Полный текст (1 391 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعَرْضِهِ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ. وَلاسِيَّمَا إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ الْقُدُودِ وَالْخُدُودِ، فَإِنَّ سَامِعَ مَا كَانَ كَذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بَلِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّصَلُّبِ فِي ذَاتِ اللهِ عَلَى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ الْوَصْفُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
بَابُ ضَرْبِ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ لِقُدُومِ الْغَائِبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
٤٥٥٢- عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إنْ رَدَّك اللهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنِ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى فَقَالَ لَهَا: «إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ
فَاضْرِبِي وَإِلَّا فَلا» فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتْ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ. إنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتْ الدُّفَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ الْغَيْبَةِ. وَالْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ يَخُصُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَنْعِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَوَاطِنِ التَّخْصِيصِ اللَّهْوِ فِي الْعُرْسِ، وَالأعْيَادِ. وَرَوَى الْمُبَرِّدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ دَاخِلًا فِيهِ بَيْتُهُ تَرَنَّمَ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ: «حَرِّكْ بِالْقَوْمِ» . فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. والله أعلم.
стр. 1262
كِتَابُ الأطْعِمَةِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ
بَابٌ فِي أَنَّ الأصْلَ فِي الأعْيَانِ وَالأشْيَاءِ الإِبَاحَةُ
إلَى أَنْ يَرِدْ مَنْعٌ أَوْ إلْزَامٌ
٤٥٥٣- عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ مِنْ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» .
٤٥٥٤- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكَتْكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَاذَا أَمَرَتْكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
٤٥٥٥- وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفَرَاءِ، فَقَالَ: «الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا لَكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٤٥٥٦- وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: «لا. وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
стр. 1263
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ» هَذَا النَّهْيُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَنَاهِي، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا يُكْرَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
قَوْلُهُ: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَيْ اجْعَلُوهُ قَدْرَ اسْتَطَاعَتِكُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَقَوَاعِدِ الإِسْلامِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الأحْكَامِ.
قَوْلُهُ: «الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ» إلَى آخْره، الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ هُوَ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى جَمِيعِ الأحْكَامِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ أَوْ الإِشَارَةِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الأغْلَبِ لِحَدِيثِ: «إنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» .
بَابُ مَا يُبَاحُ مِنْ الْحَيَوَانِ الإِنْسِيِّ
٤٥٥٧- عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى - يَوْمَ خَيْبَرَ - عَنْ: لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ لِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد.
٤٥٥٨- وَفِي لَفْظِ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٤٥٥٩- وَفِي لَفْظِ: سَافَرْنَا، يَعْنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَشْرَبُ أَلْبَانَهَا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
٤٥٦٠- وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ فَأَكَلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٥٦١- وَلَفْظُ أَحْمَدَ: ذَبَحْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ نَحْنُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ.
٤٥٦٢- وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 1264
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: (نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِحِلِّ أَكْلِهَا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى كَرَاهَةِ أَكْلِ الْخَيْلِ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَغَيْرُهُمَا. وَاحْتَجُّوا بِالأخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي حِلِّهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ لَمَا كَانَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَرْقٌ، وَلَكِنَّ الآثَارَ إذَا صَحَّتْ عَنْ ... رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْلَى أَنْ نَقُولَ بِهَا مِمَّا يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَلاسِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ جَابِرٌ ... أَنَّهُ ﷺ (أَبَاحَ لَهُمْ لُحُومَ الْخَيْلِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي مَنَعَهُمْ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلافِ حُكْمِهِمَا.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ
٤٥٦٣- عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ.
٤٥٦٤- وَزَادَ أَحْمَدُ: (وَلَحْمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) .
٤٥٦٥- وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ - عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ نَضِيجًا وَنَيْئًا.
٤٥٦٦- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
٤٥٦٧- وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
٤٥٦٨- وَعَنْ زَاهِرٍ الأسْلَمِيِّ - وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ - قَالَ: إنِّي لأُوقِدُ تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إذْ نَادَى مُنَادٍ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ.
٤٥٦٩- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ
стр. 1265
عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
٤٥٧٠- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَالْمُجَثَّمَةَ وَالْحِمَارَ الإِنْسِيَّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٤٥٧١- وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ - لَيَالِيَ خَيْبَرَ - فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ لا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا، فَقَالَ نَاسٌ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لأنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَهَى عَنْهَا أَلْبَتَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٥٧٢، ٤٥٧٣- وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وَقَدْ ذَكَرَا.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: وَقَرَأَ ﴿قُل لاَّ أَجِدُ﴾ الآيَةَ، هَذَا الاسْتِدْلال إنَّمَا يَتِمُّ فِي الأشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهَا. وَأَمَّا الْحُمُرُ الإِنْسِيَّةُ فَقَدْ تَوَاتَرَتْ النُّصُوصُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى التَّحْرِيمِ مُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْقِيَاسِ. وَأَيْضًا الآيَةُ مَكِّيَّةٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَرَدَّدَ هَلْ كَانَ النَّهْيُ لِمَعْنًى خَاصٍّ أَوْ لِلتَّأْبِيدِ؟ وَعَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا ... النَّبِيُّ ﷺ لأنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ أَزَالَ هَذِهِ الاحْتِمَالاتِ
حَدِيثُ أَنَسٍ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ «فَإِنَّهَا رِجْسٌ» وَكَذَلِكَ الأمْرُ بِغَسْلِ الإِنَاءِ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلافًا إِلا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلاثُ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا الْكَرَاهَةُ.
قَوْلُهُ: (الْمُجَثَّمَةَ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَهِيَ كُلُّ حَيَوَانٍ يُنْصَبُ وَيُقْتَلُ.
بَابُ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ
٤٥٧٤- عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نهي عَنْ أكل كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
стр. 1266
٤٥٧٥- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ وَأَبَا دَاوُد.
٤٥٧٦- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ.
٤٥٧٧- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ - لُحُومَ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ وَلُحُومَ الْبِغَالِ وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٤٥٧٨- وَعَنْ ْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَلُحُومَ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ وَالْخُلْسَةَ وَالْمُجَثَّمَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: نَهَى - دَلَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ - زَادَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: الْمُجَثَّمَةَ أَنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ فَيُرْمَى. وَالْخُلْسَةُ الذِّئْبُ أَوْ السَّبُعُ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، يَعْنِي الْفَرِيسَةَ، فَتَمُوتُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالسَّبُعُ الْمُفْتَرِسُ مِنْ الْحَيَوَانِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ مَا يَفْتَرِسُ الْحَيَوَانَ وَيَأْكُلُ قَسْرًا قَالَ الشَّارِح: وَوَقَعَ الْخِلافُ فِي جِنْسِ السِّبَاعِ الْمُحَرَّمَةِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا أَكَلَ اللَّحْمَ فَهُوَ سَبُعٌ حَتَّى الْفِيلِ وَالضَّبُعِ وَالْيَرْبُوعِ وَالسِّنَّوْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَرَّمُ مِنْ السِّبَاعِ مَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ كَالأسَدِ وَالنِّمْرِ وَالذِّئْبِ. وَأَمَّا الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ فَيَحِلانِ عِنْدَهُ لأنَّهُمَا لا يَعْدُوَانِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمِخْلَبُ لِلطَّيْرِ بِمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ لِلإِنْسَانِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمَشْهُورُ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ، قَالَ ابْنُ رَسْلانَ: وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلُحُومَ الْبِغَالِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَبِهِ قَالَ الأكْثَرُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
стр. 1267
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهِرِّ وَالْقُنْفُذِ
٤٥٧٩- عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٤٥٨٠- وَعَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْقُنْفُذِ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآيَةُ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ قَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهُوَ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ الأوَّلِ عَلَى تَحْرِيمِ أَكَلِ الْهِرِّ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأهْلِيِّ. وَيُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ أَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الأنْيَابِ.
