← Язык

Язык · id 9250

إيضاح شواهد الإيضاح

أبو علي القيسي

Полный текст (856 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . قال الفقيه الأستاذ أبو علي حسن بن عبد الله القيسي المقرئ ﵀ . الحمد لله العظيم السلطان، القديم الإحسان، المتطول على الإنسان باللسان، ومميزة من سائر الحيوان بالبيان، أحمده على الإيمان، وأصلي على خير خلقه محمد نبيه المرسل بأوضح آية وبرهان، صلى الله عليه وآله وصحبه ما اختلف الملوان، وتعاقب الجديدان. أما بعد شرح الله صدرك، وأعلى قدرك فإنك سألتني أن أشرح لك شواهد كتاب الإيضاح، لأبي علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي

стр. 2

الفسوي، وأبين لك موضع الشاهد منها، وأكشف خفاء الإشكال عنها، إذ كانت من أنفع الشواهد وأعيد الفوائد، عناية منك بالأدب، وتهمماً بلسان العرب، فلم أزل منجذب الرأي إليه، عاكف الذكر عليه، متمنياً أن أجد له مهلاً، أصل فيه إلى ودادك، أو خللاً ارتقه بمرادك، ولم تزل للإجابة عن سؤالك متقاضياً، وعلى غير عذري متغاضياً، فلم يكن لأي بد من مشاورة الفكر، ومساورة الذكر، ومزاحمة الزمان، حتى وفيت لك بالضمان، فأوضحت الشاهد، وقيدت الشارد، ولخصت معانيه وشيدت مبانيه، وقربت تناول جملته، وتحصيل ثمر فائدته، ونسبت كل بيت إلى قائله، إن كان عندي معلوماً، وصيرت مشكل إعرابه مفهوماً، ووصلت البيت بما بعده، وذيلته بما تعلق به من حكاية نادرة، وأمثال سائرة، وذكرت ما فيه من لغة، ليكون كاملاً في معناه، فلا يحتاج الناظر فيه إلى سواه، ووسمته بكتاب "إيضاح شواهد الإيضاح"، ومن الله سبحانه أسأل العون والتوفيق، والهداية إلى سواء الطريق، إنه سميع الدعاء، فعال لما يشاء قريب مجيب. أنشد أبو علي في باب أحكام أواخر الأسماء المعربة: (١) ليثٌ هزبر مدلٌّ عندَ خيستهِ ... بالرّقمتينِ لهَ أجرٍ وأعراسُ

стр. 3

هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي واسمه خويلد بن خالد، وقيل: هو لمالك بن خويلد الخناعي ثم الهذلي. الشاهد فيه قوله "له أجر"، وذلك أن تقديره: "أجرو"، كأكلب، فلما كان اسماً آخره حرف علة، وقبله ضمة، كسر ما قبل الواو، فانقلبت ياء، فصار تقديره: أجري، الآخر ياء مكسور ما قبلها، فصار بمنزلة قاض وغاز، وهذا الباب استمر فيه القلب واطرد، نحو: حقو وأحق، ودلو وأدل، وعرقوة وعرق، وقلنسوة وقلنس، قال: لا مهل حتى تلحقي بعنس أهل الرياط البيض والقلنسي

стр. 4

قال أبو علي في "التذكرة" أبدلت الواو ياء، لوقوعها طرفاً مضموناً ما قبلها، فصار في التقدير "أجري"، فأبدل من ضمة العين كسرة، ثم أسكنت الياء، استثقالاً للضمة فيها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فابتداء في "كتاب الإيضاح" بتغير الحركة، لضعفها تغيراً عبطاً وارتجالاً، فلما صارت كسرة تطرق بذلك إلى قلب الواو تطرقاً صناعياً، وبدأ في كتابه "التذكرة" بقلب الواو ياء بغير آلة القلب من الكسرة قلبها، استكراها للحرف، تعجرفاً لا رفقاً وتلطفاً، والابتداء بالضمة أسهل منه بالحرف، لأن ابتذل الضعيف أقرب مأخذاً من انحائك على القوي، وإن كان كل واحد من المذهبين حسناً. ومثل ذلك في التغير "إوزة" أصل وضعها "إوزة" فهنا عملان: أحدهما: قلب واو ياء، لانكسار ما قبلها. والآخر: وجوب الإدغام، فإن قدرت أن الصنعة، وقعت في الأول من العملين، فإنك تبدل من الواو ياء، فتصير "إيززة" ثم تأخذ في حديث الإدغام، فتسكن الزاي الأولى، وتنقلا فتحتها إلى "الياء" قبلها، فلما تحركت الياء قويت بالحركة، فرجعت إلى أصلها، وهو "الواو"، ثم أدغمت الزاي الأولى في الثانية، فصارت "إوزة". فقد عرفت الآن أن "الواو" في "إوزة"، إنما بدل من "الياء" التي في "إيززة"، وتلك "الياء" بدل من واو "إوززة". فإن أخذت في التغير من آخر البناء، فنقلت حركة الزاي إلى الواو، ثم أدغمت فصارت "إوزة" فإن الواو فيها على هذا التقدير، هي الأصلية لم تبدل ياء.

стр. 5

وكان أبو علي الفارسي يذهب إلى أن تغيير هذا البناء من آخره، ويقول: "لو كان التغيير من أوله لصار "إيزة" ولم تنقلب واواً، لأنها لا تقوى بالحركة المنقولة، لأنها عارضة". وغيره جعل النقل لازماً، فقويت الياء عنده بالحركة فانقلبت واواً، وكذلك إذا بنيت من "أويت" مثل لقلت: "إياه" وأصلها "إأوية"، فإبدال الهمزة التي هي فاء واجب، وإبدال الياء التي هي لام واجب أيضاً، فإن بدأت بالعمل من الأول صرت إلى "إيوية" ثم "إيية" ثم إلى "إياه". وإن بدأت بالعمل من آخر البناء صرت إلى "إأواة" ثم إلى "إيواة" ثم إلى "إياه"، ففرقت العمل في هذا الوجه، ولم تواله كما واليته في الوجه الأول، لأنك لم تجد طريقاً إلى قلب الواو ياء، إلا بعد أن صارت الهمزة قبلها ياء، فلما صارت إلى "إيواة" أبدلت الواو ياء، فصارت "إياة". وإنما لم تقع هذه الواو المضموم ما قبلها في آخر الأسماء، لأن الاسم تلزمه الإضافة إلى "الياء"، فلما أضيفت هذه الأسماء إلى "الياء" لم تخل من أحد أمرين: إما أن تدغم أو تبين، فإن بينت وجمع بين المتجانسة وقعت واو مكسورة، أو واو ساكنة، بعد ضمة قبل ياء، وإن أدغمت قلبت الواو ياء، ولزمك أن تبدل من الضمة كسرة كما أبدلت في "مرضي"، فلما كان الأمر يؤول إلى هذا رفض. ألا ترى أن من قال: أخوك وأبوك، وأخوه وأبوه، حذف الواو في الإضافة إلى

