← Тафсир

Тафсир · id 9254

توفيق الرحمن في دروس القرآن

فيصل آل مبارك

Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

شامل والكتاب أيضًا فيه كل الأشياء مضبوطة. وعن قتادة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ﴾ ، أي: كذبوا بالقرآن، ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ ، يقول: فهم في أمر مختلط عليهم ملتبس، لا يعرفون حقه من باطله، ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ ، أي: ليس فيها شقوق، كقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ . ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ قال قتادة: والرواسي الجبال ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: من كل نوع حسن. وعن قتادة: قوله: ﴿تَبْصِرَةً﴾ نعمة من الله يبصرها العباد، ... ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ ، أي: مقبل إلى الله بقلبه، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ قال ابن جرير: من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. وعن ابن عباس قوله: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ ، قال: النخل الطوال ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ يقول: بعض على بعض، ﴿رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها كذلك نحيي الموتى بعد ذهابهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ قال البغوي: وجب لهم عذابي. ثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ، ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ يعني: أعجزنا حين خلقناهم أولاً فنعيا بالإعادة؟ وهذا تقريع لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ ، أي: في شك ﴿مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو البعث بعد الموت. قال قتادة: فصار الناس فيه رجلين: مكذب ومصدق.

стр. 2067

قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ما تحدث به نفسه، فلا يخفى علينا سرائره وضمائر قلبه ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، قال مجاهد: هو الذي يكون في الحلق. قال البغوي: لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله شيء. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى

стр. 2068

الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ، قال مجاهد: رصيد، عن اليمين الذي يكتب الحسنات، وعن الشمال الذي يكتب السئات. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا أذنب قال له: لا تعجل لعله يستغفر. وقال ابن زيد في قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، قال: جعل معه من يكتب كل ما لفظ به، وهو معه رقيب. قال البغوي: رقيب: حافظ. عتيد: حاضر أينما كان. وعن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر ﵁ يقضي قالت عائشة ﵂: هذا كما قال الشاعر: إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر. وقال أبو بكر ﵁: لا تقولي ذلك، ولكنه كما قال : ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ . وعن عثمان ﵁ أنه خطب فقرأ هذه الآية: ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، قال: سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت. وعن قتادة: قوله: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ﴾ ، قال: عاين الآخرة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ، قال ابن كثير: أي: قوي، قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ ، وقال ابن زيد في قوله:

стр. 2069

﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى آخر الآية، قال: هذا سائقه الذي وكل به. وقال ابن كثير: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ، أي: معد محضر بلا زيادة ولا نقصان. واختار ابن جرير أن يعم السائق والشهيد. قال مجاهد يقول: هذا الذي وكلتني به من ابن آدم حاضر عندي، وقد أحضرته وأحضرت ديوان أعماله. وقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ، قال الزجاج: هذا أمر للسائق والشهيد. وعن ابن عباس: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ، قال: قرينه: شيطانه. قال ابن زيد: تبرأ منه. وعن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ ، قال: إنهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم. وقال أبو عمران في قول الله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ ، قال: بالقرآن. وعن مجاهد قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قد قضيت ما أنا قاض، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ . وعن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ؟ قال ابن عباس: إن الله الملك ﵎ قد سبقت كلمته: ﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ فلما بعث الناس وأحضروا، وسيق أعداء الله إلى النار زمرًا، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجًا فوجًا، لا يلقى في جهنم شيء إلا ذهب فيها، ولا يملأها شيء، قالت: ألست قد أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين؟ فوضع قدمه، فقالت حين وضع قدمه فيها: قد قد فإني قد امتلأت فليس لي مزيد؛ ولم يكن يملأها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها، فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت، فما فيها موضع إبرة. وعن قتادة: قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول: وأدنيت ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ، ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال قتادة: أي: مطيع لله كثير الصلاة ﴿حَفِيظٍ﴾ لما استودعه الله من حقه ونعمته. وقال ابن زيد: الأواب: التواب الذي يؤوب إلى طاعة الله ويرجع إليها؛ ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء

