Полный текст (856 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والناب: السن التي خلف الرباعية. والجمع: أنياب.
والناب: سيد القوم. والناب: الناقة المسنة، والجمع: نيب، وأنياب.
معنى البيت
إنه يرثي أخاه أطيطا، ويشتكي من رجلين من قومه، أحدهما: مدرك بن حصين، والآخر: مرة بن عداء، ويصف شدة أصابته منهما، فيقول: قد جعلت نفسي تطيب لوقوع نائبه عظيمة، لما أصابني منهما من الشدة والمكروه، كما يقول الإنسان: طابت نفسي على الموت، لما نالني من ذل فلان، وفي هذه القصيدة:
أبقيتْ ليَ الأيامُ بعدكَ مدركاً ... وخندفَ والدنيا قليلُ عتابها
قريبينِ كالذّئبينِ يقتسمانني ... وشرُّ صحاباتِ الرّجالِ ذئابها
إذا رأيا لي غفلةً أغريا بها ... أعاديَّ والأعداءُ كلبي كلابها
وإنْ رأياني قدْ حذرتُ تبغّيا ... لرجلي مغوَّاةً هياماً ترابها
سقيتكما قبلَ التَّفرُّقِ شربةً ... يمرُّ على باغي الظّلامِ شرابها
إعراب البيت
"ها" ضمير المصدر، ووصله، وكان وجه الكلام "لضغمهما إياها"، لأن
стр. 37
المصدر لم يستحكم في العمل والإضمار استحكام الفعل، فمجيء الضمير المنفصل مع المصدر أحسن، والمصدر الذي هو "لضغمهما" مضاف إلى الفاعل في المعنى، والمفعول المضغوم محذوف، ولو ذكره مع هذه الهاء لقال: "لضغمهما إياي إياها" فيقدم "إياي" لوجهين: الأول: أنه ضمير المتكلم، وهو أولى بالتقديم من ضمير الغائب.
والثاني: أن "إياي" ضمير المفعول به، و"إياها" ضمير المصدر، فهو فضلة، مستغنى عنه بما هو آكد منه، وكان الأصل "لضغمهما إياي مثلها" فحذف "مثلاً" وأقام المضاف إليه مقامه، فكان ينبغي أن يأتي بالضمير المنصوب المنفصل.
وحذف المفعول مع المصدر إذا كان معه الفاعل كثير، كما يحذف معه الفاعل أيضاً.
وقوله: "يقرع العظم نابها" جملة في موضع الصفة "لضغمة".
وأنشد أبو علي في باب خبر المبتدأ.
(٥)
علينَ بكديونٍ وأشعرنَ كرّةً ... فهنَّ إضاءٌ صافياتُ الغلائلِ
هذا البيت للنابغة الذبياني اسمه زياد بن معاوية بن جابر، ويكنى: أبا أمامة، وأبا عقرب، وهما بنتاه، وإنما قيل له: النابغة، لأنه لم يقل الشعر إلا بعد أن كبر وساد قومه، فلم يفجأهم إلا وقد نبغ عليهم بالشعر.
стр. 38
وقال آخرون: سمي النابغة ببيت قاله، وهو:
وحلتْ في بني القينِ بنِ جسرِ ... وقدْ نبغتْ لهمْ منه شؤونُ
والنوابغ من الشعراء ثمانية: نابغة بني ذبيان هذا، والنابغة الجعدي، والنابغة الشيبباني، والنابغة الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة التغلبي، ونابغة جديلة، ونابغة حارث.
وليس فيهم جاهلي إلا الذيباني خاصة، والجعدي مخضرم.
والشاهد فيه قوله
"فهن إضاء" "فإضاء" خبر المبتدأ، منزل منزلة الأول، وتقديره: فهن مثل "أضاء".
والإضاء: الغدران، والدروع ليست بعذر، وإنما شبهها بها، فهي مثلها.
стр. 39
لغة البيت
الكديون: عكر الزيت. والكرة: البعر المدقوق، ومعنى أشعرن: جعل عليها ملاصقاً لها، لئلا تصدأ. والشعار: ما لبسه الإنسان لجسده، والدثار: ما لبسه على ثوبه.
وواحد الإضاء: أضأة، مثل رقبة ورقاب، ورحبة ورحاب.
ويجوز أن يكون "إضاء" جمع: أضأ، وأضاً جمع أضاة، وقد قالوا في جمعه: أضوات وإضون، وأضا، وإضي بكسر الهمزة، وأضي بضمها وإضاً، ويجوز أن يكون "أضاً" وإضا: جمع "أضاً"، لا جمع أضاة كما قال أبو الفتح، في قول الراجز:
مواقع الطير على الصفي
أن يكون صفي: جمع صفاً.
ولام "أضاة" واو، لقولهم في الجمع: أضوات، ومن روى: "فهن وضاء"
стр. 40
لم يكن فيه شاهد لأبي علي، لأن المبتدأ على هذه الراوية هو الخبر، و"وضاء": جمع وضيئ، مثل: كريم وكرام، وظريف وظراف.
والغلائل: جمع غلالة، التي هي الثوب الذي يلبس تحت الدرع، لا يصيبها دنس لنقائها.
وقيل: الغلائل: جمع غليل، وهو مسمار الدرع، وهو "فعيل" بمعنى "مفعول"، من غل إذا أدخل في الحلق. وقيل: واحد الغلائل: غليلة، وهو المسمار أيضاً، وخصه بالصفاء، لأنه أول ما يصدأ من الدرع، ويقال لمن رق لونه: إنه لصافي الغلالة، فعلى هذا: الغلائل: صفاء الدروع وصقالتها، وحسن ديباجتها، وفي العين والبارع: الغلالة: الدرع، لأنه يغل فيها، أي؛ يدخل.
