← Тафсир

Тафсир · id 9254

توفيق الرحمن في دروس القرآن

فيصل آل مبارك

Полный текст (2 483 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وعن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ قال: حائط من نار، ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ﴾ ، قال: هو ماء غليظ مثل درديّ الزيت. وقال الضحاك: ماء جهنم أسود. وهي: سوداء. وشجرها أسود، وأهلها سود. وقال سعيد بن جبير: المهل هو: الذي قد انتهى حره. وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يتجرّعه﴾ ، قال: «يقرّب إليه فيتكرهه، فإذا قرّب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شرب قطع أمعاءه، يقول الله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ . رواه ابن جرير. وعن مجاهد: ﴿وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً﴾ ، قال: مجتمعًا. وقال ابن كثير: ﴿وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي: وساءت النار نزلاً ومَقِيلا، ومجتمعًا، وموضعًا للارتفاق. كما في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ . قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن ... سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) ﴾ . لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء، الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا بما أمروهم به. قال ابن كثير: والأرائك: جمع أريكة، وهي السرر تحت الحَجَلة، والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا: بالبشخانة. والله أعلم.

стр. 1227

قوله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) ﴾ . لما ذكر الكافرين المستكبرين والمؤمنين المستضعفين، ضرب لهم مثلاً بهذين الرجلين؛ قال قتادة في قوله: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر، ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ، كفور لنعم ربه، مكذب بلقائه متمن على الله. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يجادله ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .

стр. 1228

قال البغوي: وأصله: (لكن إنا) فحذفت الهمزة طلبًا للتخفيف لكثرة استعمالها، ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى. وقال ابن كثير: ﴿لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ، أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ ، أي: فتكبرّت وتعظمت عليّ: قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله، أو ماله، أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ﴿فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ﴾ ، أي: في الآخرة، ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ . قال قتادة: ﴿حُسْبَاناً﴾ : عذابًا، ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ ، قال ابن عباس: مثل الجزر، ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً﴾ ، قال قتادة: ذاهبًا قد غار في الأرض، ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ . ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾ ، متلهّفًا على ما فاته وهو ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ . وعن مجاهد في قول الله : ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ، قال: عشيرته، ... ﴿وَمَا كَانَ مُنتَصِراً﴾ ، قال قتادة: ممتعنًا. وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ . قال ابن كثير: أي: هنالك كل أحد مؤمن، أو كافر يرجع إلى الله، وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب. كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ . ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ ، أي: جزاء. ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ، أي: الأعمال التي تكون لله ، ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة.

стр. 1229

قوله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) ﴾ . عن ابن عباس قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ ، قال: هي ذكر الله. قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله. والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات. وهنّ الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة، ما دامت السماوات والأرض. وعن مجاهد: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ، لا حجر فيها ولا غيابة، ولا شجر، ولا بناء، ولا جبال فيها. وعن قتادة: قوله: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ، اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء، ولم يشتك أحد ظلمًا، فإياكم والمحقّرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يضرب لها مثلاً يقول: «كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نزلوا بفلاة من الأرض، وحضر صنيع القوم، فانطلق كل رجل يحتطب، فجعل الرجل يجيء بالعود ويجيء الآخر بالعود، حتى جمعوا سوادًا كثيرًا وأجّجوا نارًا. فإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه حتى يهلكه» . * * *

стр. 1230

الدرس الثامن والخمسون بعد المائة ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً (٥٩) ﴾ . * * *

стр. 1231

قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) ﴾ . قال ابن كثير: يقول تعالى منبهًا بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعًا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه وهو الذي أنشأه وابتدأه بألطافه ورزقه غذاه، ثم بعد هذا كله وإلى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ، أي: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» . فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه قد توسّم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبّد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة. انتهى. وعن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ، قال: عصى في السجود لآدم، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي﴾ ، قال: ذريته هم الشياطين. قال قتادة: وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ بئسما استبدلوا بعبادة ربهم إذ أطاعوا إبليس. ﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ ، قال: أعوانًا.

