← Тафсир

Тафсир · id 9254

توفيق الرحمن في دروس القرآن

فيصل آل مبارك

Полный текст (2 483 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤتى به فيُذبح، قال ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده ثم قال: «أهل الدنيا في غفلة الدنيا» رواه أحمد وغيره. وكتب عمر بن عبد العزيز لبعض عماله: (أما بعد فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على حفظه، أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه ترجعون) . * * *

стр. 1262

الدرس الثالث والستون بعد المائة ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً (٥٧) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (٥٨) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ

стр. 1263

غَيّاً (٥٩) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (٦٥) ﴾ * * *

стр. 1264

قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً (٤٨) ﴾ . قال البغوي: الصديق: الكثير الصدق القائم عليه وعن الحسن: ... ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ ، قال طويلاً. قال ابن إسحاق يقول: دهرًا والدهر الملي وعن ابن عباس [قوله] : ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ ، يقول: لطيفًا. قال ابن جرير: وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ، يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ ، يقول: وأدعو ربي بإخلاص العبادة له وإفراده بالربوبية، ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً﴾ ، يقول: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، ولكن يجيب دعاء ربي، ويعطني ما أسأله. قوله : ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً (٥٠) ﴾ .

стр. 1265

عن ابن عباس قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ ، يقول: الثناء الحسن. قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً (٥٣) ﴾ . قال البغوي: ﴿مُخْلَصاً﴾ ، أي: مختارًا اختاره الله . وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ ، أي: جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة. وعن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ، قال: أُدْنِيَ حتى سمع صريف القلم. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ ، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوته. قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (٥٥) ﴾ . عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ، قال: لم يَعِدْ شيئًا إلاَّ وفى به. قال بعض السلف: إنما قيل له: صادق الوعد لأنه قال لأبيه: ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فصدق في ذلك. وقد قال النبي ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً (٥٧) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ ... وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (٥٨) ﴾ .

стр. 1266

عن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ ، قال: السماء الرابعة. وفي حديث المعراج في الصحيحين أنه ﷺ لما عرج به إلى السماء قال: «أتيت على إدريس في السماء الرابعة» . وعن الأعمش عن إبراهيم قال: قرأ عمر ابن الخطاب سورة مريم فسجد فقال: (هذا السجود فأين البكي؟) . قوله : ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (٥٩) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (٦٥) ﴾ . عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ... ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فقال ابن مسعود ﵁: على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: (ذاك الكفر) . وعن مجاهد قوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ ، قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالح أمة محمد ﷺ ، ينزو بعضهم على بعض في الأزقّة. وعن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله أنه قال في

стр. 1267

هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ ، قال: نهر في جهنم خبيث الطعم، بعيد القعر، يعذّب فيه الذين يتّبعون الشهوات. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ، يعني: أنهم لم يروها، ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ ، أي: العباد صائرون إلى ما وعدهم الله، ووعده آت لا محالة. وعن قتادة: قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ ، فيها ساعتان: بكرة وعشيّ، فإن ذلك لهم لبس ثم ليل، إنما هو: ضوء، ونور، وقال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء يحجب له، فأخبرهم الله أن لهم في الجنة بكرة وعشيًا قدر ذلك الغداء والعشاء. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ قال ابن جرير: يقول: من كان بكرة وعشيًا قدر ذلك الغداء والعشاء ذا اتقاء عذاب الله، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وعن ابن عباس: أن محمدًا قال لجبرائيل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» ؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ . قال: هذا الجواب لمحمد ﷺ . رواه ابن جرير وغيره. وقال سعيد بن جبير: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ ما مضى من الدنيا. وعن مجاهد ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ قال: ما نسيك ربك. وعن قتادة: قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ، لا سميّ لله ولا عدل له، كل خلقه يقوله ويعترف: الله خالقه، ويعرف ذلك ثم يقرأ هذه الآية: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ . وعن مجاهد في هذه الآية: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ، قال: هل تعلم له شبيهًا؟ هل تعلم له مثلاً ﵎؟ . * * *