معنى البيت
وصف دروعاً صقلت وصفيت، وزهي تعاهد بالكديون والكرة، ليبقى صفاؤها، فقد صارت كالغدر، وكثيراً ما شبهت الدروع بالغدر، وما احسن المعري في قوله:
غديرٌ وشتهُ الرّيحُ وشيةَ صانعٍ ... فلمْ يتغيّرْ حينَ دامَ سكونها
كأنَّ الدّبى غرقى بهِ غيرَ أعينٍ ... إذا ردَّ فيها ناظرٌ يستبينها
إعراب البيت
يجوز أن تكون "صافيات الغلائل" خبراً بعد خبر، كقوله تعالى: (كونوا
стр. 41
قردة خاسئين) ، جعله خبراً بعد خبر، لفضيلة السلامة، وهو كقوله: "حلو حامض"، ولو جعلته صفة "لقردة" لصغر معناه، ألا ترى أن القردة لذلتها وصغارها خاسئة أبداً، فتكون إذن صفة غير مقيدة، وإذا جعلت "خاسئين" خبراً ثانياً حسن وأفاد، حتى كأنه قال: "كونوا قردة، كونوا خاسئين" ألا ترى أنه ليس لأحد الاسمين من الاختصاص بالخبرية إلا ما لصاحبه، وليس كذلك الصفة بعد الموصوف، إنما اختصاص العامل بالموصوف، ثم الصفة تابعة له.
ولست أعني بقولي: "كونوا قردة خاسئين" أن العامل في "خاسئين" عامل ثان غير الأول، إنما هذا شيء يقدر مع البدل، فأما في الخبرين فالعامل فيهما واحد، ولو كان هناك عامل آخر، لما كانا خبرين لمخبر عنه واحد، وإنما معاد الخبر على المخبر منهما، ولهذا كان عند أبي علي أن العائد على المبتدأ من مجموعها لا من أحدهما، لأن الخبر لا يكون بأحدهما، إنما يكون بمجموعهما وهذا شيء عرض فقلنا فيه. وأول القصيدة:
أهاجكَ منْ أسماءَ رسمُ المنازلِ ... فروضةُ نعميٍّ فذاتُ الأجاولِ
وبعد البيت:
стр. 42
عتادَ امرئٍ لا ينقضُ البعدُ همَّهُ ... طلوبِ الأعادي واضحٍ غيرِ خاملِ
تحينُ بكفّيهِ المنايا وتارةً ... يسحَّانِ سحّاً منْ عطاءٍ ونائلِ
إذا حلَّ بالأرضِ البريّةِ أصبحتْ ... كئيبةَ وجهٍ غبُّها غيرُ طائلِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(٦)
كلا يوميْ طوالةَ وصلُ أروى ... ظنونٌ آنَ مطَّرحُ الظّنونِ
هذا البيت للشماخ، واسمه معقل بن ضرار بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. وقيل: اسمه الهيثم، ويكفي أبا سعد.
الشاهد فيه
على ما أجازه من تقديم خبر المبتدأ قوله: "كلا يومي"؛ لأنه منتصب على الظرف، والعامل فيه "ظنون" الذي هو خبر المبتدأ، فتقديم معمول الخبر كتقديم الخبر.
لغة البيت
طوالة: اسم بئر.
والظنون: الوشل أوى البئر القليلة الماء. والظنون أيضاً: الذي لا يوثق بما عنده.
стр. 43
وأروى: اسم امرأة. والأروى والأروية: الأنثى من الوعول.
وآن معناه: حان.
معنى البيت
قيل: إن الشماخ لقي محبوبته على هذه البئر، فلم يسر بما رآه منها، فأخبر بذلك، فقال: آن أن أطرح الوصل الظنون، أو الإنسان الظنون، أي؛ أن أسلو، وقيل: أراد "بيومي طوالة": الشتاء والصيف، يريد: الدهر كله، بمعنى: أن وصل هذه المرأة في الدهر كله لا يوثق به.
وقيل: وعدته يومين في هذا الموضع، فكان وعدها ظنوناً، فيقول مبتغي وصل أروى، كمبتغي الأروية التي توقلت في جبل لا تصل إليه الرماة. والذي بعد البيت يبينه:
وماءٍ قد وردتُ لوصلِ أروى ... عليهِ الطّيرُ كالورقِ اللّجينِ
ذعرتُ بهِ القطا ونفيتُ عنهُ ... مقامَ الذّئبِ كالرَّجلِ اللّعينِ
وما أروى وإنْ كرمتْ علينا ... بأدنى منْ موقّفةٍ حرونِ
تطيفُ بها الرُّماةُ وتتّقيهمْ ... بأوعالٍ معطّفةِ القرونِ
ولستُ إذا الهمومُ تحضّرتني ... بأخضعَ في الحوادثِ مستكينِ
стр. 44
فسلِّ الهمَّ عنكَ بذاتِ لوثٍ ... عذافرةٍ مضبَّرةٍ أمونِ
إذا بلّغتني وحملتِ رحلي ... عرابةَ فاشرقي بدمِ الوتينِ
رأيتُ عرابةَ الأوسيَّ يسمو ... إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ
أفادَ سماحةً وأفادَ مجداً ... فليسَ كجامدٍ لحزٍ ضنينِ
إذا ما رايةٌ رفعتْ لمجدٍ ... تلقّاها عرابةُ باليمنِ
الإعراب
قال أبو الفتح: كان أبو علي ﵀، يستشهد على تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ، بقول ممالك بن خالد:
فتىً ما ابنُ الأغرِّ إذا شتونا ... وحبِّ الزّادُ في شهريْ قماحِ
ووجه الدلالة منه، أن "إذا" تحتاج إلى عامل تتعلق به، "فالأعزُّ" لا يجوز أن ينصبها، لأنه علم، فيكون الناصب لها "فإذا" إذن منصوبة "بفتى"، وإنما يجوز وقوع المعول فيه، بحيث يجوز وقوع العامل فموضع"إذا" موضع "فتى"، وإذا كان موضعه، علمت أنه وإن كان مقدماً في اللفظ على "ابن الأغر" فإن رتبته أن يكون بعده في موضع "إذا"، وإذا كان كذلك، فهو خبر مقدم عن موضعه إلى صدر الجملة.
стр. 45
وقد احتج قوم لتقديم خبر "ليس" عليها (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم) . لما قدم "يوم يأتيهم" والعامل فيه "مصروفاً" ذل ذلك على جواز تقديم الخبر.
فإن قيل: إن "كلا يومي طوالة" منتصب بقوله "وصل أروى" وأن التقدير: "وصل أروى كلا يومي طوالة ظنون".