стр. 2070

بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: أي: منيب إلى ربه مقبل ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ قال: سلموا من عذاب الله وسلم عليهم. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ خلدوا والله فلا يموتون، وأقاموا فلا يظعنون ونعموا فلا يبأسون؛ ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ، قال أنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله الكريم. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ ، قال مجاهد: عملوا. وعن قتادة: قوله: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ ، قال: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركًا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ، قال بعض المفسرين: وفي الآية ترتيب حسن، لأنه إن كان ذا قلب ذكي يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك، وإلا فلا بد أن يكون مستمعًا مصغيًا إلى كلام المنذر ليحصل له التذكر. قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا

стр. 2071

يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. أكذب الله اليهود والنصارى وأهل الفرى على الله، وذلك أنهم قالوا: أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السابع، وذلك عندهم يوم السبت وهم يسمونه يوم الراحة، قال: فأكذبهم الله وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ ، قال مجاهد: نصب. وقال ابن زيد: لم يمسنا في ذلك عناء، ذلك اللغوب ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ، قال قتادة: صلاة الفجر، وصلاة العصر. وعن جرير بن عبد الله ﵄ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا؛ - ثم قرأ -: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ » . متفق عليه. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: صل له ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة. وعن قتادة: ... ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ، قال: كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة، وهي أوسط الأرض، قال بريدة: ملك ينادي يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب، قال فيقبلون كما قال الله: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ ، ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ قال البغوي: وهي الصيحة الأخيرة، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ

стр. 2072

أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ فيه تهديد للكفار وتسلية للنبي ﷺ . وعن قتادة: قوله: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ فإن الله كره الجبرية ونهى عنها وقدم فيها. وعن ابن عباس قال قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ، وكان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك يا بر يا رحيم. * * *

стр. 2073

الدرس الثامن والستون بعد المائتين [سورة الذاريات] مكية، وهي ستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (٢٣) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ

стр. 2074

إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) ﴾ . * * *

стр. 2075

قوله : ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ ... عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)

стр. 2076

ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) ﴾ . عن عليّ في قول الله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ قال: هي الرياح. قيل له: ما الْحَامِلاتِ وِقْراً؟ قال: هي السحاب. قيل: فما الْجَارِيَاتِ يُسْراً؟ قال: هي السفن. قيل: فما الْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً؟ قال: الملائكة. وعن قتادة: قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ، وذلك يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم. وعن ابن عباس: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ، قال: ذات الخَلْق الحسن. وعن قتادة: قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ ، قال: مصدّق بهذا القرآن ومكذّب. وقال ابن زيد: يتخرّصون يقولون: هذا سحر. ويقولون: هذا أساطير الأولين، فبأي قولهم يؤخذ؟ ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ . وعن الحسن: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ، قال: يُصرف عنه من صُرف. وعن ابن عباس: قوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ، يقول: لُعن المرتابون. وعن مجاهد: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ، قال: الذين يتخرّصون الكذب، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ ، قلبه في كنانة. وقال ابن زيد: ﴿سَاهُونَ﴾ ، عما أتاهم وعما نزل عليهم، وعما أمرهم الله ﵎. وعن مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ، يقولون: متى يوم الدين؟ ويكون يوم الدين، ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ، كما يُفتن الذهب في النار. وعن ابن عباس: قوله: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ، قال: فتنهم أنهم سألوا عن يوم الدين وهم موقوفون على النار، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ، فقالوا حين وُقفوا: يا ويلنا هذا يوم الدين. قال الله ﵎: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . وعن قتادة: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ ، ذوقوا عذابكم، ﴿هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ . قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (٢٣) ﴾ . قال البغوي: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ﴾ ، ما أعطاهم. ﴿رَبُّهُمْ﴾ من الخير والكرامة. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ قبل دخولهم الجنة. ﴿مُحْسِنِينَ﴾ في الدنيا. وعن ابن عباس: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ، قال: لم يكن يمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا. وقال الحسن: كابدوا قيام الليل ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال: مدّوا في الصلاة ونشطوا، حتى كان الاستغفار بِسَحَرٍ. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ، قال: السائل الذي يسأل، والمحروم المحارف. وقال الضحاك: والمحروم هو الرجل المحارف الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله له ذلك. وعن قتادة: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ هذان فقيرا أهل الإسلام: سائل يسأل في كفّه، وفقير متعفّف، ولكليهما عليك حقّ يا ابن آدم. وروى ابن جرير عن الزهريّ [أن النبي ﷺ ] قال: «ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان» . قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: «الذي