стр. 1268

الدرس الرابع والستون بعد المائة ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً (٦٨) ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً (٧٠) وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً (٧٤) قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً (٧٧) أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (٨٧) وَقَالُوا اتَّخَذَ

стр. 1269

الرَّحْمَنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً (٩١) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) ﴾ . * * *

стр. 1270

قوله : ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً (٦٨) ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً (٧٠) وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (٧٢) ﴾ . في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وآذاني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما أذاه إياي فقوله: إن بها ولدًا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» . وعن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ ، يعني: القعود، وهو مثل قوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ . ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً﴾ ، يقول: أيهم أشد للرحمن معصية. وهي: معصيته في الشرك. وقال أبو الأحوص: نبدأ بالأكبر فالأكبر جرمًا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾ . قال البغوي: أي: أحق بدخول النار، يقال: صلى يصلى صليًّا إذا دخل النار وقاسى حرّها.

стр. 1271

وقال ابن كثير: ثم ها هنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد: أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب. وعن ابن عباس قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ ، يعني: البر والفاجر. وعن ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ، قال: داخلها. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يردها الناس كلهم ثم يَصْدُرون عنها بأعمالهم» . رواه أحمد وغيره. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلاَّ تَحِلَّه القسم» . وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوضع الصراط بين ظهري جهنم عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس فناج مسلّم، ومجروح به، ثم ناجٍ ومحتبس ومكدس فيها حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد تفقد المؤمنون رجالاً كانوا معهم في الدنيا: يصلون صلاتهم، ويزكون زكاتهم، ويصومون صيامهم، ويحجون حجهم، ويغزون غزوهم، فيقولون: أي ربنا من عبادك كانوا معنا في الدنيا يصلون صلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صومنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا، لا نراهم! . فيقول: اذهبوا إلى النار فمن وجدتم فيها منهم فأخرجوه. فيجدونهم قد أخذتهم النار على قدر أعمالهم، فمنهم من أخذته النار إلى قدميه، ومنهم من أخذته النار إلى نصف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى ركبتيه، ومنهم من أخذته إلى ثدييه، ومنهم من أخذته إلى عنقه، ولم تغش الوجوه. فيستخرجونهم منها، فيطرحون في ماء الحياة. قيل وما ماء الحياة يا

стр. 1272

رسول الله؟ قال: «غسل أهل الجنة فينبتون كما تنبت الزرعة في غثاء السيل. ثم تشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا، فيستخرجونهم منها، ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا أخرجه منها» . رواه ابن جرير. وعن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية» ، قالت فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ . قالت: فسمعته يقول: « ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ » . رواه أحمد وغيره. قوله : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً (٧٤) قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً (٧٦) ﴾ . عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ ، قال: المقام المسكن، والنديّ: المجلس، والنعمة، والبهجة. قال قتادة: رأوا أصحاب رسول الله ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة فعرض أهل الشرك بما تسمعون، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن

стр. 1273

قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾ ، قال: أكثر متاعًا وأحسن منزلة ومستقرًا، فأهلك أموالهم وأفسد صورهم عليهم ﵎. وقال ابن عباس: الرئيّ: المنظر الحسن. وعن مجاهد قوله: ﴿فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً﴾ ، فليدعه الله في طغيانه. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا﴾ ، أي: في الدنيا، ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ فيدخلون النار، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ عند ذلك، ... ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أهم، أم المؤمنون؟ ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ، أي: إيمانًا ويقينًا على يقينهم ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ أي: الأذكار، وجميع الأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها، ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ ، أي: عاقبة، ومرجعًا. قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ... مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً (٨٠) ﴾ . في الصحيحين عن خباب بن الأرت قال: (كنت رجلاً قينًا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه منه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تُبعث قال: فإني إذا متّ ثم بعثت جئتني ولي ثَمّ مال وولد فأعطيتك، فأنزل الله: ... ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ . وقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا﴾ ، قال البغوي: ردّ عليه، يعني: لم يفعل ذلك.