قيل: هذا لا يجوز، لأنك لو أوقعته هذا الموقع، وقع في صلة المصدر، الذي هو: وصل أروى، وصلة المصدر لا تتقدم عليه.
فإن قيل: "إن كلا يومي طوالة" منصوب على الظرف، والظروف يجوز تقديمها، ولا يؤذن ذلك بجواز تقديم العامل فيها، في نحو قولك "إن في الدار زيداً قائم" ولا يجوز تقديم "قائم" بوجه.
قيل: لإن: أحكام ليست للمبتدأ؛ منها:
أن خبر"إن" لا يجوز تقديمه على اسم "إن" إلا إذا كان ظرفاً، ويجوز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ، ظرفاً كان أو اسماً أو جملة، فتقول: "قائم زيد" وصاحبك محمد، وفي الدار أخوك، وأبوه منطلق زيد، وأشباه هذا، ولا يجوز شيء من ذلك في "إن" سوى الظروف والمجرورات، لاتساع العرب فيها، ولأن الرفع في خبر "إن" قد زال وانتقل عن المبتدأ، وصار "لإن"، وهي غير متصرفة فلم يتصرف معمولها، وهذا واضح. ويجوز أن تقول: في الدار زيد جالس، وعمراً زيد ضارب، وضارب
стр. 46
عمراً زيد، وعبد الله جاريته أبوها ضارب، كل هذا غير ممتنع.
فتقدم الظرف إذا كان معمولاً لخبر المبتدأ يؤذن بجوار تقديم الخبر، كما يؤذن به المفعول الصحيح.
وليس تقديم الظرف، إذا كان متعلقاً بخبر (إن) يؤذن بتقديم خبرها، ومثال البيت قوله تعالى: (وفي النار هم خالدون) .
وإنما ذكر أبو علي هذا، رداً على ون لا يجيز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ من الكوفيين، والعلة عندهم في ذلك أن من الأخبار ما يتضمن ضمير المبتدأ، فيؤدي ذلك إلى الإضمار قبل الذكر.
وأيضاً فإن خبر المبتدأ يجري مجرى الفاعل في أنه كالشيء الواحد مع المبتدأ، كما أن الفعل والفاعل كذلك، فكما لا يتقدم الفاعل على فعله بإجماع من الفريقين. كذلك لا يتقدم خبر المبتدأ على المبتدأ.
فاستدل عليهم بما يفسد مذهبهم، وللكوفي أن يتناول شاهد البيت، فيرفع "كلا يومي" بالابتداء، و "وصل أروى" مبتدأ ثان، "وظنون" خبره، والجملة خبر عن الأول، والعائد على المبتدأ الذي هو "كلا" محذوف لفظاً، معتقد لدلالة سياق الكلام، تقديره: كلا يومي طوالة وصل أروى ظنون فيه، أو فيهما على الاختلاف في "كلا" هل هو مثنى أو مفرد؟.
стр. 47
وفي "كلا" أسولة أتي الكلام عليها في بيت جرير:
كلا يوميْ أمامةَ يومُ صدٍّ ... وإنْ لمْ تأتها إلا لماما
وآن بمعنى: حان، وكذلك أنى يأني إنى وأنياً على القلب، والأناء: هو الوقت.
قال أبو علي وأبو الفتح: آن يئين، هو المقلوب عن أنى يأنى؛ لأن (لأنى) مصدراً، ولا مصدر (لآن) ، فوجب أن يكون المتصرف هو الأصل.
قال أبو الفتح: وقد حكى أبو زيد: أن الأين: مصدر "آن"، وهو خلاف قول الأصمعي، لأنه جعل الأين: التعب والإعياء، فعلى مذهب أبي زيد هما أصلان معاً، لتساويهما في التصرف.
وألف آن منقلبة عن "ياء" وقيل هي منقلبة عن "واو"، لأنها من "الأوان" وأصلها: أون ثم قلب.
ومطرح: مصدر بمعنى الاطراح.
وأنشد أبو علي في باب من الابتداء بالأسماء الموصولة.
(٧)
وقائلةٍ خولانُ فانكحْ فتاتهمْ ... وأكرومةُ الحيينِ خلوٌكما هيا
стр. 48
الشاهد في هذا البيت قوله
"خولان فانكح فتاتهم"، فارتفاع "خولان" عنده على معنى: هذه خولان، لامتناعه أن يكون مبتدأ والفاء في خبره، لأنه لا يجوز عنده: زيد فمنطلق، على الابتداء وخبره، إذ الاسم المبتدأ وخبره، كالشيء الواحد، فدخول الفاء فصل بينهما قبل تمام الفائدة.
وأبو الحسن الأخفش أجاز ذلك، على اعتقاد زيادة الفاء، وتابعه على هذا المذهب جماعة.
لغة البيت
خولان قبيلتان أددية وقضاعية، فالأددية: خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد. والقضاعية: خولان بن عمرو بن قضاعة.
وقال الكلبي: خولان هو أفكل بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة ابن أدد. والأكرومة: اسم للكرم، كالأحدوثة: اسم للحدثز والخلو والخلوة: المرأة الخالية من الزوج، وبقال للرجل أيضاً: خلو.
والفتاة: الجارية الشابة، وجمعها فتيات، والفتاء، الشباب، والفتى: الشاب.
ومعنى البيت
ظاهر، وقوله: "كما هي" أي كما عهدت بكرا في حالها الأول. وإنما قال
стр. 49
الحيين، لأن خولان قد اشتملت على حيين وعلى أحياء، ويجوز أن يريد: حي أبيها وحي أمها، أي هي متصلة الشرف، مكتملة الفضل.
الإعراب
قوله: كما هي الكاف في موضع الصفة للخبر، أو خبر بعد خير، ويحتمل أن تكون "ما" زائدة، و (هي) كناية عما عهدت عليه من بكارتها، وكان ينبغي أن يقول كهدها، لأن المعنى له، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار "كهي" ثم أدخل "ما" فقال: (كما هي) وهذا كما تقول: كن كما أنت، أي؛ كعهدك وحالك.