قَوْلُهُ: (الْقُنْفُذَ) وَهُوَ نَوْعَانِ: قُنْفُذٌ يَكُونُ قَدْرَ الْفَأْرِ الْكَبِيرِ وَآخَرُ فِي قَدْرِ الْكَلْبِ وَقَدْ اسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقُنْفُذِ لأنَّ الْخَبَائِثَ مُحَرَّمَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ، قَالَ الْقَفَّالِ: إنْ صَحَّ الْخَبَرُ فَهُوَ حَرَامٌ وَإِلَّا رَجَعْنَا إلَى الْعَرَبِ، وَالْمَنْقُولِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَهُ. قَالَ الشَّارِحُ: وَالرَّاجِحُ أَنَّ الأصْلَ الْحِلُّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ نَاهِضٌ يَنْقُلُ عَنْهُ أَوْ يَتَقَرَّرَ أَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فِي غَالِبِ الطِّبَاعِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ إسْنَادَهُ غَيْرُ قَوِيٍّ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
بَابُ مَا جَاءَ فِي الضَّبِّ
٤٥٨١- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ - وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إلَى الضَّبِّ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، قُلْنَ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟
стр. 1268
قَالَ: «لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» . قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ فَلَمْ يَنْهَنِي. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.
٤٥٨٢- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ: «لا آكُلهُ وَلا أُحَرِّمُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٥٨٣- وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُ نَاسٌ - فِيهِمْ سَعْدٌ - فَأَتَوْا بِلَحْمِ ضَبٍّ، فَنَادَتْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ: إنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُوا فَإِنَّهُ حَلالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
٤٥٨٤- وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الضَّبِّ: إنَّ ... رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْهُ وَإِنَّ عُمَرَ قَالَ: إنَّ اللهَ لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٥٨٥- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَقَالَ: «لا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ» .
٤٥٨٦- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي فِي غَائِطٍ مُضِبَّةٍ وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي، قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ: إنَّ اللهَ لَعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلَى سَبْطٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الأرْضِ، وَلا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا فَلَمْ آكُلْهَا، وَلا أَنْهَى عَنْهَا» . رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لا نَسْلَ لَهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَم ذَلِكَ إِلا بِوَحْيٍ، وَأَنَّ تَرَدُّدَهُ فِي الضَّبِّ كَانَ قَبْلَ الْوَحْيِ بِذَاكَ.
٤٥٨٧- وَالْحَدِيثُ يَرْوِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْقِرَدَةُ - قَالَ مِسْعَرٌ: وَأَرَاهُ ... قَالَ: وَالْخَنَازِيرُ - مِمَّا مُسِخَ، فَقَالَ: «إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلاً وَلا عَقِبًا» . وَقَدْ كَانَتْ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ.
стр. 1269
٤٥٨٨- وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مَسَخَ اللهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ «إنَّ اللهَ لَمْ يَهْلِكْ - أَوْ يُعَذِّبْ - قَوْمًا فَيَجْعَلُ لَهُمْ نَسْلاً» . رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «لا آكُلُهُ وَلا أُحَرِّمُهُ» فِيهِ جَوَازُ أَكْلِ الضَّبِّ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي الضَّبُعِ وَالأرْنَبِ
٤٥٨٩- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ قَالَ: قَلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
٤٥٩٠- وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرٍ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: «هِيَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» .
٤٥٩١- وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، وَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذِهَا فَقَبِلَهُ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
٤٥٩٢- وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: صِدْتُ أَرْنَبًا فَشَوَيْتُهَا، فَبَعَثَ مَعِي أَبُو طَلْحَةَ بِعَجُزِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِهَا.
٤٥٩٣- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا وَمَعَهَا صِنَابُهَا وَأُدْمُهَا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَأْكُلْ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
٤٥٩٤- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ: أَنَّهُ صَادَ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحَهُمَا بِمِرْوَتَيْنِ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِمَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: (قَالَ: نَعَمْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الضَّبُعِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا زَالَ النَّاسُ يَأْكُلُونَهَا
стр. 1270
وَيَبِيعُونَهَا بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلأنَّ الْعَرَبَ تَسْتَطِيبُهُ وَتَمْدَحُهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى التَّحْرِيمِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى حَدِيثِ كُلِّ ذِي نَابٍ.
قَوْلُهُ: (صِنَابُهَا) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ. وَالصِّنَابُ يُتَّخَذُ مِنْ الْخَرْدَلِ وَالزَّبِيبِ وَيُؤْتَدَمُ بِهِ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَلَّالَةِ
٤٥٩٥- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا ابْنَ مَاجَةْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
٤٥٩٦- وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
٤٥٩٧- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا النَّسَائِيّ.
٤٥٩٨- وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْجَلَّالَةِ فِي الإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
٤٥٩٩- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وَعَنْ الْجَلَّالَةِ عَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لُحُومِهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: (عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ) وَهِيَ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. وَقِيلَ إنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ فَهِيَ جَلَّالَةٌ، قَالَ الرَّافِعِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لا اعْتِدَادَ بِالْكُثْرِ بَلْ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتِنِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ رِيحُ مَرَقِهَا أَوْ لَحْمِهَا أَوْ طَعْمِهَا أَوْ لَوْنِهَا فَهِيَ جَلَّالَةٌ، وَالنَّهْيُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ، فَأَحَادِيثُ الْبَابِ ظَاهِرُهَا تَحْرِيمُ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلَّالَةِ وَشُرْبِ لَبَنِهَا وَرُكُوبِهَا. وَقَدْ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلَّالَةِ. وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقِيلَ يُكْرَهُ فَقَطْ كَمَا فِي اللَّحْمِ الْمُذَكَّى إذَا أَنْتَنَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
стр. 1271
بَابُ مَا اسْتُفِيدَ تَحْرِيمُهُ مِنْ الأمْرِ بِقَتْلِهِ أَوْ النَّهْي عَنْ قَتْلِهِ
٤٦٠٠- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٤٦٠١- وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
٤٦٠٣- وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْهُ الأمْرُ بِقَتْلِهِ.
٤٦٠٣- وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الأوْزَاغِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٠٤- زَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: وَكَانَ يَنْفُخُ عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇.
٤٦٠٥- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ. وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
٤٦٠٦- وَلابْنِ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ.
٤٦٠٧- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٠٨- وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ دَوَاءً، وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَلُ فِيهِ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٠٩- وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ إِلا الأبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ، وَيَتْبَعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦١٠- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ
стр. 1272
لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاثًا، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٤٦١١- وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «ثَلاثَةَ أَيَّامٍ» .
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: (أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ) قَالَ: أَهْلُ اللُّغَةِ: هِيَ مِنْ الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَاتِ وَجَمْعُهُ أَوْزَاغٍ وَسَامٌّ أَبْرَصُ جِنْسٌ مِنْهُ وَهُوَ كِبَارُهُ، وَتَسْمِيَتُهُ (فُوَيْسِقًا) كَتَسْمِيَةِ الْخَمْسِ فَوَاسِقَ لخُرُوجُها عَنْ خُلُقِ مُعْظَمِ الْحَشَرَاتِ وَنَحْوِهَا بِزِيَادَةِ الضُّرِّ وَالأذَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْفُخُ فِي إبْرَاهِيمَ) أَيْ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ لَمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ طَبْعُهَا مِنْ عَدَاوَةِ نَوْعِ الإِنْسَانِ.
