والجمع حافل أولها. [بسيط] صحّت بدولتك الأيام من سقمِ ... وزال ما يشتكيه الدهر من ألمِ زالت ليالي بني رزيك وانصرمتْ ... والحمدُ والذمُّ فيها غيرُ منصرمِ كأن صالحهم يوماً وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم هم حركوها عليهم وهي ساكنة ... والسلمُ قد تُنبت الأوراقَ في السلم كنا نظن وبعض لظن مأثمة ... بأن ذلك جمٌ غيرُ منهزمِ فمذ وقعت وقوعَ النسر خانهمُ ... من كان مجتمعاً من ذلك الرحمِ

стр. 66

كان ضرغام ينقم على هذا البيت ويقول أنا عندك من الرَّخم. ولم يكونوا عدوُّا ذلَّ جانبه ... وإنما عرقوا في سيلك العرِم وما قصدتُّ بتغطيتي سواك سوى ... تعظيم شأنك فأعذرني ولا تلمِ ولو شكرتُ لياليهم حافظة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدمِ ولو فتحت فمي يوماً بذمتهم ... لم ضرَ فضلك إلا أن يسد فمي والله يأمر بالإحسان عارفة ... منه وينهي عن الفحشاء في الكلم فشكرني شاور وأبناه في الوفاء بنى رزيك ولما انتقل شاور إلى دار سعيد السعداء أنشدته قصيدة هي ثابتة في الديوان منها في حق بني رزيك قبل أن يقتل الناصر ابن الصالح. [طويل]

стр. 67

وعلمتنا صون للسان بسيرةٍ ... رايناك في حقن الدماء تسيرها أفضت على غربي حسامك ظهرها ... ففاض على غربي لساني ظهورُها وحاشاك أن ترضى بذم خوادر ... بصارمك الماضي تُصان خدورها وما الوزراء الغرُّ إلا سوابقٌ ... مضى أولٌ منها ووافى أخيرُها وإن حُقق التشبيه فيكم فإنما ... طلعتم شموساً حين غابت بدورها سحائبُ إن لم أروَ منها فإنني ... أرى الغدر عندي أن يذَمَّ غديرها ومن كتم الحُسنى فإني مذيعها ... ون كفر النُّعمى فإني شكورها وعندي شكر المحسنين محاسنٌ ... تقدُّ على قد الأيادي سيورُها أتاكم بها من رقةٍ وجزالة ... فرزَْدقُها في عصركم وجريرها أنا العربي المحضُ شعراً ومعشراً ... إذا شانَ قوماً شعرُها أو عشيرُها فلا تسمعوا مدحاً سوى ما أقوله ... فما يستوي حولُ العيون وحورُها

стр. 68

أرى سير الأملاك تفنى وإنما ... يكون بمثلى بعثُها ونشورُها إذا دثرتْ أحسابُ قوم فإنما ... بصيقلِ هذا القول يُجلَى دثورُها وإن القوافي تُنسى إناثها ... ويختص بالذكر الجميل ذكورها ومدحت الكامل في الوزارة الأولى بقصيدة منها فيما يخص بني رزيك: [طويل] سلبتم بني رزيك بيضة عزهم ... وكانت قديماً لا تُراعُ بسالبِ تجاذبتمُ حبلَ المعالي فكنتم ... على ترعها أقوى يدا في المُجاذبِ ولم يذهبوا من أجل ضعف وإنما ... رُمُوا بشهاب من يد الله ثاقبِ فإما كرم شاور فكان إليه المنتهى لم يكن يمسك شيئاً ولا يكنزه وأما الحماسة وشدة البأس فهو في مواطن الموت شديد الثبات، سديد الوثبات، وما أصدق ما قلت فيه من قصيدة أهنئه بفتح بلبيس بعد الحصار. [كامل]

