Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
الدرس الحادي والسبعون بعد المائتين
[سورة القمر]
مكية، وهي خمس وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (٧) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (١٩) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ
стр. 2102
بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
(٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (٥٥) ﴾ .
* * *
стр. 2103
قوله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (٧) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) ﴾ .
عن أنس بن مالك: (أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقّتين، حتى رأوا حراء بينهما) . متفق عليه. وعند ابن جرير من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فسلوا السفار فسألوهم فقالوا: نعم، قد رأيناه فأنزل الله ﵎: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ . وعن قتادة: قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ ، قال: إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا: إنما هذا عمل السحر يوشك هذا أن يستمرّ ويذهب ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي: واقع بأهل الخير الخير وبأهل الشرّ الشرّ ﴿وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: هذا القرآن. قال سفيان: المزدجر المنتهى.
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ ، قال البغوي: يعني: القرآن حكمة تامّة، وقد بلغت الغاية
стр. 2104
في الزجر، ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ . ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ، قال ابن
كثير: أعرض عنهم وانتظرهم، ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ وهو موقف الحساب، ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: ذليلة أبصارهم، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ ، قال قتادة: عامدين إلى الداعي، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ .
قوله : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (١٧) ﴾ .
عن مجاهد: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ ، قالوا: استطير جنونًا. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ قال: اتهموه وزجروه وأوعدوه وقرأ: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ . وعن سفيان: ﴿فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ، قال: ماء السماء وماء الأرض. وعن قتادة في قوله: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ قال: معاريض السفينة ﴿وَدُسُرٍ﴾ ، قال: دسرت بمسامير. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن كثير: أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا
стр. 2105
وكلاءتنا، ﴿جَزَاء
لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصارًا لنوح ﵇. وعن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ، قال: ألقى الله سفينة نوح على الجوديّ حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال البغوي: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ، يعني: الفعلة التي فعلنا. قال ابن كثير: والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ، قال البغوي: أي: متذكّر متّعظ خائف مثل عقوبتهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ، أي: إنذاري. وقال ابن كثير: أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذّب رسلي، ولم يتّعظ بما جاءت به نذري وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ ، أي: سهّلنا لفظه ويسّرنا معناه لمن أراده ليتذكّر الناس، كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ . ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكّر بهذا القرآن الذي قد يسّر الله حفظه ومعناه؟ وعن ابن عباس: لولا أن الله يسّره على لسان
стр. 2106
الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلّم بكلام الله . وعن قطر الورّاق في قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ، قال: هل من طالب علم فيُعانُ عليه؟ قال الحافظ ابن حجر: وقد تكرّر في هذه السورة قوله: ﴿فَهَلْ مِن
مُّدَّكِرٍ﴾ بحسب تكرّر القصص من أخبار الأمم، استدعاء لأفهام السامعين ليعتبروا.
قوله : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (١٩) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٢٢) ﴾ .
قال ابن زيد في قوله: ﴿رِيحاً صَرْصَراً﴾ قال: الصرصر: الشديدة. وقال قتادة: الصرصر: الباردة. قال ابن جرير: وهي الشديدة العصوف في بَرْدِ التي لصوْتِها صرير. وعن قتادة: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ قال: النحس الشؤم ﴿مُّسْتَمِرٍّ﴾ يستمرّ بهم إلى نار جهنم. وعن مجاهد في قوله: ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ قال: سقطت رؤوسهم كأمثال الأخبية، وتفرّدت عن أعناقهم.
قوله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٣٢) ﴾ .
стр. 2107
قال البغوي: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ، بالإنذار الذي جاءهم به صالح ﴿فَقَالُوا أَبَشَراً﴾ آدميًا، ﴿مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾ ، ونحن جماعة كثيرة ﴿إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ﴾ ، مبين، ضلال: خطأ وذهاب عن الصواب ﴿وَسُعُرٍ﴾ ، قال ابن عباس: عذاب. وقال الفراء: جنون. ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ بطلاً متكبّر ... ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ ، حين ينزل بهم العذاب، ﴿مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ ، أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا أن يخرجها منها، ﴿فِتْنَةً لَّهُمْ﴾ ، محنة واختبارًا، ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ ، فانتظر ما هم صانعون، ﴿وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ ، وبين الناقة، ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ ، قال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت حضروا اللبن، ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى﴾ ، فتناول الناقة بسفيه، ﴿فَعَقَرَ﴾ . انتهى ملخصًا.