قَوْلُهُ: (وَالصُّرَدِ) هُوَ طَائِرٌ فَوْقَ الْعُصْفُورِ، وَأَجَازَ مَالِكٌ أَكْلَهَ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَالِكِ لأنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا قَتَلَهُ. وَأَمَّا النَّمْلُ فَلَعَلَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ فِي قَتْلِ النَّمْلِ الْمُرَادِ بِهِ السُّلَيْمَانِيُّ: أَيْ لانْتِفَاءِ الأذَى مِنْهُ دُونَ الصَّغِيرِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا النَّحْلَةُ فَقَدْ رُوِيَ إبَاحَةُ أَكْلُهَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ. وَأَمَّا الْهُدْهُدُ فَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا حِلُّ أَكْلِهِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي قَتْلِهِ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ: (فَنَهَى عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا بَعْدَ تَسْلِيمٍ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْقَتْلِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الأكْلِ.
قَوْلُهُ: (يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ) هُوَ بِجِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ: وَهِيَ الْحَيَّاتُ جَمْعُ جَانٍّ وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، وَقِيلَ: الدَّقِيقَةُ الْخَفِيفَةُ. وَقِيلَ: الدَّقِيقَةُ الْبَيْضَاءُ.
قَوْلُهُ: (إِلا الأبْتَرَ) هُوَ قَصِيرُ الذَّنَبِ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ هُوَ صِنْفٌ مِنْ الْحَيَّاتِ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ لا تَنْظُرُ إلَيْهِ حَامِلٌ إِلا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنهَا. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: «يَتْبَعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ» . أَيْ يُسْقِطَانِ.
قَوْلُهُ: «وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ» هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ: وَهُمَا الْخَطَّانِ الأبْيَضَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ.
стр. 1273
قَوْلُهُ: «يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ» أَيْ يَطْمِسَانِهِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمَا إلَيْهِ لِخَاصِّيَّةٍ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى فِي بَصَرِهِمَا إذَا وَقَعَ عَلَى بَصَرِ الإِنْسَانِ.
قَوْلُهُ: «فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاثًا» ، وَالْمُرَادُ بِهِ الإِنْذَارُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي: لا تَقْتُلُوا حَيَّاتِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلا بِإِنْذَارٍ كَمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ، فَإِذَا أَنْذَرَهَا وَلَمْ تَنْصَرِفْ قَتَلَهَا. وَأَمَّا حَيَّاتُ غَيْرِ الْمَدِينَةِ فِي جَمِيعِ
الأرْضِ وَالْبُيُوتِ فَيُنْدَبُ قَتْلُهَا مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ لِعُمُومِ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الأمْرِ بِقَتْلِهَا، إلى أنْ قَال: وَخُصَّتْ الْمَدِينَةُ بِالإِنْذَارِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهَا. وَسَبَبُهُ مَا صُرِّحَ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ طَائِفَةٌ مِنْ الْجِنِّ بِهَا. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى عُمُومِ النَّهْيِ فِي حَيَّاتِ الْبُيُوتِ بِكُلِّ بَلَدٍ حَتَّى تُنْذَرَ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِي الْبُيُوتِ فَيُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ. قَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الأمْرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتٍ مُطْلَقًا مَخْصُوصٌ بِالنَّهْيِ عَنْ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ إِلا الأبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا بَعْدَ الإِنْذَارِ. قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَمَلُ الأصُولِيُّ فِي مِثْلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ أَرْجَحُ. وَأَمَّا صِفَةُ الاسْتِئْذَانِ فَقَالَ الْقَاضِي: رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: «أُنْشِدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد أَنْ تُؤْذِنَّنَا وَأَنْ تَظْهَرْنَ لَنَا» وَقَالَ مَالِكٌ: يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: أُحَرِّجُ عَلَيْك بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ لا تَبْدُوَا لَنَا وَلا تُؤْذِيَنَا.
وَتَبْوِيبُ الْمُصَنِّفِ فِي الْبَابِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الأمْرَ بِالْقَتْلِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ مِنْ أُصُولِ التَّحْرِيمِ قَالَ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ: أُصُولُ التَّحْرِيمِ إمَّا نَصُّ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الأمْرُ بِقَتْلِهِ كَالْخَمْسَةِ وَمَا ضَرَّ مِنْ غَيْرِهَا فَمَقِيسٌ عَلَيْهَا أَوْ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِ كَالْهُدْهُدِ وَالْخُطَّافِ وَالنَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ وَالصُّرَدِ أَوْ اسْتِخْبَاثُ الْعَرَبِ إيَّاهُ كَالْخُنْفِسَاءِ وَالضُّفْدَعِ وَالْعِظَايَةِ وَالْوَزَغِ وَالْحِرْبَاءِ وَالْجِعْلانِ وَكَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالزُّنْبُورِ وَالْقَمْلِ وَالْكَتَّانِ وَالنَّامِسِ وَالْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ وَهِيَ مُسْتَخْبَثَةٌ عِنْدَهُمْ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، فَكَانَ اسْتِخْبَاثُهُمْ طَرِيقَ تَحْرِيمٍ، فَإِنْ اسْتَخْبَثَهُ الْبَعْضُ اعْتُبِرَ الأكْثَرُ، وَالْعِبْرَةُ بِاسْتِطَابَةِ أَهْلِ السَّعَةِ لا ذَوِي الْفَاقَةِ.
стр. 1274
قَالَ الشَّارِح: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ وَالأحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الأصْلَ الْحِلُّ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لا يَثْبُتُ إِلا إذَا ثَبَتَ النَّاقِلُ عَنْ الأصْلِ الْمَعْلُومِ وَهُوَ أَحَدُ الأمُورِ الْمَذْكُورَةِ، فَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَاقِلٌ صَحِيحٌ فَالْحُكْمُ بِحِلِّهِ هُوَ الْحَقُّ كَائِنًا مَا كَانَ، وَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ التَّرَدُّدُ فَالْمُتَوَجِّهُ الْحُكْمُ بِالْحِلِّ لأنَّ النَّاقِلَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَ التَّرَدُّدِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَصَالَةَ الْحِلِّ بِالأدِلَّةِ الْخَاصَّةِ اسْتِصْحَابُ الْبَرَاءَةِ الأصْلِيَّةِ.
стр. 1275
أَبْوَابُ الصَّيْدِ
بَابُ مَا يَجُوزُ فِيهِ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ وَقَتْلُ الْكَلْبِ الأسْوَدِ الْبَهِيمِ
٤٦١٢- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
٤٦١٣- وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لا يَعْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦١٤- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلابِ إِلا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٤٦١٥- وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْلا أَنَّ الْكِلابَ أُمَّةٌ مِنْ الأمَمِ لأمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأسْوَدَ الْبَهِيمَ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
٤٦١٦- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلابِ حَتَّى إنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدُمُ مِنْ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
стр. 1276
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ إبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَكَذَلِكَ لِلزَّرْعِ وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ إِلا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ اتِّخَاذُهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ قِيَاسًا فَتَمْحَضُ كَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ وَامْتِنَاعِ
دُخُولِ الْمَلائِكَةِ إلَى الْبَيْتِ الَّذِي الْكِلابُ فِيهِ. قَالَ الشَّارِح: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ فِي اتِّخَاذِهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ الاتِّفَاقُ عَلَى قَتْلِهِ وَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالْبَازِي وَنَحْوِهِمَا
٤٦١٧- عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا بِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ فَقَالَ: «مَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ. فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» .
٤٦١٨- وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أُرْسِلُ الْكِلابَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ وَأَذْكُرُ اسْمَ اللهِ، قَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ» . قُلْت: وَإِنْ قَتَلْنَ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا» . قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأَصِيدُ. فَقَالَ: «إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْهُ» .