ويحتمل أن يكون "ما" بمعنى التي، فترتفع "هي" بالابتداء، والخبر محذوف للعلم به، والتقدير: كالتي هي معلومة، أو معهودة، أو نحو ذلك والمبتدأ والخبر من صلة التي.
وأنشد أبو علي في باب الفاعل
(٨)
إذا هيَ لمْ تستكْ بعودِ أراكةٍ ... تنخّلَ فاستاكتْ بهِ عودُ إسحلِ
стр. 50
هذا البيت لطفيل الغنوي، وقيل: هو لعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، واسم ربيعة حذيفة.
الشاهد فيه
إعمال الفعل الأول، وهو قوله: "تنخل عود إسحل فاستاكت به" ولو عمل الثاني لقال: "تنخل فاستاكت بعود اسحل"، ولا سبيل إلى إعمال الفعل الثاني في هذا البيت، لضرورة انكسار البيت.
لغة البيت
في جلاء الأسنان لغات، يقال: استاك يستاك، وساك يسوك واستن يستن وشاص يشوص، وماص يموص.
والأراك: شجرة يستاك بفروعه وأصوله، وهو أحسن المساويك.
والإسحل: شجر أطرافه من أحسن السواك، واحدته: إسحلة، وقضبانه لينة مستوية، تشبه بها الأصابع، كما قل امروء القيس: "أو مساويك إسحل" ومعنى تنخل: اختير ونقي، ومنه المنخل.
стр. 51
معنى البيت
يقول: إن فا هذه المرأة طيب الرائحة، لتعاهد بالسواك، فإن لم تجد عود أراكة، استاكت بالإسحل.
وفي هذا الشعر:
ديارٌ لسعدى إذْ سعادُ جدليةٌ ... من الأدمِ خمصانُ الحشا غيرُ خنثلِ
هجانُ البياضِ أشربتْ لونَ صفرةٍ ... عقيلةُ جوٍّ عازبٍ لمْ يحللِ
يحكى أن عريب جارية المأمون دخلت عليه، وفي يده سواك فناولها السواك، فكرهت أن تمانعه أخذه، فتزول عن سلطانه، وسبيل طاعته، وتستدعي سخطه بمخالفته، وتطيرت من تناوله، فمدت يدها إليه متكارهة، وأرسلت دمعتها تنحدر كالجمان، فعجب المأمون من فعلها، وسألها عن شأنها، فقالت: إن فرط الحب، وغلة الاشتياق، يخرجان المحب إلى التطير من كل ما يحاذر أن يقدح في الود، ويزيل عن العهد، ولذلك يقول القائل:
أهدى لهُ أحبابهُ أترجةً ... فبكى وأشفقَ منْ عيافهِ زاجرِ
خافَ التلوُّنَ والصُّدودَ لأنها ... لونانِ باطنها خلافُ الظَّاهر
فضحك المأمون وقال: إن حبك قد تمكن من قلبي، وملك جوارحي، فسلطانه أعز من أن يزيله حادث، أو يرثه وارث، وإني لك كما قال أبي لإحدى جواريه:
стр. 52
أحمي الفؤادَ عنِ النساءِ حفيظةً ... كيما يحلَّ حمى الفؤادِ سواكِ
فقولي في تطيرك من السواك شيئاً، فقالت بديهة:
دليلُ انتفاضِ الودِّ منْ خالصِ الودِّ ... مناولةُ المسواكِ أوْ طبقِ الوردِ
تطَّيرتُ إذْ ناولتنيهِ لقولهمْ ... سواكَ أريدُ اليومَ والقلبُ في جهدِ
فقال لها المأمون: لتطب نفسك، فلا أريد بك بديلاً، ولا عنك تحويلاً.
الإعراب
"إذا هي" ها هنا: مرتفعة بفعل مضمر عند سيبويه تقديره: إذا لم تستك هي لم تستك، وهذا الفعل المضمر لا يجوز إظهاره، لإغناء هذا الظاهر المفسر عنه، والعامل في "إذا" "تنخل"، لأنه جواب "إذا".
وأنشد أبو علي في الباب.
(٩)
قضى كلُّ ذي دينٍ فوفَّى غريمهُ ... وعزَّةُ ممطولٌ معنىًّ غريمها
стр. 53
هذا البيت لكثير بن عبد الرحمن الخزاعي، صاحب عزو.
الشاهد فيه
إعمال الفعل الثاني، وهو قوله: "فوفى غريمه" وتقدير الكلام: "قضى كل ذي دين غريمه"، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، على ما أصل في (كتابه) أبو علي ﵀.
ولو أعمل الأول لقال: (فوقاه غريمه) ويكون التقدير: "قضى كل ذي دين غريمه فوفاه" فيعيد الضمير على الظاهر المتقدم.
لغة البيت
الممطول: الذي يدفع بوعد بعد وعد، يقال: مطله بدينه مطلاً، ومطل الحداد السبيكة: مدها.
والمعنى: الأسير، يقال: عنوت فيهم، وعنيت عنواً وعناء: صرت أسيراً وأعنيته أسرته، وعنوت للحق عنواً: خضعت له. وفي التنزيل: (وعنت الوجوه للحي القيوم) . والعواني: النساء؛ لأنهن يظلمن، فلا ينتصرن، والتعنية: الحبس. قال أبو ذؤيب:
مشعشعةً منْ أذرعاتٍ هوتْ بها ... ركابٌ وعنَّتها الزِّقاق وقارها
стр. 54
وقال ساعدة بن جؤية:
فإنْ يكُ عتَّابٌ أصابَ بسهمهِ ... حشاهُ فعنَّاهُ الجوى والمحارفُ
دعا عليه بالحبس، وأثقل من الجراح.
والمعنى: جمل كان أهل الجاهلية ينزعون سناسن فقرته، ويعقرون سنامه، لئلا يركب وينتفع بظهره، وذلك إذ ملك صاحبه مئة بعير، وهو البعير الذي أمات إبله به.
وهذا يجوز أن يكون من العناء: الذي هو التعب، فهو على ذلك من الياء، ويجوز أن يكون من الحبس عن التصرف، فهو على هذا من الواو. و معنى البيت ظاهر.