وعن الضحاك في قوله: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ، قال: هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع.
قوله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٤٠) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ، لم يصدّقوه، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ ، وذكر لنا أن جبريل ﵇ استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطًا، وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه فصفقهم بجناحه وتركهم عميًا يتردّدون،
стр. 2108
﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ ، يقول: استقر بهم إلى نار جهنم.
قوله : ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ، يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم، ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ ، يقول: ليس كفّاركم خيرًا من قوم نوح ولوط. وقال ابن زيد في قوله: ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ ، في كتاب الله براءة مما تخافون، ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ، قال عمر: لما نزلت، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ ، جعلت أقول: أيّ جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع ويقول: «سيهزم الجمع ويولّون الدبر» . ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ، قال البغوي: أي: أعظم داهية وبليّة، وأشدّ مرارة من الأسر والقتل يوم بدر.
قوله : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ
стр. 2109
وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (٥٥) ﴾ .
قال الحسين بن فضل: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ﴾ ، في الدنيا ونار في الآخرة، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ، قال ابن عباس: إني أجد في كتاب الله قومًا يسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ، لأنهم كانوا يكذبون بالقدر. وعن أبي هريرة أن قريشًا خاصمت النبي ﷺ في القدر، فأنزل الله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ، قال ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ، قال: أشياعكم من أهل الكفر من الأمم الماضية، يقول: فهل من أحد يتذكّر وكلّ شيء فعلوه في الزبر؟ قال ابن كثير: أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ أي: من أعمالهم، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أي: مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم. ذكر أن رجلاً عمل ذنبًا فاستصغره، فأتاه آت في منامه فقال له:
لا تحقرنّ من الذنوب صغيرا ... إن الصغير غدًا يعود كبيرا
إن الصغير ولو تقادم عهده ... عند الإله مسطّر تسطيرا
فازجر هواك عن البطالة لا تكن ... صعب القياد وشمّرن تشميرا
إن المحبّ إذا أحبّ إلهه ... طار الفؤاد وأُلهم التفكيرا
فاسأل هدايتك الإِله بنيّة ... فكفى بربك هاديًا ونصيرا
стр. 2110
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ، قال جعفر الصادق: مدح الله المكان بالصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. وروى مسلم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا» . والله أعلم.
* * *
стр. 2111
الدرس الثاني والسبعون بعد المائتين
[سورة الرحمن]
مكية، وهي ثمان وسبعون آية
عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا فقال: «لقد قرأتها على الجنّ ليلة الجنّ فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذّب فلك الحمد» . رواه الترمذي. وعن عليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لكل شيء عروس، وعروس القرآن: الرحمن» . رواه البيهقي في شعب الإيمان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا
стр. 2112
الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ
(٢٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ
стр. 2113
قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨) ﴾ .
* * *
стр. 2114
قوله : ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) ﴾ .
عن قتادة: أنه قال في تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ نعمة والله وعظيمة ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال ابن زيد: البيان: الكلام. ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال ابن عباس: يجريان بعدد وحساب ومنازل ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ ، قال مجاهد: النجم هو: الكوكب وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ ، قال مجاهد: العدل ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ قال قتادة: اعدل يا ابن آدم كما تحبّ أن يعدل عليك، وأوف كما تحبّ أن يوفّى لك، فإن بالعدل صلاح الناس. وكان ابن عباس يقول: يا معشر الموالي، إنكم قد ولّيتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم، هذا المكيال، والميزان، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ قال ابن زيد: تخسيره نقصه ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ قال مجاهد: للخلائق ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ
стр. 2115
الْأَكْمَامِ﴾ ، قال ابن زيد: هو الطلع قبل أن ينفتق، ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ ، قال مجاهد: العصف الورق من كل شيء، والريحان الرزق؛ وقال الحسن: هو ريحانكم الذي يشمّ. قال البغوي: كلها مدفوعات بالردّ على الفاكهة؛ وقرأ ابن عامر: بنصب الباء والنون و (ذا) بالألف. وقرأ حمزة والكسائي (والريحان) : بالجر عطفًا على (العصف) فذكر قوت الناس والأنعام، ثم خاطب الجن والإنس فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، أيها الثقلان؟ يريد من هذه الأشياء المذكورة؛ وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرًا للنعمة وتأكيدًا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع، يعدّد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل نعمتين بما ينبّههم عليها.