стр. 6

نفسه فقال: أبي وأخي، كراهية الإدغام وما يحدثه من قلب الحرف، وتغيير الحركة، فإن قيل: فقد قال الشاعر: قدرٌ أحلّكَ ذا المجازِ وقدْ أرى ... وأبيَّ مالكَ ذو المجازِ بدارِ فأضاف "الأب" إلى نفسه، على حد ما تضيف إلى المخاطب والغائب. قلت: ذلك لا يصح لاحتماله؛ وذلك انه يجوز أن يكون جمع "أباً" على أبين ثم أضافه، لأنهم قد أجمعوا هذا الاسم جمع الصحيح قال: فلمَّا تتبينَّ أصواتنا ... بكينَ وفدَّيننا بالأبينا وأنشد محمد بن السري:

стр. 7

بمعتركِ الكماةِ مصرّعاتٍ ... يدفنَّ البعولةَ والأبينا ويحتمل قوله تعالى: "قالوا نعبد إلهك وإله أبيك". أن يكون على هذا، لأن العم يسمى أباً، وروي عنه ﷺ أنه قال في العباس ﵁: "ردوا علي أبي"، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها مضافة يراد بها الجمع، قال الشاعر: فمنْ يكُ سائلاً عنّي فإنّي ... بمكّةَ مولدي وبها ربيتُ وقدْ شئيتْ بها الآباءُ قبلي ... فما شئتْ أبيَّ ولا شئيتُ فإذا كان ذلك كذلك، فلا دلالة في البيت، ودل هذا على رفض استعمالهم ذلك على الحد الذي ذهب إليه. فإن قيل: فقد قالوا: مسلمي وعشري، فأضافوا والصورة صورة ما أنكرت إضافته، قيل: هذا في الجمع أسهل منه في الواحد، لأن الجمع في تقدير الرد إلى

стр. 8

الواحد، فكأن الواو والضمة ليستا بلازمتين، وليس كذلك الواحد، ألا ترى أنه ليس قبل الواحد شيء يرد إليه، كما أن الواحد قبل الجمع، فلما كان كذلك استجيز في الجمع، ولم يستجيز في الواحد. فإن قيل: فعلا استجيز ذلك في الاسم، كما استجيز في الفعل نحو: "سرو" و"يعزو" ويدعو. قيل: لم يجز هذا في الاسم، من حيث جاز في الفعل، ألا ترى أن الفعل لا يضاف، كما يضاف الاسم، فإذا لم يضف أمن فيه ما ذكرت في الاسم، وأيضاً فإن "الفعل" تختلف أبنيته تقول: يغزي، ويغزى ويغزيان، فتزول الواو، وليست الأسماء كذلك، لأنها لازمة مواضعها. لغة البيت الليث: من أسماء الأسد، مأخوذة في اللوثة، بفتح اللام، وهي القوة، ووزنه "فعل". وقد قيل: ليث، أليث، فعلى هذا لا يكون إلا "فعلاً"، وقيل: وزنه "فيل" على اللفظ، وأصله "ليوث" على وزن "فيعل" فلما اجتمعت الواو والياء على هذه الصورة، قبلت الواو ياء، فأدغمت فيها فصار "ليثاً"، ثم إن العين حذفت تخفيفاً، كحذفهم إياها من "هين" و"ميت" فصار "ليثاً". والهزبر: من أسمائه، وهو الشديد، والكلمة رباعية. والخيسة: الأجمة، وهي بيت الأسد، "فعلة" من خيسته إذا حبسته، والمخيس، السجن، ويحتمل أن يكون "فعلة" من الخيس الذي هو الغم، إذ الغم السترة، يقال: غم القمر النجوم، إذا بهرها، وليلة غماء، لا يرى فيها الهلال، فلما

стр. 9

كانت تستر الأسد وتغمه، لكثرة شجرها، والتفاف أغصانها، سميت "خيسة"، ويحتمل أن تكون "فعلة" من خاس الشيء خيساً، إذا تغير وأنتن، وذلك لكثرة صيده، وما يأتي به إلى أجريه، خاس موضعه الذي هو فيه، وتغير عن حاله. ويقال: خست الرجل "خيساً" إذا أعطيته في سلعته ثمناً، ثم أعطته دون ذلك الثمن. والخيس أيضاً: الخير، يقال: ماله! قل خيسه. وهي أيضاً العريسة والعريس، قال رؤبة: أغياله والأجم العريسا وصف به، كانه قال: والأجم الملتف، أو أبدله، لأنه اسم، وفي المثل: "كمبتغي الصيد في عريسه الأسد". وأما قول جرير: إنّي امرؤٌ منْ نزارٍ في أرومتهمْ ... مستحصدٌ أجمي فيهمْ وعريّسي فإنه عنى منبت أصله في قومه.