стр. 1232

وقال ابن كثير: يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها وَحْدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير. قوله : ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً (٥٣) ﴾ . وعن ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ ، قال: مهلكًا. وقال الحسن جعل بينهم عداوة يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا﴾ ، قال قتادة: علموا. وقال ابن كثير: أي: إنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار، تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز. وقوله: ... ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ ، أي: ليس لهم طريق يعدل بهم عنها، ولا بد لهم منها. قوله : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً (٥٦) ﴾ . قال ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ، قال: الجدل:

стр. 1233

الخصومة. خصومة القوم لأنبيائهم وردّهم عليهم ماجاءوا به. وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول ﷺ طرقه، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة فقال: «ألا تصليان» ؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يُرجع إليّ شيئًا، ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول: « ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ » . وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ ، أي: في إهلاكهم إن لم يؤمنوا، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ ، قال ابن عباس: عيانًا. وقال مجاهد: فجأة، أي: ما منعهم من الإيمان إلاَّ طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ ، أي: قبل العذاب، ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً﴾ . قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً (٥٩) ﴾ . وعن قتادة في قوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ، أي: نسي ما سلف من الذنوب وعن ابن عباس قوله: ﴿لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ ، يقول: ملجأ. وعن مجاهد: قوله: ﴿لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً﴾ ، قال: أجلاً. * * *

стр. 1234

الدرس التاسع والخمسون بعد المائة ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً (٧٥) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (٧٨) أَمَّا

стр. 1235

السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (٨٢) ﴾ . * * * قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً (٦٥) ﴾ . عن قتادة قوله: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ . والبحران: بحر فارس والروم، وبحر الروم مما يلي الغرب، وبحر فارس مما يلي الشرق. وعن ابن عباس: قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ ، قال: دهرًا. وقال عبد الله بن عمر: والحُقُب ثمانون سنة. وقال ابن عباس: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ وحلق بيده. وعن مجاهد:

стр. 1236

قوله: ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ ، قال: موسى يعجب من أثر الحوت في البحر ودوراته التي غاب فيها، فوجدا عندها خطرًا. قوله : ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) ﴾ . عن ابن عباس: قال ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ يعني: عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه. قوله : ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) ﴾ . عن قتادة قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ ، أي: عجباً، إن قومًا لجّجوا سفينتهم فخرقتها كأحوج ما تكون إليها؟ ! ولكن عَلِم من ذلك ما لم يعلم نبي الله موسى. ذلك من علم الله الذي آتاه، وقد قال لنبي الله موسى ﵇: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ . قوله : ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً (٧٥) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً (٧٦) ﴾ . قال سعيد بن جبير: وجد خضر غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين. وعن قتادة: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ ، والنكر أشد من الأمر. وعن أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: «رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو لبث مع

стр. 1237

صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ » . رواه ابن جرير. قوله : ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (٨٢) ﴾ . عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: أن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇ ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أُبيّ بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدًا بمجمعِ البحرينِ، هو أعلم منك. قال موسى: يا ربّ وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا، فتجعلهُ بمكتل

стр. 1238

فحيثما فقدت الحوت فهو ثَمّ. فأخذ حوتًا فجعله بمكتل، ثُمَّ انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ﵇ حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ ، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغداة، ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ ولم يجد موسى النَصَب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، ﴿قَالَ﴾ له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ ، قال: فكان للحوت سربًا ولموسى وفتاه عجبًا. فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ ، قال: فرجع يقصّان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة. فإذا رجل مسجّي بثوب، فسلم عليه موسى. فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام. فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أتيتك لتعلّمني ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، يا موسى إني على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت. وأنت على علم من علم الله علّمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ ، قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانطَلَقَا﴾ ، يمشِيان عَلى ساحِل البحر، فمرّت سفينة فكلّموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدّوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ ؟ ! ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ . قال: وقال رسول الله ﷺ : «فكانت الأولى من موسى نسيانًا» . قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين. فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا: مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا

стр. 1239

من السفينة. فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذَ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتلهُ، فقال لهُ موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ ؟ ! ... ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ ؟ قال: وهذه أشد من الأولى، ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ ، ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ ، أي: مائلاً. فقال الخضر بيده ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فقال موسى: قوم آتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا؟ ! ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ . فقال رسول الله ﷺ : «وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما» . قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس: يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا) ، وكان يقرأ: (وأما الغلام كان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) راوه البخاري وفي رواية: (وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة. لا يصيب من ماءها شيء إلا حَيِيَ فأصاب الموت من ماء تلك العين فتحرَّك وانسلّ من المكتل فدخل البحر) . وفي رواية: (فرجعا فوجدا خضرًا على طنفسة خضراء، على كبد البحر؛ وفيها) . قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامّا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ لم تعمل الخبث؟ وفيها كانت الأولى نسيانًا، والثانية: شرطًا. والثالثة: عمدًا. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ ، قال: حُفِظَا بصلاح أبيهما. * * *

стр. 1240

الدرس الستون بعد المائة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ

стр. 1241

أَعْمَالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (١٠٨) قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) ﴾ . * * *

стр. 1242

قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً (٨٨) ﴾ . عن ابن عباس قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ، يقول: علمًا، ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ ، يعني: بالسبب المنزل. وقال مجاهد: منزلاً وطريقًا ما بين المشرق، والمغرب. قال ابن كثير: يسر الله له الأسباب. أي: الطرق، والوسائل إلى فتح الأقاليم وكسر الأعداء. وقال وهب بن منبه: سخَّر الله له النور، والظلمة فجعلهما جندًا من جنوده. ورُوي عن عليّ ﵁: سخّر له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له النور، وأحب الله وأحبه. قال بعض المفسرين: والسبب في اللغة: الحيل، والمراد ها هنا: كل ما يتوصّل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة. وقال البخاري: باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبَباً﴾ ، قال الحافظ: في إيراد المصنف ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني.

стр. 1243

إلى أن قال: والذي يظهر أن الإسكندر لقب بذي القرنين تشبهًا به لسعة ملكه، والذي يقوي أن ذي القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم. وقال الربيع بن ضبيع، والصعب: ذو القرنين عمّر ملكه ألفين وأمسى بعد ذلك رميمًا. وعن ابن عباس: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ، قال: في طين أسود. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ، أي: رأوا الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه. والحَمِئَة: مشتقة على إحدى القراءتين من الحمأة. وهو: الطين. أي: طين أملس. وعن ابن عباس: وجدها تغرب في عين حامية. أي: حارة، ولا منافاة بين معنييها، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وضح الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء، وطين، أسود. وعن قتادة في قوله: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ ، قال: هو القتل. وقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ ، يقول: ثم يرجع إلى الله تعالى بعد قتله فيعذبه عذابًا عظيمًا. وعن مجاهد قوله: ﴿مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ ، قال: معروفًا. قال البغوي: أي: تلين له القول وتعامله باليسر. قوله : ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ﴾ . قوله : ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ منازل الأرض ومعالمها، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ . قال ابن جرير: وذلك أرضهم لا جبل فيها ولا شجر ولا تحتمل بناء فيسكنوا البيوت، وإنما يغورون في المياه أو يسربون في الأسراب.