خبر: وذكر أن عزة دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال لها: أنت عزة كثير؟ فقالت له: أنا أم بكر الضمرية.
فقال لها: يا عزة، أتروين من شعر كثير شيئاُ؟ فقالت: ما أعرفه، ولكني سمعت الرواة ينشدون له:
قضى كلُّ ذي دينٍ فوفَّى غريمهُ ... وعزُّهُ ممطولٌ معنىًّ غريمها
стр. 55
قال: أفتروبن له:
وقدْ زعمتْ أنَّي تغيَّرتُ بعدها ... ومنْ ذا الذي يا عزُّ لا يتغيَّرُ
تغيَّرَ جسمي والخليقةُ كالَّتي ... علمتِ ولمْ يخبرْ بسرِّكِ مخبرُ
فقالت: ما سمعت هذا، ولكني سمعتهم ينشدون له:
كأنِّي أنادي صخرةً حينَ أعرضتْ ... منَ الصُّمِ لو تمشي بها العصمُ زلَّتِ
صفوحاً فما تلقاكَ إلاَّ بخيلةً ... فمنْ ملَّ منها ذلكَ الوصلَ ملَّتِ
قال الصولي: أبو بكر محمد بن يحيى بن العباس: كان لكثير بن عبد الرحمن غلام تاجر فأتى الشام وهي لا تعرفه، فابتاعت منه حاجتها، ولم تدفع له ثمنها، فكان يختلف إليها مقتضباً، فأنشد يوماً قول مولاه:
قضى كلُّ ذي دين.... البيت
فقالت له المرأة التي ابتاعت الثياب لها: فهذه والله دار عزة، ولها ابتعت الثياب.
فقال: وأنا والله غلام كثير، فأشهد الله أن الثياب لها، ولا آخذ من ثمنها شيئاً، فبلغ ذلك كثيراً فقال: وأنا والله أشهد أنه حر، وأن ما بقي من المال له.
стр. 56
الإعراب
"عزة" مبتدأ و "غريمها" مبتدأ ثان، و "ممطول" خبره، و (معنى) ، صفة ممطول، والتقدير: وغزة غريمها ممطول معنى، ويجوز أن ترتفع "عزة" بالابتداء، و"ممطول" خبر المبتدأ، و"غريمها" مفعول لم يسم فاعله "بممطول"، ومعنى: خبر بعد خبر.
وجاز أن يجري اسم الفاعل على غير من هو له، من غير إبراز الضمير، لأجل الضمير العائد من "الغريم"، ولا يجوز أن يرتفع "الغريم" "بمعنى"، كما جاز ارتفاعه "بممطول"، لخلو ممطول عما يعود إلى المبتدأ الذي هو (عزة) .
وقياس قول من لم يظهر الضمير، في اسم الفاعل، وإن جرى على غير من هو له أن يجوز ارتفاعه "الغريم" بمعنى" يضمر في الأول على شريطة التفسير، وكذا قياس قول الكسائي، يجوز أن يرتفع "الغريم" "بمعنى"، لأن الفاعل عنده في قولك: ضربني وضربت زيداً. محذوف، فكما حف من نفس الفعل، كذلك يجوز أن لا يجعل في الاسم شيئاً، إذ كان اسم الفاعل عنده كالفعل في خلوه من الذكر، وينبغي إذا جاز ذلك في الفعل، أن يكون في اسم الفاعل أجوز عنده.
وأنشد أبو علي في الباب.
стр. 57
(١٠)
فلوْ أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني ولمْ أطلبْ قليلٌ منَ المالِ
هذا البيت لامرئ القيس
الشاهد فيه
إعمال الفعل الأول، وهو "كفاني" ورفع "قليل" لأنه لم يجعل القليل مطلوباً، والتقدير: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، لكفاني القليل من المال، واقتصرت عليه، ولم أطلب الملك.
ولو أعمل الثاني الذي هو "أطلب" ونصب به "قليلاً"، كان الكلام فاسداً، وذلك أن قوله:
فلولا أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ
يوجب أنه لم يسع لها، ألا ترى أنك لو قلت: لو لقيت زيداً، لذل أنك لم تلقه فهو ناف عن نفسه طلب أدنى معيشة، وبالنصب يوجب طلب القليل من المال، وهو محال.
ومما أعمل فيه الأول قول جزء أخي الشماخ:
أتاني فلمْ أسررْ بهِ حينَ جاءني ... حديثٌ بأعلى القنَّتينِ عجيبُ
стр. 58
ومثله ما أنشد أبو زيد:
قطوبٌ فما تلقاهُ إلاَّ كأنَّما ... زوى وجههُ أنْ لاكه فوهُ حنظلِ
وقال ذو الرمة:
ولمْ أمدحْ لأرضيهُ بشعري ... لئيماً أنْ يكونَ أصابَ مالا
معنى البيت
وصف بعد همته، فيقول: لو كان سعيي في الدنيا لأدنى حظ منها، لكفتني البلغة من العيش، ولم أتجشم الأمور العظيمة، وبعد البيت ما يدل على هذا.
ولكنَّما أسعى لمجدٍ موثَّلٍ ... وقدْ يدركُ المجدَ المؤثَّلَ أمثالي
فإن قيل: كيف يجتمع قوله هذا مع قوله:
ألا إلاَّ تكنْ إبلٌ فمعزى ... كأنَّ قرون جلَّتها العصيُّ
ثم قال:
فتوسعُ أهلها أقطاً وسمناً ... وحسبكَ منْ غنىً شبعٌ وريُ
فالجواب: إن التقاءهما من جهة القناعة، والجود بما وراءها لأن المرء لا يكون جواداً محضاً، حتى يقنع باليسير، ويجود يالخطير الكثير، ويؤثر، على نفسه ولو كان به
стр. 59
خصاصة، كما وصف الله به. أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عن جميعهم.
