Полный текст (2 483 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) ﴾ .
قال البغوي: وقاتلهم، يعني: المشركين، ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك، يعني: قاتلوهم حتى يسلموا، فلا يقبل من الوثني إلا الإِسلام، فإن أبى قُتل. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ ، أي: الطاعة والعبادة لله وحده، فلا يعبد شيء دونه. قال نافع: جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير، فقال: ما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي قال: ألا تسمع ما ذكره الله : ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فقال: ابن أخي، ولأن أعتبر بهذه الآية ولا أقاتل، أحبّ إليّ من أن أعتبر بالآية التي يقول الله : ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ قال: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلاً وكان الرجل يفتن في دينه إما يقتلونه أو يعذبونه، حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوهم حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ، قال الربيع: هم المشركون. وقال مجاهد: ﴿فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ، يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم.
قوله : ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) ﴾ .
стр. 212
قال ابن عباس وغيره: (لما سار رسول الله ﷺ معتمرًا في ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ وعن جابر بن عبد الله قال: (لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزي ونغزو، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ) . رواه أحمد.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ سمي الجزاء باسم الابتداء، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ قال ابن كثير: أمر تعالى بالعدل حتى في المشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ، أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.
قوله : ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) ﴾ .
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ : ليس ذلك في القتال إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة.
وروى أبو داود وغيره عن أسلم بن عمران قال: (حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صفّ العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاريّ، فقال ناس:
стр. 213
ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية منكم، إنما نزلت فينا. صحبنا رسول الله ﷺ ، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجيًا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ، ونصره حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرنا على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم، فنزل فينا: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد) .
وروى ابن مردويه عن النعمان بن بشير في قوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: والأول أظهر، لتصديره الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها. وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العمدة بعموم اللفظ إلى أن قال: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة، فهو حسن. ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولاسيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين والله أعلم. انتهى.
* * *
стр. 214
الدرس الثاني والعشرون
﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (٢٠٠) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
стр. 215
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) ﴾ .
стр. 216
قوله : ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ .
لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك فقال: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ . قال ابن عباس: من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمها. تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت، فقد حل من إحرامه كله، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حل.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ . قال مجاهد: الحصر الحبس، كأنه يقول: أيما رجل اعترض له في حجته وعمرته فإنه يبعث بهديه من حيث يحبس. وقال قتادة: هو الخوف والمرض والحابس إذا أصابه ذلك بعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محله حل. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار. وقال ابن عباس: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شاة.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ، أي: الحرم.
قال ابن كثير: (إن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم. فأما في حال
стр. 217
الأمن والوصول إلى الحرم، فلا يجوز الحلق، حتى يبلغ
الهدي محله، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة، إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردًا أو متمتعًا، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس أحلّوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» .
وقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ، عن كعب بن عجرة قال: (حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: «ما كنت أرى أن الجهل بلغ بك هذا، أما تجد شاة» ؟ قلت: لا. قال: «صم ثلاثة أيام، وأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك» . فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة) . رواه البخاري وغيره.
وفي رواية لأحمد وغيره: «يؤذيك هوام رأسك» ؟ قلت: نعم. قال: «فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة» .
قوله : ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) ﴾ .
قال ابن كثير: (وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ، أي: فإذا تمكنتم من أداء المناسك، فمن
كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أولاً، فلما فرغ منها
стр. 218
أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص وهو المعروف في كلام الفقهاء. والتمتع العام يشمل القسمين كما دلت عليه الأحاديث الصحاح) . انتهى.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ، أي: فليذبح ما تيسر من الهدي وأقله شاة. ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ، أي: في أيام المناسك. قال عطاء وغيره: الأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره. وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تمّ صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وهل يجوز صيامها أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء والراجح الجواز، لما روى البخاري عن ابن عمر وعائشة قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) .
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال ابن عباس: هم أهل الحرم. وقال طاوس: المتعة للناس لا لأهل مكة، من لمن يكن أهله من الحرم. وقال مكحول في قوله ذلك: ... ﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ . قال: من كان دون الميقات. واختار ابن جرير: أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ ، أي: فيما أمركم ونهاكم، ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، لمن خالف أمره وارتكب نهيه.
قوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٧) ﴾ .
стр. 219
قال ابن عباس: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج، من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ . وقال ابن عمر: هي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. قال ابن جرير: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب.
وقوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة.
وقوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ ، أي: من أحرم بحج أو عمرة فليجتنب الرفث وهو الجماع. وكان ابن عمر يقول: الرفث: إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم. وقال ابن عباس: الرفث: التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث. وقال عطاء: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش. وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة إذا حللت أصبتك.
وقوله: ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾ . قال ابن عباس وغيره: هي المعاصي. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ . قال مجاهد: قد بين الله أشهر الحج، فليس فيه جدال بين الناس. وقال ابن عباس: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ . قال: المراء في الحج. وقال ابن مسعود في قوله: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ . قال: أن
стр. 220
تماري صاحبك حتى تغضبه، وكذا قال ابن عباس وغيره، وقال ابن عمر: الجدال في الحج السباب والمنازعة، وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقد من ذنبه» . رواه أحمد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ ، لمّا نهاهم عن إتيان القبيح حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ . روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوجون، ويقولون: نحن المتوكلون فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ ... التَّقْوَى﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ، لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . وقال مقاتل: لما نزلت هذه الآية:
﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله ما نجد ما نتزوده، فقال رسول الله ﷺ : «تزود ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى» . رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ، أي: العقول، والأفهام، أي: احذروا عقابي وعذابي لمن خالفني وعصاني.
стр. 221
قوله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٩٩) ﴾ .
روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: (كانت عكاظ ومجنة وذوى المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتّجروا في الموسم فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج) . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده. وروى أحمد وغيره عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون بالمعروف، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ فقال: «أنتم حجاج» .
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ . روى أحمد وأهل السنن عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحج عرفات، - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» . الحديث.
стр. 222
وفي حديث جابر الطويل: (فلم يزل واقفًا - يعني: بعرفة - حتى غابت الشمس وبدت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه. ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكينة» . كلما أتى جبلاً أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب الْقَصْوَاءَ حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس) . الحديث رواه مسلم.
وروى أحمد عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل عرفات موقف وادفعوا عن عرفة، وكل مزدلفة موقف وادفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح» .
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ، أي: واذكروه بالتوحيد والتعظيم كما هداكم لدينه، ومناسك حجه. ﴿وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ﴾ ، أي: وقد كنتم من قبل هذا الهدى لمن الضالين الجاهلين بدينهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . قال أهل التفسير: كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها وهم الحمس، يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله، وقطان حرمه، فلا نخلف الحرم، ولا نخرج منه، ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزذلفة، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات، ويفيضوا منها
стр. 223
إلى جمع مع سائر الناس. وقال الضحاك بن مزاحم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ... النَّاسُ﴾ ، قال: هو إبراهيم. وروى عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ها هنا هي: الإِفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، كثيرًا ما يأمر الله بذكره واستغفاره بعد قضاء العبادات، كما ورد ذلك في أدبار الصلوات وغيرها، ومن ذلك: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغور الرحيم» . وكان ﷺ يستغفر بعد السلام ثلاثًا؛ وفائدة الاستغفار الذل والانكسار بين يدي الجبار، كما في سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . قال رسول الله ﷺ : «من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة» . رواه البخاري.
قوله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (٢٠٠) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ
стр. 224
مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) ﴾ .
يأمر تعالى بذكره دائمًا والإكثار منه بعد قضاء المناسك. قال سعيد ابن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد ﷺ : ﴿فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ ، أي: حظ ونصيب، قال ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ ، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فأنزل الله: ... ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ . قال ابن عباس: الأيام المعدودات: أيام التشريق، والأيام المعلومات: أيام العشر. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لا تصوموا هذه الأيام - يعني: أيام منى - فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله » . رواه ابن جرير. وقال ابن عباس وغيره: الأيام المعدودات أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة بعده.
وقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ . قال قتادة: قوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، أي: من أيام التشريق
стр. 225
﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قبل أن ينفر، فلا نفر له حتى تزول الشمس من الغد، ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، يقول: ومن تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ . قال ابن مسعود: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، أي: غفر له. ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال: غفر له. وقال أبو العالية: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي. وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه , أو ما سلف من ذنوبه.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ، أي: اتقوا الله بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجزيكم بأعمالكم. والله أعلم.