стр. 10

وهي أيضاً "الراءة" والصريمة، ولها أسماء غير هذه. والرقمتان: موضع بعينه، وقيل: هما موضعان، أحدهما بقرب المدينة، والآخر بالبادية، فثنى الواحد كما قال: تسالني برامتين سلجما يا مي لو سألت شيئاً أمما وإنما رامة، أرض واحدة معروفة، وقال جرير: بانَ الخليطُ برامتينِ فودعوا ... أو كلّما ظعنوا لبينٍ تجزعُ وقال الفرزدق: فيا ليتَ داري بالمدينةِ أصبحتْ ... بأجفارِ فلجٍ أو بسيفِ الكواظمِ يريد: الجفر وكاظمة، وقال الفرزدق: وإذا ذكرتُ اباكَ أوْ أيّامهُ ... أخزاكَ حيثُ تقبَّلُ الأحجارُ يريد: الحجر الأسود، فإنه جعل كل ناحية حجراً، ألا ترى أنك لو مسست كل ناحية منه، لجاز أن تقول: مسست الحجر، وقال أيضاً:

стр. 11

عشيةَ سالَ المربدانِ كلاهما ... سحابةَ موتٍ بالسّيوفِ الصّوارمِ وإنما هو مربد واحد، فثناه مجازاً، لما يتصل به من مجاوره. وقيل: كل روضة: رقمة. وقيل: رقمة الوادي حيث يجتمع الماء، قال الشاعر: كأنّ أباريقَ المدامِ لديهمُ ... ظباءٌ بأعلى الرّقمتينِ قيامُ ويحتمل أن يريد بإحدى الرقمتين، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) . أي: من أحدهما وقال جعفر ابن علبة الحارثي: وقالوا لنا ثنتانِ لا بدَّ منهما ... صدورُ رماحٍ أشرعتْ أو سلاسلُ أي: لابد من إحداهما على أحد القولين. وقوله: "أجر وأعراس": جمع جرو، وهو ولد الأسد والكلب، يقال: جرو، وجرو، والكسر أكثر، والكثير الجراء.

стр. 12

و"أفعل" يأوتي لخمسة أبنية، "فعل" نحو كلب وأكلب. و"فعل" نحو: رجل وأرجل، و"فعل" نحو: ركن وأركن. و"فعل" نحو: زمن وأزمن، و"فعل" نحو: ضلع وأضلع. والجرو من القثاء مكسور الجيم، عند الأصمعي، وعند أبي عبيدة: جرو، وجرو وجرو، ثلاثة أوجه. والجرو أيضاً: وعاء يجمع الكعابر التي في رؤوس العيدان والجرو: صغير الشجر. والجرو: الحنظلة إذا صارت مثل النبقة، ويقال، إذا وطن الإنسان نفسه على الأمر: "قد ضربت له جروة، وضربت له جروتي أي وطنت عليه نفسي وإذا جزعت ثم صبرت قلت: قد ضربت جروتي عنه وعليه"، أي: صبرت عنه. والجروة: النفس. والأعراس: جمع عرس، وهي زوج الرجل، استعارها للأسد، واستعارها بعضهم للظليم فقال: كبيضة الأدحي بين العرسين وقال امرؤ القيس:

стр. 13

على نقنقٍ هيقٍِ لهُ ولعرسهِ ... بمنعرجِ الوعساءِ بيضٌ رصيصُ لأن كل واحد منهما عرس الآخر، فالرجل عرس المرأة، والمرأة عرس الرجل، قال العجاج: أنجب عرس جبلاً وعرس أراد: أنجب عرسين، كما قال: كأن بين فكها والفك وهذا يدل على أن ما عطف بالواو، بمنزلة ما جاء في لفظ واحد. معنى البيت يقول: إن الدهر لا يبقى على مخلوق، ولا على الأسد الذي هذه صفته، وقبل البيت ما يدل على هذا، وكان لأبي ذؤيب عشرة من الولد ماتوا في عام واحد، فهو يرثيهم، وفيهم قال قصيدته المشهورة: أمن المنون وريبه تتوجع

стр. 14

وأول هذه القصيدة: يا ميَّ إنْ تفقدي قوماً ولدتهمُ ... أو تخسليهمْ فإنَّ الدَّهربَ خلاّسُ عمروٌ وعبدُ منافٍ والّذي عهدتْ ... ببطنِ مكّةَ آبي الضّيمِ عبّاسُ يا ميَّ إنَّ سباع الأرضِ هالكةٌ ... والعفر والأدمُ والأرامُ والنّاسُ تاللهِ لا يعجزُ الأيّامَ مبتركٌ ... في حومةِ الموتِ رزّامٌ وفرّاسُ ليثٌ هزبرٌ مدلٌّ عندَ خيستهِ ... بالرّقمتينِ لهُ أجرٍ وأعراسُ يحمي الصّريمةَ أحدانُ الرّجالِ لهُ ... صيدٌ ومجترئٌ باللّيلِ همّاسْ يخاطب أم بنيه، يقول لها: إن مات بنوك، فقد مات عمرو. وهو ابن عبد مناف بن قصي، وهو هاشم بن عبد مناف. إعراب البيت رفع قوله: "هزبر مدل" لأنها صفات لما قبلها. و"عند خيسته" متعلق "بمدل" بمعنى يدل بمكانه، ويحتمل أن يكون في موضع الصفة، فيتعلق حينئذ بمحذوف. وفي الظرف ضمير عائد على الموصوف، و"بالرقمتين" في موضع الحال. و"عند خيسته" متعلق بمحذوف.

стр. 15

وقوله "له أجر" جملة من مبتدأ وخبر، في موضع الصفة لما قبله، ويجوز أن يجوز أن يكون "أجر" مرفوعاً بالابتداء، و"بالرقمتين" خبره، و"له" تبين كقول الشاعر: كان جزائي بالعصا أن أجلدا وقال آخر: أبت للأعادي أن تديخ رقابها ويرتفع "أجر على مذهب أبي علي الفارسي، بأنه فاعل بالمجرور، لأنه في موضع الصفة، ولا يجيز غيره، وحكى أن المذهبين متفقان على هذا الموضع وأشباهه، استنبطه من كلام سيبويه "مررت برجل معه صقر. صائداً به غداً، فالنصب على حاله، لأن هذا ليس بابتداء، ولا يشبه "فيها عبد الله قائم". فتأول أن "الصقر" يرتفع "بمعه"، ولا يرتفع بالابتداء، لأن "معه" صفة جرت على موصوفها، وإذا جرت على موصوفها، فهي في موضعها ومرتبتها، لا يجوز أن ينوي بها غير ذلك الموضع.