قوله : ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) ﴾ .
عن قتادة: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ ، قال: من طين له صلصلة كان يابسًا. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم
مما وصف لكم» . رواه مسلم وغيره. وقال ابن زيد: المارج: اللهب. وعن مجاهد: قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ، قال: مشرق الشتاء ومغربه، ومشرق الصيف ومغربه.
стр. 2116
وعن ابن عباس: قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ، يقول: أرسل. وقال ابن زيد في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ ، قال: منعهما أن يلتقيا بالبرزخ الذي جعل بينهما من الأرض. قال ابن كثير: والمراد بقوله البحرين: الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس. قال وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أي: من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى، كما قال تعالى: ... ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ ، والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجنّ. وعن ابن عباس قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها، فما وقع فيها -، يعني: من قطر - فهو اللؤلؤ. وعن قتادة: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قال: اللؤلؤ: الكبار من اللؤلؤ، والمرجان: الصغار منه. وعن ابن مسعود قال: المرجان: الخرز الأحمر. وعن قتادة: قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ، يعني: السفن. وقال مجاهد: ما رفع قطعة من السفن فهي منشآت، وإذا لم يرفع قلعها فليست بمنشآت.
قوله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ
стр. 2117
إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ... (٤٥) ﴾ .
قال ابن عباس: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ ، العظمة والكبرياء. وعن قتادة: قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ، لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، يحيي حيًّا ويميت ميتًا، ويربّي صغيرًا ويذلّ كبيرًا، وهو يسأل حاجات الصالحين ومنتهى شكواهم. وروى ابن جرير عن منيب بن عبد الله الأزديّ قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ، فقلنا يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: «من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرّج كربًا، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين» .
وعن ابن عباس: قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ ، قال: وعيد من الله للعباد، وليس بالله شغل. وقال الضحاك بن مزاحم: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشقّقت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم بالثانية، ثم بالثالثة، ثم بالرابعة، ثم بالخامسة، ثم بالسادسة، ثم بالسابعة، فصفّوا صفًّا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل
стр. 2118
الأرض ندّوا، فلا يأتون قطرًا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ .
وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ . وعن مجاهد: قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ ، قال: اللهب المنقطع ﴿وَنُحَاسٌ﴾ . قال: يذاب الصفر من فوق رؤوسهم. وعن قتادة في قوله: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ قال: هي اليوم خضراء ولونها يومئذٍ الحمرة. وعن مجاهد: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قال: كالدهن. وعن قتادة في قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ قال: حفظ الله عليهم أعمالهم، ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ قال: زرق العيون سود الوجوه ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي
وَالْأَقْدَامِ﴾ قال ابن عباس: يؤخذ ناصيته وقدميه، فيكسر كما يكسر الحطب في التنور ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ، قال: الآني: ما اشتدّ غليانه ونضجه.
قوله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاء
стр. 2119
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) ﴾ .