стр. 1274

وقال ابن كثير: وقوله: ﴿كَلَّا﴾ ، هي حرف ردع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها. وعن مجاهد قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ ماله وولده، ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ ، قال قتادة: لا مال له ولا ولد. قوله : ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (٨٧) ﴾ . قال الضحاك في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ ، قال: أعداء. وقال مجاهد: عدنا عليهم نخاصمهم ونكذبهم. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ ، قال ابن عباس إغراء في الشرك. وقال ابن زيد: تشليهم أشلاء على معاصي الله. وعن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ ، يقول: أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة وآجالهم. وعن علي في قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ ، قال: (أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ولا يساق سوقًا، لكنهم يؤتون بِنُوقٍ لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة) . وعن ابن عباس قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ ، يقول: عطاشًا، ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ ، قال: العهد شهادة أن لا الله إلاَّ الله، ويتبّرأ إلى الله من الحول ولا يرجو إلاَّ الله. قال ابن جريج: المؤمنون يومئذٍ بعضهم لبعض شفعاء.

стр. 1275

قوله : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً (٩١) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (٩٥) ﴾ . عن ابن عباس قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ ، يقول: لقد جئتم شيئًا عظيمًا، وهو المنكر من القول، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ ، قال: إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلاَّ الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحّدين؛ وقال رسول الله ﷺ : «لقّنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة» . قالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال: «تلك أوجب وأوجب. - ثم ... قال -: والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهنّ وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا أله إلاَّ الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن» . وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ، أي: ما يليق به اتخاذ الولد، ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ، أي: الخلق كلهم عبيده، ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ . قال ابن جرير: يقول: وجميع خلقه سوف يرد عليه يوم تقوم الساعة وحيدًا لا ناصر له من الله ولا دافع عنه.

стр. 1276

قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) ﴾ . عن مجاهد في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ، قال: محبة في المسلمين في الدنيا. وقال ابن عباس: يحبّهم ويحبّبهم. يعني: إلى المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ ، أي: سهلنا القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ يا محمد، ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾ ، قال قتادة: أي جدالاً بالباطل، ذوي لدد، وخصومة. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ ، قال قتادة: هل ترى عينًا أو تسمع صوتًا؟ . * * *

стр. 1277

الدرس الخامس والستون بعد المائة [طه] مكية، وهي مائة وخمس وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طه (١) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى (٣) تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى (٨) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ

стр. 1278

إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) ﴾ . * * *

стр. 1279

قوله : ﴿طه (١) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى (٣) تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى (٨) ﴾ . عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، فإن قومه قالوا: لقد شقي هذا الرجل بربه فأنزل الله تعالى ذكره ﴿طه﴾ ، يعني: يا رجل، ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ . وقال قتادة: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورًا ودليلاً إلى الجنة، ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ وأن الله أنزل كتابه وبعث رسله رحمة رحم الله بها العباد، ليتذكر ذاكر وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله وهو ذاكرًا له، أنزل الله فيه حلاله وحرامه. فقال: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ، قال

стр. 1280

محمد بن كعب: أي: ما تحت الأرض السابعة. ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ، قال ابن عباس: السر: ما علمته أنت، وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلم. وفي رواية: السر ما أسرّ الإنسان في نفسه، وأخفى ما لم يعلمه الإنسان مما هو كائن. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ . قال ابن كثير: أي: الذي أنزل عليك القرآن هو الله الذي لا إله إلاَّ هو ذو الأسماء الحسنى، والصفات العُلى. قوله : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) ﴾ . قال البغوي: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ، أي: وقد أتاك، استفهام بمعنى: التقرير، وقال في جامع البيان: فيه تعظيم لشأن الحديث، وتبيين على أنه إنما عرفه بالوحي. قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل سار بأهله فضل الطريق، وكان في الشتاء ورفعت لهم نار، فلما رآها ظن أنها نار وكانت من نور الله: قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدًى، يقول: من يدل على الطريق. وقال وهب بن منبه: خرج موسى نحوها، فإذا هي شجر من