стр. 16

كما أن الفاعل إذا وقع في موضعه في قولك: "ضرب غلامه زيداً، لم يجز أن ينوى به غير موضعه". وإذا كان قد جرى في ضرب من القياس أن يرفع بالظرف في نحو: "في الدار زيد"مع أنه لم يجر صفة على موصوف وجب إذا جرت معه صفة يجب الرفع بها، لأن الصفة تؤكد معنى الفعلية وتحقق الشبه، وقد خولف في هذا. قال أبو الحجاج الشنتمري ﵀: "ظن بعض النحويين: أن سيبويه يرفع الاسم بالظرف لا على الابتداء، فيكون "صقر" مرفوعاً "بمعه"، وتأول قوله: "لأنه ليس يرفعه الابتداء"، والذي علم من مذهب سيبويه في هذا الموضع وغيره، أن الظرف لا يرفع ما بعده". ومعنى قوله: لأنه ليس يرفعه الابتداء، "الهاء" في "أنه" ترجع إلى أول الكلام، يريد الهاء المجرورة في "معه" ولم يرد (الصقر) ". وذكر أن هذا تفسير شارحي الكتاب، وهو أصح تفسير في الباب. فإن قيل: أيجوز أن تعلق الظرفين اللذين هما "عند خسيته" و"بالرقمتين" بنفس "مدل" فيكون عاملاً فيهما. قلت: لا يجوز ذلك، لأن العامل لا يعمل في ظرفين فصاعداً، إلا إذا كانت

стр. 17

الظروف متباينة، مثل قولك: قعدت يوم الجمعة أمامك "فيوم الجمعة" ظرف زمان، "وأمامك" ظرف مكان، فجاز أن يعمل فيهما. فأما إذا كانت من جنس واحد، فلا يجوز أن يعمل فيهما معاً، و"عند خسيته" و"بالرقمتين" ظرفان من جنس واحد. فإن قيل: فاجعل"بالرقمتين" بدلاً من "خسيته" مثل "خرجت يوم الجمعة سحر". قلت: بينهما فرق، وذلك أن الظرفين إذا كانا من جنس واحد، إما أن يكون الثاني هو الأول في المعنى أو بعضه، فإن كان هو الأول في المعنى أبدلته منه، وكان من بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، وإن كان بعضه، كان من بدل البعض من الكل نحو قولك: "خرجت يوم الجمعة سحر"، ألا ترى أن المعنى "خرجت سحر يوم الجمعة" و"عند خيسته" و"بالرقمتين"، وإن كانا من جنس واحد، فإن الأول بعض، والثاني كل، ولا يجوز بدل الكل من البعض فلو كان النظم "بالرقمتين" "عند خيسته" جاز البدل، ولذلك ما ذهب سيبويه في قول الشاعر: اعتادَ قلبكَ منْ سلمى عوائدهُ ... وهاجَ أهواءكَ المكنونةَ الطّللُ ربعٌ قراءٌ أذاع المعصراتُ بهِ ... وكلُّ حيرانَ سارٍ ماؤهُ خضلُ

стр. 18

إلى أن رفع على الابتداء وقطع، كأنه قال: ذاك ربع، أو هو ربع، ولم يجعله بدلاً من "الطلل"، من حيث كان الربع أكثر منه، ومحال إبدال الأكثر من الأقل، لما فيه من نقصان البيان، فأما قول الآخر: أحب ريا ما حييت أبدا ألا ترى أن مدة حياته بعض الأبد، وقد أبدل "الأبد" من مدة حياته، فالجواب أنه وضع الأبد موضع بعضه، وهو مدة حياته، كما قال قيس بن زهير: ولولا ظلمهُ ما زلت أبكي ... عليهِ الدّهرَ ما طلعَ النّجومُ فالدهر في هذا البيت، أعم وأوسع من مدة طلوع النجوم، وذلك فيما ينتظر ويتوقع من الزمان سقوط النجوم، والدهر باق متصور، فإذا كان ذلك كذلك، فالدهر هنا يريد: بعضه، ألا ترى أنه قد أبدل منه قوله "ما طلع النجوم". فأعلمتك أن الدهر في البيت بعضه. فإن قيل: ما الذي دعاك إلى هذا؟!، فهلا جعلت "ما طلع النجوم" من بدل البعض من الكل، فاسترحت من الاغتراب. قلت: هذا فاسد، لأن الشاعر أراد المبالغة في بكائه الدهر، وليس يريد الاقتصار بعد التناهي، فاعمله.

стр. 19

وأنشد أبو علي الابتداء: (٢) تعدونَ عقرَ النّيبِ أفضلَ مجدكمْ ... بني ضوطري لولا الكميَّ المقنّعا هذا البيت لجرير بن الخطفي. الشاهد فيه قوله "لولا الكمي"، لأن "لولا" هذه هي التي للتحضيض، لا التي يرتفع الاسم بعدها بالابتداء، ولذلك نصب "الكمي" بفعل مضمر. لغة البيت "تعدون" من العد والإحصاء، أي: تحسبون، ويجوز أن يكون معناه: تعتقدون. ومعنى العقر: عرقبة الإبل، وكانوا يعرقبونها، لئلا تذهب ويتحرونها بعد ذلك، ألا ترى إلى قول أبي العلاء المعري:

стр. 20

ولولا حفاظي قلتُ للمرءِ صاحبي ... بسيفكَ قيّدها فلستُ أبالي فجعل عرقبتها تقييداً، وجعل السيف قيداً. والنيب: المسان من الإبل، واحدتها: ناب، على تقدير "فعل" و"فعل" في الجمع، كدار ودور، وساق وسوق، ونظيره من الصحيح أسد وأسد، ووثن ووثن، وإنما هي "نيب" فكسرت النون لتصح الياء، كما فعلوا ذلك في "أبيض" و"بيض" ألا ترى أنه مثل أحمر وحمر. والمجد والكرم والشرف والحسب بمعنى واحد، ومن الناس من فرق بينهما، فقال: الشرف والمجد لا يكونان إلا في الآباء والأجداد، والكرم والحسب يوصف بهما الرجل الذي له آباء أشراف، ويوصف بهما الرجل أيضاً الذي يشرف بنفسه. وهذا التقدير تحكم من قائله، لأن الشرف: مشتق من الإشراف والعلو، فكل من علا غيره بفضل في نفسه، أو في آبائه، فقد استحق أن يسمى شريفاً. وكذلك المجد: من قولهم: مجدت الإبل مجوداً إذا شبعت من الكلأ، وأمجدها صاحبها، فكل من كثرت مناقبه، وحسنت أفعاله، فهو ماجد. وحكى الخليل مجد الرجل، ومجد، وأمجد، إذا كرم فعله، ويدل على صحة هذا قول عائشة ﵂ "كل شرف دونه لؤم فاللؤم أحق به، وكل لؤم دونه شرف فالشرف أحق به" وقال الشاعر: وما يشرفُ الإنسانُ إلاَّ بنفسهِ ... وإنْ خصه جدٌّ شريفٌ ووالدُ