стр. 1244

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ ، أي: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس حكم في هؤلاء، ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ . قال البغوي: يعني: بما عنده ومعه من الجند والعدة والآلات ﴿خُبْراً﴾ أي: علمًا. قوله : ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) ﴾ . وعن قتادة في قوله: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ، قال: هما جبلان. قال أبو عبيدة: السدّ إذا كان بخلق الله فهو بضم السين، وإذا كان من عمل العباد فهو بالفتح. قال بعض المفسرين: والردم أكبر من السد. وقال ابن كثير في (البداية والنهاية) : أما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد، والنحاس، وساوى به الجبال الصم، الشامخات الطوال. فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجلّ منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم. قال البخاري: وقال رجل للنبي ﷺ : رأيتُ السدّ قال: «وكيف رأيته» ؟ قال: مثل: البُرْدِ المُحَبَّرِ. فقال: «رأيته» . وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله: قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعْته» قال: كأنه البُرْدُ المُحَبَّر طريقة سوداء، وطريقة

стр. 1245

حمراء. قال: «قد رأيته» . وعن الضحاك في قوله: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ ، يعني: الجبلين. وهما من قِبَل أرمينية، وأذريبيجان. قال ابن كثير: وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، وجهز معه جيشًا سريًا. لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلّوا من بلاد إلى بلاد ومن ملُك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنه عال منيف، شاهق لا يُستطاع ولا ما حوله من الجبال. ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالاً وعجائب. انتهى. قلت: ولا يشكل على ذلك أن الدول المتأخرة لم تكتشفه، فإنها وإن أعطيت ما أعطيت من القوة والآلة، فلم يبلغوا معشار ما أوتي ذو القرنين، فإن الله يسّر له الأسباب والوسائل لفتح المدائن والأقاليم، وأطال عمره ووسّع ملكه وكسر أعداءه، وسخر له النور والظلمة، فجعلهما جندًا من جنوده. وكان إذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفنًا من ألواح صغار أمثال النعال، فنظمها ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها ثم دفع إلى كل إنسان لوحًا فلا يكرثه حمله، وكان إذا البحر الجامد ألقى عليه ما يذيبه فخاضه، وإذا أراد أن يجمد الماء ألقى عليه ما يجمده فمشي فوقه، وبعث النور والظلمة على ما يريد بحسب حاجته، وذلك مدد من الله تعالى، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ . قال وهب بن منبه: ما بين الصدفين مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أساسًا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس يذاب ثم يصبّ عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علاه وشرفه بِزُبَرِ الحديد والنحاس المذاب.

стр. 1246

وعن ابن جريج: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ ، قال: يعلوه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ ، أي: ينقبوه من أسفله. قال وهب بن منبه: وهو في منقطع أرض الترك مما يلي مشرق الشمس، بُعْدُ ما بينهما مائة فرسخ، وجعل خلاله عرقًا من نحاس أصغر، فصار كأنه بُرْدٌ مُحَبَّر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ، أي: لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس. وقال البغوي: أي: لا يفقهون كلام غيرهم. قال ابن عباس: لا يفقهون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم. وقال في جامع البيان ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يعني: لعجمهم وقله فطانتهم، لا يفهمون كلام أحد، ومن قرأ بضم الياء وكسر القاف، أي: لا يفهمون السامع لغرابة ألسنتهم. قوله : ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) ﴾ . روى ابن جرير وغيره عن أبي هريرة عن نبي الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فتحفرونه غدًا فيعيده الله وهو كهيئته حتى إذا جاء الوقت قال: إن شاء الله فيحفرونه، ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عليهم نغفًا في أقفائهم فتقتلهم» . فقال

стр. 1247

رسول الله: «والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم» . وعن زينب بنت جحش ﵂ قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمّر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وحلّق بأصبعه الإبهام والتي تليها» ، فقلت: يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كَثُرَ الخَبَثُ» . متفق عليه. وفي رواية: وعقد وهب تسعين. قال الحافظ العسقلاني: وعقد التسعين أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضمًا محكمًا بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوّقة. وقال: المراد بالردم السد الذي بناه ذو القرنين. قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ، قال السدي: ذاك حين يخرجون على الناس، أي: في زمان عيسى قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ ، أي: تعاموا، وتصامموا، وتغافلوا عن قبول الحق، واستماع القرآن. كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ . وفي رواية الصحيحين: إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعث النار؛ فيقول: ما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذٍ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها،