عن ابن عباس: قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ قال: وعد الله جلّ ثناؤه المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدّوا فرائضه الجنّة قال: والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته. وقال ابن زيد: مقامه حين يقوم العباد يوم القيامة وقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وعن مجاهد: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أغصان. وقال عكرمة: ظلّ الأغصان. وقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ ، قال الحسن: إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل. وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: فيهما من
كل نوع من الفاكهة ضربان ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال ابن مسعود: قد أُخبرتم بالبطائن، فكيف لو أُخبرتم بالظهائر؟ وعن قتادة: قوله: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ ، ثمارهما دانية لا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك، ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لا يقطع رجل ثمرة من الجنّة فتصل إلى فيه، حتى يبدل الله مكانها خيرًا منها» . وعن مجاهد في قوله: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ، قال: قصرن طرفهنّ عن الرجال، فلا ينظرن إلا إلى أزواجهنّ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ، قال: لم يمسّهنّ. وروى ابن جرير عن ابن مسعود مرفوعًا قال: «إن المرأة من أهل الجنة ليُرى بياض ساقها من وراء سبعين حلّة من حرير وذلك أن الله ﵎ يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أما الياقوت فإنه لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه» . وعن السدي في قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال: صفاء وحسن المرجان. وعن قتادة: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ
стр. 2120
وَالْمَرْجَانُ﴾ صفاء الياقوت في بياض المرجان ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ ؟ قال: عملوا خيرًا فجوزوا خيرًا.
قوله : ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي
الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨) ﴾ .
قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، جنّتا السابقين، فقرأ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ﴾ ثم رجع إلى أصحاب اليمين فقال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ، فذكر فضلهما وما فيهما. وعن عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: ... «جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عَدْنٍ» . متفق عليه. وقال ابن زيد في قوله: ... ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ، هما أدنى من هاتين، لأَصحاب اليمين. وعن ابن عباس: قوله ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان من الريّ، ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ بالماء. قال ابن جرير: يعني: فوّارتان. وعن سعيد بن جبير قال: نخل الجنّة جذوعها من ذهب، وعروقها من ذهب، وكرانيفها من زمرّد، وسفعها كسوة لأهل الجنّة، ورطبها
стр. 2121
كالدلاء أشدّ بياضًا من اللبن، وألين من الزبد وأحلى من العسل ليس له عجم. وعن قتادة في قوله: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، قال: خيرات في الأخلاق، حسان في الوجوه، ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ قال الضحاك: الحوراء العيناء الحسناء. وقال مجاهد: ﴿حُورٌ﴾ بيض ﴿مَّقْصُورَاتٌ﴾
على أزواجهنّ فلا يردن غيرهم ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ قال: لا يبرحن الخيام. وقال عمر بن الخطاب: الخيام درّ مجوّف. وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ ، قال: رياض الجنّة. وقال ابن عباس الرفرف فضول المجالس والبسط ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ، قال: الزرابيّ. وقال مجاهد: هو الديباج. وعن ابن عباس: قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ، يقول: ذو العظمة والكبرياء.
* * *
стр. 2122
الدرس الثالث والسبعون بعد المائتين
[سورة الواقعة]
مكية، وهي ست وتسعون آية
عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت! قال: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون» . رواه الترمذي. وعن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلّون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخفّ من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر: (الواقعة) ونحوها من السور) . رواه أحمد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (٥) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (٦) وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (١٨) لَا
стр. 2123
يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاء بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً (٢٥) إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (٣٠) وَمَاء مَّسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (٣٦) عُرُباً أَتْرَاباً (٣٧) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (٤٣) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا
لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) ﴾ .
* * *
стр. 2124
قوله : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (٥) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (٦) وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً (٢٦) ﴾ .