стр. 21

وأما الكرم: فيكون بمعنى الفضل في كل شيء، كان معه عطاء أو لم يكن، فلذلك قيل: ثوب كريم، وكتاب كريم. والضوطري: الحمقى، وتقديرها "فو علي" كالخوزلى. والضوطر: الضخم اللئيم، ويقال فيه: ضيطر، وضيطار. والكمي: الشجاع، وهو "فعيل" لفظاً ومعنى، كأنه يكمي شجاعته فلا يظهرها إلا عند الحاجة، ويحتمل أن يكون "فعيلا" بمعنى "مفعول"، أي؛ يكمى، كأنه مستور، ومن أمثالهم: "الشجاع موقى". وجمع الكمي: كماة، على تقدير حذف الزائد منه، وإنما هو في الحقيقة كام، كقاض وقضاة. والمقنع: الذي عليه بيضة ومغفر. معنى البيت كانت بين أبى الفرزدق وبين سحيم بن وثيل منافسة، فنحر غالب ناقة وأمر أن يصنع منها طعام، وجعل يهدي منها إلى قوم من بني تميم، لهم جلالة، جفاناً من ثريد، ووجه منها إلى سحيم بن وثيل جفنة، فكفاها، وضرب الذي أتاه بها، وقال: أمفتقر أنا إلى طعامه؟!.

стр. 22

فنحر هو ناقة، فوقعت المنافرة بينهما، فنحر غالب ناقتين، ونحر سحيم ناقتين، ثم نحر غالب ثلاثاً، ونحر سحيم ثلاثاً، فعمد غالب إلى مئة ناقة فنحرها، فغلب غالب: فلما انصرف الناس إلى الكوفة، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر: هلا نحرت كما نحر، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين، فاعتذر بأن إبله كانت غائبة، ثم عمد إلى ثلاث مئة ناقة وعقرها، وقال للناس شأنكم بها. فقال علي بن أبي طالب ﵁ هذا مما أهل به لغير الله، فلا يأكل أحد منها شيئاً، وأمر بطرح الناس عنها، فأكلتها السباع والكلاب. فكان الفرزدق يفخر بذلك، فقال جرير: ليس الفخر في عقر النوق، وقال: وقدْ سرّني أنْ لا يعدَّ لمعشرٍ ... من المجدِ إلاَّ عقرنيبٍ بصوأرِ يقول: تحسبون عقر النيب أفضل مجدكم، فهلا حسبتم عقر الكمي المقنع من أفضل مجدكم، لأن قتل الشجعان والأبطال، أفضل ما فعلتم، من عقر النيب وأفخر وصفهم بالجبن والخور، ونسبهم إلى الضعف واللؤم والنوك وإنما يهجو الفرزدق، ويعرض به، للمعاقرة، التي كانت بين سحيم بن وثيل الرياحي وبين

стр. 23

غالب أبي الفرزدق، ويناقض الفرزدق في قصيدته التي يقول فيها: يقولونَ زرْ حدراءَ والتُّربُ دونها ... وكيفَ بشيءٍ وصلهُ قدْ تقطّعا فلستُ ولوْ عزَّتْ عليَّ بزائرٍ ... تراباً على مرموسةٍ قدْ تضعضعا وأهونُ مفقودٍ إذا الموتُ غالهُ ... على المرءِ منْ أصحابهِ منْ تقنّعا يقولُ ابنُ خنزيرٍ بكيتَ ولمْ تكنْ ... على امرأةٍ عينا أخيكَ لتدمعا وأهونُ رزءٍ لامرئٍ غيرِ عاجزٍ ... رزيَّةُ مرتجِّ الرَّوادفِ أفرعا وما ماتَ عندَ ابنِ المراغةِ مثلها ... ولا تبعتهُ ظاعناً حينَ دعدعا الدعدعة: الدعاء بالمعز. يرثي حدراء، ويهجو جريراً، وكان سار إليها ليدخل بها، بعد أن ساق إليها صداقها، فبلغه هلكها في طريقه، وأشار إليه بعض أصحابه، أن يمضي حتى يلم بأهلها، ويزور قبرها، فأبى وانصرف وقال هذه القصيدة. فأجابه جرير: وقفنا فحيّينا الدّيارَ ولا ترى ... مربعنا يومَ الحنينِ مربعا وفيها يقول: أتعدلُ يربوعاً خناثى مجاشعٍ ... إذا عدَّ بالأيدي القنا فتزعزعا

стр. 24

وفقأتُ عينيْ غالبٍ عندَ كيرهِ ... وأقلعتُ عنْ أنفِ الفرزدقِ أجدعا وفيها يقول: سأذكرُ ما لمْ تذكروا عندَ منقرٍ ... وأثني بعارٍ منْ حميدةَ أشنعَ تعدُّونَ عقرَ النّيبِ أفضلَ مجدكمْ ... ........................... إعراب البيت معنى تعدون: تعتقدون، وهو مما يتعدى إلى مفعولين كما قال: لا أعدُّ الإقتارَ عدماً ولكنْ ... فقدُ منْ (قدْ) رزئتهُ الإعدامُ ألا ترى أن الذي بمعناه، يتعدى إلى مفعولين، تقول: فلان يرى الحق قول فلان، ويرى الباطل قول زيد، ويجوز أن تقتصر فيه على المفعول الأول، فتقول: فلان يرى رأي الخوارج، ويرى رأي أبي حنيفة، أي؛ يعتقده، قال الشاعر: لا بأسَ بالفارسِ أنْ يفرا ... إذا رأىَ ذاكَ وأنْ يكرا أي إذا اعتقد صواب ذلك. وقال أبو علي الفارسي وابن جني: "رأى" بمعنى: اعتقد يتعدى إلى مفعول