وكان طلحة بن عبيد الله يعطي حتى لا يجد ملبساً وقد منعه من الخروج إلى الصلاة أن لفق له بين ثوبين، وقال عروة بن الورد:
إنِّي امرؤٌ عافي إنائيَ شركةٌ ... وأنتَ امرؤٌ عافي إنائكَ واحدُ
أقسمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ ... وأحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ
يقول: إن قوته الذي هو قوام رمقه، ومقيم جسمه يطعمه، ويؤثر به على نفسه، وانه يحسو الماء عند الجهد، وشدة الزمان ويسقي اللبن، وإنما رغبة الجواد في المال ليهبه، ويطلبه لينهبه، وهذا هو المجد الذي أراد امرؤ القيس.
وكان قيس بن سعد بن عبادة، يقول في دعائه: "اللهم إني أسأل حمداً
стр. 60
ومجداً، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال".
ونظر أبو الطيب إلى هذا المعنى فقال:
فلا مجدَ في الدنيا لمنْ قلَّ مالهُ ... ولا مالَ في الدنيا لمنْ قلَّ مجدهُ
الإعراب
قوله "فلو أن ما أسعى": يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، فيكون التقدير: "فلو أن سعيي".
ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، وعلى هذا فلا بد لها من عائد علبها، فيكون التقدير: "أسعى له" فحذفه حذفاً، للمعرفة بهن على رأي سيبويه، وعلى رأي أبي الحسن، حذف أولا اللام، فبقي "أسعاه" ثم حذف المفعول، لطول الصلة، وللاستغناء عن المفعول، كما قال الله تعالى: (أهذا الذي بعث الله رسولا) ، وقوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) . "ما" تحتمل وجهين: الأول: أن تكون مصدرية، فيكون التقدير: فاصدع بالأمر.
والثاني: أن تكون "ما" بمعنى الذي، فيكون التقدير: بما تؤمر به. ثم حذف المجرور حذفاً، على رأي سيبويه، ورأي أبي الحسن يحذف حرف الجر ثم يحذف المفعول كالذي تقدم.
وأنشد أبو علي في باب الفعل المبني للمفعول به.
стр. 61
(١١)
ليبكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ ممَّا تطيحُ الطوائحُ
هذا البيت للحارث بن نهيك النهشلي، وينسب لمزرد إخي الشماخ، ويروى لنهشل بن حري منسوب إلى الحرة، يرثي يزيد القاضي.
الشاهد فيه
رفع "ضارع" بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، لأنه لما قال"لبيك" دل على أن ثم باكياً، يجب عليه أن يبكي، فكأنه قال: يبكيه ضارع ومختبط، وهو من باب ضرب زيد، عمرو، كأنه لما قال: ضرب زيد، قيل له: من ضربه؟ فقال: ضربه عمرو، وكذلك: أكل الخبز، زيد. وركب الفرس، محمد، تقديره: ركبه محمد، ومثله: قوله تعالى (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) . كأنه والله أعلم،
стр. 62
على تقدير "يسبحه فيها رجال" ومثله أيضاً قوله تعالى (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) ، معناه: زينه شركاؤهم، وبروى:
ليبكِ يزيدَ ضارعٌ لخصومةٍ
على أن يكون مبنياً للفاعل ولا شاهد فيه علة هذا.
لغة البيت
الضارع: الذليل الخاشع، والمختبط: الرجل عن غير معرفة تقدمت بينكما، ولا يد سلفت منه إليك، يقال: خبطت فلاناً فخبطني بخير، قال علقمة:
وفي كلِّ حيٍّ قدْ خبطتَ بنعمةٍ ... فحقَّ لشأسٍ منْ نداكَ ذنوبُ
وأصل الاختباط: ضرب الشجر بالعصا، ليسقط ورقها فتعلفها الإبل. ومعنى تطيح: تذهب وتهلك، يقال، أطاحته المنون: إذ هلك، وحكى الجرمي عن الأصمعي: طاح الشيء، وطاحه غيره: أي أبعده.
стр. 63
وألف"طاح" منقلبة عن واو، فيمن قال: طاح طوحاً، إذا هلك. وأيضاً إذا سقط منبسطاً. وأيضاً اضطرب عقله.
وهي منقلبة عن ياء، فيمن قال: طيحاً، قال أبو زيد: طاح يطيح طيحاناً، وما أطوحه، وأطيحه.
قال سيبويه: "وأما طاح يطيح، فزعم الخليل: أنها "فعل يفعل" كحسب يحسب، وهي من الواو، يذلك علة ذلك، "طوحت" ومن قال طيحت فقد جاء بها على مثل باع يبيع.
وقال السيرافي: يجوز أن تكون من الواو والياء.
وقال أبو الفتح: من قال: طاح يطيح، فقياسه أن يقول: المطائح، بتصحيح الياء. الفرقة من الناس: وجمعها: طوائح. ويقال: ذهبت طائحة من الناس، أي فرقة، وجاء الطوائح: على أطاح، على تقدير حذف الزيادة من فعله، كأنه من طاح فهو كسر على طوائح، ومثله قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح) .
يقال: ألقحت الريح السحاب، إذا ألفته وجمعته، والقياس: ملاقح وملقحات، ولكن قالوا: لواقح كما قالوا: أعقت الفرس فهي عقوق، والقياس معق، كذلك أورس النبت، وهو وارس، والقياس: مورس، وأغضى الليل فهو
стр. 64
غاض، والقياس: مغض قال:
يخرجنَ منْ أجوازِ ليلٍ غاضِ
وأدلى الدلو فهو دال، والقياس: مدل قال:
يكشفُ عنْ حمأتهِ دلوُ الدالْ
أي: المدلي، وأبقل المكان فهو: باقل، والقياس: مبقل، على أن"مبقلاً" قد جاء على القياس، قال دواد:
أعاشني بعدكَ وادٍ مبقلُ ... آكلُ منْ حوذانهِ وأنسلُ
المعنى
في هذا البيت أمران: أحدهما عام بالبكاء والتفجع على هذا الميت، لفضله وقيامه بما يسند إليه من الأمور، ولكثرة ما يحتاج إليه ويعول عليه.
ثم خص فقال: ليبكه الضارع والمختبط، وخص هذين الجنسين اللذين عدماه، إذ لا يجدان من يقوم لهما مقامه.
стр. 65
الإعراب
حذف مفعول "مختبط" أي، مختبط ورقاً، أو معروفاً، أو رزقاً، أو ما أشبه هذا، أو يريد: مختبطه: يعني الرثي، وحذفه لما في الكلام من الدليل عليه.