٤٦١٩- وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَك فَاذْكُرْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الإِبَاحَةِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ الْكَلْبُ جَرْحًا أَوْ خَنْقًا.
٤٦٢٠- وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ» .
стр. 1277
قُلْتَ:
وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «وَمَا صِدْت بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ» الْمُرَادُ بِالْمُعَلَّمِ الَّذِي إذَا أَعداهُ صَاحِبُهُ عَلَى الصَّيْدِ طَلَبَهُ، وَإِذَا زَجَرَهُ انْزَجَرَ، وَإِذَا أَخَذَ الصَّيْدَ حَبَسَهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَوْلُهُ: «مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يَحِلُّ أَكْلُ مَا يُشَارِكُهُ كَلْبٌ آخَرُ فِي اصْطِيَادِهِ وَمَحِلُّهُ مَا إذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ حَلَّ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ إرْسَالُهُمَا مَعًا فَهُوَ لَهُمَا وَإِلا فَلِلأوَّلِ.
قَوْلُهُ: «وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ وَلَوْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ فِيهِ. انتهى.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَازٍ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ مُجَالِدٌ بِذِكْرِ الْبَازِ فِيهِ وَخَالَفَ الْحُفَّاظَ.
قَالَ فِي الاخْتِيَارَاتِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَرْجعَ فِي تَعْلِيمِ الْفَهْدِ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ مِنْ جِنْسِ تَعْلِيمِ الصَّقْرِ بِالأَكْلِ أُلْحِقَ بِهِ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ يعلم بِتَرْكِ الأَكْلِ كَالْكَلْبِ أُلْحِقَ بِهِ، وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ بَعْد تَعَلُّمِهِ لَمْ يَحْرِمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ.
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ
٤٦٢١- عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ إِلا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٢٢- وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ ... رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْتَ الْكَلْبَ فَأَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَلا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا
стр. 1278
أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا أَرْسَلْتَهُ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ» .
٤٦٢٣- وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
٤٦٢٤- وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ لِي كِلابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا، قَالَ: «إنْ كَانَتْ لَك كِلابٌ مُكَلَّبَةٌ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَتْ عَلَيْك» . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: «ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ» . قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: «وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» . قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفْتِنِي فِي قَوْسِي، قَالَ: «كُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك قَوْسُكَ» . قَالَ ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: «ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ» . قَالَ: فَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي؟ قَالَ: «وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْك مَا لَمْ يَصِلَّ - يَعْنِي يَتَغَيَّرْ - أَوْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِ سَهْمِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَوْلُهُ: «وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ عَلَى حِلِّ مَا أَكل مِنْهُ الْكَلْبُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَالَ الْحَافِظُ: وَسَلَكَ النَّاسُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ طرقًا: الأوْلَى حَمْلُ حَدِيثُ الأعْرَابِيِّ عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُ وخلاه ثُمَّ عَاد فَأَكَلَ مِنْهُ الثَّانِية التَّرْجِيحُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: «كِلابًا مُكَلَّبَةً» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْكَلْبِ بِسُكُونِ اللامِ اسْمُ الْعَيْنِ فَيَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ خَصَّ مَا صَادَهُ الْكَلْبُ بِالْحِلِّ إذَا وُجِدَ مَيْتًا دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ الْجَوَارِحِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
مُشْتَقًّا مِنْ الْكَلَبِ بِفَتْحِ اللام وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّكْلِيبِ وَهُوَ التَّضْرِيَةُ، وَيُقَوِّي هَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فَإِنَّ الْجَوَارِحَ الْمُرَادَ بِهَا الْكَوَاسِبُ عَلَى أَهْلِهَا وَهُوَ عَامٌّ.
بَابُ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ
٤٦٢٥- عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّه
стр. 1279
إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، قَالَ: «إنْ أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» . قُلْت: إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ؟ قَالَ: «فَلا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِكِ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» .
٤٦٢٦- وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ - وَقَدْ قَتَلَ - فَلا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَوْحَاهُ أَحَدُهُمَا وَعَلِمَ بِعَيْنِهِ فَالْحُكْمُ لَهُ؛ لأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ قَاتَلَهُ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «وَسَمَّيْت» اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ذَلِكَ، إنَّمَا الْخِلافُ فِي كَوْنِهَا شَرْطًا فِي حِلِّ الأكْلِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ إلَى أَنَّهَا شَرْطٌ. وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالشَّافِعِيُّ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ - إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ. وَاخْتَلَفُوا إذَا تَرَكَهَا نَاسِيًا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الذَّاكِرِ، فَيَجُوزُ أَكْلُ مَا تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ سَهْوًا لا عَمْدًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَوْلُهُ: (أَوْحَاهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى أَنْهَاهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ.
بَابُ الصَّيْدِ بِالْقَوْسِ وَحُكْمُ الرَّمْيَةِ إذَا غَابَتْ أَوْ وَقَعَتْ فِي مَاء
٤٦٢٧- عَنْ عَدِيٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّا قَوْمٌ نَرْمِي فَمَا يَحِلُّ لَنَا؟ قَالَ: «يَحِلُّ لَكُمْ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذَكَرْتُمْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَخَزَقْتُمْ فَكُلُوا ... مِنْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا قَتَلَهُ السَّهْمُ بِثِقَلِهِ لا يَحِلُّ.
٤٦٢٨- وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتَنْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1280
٤٦٢٩- وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الصَّيْدِ ... فَقَالَ: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللهِ فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إِلا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّك لا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّهْمَ إذَا أَوْحَاهُ أُبِيحَ لأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ سَهْمَهُ قَتَلَهُ.
٤٦٣٠- وَعَنْ عَدِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
٤٦٣١- وَفِي رِوَايَةٍ: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٣٢- وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنَّا نَرْمِي الصَّيْدَ فَنَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ ثُمَّ نَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: «يَأْكُلُ إنْ شَاءَ اللهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٤٦٣٣- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: إنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ صَيْدٍ فَيَرْمِي أَحَدُنَا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَيَجِد فِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: ... «إذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِهِ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٣٤- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ سَهْمِي مِنْ الْغَدِ، قَالَ: «إذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتَنْ» جَعَلَ الْغَايَةَ أَنْ يَنْتَنَ الصَّيْدُ، فَلَوْ وَجَدَهُ فِي دُونِهَا مَثَلاً بَعْدَ ثَلاثٍ وَلَمْ يَنْتَنْ حَلَّ، فَلَوْ وَجَدَهُ دُونَهَا وَقَدْ أَنْتَنَ فَلا، هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِهِ إذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ.
قَوْلُهُ: «إِلا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ» وَجْهُهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ حِينَئِذٍ التَّرَدُّدُ هَلْ
стр. 1281
قَتَلَهُ السَّهْمُ أَوْ الْغَرَقُ فِي الْمَاءِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَحِلَّهُ مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْدُ بِتِلْكَ الْجِرَاحَةِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ.