стр. 25

واحد وجعل أبو الفتح بن جني انتصاب "سبة" في بيت السموأل بن عاديا: وإنَّا لقومٌ لا نرى القتلَ سبّةً ... إذا ما رأتهُ عامرٌ وسلولُ على الحال، لأن "نرى" هنا بمعنى: "نعتقد"، ولو كانت مفعولاً ثانياً، و"نرى" بمعنى علمت، لأعادها فقال: إذا ما رأته عامر وسلول "سبة"، أو إذا ما رأته إياها، لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يعلمه عالمان على صفة وضدها. فعلى القول الأول، ينتصب "أفضل مجدكم" على أنه مفعول ثان، ويجوز أن تكون "تعدون" من العدد، وهو مما يتعدى إلى مفعولين، الثاني بحرف جر، تقول: عددتك المال، أي؛ عددت لك. وقال أبو علي الفارسي: يقال عددتك المال، وعددت لك المال، أي: عددت لك فعلى هذا يكون معنى البيت "تحسبون عقر النيب من أفضل مجدكم" فهو منتصب بإسقاط حرف الجر فيكون: "أفضل مجدكم" الثاني محذوفاً، لدلالة

стр. 26

الأول عليه، والتقدير: فلولا حسبتم، أو اعتقدتم عقر الكمي المقنع من أفضل مجدكم، أو أفضل مجدكم، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ومثال "لولا" في التحضيض، هلا، ولوما، وألا، وقيل في "ألا": إن همزتها بدل من هاء، وأنها "هلا". وقيل أيضاً: إنها مركبة من "أن" و"لا"، وهذا مذهب أبي الحسن. وحروف التحضيض بابها الفعل، قال الله تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون) وقال: (لو ما تأتينا بالملائكة) ، فإن قيل: فما تقول في قول الصمة بن عبد الله القشيري: ونبئتُ ليلى أرسلتْ بشفاعةٍ ... إليَّ فهلاَّ نفسُ ليلى شفيعها و"هلا" هنا من حروف التحضيض، وقد أوقع بعدها المبتدأ والخبر. قلت: استعمل الجملة من المبتدأ والخبر، موضع الجملة من الفعل والفاعل، اتساعاً، وهو في هذا الموضع عزيزاً جداً، وإنما استعمل ذلك مراعاة للمضارعة التي بين المبتدأ والفاعل؛ وذلك أن كل واحد منهما مخبر عنه، وأنهما مرفوعان، وكل واحدة من الجملة تعطف على الأخرى.

стр. 27

ومثل هذا في استعمال الجملة، من المبتدأ والخبر، موضع الجملة من الفعل والفاعل، قول عدي بن زيد: لوْ بغيرِ الماءِ حلقي شرقٌ ... كنتُ كالغصَّانِ بالماءِ اعتصاري ومثله قول صخر الغي: عاودني حبُّها وقدْ شحطتْ ... صرفُ نواها فإنّني كمدُ أوقع "فإنني كمد" موقع كمدت. وقال آخر: ولوْ بيديْ سواكَ غداةَ زلَّتْ ... بيَ القدمانِ لمْ أرجُ إطّلاعا وهذا البيت غريب الإعراب، وذلك أن الباء من قوله: "بيدي" متعنلقة بمحذوف، هو خبر "غداة" في الأصل، فجرى مجرى قولك: بيدي خيرك وشرك، وبيدي صلاح أمرك. وغداة: على هذا في موضع رفع الابتداء، وخبرها "بيدي سواك"، "وفتحت غداة زلت"، وإن كانت في موضع رفع، لأنها ظرف مضاف إلى غير معرب، كقوله:

стр. 28

على حين عاتبت المشيب على الصبا وقال تعالى: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) بمعنى أم صمتم، ومثله: (هل لكم مما ملكت إيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء) . تقديره: فتستووا. وأما قول الآخر: قالتْ أراكَ بما أنفقتَ ذا سرفٍ ... فيما فعلت فهلاَّ فيكَ تصريدُ فهذا أسهل، لأن الظرف بالفعل أشبه، وإليه أقرب. ألا ترى أنه قد جاء في كلامهم عطف الفعل على الظرف، وعطف الظرف على الفعل، والعطف نظير التثنية، ومحال أن يثني الشيء، فيصير مع صاحبه شيئين إلا وحالهما في الاعتداد والثبات واحدة. فمما جاء فيه عطف الظرف على الفعل قول الشاعر: نقاسمهمْ أسيافنا شرَّ قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهمْ صدورها

стр. 29

فعطف قوله "ففينا" على قوله "نقاسمهم"، وقال آخر في عطف الفعل على الظرف: زمانٌ عليَّ غرابٌ غدافٌ ... فطّيرهُ الشّيبُ عنّي فطارا فعطف قوله: "فطيرة" على قوله "علي" وقال تعالى: (يوم تبلى السرائر، فما له من قوة) ، فعطف "له" على "تبلى". "وأنشد أبو علي في الباب". (٣) وقد جعلتُ إذا ما قمتُ يثقلني ... ثوبي فأنهضُ نهضَ الشَاربِ الثَّملِ هذا البيت للحكم بن عبدل الأسدي، ونسبه الجاحظ لأبي حية النميري.