عن ابن عباس في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ و ﴿الطَّامَّةُ﴾ ... و ﴿الصَّاخَّةُ﴾ ، ونحو هذا من أسماء ﴿الْقِيَامَةِ﴾ عظّمة الله وحذّره عباده. وعن قتادة: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي: ليس لها مثنويّة ولا رجعة ولا ارتداد. وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ قال: أَسْمَعَتِ القريبِ والبعيدَ. ﴿خَافِضَةٌ﴾ أقوامًا إلى عذاب الله و ﴿رَّافِعَةٌ﴾ ، أقوامًا إلى كرامة الله، ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً﴾ ، قال: زلزلت زلزالاً. وعن مجاهد: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ ، قال: كما يُبَسُّ السويق. وقال ابن زيد: صارت كثيبًا مهيلاً كما قال الله. وعن مجاهد في قوله:
стр. 2125
﴿فَكَانَتْ
هَبَاء مُّنبَثّاً﴾ قال: شعاع الشمس يدخل من الكوّة ليس بشيء. وعن عليّ ﵁ في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً﴾ ، كوهج الغبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء. وعن قتادة: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ قال: منازل الناس يوم القيامة. ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ماذا لهم وماذا أعدّ لهم ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أي: ماذا لهم وماذا أعدّ لهم ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أي: من كلّ أمّة. وعن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثم قال: أوّلهم رواحًا إلى المسجد، وأوّلهم خروجًا في سبيل الله. وروى الإِمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من السابقون إلى ظلّ الله يوم القيامة» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «الذين إذا أُعطوا الحقّ قبلوه، وإذا سُئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» . وعن الحسن أنه أتى على هذه الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ، فقال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهمّ اجعلنا من أصحاب اليمين. وعن ابن عباس: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ ، قال: مرمولة بالذهب. وقال عكرمة: مشبّكة بالدرّ والياقوت. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا يناظر أحدهم في قفا صاحبه. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ ، قال: لا يموتون. وعن قتادة في قوله: ... ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ قال: الأكواب التي دون الأباريق ليس لها عرى، ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من خمر جارية ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ ليس
لها وجع رأس، ﴿وَلَا يُنزِفُونَ﴾ ، لا يغلب أحد على عقله. وقال البغوي: ﴿وَلَا يُنزِفُونَ﴾ ، ولا يسكرون؛ هذا إذا قرئ بفتح الزاي، ومن كسرها فمعناها: لا ينفد شرابهم. وقال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصدع، والقيء، والبول. فذكر الله تعالى خمر الجنّة ونزّهها عن هذه الخصال. وعن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قال: «صفاؤهن كصفاء الدرّ الذي في الأصداف الذي لا تمسّه
стр. 2126
الأيدي» . رواه ابن جرير. قال البغوي: ويروى أن الحوراء إذا مشت ليسمع تقديس الخلاخيل من ساقيها، وتمجيد الأسورة من ساعديها، وأن عقد الياقوت ليضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب، شراكهما من لؤلؤ، يصرّان بالتسبيح. ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً﴾ قال عطاء: يحيّي بعضهم بعضًا بالسلام.
قوله : ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (٣٠) وَمَاء مَّسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (٣٦) عُرُباً أَتْرَاباً (٣٧) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (٤٠) ﴾ .
عن قتادة في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أي: ماذا لهم وماذا أعدّ لهم ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ قال: كنا نحدّث: أنه
الموقر الذي لا شوك فيه. ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ ، كنا نحدّث أنه الموز. وقال معمر بن المثنى: هو عند العرب شجر عظام كثير الشوك. وقال مجاهد: ﴿مَّنضُودٍ﴾ أي: متراكم الثمر. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل. وروى النجار عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابيّ يومًا فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها فقال رسول الله ﷺ : «وما هي» ؟ قال: السدر فإن له شوكًا
стр. 2127
مؤذيًا؛ فقال رسول الله ﷺ : «أليس الله تعالى يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ خضد الله شوكه، فجعل مكان كلّ شوكة ثمرة فإنها لتنبت ثمرًا وتنفق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر» . وعن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . متفق عليه. وعن سفيان: ﴿وَمَاء مَّسْكُوبٍ﴾ قال: يجري في غير أخدود. وعن قتادة في قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ ، قال: لا يمنعه شوك ولا بعد.
وقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ ، قال ابن كثير: أي: عالية وطئية ناعمة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء﴾ ، قال أبو عبيدة: يعني بذلك: الحور العين. وعن الحسن قال: أتت عجوز فقالت: يا رسول الله ادعوا الله تعالى أن يدخلني الجنة، فقال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز» . فولّت تبكي، قال: «أخبروها أنها لا تدخلها
وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . رواه الترمذي. وعن ابن عباس: ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال: العُرب: المتحبّبات المتودّدات إلى أزواجهن. والأتراب: المستويات. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدّ كوكب درّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة،
стр. 2128
وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، هم على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء» . متفق عليه. وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ﴾ ، أي: جماعة، ﴿مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ قال الحسن: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾ من الأمم، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ أمة محمد ﷺ .