قَوْلُهُ: «لَيْسَ بِهِ إِلا أَثَرُ سَهْمِكَ» مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذا وُجِدَ فِيهِ أَثَرٌ غَيْرُ سَهْمِهِ لا يُؤْكَلُ. انْتَهَى ملخصًا.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
٤٦٣٥- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ: «إنَّهَا لا تَصِيدُ صَيْدًا وَلا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ ... الْعَيْنَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٣٦- وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «أَنْ تَذْبَحَهُ وَلا تَأْخُذَ بِعُنُقِهِ فَتَقْطَعَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٣٧- وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَزَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْزِقْ فَلا تَأْكُلْ، وَلا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إِلا مَا ذَكَّيْتَ، وَلا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقَةِ إِلا مَا ذَكَّيْتَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ مُرْسَلٌ. إبْرَاهِيمُ لَمْ يَلْقَ عَدِيًّا.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَحَدِيثُ عَدِيٍّ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلاً لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ الْخَذْفِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الرَّمْيُ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ أَوْ بَيْنَ الإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ أَوْ عَلَى ظَاهِرِ الْوُسْطَى وَبَاطِنِ الإِبْهَامِ. وَالْمُرَادُ بِالْبُنْدُقَةِ الْمَذْكُورَةِ هِيَ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْ طِينٍ وَتَيْبَسُ فَيُرْمَى بِهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ.
قَوْلُهُ: «بِغَيْرِ حَقِّهِ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الْعُصْفُورِ وَمَا شَاكَلَهُ لِمُجَرَّدِ الْعَبَثِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
стр. 1282
بَابُ الذَّبْحِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ
٤٦٣٨- عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الأرْضِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٣٩- وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا؟ فَقَالَ: «سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا» ، قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ وَالأفْعَالَ تُحْمَلُ عَلَى حَالِ الصِّحَّةِ وَالسَّلامَةِ إلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ الْفَسَادِ.
٤٦٤٠- وَعَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: يُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ بِحَجَرٍ.
٤٦٤١- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: أَنَّ ذِئْبًا نَيَّبَ فِي شَاةٍ فَذَبَحُوهَا بِمَرْوَةِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَكْلِهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٤٢- وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّا نَصِيدُ فَلا نَجِدُ سِكِّينًا إِلا الظِّرَارَ وَشِقَّةَ الْعَصَا، فَقَالَ: «أَمِرَّ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّه عَلَيْهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.
٤٦٤٣- وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ
فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
٤٦٤٤- وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ
стр. 1283
الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٤٥- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وَأَنْ تُوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ، وَقَالَ: «إذَا ذَبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجْهِزْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٤٦- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُدَيْلُ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى: أَلا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَلا تُعَجِّلُوا الأنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
٤٦٤٧- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالا: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الْجِلْدُ وَلا تُفْرَى الأوْدَاجُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
٤٦٤٨- وَعَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٤٩- وَعَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ قَالَ: «لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخْذِهَا لأجْزَأَكَ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَهَذَا فِيمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.
٤٦٥٠- وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إبِلِ الْقَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ أَوْ الصَّلِيبِ أَوْ لِمُوسَى أَوْ لِعِيسَى ﵉ أَوْ لِلْكَعْبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ وَلا تَحِلُّ هَذِهِ الذَّبِيحَةُ
стр. 1284
سَوَاءٌ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ الْمَذْبُوحِ لَهُ غَيْرُ اللهِ تَعَالَى وَالْعِبَادَةُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، فَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا. وَذَكَرَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ أَفْتَى أَهْلُ بُخَارَى بِتَحْرِيمِهِ لأنَّهُ مِمَّا أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا إنَّمَا يَذْبَحُونَهُ اسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ فَهُوَ كَذَبْحِ الْعَقِيقَةِ لِوِلادَةِ الصبي.
قَوْلُهُ: فَقَالَ: «سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ» قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ التَّسْمِيَةُ هُنَا عِنْدَ الأكْلِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيُّ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا يُوجَدَ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَكَذَا مَا ذَبَحَهُ أَعْرَابُ الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْمَرْأَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
قَوْلُهُ: (إِلا الظِّرَارَ) بِالْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءَانِ مُهْمَلَتَانِ بَيْنَهُمَا أَلْفٌ جَمْعُ ظُرَرٍ: وَهِيَ الْحِجَارَةُ.
قَوْلُهُ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» أَيْ أَسَالَهُ وَصَبَّهُ بِكَثْرَةٍ.
قَوْلُهُ: «وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ لأنَّهُ عَلَّقَ الإِذْنَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ» قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ قِيَاسٌ حُذِفَتْ مِنْهُ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ، وَالتَّقْدِيرُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَكُلُّ عَظْمٍ لا يَحِلُّ الذَّبْحُ بِهِ، وَطَوَى النَّتِيجَةَ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: «وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» أَيْ وَهُمْ كُفَّارٌ. وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ الصَّلاحِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ. وَقِيلَ: نَهَى عَنْهُمَا لأنَّ الذَّبْحَ بِهِمَا تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَلا يَقَعُ بِهِ غَالِبًا إِلا الْخَنْقُ الَّذِي هُوَ عَلَى صُورَةِ الذَّبْحِ.
قَوْلُهُ: «عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ» أَيْ ذَبِيحَتِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: شَرِيطَةُ الشَّيْطَانِ قِيلَ هِيَ الذَّبِيحَةُ الَّتِي لا يُقْطَعُ أَوْدَاجُهَا وَلا يُسْتَقْصَى ذَبْحُهَا وَهُوَ
стр. 1285
مِنْ شَرْطِ الْحَجَّامِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ بَعْضَ حَلْقِهَا وَيَتْرُكُونَهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إلَى الشَّيْطَانِ لأنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَحَسَّنَ هَذَا الْفِعْلَ لَدَيْهِمْ وَسَوَّلَهُ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: «لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا» إلَى آخره قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ: هَذَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالمترَدِّي فِي الْبِئْرِ وَأَشْبَاهِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد بَعْدَ إخْرَاجِهِ: هَذَا لا يَصِحُّ إِلا فِي الْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّافِرَةِ وَالْمُتَوَحِّشَةِ.
قَوْلُهُ: (نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا) فِيهِ أَنَّ النَّحْرَ يُجْزِئُ فِي الْخَيْلِ كَمَا يُجْزِئُ فِي الإِبِلِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الأصْلُ فِي الإِبِلِ النَّحْرُ، وَفِي الشَّاةِ وَنَحْوِهَا الذَّبْحُ. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ ذَبْحِهَا وَفِي السُّنَّة ذِكْرُ
نَحْرِهَا. وَاخْتُلِفَ فِي ذَبْحِ مَا يُنْحَرُ وَنَحَرَ مَا يُذْبَحُ، فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
قَوْلُهُ: «أَوَابِدَ» جَمْعُ آبِدَةٍ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ مَا رُمِيَ بِالسَّهْمِ فَجُرِحَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَحْشِيَّا أَوْ مُتَوَحِّشَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
بَابُ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بذَكَاةِ أُمِّهِ
٤٦٥١- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَنِينِ: «ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٥٢- وَفِي رِوَايَةٍ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينُ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُ؟ قَالَ: «كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» مَرْفُوعَان بِالابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ الإِخْبَارُ عَنْ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بِأَنَّهَا زَكَاةُ أُمِّهِ فَيَحِلُّ بِهَا كَمَا تَحِلُّ الأمُّ بِهَا وَلا يَحْتَاجُ إلَى تَذْكِيَةٍ.
стр. 1286
بَابُ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتَةٌ
٤٦٥٣- عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا قُطِعَ مِنْ بَهِيمَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٥٤- وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَبِهَا نَاسٌ يَعْمِدُونَ إلَى أَلَيَّاتِ الْغَنَمِ وَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ يَجُبُّونَهَا، فَقَالَ: «مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيْتَةٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٤٦٥٥- وَلأبِي دَاوُد مِنْهُ الْكَلامُ النَّبَوِيُّ فَقَطْ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «فَهُوَ مَيْتَةٌ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَائِنَ مِنْ الْحَيِّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيْتَةِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَنَجَاسَتِهِ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَحَيَوَانِ الْبَحْرِ
٤٦٥٦- قَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ «هُوَ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
٤٦٥٧- عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلا ابْنَ مَاجَةْ.