стр. 2077

لا يجد غنى ولا يعلم بحاجته فيتصدّق عليه، فذلك المحروم» . وقال ابن زيد: المحروم: المصاب ثمره وزرعه، وقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ ، حتى بلغ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ . وقال أصحاب الجنة: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ، وقال زيد بن أسلم: ليس ذلك بالزكاة، ولكن ذلك مما ينفقون من أموالهم بعد إخراج الزكاة؛ والمحروم الذي يصاب زرعه أو ثمره أو نسل ماشيته، فيكون له حقّ على من لم يصيبه ذلك من المسلمين. قال ابن جرير: والصواب أن الآية عامة في كلّ من حرم الرزق واحتاج. وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ ، قال قتادة: معتبر لمن اعتبر. وعن ابن الزبير: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ، قال: سبيل الخلاء والبول. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ، وقرأ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ قال: وفينا آيات كثيرة هذا: السمع، والبصر، واللسان، والقلب يجعل الله فيه العقل. وعن الضحاك في قوله: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ﴾ ، قال: المطر. وقال مجاهد: الجنّة في السماء ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من خيرٍ أو شرّ. وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا، ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ، في العقبى كلّها مقدّرة مكتوبة في السماء. وعن الحسن في قوله: ... ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقوامًا أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدّقوه» .

стр. 2078

قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (٤٦) ﴾ . قال في جامع البيان: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، فيه تعظيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنه إنما عرفه بالوحي، ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ ، عند الله تعالى وعند إبراهيم ﵇. قال مجاهد: أكرمهم إبراهيم وأمر أهله لهم بالعجل حينئذ. وعن قتادة: قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ، قال: كان عامة مال نبيّ الله إبراهيم ﵇ البقر. وعن ابن عباس: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ ، يقول: في صيحة، ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ ، قال السدي: لما بشّر جبريل سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ضربت جبهتها عجبًا. ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ! قال الضحاك: لا تلد، ﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ﴾ ، قال البغوي: أي: كما قلنا لك قال ربك: إنك

стр. 2079

ستلدين غلامًا، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ . ﴿قَالَ﴾ ، إبراهيم: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ ، قال ابن عباس: المسوّمة الحجارة المختومة، يكون الحجر أبيض فيه نقطة سوداء، ويكون الحجر أسود فيه نقطة بيضاء، فذلك تسويمها، ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، قال قتادة: لو كان فيها من ذلك لأنجاهم الله، ليعلموا أن الإيمان عند الله محفوظ لا ضيعة على أهله. قال البغوي: وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا، لأنه ما من مؤمن إلا هو مسلم. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: جعلناها عبرة بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجّيل، وجعلنا محلّتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ ، أي: وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ قال ابن كثير: أي: بدليل باهر وحجّة قاطعة، ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ ، قال قتادة: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ غلب عدو الله على قومه، وقال ابن زيد: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ قال: بمجموعته التي معه، ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ ، قال ابن جرير: والمليم هو الذي قد أتى ما يلام عليه من الفعل. قال البغوي: أي: آت بما يلام عليه من دعوى الربوبيّة وتكذيب الرسل، ﴿وَفِي عَادٍ﴾ ، أي: وفي إهلاك عاد أيضًا آية، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ، وهي التي لا خير فيها ولا بركة، وتلقّح شجًرا ولا تحمل مطرًا. وعن

стр. 2080

ابن عباس: قوله: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ قال: كالشيء الهالك ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ ، قال ابن كثير: وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام، فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ﴾ ، أي: من هرب ولا نهوض ﴿وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾ ، قال قتادة: ما كانت عندهم من قوّة يمتنعون بها من عذاب الله ، ... ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾ ، قال ابن كثير: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ . قوله : ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) ﴾ . عن ابن عباس: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ ، يقول: بقوّة. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ، قال ابن كثير: أي: قد وسّعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ ، قال البغوي: بسطناها ومهّدناها لكم، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ الباسطون نحن. قال ابن