стр. 1248

فقالوا: يا رسول الله وأيُّنا ذلك الواحد؟ فقال: «إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلاَّ كثّرتاه: يأجوج ومأجوج» . قوله : ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (١٠٨) ﴾ . عن ابن جريج في قوله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء﴾ ، قال: يعني: من يعبد المسيح ابن مريم والملائكة، وهم عباد الله ولم يكونوا للكفار أولياء. عن مصعب بن سعد قال: قلت لسعد: يا أبت ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ أهم الحرورية؟ فقال: لا. ولكنهم أصحاب الصوامع، ولكن الحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وفي رواية: ولكن الحرورية الذين ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، فكان سعد يسمّيهم: الفاسقين. وعن علي بن أبي طالب أن ابن الكواء سأله عن قول الله : ... ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ ؟ فقال: أنت وأصحابك. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناج بعوضة، - وقال: اقرأوا إن شئتم -: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ » . متفق

стр. 1249

عليه. وفي الصحيحين أيضًا: إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿نُزُلاً﴾ ، أي: ضيافة، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ ، قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحوّلوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى. قوله : ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا

стр. 1250

إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إذًا: ... ﴿لَنَفِدَ﴾ ماء البحر، ﴿قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ﴾ الله وحكمه. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ . قال ابن كثير: أي: بمثل البحر، آخر ثم آخر. وهلمّ جرًّا بحور تمدّه ويكتب بها لما نفدت كلمات الله كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ ، أي: فإني لا أعلم الغيب إلا ما أطلعني الله عليه من خبر أصحاب الكهف وذي القرنين وغير ذلك. ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ، قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره الله أن يقرّ فيقول: أنا آدميّ مثلكم إلا أني خُصِّصْتُ بالوحي، وأكرمني الله به ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . قال ابن جرير: فمن يخاف ربه يوم لقائه ويراقبه على معاصيه ويرجو ثوابه على طاعته، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ، يقول: فليخلص له العبادة وليفرد له الربوبية. وعن سعيد بن جبير: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ﴾ ، قال: ثواب ربه. قال البغوي: فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، قال سفيان: لا يرائي. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن الله أنه قال: «أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه هو والذي ... أشرك» . رواه أحمد. * * *

стр. 1251

الدرس الحادي والستون بعد المائة [سورة مريم ﵍] مكية، وهي ثمان وتسعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (٦) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (١١) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (١٢) وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (١٣) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (١٥) ﴾ . * * *

стр. 1252

قوله : ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (٦) ﴾ . عن قتادة قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً﴾ ، أي: سرًا، وإن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ، أي: ضعف، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ ، قال ابن جريج يقول: قد كنت تعرفني الإجابة فيما مضى، ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾ ، قال ابن عباس: يعني بالموالي: الكلالة الأولياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. قال قتادة: هم العصبة. وقوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ، قال مجاهد: كان وراثته علمًا، وكان زكريا من ذرية يعقوب. وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه. قال البغوي: وقال الزجاج: والأولى أن يحمل على ميراث غير المال، والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه، على ما كان شاهد من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه ولدًا صالحًا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعمله، لئلا يضيع الدين، وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ﵄. وقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ .

стр. 1253

قال ابن كثير: أي: مرضيًا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه. قوله : ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (١١) ﴾ . عن قتادة قوله: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ، عبد أحياه الله للإيمان، ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ ، قال: لم يسمّ قبله أحد بهذا الاسم. وقال ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدًا قط. وقال مجاهد: ... ﴿عِتِيّاً﴾ ، يعني: تحول العظم. وعن ابن عباس ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ ، قال: اعتقل لسانه من غير مرض. قال قتادة: وإنما عوقب بذلك لأنه سأل آية بعدما شافهته الملائكة مشافهة، أخذ بلسانه حتى ما كان يفض الكلام إلاَّ أومأ إيماء. وقال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ ، وأنت صحيح. قال: فحبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحدًا، وهو في ذلك يسبّح ويقرأ التوراة، ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ ، قال: المحراب مصلاّه، ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ وهو لا يكلمهم. قوله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (١٢) وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (١٣) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً (١٤)