стр. 1281

العليق؛ وبعض أهل الكتاب يقول: في عوسجة، فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى استئخارها رجع عنها، وأوجس في نفسه منها خيفة، فلما أراد الرجعة دنت منه ثم كلمه من الشجرة، فلما سمع الصوت استأنس، قال الله ﵎ له: ﴿يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قال قتادة: كانتا من جلد حمار، فقيل له: اخلعهما. وقال الحسن: كانتا من بقر، لكن إنما أراد الله أن يباشر بقدميه بركة الأرض، وكان قد قدّس مرتين. وقال مجاهد: طوى: اسم الوادي. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ ، أي: اصطفيتك، ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ، قال مجاهد: إذا صلى ذكر ربه وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فيصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ » . وعن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ ، يقول: لا أظهر عليها أحدًا غيري. وفي مصحف عبد الله ابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها مخلوق؟ وقيل: أخفيها فلا أقول هي: آتية. ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ، أي: بما تعمل من خير وشر، ... ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ ، أي: عن التصديق بالساعة، ﴿مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ فتهلك. قوله : ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) ﴾ .

стр. 1282

قال البغوي: قوله : ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ؟ سؤال تقرير، والحكمة في هذا السؤال تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية علم أنها معجزة عظيمة. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ ، قال السدي يقول: أضرب بها الشجر للغنم فيقع الورق. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ، قال: حوائج أخرى قد علمتها، ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ ، أي: عصا كما كانت. وعن مجاهد قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ ، قال كفّه تحت عضده، ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ، قال: من غير برص ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ . قال ابن جرير: كي نريك من أدلّتنا الكبرى على عظيم سلطاننا وقدرتنا. قوله : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً (٣٥) ﴾ . قال مجاهد في قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾ ، قال: لجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، تردّ به فرعون حين أخذ بلحيته. وعن ابن عباس قوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ ، يقول: اشدد به ظهري. وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ .

стр. 1283

قال البغوي: يعني: في النبوة وتبليغ الرسالة، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ ، قال ابن جرير: يقول: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ ، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء. قوله : ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) ﴾ . قال البغوي: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ وحي إلهام، ﴿مَا يُوحَى﴾ ما يلهم؛ ثم فسّر ذلك الإلهام وعدّد نعمة عليه فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ، يعني: نهر النيل، قال ابن إسحاق: لما ولدت موسى أمه أرضعته، حتى إذا أمر فرعون بقتل الغلمان من سنته تلك، عمدت إليه فصنعت به ما أمرها الله تعالى، جعلته في تابوت صغير ومهّدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له، كان يجلس على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس إذ مرّ النيل بالتابوت، فقذف به، وآسية ابنة مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه، فقال: إن هذا الشيء في البحر فائتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به، ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته وعطف عليه نفسه. وعن قتادة قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ، قال: هو غذاؤه. قال ابن إسحاق: ﴿قالت﴾ ، يعني: أم موسى، ﴿لأخته قصّيه﴾ فانظري ما يفعلون به، فخرجت في ذلك

стр. 1284

﴿فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون﴾ ، وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها فيرمضهم ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل شيئًا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وُجْدِهم ... به وحرصهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ ؟ أي: لمنزلته عندكم وحرصكم على مسرة الملك؟ قالوا: هاتي فأتت أمه فأخبرتها فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إياه فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها، وسرّوا بذلك منه وردّه الله إلى أمه، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ فبلغ لطف الله لها وله أن ردّ عليها ولدها، وعطف عليها نفع فرعون وأهل بيته، مع الأمَنَة من القتل الذي يُتخوف على غيره. وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما قتل موسى الذي قَتَل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ » . قال ابن كثير: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ ، وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله، ففرّ منهم هاربًا حتى ورد ماء مدين. وعن ابن عباس قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ ، يقول: اختبرناك اختبارًا ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ ، قال ابن عباس يقول: لقد جئت ليمقات يا موسى. وقال قتادة: قدر الرسالة والنبوة. قوله : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 1285

وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) ﴾ . قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ، أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولاً، ﴿لِنَفْسِي﴾ ، أي: كما أريد، وأشاء. وعن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ لا تبطئا. وقال مجاهد: لا تضعفا. وقال ابن زيد: الواني هو الغافل المفرط. وعن السدي: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ ، قال: كَنَّياه. وعن ابن عباس قوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ، يقول: هل يتذكر أَوْ يَخْشَى. وقال ابن كثير: أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة. ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ ، أي: يوجد طاعة من خشية ربه. قال البغوي: فإن قيل: كيف قال: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ وقد سبق في علمه أنه لا يتذكّر ولا يُسْلِم؟ قيل: معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع، وقضاء الله وراء أمركما. وقال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ ، قال: نخاف أن يعجل علينا إذ نبلّغه كلامك وأمرك، ﴿يَفْرُطَ﴾ ويعجل، وقرأ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . وقال ابن جرير: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ، يقول: والسلامة لمن اتبع هدى الله، وهو بيانه. وعن قتادة قوله: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ عن طاعة الله. قوله : ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي

стр. 1286

كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) ﴾ . عن ابن عباس: قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ، يقول: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ ، أي: ما بالهم عبدوا غير الله، ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ . قال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى. قال ابن كثير: لما أخبره موسى أن ربه الذي أرسله، هو الذي خلق ورزق وقدّر فهدى، شرع يحتجّ بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، سيجزيهم بعملهم. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ . قال البغوي: أصنافًا ﴿مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى﴾ مختلف الألوان، والطعوم، والمنافع، ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى﴾ لذوي العقول، ﴿مِنْهَا﴾ ، أي: الأرض، ﴿خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ يوم البعث. * * *

стр. 1287

الدرس السادس والستون بعد المائة ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَاناً سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا

стр. 1288

يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى (٧٦) ﴾ . * * *

стр. 1289

قوله : ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَاناً سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) ﴾ . عن مجاهد في قوله: ﴿مَكَاناً سُوًى﴾ ، قال: منصفًا بينهم. وعن ابن عباس قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ فإنه يوم زينة يجتمع الناس إليه ويحشر الناس له. قوله : ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) ﴾ . عن ابن عباس قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ، يقول: فيهلككم. وقال قتادة: يستأصلكم. وقوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ ، قال قتادة: قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر. وقال وهب بن منبه: جمع كل ساحر حباله وعصيّه، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى المجمع، وفرعون في مجلسه معه أشراف أهل مملكته قد استكف له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ

стр. 1290

لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ، فتراود السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر. وقال ابن كثير: وقوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ، أي: ويستبدّا بهذه الطريقة وهي: السحر. وقال ابن عباس: يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش. وقال علي بن أبي طالب: يصرفان وجوه الناس إليهما. قال ابن كثير: وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً﴾ ، أي: اجتمعوا كلكم صفًا واحدًا، وألقوا ما في أيدكم مرة واحدة لتبهروا الأبصار وتغلبوا هذا وأخاه، ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ منا ومنه. قوله : ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾ . عن السدي قال: قالوا: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال: بل ألقوا، فألقوا حبالهم وعصيهم وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلاَّ ومعه حبل وعصا. وعن وهب بن منبه قال: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى، وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من العصي والحبال، فإذا هي حيّات كأمثال الحبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا.

стр. 1291

﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ ، لما رأى ما ألقوا من الحبال والعصي خيّل إليه أنها تسعى، فأوحى الله أن: ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى. وفرح موسى فألقى عصاه من يده، فاستعرضت لما ألقوا من حبالهم وعصيّهم، وهي: حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقفها حية، حية حتى ما يُرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجّدًا قالوا: آمنا برب هارون وموسى، لو كان هذا سحرًا ما غلبنا. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ لا يسعد حيث كان. قوله : ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى (٧٦) ﴾ . قال وهب بن منبه: لما قالت السحرة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ، قال لهم فرعون وأسف ورأى الغلبة البيّنة: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ ، أي: لعظيم السحار الذي علّمكم. وعن السدي: قال فرعون: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾

стр. 1292

فقتلهم وقطّعهم، كما قال عبد الله بن عباس ﵁ حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقال: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء. وعن وهب بن منبه: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ، أي: على الله، ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ اصنع ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ، أي: ليس لك سلطان إلاَ فيها ثم لا سلطان لك بعد. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ ، قال: أمرهم بتعلّم السحر، قال: تركوا كتاب الله وأمروا قومهم بتعليم السحر. وعن ابن إسحاق: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ خير منك ثوابًا، وأبقى عذابًا. وعن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ خطب فأتى على هذه الآية: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾ ، قال النبي ﷺ : «أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسّهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل» . رواه ابن أبي حاتم. وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة. ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» رواه