стр. 2081

عباس نِعْمَ ما وَطَّأْتُ لعبادي. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار فوالسماء والأرض، والإنس والجنّ. وقال ابن زيد: ذكر وأنثى ذلك الزوجان. وقال البغوي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، فتعلمون أن خالق الأزواج فرد ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ ، فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ولاتجعلوا مع الله إلهاً آخر ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ، ﴿كَذَلِكَ﴾ ، أي: كما كذبك قومك يا محمد وقالوا: ساحر أو مجنون، ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ، قال البغوي: والألف فيه للتوبيخ. قال ابن كثير: أي: أوصى بعضهم بعضًا بهذه المقالة، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ، أي: لكن هم قوم طغاة تشابهت قلوبهم، فقال متأخّرهم كما قال متقدّمهم. قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ، يا محمد ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ، يعني: فما نلومك على ذلك. ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة. وعن عليّ بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، أي: إلا لآمرهم أن يعبدون وأدعوهم لعبادتي. قال السدي من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك. قال ابن كثير: ومعنى الآية: أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتمّ الجزاء، ومن عصاه عذّبه أشدّ العذاب؛ وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم. وعن أبي هريرة مرفوعًا: (قال الله

стр. 2082

تعالى: يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك) . رواه أحمد وغيره. وعن ابن عباس: قوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ، يقول: الشديد ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً﴾ ، يقول: دلوًا ﴿مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ ، يقول: للذين ظلموا عذابًا مثل عذاب أصحابهم. وقال ابن زيد: يقول: لهم سَجْلٌ من عذاب الله، وقد فعل هذا بأصحابهم من قبلهم، فلهم عذاب مثل عذاب أصحابهم، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ، قال ابن كثير: أي: فلا يستعجلون ذلك فإنه واقع لا محال، ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ، يعني: يوم القيامة. * * *

стр. 2083

الدرس التاسع والستون بعد المائتين [سورة الطور] مكية، وهي تسع وأربعون آية في الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ ، (كاد قلبي أن يطير) . قال ابن كثير: وجبير بن مطعم قد قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركًا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِن دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ

стр. 2084

الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ... (٤٩) ﴾ . * * *

стр. 2085

قوله : ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِن دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) ﴾ . قال البغوي: ﴿وَالطُّورِ﴾ أراد به الجبل الذي كَلَّم الله عليه موسى ﵇. قال ابن كثير: فالطور هو الجبل الذي يكون فيه أشجار. وعن مجاهد في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ ، قال: صحف. قال قتادة: والمسطور: المكتوب. ﴿فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ . قال البغوي: الرَقّ ما يُكتب فيه. وعن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنّ رجلاً قال له: ما البيت المعمور؟ قال: (بيت في السماء يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض) . وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: «ثم رُفع بي إلى البيت المعمور، وإذًا هو يدخله كل

стр. 2086

يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم» . وعن علي قال: السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ: السماء. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: الموقد. وقرأ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ . وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ، قال: المحبوس. وعن علي: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ، قال: بحر في السماء تحت العرش. وقال قتادة: المسجور المملوء. وعن جعفر بن زيد العبيدي قال: خرج عمر يعسّ في المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائمًا يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ: ﴿وَالطُّورِ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ ، قال: (قسم وربِّ الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليًا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه ﵁ . وعن قتادة: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ ، وذلك يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْراً﴾ مورها: تحريكها. وقال مجاهد: تدور دورًا. ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ، قال البغوي: يخوضون في الباطل يلعبون غافلين لاهين. وعن ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ ، قال: يُدفع بأعناقهم حتى يردوا النار. قال البغوي: فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ، في الدنيا ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ ؟ وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدًا ﷺ إلى السحر، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر فَوُبِّخوا به وقيل لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ . ﴿اصْلَوْهَا﴾ قاسوا شدتها ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، الصبر والجزع، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 2087

قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) ﴾ . قال البغوي: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ﴾ ، معجبين بذلك ناعمين بما آتاهم ربهم، ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ . وعن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ، قال: إن الله ﵎ يدفع للمؤمن ذريته وإن كانوا دونه في العمل، ليقر الله بهم عينه؛ ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ ، يقول: ما نقصناهم، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ، قال ابن كثير: أي: مرتهن بعمله، أي: لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس سواء كان أبا أو ابنًا، ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ، قال قتادة: إنما كان اللغو والباطل في الدنيا، ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله، هذا الخادم فكيف المخدوم؟ قال: «والذي نفس محمد بيده، إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» . ﴿وَأَقْبَلَ

