Полный текст (2 483 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تَألِيفُ
فَضَيلةِ الشَّيْخِ العَلاَّمةِ
فَيْصَلَ بِنَ عَبدِ العَزِيزِ آل مُبَارَك
ت ١٣٧٦هـ ﵀
الجزء الأول
من سورة الفاتحة إلى سورة النساء آية ١٤٧
стр. 2
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... الحمد لله الذي أنزل على عبده لكتاب تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وفصّله قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربَّ السماوات وربّ الأرض ربّ العالمين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلَّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الأكرمين، وسلم تسليمًا.
أمّا بعد:
فإن تفسير القرآن أشرف علوم الدين، وقد صنف فيه الأئمة ما يشفي ويكفي، ما بين مختصر ومطول، ولكن لا بد من تفسيره للناس بلسانهم، وتبيين معانيه على قدر أفهامهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
وأكثر ما في هذا الكتاب نقلته من تفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي رحمهم الله تعالى، فما كان بلفظه عزوته، وما تصرفت فيه لم أعزه.
اللهم اعصمنا من القول عليك بلا علم، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 3
قال صاحب (الفوز الكبير في أصول التفسير) رحمه الله تعالى: ... (معاني القرآن المنطوقة لا تخرج عن خمسة علوم: علم الأحكام، وعلم المخاصمة والرد على الفرق الضالة، وعلم التذكير بآلاء الله، وعلم التذكير بأيام الله، وعلم التذكير بالموت وما بعده، فوجود العقائد الباطلة سبب لنزول آيات لمخاصمة، ووجود الأعمال الفاسدة وجريان المظالم فيما بينهم سبب لنزول آيات الأحكام، وعدم تيقظهم بآلاء الله، وأيام الله، ووقائع الموت وما بعده سبب لنزول آيات التذكير.
قال بعض العارفين: إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة. ولما ساق المفسرون الوجوه البعيدة في التفسير، صار علم التفسير نادرًا كالمعدوم.
ومن المواضع الصعبة في فن التفسير معرفة الناسخ والمنسوخ، فمعنى النسخ عند المتقدمين: إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى، إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيًا، أو تخصيص عام، أو بيان الفارق بين المنصوص، وما قيس عليه ظاهرًا، أو إزالة عدة الجاهلية أو الشريعة السابقة، فاتسع باب النسخ عندهم، وكثر جولان العقل هنالك، واتسعت دائرة الاختلاف.
والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل قريبًا من عشرين آية، وفي أكثرها نظر، ولا يتعين النسخ إلا في خمس آيات: الأولى، قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ منسوخة بقوله تعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) الآيات. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً
стр. 4
إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية منسوخة عند الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ الآية منسوخة بالآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الرابعة: قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ منسوخة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ الآية. الخامسة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية منسوخة بالآية التي بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . انتهى ملخصًا مع تقديم وتأخير.
قلت: والمتفق عليه من الخمس ثلاث آيات: آية الوصية، وآية القتال، وآية النجوى.
стр. 5
وقال ابن جرير على قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ : (قال ابن زيد: ونسخ هذا لما أمر بالجهاد. قال ابن جرير: هذا قول لا وجه له؛ لأنه ﷺ لم يزل صابرًا على ما يلقى منهم حتى توفاه الله قبل أن يأذن الله بحربهم وبعده) انتهى ملخصًا.
وقال صاحب الفوز أيضًا: (ومن المواضع الصعبة: معرفة أسباب النزول، والذي يظهر من استقراء كلام الصحابة والتابعين، أنهم لا يستعملون نزلت في كذا لمحض قصة في زمنه ﷺ وهي سبب نزول الآية، بل ربما يذكرون بعض ما صدقت عليه الآية مما كان في زمنه ﷺ أو بعده، ويقولون نزلت في كذا، ولا يلزم هناك انطباق جميع القيود؛ بل يكفي انطباق أصل الحكم فقط، وقد يقررون حادثة تحققت في تلك الأيام المباركة، واستنبط ﷺ حكمها من آية، وتلاها في ذلك الباب، ويقولون نزلت في كذا، وربما يقولون في هذه السورة. فأنزل الله قوله كذا فكأنه أشار إلى أن استنباطه ﷺ وإلقاؤها في تلك الساعة بخاطره المبارك أيضًا نوع من الوحي، والمنفث في الروع، فلذلك يمكن أن يقال: فأنزلت. ويمكن أيضًا أن يعبر في هذه الصورة بتكرار النزول) .