стр. 1254

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (١٥) ﴾ . عن مجاهد: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ، قال: بجدّ. وقال ابن زيد: القوة أن يحمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله. قال ابن جبير وقوله: ... ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ ، يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم بكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال. وقوله: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ ، يقول تعالى ذكره: ورحمة منا به ومحبة له آتيناه الحكم صبيّاً. وعن ابن عباس قوله: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ ، يقول: ورحمة من عندنا. وقال الضحاك: رحمة من عندنا لا يملك عطاءها أحد غيرنا. وعن مجاهد قوله: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ ، قال: تعطّفًا من ربه عليه. وعن قتادة قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ ، قال: الزكاة: العمل الصالح. وعن ابن عباس: ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً﴾ ، قال: طُهَّرَ فلم يعمل بذنب. وقال ابن عطية: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه في محشر عظيم؛ قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصّه بالسلام عليه فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾ . وقال الحسن: إن عيسى ويحيى التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمتُ على نفسي وسلم الله عليك، فعرف والله فضلهما. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ ، لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة، وتقى عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولاً وفعلاً، أمرًا ونعيًا، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ ، ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾ . * * *

стр. 1255

الدرس الثاني والستون بعد المائة ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً (٢٢) فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً (٢٣) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (٣١) وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى

стр. 1256

أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٣٨) وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) ﴾ . * * *

стр. 1257

قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً (٢١) ﴾ . عن قتادة في قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ﴾ ، أي: انفردت، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، قال السدي: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: ﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً﴾ في شرقي المحراب، ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ ، قال وهب بن منبه: أرسل الله جبريل إلى مريم، وقال السدي: فلما طهرت من حيضها إذا هي برجل معها قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ﴾ بالله، ﴿مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ ، قال ابن زيد: قد عَلِمَتْ أن التُّقَى ذو نهية، ... ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ ، قال جبريل: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وإن لم يكن لك بعل ولا يوجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، ولهذا قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ ، أي: علامة على قدرة الله، ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ للمؤمنين، ﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ لا يردّ ولا يبدل. وقد قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ . قال وهب بن منبه: لما أرسل الله جبريل إلى مريم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.

стр. 1258

قوله : ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً (٢٢) فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً (٢٣) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً (٢٦) ﴾ . عن ابن عباس: ﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ ، قال: مكانًا نائيًا. وعن قتادة: ﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ، قال: اضطرّها إلى جذع النخلة. وقال السدي: ﴿قَالَتْ﴾ وهي تطلق استحياء من الناس: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ ، قال قتادة تقول: لا أعرف ولا يدري من أنا. وقال ابن زيد: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا﴾ ، قال: عيسى ناداها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ ، قال البراء بن عازب: هو: الجدول. وقال ابن عباس: وهو: نهر عيسى. وقال سعيد بن جبير: هو: الجدول. النهر الصغير، وهو بالنبطية سري. وعن ابن عباس: ... ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ، قال: كان جذعًا يابسًا، فقال: هُزّيه ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ ، قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر، والرطب. وقوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ ، قال الضحاك: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام، إلاَّ من ذِكْرِ الله. قوله : ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (٣١) وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ

стр. 1259

يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ ... لَهُ كُن فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٣٦) ﴾ . عن قتادة: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ ، قال: عظيمًا، ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ ، قال: كانت من أهل بيت يُعرفون بالصلاح ولا يُعرفون بالفساد، قال: وكان من بني إسرائيل رجل صالح يسمى هارون، فشبّهوها به، يعني: في الصلاح. وعن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا لي: ألستم تقرءون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ؟ قلت: بلى، وقد علمتم ما كان بين عيسى، وموسى، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» . رواه مسلم وغيره. وعن وهب بن منبه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ، يقول: أشارت إليه أن كلّموه، ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ ، فأجابهم عيسى عنها فقال لهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ الآية. وقال عكرمة: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قضى أن يؤتيني الكتاب. وعن مجاهد: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ ، قال: مقامًا. وقال سفيان: معلمًا للغير. وقال قتادة: ذكر لنا أنه كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله من التواضع. وقال بعض السلف: لا تجد عاقّاً إلاَّ وجدته جبارًا شقيًا، ولا تجد سيّئ الملكة إلا وجدته مختالاً فخورًا. وعن قتادة قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ امترت اليهود والنصارى، فأما اليهود فزعموا أنه ساحر كذاب، وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث وثلاثة، وإله، وكذبوا كلهم، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه.

стр. 1260

قوله : ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٣٨) وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) ﴾ . قال قتادة: ذكر لنا أنه لما رفع ابن مريم انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم فقالوا للأول: ما تقول في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق ما خلق وأحيا ما أحيا، ثم صعد إلى السماء، فتابعه على ذلك ناس من الناس فكانت اليعقوبية من النصارى. وقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب؛ فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى؟ قال: هو ابن الله، فتابعه على ذلك ناس من الناس فكانت النسطورية من النصارى. وقال الاثنان الآخران: نشهد إنك كاذب؛ فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ قال: هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه على ذلك ناس من الناس فكانت الإسرائيلية من النصارى. فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه، فاختتم القوم فقال المرء المسلم: أنشدكم الله ما تعلمون أن عيسى كان يَطْعَمُ الطعام، وأن الله ﵎ يُطْعِمُ الطعام؟ قالوا: اللهم نعم، قال: ما تعلمون أن عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فخصمهم المسلم. وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ، أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر وقال ابن زيد: هذا في القيامة، فأما في الدنيا فلا كانت على أبصارهم غشاوة وفي آذانهم وقرًا. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل

стр. 1261

الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤتى به فيُذبح، قال ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده ثم قال: «أهل الدنيا في غفلة الدنيا» رواه أحمد وغيره. وكتب عمر بن عبد العزيز لبعض عماله: (أما بعد فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على حفظه، أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه ترجعون) . * * *

стр. 1262

الدرس الثالث والستون بعد المائة ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً (٥٧) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (٥٨) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ

стр. 1263

غَيّاً (٥٩) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (٦٥) ﴾ * * *

стр. 1264

قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً (٤٨) ﴾ . قال البغوي: الصديق: الكثير الصدق القائم عليه وعن الحسن: ... ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ ، قال طويلاً. قال ابن إسحاق يقول: دهرًا والدهر الملي وعن ابن عباس [قوله] : ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ ، يقول: لطيفًا. قال ابن جرير: وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ، يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ ، يقول: وأدعو ربي بإخلاص العبادة له وإفراده بالربوبية، ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً﴾ ، يقول: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، ولكن يجيب دعاء ربي، ويعطني ما أسأله. قوله : ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً (٥٠) ﴾ .

стр. 1265

عن ابن عباس قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ ، يقول: الثناء الحسن. قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً (٥٣) ﴾ . قال البغوي: ﴿مُخْلَصاً﴾ ، أي: مختارًا اختاره الله . وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ ، أي: جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة. وعن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ، قال: أُدْنِيَ حتى سمع صريف القلم. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ ، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوته. قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (٥٥) ﴾ . عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ، قال: لم يَعِدْ شيئًا إلاَّ وفى به. قال بعض السلف: إنما قيل له: صادق الوعد لأنه قال لأبيه: ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فصدق في ذلك. وقد قال النبي ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً (٥٧) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ ... وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (٥٨) ﴾ .
следующие страницы →