قوله : ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (٤٣) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ
(٥٧) أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ (٦٢) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ ، أي: ماذا لهم وماذا أعدّ لهم ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ كنا نحدّث أنها ظلّ الدخان ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ قال: لا بارد المنزل، ولا كريم المنظر. وقال الضحاك: كلّ شراب ليس بعذب فليس بكريم. وعن ابن عباس: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ يقول: منعمين ... ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ قال الضحاك: يعني: الشرك. وقال مجاهد: يدمنون على الذنب. وعن ابن عباس قوله: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قال:
стр. 2129
الإبل العطاش. وقال عكرمة: هي الإبل المراض تمصّ الماء مصًا ولا تروى.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ ، قال ابن كثير: أي: هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم، كما قال تعالى في حقّ المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ . وقال البغوي: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ ، يعني: ما ذكر من الزقّوم، والحميم: رزقهم وغذاؤهم، وما أعدّ لهم يوم الدين، يوم يجازون بأعمالهم؛ ثم احتجّ عليهم في البعث فقال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئًا وأنتم تعلمون ذلك
﴿فَلَوْلَا﴾ فهلا ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ بالبعث؟ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ ما تصبّون في الأرحام من النطف ﴿أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ، يعني: أأنتم تخلقون ما تمنون بشرًا، ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ؟ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم فذلك قوله : ﴿عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ يعني: نأتي بخلق مثلكم بدلاً منكم. ﴿وَنُنشِئَكُمْ﴾ نخلقكم ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الصور. وقال الحسن: أي: نبدّل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ ولم تكونوا شيئًا ﴿فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾ إني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) ﴾
стр. 2130
قال البغوي: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ ، يعني: تثيرون من الأرض وتلقون فيها من البذور، ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ تنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ المنبتون؟ وعن حجر المنذريّ أنه كان إذا قرأ: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وأمثالها ويقول: بل أنت يا رب. ﴿لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ
حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ، قال الكسائي: هو تلهّف على ما فات، وهو من الأضداد. وقال ابن كثير: أي: لو جعلناه حطامًا لظلتم تفكّهون في المقالة، تنوّعون كلامكم فتقولون تارة: إنا لمغرمون، وتارة تقولون: بل نحن محرومون. قال البغوي: والغرام: العذاب. وقال الضحاك، وابن كيسان: غرمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمًا علينا، والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، وهو قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ محدودن ممنوعون، أي: حُرِمْنا ما كنا نطلبه من الربح في الرزق. وقال ابن زيد: المزن: السحاب. وقال الحسن: ﴿أُجَاجاً﴾ مرًّا. وقال ابن عباس شديد الملوحة.
وعن قتادة: قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ للنار الكبرى. ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم» . قالوا: يا نبي الله إن كانت لكافية. قال: «قد ضُربت بالماء ضربتين لينتفع بها بنو آدم ويدنوا منها» . ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ ، قال: للمرمل المسافر. وعن مجاهد: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ للمستمتعين: المسافر، والحاضر، لكلّ طعام لا يصلحه إلا النار. وقال ابن زيد: المقوي: الجائع.
стр. 2131
وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ، قال ابن كثير: أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء الزلال العذب البارد، ولو شاء جعله ملحًا أجاجًا كالبحار المغرقة، وخلق النار المحرقة
وجعل ذلك مصلحة للعباد وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم وزجرًا لهم في المعاد.
* * *
стр. 2132
الدرس الرابع والسبعون بعد المائتين
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) ﴾ .
* * *
стр. 2133
قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ... (٨٢) ﴾ .
قال جمهور المفسرين: هذا قسم من الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه و (لا) مزيدة لتأكيد القسم. وعن مجاهد: قوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، قال: في السماء؛ وهذه الآية كقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ . وعن ابن عباس قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين بعد، وتلا هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، قال: نزل متفرّقًا. وقال الحسن: أراد انكدار النجوم وانتثارها يوم القيامة.