стр. 2088

بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ قال ابن زيد: عذاب النار. قال ابن جرير: وقوله ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ يقول: إنا كنا في الدنيا من قبل يومنا هذا ﴿نَدْعُوهُ﴾ يقول: نعبده مخلصين له الدين لا نشرك به شيئًا ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ يعني: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. قوله : ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) ﴾ . قال البغوي: ﴿فَذَكِّرْ﴾ ، يا محمد بالقرآن. ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ ، نزلت في الذين اقتسموا عِقبَات مكة، يرمون رسول الله ﷺ بالكهانة والسحر والجنون والشعر. وعن ابن عباس: إن قريشًا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ ، قال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ؛ قال

стр. 2089

البغوي: حوادث الدهر. ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ ، انتظروا ﴿فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ حتى يأتي أمر الله فيكم. ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم﴾ ، عقولهم، ﴿بِهَذَا﴾ ، وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تميز لهم معرفة الحق من الباطل، ﴿أَمْ هُمْ﴾ بَلْ هُمْ: ﴿قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ ، أي: تخلق القرآن من تلقاء نفسه ﴿بَل لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ، يعني: أُوجِدُوا من غير مُوجِد أم هم أَوجَدُوا أنفسهم؟ أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأوجدهم. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ ، قال ابن كثير: وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له. ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ ؟ أي: المحاسبون للخلائق؟ ليس الأمر كذلك. وعن ابن عباس: قوله: ﴿أم هم المسيطرون﴾ ، يقول: المسلطون. ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ الوحي ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ، حجة بينة. ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ؟ قال البغوي: هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون. وعن قتادة: قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ ، يقول: هل سألت هؤلاء القوم أجرًا فجهدهم فلا يستطيعون الإسلام؟ ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ؟ قال ابن عباس معناه: أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به؟ ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ ، مكرًا بك ليهلكوك، ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ ، قال البغوي: أي: هم المجزيون بكيدهم، يريد: أن ضرر ذلك يعود عليهم، ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يرزقهم وينصرهم ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .

стр. 2090

قوله : ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفاً﴾ ، يقول: وإن يروا قطعًا، ﴿مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ ، يقول: لا يصدقوا بحديث ولا يؤمنوا بآيات، ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ؛ قال ابن كثير: وذلك يوم القيامة. ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما يصيبهم في الدنيا من المصائب فإنما عذاب للفاجر وكفارة للمؤمن ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه: فإنك بمرأى منا، نراك ونرى عملك، ونحن نحوطك ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال أبو الأحوص: سبحان الله وبحمده. وقال ابن زيد: إذا قام لصلاة ليل أو نهار ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال الضحاك: صلاة الصبح. * * *

стр. 2091

الدرس السبعون بعد المائتين [سورة النجم] مكية، وهي اثنان وستون آية في الصحيحين عن ابن مسعود قال: (أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ، فسجد النبي ﷺ وسجد من خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفًا من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ

стр. 2092

وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى (٢٧) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (٣٤) أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٤٥) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتْ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) ﴾ . * * *

стр. 2093

قوله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) ﴾ . عن ابن عباس: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ يعني: الثريا إذا سقطت وغابت. وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب. وقال الضحاك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ إذا رمي به الشياطين. وعن ابن عباس: يعني: النجوم التي يرمى بها الشياطين. قال ابن القيم: (وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال، لما بين المقسم به والمقسم عليه من التناسب) . انتهى. قال الشعبي وغيره: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق. وعن قتادة أن النبي ﷺ تلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فقال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم، فقال: «أما تخاف أن يأكلك كلب الله» ؟ فخرج في تجارة إلى اليمن، فبينما هم قد عرسوا إذ يسمع صوت الأسد فقال لأصحابه: إني مأكول فأحدقوا به، وضرب على أصمختهم فناموا، فجاء حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته. قال البغوي: وجواب القسم قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ ، يعني: محمدًا ﷺ ،