وقوله: "مما تطيح الطوائح" جملة في موضع النعت "للضارع والمختبط"، كأنه قال: كائنان مما تطيح الطوائح.
ورواه أبو علي في "التذكرة": قد طوحته الطوائح.
وأنشد أبو علي في باب الأفعال التي لا تتصرف.
(١٢)
عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه ... يكونُ وراءهُ فرجٌ قريبُ
هذا البيت لهدبة بن خشرم العذري.
الشاهد فيه
استعمال "عسى" بغير" أن" ضرورة، ورفع الفعل، ومثله قول مالك بن الريب.
стр. 66
وماذا عسى الحجاجُ يبلغُ حهدهُ ... إذا نحن جاوزنا حفير زيادِ
وأنشد سيبويه:
عسى اللهُ يغني عنْ بلاد ابنِ قادرٍ ... بمنهمرٍ جونِ الربابِ سكوبِ
معنى البيت
خاطب رجلاً أسيراً من قومه، يؤنسه ويصبره، وقيل: خاطب نفسه، لأنه قال هذا الشعر في سجن معاوية بالمدينة، لأنه أصاب دم رجل من قومه، يقال له: زيادة ابن زيد، وكان لزيادة ابن صغير، يسمى مسوراً، فلم يزل هدبة مسجوناً، حتى أدرك مسور، فبذل له أشراف أهل المدينة عشر ديات في أبيه، ليخلصوا هدبة، فأبى إلا القود، في حكاية طويلة ذكرها أبو العباس المبرد، وأبو الفرج
стр. 67
الأصبهاني وغيرهما. والشعر:
طربتَ وأنتَ أحياناً طروبُ ... وكيفَ وقدْ تعلاَّكَ المشيبُ
فقلتُ لهُ: هداكَ اللهُ مهلاً ... وخيرُ القولِ ذو اللبِ المصيبُ
عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيهِ ... يكونُ وراءهُ فرجٌ قريبُ
فيأمنَ خائفٌ ويفكَ عانٍ ... ويأتيَ أهلهُ الرجلُ الغريبُ
الإعراب
المشهور في كلام العرب استعمال"عسى" بأن، قال الله تعالى (عسى الله أن يتوب عليهم) ، (عسى الله أن يأتي بالفتح) ، و (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) ، وإنما تحذف منها "أن" تشبيهاً"بكاد" وتقريباً للآتي من الحاضر، على جهة التفاؤل للفرج المؤمل.
وعسى: طمع وإشفاق.
وإنما لم تتصرف عسى، للاستغناء عن ذلك بلزوم "أن" الفعل الذي هو خبرها، و"أن" للتراخي، وتدل على الاستقبال، واستعمل الماضي فيها دون الحاضر والآتي، لخفته.
وقيل: إنما لم تتصرف لأنها تناهت في المقاربة، ولما تناهت في المقاربة حدت عن التصرف، فإن قيل: فقد تصرف ما هو مثلها، أو أشد مبالغة في القرب
стр. 68
منها، وذلك شارف، وأطل، ونحو ذلك، وكل متصرف، تقول: هو يشارف مشارفة، ويطل إطلالاً، قيل: في "عسى" سر ليس في غيرها مما ذكرت، وهو أنها تأتي واجبة وليس كذلك شارف، وأطل، وقاربن لأن هذه على كل حال ليست للوقوع البتة، و"عسى" واجبة، فهي أشد مبالغة في ذلك منهن، ألا ترى أن جميع ما في التنزيل منها واجب، إلا حرفا واحداً: وهو قول الشاعر:
ظنِّي بهمْ كعسى وهمْ بتنوفةٍ ... يتنازعونَ جواهرَ الأمثالِ
أي: ظني بهم كاليقين.
فلما تناهت "عسى" في معناها، وكان فيها من ذلك ما ليس في غيرها، أخرجت عن بابها، وباب الفعل الذي يخصه هو التصرف، فمنعته.
وذهب بعضهم إلى أن "عسى" إنما منعت التصرف، لشبهها "بلعل"، و "لعل" حرف لا يتصرف، كما لا تتصرف الحروف.
وهذا اعتبارا يقود إليه ضعف نظر القائل به، وذلك أن شبه الحرف معنى، مضعف للاسم لا للفعل، ألا ترى أن جميع ما يبنى من الاسم لشبه الحرف، نحو
стр. 69
كم، ومن، ونحو ذلك، فأما الفعل فإنه إذا أشبه معناه الحرف، فإنه لا يبني، ولا يمنع التصرف، ألا ترى أكثر الفعل كذلك، وذلك نحو: أستثني، وهو في معنى"إلا"، وهو مع ذلك متصرف معرب، وأنفي في معنى "ما"، لما فيها من معنى الجحدية، وأدعو وأنادي، وهما في معنى "يا" واسأل واستفهم في معنى "هل"، وكل واحد من هذا النوع معرب متصرف، فهذا يدفع قول من قال: يمنع الفعل لتصرف شبهه بالحرف.
ويجوز أن يكون معنى "أمسيت": معنى "صرت" فيكون قوله: "فيه" في موضع نصب، لوقوعه موقع الخبر، أي: أمسيت كائنا فيه، ويجوز أن يكون "أمسيت" بمعنى الدخول في المساء، "ففيه": ظرف للفعل متعلق بنفس أمسيت. ويكون بمعنى يقع.
قوله: "وراءه" هو على بابه: أن يكون في مغيبه فرج، لأن وراء الشيء، متوار عنه.
ويجوز أن يكون "وراء" هنا بمعنى: أمام، قال الله تعالى: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) أي أمامهم.
ويروى: أمسيت، وأمسيت، بضم التاء وفتحها، يحتمل أن يكون خاطب نفسه، أو رجلاً أسيراً من قومه، يؤنسه ويصبره.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣)
قدْ كادَ من طولِ البلى أنْ يمصحا
стр. 70
هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وهو من شطر الرجز، من العروض الثالث، وهو المشطور ضربه كعروضه.