стр. 69

حِمى الوطيس فخاضه بعزائمٍ ... علَّمن حسن الصبر من لم يصبر ضجرَ الحديدُ من الحديد وشاورٌ ... في نصر آل محمد لم يضجرِ حلفَ الزمان ليأتينَ بمثله ... حنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ وسمعت سيف الدين حُسيَنْا صهر الملك الصالح وقد جاء إلى فارس المسلمين بدر بن رزيك عند خروجه في العسكر إلى تروجة منع شاور عن الوصول من واحاتٍ إلى البحيرة يقول له انظر كيف يكون فإن طرخان لما ثار من إسكندرية يطلب الوزارة وسرتُ أنا وأنت في العسكر وامتنع الناس عن التعدية كان شاور أول من عدى ثم وثب على فرسه بلا سرج وهو بقول: [رجز] لاخيرَ في الشيخ إذا لم يجهلِ وزارة ضرغام وهو الملك المنصور وكانت مدة وزارته حمل الجنين تسعة أشهر سواء وضرغام أشهر محاسنا من أن يوصف كان فارس عصره، وفي الكتابة وكمال الصورة وجمال المحاضرة

стр. 70

وحيد دهره، وكان عاقل الكرم لا يضعه إلا في سمعة ترفعه، أو مداراة تنفعه، وكان أذناً مستحيلاً على أصحابه وإذا ظن بإنسان شراً جعل الظن بقينا وبعد زوال ما سبق إلى خاطره وبُلى من أخيه فارس المسلمين همام بقذى الناظر، وشجا الحناجر، وفي أيامه ذهبت أمراء البرقية قتلا بسيفه صبراً وهم صبح بن شاهنشاه والظهير مرتفع وعين الزمان وعلي بن الزبد وأسد الغاوى وأقاربهم وكنت في أيامه خائفاً منه متعلقاً بصحبة أخيه ناصر المسلمين وأحضرني ليلة بساعٍ إلى قاعة البستان من دار الوزارة بعد شهرين من وزارته فوقه في خاطري منه توهم لم يزله إلا حسن الإيناس عند الحضور والاتيحاش من الغيبة وبسطني وناولني مما بين يديه بيده وأمر لي بذهب وقال أنتم عنوان الجمال من جالستموه يا أصحاب الصالح فقد تجمَّل فدعوت له وعملت فيه قصيدة أنشدته إياها في مقام الخليفة بقاعة الذهب منها في صفة

стр. 71

الدولة. [كامل] همَّ الزمانُ بها فمنذ كفلتها ... أضحى يوالي نصرها ويوالي وأجبتَ عاديةَ الفرنج بديهةً ... قبل الروية بارتحال رجالِ قدمت الفرنج الديار المصرية على زمان وزارته. أطفأت جمْرتَها بإخوتك الأولى ... يتسنّمون غواربَ الأهوالِ لم أدرِ والتشبيهُ يقصر عنهمُ ... أغيوثُ نُزلٍ أم ليوث نِزالِ طالت بأيديهم قِصارُ صوارمٍ ... باتت بها الأعمارُ غيرَ طوالِ وخلطتم أنصاركم بنفوسكم ... فالناسُ من مولى لكم وموالِ يا صاحبي وفي السؤال شفاء ما ... استخبرتُ عنه إن أجيبَ سؤالي هل للوزارة حاجة أو حجة ... ترجو تتمة نقصها بكمالِ

стр. 72

هذا الذي مازال طرفُكِ دائماً ... يرنو إليه في الزمان الخالي هذا الذي عضلوكِ عنه لتخرجي ... من عدةٍ حرُمتْ ومن إحلالِ ولحقُّ من وزر الخلافةَ من نشأ ... في حضرة الإعظام والإجلالِ واختص بالخلفاء وانكشفتْ له ... أسرارُها بقرائن الأحوالِ وتصرف الوزراءُ عن آرائه ... كتصرُّف الأسماء بالأفعال يا ابن الأئمة والثناء عليكم ... يختال بين مفصَّلِ وطُوالِ ما تخجل الدنيا وأنت إمامها ... ووزيرك الهادي أبو الأشبالِ وذكر لي المهذب ابن الزبير أنه متغير علي ومضمر شراً بسبب قولي في شاور وبني رزيك: [بسيط] فمذ وقعتَ وقوعَ النسر خانهمُ ... من كان مجتمعاً من ذلك الرخَمِ وبسبب ما كان بيني وبين الظَّهير مرتفع الثائر عليه من أكيد