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ، أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به ﴿لَقَسَمٌ﴾ عظيم ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ عظمته لعظّمتم المقسم به عليه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . قال البغوي: ... ﴿إِنَّهُ﴾ يعني: هذا الكتاب، وهو موضع القسم ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ عزيز مكرّم لأنه كلام الله؛ قال بعض أهل المعاني: الكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير. ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ مصون عند الله في اللوح المحفوظ. وعن ابن عباس قال: إذا أراد الله أن ينزل كتابًا نسخته السفرة فـ ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ يعني: الملائكة. وعن قتادة: قوله:
﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ذاكم عند ربّ العالمين، فأما عندكم فيمسّه المشرك النجس والمنافق
стр. 2134
الرجس. وفي الموطّأ أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر» .
وعن جابر بن زيد في قوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال: القرآن ينزل من ذلك الكتاب. وقال الضحاك: زعموا أن الشياطين تنزّلت به على محمد، فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك وما تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا وهو محجوب عنهم، وقرأ قول الله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ .
قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وعن ابن عباس: قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ﴾ ، يقول: مكذّبون غير مصدّقين ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يقول: شكركم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، وقال الحسن في هذه الآية: خسر عبد لا يكون حظّه من كتاب الله إلا التكذيب. وعن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، ثم قال: ما مطر الناس ليلة قطّ إلا أصبح بعض الناس مشركين يقولون: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا. وفي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من
عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرْنَا بَنَوْءِ كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» .
стр. 2135
قوله : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) ﴾ .
قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: إلى المحتضَر وما يكابده من سكرات الموت ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: بملائكتنا ﴿وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ أي: ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ . وعن ابن عباس قوله: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ يقول: غير محاسَبين. وقال ابن زيد في قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ قال: لتلك النفس ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال البغوي: أي: تردّون نفس هذا
الميت إلى جسده بعدما بلغت الحلقوم، فأجاب عن قوله: ... ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وعن قوله: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بجواب واحد معناه: إن كان الأمر كما تقولون: أنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي، فهلا تردّون نفس من يعزّ عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم، وهو الله فآمِنوا به. ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبيّن درجاتهم فقال: ﴿فَأَمَّا إِن
стр. 2136
كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ .
وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ ، قال: الروح: الفرح. والريحان: الرزق؛ قال قتادة: يتلقّى به عند الموت. ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ، قال: سلام من عند الله، سلّمت عليه ملائكة الله. وقال ابن زيد: سَلِمَ مما يكون. وقال مقاتل: هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيِّئاتهم ويقبل حسناتهم. وعن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثًا ثم قال -: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس،
معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال -: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرّون بها - يعني: على ملأ من الملائكة - إلا قالوا: ما هذه الروح الطيّبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له فيشيّعه من كلِّ سماء مقرّبوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في علّيّين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى
стр. 2137
- قال -: فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مدّ بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه وحسن الثياب طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرّك، هذا يومك
الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقم الساعة، ربِّ أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح، فجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على الأرض، فيصعدون بها فلا يمرّون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمّى بها في الدنيا، حتى يُنتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له - ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا - ثم قرأ -: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما
стр. 2138
هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فينادي منادٍ
من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرّها وسَمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشرّ! فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِمِ الساعة» . رواه أحمد وغيره. وفي رواية: «ثم يقيّض له أعمى أصمّ أبكم، وفي يده مرزبّة لو ضرب بها جبلاً لكان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الشياطين» .
وله من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيّبة كانت في الجسد الطيّب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، وربّ غير غضبان، قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان فيقولون: مرحبًا بالروح الطيّبة كانت في الجسد الطيّب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان وربّ غير غضبان، قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج» . الحديث.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ ، قال البغوي: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني: ما ذكر من قصة المحتضرين ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: الحقّ اليقين. وقال ابن
стр. 2139
كثير: أي: أن هذا الخبر لهو حقّ اليقين الذي لا مرية فيه ولا محيد لأحدّ عنه ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ . وعن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال رسول الله ﷺ : «اجعلوها في سجودكم» . رواه أحمد وغيره. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .
* * *
стр. 2140
الدرس الخامس والسبعون بعد المائتين
[سورة الحديد]
مدنية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى
следующие страницы →