إلى أن قال: (ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السابقين لا تذكر في الحديث، إلاّ على سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلّف المفسرون روايتها كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب إلاّ ما شاء الله تعالى، وقد جاء في صحيح البخاري مرفوعًا: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» .)
стр. 6
إلى أن قال: (وسبب النزول على قسمين:
القسم الأول: أن تقع حادثة يظهر منها إيمان المؤمنين، ونفاق المنافقين، كما وقع في أحد، والأحزاب، أنزل الله تعالى مدح هؤلاء وذم أولئك؛ ليكون فيصلاً بين الفريقين، وربما يقع في مثل هذا من التعريض بخصوصيات الحادثة ما يبلغ حد الكثرة، فيجب أن يذكر شرح الحادثة بكلام مختصر ليتضح سوق الكلام على القارئ.
القسم الثاني: أن يتم معنى الآية بعمومها، ومن غير احتياج إلى العلم بالحادثة التي هي سبب النزول والحكم؛ لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقد ذكر قدماء المفسرين تلك الحادثة بقصد الإحاطة بالآثار المناسبة للآية، أو بقصد بيان ما صدق عليه العموم، وليس ذكر هذا القسم من الضروريات، وقد تحققتُ أن الصحابة والتابعين كثيرًا ما كانوا يقولون: نزلت الآية في كذا، وكذا، وكان غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية، وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها سواء تقدمت القصة أو تأخرت، إسرائيليًا كان ذلك، أو جاهليًا، أو إسلاميًا، استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم. فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلاً، وللقصص المتعددة هنالك سعة، فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية) . انتهى ملخصًا وبالله التوفيق.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح طريق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل فما كان فإنه قد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة؛ فإنها شارحة للقرآن موضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله
محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن.
стр. 7
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه» ، يعني: السنّة) .
إلى أن قال: (والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنّة؛ كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «فبم تحكم» ؟ قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد» ؟ قال: بسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد» ؟ قال: أجتهد رأيي. فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله» . وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه.
وحينئذٍ إذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنّة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، والعمل الصالح؛ لاسيما علماءهم وكبراءهم) .
إلى أن قال: (فسل إذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنّة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال
التابعين: كمجاهد بن
стр. 8
جبر، فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد ابن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها) .
وقال ابن جرير: أنبأنا أبو كريب: أنبأنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن مليكة، قال: رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه الواحة. قال: فيقول له ابن عباس: أكتب. حتى سأله عن التفسير كله. ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد ابن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم فتذكر أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالاً، وليس كذلك. فإن منهم من يعبّر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي) . انتهى.
وقال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: تفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعلمه إلاّ العلماء، وتفسير لا يعلمه إلاّ الله، من ادعى علمه فهو كاذب.
تنبيه: لم أبيّن التفسير في بعض المواضع؛ لأنه يظهر للعالم من سياق الآيات وكلام العرب الموجودين، خصوصًا من نشأ في بلادهم، وتجول
فيها، فإنه يكاد يفسر القرآن ولو لم يسمع الآثار ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ . وقد كنت في صغري أهاب سؤال العلماء في بعض ما يشكل عليّ من القرآن، فأسمع الكلمة
стр. 9
من بعض الأعراب، فتزيل عني ما أشكل، فكنت أسمع قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فجاءني أعرابي وأنا مع الغلمان، فقال لي: أين عمك؟ قلت له: ما هو في البيت. فقال لي: إذا جاء فقل له يقول حمود القحطاني: إذا ما جاء بين العشاوين جيت. فعرفت معنى الآية.