٤٦٥٨- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيْتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، أَطْعِمُونَا إنْ كَانَ مَعَكُمْ» . فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ فَأَكَلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٥٩- وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ... ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيِّتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةْ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَهُوَ لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَاده قَالَ أَحْمَدُ: وابْنُ الْمَدِينِيِّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ ضَعِيفٌ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ ثِقَةٌ.
стр. 1287
٤٦٦٠- وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ ذَبَحَ مَا فِي الْبَحْرِ لِبَنِي آدَمَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ مَوْقُوفًا.
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: الطَّافِي حَلالٌ.
وَعَنْ عُمَرَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ قَالَ: صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ وَطَعَامُهُ مَا رَمَى بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَيْتَتُهُ إِلا مَا قَذَرْت مِنْهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ صَيْدِ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ يَهُودِيٍّ، أَوْ مَجُوسِيٍّ.
وَرَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلابِ الْمَاءِ ذَكَرَهُنَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: (نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّدُ الْغَزْوِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَعَ أَكْلِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ بِلَفْظٍ وَيَأْكُلُهُ مَعَنَا وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الإِجْمَاعَ عَلَى حِلِّ أَكْلِ الْجَرَادِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى حِلِّ أَكْلِ الْجَرَادِ وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، إلى أنْ قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى إبَاحَةِ مَيْتَةِ الْبَحْرِ سَوَاءٌ مَاتَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ مَاتَتْ بِالاصْطِيَادِ. وَلا خِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حِلِّ السَّمَكِ عَلَى اخْتِلافِ أَنْوَاعِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانِ الْبَرِّ كَالآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ يُحَرَّمُ، وَالأصَحُّ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ الْحِلُّ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، إِلا الْخِنْزِيرَ فِي رِوَايَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا أَنَّهُ يَحِلُّ مَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ، وَمَا لا فَلا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَاسْتَثْنَتْ الشَّافِعِيَّةُ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَهُوَ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الأوَّلُ مَا وَرَدَ فِي مَنْعِ أَكْلِهِ شَيْءٌ يَخُصُّهُ كَالضُّفْدَعِ، وَكَذَا اسْتَثْنَاهُ أَحْمَدُ وَمِنْ الْمُسْتَثْنَى التِّمْسَاحُ وَالْقِرْشُ وَالثُّعْبَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالسَّرَطَانُ وَالسُّلَحْفَاةُ للاسْتِخْبَاثِ وَالضَّرَرِ اللاحِقِ
مِنْ السُّمِّ. النَّوْعُ الثَّانِي مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَانِعٌ فَيَحِلُّ لَكِنْ بِشَرْطِ التَّذْكِيَةِ كَالْبَطِّ وَطَيْرِ الْمَاءِ.
стр. 1288
بَابُ الْمَيْتَةُ لِلْمُضْطَرِّ
٤٦٦١- عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا مَخْمَصَةٌ فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: «إذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَعْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلاً فَشَأْنُكُمْ بِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
٤٦٦٢- وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ كَانُوا. بِالْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ قَالَ: فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ - أَوْ لِغَيْرِهِمْ - فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَكْلِهَا، قَالَ: فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ أَوْ سَنَتِهِمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
٤٦٦٣- وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ رَجُلاً نَزَلَ الْحَرَّةَ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ نَاقَةً لِي ضَلَّتْ فَإِنْ وَجَدَتْهَا فَأَمْسِكْهَا، فَوَجَدَهَا فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَمَرِضَتْ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: انْحَرْهَا، فَأَبَى فَنَفَقَتْ، فَقَالَتْ: اُسْلُخْهَا حَتَّى نَقْدُرَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ» ؟ قَالَ: لا، قَالَ: «فَكُلُوهُ» . قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: هَلا كُنْت نَحَرْتَهَا؟ قَالَ: اسْتَحَيْتُ مِنْكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى إمْسَاكِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلاً» مِنْ الْحَفَاءِ وَهُوَ الْبُرْدِيِّ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ - نَوْعٌ مِنْ جَيِّدِ التَّمْرِ. وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْبُرْدِيَّ لَيْسَ مِنْ الْبُقُولِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ أَصْلُ الْبُرْدِيِّ الأبْيَضِ الرُّطَبُ وَقَدْ يُؤْكَلُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَصْطَبِحُوا وَتَغْتَبِقُوا
وَتَجْمَعُوهُمَا مَعَ الْمَيْتَةِ قَالَ الأزْهَرِيُّ: قَدْ أُنْكِرَ هَذَا عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَفُسِّرَ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا لَمْ تَجِدُوا أَلْبِنَةً تَصْطَبِحُونَهَا أَوْ شَرَابًا تَغْتَبِقُونَهُ وَلَمْ تَجِدُوا بَعْدَ عَدَمِ الصَّبُوحِ وَالْغَبُوقِ بَقْلَةً تَأْكُلُونَهَا حُلَّتْ لَكُمْ الْمَيِّتَةُ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الشَّارِح: وَقَدْ دَلَّتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا يَكْفِيهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَالَ فِي الاخْتِيَارَاتِ: وَالْمُضْطَرُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ
стр. 1289
الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لا السُّؤَال. وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ قَدْ قِيلَ إِنَّهُمَا صِفَةٌ لِلشَّخْصِ مُطْلَقًا، فَالْبَاغِي كَالْبَاغِي عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَادِي كَالصَّائِلِ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمَا صِفَة لِضَرُورَتِهِ فَالْبَاغِي الَّذِي يَبْغِي الْمُحَرَّم مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَلالِ، وَالْعَادِي الَّذِي يِتَجَاوَزُ قَدْرَ الْحَاجَةِ كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾ . وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهُوَ الصَّوَابُ بِلا رَيْبٍ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامُ الإِنْسَانِ بِغَيْرِ إذْنِهِ
٤٦٦٤- عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَيُنْتَثَلُ طَعَامُهُ وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلا ... بِإِذْنِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٦٥- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ قَالَ: شَهِدْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى، وَكَانَ فِيمَا خَطَبَ، أَنْ قَالَ: «وَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلا مَا طَابَتْ بِهِ ... نَفْسُهُ» . قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ لَوْ لَقِيتُ فِي
مَوْضِعٍ غَنَمَ ابْنِ عَمِّي فَأَخَذْتُ مِنْهَا شَاةً فَاجْتَزَرْتُهَا هَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: «إنْ لَقِيتَهَا نَعْجَةً تَحْمِلُ شَفْرَةً وَأَزْنَادًا فَلا تَمَسَّهَا» .