الشاهد فيه
استعمال "كاد" بأن ضرورة، والمستعمل في "كاد" إسقاطها. وأدخلها على خبر "كاد" تشبيهاً "بعسى" كما أسقطت من "عسى" تشبيهاً بكاد، لاشتراكهما في معنى المقاربة، ومثله قول الآخر:
كادتِ النَّفسُ أنْ تفيظَ عليهِ ... إذْ ثوى بينَ ريطةِ وبرودِ
اللغة
يقال: بلى الثوب بلى، وبلاء، أخلق، ويلي الإنسان: قال لبيد:
بلينا وما تبلى النجومُ الطوالعُ ... وتبقى الجبالُ بعدنا والمصانعُ
وقال الفند الزماني، واسمه شهل بن شيبان.
стр. 71
أياً طعنةَ ما شيخٍ ... كبيرٍ يفنٍ بالِ
ومصح الشيء مصوحاً: غاب في الأرض وغيرها. ومصح الكتاب: درس، ومصحت النار: همدت، وقال:
قفا نسألِ الدمنَ الماصحهْ ... وهلْ هيَ إنْ سئلتْ بائحهْ
ومصح بالشيء: ذهب به. وصح الظل: قصر.
وأنشد أبو علي في باب نعم وبئس.
(١٤)
فنعمَ صاحبُ قومٍ لا سلاحَ لهمْ ... وصاحبُ الرَّكبِ عثمانُ بنْ عفَّانا
نسب هذا البيت لجماعة، بسبه السيرافي في "أبيات الإصلاح" لكثير بن عبد الله بن العزيزة، وكذلك أبو الفرج الأصبهاني وذكر أن العزيزة أم عبد الله،
стр. 72
وكانت سبية من تغلب، وكثير هذا مخضرم.
ونسبه الفارسي في كتابه "البصريات" لحسان بن ثابت، من قصيدته التي يقول فيها:
لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهم ... اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عثمانا
ونسب إلى أوسِ بن مغراء.
الشاهد فيه
دخول "نعم" على اسم عار من الألف واللام، مضاف إلى ما لا ألف ولا لام فيه، وقد جاء مثله، أنشده الهجري في"نوادره".
فنعمَ مناخُ أزفلةٍ عجافٍ ... ملقى نستعينِ على رحيلِ
رجالٌ منْ خويلدِ آل عوفٍ ... حيالَ الشمسِ أو مجرى سهيلِ
وحسن حذف الألف واللام، من المضاف إليه في بيت "الإيضاح"، ثبوتها في المعطوف، إذ هما شريكان.
стр. 73
وزعم الأخفش أنها لغة قوم، يرفعون النكرة المضافة "بنعم وبئس"، تشبيهاً بما أضيف إلى ما فيه الألف واللام، وإليه أشار أبو علي في "الإيضاح بقوله: "وقد حكي أنه جاء فاعله مظهراً على غير هذين الوجهين".
وقال في "التذكرة": "قال بعض البصريين: اعلم أن العرب تجعل ما أضيف إلى ما ليس فيه ألف ولام، بمنزلة ما فيه ألف ولام، فترفعه كما ترفع ذلك، فتقول: نعم أخو قوم زيد "ولم تسمعه في كتابيه".
وقال أبو علي الفارسي: "ولا يجوز على قول سيبويه، نعم أبو رجل، ولا نعم غلام رجل، لأن فاعل هذا الضرب عنده، لا يكون واقعاً إلا على الجنس، ألا ترى أنك لو قلت: أهلك الناس شاة وبعير، على حد الشاة والبعير، لم يحسن. قال أبو علي الفارسي: إن قيل: لعله ينشد: "فنعم صاحب قوم"، بالنصب. قلت: لا يجوز ذلك، لأنك تعطف معرفة مرفوعة على نكرة منصوبة. فإن قيل: لم لا يكون "وصاحب الركب" معطوفاً على المضمر المرفوع في "نعم"؟.
فإن ذلك لا يجوز، لأنه مضمر مفسر، لا سبيل إلى إظهاره، ولا تأكيده، لأنه
стр. 74
غير مستغن بنفسه، لافتقاره إلى التفسير، فكأنه لم يعد يتم بعد، والعطف والتأكد والبدل، إنما يكون فيما تم، وإذا قبح العطف على المضمر المرفوع دون تأكيد، فالواجب ألا يجوز هنا ألبته، لما بينته من حال مضمر "نعم".
وقد نص أبو علي، وأبو بكر بن السراج، أن هذا العطف لا يجوز، قال أبو بكر ابن السراج: "لا يجوز نعم صاحباً والرجل زيد، من أجل أن "نعم" إذا نصبت، تضمنت مرفوعاً مضمراً فيها، وفي المسألة مرفوع ظاهر، فيستحيل هذا.
المعنى
قوله: "فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم".
إشارة إلى فضل عثمان ﵁، وأن شفاعته في القيامة تغني غناء من يدفع بسلاحه، عمن لا سلاح معه، ويحتمل أن يريد: أن بذله ماله، وتكرمه، وإطعامه، يقوم مقام السلاح الدافع عمن لا سلاح له.
ومقتله ﵁ مشهور في كتب التواريخ، روي أنه لما دخل عليه، والمصحف بين يديه، قال لأول داخل: بيني وبينك كتاب الله، فخرج وتركه، ثم دخل آخر، فقال له: مثل ذلك، فضربه بالسيف، فأبان يده، فقال: أما والله إنها لأول كف خطت المفضل، إلى أن دخل محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلاً،
стр. 75
فتعاونوا عليه، فقتلوه، ﵁، ودفن ليلاً وصلى عليه جبير بن مطعم وقتل معه يوم الدار المغيرة بن شريق، وعمر عثمان ﵁ ست وثمانون سنه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٥)
فأمَّا الصُّدورُ لا صدورَ لجعفرٍ ... ولكنَّ أعجازاً شديداً ضربوها
هذا البيت ينسب لتوبة بن الحمير، ووقع في "نوادر" الهجري لرجل من الضباب يهجو جعفر بن كلاب.
الشاهد فيه
رفع "الصدور" بالابتداء، ولم يعد عليها من اللفظ شيء، ولكنه عاد من
следующие страницы →