وسمعت أعرابيًا يقول: (طلعت عليّا الخيل تتبع الربْع تترا) . فعرفت معنى قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ ، أي: يتبع بعضهم بعضًا.
وقد نشأت - ولله الحمد - في أصل العرب، وسرت في بلادهم بنجد، والحجاز، وتهامة، واليمن، والبحرين، وسمعت كلام البادية والحاضرة، وكان بعضهم - وهو أبي - إذا سمع القرآن عرف معناه بمجرد التلاوة.
وسمع أعرابي رجلاً يقرأ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ فقال الأعرابي: الخيل الخيل.
وسمعت أعرابية رجلاً يقرأ هذه الآية: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ فقالت: ويش الصلاة الوسطى؟ قال: صلاة العصر. فقالت: على شان وقتها ضيّق.
وتجادل رجلان فيما يفعله الجهال عند القبور من دعاء الموتى، وطلب الحاجات منهم، فقال أحدهما: هذا شرك؛ لأن الله تعالى يقول: ... ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ
стр. 10
فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، فقال الآخر: ما يجوز لمثلي ومثلك أن يفسر القرآن. فسكت الرجل، وكان حليمًا وهو في بيت الآخر، فخرجت عليهم جارية جميلة فقال: يا فلان من هذه؟ قال: بنتي. فقال: لو تزوجتها. فضحك به وقال: أتزوج بنتي! فقال الرجل: هل في ذلك بأس. فقال: ما تسمع قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فقال: إنك تقول ما يجوز لمثلي ومثلك أن يفسر القرآن.
والمقصود: أن من كان لسانه عربيًا، وفطرته مستقيمة، يعرف معنى القرآن بمجرد سماعه وكثيرًا ما يسألني الأعراب، وغيرهم عن مسائل غامضة في الأيتام، فأتلوا عليهم قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ ، فيعرفون الجواب بمجرد التلاوة، ويقنعون، فإذا انضم إلى العربية والفطرة السليمة معرفة سيرة النبي ﷺ كان ذلك نورًا على نور، والله الهادي والموافق للصواب.
* * *
стр. 11
فصل
في فضائل القرآن
قال الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلا خَسَاراً﴾ .
وقال تعالى: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى* تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ . وقال : ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وقال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا
стр. 12
يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُوراً﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ .
стр. 13
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً *
стр. 14
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
стр. 15
وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ، والآيات في الأبواب كثيرة.
وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . رواه البخاري.
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصُّفَّة، فقال: «أيّكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق، فيأتي بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم» ؟ فقلنا: يا رسول الله كلنا نحب ذلك. قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيعلم أو يقرأ
آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» . رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفات عظام سمان» ؟ قلنا: نعم. قال: «فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفات عظام سمان» . رواه مسلم.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع
стр. 16
السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَعْتَع فيه، وهو عليه شاق له أجران» . متفق عليه.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حسد إلا على اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار» متفق عليه.
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُترجّة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر» . متفق عليه.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» رواه مسلم.
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (ثلاثة تحت العرش يوم القيامة: القرآن يحاج العباد له ظهر وبطن، والأمانة، والرحم تنادي: ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله) . رواه [البغوي] في شرح السنَّة.
стр. 17
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها» . رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» . رواه الترمذي والدرامي، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الربُّ ﵎ من شغله القرآن عن ذكري أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» . رواه الترمذي، والدرامي، والبيهقي، في (شعب الإيمان) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ... ﴿آلم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» . رواه الترمذي، والدرامي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادًا.
стр. 18
وعن الحارث الأعور قال: (مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على عليّ ﵁ فأخبرته فقال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» . قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: ... «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» . رواه الدرامي.
وعن معاذ الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألبس والداه تاجًا يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، لو كانت فيكم. فما ظنكم بالذي عمل بهذا» ؟ . رواه أحمد، وأبو داود.