٤٦٦٦- وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَادَتِي نُرِيدُ الْهِجْرَةَ حَتَّى إذَا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ: فَدَخَلُوا وَخَلَّفُونِي فِي ظَهْرِهِمْ، فَأَصَابَتْنِي مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَمَرَّ بِي بَعْضُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَأَصَبْتَ مِنْ تَمْرِ حَوَائِطِهَا، قَالَ: فَدَخَلْتُ حَائِطًا فَقَطَعْتُ مِنْهُ قِنْوَيْنِ، فَأَتَانِي صَاحِبُ الْحَائِطِ وَأَتَى بِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ خَبَرِي وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ، فَقَالَ لِي: «أَيُّهُمَا أَفْضَلُ» ؟ فَأَشَرْتُ إلَى أَحَدِهِمَا، فَقَالَ: «خُذْهُ وَأَعْطِ صَاحِبَ الْحَائِطِ الآخَرَ» . فَخَلَّى سَبِيلِي. رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «مَشْرُبَتُهُ» وَالْمُرَادُ هُنَا الْغُرْفَةُ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامُ، شَبَّهَ ﷺ ضُرُوعَ الْمَوَاشِي فِي حِفْظِهَا مَا فِيهَا مِنْ اللَّبَنِ
стр. 1290
بِالْمَشْرُبَةِ فِي حِفْظِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الطَّعَامِ، فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ يَحْفَظُ فِيهَا الإِنْسَانُ طَعَامَهُ فَتِلْكَ تَحْفَظُ لَهُ شَرَابَهُ وَهُوَ لَبَنُ مَاشِيَتِهِ، وَكَمَا أَنَّ الإِنْسَانَ يَكْرَهُ دُخُولَ غَيْرِهِ إلَى مَشْرُبَتِهِ لأخْذِ طَعَامِهِ كَذَلِكَ يَكْرَهُ حَلْبَ غَيْرِهِ مَاشِيَتَهُ فَلا يَحِلُّ الْجَمِيعُ إِلا بِإِذْنِ الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ: «إنْ لَقِيتَهَا نَعْجَةً تَحْمِلُ شَفْرَةً وَأَزْنَادًا» هَذَا فِيهِ مُبَالَغَةٌ مِنْ الْمَنْعِ فِي أَخْذِ مُلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى حَالٍ مُشْعِرَةٍ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَاشِيَةَ مُعَدَّةٌ لِلذَّبْحِ حَامِلَةً لِمَا تَصْلُحُ بِهِ مِنْ آلَةِ الذَّبْحِ وَهِيَ الشَّفْرَةُ، وَآلَةُ الطَّبْخِ وَهُوَ الأزْنَادُ وَهِيَ جَمْعُ زَنْدٍ: وَهُوَ الْعُودُ الَّذِي يُقْدَحُ بِهِ النَّارَ.
قَوْلُهُ: «وَأَعْطِ صَاحِبَ الْحَائِطِ الآخَرَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَغْرِيمِ السَّارِقِ قِيمَةَ مَا أَخَذَهُ مِمَّا لا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَعَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ لا تُبِيحُ الإِقْدَامَ عَلَى مَالِ
الْغَيْرِ مَعَ وُجُودِ مَا يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ وَلَوْ كَانَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَةُ الإِنْسَانِ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُنَا أَخَذَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِ النَّخْلِ.
بَابُ مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ لِابْنِ السَّبِيلِ
إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِطٌ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً
٤٦٦٧- عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٦٨- وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَائِطَ، فَقَالَ: «يَأْكُلُ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
٤٦٦٩- وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلْيُصَوِّتْ ثَلاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلا يَحْمِلْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ.
٤٦٧٠- وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَائِطًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْحَائِطِ ثَلاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ
стр. 1291
وَإِلا فَلْيَأْكُلْ، وَإِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِإِبِلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الإِبِلِ أَوْ يَا رَاعِيَ الإِبِلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلا فَلْيَشْرَبْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةْ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ «إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِطٌ» . وَظَاهِرُ الأحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ مُخَالِفٌ لِمَا قَيَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: «إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِطٌ» أَيْ جِدَارٌ يَمْنَعُ الدُّخُولَ
إلَيْهِ بِحِرْزِهِ طُرُقُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الإِشْعَارِ بِعَدَمِ الرِّضَا، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ الأحَادِيثَ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلا مَلْجَأَ إلَى هَذَا بَلْ الظَّاهِرُ الإِطْلاقُ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ.
قَوْلُهُ: «وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ مَا تَحْمِلُهُ فِي حِضْنِكَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَهَذَا الإِطْلاقُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ الأمْرِ بِالنِّدَاءِ ثَلاثًا. إلى أنْ قَالَ: وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ جَوَازُ الأكْلِ مِنْ حَائِطِ الْغَيْرِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَاشِيَتِهِ بَعْدَ النِّدَاءِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إلَى الأكْلِ أَمْ لا.
بَابُ مَا جَاءَ فِي الضِّيَافَةِ
٤٦٧١- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّك تَبْعَثُنِي فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا: «إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» .
٤٦٧٢- وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الأخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» . قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا ... رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
٤٦٧٣- وَعَنْ الْمِقْدَامِ - أَبِي كَرِيمَةَ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، إنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ» .
٤٦٧٤- وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ
стр. 1292
أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» . رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
٤٦٧٥- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ وَلا حَرَجَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ» إلَى آخره قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أَيْ لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْضِهِمْ وَزَرْعِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ. قَالَ ابْنُ رَسْلانَ: وَالضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الأخْلاقِ وَمَحَاسِنِ الدِّينِ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الشَّارِح: وَالْحَقُّ وُجُوبُ الضِّيَافَةِ.
بَابُ الأدْهَانُ تُصِيبُهَا النَّجَاسَةُ
٤٦٧٦- عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٧٧- وَفِي رِوَايَةٍ: سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ فَقَالَ: «إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلا تَقْرَبُوهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٧٨- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقَالَ: «إنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ثُمَّ كُلُوا مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلا تَقْرَبُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مَحْفُوظٌ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ، يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: هَذَا خَطَأٌ.
قَالَ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ، يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (فَمَاتَتْ) اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لاِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَائِعَ إذَا حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لا يُنَجَّسُ إِلا بِالتَّغَيُّرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
стр. 1293
بَابُ آدَابِ الأكْلِ
٤٦٧٩- عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٤٦٨٠- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٤٦٨١- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ، وَلا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٤٦٨٢- وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ غُلامًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: «يَا غُلامُ سَمِّ اللهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٨٣- وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَمَّا أَنَا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلا مُسْلِمًا وَالنَّسَائِيُّ.
٤٦٨٤- وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ وَقَالَ: «إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ» . وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ وَقَالَ: «إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٤٦٨٥- وَعَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: ضِفْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، قَالَ: فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحْتَزُّ لِي بِهَا مِنْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
٤٦٨٦- وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، فَقَالَ: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ» ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأُتِيَ بِثَلاثَةِ أَقْرِصَةٍ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ
стр. 1294
قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ مِنْ أُدُمٍ» ؟ قَالُوا: لا إِلا شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: «هَاتُوهُ فَنِعْمَ الأدْمُ هُوَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
٤٦٨٧- وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو ﵁: أَنَّ رَجُلاً مِنْ قَوْمِهِ - يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ - صَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا، فَأَرْسَلَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ : ائْتِنِي أَنْتَ وَخَمْسَةٌ مَعَكَ، قَالَ: فَبَعَثَ إلَيْهِ: (أَن ائْذَنْ لِي فِي السَّادِسِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٤٦٨٨- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٦٨٩- وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ فِيهِ: «بِالْمِنْدِيلِ» .
٤٦٩٠- وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
٤٦٩١- وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْخَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، ثُمَّ لَحِسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٤٦٩٢- وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّت النَّارُ، فَقَالَ: لا، لَقَدْ كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ إِلا قَلِيلاً، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٩٣- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا النَّسَائِيّ.
٤٦٩٤- وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
стр. 1295
٤٦٩٥- وَفِي لَفْظٍ: كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلا مَكْفُورٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٤٦٩٦- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: ... «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةْ.
٤٦٩٧- وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
٤٦٩٨- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ» . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِي مَكَانَ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ غَيْرَ اللَّبَنِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا النَّسَائِيّ.
قَوْلُهُ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ» إلى آخره، قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَفِيه دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ لِلأكْلِ، وَأَنَّ النَّاسِيَ يَقُولُ فِي أَثْنَائِهِ: بِسْمِ اللهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ.