* * *
стр. 226
الدرس الثالث والعشرون
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٢٠٨) فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم
стр. 227
مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤) ﴾ .
* * *
стр. 228
قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) ﴾ .
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف لبني زهرة وأقبل إلى النبي ﷺ بالمدينة فأظهر له الإسلام، فأعجب النبي ﷺ ذلك منه وقال: إنما جئت أريد الإسلام والله يعلم أني صادق، وذلك قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ، ثم خرج من عند النبي ﷺ ، فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ .
وقال أبو معشر: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب فقال سعيد: إن في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين. قال الله ﵎: أعليّ يجترئون وبي يفترون؟ فبعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيرانًا. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ ،
فقال سعيد: قد عرفت فيم أنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد.
وقال الضحاك: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ ، أي: ملك الأمر وصار واليًا، ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ﴾ ، قال مجاهد: إذا ولى يعمل بالعدوان والظلم، فأمسك الله المطر وأهلكم الحرث والنسل.
стр. 229
وقال قتادة: قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ، يقول: شديد القسوة في معصية الله، جدّال بالباطل، وإذا شئت رأيته عالم اللسان جاهل العمل، يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» . رواه البخاري وغيره.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ ، أي: إذا وعظ هذا الفاجر حملته العزة والغضب على الفعل بالإِثم، ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ ، أي: كافية ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراش. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . قال ابن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك.
قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) ﴾ .
قال ابن عباس وغيره: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية.
وعن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدًا فقلت: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم. فدفعت إليهم مالي
стр. 230
فخلوا عني فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» . مرتين. رواه ابن مردويه.
وقال ابن عباس: نزلت في سرية الرجيع. وعن المغيرة قال: بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل الحصن، فتقدم رجل من بجيلة فقاتل فقتل، فأكثر الناس يقولون فيه: ألقى بيده إلى التهلكة. قال: فبلغ ذلك ... عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كذبوا أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ ... بِالْعِبَادِ﴾ ؟ .
قال ابن كثير: وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
وقال ابن جرير: هي عامة في كل من باع نفسه في طاعة الله، وإن كان نزولها بسبب من الأسباب، هذا معنى كلامه.
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٢٠٨) فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) ﴾ .
قال ابن عباس وغيره: ﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإسلام. ... ﴿كَآفَّةً﴾ جميعًا.
стр. 231
وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر، ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فيما يأمركم به، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾ ، أي: ضللتم ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: الدلالات الواضحات ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال قتادة: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.
قوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٢١٠) ﴾ .
يقول تعالى مهددًا للكافرين: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ يوم القيامة ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ لفصل القضاء والملائكة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ ، وقال
تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ . وفي حديث الصور: «وينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبوح قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه سبحانه أبدًا أبدًا» . رواه ابن جرير.
قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره:
стр. 232
قراءته والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ ، أي: فصل الله القضاء بين الخلق، وجزي كلٌ بعمله، ودخل كلٌ منزله: فريق في الجنة وفريق في السعير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 233
قوله : ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿سَلْ﴾ يا محمد، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ، أي: حجة قاطعة بصدق موسى فيما جاءهم به، كاليد، والعصا، وفلق البحر، وضرب الحجر، وتظليل الغمام، وغير ذلك من الآيات، ومع هذا أعرض كثير منهم وبدلوا وكذبوا الأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، كما
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ .
قوله : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ فآثروها على الآخرة، ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ حيث آثروا الآخرة وأعرضوا عما يشغلهم عنها. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، أي: يعطي من يشاء من خلقه عطاء كثيرًا بلا حصر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ .
стр. 234
قوله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٢١٣) ﴾ .
قال ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ ، أي: الكتب بالحق، أي: الصدق والعدل، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ من أمور دينهم ودنياهم. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ ، أي: الكتاب، ﴿إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
قال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ ، أي: عند الاختلاف، أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . قال أبو العالية في هذه الآية المخرج من الشبهات، والضلالات، والفتن. وعن عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: «اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك
стр. 235
فيما كانوا فيه
يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» . رواه البخاري، ومسلم.
قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤) ﴾ .
قال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، اشتد عليهم الضر لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا مرضاة الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ ، وأسرّ قوم النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبًا لقلوبهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ﴾ . قال مجاهد وغيره: ﴿الْبَأْسَاء﴾ : الفقر، ... ﴿وَالضَّرَّاء﴾ : السقم، ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ : خوفوا من الأعداء. ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ﴾ ، أي: ما زال البلاء بهم حتى استبطئوا النصر. قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ ، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . وفي الحديث الصحيح: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» . والله أعلم.
* * *
стр. 236
الدرس الرابع والعشرون
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢١٨) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) ﴾ .
* * *
стр. 237
قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) ﴾ .
قال مقاتل: هذه الآية في نفقة التطوع، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ فبين لهم تعالى ذلك قال: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ، أي: اصرفوا نفقتكم في هذه الوجوه، كما في الحديث: «أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» ، قال ميمون بن مهران: هذه مواضع النفقة، ما ذكر فيها طبل ولا مزمار، ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ، أي: فيجازيكم عليه.
قوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٢١٦) ﴾ .
قال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد.
стр. 238
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ ، أي: شديد عليكم، ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ، لأن في الغزو إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة. ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ
لَّكُمْ﴾ ، فإن الذل في القعود، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم.
قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢١٨) ﴾ .
سبب نزول هذه الآية: (أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش في جمادي الآخرة، قبل وقعة بدر، ونفرًا معه سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة، من جمادي، وكانت أول رجب، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه) . قال ابن عباس: وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ﴾ ، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب محمد ﷺ ، والشرك أشد منه.
وقال ابن إسحاق: ﴿الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ، أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من
القتل، ﴿وَلاَ يَزَالُونَ
стр. 239
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.
قال البغوي: قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ عظيم، تم الكلام ها هنا، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ .
قال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ... الْقَتْلِ﴾ ، (وتأويل الكلام: وصد عن سبيل الله وكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم أهله وولاته، أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، فالصد عن سبيل الله مرفوع بقوله: ﴿أَكْبَرُ عِندَ اللهِ﴾ ، وقوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ ، عطف على الصد، ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ، يعني: الشرك أعظم وأكبر من القتل، يعني: مِنْ قَتْلِ ابن الحضرمي الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام) . انتهى.
قال ابن هشام: وقال عبد الله بن جحش:
تعدون قتلي في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به ولله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد
وروى ابن جرير عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وأمر ابن الحضرمي ما كان، قال بعض المسلمين: إن لم يكن أصابوا في سفرهم، أظنه قال: وزرًا، فليس لهم
فيه أجر، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 240
آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، قال قتادة: أثنى الله على أصحاب نبيه محمد ﷺ أحسن الثناء، هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.
قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ .
الخمر: ما خامر العقل، والميسر: القمار. وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن صلاته فهو ميسر.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ .
قال ابن كثير: (أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية.
وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ ، قال ابن جرير: يعني بذلك عز ذكره: والإثم بشرب هذه، والقمار بهذا، أَعظم وأكبر مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما؛ وإنما كان ذلك كذلك لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضًا، وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشر، فأداهم ذلك إلى ما يأثمون به، ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها) . انتهى.
وروى الإمام أحمد وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما نزلت تحريم الخمر قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا
شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ ، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام
стр. 241
الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ، قال عمر: انتهينا انتهينا، وزاد ابن أبي حاتم: (أنها تذهب المال وتذهب العقل) .
قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ .
قال ابن عباس وغيره: العفو ما يفضل عن أهلك، وفي الحديث الصحيح: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» ، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ، أي: كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ، أي: في زوال الدنيا وبقاء الآخرة فتعملوا لها.
قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) ﴾ .
قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي
بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ
стр. 242
سَعِيراً﴾ ، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ، رواه ابن جرير وغيره. وقال الربيع: للولي الذي يلي أمرهم فلا بأس عليه في ركوب الدابة أو شرب اللبن أو يخدمه الخادم، وقال السدي: كان العرب يشددون في اليتيم، حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرًا، ولا يستخدموا له خادمًا، فجاءوا إلى النبي ﷺ فسألوه عنه فقال: ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ ، يصلح له ماله وأمره له خير، وأن يخالطه فيأكل معه ويطعمه، ويركب راحلته ويحمله، ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجود.