стр. 19
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله وحرم حرامه، أدخله الله الجنة وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار» . رواه أحمد، وابن ماجة، والدرامي. قوله: فاستظهره، أي: حفظه عن ظهر قلبه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلم فقرأ وقام به، كمثل جراب محشو مسكًا تفوح ريحه في كل مكان. ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه، كمثل جراب أوكى على مسك» . رواه الترمذي، والنسائي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعربوا القرآن وابتغوا غرائبه، وغرائبه فرائضه وحدوده» .
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح
стр. 20
والتكبير، والتسبيح أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جُنَّة من النار» .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء. قيل يا رسول الله: وما جلاؤها؟ قال: «كثرة ذكر الموت، وتلاوة القرآن» . روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان.
وعن الحسن مرسلاً أن النبي ﷺ قال: «من قرأ في ليلة مائة آية لم يحاجه القرآن تك الليلة، ومن قرأ في ليلة مائتي آية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ في ليلة خمسمائة إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر» . قالوا: وما القنطار؟ قال: «اثنا عشر ألفًا» . رواه الدرامي.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإِبل في عقلها» . متفق عليه.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي. واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم» . متفق عليه.
стр. 21
وعن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإِبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» . متفق عليه.
وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرؤوا القرآن ما ائتلف عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» . متفق عليه.
وعن قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ ؟ فقال: (كانت مدًا مدًا) . ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم. رواه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» . متفق عليه.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به» . متفق عليه.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» . رواه البخاري.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ وهو على المنبر: «اقرأ عليَّ» . قلت: (آأقرأ عليك وعليك أنزل!؟) قال: ... «إني أحب أن أسمعه من غيري» . (فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى
هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ
стр. 22
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ ) ، قال: «حسبك الآن» ؟ (فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان) . متفق عليه.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأُبيّ بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» . قال: الله سمّاني لك؟ قال: ... «نعم» . قال: وقد ذكرت عند ربّ العالمين؟ قال: «نعم» فذرفت عيناه. وفي رواية: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ » . قال: وسمّاني؟ قال: «نعم» . فبكى. متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله ﷺ ، فقام علينا، فلمّا قام رسول الله ﷺ سكت القارئ، فسلّم، ثم قال: «ما كنتم تصنعون» ؟ قلنا: كنا نستمع إلى كتاب الله. فقال: «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» . قال: فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا، ثم قال بيده هكذا، فتحلقوا وبرزت وجوههم له، فقال: «أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام» . رواه أبو داود.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» . رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والدرامي.
стр. 23
وعن سعد بن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم» . رواه أبو داود، والدرامي.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» . رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي.
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة» . رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه» . رواه الترمذي. وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي.
وعن الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك: (أنه سأل أم سلمة عن قراءة النبي ﷺ ، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا) . رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
وعن جابر ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن،
стр. 24
وفينا الأعرابي والعجمي) ، فقال: «اقرؤوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه» . رواه أبو داود، والبيهقي في شعب الإيمان.
يتعجلونه: أي: يطلبون ثوابه في الدنيا، ولا يتأجلونه بطلب الأجر في الآخرة؛ بل يؤثرون العاجلة على الآجلة.
وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل العشق، ولحون أهل الكتاب، وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذي يعجبهم شأنهم» . رواه البيهقي في شعب الإِيمان، ورزين في كتابه.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» . رواه الدرامي.
وعن طاووس مرسلاً قال: (سئل رسول الله ﷺ ، أي الناس أحسن صوتًا للقرآن وأحسن قراءة؟ قال: «من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى الله» . قال طاووس: وكان طلق كذلك. رواه الدرامي.
стр. 25
وعن عبيدة المليكي، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أهل القرآن لا تتوسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته، وأفشوه وتغنوه وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون، ولا تعجلوا ثوابه فإن له ثوابًا» . رواه البيهقي في شعب الإِيمان.
وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه» . متفق عليه.
وعن أبيّ بن كعب ﵁: (أن النبي ﷺ قال له: «يا أُبيّ، أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هوّن على أمتي،
فرد إليّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فرد إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵇» . رواه مسلم.
وعنه قال: (لقي رسول الله ﷺ جبرائيل فقال: «يا جبرائيل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط» . قال: (يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف) . رواه الترمذي، وفي رواية لأحمد، وأبي داود قال: (ليس منها إلا شافٍ كافٍ) .
стр. 26
وعن عمران بن حصين ﵁ أنه مرّ على قاص يقرأ ثم يسأل فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس» . رواه أحمد، والترمذي.
وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القرآن يتأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجهه عظيم ليس عليه لحم» . رواه البيهقي في شعب الإِيمان.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سَهل الله لديه طريقًا إلى الجنة،
وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه» . رواه مسلم.
وما أحسن ما قاله الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى:
فللعمل الإِخلاص شرط إذا أتى ... وقد وافقته سنة وكتاب
وقد صين عن كل ابتداع وكيف ذا ... وقد طبق الآفاق منه عباب
стр. 27
إلى أن قال:
فلم يبقى للراجي سلامة دينه ... سوى عزلة فيها الجليس كتاب
كتاب حوى كل العلوم وكل ما ... حواه من العلم الشريف صواب
فإن رمت تاريخًا رأيت عجائبًا ... ترى آدمًا إذ كان وهو تراب
ولاقيت هابيلاً قتيل شقيقه ... يواريه لما أن أراه غراب
وتنظر نوحًا وهو في الفلك إذ طغى ... على الأرض من ماء السحاب عباب
وإن شئت كل الأنبياء وقومهم ... وما قال كل منهم وأجابوا
ترى كل من تهوى من القوم مؤمن ... وأكثرهم قد كذبوه وخابوا
وجنات عدن حورها ونعيمها ... وناد بها للمسرفين عذاب
فتلك لأصحاب التقى ثم هذه ... لكل شقي قد حواه عقاب
وإن ترد الوعظ الذي إن عقلته ... فإن دموع العين عنه جواب
تجده وما تهواه من كل مشرب ... فللروح منه مطعم وشراب
وإن رمت إبراز الأدلة في الذي ... تريد فما تدعو إليه تجاب
تدل على التوحيد فيه قواطع ... بها قطعت للملحدين رقاب
وفيه الدوا مكن كل داء فثق به ... فوالله ما عنه ينوب كتاب
وما مطلب إلا وفيه دليله ... وليس عليه للذكي حجاب
إلى أن قال:
أطيلوا على السبع الطوال وقوفكم ... تدر عليكم بالعلوم سحاب
وكم من ألوف في المئين فكن بها ... ألوفًا تجد ما ضاق عنه حساب
وفي طي أثناء المثاني نفائس ... يطيب بها نشر ويفتح باب
وكم من فصول في الفصل قد حوت ... أصولاً إليها للذكي إياب
* * *
стр. 28
فصل
... وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة» . وفي رواية: «أنزل القرآن على سبعة أحرف عليم، حكيم، غفور، رحيم» . رواه ابن جرير وغيره.
وعن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: ﴿إِن ناشِئَةَ اللَّيلِ هي أَشدُّ وَطْءاً وأصوب قِيلاً﴾ ، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هي ... ﴿أَقْوَمُ﴾ فقال: أقوم وأصوب واحد.
وعن ابن سيرين قال: (نبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي ﷺ فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين. فقال: له ميكائيل: استزده. فقال: اقرأ القرآن على ثلاثة أحرف. فقال له ميكائيل: استزده. قال حتى بلغ سبعة أحرف) . قال محمد: لا تختلف في حلال ولا حرام، وهو كقولك: تعال، وهلم، وأقبل.
قال ابن جرير: (معنى قول النبي ﷺ : «نزل القرآن على سبعة أحرف» . أي: سبع لغات، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ، وتتفق فيه المعاني) . انتهى ملخصًا.