стр. 1293

أحمد وغيره. وفي الصحيحين: «إن أهل علّيين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء لتفاضل ما بينهم» ، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء؟ قال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين» . * * *

стр. 1294

الدرس السابع والستون بعد المائة ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن

стр. 1295

تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) ﴾ . * * *

стр. 1296

قوله : ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) ﴾ . عن مجاهد قوله: ﴿يَبَساً﴾ ، قال: يابسًا. وعن ابن عباس في قوله: ﴿لا تخاف دركًا ولا تخشى﴾ ، يقول: لا تخاف من آل فرعون دركًا، ولا تخشى من البحر غرقًا. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ . قال البغوي: وهذا تكذيب لفرعون في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ . قوله : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) ﴾ . عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ ، يقول: ولا تظلموا، ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ ، يقول: فقد شقي، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك، ﴿وَآمَنَ﴾ ، يقول: وعد الله، ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ، يقول: أديّ فرائضي، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ، قال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.

стр. 1297

قوله : ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (٨٩) ﴾ . قال ابن إسحاق: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه، ونجّاه وقومه: ﴿ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ تلقاه فيها بما شاء فاستخلف موسى هارون في بني إسرائيل ومعه السامري، يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به، فلما كلّم الله موسى قال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ ، قال ابن عباس يقول: حزينًا. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ . قال البغوي: صدقًا، أن يعطيكم التوارة، ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ مدة مفارقتي إياكم، ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ ، قال ابن كثير: أي: عن قدرتنا واختيارنا.

стр. 1298

﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ . وعن ابن عباس: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ ، فهو ما كان مع بني إسرائيل من حليّ آل فرعون، يقول: خطؤنا مما أصبنا من حليّ عدوّنا، وقال قتادة: كان الله وقت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتّمها بعشر، فلما مضت الثلاثون قال عدو الله السامريّ: إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحليّ، الذي كان معكم، فهلّموا، وكانت حليًّا استعاروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم فقدفوها إليه فصوّرها صورة بقرة، وكان قد صرّ في عمامته أو في ثوبه قبضة من أثر فرس جبرائيل، فقذفها مع الحليّ والصورة. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ﴾ فجعل يخور خوار البقرة فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ ، وفي رواية: فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ولكن موسى نسي ربه عندكم، قال الله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ ذلك العجل الذي اتخذوه، ﴿قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾ ؟ . قال ابن كثير: وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورّعوا عن زينة القوم، فألقوها وعبدوا العجل، فتورّعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما قال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ وهم يسألون عن دم البعوضة. قوله : ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) ﴾ .

стр. 1299

قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ، أقام هارون فيمن تبعه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ وكان له هائبًا مطيعًا. قوله : ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) ﴾ . قال ابن زيد في قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ ، قال: ما أمرك؟ ما شأنك؟ ما هذا الذي أدخلك فيما دخلت فيه؟ ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ . قال قتادة: يعني: فرس جبريل ﷺ ، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ، قال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. وقال قتادة: كان والله السامريُ عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكنّ عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن كثير: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ، أي: حَسَّنَتْهُ وأعجبها إذ ذاك، ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ ، أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا، ﴿أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ ، أي: لا تماسّ الناس ولا يمسّونك، ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً﴾ ، أي: يوم القيامة، ﴿لَّنْ تُخْلَفَهُ﴾ ، أي: لا يحيد لك عنه.

стр. 1300

وقوله: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ . قال ابن عباس: فحرّقه ثم ذرّاه في اليمّ. وقال ابن جرير: وقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ، يقول: ما لكم أيها القوم معبود إلاَّ الذي له عبادة جميع الخلق، لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي أن تكون إلاَّ له، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ، يقول: احتاط بكل شيء علمًا وعلمه، فلا يخفى عليه شيء ولا يضيق عليه علم جميع ذلك. * * *
следующие страницы →