стр. 30

الشاهد فيه استعمال "جعل" كاستعمال الأفعال التي لمقاربة الفعل، والأخذ فيه، كقولهم: طفق يفعل، وأخذ يقول، وجعلت يثقلني ثوبي، كما تقول طفقت أتكلم، وكدت أقوم. لغة البيت "جعل" هذه اللفظة تقال على أنحاء. يقال: جعل الشيء يجعله جعلاً، واجتعله، كلاهما: وضعه. قال: وما مغبُّ بثني الحنوِ مجتعلٌ ... في الغيلِ في ناعمِ البرديِّ محراباً وجعله، يجعله، جعلاً: صنعه. قال سيبويه: "جعلت متاعك بعضه فوق بعض: ألقيته" وقال مرة: عملته. وجعل الطين خزفاً: صيره. وجعل البصرة بغداد: ظنها إياها، وجعل يفعل كذا: أقبل وأخذ. وقال الزجاج: جعلت زيداً أخاك: نسبته إليك. وقوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) معناه: بيناه، حكاه الزجاج. وقوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثاً) قال الزجاج: "الجعل" هنا في موضع القول، والحكم على الشيء، كما تقول: قد جعلت زيداً

стр. 31

أعلم الناس، أي؛ قد وصفته بذلك، وحكمت به. وتجاعلوا الشيء: جعلوه بينهم. وجعل له كذا على كذا: شارطه به عليه (وجعل الظلمات والنور) بمعنى: خلق. والنهوض: البراح، نهض: إذا زال. والناهض: الفرخ الذي وقر جناحه، ونهض للطيران. والشارب: اسم الفاعل من شرب الماء وغيره، ويقال للساكنين على نهر: شاربة. والشاربان ما طال من ناحية السبلة. والشوارب: عروق محدقة بالحلقوم، تأخذ الماء. والثمل: السكر. والثمل أيضاً: الظل. معنى البيت يقول: ضعفت قوتي، لفقد شبابي، حتى عجزت عن حمل ثوبي، فإذا أردت النهوض أثقلني، فأمشي الثمل، وهو السكران. ولم ألف لهذا البيت آخر، ولكني وجدته في قافية رائية، وموضع الثمل: السكر. وبعده: وقدْ جعلتُ إذا ما قمتُ يوجعني ... ظهري فأنهضُ نهضَ الشّاربِ السَّكرِ

стр. 32

وكنت أمشي على رجلينِ معتدلاً ... فصرتُ أمشي على أخرى من الشَّجرِ وأنشد أبو علي في أمياله: ما للكواعب يا عيساءُ قدْ جعلتْ ... تزورُّ عنَّي، وتطوى دوني الحجرُ وكنتُ فتَّاحَ أبوابٍ مغلّقةٍ ... ذبَّ الرّيادِ إذا ما خولسَ النَّظرُ ومعنى "ذب الرياد": كثير الذهاب والمجيء. فاليومَ صرتُ أرى الشّخصينِ أربعةً ... والواحدَ اثنينِ لمّا بوركَ البصرُ وكنتُ أمشي على رجلينِ معتدلا ... فصرتُ أمشي على ما تنبتُ الشَّجرُ وكان الحكم بن عبدل الأسدي أعرج. فذكر الأصبهاني أنه لقي عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وكان أمير الكوفة، وكان أعرج، وكان صاحب شرطته أعرج، وقد تعرض لعبد الحميد سائل أعرج، فقال الحكم، معرضاً بعبد الحميد وصاحب شرطته: ألقِ العصا ودعِ التّعارجَ والتمسْ ... عملاً فهذي دولةُ العرجانِ

стр. 33

فأميرنا وأميرُ شرطتنا معاً ... لكليهما يا قومنا رجلانِ فبلغت أبياته الأمير، فوصله بدارهم وثياب، وسأله أن يكف عنه، وكان قد ترك الوقوف إلى أبواب الملوك، لعرجه، فإذا أراد حاجة كتب على عصاه حاجته، وبعث بها، فتقضى حاجته، فقال في ذلك يحيى بن نوفل: عصا حكمٍ في الدَّارِ أوَّلُ داخلٍ ... ونحنُ على الأبوابِ نقصي ونحجبُ وكانتْ عصا موسى لفرعونَ آيةً ... وهذي لعمرُ اللهِ أدهى وأعجبُ إعراب البيت "يثقلني" في موضع نصب "بجعل"، كما كان "يقوم" في موضع نصب (بكاد) ، إذا قلت: كدت أقوم. واستعمال الفعل بعد "كاد" وأخواتها فرع، واستعمال الاسم موضعه أصل، لكنه أصل مرفوض، ألا ترى إلى قول تأبط شراً، كيف استعمله في قوله:

стр. 34

فأبتُ إلى فهمٍ وما كدتُ آبياً ... وكمْ مثلها فارقتها وهيَ تصفرُ فاستعمل الاسم المرفوض، كما يضطر الشاعر إلى مراجعة الأصول عن مستعمل الفروع، نحو صرف ما لا ينصرف، وإظهار التضعيف، وتصحيح المعتل، ونحو ذلك، وقد جاء مفعول "عسى" اسماً على أصله، قال: أكثرتَ في العذلِ ملحّاً دائما ... لا تكثرنْ إنّي عسيتُ صائما وفي المثل "عسى الغوير أبؤساً". ونصب "نهض الشارب الثمل" على المصدر المشبه به، وتقديره: فأنهض نهضاً مثل نهض الشارب الثمل "ومثله: ضربت ضرب زيد، ولم تضرب ضربه، وإنما ضربت مثله. "وأنشد أبو علي في الباب". (٤) وقدْ جعلتْ نفسي تطيبُ لضغمةٍ ... لضغمهماها يقرع العظم نابها

стр. 35

هذا البيت لمغلس بن لقيط الأسدي. الشاهد فيه قوله: "جعلت نفسي تطيب" وهو كالذي قبله. لغة البيت الضغمة: العضة، ومنه قيل للأسد: ضيغم. والقرع هنا: وصول الناب إلى العظم، وجعل للضغمة نابا مجازاً واتساعاً. والقرع: الضرب بالعصا، وقرعت الشيء: نقرته، وفي الحديث "أن ابن عباس كان يقرع الصفا" فيقول: "إن دابة الأرض تسمع قرعي". وقرع جبهته بالإناء: إذا استوفى ما فيه، وقال الشاعر: كأنَّ الشُّهبَ في الآذانِ منها ... إذا قرعوا بحافتها الجبينا وقرع الفحل الناقة: ضربها، وقرعت الباب: استفتحته. وقرع الدهر بقوارعه: أصاب بها، وقرع للأمر ظنبوبه: جد فيه وعزم. وقرعت الرجل: غلبته وقرعت القيامة: إذا قامت.