وعن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتفون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيبًا، فقال: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني
من أهل الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إمامًا. قال ابن
стр. 29
جرير: (فاستوثقت له الأمة بالطاعة فتركت القراءة بالأحرف الستة، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها من غير جحود صحتها. فأما اختلاف القراءة في رفع حرف وجره، ونصبه وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصور فبمعزل من معنى قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف» .) . انتهى ملخصًا.
وقال بعض المفسرين: ذكر الحروف التي كتب بعضها على خلاف بعض في المصحف وهي في الأصل واحدة: فأول ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ كتب بحذف الألف التي قبل السين، وكتب ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، و ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ﴾ بالألف. والأصل في ذلك كله واحد، وهو أن يكتب الألف، وإنما حذفت من ﴿بِسْمِ ... اللهِ﴾ فقط لأنها ألف وصل ساقطة من اللفظ كثيرًا. قد كثر استعمال الناس إياها فأمنوا أن يجهل القارئ معناها. وكتب ﴿فِيمَا﴾ موصولاً في كل القرآن إلا في البقرة: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ﴾ ، وفيها: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ ، وفي الأنعام: ﴿فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ ... مُحَرَّماً﴾ ، وفيها: ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ ، وفي الأنفال: ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ وفي الأنعام: ﴿فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ﴾ ، وفي النور: ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ ، وفي الشعراء: ﴿فِي مَا هَاهُنَا﴾ ، وفي الروم: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، وفي الزمر: ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ﴾ وفيها: ﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ ، وفي الواقعة: ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، فذلكن اثنا عشر حرفًا وما سوى ذلك موصول) .
إلى أن قال: (وكتب ﴿لِكَيْ لاَ﴾ مقطوعة في كل القرآن إلا في ثلاث مواضع: في الحج ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ﴾ وفي الأحزاب: ﴿ِلكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ، وفي الحديد: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ ، وكتب في هود: ... ﴿فَإلمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ ، موصولاً مدغمًا، وفي القصص: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ مقطوعًا. وكتب ﴿كُلَّمَا﴾ موصولاً. إلا خمسة مواضع، وكتبت ﴿الرَّحْمَةَ﴾ بالهاء، إلا سبعة مواضع، و ﴿النَّعْمَةِ﴾ بالهاء إلا أحد
стр. 30
عشر موضعًا ﴿وَامْرَأَةً﴾ بالهاء إلا سبعة مواضع، ... و ﴿سنة﴾ بالهاء، إلا خمسة مواضع، و (معصية) بالهاء إلا في موضعين. وكتب ﴿الْمَلأُ﴾ بالألف إلا أربعة مواضع، فإنها تكتب بالواو. وكتب في الذاريات ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ بالألف، وما سواه بغير ألف. وكتب جميع ما في القرآن من ذكر الأيدي بياء واحدة إلا في الذاريات ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ فإنها كتبت بياءين والأصل كتبه بياء واحدة، وكتب في حم السجدة ﴿سَمَاوَات﴾ بالألف وما سواه كتبت ... ﴿سموات﴾ بغير ألف. وكتب ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ بغير واو، ... ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ بالواو والألف. وكتب ﴿الربوا﴾ بواو بعدها ألف في كل القرآن إلا قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً﴾ ، فإنه بغير واو، وكتب ﴿إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ﴾ و (يَتَفَيَّؤا ظِلاَلُهُ) و (تَفْتَؤا تَذْكُرُ) ... (وَيَدْرَؤا عَنْهَا) وما أشبهها بواو وألف، ولو كتب بالواو وحدها أو بالألف وحدها لجاز) .
إلى أن قال: (وإنما كتبت هذه الحروف بعضها على خلاف بعض، وفي الأصل واحدة؛ لأن الكتابة بالوجهين كانت جائزة عندهم، فكتبوا بعضها على وجه، وبعضها على وجه آخر جمعًا بين المذهبين، على أنهم كتبوا أكثرها على الأصل، وكل ما كتب في المصحف على أصل لا يقاس عليه غيره من الكلام؛ لأن القرآن يلزمه لكثرة الاستعمال ما لا يلزم غيره، واتباع المصحف في هجائه واجب.
وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القرّاء، والعلماء، وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت، وكان أمين رسول الله ﷺ ، وكاتب وحيه، وعلم من هذا العلم بدعوة النبي ﷺ ما لم يعلم غيره، فما كتب شيئًا من ذلك إلا لِعِلَّةٍ لطيفة وحكمة بليغة وإن قصر عنه رأينا، ألا ترى أنه لو كتب على (صلوتهم) (وأن صلوتك) بالألف بعد الواو، وبالألف من غير واو لما دل ذلك إلا على وجه واحد، وقراءة واحدة، والله تعالى أعلم) . انتهى ملخصًا.
وقال بعض العلماء:
والخط فيه معجز للناس ... وحائد عن مقتضى القياس
стр. 31
لا تهتدي لسره الفحول ... ولا تحوم حوله العقول
قد خصه الله بتلك المنزلة ... دون جميع الكتب المنزلة
ليظهر الإِعجاز في المرسوم ... منه كما في لفظه المنظوم
اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمك العظيمة، وآلائك الجسيمة، حيث أنزلت علينا خير كتبك، وأرسلت إلينا أفضل رسلك،
وشرّعت لنا أفضل شرائع دينك، وجعلتنا من خير أمة أخرجت للناس، وهديتنا لمعالم دينك الذي ارتضيته لنفسك، وبنيته على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، ولك الحمد على ما يسّرته من تفسير كتابك العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل والنهار على الوجه الذي يرضيك عنا، ... اللهم اجعلنا ممن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، ويتلوه حق تلاوته، اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده، ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه، ويضيع حدوده، اللهم اجعلنا ممن اتبع القرآن فقاده إلى رضوانك والجنة، ولا تجعلنا ممن اتبعه القرآن فزخ في قفاه إلى النار، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد فصلّته ثلاثمائة وثلاثة عشر درسًا، والله الموفق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
стр. 32
الدرس الأول
[سورة الفاتحة]
مكية، وهي سبع آيات
أعوذ بالله السميع العليم من الشيْطان الرجِيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (٧) ﴾ .
* * *
стр. 33
سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني .
وروى البخاري وغيره عن سعيد بن المعلى ﵁، قال: كنت أصلي فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتى صليت، قال: فأتيته، فقال: «ما منعك أن تأتيني» ؟ قال: قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، قال: «ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» . قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن قال: «نعم، الحمد لله رب العالمين، هي: السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثًا - غير تمام» . فقيل لأبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : قسّمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ، قال الله: أثنى عليّ عبدي؛ فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجّدني عبدي - وقال مرة: فوّض إليَّ عبدي - فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ
стр. 34
وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» . رواه مسلم وغيره.
قوله : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) ﴾ .
روى أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينْزِلَ عليه (بسم الله الرحمن الرحيم) .
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ قال: يا محمد قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، قال: قال له جبريل: (بسم الله يا محمد، يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى) .
واختلف العلماء في مشروعية قراءة البسملة في الصلاة.
فقال بعضهم: لا يقرأ بها سرًا ولا جهرًا.
وقال بعضهم: يقرأ بها جهرًا في الجهرية، وسرًا في السرية.
وقال بعضهم: يقرأ بها سرًا في الجهرية. هذا القول هو الراجح وعليه تدل الأحاديث الصحيحة؛ ويشرع الجهر بها في بعض الأحيان، وتستحب البسملة في ابتداء كل عمل، تبركًا باسم الله تعالى واستعانة به، وفي الحديث: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم» ، قال ابن عباس: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
стр. 35
قوله : ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: (الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه) . انتهى، قال أبو نصر الجوهري: (والحمد أعم من الشكر، وأما المدح فهو أعم من الحمد، وقال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي) .