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ ، فقال ابن زيد: والله يعلم حين تخلط مالك بماله، أتريد أن تصلح ماله أو تفسده فتأكله بغير حق.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ ، قال ابن عباس: لأخرجكم فضيّق عليكم ولكنه وسّع ويسّر، فقال: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، أي: عزيز في سلطانه، حكيم فيما صنع من تدبيره وترك الأعنات.
قال ابن كثير: وقوله ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء الله لضيَّق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسَّع عليكم وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن. والله أعلم.
стр. 243
الدرس الخامس والعشرون
... ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) ﴾ .
* * *
стр. 244
قوله : ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) ﴾ .
قال علي بن أبي طلحة في قوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ : استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ، قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهما، فقال له: «ما هي» ؟ قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ﷺ ، فقال: «يا عبد الله هذه مؤمنة» ، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ .
قال البغوي: هذا إجماع لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ، أي: معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على إيثار الدنيا على الآخرة، وهو موجب للنار. ﴿وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ
стр. 245
بِإِذْنِهِ﴾ ، أي: بأمره، ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» .
قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) ﴾
روى مسلم وغيره عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، فقال النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» .
وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ ، يعني: الفرج، قاله ابن عباس وغيره، وروى الإِمام أحمد وغيره عن عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «ما فوق الإِزار» . وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ ... يَطْهُرْنَ﴾ ، أي: لا تجامعوهن حتى يطهرن من الحيض ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ . قال ابن عباس: طؤهن في الفروج ولا تعدوه إلى غيره. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ ، من الذنب، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ، أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، ومن ذلك إتيان الحائض، والوطء في الدبر.
стр. 246
قوله : ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) ﴾ .
قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ، أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد. وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامع الرجل امرأته في دبرها في قبلها كان الولد أحول. فنزلت: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أناس من الأنصار، أتوا النبي ﷺ فسألوه فقال النبي ﷺ : «ائتها على كل حال، إذا كان في الفرج» ، وفي حديث آخر: «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة» ، وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعون من أتى امرأته في دبرها» .
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ ، قال السدي: يعني: الخير والعمل الصالح. وقال مجاهد: يعني: إذا أتى أهله فليدْعُ، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا» .
стр. 247
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ ، أي: خافوا الله فلا ترتكبوا ما نهاكم عنه. ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ﴾ ، فيجازيكم بأعمالكم. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، المطيعين بجزيل ثواب الله لهم.
قوله : ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) ﴾ .
قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ : لا تجعلن الله عرضة ليمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير، وفي الصحيحين عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» .
وقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، عن عائشة مرفوعًا: «اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله» . رواه أبو داود، وعنها قالت: (هم القوم يتدارءون في الأمر فيقول هذا لا والله، وبلى والله، وكلا والله يتدارءون في الأمر، لا تعقد عليه قلوبهم) ، وقالت أيضًا: (إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله) . وعن الحسن بن أبي الحسن: (مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون، يعني: يرمون، ومع رسول الله ﷺ رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي ﷺ للنبي ﷺ : حنث
стр. 248
الرجل يا رسول الله، قال: «كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» . رواه ابن جرير.
قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن. عن الحسن وعن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفّر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك» .
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، أي: عزمتم عليه، وقصدتم به اليمين كما قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، أي: غفور لذلات عباده حليم عليهم.
قوله : ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) ﴾ .
الإيلاء هو: أن يحلف من جميع نسائه أو بعضهن لا يقربهن، فإن وقّت بدون أربعة أشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقّت به، وإن وقّت بأكثر منها خيّر بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق.
وقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ ، أي: يحلفون على ترك جماعهن.
وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ، أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، فإن أبي طلق عليه الحاكم.
стр. 249
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، استدل بذلك على أنه لا كفارة عليه إذا فاء بعد الأربعة الأشهر، والجمهور أن عليه التكفير.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، قال سعيد بن المسيب: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، فإن جاوز فقد عصى الله. والله أعلم.
* * *
стр. 250
الدرس السادس والعشرون
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (٢٢٨) الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٢٣٢) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ
следующие страницы →