قَوْلُهُ: «لا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ» إلى آخره، فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الأكْلِ وَالشُّرْبِ بالشِّمَالِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُ الأفْعَالِ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْعَالَ الشَّيْطَانِ.
قَوْلُهُ: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ» وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الأكْلِ مِنْ جَوَانِبِ الطَّعَامِ قَبْلَ وَسَطِهِ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا أَنَا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةُ الأعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَةْ وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةً فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيُّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: «إنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا عَنِيدًا» . قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ، قَالَ الشَّارِح: وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الاتِّكَاءِ،
стр. 1296
فَقِيلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ فِي الْجُلُوسِ لِلأكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، وَقِيلَ: أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ الأرْضِ. وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ الْمَيْلُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الأكْلِ مُتَّكِئًا، فَزَعَمَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ. وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ
فَقَالَ: يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا لأنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمُتَعَظِّمِينَ وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ، قَالَ الشَّارِح: وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلافَ الأوْلَى فَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ لِلأكْلِ أَنْ يَكُونَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظُهُورِ قَدَمَيْهِ أَوْ يَنْصِبَ الرِّجْلَ الْيُمْنَى وَيَجْلِسَ عَلَى الْيُسْرَى. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: «لَعِقَ أَصَابِعَهُ» فِيهِ اسْتِحْبَابُ لَعْقِ الأصَابِعِ مُحَافَظَةً عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ وَتَنْظِيفًا.
قَوْلُهُ: «فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأذَى» فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ أَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ.
قَوْلُهُ: «فَلا يَمْسَحُ يَدَهُ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْيَدَ عَلَى الأصَابِعِ الثَّلاثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يرَادُ بِالْيَدِ الْكَفِّ كُلِّهَا. قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ الأوْلَى فَيَشْمَلُ الْحُكْمُ مَنْ أَكَلَ بِكَفِّهِ بِكُلِّهَا أَوْ بِأَصَابِعِهِ فَقَطْ أَوْ بِبَعْضِهَا.
قَوْلُهُ: (فَبَعَثَ إلَيْهِ أَنْ ائْذَنْ لِي فِي السَّادِسِ) فِيهِ أَنَّ الْمَدْعُوَّ إذَا تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لا يَأْذَنَ لَهُ وَلا يَنْهَاهُ، وَإِذَا بَلَغَ بَابَ دَارِ صَاحِبِ الطَّعَامِ أَعْلَمَهُ بِهِ لِيَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ، وَأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ إنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى حُضُورهِ مَفْسَدَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَلَطَّفَ فِي رَدِّهِ.
قَوْلُهُ: (غَمَرَ) . بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ مَعًا: هُوَ رِيحٌ دَسِمُ اللَّحْمِ وَزُهُومَتُهُ كَالْوَضَرِ مِنْ السَّمْنِ.
قَوْلُهُ: (إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ) . قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ عَلَى خُوَانٍ قَطُّ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَائِدَةُ وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ الطَّعَامِ.
قَوْلُهُ: «غَيْرَ مَكْفِيٍّ» . قَالَ الْخَطَّابِيِّ: أَيْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى أَحَدٍ لَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْعِمُ عِبَادَهُ وَيَكْفِيهِمْ
стр. 1297
قَوْلُهُ: «وَلا مُوَدَّعٍ» أَيْ غَيْرَ مَتْرُوكٍ.
قَوْلُهُ: «وَلا مَكْفُورٍ» أَيْ مَجْحُودٍ فَضْلُهُ وَنِعْمَتُهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
стр. 1298
كِتَابُ الأشْرِبَةِ
بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَنَسْخِ إبَاحَتِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ
٤٦٩٩- عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.
٤٧٠٠- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةْ.
٤٧٠١- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللهَ يَبْغَضُ الْخَمْرَ، وَلَعَلَّ اللهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ» . قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ ﷺ : «إنَّ اللهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلا يَشْرَبُ، وَلا يَبِيعُ» . قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْهَا طُرُقَ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٤٧٠٢- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ - أَوْ دَوْسٍ - فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةٍ مِنْ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا فُلانُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا» ؟ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلامِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَبِعْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» . فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي الْبَطْحَاءِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1299
٤٧٠٣- وَفِي رِوَايَةٍ لأحْمَدَ: أَنَّ رَجُلاً خَرَجَ وَالْخَمْرُ حَلالٌ فَأَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُمُورَ الْمُحَرَّمَةَ وَغَيْرَهَا تُرَاقُ وَلا تُسْتَصْلَحُ بِتَخْلِيلٍ وَلا غَيْرِهِ.
٤٧٠٤- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَأَهْدَاهَا إلَيْهِ عَامًا وَقَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ» . فَقَالَ الرَّجُلُ: أَفَلا أَبِيعُهَا؟ فَقَالَ: «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» . قَالَ: أَفَلا أُكَارِمُ بِهَا الْيَهُودَ؟ قَالَ: «إنَّ الَّذِي حَرَّمَهَا حَرَّمَ أَنْ يُكَارَمَ بِهَا الْيَهُودُ» . قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: «شِنَّهَا عَلَى الْبَطْحَاءِ» . رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.
٤٧٠٥- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَزَلَ فِي الْخَمْرِ ثَلاثُ آيَاتٍ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآيَةَ فَقِيلَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: نَنْتَفِعُ بِهَا كَمَا قَالَ اللهُ ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَقِيلَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه إنَّا لا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمُيَسَّرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.
٤٧٠٦- وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنْ الْخَمْرِ، فَأَخَذَتْ الْخَمْرُ مِنَّا، وَقَدْ حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا» قَالَ الْخَطَّابِيِّ وَالْبَغَوِيِّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لأنَّ الْخَمْرَ شَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لا يَدْخُلُهَا وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِيهَا إِلا إنْ عَفَا اللهُ عَنْهُ كَمَا
стр. 1300
فِي بَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ، قَالَ: وَجَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ بِالْعَفْوِ ثُمَّ لا يَشْرَبُ فِيهَا خَمْرًا وَلا تَشْتَهِيهَا نَفْسُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ» . قَالَ: لظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ وَلا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِيهَا لأنَّه استعجل مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ، وَفَصَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ مَنْ شَرِبَهَا مُسْتَحِلاً فَهُوَ الَّذِي لا يَشْرَبُهَا أَصْلاً، وَمَنْ شَرِبَهَا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلافِ، وَهُوَ الَّذِي يُحْرَمُ شُرْبُهَا مُدَّةً، أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ ذَاكَ جَزَاؤُهُ إنْ جُوزِيَ.
قَوْلُهُ: «مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ» هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ، لأنَّ عَابِدَ الْوَثَنِ أَشَدُّ الْكَافِرِينَ كُفْرًا، فَالتَّشْبِيهُ لِفَاعِلِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ بِفَاعِلِ الْعِبَادَةِ لِلْوَثَنِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُبَالَغَةِ وَالزَّجْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) إلَى آخْره، هَذَا الْحَدِيثُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: دَعَانَا رَجُلٌ مِنْ الأنْصَارِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَحَضَرَتْ صَلاةُ الْمَغْرِبِ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ فَقَرَأَ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فَأُلْبِسَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ ... ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ.
بَابُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْخَمْرُ وَأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ
٤٧٠٧- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةُ، وَالْعِنَبَةُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.
٤٧٠٨- وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: إنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٤٧٠٩- وَفِي لَفْظٍ قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنَا حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الأعْنَابِ إِلا قَلِيلاً وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٤٧١٠- وَفِي لَفْظٍ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ فِيهَا الْخَمْرَ وَمَا فِي الْمَدِينَةِ شَرَابٌ إِلا مِنْ تَمْرٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
следующие страницы →