قال البغوي: رحمه الله تعالى: (والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة، والشكر لا يكون إلا على النعمة.
وقوله تعالى: ﴿للهِ﴾ ، اللام للإستحقاق، والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وأنواعه لله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، الرب: هو المالك المتصرف، والعالمين: جمع عالَم بفتح اللام، وهو كل موجود سوى الله ؛ والعوالم أصناف المخلوقات، وعن ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، مما نعلم ومما لا نعلم. وعن سعيد بن المسيب قال: لله ألف عالم: ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين أحدٌ إلا الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ ، وقال الزجاج: العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة.
قال القرطبي: والعالم مشتق من العلامة.
قال ابن كثير: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته، كما قال ابن المعتز:
стр. 36
فيا عجبًا كيف يعصي الإِله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
تنبيه: المعروف عند بعض القراء أنه لا يقف على ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ، ولا على ﴿الرَّحِيمِ﴾ ، لاتصال الصفة بالموصوف، ولا مانع من ذلك لأن المعنى ظاهر، والأصل هو الوقوف على رؤوس الآي، ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أم سلمة ﵂ قال: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته يقول: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، فالفصل والوصل جائزان: ويحسن الفصل مع الترتيل والوصل مع الهذ وفي الحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ واصعد في درج الجنة، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر أية تقرؤها» ، فهو في صعود ما دام يقرأ، هذًّا كان أو ترتيلاً.
قوله : ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ .
قال ابن كثير: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي الأثر عن عيسى ﵇ أنه قال: ... (الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة) ، وقال ابن عباس: (هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر) .
وقال ابن جرير: (حدثنا السري بن يحيى التميمي، حدثنا عثمان بن زفر،
стр. 37
سمعت العزرمي يقول: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ، قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم، قال: بالمؤمنين.
قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله ... ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ، ليكون من باب قرب الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ .
قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
قال ابن كثير: وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عاداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحدًا إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، وقال الضحاك عن ابن عباس: ... ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا قال: و ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه.
стр. 38
قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، وتفويض إلى الله ، وهذا كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ، قال ابن عباس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، يعني إياك نوحد ونخاف، ونرجوك يا ربنا لا غيرك. ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، على طاعتك وعلى أمورنا كلها. قال البغوي: (والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده) .
قوله : ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ .
قال ابن كثير: لمّا تقدم الثناء على المسئول ﵎، ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال: (فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل) ، وهذا أكمل أحوال السؤال، أن يمدح مسئوله، ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين، والهداية ها هنا: الإرشاد والتوفيق.
وقال البغوي: وهذا الدعاء من المؤمنين، مع كونهم على الهداية، بمعنى التثبيت، وبمعنى طلب مزيد الهداية، لأن الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى.
стр. 39
وقال ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل، على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح، الذي لا اعوجاج فيه، وقال مجاهد: ... ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ ، قال: الحق.
وروى الإِمام أحمد وغيره عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جانبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا؛ وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه. فالصراط: الإِسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم» .
قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ .
أي: مننت عليهم بالهداية والتوفيق للإيمان، والاستقامة عليه من النبيين والمؤمنين، قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ، بطاعتك، وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ .
стр. 40
قوله : ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ .
قال ابن كثير: والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. انتهى.
وروى الإمام أحمد وغيره عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ ، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله ﷺ صفوا له، فقالت: يا رسول الله نأى الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فَمُنَّ عليّ مَنَّ الله عليك، قال: «ومن وافدك» ؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: «الذي فر من الله ورسوله» ؟ قالت: فمنّ عليّ. فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه عليّ، قال: سليه حملانًا، فسألته فأمر له، قال: فأتتني فقالت: إنك فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيّان - وذكر قربهم من النبي ﷺ قال: فعرفت إنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: «يا عدي ما أَفَرَّكَ؟ أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرَّك أن يقال الله أكبر؟ فهل شيء أكبر من الله » قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال: «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى» ... وذكر الحديث.
следующие страницы →