стр. 36

والناب: السن التي خلف الرباعية. والجمع: أنياب. والناب: سيد القوم. والناب: الناقة المسنة، والجمع: نيب، وأنياب. معنى البيت إنه يرثي أخاه أطيطا، ويشتكي من رجلين من قومه، أحدهما: مدرك بن حصين، والآخر: مرة بن عداء، ويصف شدة أصابته منهما، فيقول: قد جعلت نفسي تطيب لوقوع نائبه عظيمة، لما أصابني منهما من الشدة والمكروه، كما يقول الإنسان: طابت نفسي على الموت، لما نالني من ذل فلان، وفي هذه القصيدة: أبقيتْ ليَ الأيامُ بعدكَ مدركاً ... وخندفَ والدنيا قليلُ عتابها قريبينِ كالذّئبينِ يقتسمانني ... وشرُّ صحاباتِ الرّجالِ ذئابها إذا رأيا لي غفلةً أغريا بها ... أعاديَّ والأعداءُ كلبي كلابها وإنْ رأياني قدْ حذرتُ تبغّيا ... لرجلي مغوَّاةً هياماً ترابها سقيتكما قبلَ التَّفرُّقِ شربةً ... يمرُّ على باغي الظّلامِ شرابها إعراب البيت "ها" ضمير المصدر، ووصله، وكان وجه الكلام "لضغمهما إياها"، لأن

стр. 37

المصدر لم يستحكم في العمل والإضمار استحكام الفعل، فمجيء الضمير المنفصل مع المصدر أحسن، والمصدر الذي هو "لضغمهما" مضاف إلى الفاعل في المعنى، والمفعول المضغوم محذوف، ولو ذكره مع هذه الهاء لقال: "لضغمهما إياي إياها" فيقدم "إياي" لوجهين: الأول: أنه ضمير المتكلم، وهو أولى بالتقديم من ضمير الغائب. والثاني: أن "إياي" ضمير المفعول به، و"إياها" ضمير المصدر، فهو فضلة، مستغنى عنه بما هو آكد منه، وكان الأصل "لضغمهما إياي مثلها" فحذف "مثلاً" وأقام المضاف إليه مقامه، فكان ينبغي أن يأتي بالضمير المنصوب المنفصل. وحذف المفعول مع المصدر إذا كان معه الفاعل كثير، كما يحذف معه الفاعل أيضاً. وقوله: "يقرع العظم نابها" جملة في موضع الصفة "لضغمة". وأنشد أبو علي في باب خبر المبتدأ. (٥) علينَ بكديونٍ وأشعرنَ كرّةً ... فهنَّ إضاءٌ صافياتُ الغلائلِ هذا البيت للنابغة الذبياني اسمه زياد بن معاوية بن جابر، ويكنى: أبا أمامة، وأبا عقرب، وهما بنتاه، وإنما قيل له: النابغة، لأنه لم يقل الشعر إلا بعد أن كبر وساد قومه، فلم يفجأهم إلا وقد نبغ عليهم بالشعر.

стр. 38

وقال آخرون: سمي النابغة ببيت قاله، وهو: وحلتْ في بني القينِ بنِ جسرِ ... وقدْ نبغتْ لهمْ منه شؤونُ والنوابغ من الشعراء ثمانية: نابغة بني ذبيان هذا، والنابغة الجعدي، والنابغة الشيبباني، والنابغة الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة التغلبي، ونابغة جديلة، ونابغة حارث. وليس فيهم جاهلي إلا الذيباني خاصة، والجعدي مخضرم. والشاهد فيه قوله "فهن إضاء" "فإضاء" خبر المبتدأ، منزل منزلة الأول، وتقديره: فهن مثل "أضاء". والإضاء: الغدران، والدروع ليست بعذر، وإنما شبهها بها، فهي مثلها.

стр. 39

لغة البيت الكديون: عكر الزيت. والكرة: البعر المدقوق، ومعنى أشعرن: جعل عليها ملاصقاً لها، لئلا تصدأ. والشعار: ما لبسه الإنسان لجسده، والدثار: ما لبسه على ثوبه. وواحد الإضاء: أضأة، مثل رقبة ورقاب، ورحبة ورحاب. ويجوز أن يكون "إضاء" جمع: أضأ، وأضاً جمع أضاة، وقد قالوا في جمعه: أضوات وإضون، وأضا، وإضي بكسر الهمزة، وأضي بضمها وإضاً، ويجوز أن يكون "أضاً" وإضا: جمع "أضاً"، لا جمع أضاة كما قال أبو الفتح، في قول الراجز: مواقع الطير على الصفي أن يكون صفي: جمع صفاً. ولام "أضاة" واو، لقولهم في الجمع: أضوات، ومن روى: "فهن وضاء"

стр. 40

لم يكن فيه شاهد لأبي علي، لأن المبتدأ على هذه الراوية هو الخبر، و"وضاء": جمع وضيئ، مثل: كريم وكرام، وظريف وظراف. والغلائل: جمع غلالة، التي هي الثوب الذي يلبس تحت الدرع، لا يصيبها دنس لنقائها. وقيل: الغلائل: جمع غليل، وهو مسمار الدرع، وهو "فعيل" بمعنى "مفعول"، من غل إذا أدخل في الحلق. وقيل: واحد الغلائل: غليلة، وهو المسمار أيضاً، وخصه بالصفاء، لأنه أول ما يصدأ من الدرع، ويقال لمن رق لونه: إنه لصافي الغلالة، فعلى هذا: الغلائل: صفاء الدروع وصقالتها، وحسن ديباجتها، وفي العين والبارع: الغلالة: الدرع، لأنه يغل فيها، أي؛ يدخل. معنى البيت وصف دروعاً صقلت وصفيت، وزهي تعاهد بالكديون والكرة، ليبقى صفاؤها، فقد صارت كالغدر، وكثيراً ما شبهت الدروع بالغدر، وما احسن المعري في قوله: غديرٌ وشتهُ الرّيحُ وشيةَ صانعٍ ... فلمْ يتغيّرْ حينَ دامَ سكونها كأنَّ الدّبى غرقى بهِ غيرَ أعينٍ ... إذا ردَّ فيها ناظرٌ يستبينها إعراب البيت يجوز أن تكون "صافيات الغلائل" خبراً بعد خبر، كقوله تعالى: (كونوا
следующие страницы →