стр. 2094

ما ضل عن طريق الهدى ﴿وَمَا غَوَى﴾ ، قال ابن كثير: والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه إلى غيره، وعن قتادة: قوله: ... ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي: ما ينطق عن هواه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، قال: يوحي الله ﵎ إلى جبريل، ويوحي جبريل إلى محمد ﷺ . ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ، يعني: جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ ذو خلق طويل حسن، ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ الأفق: الذي يأتي منه النهار. وعن الربيع: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ ، قال: السماء ﴿الْأَعْلَى﴾ ، يعني: جبريل ﵇. وعن قتادة: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ، يعني: جبريل، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ ، قال مجاهد: قيد أو قدر قوسين. وعن ابن مسعود في هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت جبريل له ستمائة جناح» . وعن مسروق قال: قلت لعائشة: ما قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ؟ فقالت: (إنما ذلك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه هذه المرة في صورته فسد أفق السماء) . وقال ابن زيد في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ، قال: أوحى جبريل إلى رسول الله ﷺ ما أوحى الله إليه. وعن قتادة في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ، قال: رأى جبريل في صورته، وهو الذي رآه نزلة أخرى. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ... «رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح» . وقال البغوي: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قرأ أبو جعفر: ما كذَّب أي: ما كذب قلب محمد ﷺ ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون

стр. 2095

بالتخفيف. أي: ما كذب فؤاد محمد ﷺ الذي رأى بل صدقه، مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى. انتهى ملخصًا. وعن قتادة: قال: قال نبيّ الله ﷺ : «لما انتهيت إلى السماء السابعة أتيت على إبراهيم فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلمت عليه فقال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، قال: ثم رفعت لي سدرة المنتهى. فحدّث نبي الله أن نبقها مثل قلال هجر، وأن ورقها مثل آذان الفيلة» . وعن ابن عباس: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ، قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيتها حتى استثبتها ثم حال دونها فراش من ذهب» . وعن الربيع: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: غشيها نور الرب، وغشيتها الملائكة، من حب الله مثل الغربان حين يقعن على الشجرة. قوله: مثل الغربان: أي: الغرانيق البيض. وعن ابن عباس في قوله ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال: ما زاغ يمينًا ولا شمالاً، ولا طغى ولا جاوز ما أمر به ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال ابن

стр. 2096

مسعود: (رأى النبيّ ﷺ رفرفًا أخضر من الجنة قد سدّ الأفق) وقال ابن زيد في قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ، قال: جبريل، رآه في خلقه الذي يكون به في السماوات، قدر قوسين من رسول الله ﷺ ، فيما بينه وبينه. قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى (٢٧) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) ﴾ . قال البغوي: قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ، هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز: العزى. وقال ابن عباس: كان اللات رجلاً يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره. قال ابن إسحاق: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم؛ وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب، وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب، على ساحل البحر من ناحية المشلّل بقديد؛ وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان

стр. 2097

ببلادهم من العرب بتبالة؛ وكانت قلس لطيء ومن يليها بجبل طيء بين سلمى وأجأ؛ وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: ريام؛ وكانت رضاء بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم؛ وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد. وقال البغوي: ومعنى الآية: أفرأيتم أخبرونا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وقال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك. فقال الله تعالى منكرًا عليهم، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ، قال ابن عباس: جائرة. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ ، قال ابن كثير: أي: ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، ﴿وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ، أي: البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار. ﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام؟ ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى * وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ، ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعهم عند الله، ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ ، في الشفاعة ﴿لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ، أي: من أهل التوحيد. وقال ابن كثير: ﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ ، أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له، ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ .

стр. 2098

قوله : ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢) ﴾ . عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» . وعن قتادة: قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ، ما كان بين الحدّين لم يبلغ حدّ الدنيا ولا حدّ الآخرة موجبة، قد أوجب الله لأهلها النار، أو فاحشة يقام عليه الحدّ في الدنيا. وقال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ، قد غفرت ذلك لهم إذ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ ، قال مجاهد: كنحو قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ، أي: ترك المعاصي وفعل الطاعات. قال البغوي: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ ، لا تبرئوها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (٣٤) أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ

стр. 2099

وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٤٥) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتْ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) ﴾ . قال البغوي: قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ ، نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد اتبع النبي ﷺ على دينه، فعيره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله؛ فضمن الذي عاتبه إن هو أعطى كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أدبر عن الإيمان ﴿وَأَعْطَى﴾ صاحبه ﴿قَلِيلاً وَأَكْدَى﴾ بخل بالباقي؛ وأصله من الكدية، وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ ، ما غاب عنه، ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه؟ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ يخبر، ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ ، يعني: أسفار التوراة ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ، تمم وأكمل ما أمر به؛ ثم بين ما في صحفهما فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عمل ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ، في ميزانه يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى﴾ الأكمل الأتم ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ ، أي: منتهى الخلق ومصيرهم إليه.