стр. 73

الصحبة وذكر المهذب فيما حكى لي عنه أن ضرغاماً قال غلِط معي عمارة يوماً غلطة في شهر رمضان الذي قُتل فيه الصالح أنا أحفظها عليه وهي أني قلت له أخرج معي إلى الهدف الذي على باب البرقية فقال أنا أكرهُ أن أرى البرقية ومرتفع في الاعتقال ومذ قبض عليه الصالح لم أجز بالبرقية ولعمري لقد جرى مني هذا القول ولم أعلم ما تؤول إليه الحال ولا ما في نفس بعضهم من بعض ولما داخلني الخوف من ضرغام انقطعت إلى أخيه همام ولم يكن ذلك إلا في آخر مدته ولما جاء شاور من دمشق بالغزشغل عني وعن نفسه ولما جازوا برأسه على الخليج وكنت أسكن صفَّ الخليج بالقاهرة قلت ارتجالاً: [وافر] أرى حنكَ الوزارة صار سيفاً ... يجدُ يحده صيد الرقابِ كأنك رائدُ البلوى وإلا ... بشيرٌ بالمنية والمُصابِ

стр. 74

وزارة شاور الثانية وفيها تكشفت صفحاته، وأحرقت لفحاته، وأغرقت نفحاته، وغضه الدهر وعضه، وأوجعه الثكل وامضّه، وبان غمره وثماده، وجمره ورماده، ولم يجف من الأنكاد لبده، ولا صفا من الأقذاء ورده، وما هو إلا أن تسلمها بالراحة، وسلمت له الهموم عوضاً عن الراحة، وفي أول ليلة دخل القاهرة ارتحل أسد الدين طالباً بلبيس فأقام بها ثم عاد إلى القاهرة فكسر الناس يوم التاج وأسر أخوه صبح وأصيب على باب القنطرة بحجر كاد ن يموت به وتعقب ذلك تثقيل القتال على القاهرة حتى دخلت من الثغرة ثم تبع هذا مجيء الفرنج وعمل البرج وحصار بلبيس ثم تلا ذلك قيام يحيى بن الخياط طالباً للوزارة ثم تلا ذلك نفاق لواتة ومن ضامها من قيس وخروج أخيه نجم وابنه سليمن وجماعة من غلمانه لحربهم ثم خروج ابنه الكامل في بقية

стр. 75

العسكر وفي أثناء هذه المدة قبضه على الأثير بن جلب راغب وقتله وأسر معاني بن فريح ثم قتله واتصل إليه الخبر من قدوم أسد لدين إلى إطفيح بأم النوائب الكبر ووافق مجيء الغز قدوم الإفرنج ناصرين للدولة وتوجهوا من مصر في البر الشرقي تابعين للغز ثم لاحت الفرصة للإفرنج فعادوا إلى مصر وافترحوا من المال، ما تنقطع دونه الآمال، وخيموا على ساحل المقسم وأظهروا رجوعهم إلى الشأم فتجهز الكامل للمسير صحبة الإفرنج حدثني القاضي الأجل الفاضل عب الرحيم ابن علي البيساني قال أنا أذكر وقد خلونا في خيمة وليس معنا أحد إنما هو شاور وابنه الكامل وأخوه نجم فعزم الكامل على النهوض مع الفرنج وعزم نجم على التعزيب إلى سليم وما وراءها قال شاور لكني لا أبرح أقاتل بمن صفا معي حتى
следующие страницы →