стр. 2100

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ، قال مجاهد: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ ، من كل حيوان، ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ أي: الخلق الثاني للبعث يوم القيامة ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ قال أبو صالح: ﴿أَغْنَى﴾ الناس بالأموال ﴿وَأَقْنَى﴾ أي: أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وهو كوكب خلف الجوزاء وكانت خزاعة تعبدها ... ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾ ، وهم قوم هود وثمود، ﴿فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ ، لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ ، يعني: قرى قوم لوط ﴿أَهْوَى﴾ أسقط، أي: أهواها جبريل بعد ما رفعها إلى السماء، ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ، يعني: الحجارة ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ﴾ نعم ربك أيها الإنسان ﴿تَتَمَارَى﴾ تشك وتجادل؟ ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ ، يعني: محمدًا، ﴿مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ ، أي: رسول من الرسل، أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم. ﴿أَزِفَتْ الْآزِفَةُ﴾ ، دنت القيامة واقتربت الساعة، ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ، أي: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن ﴿تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ﴾ استهزاء ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ لما فيه من الوعد والوعيد ... ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ ، لاهون غافلون. وقال عكرمة: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا. ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ، أي: واعبدوه. انتهى ملخصًا. والله أعلم. * * *

стр. 2101

الدرس الحادي والسبعون بعد المائتين [سورة القمر] مكية، وهي خمس وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (٧) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (١٩) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ

стр. 2102

بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (٥٥) ﴾ . * * *

стр. 2103

قوله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (٧) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) ﴾ . عن أنس بن مالك: (أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقّتين، حتى رأوا حراء بينهما) . متفق عليه. وعند ابن جرير من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فسلوا السفار فسألوهم فقالوا: نعم، قد رأيناه فأنزل الله ﵎: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ . وعن قتادة: قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ ، قال: إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا: إنما هذا عمل السحر يوشك هذا أن يستمرّ ويذهب ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي: واقع بأهل الخير الخير وبأهل الشرّ الشرّ ﴿وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: هذا القرآن. قال سفيان: المزدجر المنتهى. ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ ، قال البغوي: يعني: القرآن حكمة تامّة، وقد بلغت الغاية

стр. 2104

في الزجر، ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ . ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ، قال ابن كثير: أعرض عنهم وانتظرهم، ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ وهو موقف الحساب، ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: ذليلة أبصارهم، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ ، قال قتادة: عامدين إلى الداعي، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ . قوله : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٧) ﴾ . عن مجاهد: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ ، قالوا: استطير جنونًا. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ قال: اتهموه وزجروه وأوعدوه وقرأ: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ . وعن سفيان: ﴿فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ، قال: ماء السماء وماء الأرض. وعن قتادة في قوله: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ قال: معاريض السفينة ﴿وَدُسُرٍ﴾ ، قال: دسرت بمسامير. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن كثير: أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا

стр. 2105

وكلاءتنا، ﴿جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصارًا لنوح ﵇. وعن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ، قال: ألقى الله سفينة نوح على الجوديّ حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال البغوي: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ، يعني: الفعلة التي فعلنا. قال ابن كثير: والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ، قال البغوي: أي: متذكّر متّعظ خائف مثل عقوبتهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ، أي: إنذاري. وقال ابن كثير: أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذّب رسلي، ولم يتّعظ بما جاءت به نذري وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ ، أي: سهّلنا لفظه ويسّرنا معناه لمن أراده ليتذكّر الناس، كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ . ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكّر بهذا القرآن الذي قد يسّر الله حفظه ومعناه؟ وعن ابن عباس: لولا أن الله يسّره على لسان
следующие страницы →